← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 31471

أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم ودلالتها على الأحكام الشرعية

محمد سليمان الأشقر

Полный текст (761 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الثاني: مذهب أبي الحسين البصري، وهو أن المتقدم في نفس الأمر هو البيان حقيقة. قال: "لأن الخطاب المجمل، إذا تعقبه ما يجوز أن يكون بياناً له، كان بياناً له" (١). ثم إن علم المتقدم من القول والفعل فالحكم عنده كذلك. وإن جهل فالقول عنده هو البيان، لأن الفعل لا يكون بياناً للمجمل إلاّ بما يعلقه به من قول أو ضرورة، ولا ضرورة هنا مع وجود القول المبيّن للمجمل. وقد قدم في أول هذه المسألة، قبل تفصيلها وشرحها، أنه حيث قيل إن القول هو البيان، فالطواف الثاني في المثال المضروب ندب. وحيث قيل بأنه الفعل، فالطواف الثاني واجب. استدراك الآمدي على مذهب أبي الحسين: نقل الآمدي (٢) مذهب أبي الحسين البصري المتقدم ذكره، ووافقه في حال العلم بالتقدم على ما ذكر، غير أنه أضاف، أنه في حال تقدم الفعل، فإنه وإن دلّ على أن الطواف الثاني واجب، إلاّ أنه لا بدّ من تقديره منسوخاً بالقول، أو خاصاً بالنبي ﷺ . والخصوصية أرجح، لخلوّها من نسخٍ للفعل أو تعطيل للقول. وهذا عندي استدراك لا يخفى، وإنما الذي فعله أبو الحسين أنه نبّه إلى حكم الفعل الزائد عند وروده وقبل ورود القول عليه، ولم يذكر حكمه عند ورود القول بعده مخالفاً له. فمذهبهما في الحقيقة شيء واحد. وأما ترجيحه الخصوصيّة على النسخ فلا يوافق عليه، لأن الأصل تساوي الأحكام بين النبي ﷺ وأمته. وسيأتي إيضاح ذلك في مبحث الخصائص.

стр. 107

الموارنة بين المذهبين: إن المذهبين متفقان في حال العلم بتقدم القول، أو الجهل بالمتقدم، إن القول هو المقدم في الحالين. وإن ما اختلف فيه المذهبان حالة العلم بتقدم الفعل. فيرى أبو الحسين أنه لا يجوز إهماله، إذ هو نوع من أنواع البيان، وقد جاء في وقت الحاجة إليه، فوجب أن يكون بياناً. وأصحاب المذهب الأول نظروا إلى أرجحية القول من حيث البيان، ووضوح ارتباطه بالمبيّن. فقدموه. ونحن نرى أن مآل القولين واحد، فعندما ورد الفعل وهو صالح للبيان، فلا بد من اعتباره بياناً. ثم إذا جاء القول بعد ذلك، فلا بد من الأخذ به، لأنّ "القول بإهمال دلالة القول ممتنع" كما قال الآمدي. فهو يَرِد حينئذ على الفعل فيدل على أن ما زاد منه على القول ندب، أو يلغي دلالته على الحكم في حق الأمة دون نبيها فيكون مخصصاً، أو في حق الجميع فيكون ناسخاً. فالخلاف بينهم في المسألة إنما هو في مما قبل ورود القول المتأخر، فأمّا بعد وروده فالعمل يكون بالقول على كل حال بالنسبة للأمة، لأنه إما أن يكون هو البيان على القول الأول. أو يكون ناسخاً لحكم الفعل، على القول الثاني. والله أعلم. الثالث: وفي المسألة قول ثالث، وهو الوقف عند الجهل بالمتقدم، فلا يحكم بكون أحدهما هو البيان دون الآخر، بل البيان أحدهما لا بعينه. لأن كلاً منهما أقوى من الآخر من وجه، فلا يرجح عليه بلا مرجح. وقد رجح هذا القول ابن السمعاني (١). وقال العلائي في إبطال هذا الدليل: "إن البيان بالقول أكثر، وغاية الأمر

