← Сира

Сира · id 31465

مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم لمحمد بن عبد الوهاب

محمد بن عبد الوهاب

Полный текст (321 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

[استقرار الرسول بالمدينة] فصل ولما استقر رسول اللَّه ﷺ في المدينة، وأيده اللَّه بنصره وبالمؤمنين. وألف بين قلوبهم بعد العداوة، ومنعته أنصار اللَّه من الأحمر والأسود رمتهم العرب واليهود عن قوس واحد، وشمروا لهم عن ساق العداوة والمحاربة. واللَّه يأمر رسوله والمؤمنين بالكف والعفو والصفح حتى قويت الشوكة. فحينئذ أذن لهم في القتال ولم يفرضه عليهم فقال تعالى ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩] (١) وهي أول آية نزلت في القتال. ثم فرض عليهم قتال من قاتلهم فقال تعالى ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠] الآية (٢) . ثم فرض عليهم قتال المشركين كافة فقال ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]- الآية (٣) . [بعض خصائص رسول اللَّه ﷺ ] بعض خصائص رسول اللَّه ﷺ وكان رسول اللَّه ﷺ يبايع أصحابه في الحرب على ألا يفروا، وربما بايعهم على الموت. وربما بايعهم على الجهاد. وربما بايعهم على الإسلام. وبايعهم على الهجرة قبل الفتح. وبايعهم على التوحيد والتزام طاعة اللَّه ورسوله.

стр. 142

وبايع نفرا من أصحابه على ألا يسألوا الناس شيئا. فكان السوط يسقط من أحدهم. فينزل فيأخذه ولا يسأل أحدا أن يناوله إياه. وكان يبعث البعوث يأتونه بخبر عدوه. ويطلع الطلائع ويبث الحرث والعيون حتى لا يخفى عليه من أمر عدوه شيء. وكان إذا لقي عدوه دعا اللَّه واستنصر به وأكثر هو وأصحابه من ذكر اللَّه والتضرع له. وكان كثير المشاورة لأصحابه في الجهاد. وكان يتخلف في ساقتهم. فيزجي الضعيف ويردف المنقطع. وكان إذا أراد غزوة ورى بغيرها. وكان يرتب الجيش والمقاتلة ويجعل في كل جنبة كفؤا لها. وكان يبارز بين يديه بأمره. وكان يلبس للحرب عدته. وربما ظاهر بين درعين كما فعل يوم بدر. وكان له ألوية. وكان إذا ظهر على قوم أقام بعرصتهم ثلاثا ثم قفل. وكان إذا أراد أن يغير ينتظر. فإذا سمع مؤذنا لم يغر وإلا أغار. وكان يحب الخروج يوم الخميس بكرة. وكان إذا اشتد البأس اتقوا به وكان أقربهم إلى العدو. وكان يحب الخيلاء في الحرب. وينهى عن قتل النساء والولدان. وينهى عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو.

стр. 143

[أول لواء عقده رسول اللَّه ﷺ ] أول لواء عقده رسول اللَّه ﷺ وأول لواء عقده رسول اللَّه ﷺ على قول موسى بن عقبة - لواء حمزة بن عبد المطلب في شهر رمضان في السنة الأولى، بعثه في ثلاثين رجلا من المهاجرين خاصة يعترض عيرا لقريش جاءت من الشام، فيها أبو جهل في ثلاثمائة رجل حتى بلغوا سيف البحر من ناحية العيص، فالتقوا واصطفوا للقتال فحجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني. وكان موادعا للفريقين. فلم يقتتلوا. [سرية عبيدة بن الحارث] سرية عبيدة بن الحارث ثم بعث عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف في شوال من تلك السنة في سرية إلى بطن رابغ في ستين رجلا من المهاجرين خاصة. فلقي أبا سفيان عند رابغ. فكان بينهم الرمي. ولم يسلوا السيوف. وإنما كانت مناوشة. وكان سعد بن أبي وقاص أول من رمى بسهم في سبيل اللَّه ثم انصرف الفريقان. وقدم ابن إسحاق سرية حمزة. [سرية سعد بن أبي وقاص] سرية سعد بن أبي وقاص ثم بعث سعد بن أبي وقاص في ذي القعدة من تلك السنة إلى الخرار من أرض الحجاز، يعترضون عيرا لقريش. وعهد إليه ألا يجاوز الخرار، وكانوا عشرين. فخرجوا على أقدامهم يسيرون بالليل ويكمنون بالنهار. حتى بلغوا الخرار، فوجدوا العير قد مرت بالأمس.

стр. 144

ثم دخلت السنة الثانية. [غزوة الأبواء] غزوة الأبواء فغزا فيها ﷺ غزوة الأبواء. وكانت أول غزوة غزاها رسول اللَّه ﷺ بنفسه. خرج في المهاجرين خاصة يعترض عيرا لقريش فلم يلق كيدا. وفيها وادع بني ضمرة على ألا يغزوهم ولا يغزوه ولا يعينوا عليه أحدا. [غزوة بواط] غزوة بواط ثم غزا بواطا في ربيع الأول. خرج يعترض عيرا لقريش فيها أمية بن خلف ومائة رجل من المشركين. فبلغ بواطا - جبلا من جبال جهينة - فرجع ولم يلق كيدا. [خروجه لطلب كرز بن جابر] خروجه لطلب كرز بن جابر ثم خرج في طلب كرز بن جابر الفهري. وقد أغار على سرح المدينة، فاستاقه. فخرج رسول اللَّه ﷺ في أثره حتى بلغ سفوان من ناحية بدر وفاته كرز. [غزوة العشيرة] غزوة العشيرة ثم خرج في جمادى الآخرة في مائة وخمسين من المهاجرين يعترضون عيرا لقريش ذاهبة إلى الشام. وخرج في ثلاثين بعيرا يتعاقبونها. فبلغ ذا العشيرة من ناحية ينبع. فوجد العير فاتته بأيام. وهي التي خرجوا لها يوم بدر لما جاءت عائدة من الشام. وفيها: وادع بني مدلج وحلفاءهم.

стр. 145

[بعث عبد اللَّه بن جحش] بعث عبد اللَّه بن جحش ثم بعث عبد اللَّه بن جحش إلى نخلة في رجب في اثني عشر رجلا من المهاجرين كل اثنين على بعير. فوصلوا إلى نخلة، يرصدون عيرا لقريش. وكان رسول اللَّه ﷺ قد كتب له كتابا. وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين. فلما فتح الكتاب إذا فيه «إذا نظرت في كتابي هذا، فامض حتى تنزل بنخلة بين مكة والطائف، فترصد قريشا، وتعلم لنا أخبارها» . فأخبر أصحابه بذلك وأخبرهم أنه لا يستكرههم فقالوا: سمعا وطاعة. فلما كان في أثناء الطريق أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرهما. فتخلفا في طلبه. ومضوا حتى نزلوا نخلة. [قتل عمرو بن الحضرمي] قتل عمرو بن الحضرمي فمرت بهم عير قريش تحمل زبيبا وتجارة فيها عمرو بن الحضرمي، فقتلوه وأسروا عثمان ونوفلا ابني عبد اللَّه بن المغيرة والحكم بن كيسان مولى بني المغيرة. فقال المسلمون نحن في آخر يوم من رجب. فإن قاتلناهم انتهكنا الشهر الحرام وإن تركناهم الليلة دخلوا الحرم. ثم أجمعوا على ملاقاتهم. فرمى أحدهم عمرو بن الحضرمي فقتله وأسروا عثمان والحكم. وأفلت نوفل. ثم قدموا بالعير والأسيرين حتى عزلوا من ذلك الخمس. فكان أول خمس في الإسلام وأول قتل في الإسلام وأول أسر. فأنكر رسول اللَّه ﷺ ما فعلوه.

стр. 146

واشتد إنكار قريش لذلك. وزعموا: أنهم وجدوا مقالا. فقالوا قد أحل محمد الشهر الحرام. واشتد على المسلمين ذلك حتى أنزل اللَّه ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] (١) الآية يقول سبحانه هذا الذي أنكرتموه - وإن كان كبيرا - فما ارتكبتموه وترتكبونه من الكفر باللَّه والصد عن سبيله وبيته وإخراج المسلمين منه أكبر عند اللَّه. [معنى الفتنة] معنى الفتنة و " الفتنة " هنا الشرك كقوله ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] (٢) وقوله ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] (٣) أي لم تكن عاقبة شركهم وآخرة أمرهم إلا أن أنكروه وتبرءوا منه. وحقيقتها: الشرك الذي يدعو إليه صاحبه ويعاقب من لم يفتتن به. ولهذا قال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ [البروج: ١٠] (٤) الآية فسرت بتعذيب المؤمنين وإحراقهم بالنار ليرجعوا عن دينهم. وقد تأتي " الفتنة " ويراد بها: المعصية. كقوله تعالى ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾ [التوبة: ٤٩]- الآية (٥) وكفتنة الرجل في أهله وماله وولده

стр. 147

وجاره وكالفتن التي وقعت بين أهل الإسلام. وأما التي يضيفها اللَّه لنفسه فهي بمعنى الامتحان والابتلاء والاختبار. [وقعة بدر الكبرى يوم الفرقان] وقعة بدر الكبرى يوم الفرقان فلما كان في رمضان بلغ رسول اللَّه ﷺ خبر العير المقبلة من الشام مع أبي سفيان فيها أموال قريش فندب رسول اللَّه ﷺ للخروج إليها فخرج مسرعا في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا. ولم يكن معهم من الخيل إلا فرسان فرس للزبير وفرس للمقداد بن الأسود. وكان معهم سبعون بعيرا يعتقب الرجلان والثلاثة على بعير. واستخلف على المدينة عبد اللَّه بن أم مكتوم. فلما كان بالروحاء رد أبا لبابة واستعمله على المدينة. ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير والراية إلى علي وراية الأنصار إلى سعد بن معاذ. ولما قرب من الصفراء: بعث بسبس بن عمرو وعدي بن أبي الزغباء يتحسسان أخبار العير. وبلغ أبا سفيان مخرج رسول اللَّه ﷺ . فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري. وبعثه حثيثا إلى مكة مستصرخا قريشا بالنفير إلى عيرهم. فنهضوا مسرعين. ولم يتخلف من أشرافهم سوى أبي لهب. فإنه عوض عنه رجلا بجعل. وحشدوا فيمن حولهم من قبائل العرب. ولم يتخلف عنهم من بطون قريش إلا بني عدي فلم يشهدها منهم أحد وخرجوا من

стр. 148

ديارهم كما قال تعالى ﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٤٧] (١) فجمعهم على غير ميعاد كما قال تعالى ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾ [الأنفال: ٤٢] (٢) . ولما بلغ رسول اللَّه ﷺ خروج قريش استشار أصحابه. فتكلم المهاجرون فأحسنوا ثم استشارهم ثانيا. فتكلم المهاجرون. ثم ثالثا. فعلمت الأنصار أن رسول اللَّه إنما يعنيهم، فقال سعد بن معاذ: كأنك تعرض بنا يا رسول اللَّه، وكان إنما يعنيهم لأنهم بايعوه على أن يمنعوه في ديارهم، وكأنك تخشى أن تكون الأنصار ترى عليهم ألا ينصروك إلا في ديارهم. وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم. فامض بنا حيث شئت وصل حبل من شئت واقطع حبل من شئت وخذ من أموالنا ما شئت. وأعطنا ما شئت. وما أخذت منها كان أحب إلينا مما تركت. فواللَّه لئن سرت بنا حتى تبلغ البَرْك من غُمدان لنسيرن معك وواللَّه لئن استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك. وقال المقداد بن الأسود: إذن لا نقول كما قال قوم موسى لموسى ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] ولكن نقاتل من بين يديك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك. فأشرق وجه رسول اللَّه ﷺ بما سمع منهم. وقال: «سيروا وأبشروا. فإن اللَّه وعدني إحدى الطائفتين. وإني قد رأيت مصارع القوم» . وكره بعض الصحابة لقاء النفير وقالوا: لم نستعد لهم فهو

стр. 149

قوله تعالى ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ - يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ﴾ [الأنفال: ٥ - ٦]- إلى قوله - ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الأنفال: ٨] (١) . وسار رسول اللَّه ﷺ إلى بدر. وخفض أبو سفيان. فلحق بساحل البحر. وكتب إلى قريش أن ارجعوا فإنكم إنما خرجتم لتحرزوا عيركم. فأتاهم الخبر فهموا بالرجوع. فقال أبو جهل: واللَّه لا نرجع حتى نقدم بدرا فنقيم بها نطعم من حضرنا ونسقي الخمر وتعزف علينا القيان. وتسمع بنا العرب. فلا تزال تهابنا أبدا وتخافنا. فأشار الأخنس بن شريق عليهم بالرجوع فلم يفعلوا. فرجع هو وبنو زهرة. فلم يزل الأخنس في بني زهرة مطاعا بعدها. وأراد بنو هاشم الرجوع. فقال أبو جهل لا تفارقنا هذه العصابة حتى نرجع فساروا إلا طالب بن أبي طالب. فرجع. وسار رسول اللَّه ﷺ حتى نزل على ماء أدنى مياه بدر. فقال الحباب بن المنذر: إن رأيت أن نسير إلى قُلُب - قد عرفناها - كثيرة الماء عذبة فننزل عليها. ونغور ما سواها من المياه؟ وأنزل اللَّه تلك الليلة مطرا واحدا صلب الرمل. وثبت الأقدام. وربط على قلوبهم. ومشى رسول اللَّه ﷺ في موضع المعركة. وجعل يشير بيده ويقول: «هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان إن شاء اللَّه.» فما تعدى أحد منهم

стр. 150

موضع إشارته ﷺ . فلما طلع المشركون قال رسول اللَّه ﷺ «اللَّهم هذه قريش جاءت بخيلائها وفخرها جاءت تحادك وتكذب رسولك. اللَّهم فنصرك الذي وعدتني. اللَّهم أحنهم الغداة» وقام ورفع يديه واستنصر ربه وبالغ في التضرع ورفع يديه حتى سقط رداؤه. وقال «اللَّهم أنجز لي ما وعدتني اللَّهم إني أنشدك عهدك ووعدك اللَّهم إن تهلك هذه العصابة لن تعبد في الأرض بعد» (١) . فالتزمه أبو بكر الصديق من ورائه وقال حسبك مناشدتك ربك يا رسول اللَّه. أبشر فوالذي نفسي بيده لينجزن اللَّه لك ما وعدك. واستنصر المسلمون اللَّه واستغاثوه. فأوحى اللَّه إلى الملائكة ﴿أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ١٢] (٢) وأوحى اللَّه إلى رسوله ﴿أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩] (٣) بكسر الدال وفتحها. قيل إردافا لكم. وقيل يردف بعضهم بعضا لم يجيئوا دفعة واحدة. فلما أصبحوا أقبلت قريش في كتائبها. وقلل اللَّه المسلمين في أعينهم حتى قال أبو جهل - لما أشار عتبة بن ربيعة بالرجوع خوفا على قريش من التفرق والقطيعة إذا قتلوا أقاربهم - إن ذلك ليس به. ولكنه - يعني عتبة - عرف أن محمدا وأصحابه أكلة جزور وفيهم ابنه فقد تخوفكم عليه.