стр. 108

أنهما متساويان في البيان (أي في قوته ووضوحه) وتسلم بقية الأوجه (أي في ترجيح القول) وبهذا يظهر ترجيح القول تقدميه، فلا تعادل حينئذ. والله أعلم" (١) اهـ. كلامه. وعندي أن جعل دلالة القول أرجح هو الذي ينبغي اعتماده. وبذلك لا يكون القول بالوقف صواباً. والحاصل: أننا بعد النظر في هذه المسألة وتشعباتها عند الأصوليين، نرى أن المسألة تلتئم بأن يقال: إنه بالنظر إلى الواقع في نفس الأمر، وعند من يعلم ذلك الواقع، لا بدّ من اعتبار أول الواردين من قول أو فعل بعد المجمل، هو البيان له. وأما بالنسبة إلى العمل وبالنظر لمن لا يعلم الواقع، فيعمل بالقول، ويقال إنه هو البيان، حقيقة إذا تقدم، ومجازاً إذا تأخر. وما زاد من الفعل فهو إما ندب أو خاص أو منسوخ. وهذا التوفيق صادق على حالتي الاتفاق والاختلاف. وتكون القاعدة العامة "أنه إذا ورد بعد المجمل قول وفعل كلاهما صالح للبيان، فالبيان في الحقيقة المتقدم منهما، والعمل بالقول على كل حال". تنبيه: المثال الذي ذكر في هذه المسألة الفعل فيه أكثر من القول. فلو كان العكس، ونقص الفعل، بأن أمَرَ بطوافين، وفَعَل واحداً، فمقتضى القول الأول، وهو قول الرازي ومن معه، البيان القول، ونقْصُ الفعل تخفيف في حقه ﷺ ، تقدم القول أو تأخّر. ومقتضى قول أبي الحسين أن البيان المتقدم، فإن كان المتقدم الفعل، فما زاده القول بعده مطلوب بالقول، وإن كان المتقدم القول فالنقص تخفيف خاص في حقه ﷺ (٢).

стр. 109

المبحث الرابع إذا اختلف فعلان في البيان فأيهمَا البيان الأصوليون لم يذكروا هذه المسألة، وذكرها ابن دقيق العيد في شرح العمدة (١) وواضح أن أول الفعلين وروداً يكون هو البيان ما لم يدل على أن البيان هو آخر الفعلين. فإذا اعتبرنا الفعل الأول هو البيان، يبقى الزائد من الفعل الثاني فعلًا مجرداً لا يدل على وجوب، بل قد يدل عل الندب أو الإباحة كما يأتي في الأفعال المجردة. وهذا إن كان الفعل الثاني زائداً على الأول. أما إن نقص عنه فهو إما ناسخ للزائد في حق الجميع، وإما تخفيف في حق النبي ﷺ خاصة. والنسخ أولى كما تقدم. ولا يصار إلى النسخ إلا إذا تعذّر الجمع. وقد يعلم أن الفعل المنقول إلينا متأخر، ويعلم أن قبله فعلاً هو البيان، لكن لم ينقل إلينا أول الفعلين، كبعض رواية أصاغر الصحابة ومتأخري الإسلام منهم إذا رووا بعض هيئات الصلاة، أو أعمالًا في الصوم أو غيره من الأمور المستمرة. فإن الظاهر تأخر مروياتهم، وهي لا شك قد سبقت ببيان، فلا تكون مروياتهم تلك بياناً. ولا يمتنع -إذا لم يدل على التغيير- الاستدلال بالفعل المتأخر، هذا على أن الفعل المتقدم مثله، لأن الأصل عدم التغير. والله أعلم.