стр. 151

وقلل اللَّه المشركين أيضا في أعين المسلمين ليقضي اللَّه أمرا كان مفعولا. وأمر أبو جهل عامر بن الحضرمي - أخا عمرو بن الحضرمي - أن يطلب دم أخيه. فصاح. وكشف عن استه يصرخ واعمراه واعمراه. فحمي القوم. ونشبت الحرب. وعدل رسول اللَّه ﷺ الصفوف. ثم انصرف وغفا غفوة. وأخذ المسلمين النعاس وأبو بكر الصديق مع رسول اللَّه ﷺ يحرسه. وعنده سعد بن معاذ وجماعة من الأنصار على باب العريش. فخرج رسول اللَّه ﷺ يثب في الدرع. ويتلو هذه الآية ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] (١) . ومنح اللَّه المسلمين أكتاف المشركين. فتناولوهم قتلا وأسرا. فقتلوا سبعين وأسروا سبعين. وخرج عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة: يطلبون المبارزة. فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار فقالوا: أكفاء كرام. ما لنا بكم من حاجة. إنما نريد من بني عمنا. فبرز إليهم حمزة وعبيدة بن الحارث بن المطلب وعلي بن أبي طالب. فقتل علي قرنه الوليد. وقتل حمزة قرنه شيبة. واختلف عبيدة وعتبة ضربتين كلاهما أثبت صاحبه. فكر حمزة وعلي على قرن عبيدة فقتلاه. واحتملا عبيدة قد قطعت رجله. فقال لو كان أبو طالب حيا لعلم أنا أولى منه بقوله: ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل

стр. 152

ومات بالصفراء وفيهم نزلت ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩]- الآية (١) فكان علي ﵁ يقول «أنا أول من يجثو للخصومة بين يدي اللَّه يوم القيامة» . ولما عزمت قريش على الخروج وذكروا ما بينهم وبين بني كنانة من الحرب. فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك. فقال ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨] فلما تعبئوا للقتال ورأى الملائكة فر ونكص على عقبيه فقالوا: إلى أين يا سراقة؟ فقال ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٤٨] وظن المنافقون ومن في قلبه مرض أن الغلبة بالكثرة فقالوا ﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾ [الأنفال: ٤٩] فأخبر اللَّه سبحانه أن النصر إنما هو بالتوكل على اللَّه وحده. ولما دنا العدو قام رسول اللَّه ﷺ فوعظ الناس. وذكرهم بما لهم في الصبر والثبات من النصر وأن اللَّه قد أوجب الجنة لمن يستشهد في سبيله. فأخرج عمير بن الحمام بن الجموح تمرات من قرنه يأكلهن. ثم قال لئن حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة " فرمى بهن وقاتل حتى قتل فكان أول قتيل. وأخذ رسول اللَّه ﷺ ملء كفه ترابا فرمى به في وجوه القوم. فلم تترك رجلا منهم إلا ملأت عينيه. فهو قوله تعالى ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] (٢) .

стр. 153

واستفتح أبو جهل فقال اللَّهم أقطعنا للرحم وأتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة. ولما وضع المسلمون أيديهم على العدو - يقتلون ويأسرون - وسعد بن معاذ واقف عند رسول اللَّه ﷺ في رجال من الأنصار في العريش - رأى رسول اللَّه ﷺ في وجه سعد الكراهية. فقال «كأنك تكره ما يصنع الناس؟ قال أجل واللَّه يا رسول اللَّه كانت أول وقعة أوقعها اللَّه في المشركين. وكان الإثخان في القتل أحب إلي من استبقاء الرجال» . ولما بردت الحرب وانهزم العدو قال رسول اللَّه ﷺ «من ينظر لنا ما صنع أبو جهل؟» (١) فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضربه معوذ وعوف - ابنا عفراء - حتى برد. فأخذ بلحيته فقال أنت أبو جهل؟ فقال لمن الدائرة اليوم؟ قال للَّه ورسوله. ثم قال له هل أخزاك اللَّه يا عدو اللَّه؟ قال وهل فوق رجل قتله قومه؟ فاحتز رأسه عبد اللَّه بن مسعود. ثم أتى النبي ﷺ . فقال قتلته فقال " آلله الذي لا إله إلا هو؟ - ثلاثا - ثم قال: «الحمد للَّه الذي صدق وعده ونصر عبده. وهزم الأحزاب وحده» . انطلق فأرنيه. فانطلقنا فأريته إياه. فلما وقف عليه قال: «هذا فرعون هذه الأمة» . وأسر عبد الرحمن بن عوف أمية بن خلف وابنه عليا. فأبصره بلال - وكان يعذبه بمكة - فقال رأس الكفر أمية؟ لا نجوت إن نجا. ثم استحمى جماعة من الأنصار. واشتد عبد الرحمن بهما يحجزهما منهم فأدركوهم. فشغلهم عن أمية بابنه علي ففرغوا منه ثم لحقوهما.

стр. 154

فقال له عبد الرحمن ابرك. فبرك وألقى عليه عبد الرحمن بنفسه. فضربوه بالسيوف من تحته حتى قتلوه. وأصاب بعض السيوف رجل عبد الرحمن. وكان أمية قد قال له قبل ذاك من المعلم في صدره بريش النعام؟ فقال له ذاك حمزة بن عبد المطلب. قال ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل. وانقطع يومئذ سيف عكاشة بن محصن. فأعطاه النبي ﷺ جذلا من حطب فلما أخذه وهزه عاد في يده سيفا طويلا فلم يزل يقاتل به حتى قتل يوم الردة. ولما انقضت الحرب أقبل النبي ﷺ حتى وقف على القتلى. فقال: «بئس عشيرة النبي كنتم كذبتموني. وصدقني الناس. وخذلتموني ونصرني الناس. وأخرجتموني. وآواني الناس» . ثم أمر بهم فسحبوا حتى ألقوا في القليب - قليب بدر - ثم وقف عليهم فقال يا عتبة بن ربيعة ويا شيبة بن ربيعة ويا فلان ويا فلان هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا فقال عمر يا رسول اللَّه ما تخاطب من أقوام قد جيفوا؟ فقال ما أنت بأسمع لما أقول منهم. ثم ارتحل مؤيدا منصورا قرير العين معه الأسرى والمغانم. فلما كان بالصفراء قسم الغنائم وضرب عنق النضر بن الحارث. ثم لما نزل بعرق الظبية ضرب عنق عقبة بن أبي معيط. ثم دخل المدينة مؤيدا منصورا. قد خافه كل عدو له بالمدينة.

стр. 155

فأسلم بشر كثير من أهل المدينة ودخل عبد اللَّه بن أبي رأس المنافقين وأصحابه في الإسلام. وجملة من حضر بدرا: ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا. واستشهد منهم أربعة عشر رجلا. قال ابن إسحاق: كان أناس قد أسلموا. فلما هاجر رسول اللَّه ﷺ حبسهم أهلهم بمكة. وفتنوهم فافتتنوا. ثم ساروا مع قومهم إلى بدر. فأصيبوا فأنزل اللَّه فيهم ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧]- الآية (١) . [قسم غنائم بدر] قسم غنائم بدر ثم إن رسول اللَّه ﷺ أمر بالغنائم فجمعت فاختلفوا. فقال من جمعها: هي لنا. وقال من هزم العدو لولانا ما أصبتموها، وقال الذين يحرسون رسول اللَّه ﷺ ما أنتم بأحق بها منا. قال عبادة بن الصامت: فنزعها اللَّه من أيدينا. فجعلها إلى رسول اللَّه ﷺ فقسمه بين المسلمين وأنزل اللَّه تعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١]- الآيات (٢) . وذكر ابن إسحاق عن نبيه بن وهب. قال " فرق رسول اللَّه ﷺ الأسرى على أصحابه. وقال استوصوا بالأسرى خيرا فكان أبو عزيز بن عمير عند رجل من الأنصار، فقال له أخوه مصعب شد يدك به. فإن أخته ذات متاع. فقال أبو عزيز يا أخي، هذه وصيتك بي؟ فقال

стр. 156

مصعب: إنه أخي دونك. قال عزيز وكنت مع رهط من الأنصار حين قفلوا، فكانوا إذا قدموا طعاما خصوني بالخبز وأكلوا التمر. لوصية رسول اللَّه ﷺ إياهم بنا، ما يقع في يد رجل منهم كسرة إلا نفحني بها. قال فأستحي فأردها على أحدهما. فيردها علي ما يمسها. [أسارى بدر] أسارى بدر واستشار رسول اللَّه ﷺ أصحابه في الأسرى وهم سبعون. وكذلك القتلى سبعون أيضا. فأشار الصديق أن يؤخذ منهم فدية تكون لهم قوة. ويطلقهم لعل اللَّه يهديهم للإسلام. فقال عمر لا واللَّه ما أرى ذلك. ولكني أرى أن تمكننا، فنضرب أعناقهم. فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديد الشرك فهوى رسول اللَّه ﷺ ما قال أبو بكر. فقال: «إن اللَّه ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللين وإن اللَّه ليشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة. وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم إذ قال ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] وإن مثلك يا أبا بكر كمثل عيسى، إذ قال ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المائدة: ١١٨]- الآية وإن مثلك يا عمر كمثل موسى، قال ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨]- الآية وإن مثلك يا عمر كمثل نوح قال ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] ثم قال أنتم اليوم عالة. فلا ينفلتن منهم أحد إلا بفداء أو ضرب عنق. فأنزل اللَّه تعالى ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]- الآيتين» (١) .