стр. 110

الفصل الثاني أحكام النبي بالنسبة إليه ﷺ - ١ - ما يصدر عنه الفعل النبوي. أ- الوحي. ب- الاجتهاد. ج- مسألة التفويض. د- مسألة العفو. ٢ - أحكام الأفعال النبوية. أ- ما يكلف به النبي ﷺ من الأفعال. ب- أحكام ما صدر عنه من الأفعال. ج- العصمة عن المحرمات. د- العصمة عن المكروه. ٣ - كيف يعيّن حكم الفعل إذا صدر عنه ﷺ بالنسبة إليه خاصة.

стр. 111

المبحث الأول ما يصدر عن النبي ﷺ في أفعاله يدرك النبي ﷺ أنه مكلّف بكذا وجوباً أو ندباً، وبكذا تحريماً أو كراهة، أو أو أنه حلال له كذا، فيفعل أو يترك بناء على ذلك. وربما يفعل الشيء بناء على أنه لم ينزل عليه فيه شيء، أي على أنه ليس فيه حكم شرعي. فينقسم هذا المبحث إلى مطلبين: لأنه إما أن يفعل بناء على التكليف، أو أن يفعل بناء على عدم التكليف. المطلب الأول أن يفعل بناء على التكليف إدراكه ﷺ لكونه مكلفاً بفعل ما، يحصل من طريقين: الأول: الوحي إليه ﷺ ، بالطرق التي نصت عليها الآية التي في آخر سورة الشورى ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلاّ وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم﴾. ثم قد يكون الوحي متلوّاً، وهو القرآن العظيم، بأن يكون آية أو آيات خاصة بالواقعة أو شاملة لها، كقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها ... ﴾ الآيتين. فإن فيهما الأمر له ﷺ بتخيير أزواجه.

стр. 112

وقد يكون الوحي غير قرآن. كما في الحديث: "أن رجلاً سأل النبي ﷺ : كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبّة، بعدما تضمخ بطيب؟ فنظر إليه النبي ﷺ ساعة ثم سكت، فجاءه الوحي ...... فقال ﷺ : أما الطيب الذي بك فاغسله، وأما الجبّة فانزعها، ثم اصنع في عمرتك ما تصنع في حجك" (١). وكما حصل في موقعة الأحزاب. فإن النبي ﷺ بعد رحيل المشركين "وضع سلاحه واغتسل، فأتاه جبريل فقال: "قد وضعت السلاح؟ والله ما وضعناه، اخرج إليهم". قال: "فإلى أين؟ " قال: "ها هنا" -وأشار إلى بني قريظة- فخرج النبي ﷺ إليهم" (٢). وهذا النوع كثير لا يخفى على من له خبرة بالسيرة النبوية الشريفة. وهو متفق عليه بين كل المؤمنين برسالة محمد ﷺ ، إذ لا بد منه لتحقيق الإيمان بالرسالة. ثم إنّ ما كان من الوحي قرآناً، فإما أن يكون نصاً في المسألة، فلا يحتاج إلى إعمال فكر ونظر، ومنه ما يحتاج إلى ذلك، فهذا الفكر والنظر في ما يحتاج إليه من الوحي ندخله في النوع التالي وهو الاجتهاد. الثاني: الاجتهاد. فإذا أقرّه الله تعالى عليه كان ذلك من الله تعالى بياناً لكونه اجتهاداً صائباً. ومن أجل ذلك سمّى الحنفية الأول الوحي الظاهر، وسموا هذا الطريق: الوحي الباطن (٣). والاجتهاد أنواع: الأول: اجتهاد في دلالات الألفاظ الموحى بها إليه ﷺ ، من المجمل والمشترك، والحقيقة والمجاز، والعام والخاص، وغير ذلك. فيجتهد فيها بما يعرفه من لغة قومه، وأساليبهم في القول، لأن القرآن بلغتهم نزل ليبيِّن لهم.