стр. 157

قال عمر فلما كان من الغد غدوت على رسول اللَّه ﷺ فإذا هو قاعد - هو وأبو بكر - يبكيان. فقلت: يا رسول اللَّه أخبرني ما يبكيك؟ وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد تباكيت لبكائكما. فقال أبكي للذي عرض علي أصحابك من الغد من أخذهم الفداء. فقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة - لشجرة قريبة منه - وقال لو نزل عذاب ما سلم منه إلا عمر (١) . وقال الأنصار للنبي ﷺ نريد أن نترك لابن أختنا العباس فداءه فقال «لا تدعوا منه درهما» ثم دخلت السنة الثالثة من الهجرة. [غزوة بني قينقاع] غزوة بني قينقاع فكانت فيها غزوة بني قينقاع وكانوا من يهود المدينة. فنقضوا العهد. فحاصرهم رسول اللَّه ﷺ خمس عشرة ليلة. فنزلوا على حكمه فشفع فيهم عبد اللَّه بن أبي ابن سلول. وألح على رسول اللَّه ﷺ فيهم. فأطلقهم له وكانوا سبعمائة رجل. وهم رهط عبد اللَّه بن سلام. [غزوة أحد] غزوة أحد وفيها كانت وقعة أحد في شوال. وذلك: أن اللَّه ﵎ لما أوقع بقريش يوم بدر، وترأس فيهم أبو سفيان لذهاب أكابرهم أخذ يؤلب على رسول اللَّه ﷺ وعلى المسلمين. ويجمع الجموع. فجمع قريبا من ثلاث آلاف من قريش،

стр. 158

والحلفاء والأحابيش. وجاءوا بنسائهم لئلا يفروا. ثم أقبل بهم نحو المدينة. فنزل قريبا من جبل أحد. فاستشار رسول اللَّه ﷺ أصحابه في الخروج إليهم. وكان رأيه ألا يخرجوا. فإن دخلوها قاتلهم المسلمون على أفواه السكك والنساء من فوق البيوت ووافقه عبد اللَّه بن أبي - رأس المنافقين - على هذا الرأي. فبادر جماعة من فضلاء الصحابة - ممن فاته بدر - وأشاروا على رسول اللَّه بالخروج. وألحوا عليه. فنهض ودخل بيته ولبس لأمته وخرج عليهم فقالوا: استكرهنا رسول اللَّه ﷺ على الخروج. ثم قالوا: إن أحببت أن تمكث بالمدينة فافعل فقال ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم اللَّه بينه وبين عدوه. فخرج في ألف من أصحابه واستعمل على المدينة عبد اللَّه بن أم مكتوم. وكان رسول اللَّه ﷺ رأى رؤيا: رأى أن في سيفه ثلمة وأن بقرا تذبح. وأنه يدخل يده في درع حصينة. فتأول الثلمة برجل يصاب من أهل بيته والبقر بنفر من أصحابه يقتلون والدرع بالمدينة فخرج وقال لأصحابه عليكم بتقوى اللَّه والصبر عند البأس إذا لقيتم العدو. وانظروا ماذا أمركم اللَّه به فافعلوا. فلما كان بالشوط - بين المدينة وأحد - انخذل عبد اللَّه بن أبي بنحو ثلث العسكر وقال عصاني. وسمع من غيري ما ندري: علام نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس؟ فرجع وتبعهم عبد اللَّه بن عمرو - والد جابر - يحرضهم على الرجوع. ويقول قاتلوا في سبيل اللَّه أو ادفعوا، قالوا:

стр. 159

لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجع فرجع عنهم وسبهم. وسأل نفر من الأنصار رسول اللَّه ﷺ أن يستعينوا بحلفائهم من يهود. فأبى، وقال من يخرج بنا على القوم من كثب؟ . فخرج به بعض الأنصار، حتى سلك في حائط لمربع بن قيظي من المنافقين - وكان أعمى - فقام يحثو التراب في وجوه المسلمين ويقول لا أحل لك أن تدخل في حائطي، إن كنت رسول اللَّه. فابتدروه ليقتلوه. فقال رسول اللَّه ﷺ لا تقتلوه فهذا أعمى القلب أعمى البصر. ونفذ حتى نزل الشعب من أحد، في عدوة الوادي الدنيا. وجعل ظهره إلى أحد ونهى الناس عن القتال حتى يأمرهم. فلما أصبح يوم السبت تعبأ للقتال. وهو في سبعمائة منهم خمسين فارسا. واستعمل على الرماة - وكانوا خمسين - عبد اللَّه بن جبير. وأمرهم ألا يفارقوا مركزهم ولو رأوا الطير تختطف العسكر. وأمرهم أن ينضحوا المشركين بالنبل لئلا يأتوا المسلمين من ورائهم. وظاهر رسول اللَّه ﷺ بين درعين. وأعطى اللواء مصعب بن عمير، وجعل على إحدى المجنبتين الزبير بن العوام وعلى الأخرى: المنذر بن عمرو. واستعرض الشباب يومئذ. فرد من استصغر عن القتال - كابن عمر وأسامة بن زيد والبراء وزيد بن أرقم وزيد بن ثابت، وعرابة الأوسي - وأجاز من رآه مطيقا. وتعبأت قريش وهم ثلاثة آلاف وفيهم مائتا فارس فجعلوا على ميمنتهم خالد بن الوليد. وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل.

стр. 160

ودفع رسول اللَّه ﷺ سيفه إلى أبي دجانة. وكان أول من بدر من المشركين أبو عامر - عبد عمرو بن صيفي - الفاسق. وكان يسمى الراهب. وهو رأس الأوس في الجاهلية. فلما جاء الإسلام شرق به وجاهر بالعداوة. فذهب إلى قريش يؤلبهم على رسول اللَّه ﷺ ووعدهم بأن قومه إذا رأوه أطاعوه. فلما ناداهم وتعرف إليهم قالوا: لا أنعم اللَّه بك عينا يا فاسق. فقال لقد أصاب قومي بعدي شر ثم قاتل المسلمين قتالا شديدا. ثم أرضخهم بالحجارة. وأبلى يومئذ أبو دجانة وطلحة وحمزة وعلي والنضر بن أنس وسعد بن الربيع بلاء حسنا. وكانت الدولة أول النهار للمسلمين. فانهزم أعداء اللَّه وولوا مدبرين. حتى انتهوا إلى نسائهم. فلما رأى ذلك الرماة قالوا: الغنيمة الغنيمة. فذكرهم أميرهم عهد رسول اللَّه ﷺ فلم يسمعوا. فأخلوا الثغر وكر فرسان المشركين عليه فوجدوه خاليا. فجاءوا منه وأقبل آخرهم حتى أحاطوا بالمسلمين فأكرم اللَّه من أكرم منهم بالشهادة - وهم سبعون - وولى الصحابة. وخلص المشركون إلى رسول اللَّه ﷺ فجرحوه جراحات وكسروا رباعيته. وقتل مصعب بن عمير بين يديه. فدفع اللواء إلى علي بن أبي طالب. وأدركه المشركون يريدون قتله. فحال دونه نحو عشرة حتى قتلوا. ثم جلدهم طلحة بن عبيد اللَّه حتى أجهضهم عنه. وترس أبو دجانة عليه بظهره والنبل يقع فيه وهو لا يتحرك.

стр. 161

وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان. فأتى بها رسول اللَّه ﷺ فردها بيده. فكانت أحسن عينيه. وصرخ الشيطان إن محمدا قد قتل فوقع ذلك في قلوب كثير من المسلمين فمر أنس بن النضر بقوم من المسلمين قد ألقوا بأيديهم فقالوا: قتل رسول اللَّه ﷺ فقال ما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه. ثم استقبل الناس ولقي سعد بن معاذ، فقال يا سعد إني لأجد ريح الجنة من دون أحد. فقاتل حتى قتل. ووجد به سبعون جراحة. وقتل وحشي الحبشي حمزة بن عبد المطلب ﵁. رماه بحربة على طريقة الحبشة. وأقبل رسول اللَّه ﷺ نحو المسلمين. فكان أول من عرفه تحت المغفر كعب بن مالك. فصاح بأعلى صوته يا معشر المسلمين هذا رسول اللَّه فأشار إليه أن اسكت. فاجتمع إليه المسلمون. ونهضوا معه إلى الشعب الذي نزل فيه. فلما أسندوا إلى الجبل أدركه أبي بن خلف على فرس له كان يزعم بمكة أنه يقتل عليه رسول اللَّه ﷺ فلما اقترب منه طعنه رسول اللَّه ﷺ في ترقوته فكر منهزما. فقال له المشركون ما بك من بأس. فقال واللَّه لو كان ما بي بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعين. فمات بسرف. وحانت الصلاة فصلى بهم رسول اللَّه ﷺ جالسا.

стр. 162

وشد حنظلة بن أبي عامر على أبي سفيان. فلما تمكن منه حمل عليه شداد بن الأسود فقتله وكان حنظلة جنبا. فإنه سمع الصيحة وهو على بطن امرأته -: قام من فوره إلى الجهاد فأخبر رسول اللَّه ﷺ أن الملائكة تغسله. وكان الأصيرم - عمرو بن ثابت بن وقش - يأبى الإسلام. وهو من بني عبد الأشهل. فلما كان يوم أحد قذف اللَّه الإسلام في قلبه للحسنى التي سبقت له. فأسلم وأخذ سيفه. فقاتل حتى أثبتته الجراح ولم يعلم أحد بأمره. فلما طاف بنو عبد الأشهل يلتمسون قتلاهم وجدوا الأصيرم - وبه رمق يسير - فقالوا: واللَّه إن هذا الأصيرم. ثم سألوه ما الذي جاء بك؟ أحدب على قومك، أم رغبة في الإسلام؟ فقال بل رغبة في الإسلام آمنت باللَّه وبرسوله وأسلمت. ومات من وقته. فذكروه لرسول اللَّه ﷺ فقال «هو من أهل الجنة ولم يصل للَّه سجدة قط» . ولما انقضت الحرب أشرف أبو سفيان على الجبل ونادى: أفيكم محمد؟ فلم يجيبوه. فقال أفيكم ابن أبي قحافة؟ فلم يجيبوه. فقال أفيكم عمر بن الخطاب؟ فلم يجيبوه. فقال أما هؤلاء فقد كفيتموهم. فلم يملك عمر نفسه أن قال يا عدو اللَّه إن الذين ذكرتهم أحياء وقد أبقى اللَّه لك معهم ما يسوءك. ثم قال اعل هبل فقال رسول اللَّه ﷺ ألا تجيبوه؟ قالوا: ما نقول؟ قال قولوا: اللَّه أعلى وأجل ثم قال لنا العزى، ولا عزى لكم قال ألا تجيبوه؟ قالوا: ما نقول؟ قال قولوا: اللَّه مولانا. ولا مولى لكم ثم قال يوم بيوم بدر. والحرب سجال فقال عمر: لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار.

стр. 163

وأنزل اللَّه عليهم النعاس في بدر وفي أحد والنعاس في الحرب من اللَّه. وفي الصلاة ومجالس الذكر من الشيطان. وقاتلت الملائكة يوم أحد عن رسول اللَّه ﷺ . ففي الصحيحين عن سعد قال «رأيت رسول اللَّه يوم أحد ومعه رجلان يقاتلان عليهما ثياب بيض. كأشد القتال وما رأيتهما قبل ولا بعد» . ومر رجل من المهاجرين برجل من الأنصار - وهو يتشحط في دمه - فقال يا فلان أشعرت أن محمدا قتل؟ فقال الأنصاري إن كان قد قتل فقد بلغ فقاتلوا عن دينكم فنزل ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤]- الآية (١) . وكان يوم أحد يوم بلاء وتمحيص اختبر اللَّه به المؤمنين. وأظهر به المنافقين. وأكرم فيه من أراد كرامته بالشهادة. فكان مما نزل من القرآن في يوم أحد إحدى وستون آية من آل عمران أولها ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران: ١٢١]- الآيات (٢) . ولما انصرفت قريش تلاوموا فيما بينهم. وقالوا: لم تصنعوا شيئا، أصبتم شوكتهم ثم تركتموهم وقد بقي منهم رءوس يجمعون لكم. فارجعوا حتى نستأصل بقيتهم. فبلغ ذلك رسول اللَّه ﷺ . فنادى في الناس بالمسير إليهم وقال لا

стр. 164

يخرج معنا إلا من شهد القتال فقال له ابن أبي: أركب معك؟ قال لا. فاستجاب له المسلمون - على ما بهم من القرح الشديد - وقالوا: سمعا وطاعة. وقال جابر يا رسول اللَّه إني أحب ألا تشهد مشهدا إلا كنت معك. وإنما خلفني أبي على بناته فأذن لي أسر معك. فأذن له. فسار رسول اللَّه ﷺ والمسلمون معه حتى بلغوا حمراء الأسد، فبلغ ذلك أبا سفيان ومن معه فرجعوا إلى مكة. وشرط أبو سفيان لبعض المشركين شرطا على أنه إذا مر بالنبي ﷺ وأصحابه أن يخوفهم ويذكر لهم أن قريشا أجمعوا للكرة عليكم ليستأصلوا بقيتكم. فلما بلغهم ذلك قالوا ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] ثم دخلت السنة الرابعة. فكانت فيها وقعة خبيب وأصحابه في صفر. [وقعة بئر معونة] وقعة بئر معونة وفي هذا الشهر بعينه من السنة المذكورة كانت وقعة أهل بئر معونة. وفي شهر ربيع الأول كانت غزوة بني النضير. ونزل فيها سورة الحشر. ثم دخلت السنة الخامسة. [غزوة المريسيع] غزوة المريسيع فكانت فيها غزوة المريسيع على بني المصطلق فأغار عليهم رسول اللَّه ﷺ -

стр. 165

وهم غارون. فسبى رسول اللَّه ﷺ النساء والنعم والشاء. وكان من جملة السبي جويرية بنت الحارث، سيد القوم وقعت في سهم ثابت بن قيس فكاتبها، فأدى عنها رسول اللَّه ﷺ وتزوجها، فأعتق المسلمون - بسبب هذا التزوج - مائة أهل بيت من بني المصطلق. وقالوا: أصهار رسول اللَّه ﷺ . [قصة الإفك] قصة الإفك وفي هذه الغزوة كانت قصة الإفك. وذلك: أن عائشة ﵂ خرج بها رسول اللَّه ﷺ معه بقرعة - وتلك كانت عادته مع نسائه - فلما رجعوا: نزل في طريقهم بعض المنازل. فخرجت عائشة لحاجتها، ثم رجعت. ففقدت عقدا عليها. فرجعت تلتمسه. فجاء الذين يرحلون هودجها. فحملوه. وهم يظنونها فيه. لأنها صغيرة السن. فرجعت - وقد أصابت العقد - إلى مكانهم. فإذا ليس به داع ولا مجيب. فقعدت في المنزل وظنت أنهم يفقدونها، ويرجعون إليها. فغلبتها عيناها. فلم تستيقظ إلا بقول صفوان بن المعطل: إنا للَّه وإنا إليه راجعون زوجة رسول اللَّه ﷺ ؟ وكان صفوان قد عرس في أخريات الجيش لأنه كان كثير النوم. فلما رآها عرفها - وكان يراها قبل الحجاب - فاسترجع. وأناخ راحلته فركبت وما كلمها كلمة واحدة. ولم تسمع منه إلا استرجاعه. ثم سار يقود بها، حتى قدم بها. وقد نزل الجيش في نحر الظهيرة. فلما رأى ذلك الناس تكلم كل منهم بشاكلته. ووجد رأس المنافقين عدو اللَّه عبد اللَّه بن أبي متنفسا. فتنفس من كرب النفاق والحسد. فجعل يستحكي الإفك ويجمعه ويفرقه.