стр. 113

وليست كل السنة البيانية صادرة عن اجتهاد. بل إن من المتفق عليه أن جزءاً كبيراً منها موحىً به، فيدخل في قسم الوحي السابق الذكر. ومنها تبيين جبريل لمواقيت الصلاة. الثاني: الاجتهاد القياسي، بقياس غير المنصوص على المنصوص، فيلحق الفروع بالأصول بناء على الاشتراك في العلل. الثالث: الاجتهاد في الأمر الواقع بما يراه دون الرجوع إلى نص معين. وهي المسماة بمسألة التفويض. ونحن نعود إلى هذه الأنواع، واحداً واحداً، فنبين مذاهب العلماء فيها، وأدلة المثبتين والنفاة (١). النوع الأول: الاجتهاد البياني: ولا يقال هنا أن تفسير النبي ﷺ للقرآن هو عمل بالقرآن، فكيف يكون زائداً عنه حتى يقال إنه بالاجتهاد؟. لأنه لما أمر الله تعالى بالسجود مثلاً، لم يبيّن أن الساجد يسجد على الأعضاء السبعة. فذلك ليس في القرآن، بل هو تفسير له، زائد عليه. ومن هذا النوع رؤيته ﷺ تفاصيل كيفيات العمل في كثير ممّا أوحي إليه مجملاً، من الزكاة والصوم والحج وغير ذلك، وأسباب ذلك شروطه، مما لم يفصله الوحي الظاهر. ومنه رؤيته انطباق العمومات الواردة في القرآن على أشياء معينة، فيحكم عليها بحكم العام الوارد في القرآن. ولعل من ذلك أنه ﷺ : "نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير" (٢). "وعن أكل لحوم الحمر

стр. 114

الأهليّة (١)، وقال: إنها ركس" (٢). وقال في القنفذ: "إنه خبيثٌ من الخبائث" (٣). فالظاهر أن ذلك كان باجتهاد منه، ومن الممكن أنه ﷺ رآها داخلة في قوله تعالى: ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾ (٤). ومنه رؤيته ﷺ الأمر المسكوت عنه، الدائر بين أصلين، أنه أقرب إلى أحدهما من الآخر، فيعطيه حكمه. كما في ميراث البنتين. قال الله تعالى: ﴿فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك، وإن كانت واحدة فلها النصف﴾ (٥) وسكت عن الاثنتين. فألحق ﷺ الاثنتين بما فوق الاثنتين فجعل لهما الثلثين. كما في قصة ابنتي سعد بن الربيع حين قال لعمهما: "أعط ابنتي سعد الثلثين". وحرّم الله الميتة، وأحلّ المذكاة، فدار جنين المذكاة بين الطرفين، فحكم ﷺ بأن ذكاة أمه ذكاة له، بقوله: "ذكاة الجنين ذكاة أمّه". ومنه معرفة أن إحدى الآيتين مخصصة للأخرى دون العكس. كما في حديث البخاري عن أبي سعيد بن المعلَّى أنه قال: "كنت أصلّي في المسجد. فدعاني رسول الله ﷺ . فلم أجبه، فقلت يا رسول الله، كنت أصلي. فقال ألم يقل الله : ﴿استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾ قلت: بلى" (٦). فيظهر أن أبا سعيد كان يظن آية ﴿وقوموا لله قانتين﴾ مقدمة في موضع التعارض على الآية التي ذكرها النبي ﷺ ، فبيّن له النبي ﷺ أن العكس هو الصواب. فهذا النوع من الاجتهاد قريب، وذلك أن النبي ﷺ كان أفصح العرب وأعلمهم بكلامهم، وكان نظره ثاقباً، وفكره وقّاداً، وقد أمر باتباع ما أنزل إليه من ربه. ورعاية ربه فوقه، إن أخطأ صوّبه، وإن لم يصحح له يتبين أنه قد عمل بالصواب.