стр. 166

وكان أصحابه يتقربون إليه به. فلما قدموا المدينة: أفاض أهل الإفك في الحديث. ورسول اللَّه ﷺ ساكت لا يتكلم. ثم استشار في فراقها. فأشار عليه علي بفراقها، وأشار عليه أسامة بإمساكها. واقتضى تمام الابتلاء أن حبس اللَّه عن رسوله الوحي شهرا في شأنها، ليزداد المؤمنون إيمانا، وثباتا على العدل والصدق. ويزداد المنافقون إفكا ونفاقا ولتتم العبودية المرادة من الصديقة وأبويها، وتتم نعمة اللَّه عليهم ولينقطع رجاؤها من المخلوق وتيأس من حصول النصر والفرج إلا من اللَّه. فدخل عليها رسول اللَّه ﷺ وعندها أبواها. فحمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال «يا عائشة إن كنت بريئة فسيبرئك اللَّه وإن كنت قد ألممت بذنب فاستغفري. فإن العبد إذا اعترف بذنبه. ثم تاب تاب اللَّه عليه» . قالت لأبيها: أجب عني رسول اللَّه. قال واللَّه ما أدري ما أقول لرسول اللَّه. فقالت لأمها مثل ذلك وقالت أمها مثل ذلك. قالت فقلت: إن قلت إني بريئة - واللَّه يعلم أني بريئة - لا تصدقوني. ولا أجد لي ولكم مثلا. إلا أبا يوسف حيث قال ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] قالت فنزل الوحي على رسول اللَّه ﷺ . فأما أنا: فعلمت أن اللَّه لا يقول إلا الحق. وأما أبواي فوالذي ذهب بأنفاسهما، ما أقلع عن

стр. 167

رسول اللَّه ﷺ إلا خفت أن أرواحهما ستخرجان. فكان أول كلمة قالها رسول اللَّه ﷺ «أما اللَّه يا عائشة فقد برأك» (١) . فقال أبواي قومي إلى رسول اللَّه ﷺ . قلت واللَّه لا أقوم إليه ولا أحمد إلا اللَّه ". وكان حسان ﵁ ممن قيل عنه إنه يتكلم مع أهل الإفك فقال يعتذر إلى عائشة. ويمدحها: حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل عقيلة حي من لؤي بن غالب ... كرام المساعي مجدهم غير زائل مهذبة قد طيب اللَّه خيمها ... وطهرها من كل سوء وباطل لئن كان ما قد قيل عني قلته ... فلا رفعت سوطي إلي أناملي وكيف؟ وودي ما حييت , ونصرتي ... لآل رسول اللَّه زين المحافل. وكانت عائشة لا ترضى أن يذكر حسان بشيء يكرهه وتقول إنه الذي يقول:

стр. 168

فإن أبي , ووالدتي , وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء. فأنزل اللَّه تعالى في هذه القصة أول سورة النور من قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور: ١١] (١) إلى آخر القصة. [غزوة الأحزاب] غزوة الأحزاب وفي هذه السنة - وهي سنة خمس - كانت وقعة الخندق في شوال. وسببها: أن اليهود لما رأوا انتصار المشركين يوم أحد، خرج أشرافهم - كسلام بن أبي الحقيق - وغيره إلى قريش بمكة يحرضونهم على غزو رسول اللَّه ﷺ ووعدهم من أنفسهم النصر لهم. فأجابتهم قريش. ثم خرجوا إلى غطفان: فاستجابوا لهم ثم طافوا في قبائل العرب يدعونهم إلى ذلك فاستجاب لهم من استجاب. فخرجت قريش - وقائدهم أبو سفيان - في أربعة آلاف. ووافقهم بنو سليم بمر الظهران، وبنو أسد، وفزارة وأشجع وغيرهم. وكان من وافى الخندق من المشركين عشرة آلاف. فلما سمع رسول اللَّه ﷺ بمسيرهم إليه استشار أصحابه. فأشار عليه سلمان الفارسي بحفر خندق يحول بين العدو وبين المدينة. فأمر رسول اللَّه ﷺ . فبادر إليه المسلمون. وعمل فيه بنفسه. وكان في حفره من آيات نبوته ما قد تواتر الخبر به. وخرج ﷺ عليهم وهم يحفرون في غداة باردة. فلما رأى ما بهم من الشدة والجوع. قال:

стр. 169

اللَّهم لا عيش إلا عيش الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة فقالوا مجيبين له: نحن الذين بايعوا محمدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا وخرج رسول اللَّه ﷺ في ثلاثة آلاف من المسلمين. فتحصن بالجبل من خلفه - جبل سلع - وبالخندق أمامه. وأمر بالنساء والذراري فجعلوا في آطام المدينة. وانطلق حيي بن أخطب إلى بني قريظة، فدنا من حصنهم فأبى كعب بن أسد أن يفتح له. فلم يزل يكلمه حتى فتح له. فلما دخل الحصن قال جئتك بعز الدهر. جئتك بقريش وغطفان وأسد، على قادتها لحرب محمد قال بل جئتني واللَّه بذل الدهر جئتني بجهام قد أراق ماءه. فهو يرعد ويبرق ليس فيه شيء. فلم يزل حتى نقض العهد الذي بينه وبين رسول اللَّه ﷺ ودخل مع المشركين. وسر بذلك المشركون وشرط كعب على حيي أنهم إن لم يظفروا بمحمد أن يجيء حتى يدخل معهم في حصنهم فيصيبه ما يصيبهم فشرط ذلك ووفى له. وبلغ رسول اللَّه ﷺ الخبر فبعث إليهم السعدين - سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة - وخوات بن جبير. وعبد اللَّه بن رواحة ليتعرفوا الخبر فلما دنوا معهم وجدوهم على أخبث ما يكون. وجاهروهم بالسب. ونالوا من رسول اللَّه ﷺ . فانصرفوا ولحنوا لرسول اللَّه ﷺ لحنا.

стр. 170

فعظم ذلك على المسلمين. فقال رسول اللَّه ﷺ «اللَّه أكبر أبشروا، يا معشر المسلمين» . واشتد البلاء ونجم النفاق. واستأذن بعض بني حارثة رسول اللَّه ﷺ في الذهاب إلى المدينة. وقالوا ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب: ١٣] (١) . وأقام المشركون محاصرين رسول اللَّه ﷺ شهرا. ولم يكن بينهم قتال لأجل الخندق، إلا أن فوارس من قريش - منهم عمرو بن عبد ود - أقبلوا نحو الخندق. فلما وقفوا عليه قالوا: إن هذه مكيدة ما كانت العرب تعرفها. ثم تيمموا مكانا ضيقا منه وجالت بهم خيلهم في السبخة ودعوا إلى البراز. فانتدب لعمرو: علي بن أبي طالب، فبارزه. فقتله اللَّه على يدي علي. وكان من أبطال المشركين. وانهزم أصحابه. ولما طالت هذه الحال على المسلمين أراد رسول اللَّه ﷺ أن يصالح عيينة بن حصن والحارث بن عوف - رئيسي غطفان - على ثلث ثمار المدينة وينصرفا بقومهما. وجرت المفاوضة على ذلك. واستشار رسول اللَّه ﷺ السعدين. فقالا: إن كان اللَّه أمرك: فسمعا وطاعة. وإن كان شيئا تحب أن تصنعه صنعناه. وإن كان شيئا تصنعه لنا، فلا. لقد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك وعبادة الأوثان وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا. أفحين أكرمنا اللَّه بالإسلام وأعزنا بك، نعطيهم أموالنا؟ واللَّه لا نعطيهم إلا السيف. فصوب رأيهما. وقال «إنما هو شيء أصنعه لكم لما رأيت العرب قد

стр. 171

رمتكم عن قوس واحدة» . ثم إن اللَّه وله الحمد - صنع أمرا من عنده خذل به العدو. فمن ذلك أن رجلا من غطفان - يقال له نعيم بن مسعود - جاء إلى رسول اللَّه ﷺ . فقال قد أسلمت، فمرني بما شئت. فقال «إنما أنت رجل واحد. فخذل عنا ما استطعت. فإن الحرب خدعة» . فذهب إلى بني قريظة - وكان عشيرا لهم - فدخل عليهم وهم لا يعلمون بإسلامه. فقال إنكم قد حاربتم محمدا. وإن قريشا إن أصابوا فرصة انتهزوها، وإلا انشمروا قالوا: فما العمل؟ قال لا تقاتلوا معهم حتى يعطوكم رهائن. فقالوا: قد أشرت بالرأي. ثم مضى إلى قريش فقال هل تعلمون ودي لكم ونصحي؟ قالوا: نعم. قال إن اليهود قد ندموا على ما كان منهم وإنهم قد أرسلوا إلى محمد أنهم يأخذون منكم رهائن يدفعونها إليه ثم يمالئونه عليكم فإن سألوكم فلا تعطوهم. ثم ذهب إلى غطفان. فقال لهم مثل ذلك. فلما كانت ليلة السبت من شوال بعثوا إلى يهود إنا لسنا معكم بأرض مقام وقد هلك الكراع والخف. فاغدوا بنا إلى محمد حتى نناجزه فأرسلوا إليهم إن اليوم يوم السبت وقد علمتم ما أصاب من قبلنا حين أحدثوا فيه. ومع هذا فلا نقاتل معكم حتى تبعثوا لنا رهائن. فلما جاءهم رسلهم قالوا: قد صدقكم واللَّه نعيم. فبعثوا إليهم إنا واللَّه لا نبعث إليكم أحدا. فقالت قريظة قد صدقكم واللَّه نعيم. فتخاذل الفريقان. وأرسل اللَّه على المشركين جندا من الريح فجعلت تقوض خيامهم

стр. 172

ولا تدع لهم قدرا إلا كفأتها، ولا طنبا إلا قلعته وجندا من الملائكة يزلزلون بهم ويلقون في قلوبهم الرعب كما قال اللَّه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩] (١) . وأرسل رسول اللَّه ﷺ حذيفة بن اليمان يأتيه بخبرهم. فوجدهم على هذه الحال وقد تهيئوا للرحيل. فرجع إليه فأخبره برحيلهم. فلما أصبح رسول اللَّه ﷺ انصرف عن الخندق راجعا والمسلمون إلى المدينة. فوضعوا السلاح. فجاءه جبريل وقت الظهر فقال أقد وضعتم السلاح؟ إن الملائكة لم تضع أسلحتها، انهض إلى هؤلاء - يعني بني قريظة - فنادى رسول اللَّه ﷺ «من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة» (٢) . فخرج المسلمون سراعا، حتى إذا دنا رسول اللَّه ﷺ من حصونهم قال يا إخوان القردة هل أخزاكم اللَّه وأنزل بكم نقمته؟ وحاصرهم رسول اللَّه ﷺ خمسا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار. وقذف اللَّه في قلوبهم الرعب. فقال لهم رئيسهم كعب بن أسد: إني عارض عليكم خلالا ثلاثا، خذوا أيها شئتم نصدق هذا الرجل ونتبعه. فإنكم تعلمون أنه النبي الذي تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة. قالوا لا نفارق حكم التوراة أبدا. قال فاقتلوا أبناءكم ونساءكم واخرجوا إليه مصلتي

стр. 173

سيوفكم حتى يحكم اللَّه بينكم وبينه. قالوا: فما خير العيش بعد أبنائنا ونسائنا؟ قال فانزلوا الليلة. فعسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنوكم فيها لأنها ليلة السبت - لعلنا نصيب منهم غرة. قالوا: لا نفسد سبتنا. وقد علمت ما أصاب من اعتدوا في السبت. قال ما بات رجل منكم - منذ ولدته أمه ليلة من الدهر حازما. ثم نزلوا على حكم رسول اللَّه ﷺ . فحكم فيهم سعد بن معاذ فحكم أن تقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبى النساء والذراري (١) . وأنزل اللَّه في غزوة الخندق صدر سورة الأحزاب وذكر قصتهم في قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [الأحزاب: ٩]- إلى قوله - ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٢٧] (٢) . ثم دخلت السنة السادسة. [صلح الحديبية] صلح الحديبية وفيها كانت وقعة الحديبية. وعدة الصحابة إذ ذاك ألف وأربعمائة. وهم أهل الشجرة وأهل بيعة الرضوان خرج رسول اللَّه ﷺ بهم معتمرا، لا يريد قتالا. فلما كانوا بذي الحليفة قلد رسول اللَّه ﷺ الهدي وأشعره وأحرم بالعمرة وبعث عينا من خزاعة يخبره عن قريش. حتى إذا كان قريبا من عسفان أتاه عينه فقالا: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد جمعوا جموعا، وهم

стр. 174

مقاتلوك، وصادوك عن البيت. حتى إذا كان ببعض الطريق قال النبي ﷺ إن خالد بن الوليد بكراع الغميم، فخذوا ذات اليمين (١) . فما شعر بهم خالد حتى إذا هو بغبرة الجيش. فانطلق يركض نذيرا. وانطلق رسول اللَّه ﷺ حتى إذا كان في ثنية المرار، التي يهبط عليهم منها: بركت راحلته فقال الناس حل حل. فقالوا: خلأت القصواء فقال «ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل. ثم قال والذي نفس محمد بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات اللَّه إلا أعطيتهم إياها» ثم زجرها فوثبت به. فعدل حتى نزل بأقصى الحديبية، على ثمد قليل الماء. فلم يلبث الناس أن نزحوه. فشكوا إليه. فانتزع سهما من كنانته. وأمرهم أن يجعلوه فيه فواللَّه ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه. وفزعت قريش لنزوله. فأحب أن يبعث إليهم رجلا. فدعا عمر فقال يا رسول اللَّه ليس لي بمكة أحد من بني عدي بن كعب يغضب لي إن أوذيت، فأرسل عثمان. فإن عشيرته بها، وإنه يبلغ ما أردت. فدعاه فأرسله إلى قريش، وقال أخبرهم أنا لم نأت لقتال وإنما جئنا عمارا، وادعهم إلى الإسلام وأمره أن يأتي رجالا بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات

стр. 175

فيبشرهم بالفتح وأن اللَّه مظهر دينه بمكة حتى لا يتخفى فيها الإيمان. فانطلق عثمان. فمر على قريش. فقالوا: إلى أين؟ فقال بعثني رسول اللَّه ﷺ أدعوكم إلى اللَّه وإلى الإسلام ويخبركم أنه لم يأت لقتال. وإنما جئنا عمارا. قالوا: قد سمعنا ما تقول. فانفذ إلى حاجتك. وقام إليه أبان بن سعيد بن العاص، فرحب به. وحمله على الفرس وأردفه أبان حتى جاء مكة. وقال المسلمون قبل أن يرجع خلص عثمان من بيننا إلى البيت. فقال رسول اللَّه ﷺ ما أظنه طاف بالبيت ونحن محصورون قالوا: وما يمنعه يا رسول اللَّه وقد خلص؟ قال ذلك ظني به ألا يطوف بالكعبة حتى نطوف معه. واختلط المسلمون بالمشركين في أمر الصلح. فرمى رجل من أحد الفريقين رجلا من الفريق الآخر. فكانت معركة. وتراموا بالنبل والحجارة. وصاح الفريقان وارتهن كل منهما من فيهم. وبلغ رسول اللَّه ﷺ أن عثمان قد قتل. فدعا إلى البيعة. فتبادروا إليه وهو تحت الشجرة فبايعوه على ألا يفروا. فأخذ بيد نفسه وقال هذه عن عثمان. ولما تمت البيعة رجع عثمان فقالوا له اشتفيت من الطواف بالبيت. فقال بئسما ظننتم بي والذي نفسي بيده لو مكثت بها سنة ورسول اللَّه ﷺ وسلم بالحديبية ما طفت بها حتى يطوف. ولقد دعتني قريش إلى الطواف فأبيت. فقال المسلمون رسول اللَّه أعلم باللَّه وأحسننا ظنا.

стр. 176

وكان عمر أخذ بيد رسول اللَّه ﷺ للبيعة وهو تحت الشجرة فبايعه المسلمون كلهم. لم يتخلف إلا الجد بن قيس. وكان معقل بن يسار آخذا بغصنها يرفعه رسول اللَّه ﷺ . وكان أول من بايعه أبو سنان وهب بن محصن الأسدي وبايعه سلمة بن الأكوع ثلاث مرات في أول الناس ووسطهم وآخرهم. فبينا هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء في نفر خزاعة - وكانوا عيبة نصح لرسول اللَّه ﷺ من أهل تهامة - فقال إني تركت ابن لؤي وعامر بن لؤي: قد نزلوا أعداد مياه الحديبية، معهم العوذ المطافيل. وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. فقال إنا لم نجئ لقتال أحد وإنما جئنا معتمرين. وإن قريشا نهكتهم الحرب وأضرت بهم. فإن شاءوا ماددتهم ويخلوا بيني وبين الناس. فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جموا، وإن أبوا إلا القتال فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، أو لينفذن اللَّه أمره. قال بديل سأبلغهم ما تقول. فانطلق حتى أتى قريشا، فقال إني قد جئتكم من عند هذا الرجل وسمعته يقول قولا. فإن شئتم عرضته عليكم. فقال سفهاؤهم لا حاجة لنا أن تحدثنا عنه بشيء. وقال ذوو الرأي منهم هات ما سمعته يقول قال سمعته يقول كذا وكذا. فقال عروة بن مسعود إن هذا قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ودعوني آته. فقالوا: ائته. فأتاه. فجعل يكلمه. فقال له نحوا من قوله لبديل.

стр. 177

فقال عروة أي محمد أرأيت لو استأصلت قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى، فواللَّه إني لأرى أوشابا من الناس خليقا أن يفروا ويدعوك. فقال أبو بكر: امصص بظر اللات أنحن نفر عنه وندعه؟ . قال عروة من ذا يا محمد؟ قال أبو بكر. قال أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي - لم أجزك بها - لأجبتك. وجعل يكلم النبي ﷺ ويرمق أصحابه. فواللَّه ما انتخم النبي ﷺ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم. فدلك بها وجهه وجلده وإذا أمر ابتدروا أمره. وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه. وإذا تكلم خفضوا أصواتهم. وما يجدون إليه النظر تعظيما له. فرجع عروة إلى أصحابه فقال أي قوم واللَّه لقد وفدت على الملوك - كسرى، وقيصر. والنجاشي - واللَّه إن رأيت ملكا يعظمه أصحابه كما يعظم أصحاب محمد محمدا. واللَّه ما انتخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده. ثم أخبرهم بجميع ما تقدم ثم قال وقد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها. قال رجل من بني كنانة دعوني آته فقالوا: ائته. فلما أشرف على النبي ﷺ قال هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن. فابعثوها له ففعلوا واستقبله القوم يلبون فلما رأى ذلك. قال سبحان اللَّه! ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت. فرجع إلى أصحابه فأخبرهم.

стр. 178

فبينا هم كذلك إذ جاء سهيل بن عمرو. فقال النبي ﷺ «قد سهل لكم من أمركم» . فقال هات اكتب بيننا وبينك كتابا. فدعا الكاتب وهو علي بن أبي طالب - فقال «اكتب بسم اللَّه الرحمن الرحيم» فقال سهيل: أما الرحمن فما أدري ما هو؟ ولكن اكتب باسمك اللَّهم كما كنت تكتب. فقال المسلمون واللَّه لا نكتبها إلا بسم اللَّه الرحمن الرحيم فقال ﷺ «اكتب باسمك اللَّهم» ثم قال «اكتب هذا ما قاضى عليه محمد رسول اللَّه» فقال سهيل واللَّه لو نعلم أنك رسول اللَّه ما صددناك عن البيت ولكن اكتب محمد بن عبد اللَّه فقال «إني رسول اللَّه وإن كذبتموني، اكتب محمد بن عبد اللَّه» ثم قال النبي ﷺ «على أن تخلوا بيننا وبين البيت. فنطوف به» فقال سهيل واللَّه لا تحدث العرب أننا أخذنا ضغطة ولكن ذاك من العام المقبل. فقال سهيل وعلى ألا يأتيك رجل منا، وإن كان على دينك، إلا رددته إلينا فقال المسلمون سبحان اللَّه! كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما؟ (١) . فبينا هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل وقد خرج من أسفل مكة يرسف في قيوده حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين. فقال سهيل هذا أول ما أقاضيك عليه أن ترده إلي فقال النبي ﷺ «إنا لم نقض الكتاب بعد» فقال إذا واللَّه لا أصالحك على شيء أبدا. فقال النبي ﷺ «فأجزه لي» قال ما أنا بمجيزه لك. قال بلى «فافعل قال ما أنا بفاعل» . قال أبو جندل يا معشر المسلمين كيف أرد إلى المشركين

стр. 179

وقد جئت مسلما؟ ألا ترون ما لقيت؟ وكان قد عذب في اللَّه عذابا شديدا - قال عمر بن الخطاب: واللَّه ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ. فأتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول اللَّه ألست نبي اللَّه؟ قال. بلى. قلت: ألسنا على حق وعدونا على الباطل؟ قال بلى. قلت علام نعطي الدنية في ديننا؟ ونرجع ولما يحكم اللَّه بيننا وبين أعدائنا؟ فقال «إني رسول اللَّه وهو ناصري» . ولست أعصيه. قلت. أو لست تحدثنا: أنا نأتي البيت ونطوف به؟ قال بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا. قال فإنك آتيه ومطوف به. قال فأتيت أبا بكر. فقلت له مثلما قلت لرسول اللَّه ﷺ . ورد علي كما رد علي رسول اللَّه ﷺ سواء وزاد فاستمسك بغرزه حتى تموت. فواللَّه إنه لعلى الحق. فعملت لذلك أعمالا. فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول اللَّه ﷺ لأصحابه قوموا فانحروا. «ثم احلقوا قال فواللَّه ما قام منهم رجل حتى قالها ثلاث مرات» . فلما لم يقم منهم أحد قام ولم يكلم أحدا منهم حتى نحر بدنه ودعا حالقه. فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا. وجعل بعضهم يحلق بعضا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما. ثم جاء نسوة مؤمنات فأنزل اللَّه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]- حتى بلغ - ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] (١) فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك.

стр. 180

وفي مرجعه ﷺ أنزل اللَّه سورة الفتح ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا - لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ١ - ٢]- الآية فقال عمر أو فتح هو يا رسول اللَّه؟ قال نعم. قال الصحابة هذا لك يا رسول اللَّه فما لنا؟ فأنزل اللَّه ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]- الآيتين إلى قوله - ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٥] (١) . ولما رجع إلى المدينة جاءه أبو بصير - رجل من قريش - مسلما، فأرسلوا في طلبه رجلين وقالوا: العهد الذي بيننا وبينك. فدفعه إلى الرجلين. فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة. فنزلوا يأكلون من تمر لهم. فقال أبو بصير لأحدهما: إني أرى سيفك هذا جيدا. فقال أجل. واللَّه إنه لجيد لقد جربت به ثم جربت فقال أرني أنظر إليه. فأمكنه منه. فضربه حتى برد. وفر الآخر. حتى بلغ المدينة. فدخل المسجد. فقال رسول اللَّه ﷺ «لقد رأى هذا ذعرا» فلما انتهى إليه قال قتل واللَّه صاحبي، وإني لمقتول. فجاء أبو بصير، فقال يا نبي اللَّه قد أوفى اللَّه ذمتك، قد رددتني إليهم فأنجاني اللَّه منهم. فقال ﷺ «ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد» . فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم. فخرج حتى أتى سيف البحر. وتفلت منهم أبو جندل. فلحق بأبي بصير. فلا يخرج من قريش رجل - قد أسلم - إلا لحق به. حتى اجتمعت منهم عصابة. فواللَّه ما يسمعون بعير لقريش خرجت إلى الشام إلا اعترضوا لها، فقاتلوهم
следующие страницы →