стр. 115

وبعض المجيزين لاجتهاد النبي ﷺ يمنع اجتهاده في هذا، ويرى أن هذا النوع لا يكون إلا بوحي ظاهر، ففي تيسير التحرير (١) ما يلي: " (وهو) أي الاجتهاد (في حقه) ﷺ (يخصّ القياس، بخلاف غيره) من المجتهدين ... أما في القياس فظاهر، وأما في غيره (ففي دلالات الألفاظ) وفي (البحث عن مخصص العام، والمراد من المشترك، وباقيها) أي باقي الأقسام التي في دلالتها خفاء، من المجمل وأخواته، ...... وكل ذلك ظاهر عنده ﷺ لا يحتاج إلى نظر وفكر" اهـ. فهو يجيز الاجتهاد القياسي، كما سيأتي في النوع الثاني، وأما في هذا النوع فهو يرى أن ما حكم به النبي ﷺ من ذلك هو حكم بالوحي. ولهذا أوجه: الأول: أن يكون كل ذلك بوحي خاص من الله تعالى. الثاني: أن يكون إلهاماً منه تعالى، لأجل توضيح مراده بكلامه. الثالث: أن يقال كان ذلك من أثر نفاذ البصيرة، وسلامة الإدراك. فهو وضاح عنده لأجل ذلك، لا يحتاج إلى اجتهاد. وظاهر قوله تعالى: ﴿إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه * ثم إن علينا بيانه﴾ (٢) يؤيد هذا القول (٣)، إذ إن الله تعالى جعل على نفسه أن يبيّنه لنبيه ﷺ .

стр. 116

ونحن نرى أنه يجوز أن يكون بيان النبي ﷺ لمجملات القرآن بالأوجه الثلاثة المذكورة آنفاً، بالإضافة إلى وجه رابع، وهو الاجتهاد. فثبت جواز اجتهاده ﷺ في بيان القرآن. وأما قوله تعالى: ﴿ثم إن علينا بيانه﴾ فإذا أقرّ الله تعالى رسوله على ما بينّ، فهو بيان من الله، يوضحه أن تقرير النبي ﷺ لبعض أصحابه على عملٍ ما، هو بيان لمشروعية ذلك العمل، كما سيأتي في فصل التقرير، من الباب الثاني، إن شاء الله. النوع الثاني: الاجتهاد القياسيّ: في جواز كون النبي ﷺ متعبّداً بالاجتهاد القياسيّ خلاف. قال الآمدي: "اختلفوا في أن النبي ﷺ هل كان متعبداً بالاجتهاد في ما لا نصّ فيه (١). فقال أحمد بن حنبل والقاضي أبو يوسف: إنه كان متعبداً به. وقال أبو علي الجبائي وابنه أبو هاشم: لم يكن متعبّداً به. قال: وجوز الشافعي في رسالته ذلك من غير قطع (٢)، وبه قال بعض أصحاب الشافعي، والقاضي عبد الجبار، وأبو الحسين البصري. والمختار جواز ذلك عقلاً ووقوعه سمعاً (٣). اهـ كلام الآمدي.

стр. 117

قلت: وقد نسب صاحب تيسير التحرير إلى الأشعرية أنه ﷺ لم يكن متعبّداً به. وحكى صاحب التحرير أن القاضي والجبائيّ أجازا اجتهاده ﷺ في الحروب فقط، أي دون الأحكام الشرعية (١). والمختار ما نص عليه الحنفية (٢) أنه ﷺ كان عليه العمل بالوحي أولاً، وكان عليه أن ينتظر الوحي في الوقائع، فإن لم يأته الوحي بعد الانتظار اجتهد رأيه (٣). الدليل العقلي لجواز صدور أفعال النبي ﷺ عن اجتهاد: إنا لو فرضنا أن الله تعبّده بذلك، بأن قال له: حكمي عليك أن تقيس فيما لا نص فيه، لم يلزم من ذلك أمر محال. وقد نوقش هذا الدليل بأنه لو كان في الأحكام الصادرة عنه ﷺ ما يكون عن اجتهاد، لجاز أن لا يُجعل أصلاً لغيره، وأن يخالف فيه، وأن لا يكفر مخالفه، لأن جميع ذلك من لوازم الأحكام الثابتة بالاجتهاد. وأجاب عن ذلك الآمدي بأنا لا نسلم أن ما ذكروه من لوازم الأحكام الثابتة بالاجتهاد، بدليل الإجماع عن اجتهاد، فإن الإجماع معصوم من الخطأ. فكذلك اجتهاد النبي ﷺ الذي لا يقرّ على خطأ في الأحكام الشرعية. الأدلة القرآنية: منها: ١ - أدلة القياس، كقوله تعالى: ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾ (٤) والمأمور بالاعتبار، وهو القياس، المؤمنون، وأولهم النبي ﷺ . فهو مأمور بالقياس. والبحث يستوفى في باب القياس. فمن أثبت القياس أصلاً في الشريعة لزمه القول به هنا. ٢ - قوله تعالى: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما

стр. 118

أراك الله﴾ (١) والذي أراه إياه يعمّ الحكم بالنص، والاستنباط من النصوص، والقياس عليها. ونوقش هذا الدليل بأن ما أراه هو ما أنزله إليه. والجواب أن يقال: أن ما حكم به قياساً على المنزل هو حكم بالمنزل، لأنه حكم بمعناه وعلته. وجواب آخر: أن حكمه بالاجتهاد هو حكم بما أراه الله، فتقييده بالمنزل مخالف لإطلاق الآية. ٣ - قوله تعالى: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾ (٢) فعاتبه الله على إطلاقهم، كما في حديث ابن عباس عن عمر بن الخطاب ﵄: "جئت فإذا رسول الله وأبو بكر يبكيان. فقلت: يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما. فقال رسول الله ﷺ : أبكي للذي عَرَض علي أصحابك من أخذهم الفداء. لقد عُرِض عليّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة -لشجرة قريبة منه- وأنزل الله : ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ... ﴾ الآيات. فأحلّ الله الغنيمة لهم" (٣) اهـ. فإنه هنا حكم بالمصلحة. وإذا جاز الحكم بالمصلحة، فالحكم بالقياس أولى. ٤ - أنه ﷺ صلّى على كبير المنافقين عبد الله بن أبي. فجذبه عمر، وقال: أليس الله تعالى قد نهاك أن تصلّي على المنافقين؟ فقال: "أنا بين خيرتين، قال الله تعالى: ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ (٤) فلأزيدنّ على السبعين". فصلّى عليه (٥). فنزل قوله تعالى: ﴿ولا تصلّ على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره﴾ (٦).

стр. 119

الأدلة من السنة النبوية: ما وقع فعلاً من النبي ﷺ ، من العمل بالاجتهاد، في مواطن كثيرة، ثم ودَّ لو أنه عمل بطريق آخر. كما في قوله ﷺ في سوقه الهدي في حجة الوداع: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما أهديت، ولولا أن معي الهدي لأحللت" (١). قال في تيسير التحرير: "أي لو علمت قبل سوق الهدي، ما علمته بعده من أمري، -يريد به ما ظهر عنده من المشقة عليه، وعلى من تبعه، في سوقه الهدي، الملزم دوام الإحرام إلى قضاء مناسك الحج- لما سقته، بل كنت أحرمت بالعمرة، ثم أحللت بعد أدائها، كما هو دأب المتمتع. فعُلِم أنه لم يسق بالوحي، وإلاّ لم يقل" (٢) اهـ. أدلة المانعين: ١ - قالوا: يمتنع ذلك لقوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى * إن هو إلاّ وحي يوحى﴾ (٣) وما يؤدي إليه الاجتهاد ليس بوحي. فيلزم على إجازته الخلف في القرآن، وهو مستحيل. ويجاب عن ذلك بأن سبب نزول الآية أن المشركين كانوا يزعمون إن القرآن افتراء من محمد ﷺ ، فنزلت. فالمقصود بالوحي فيها القرآن خاصة. ولو سلّم أنها تعم جميع ما قاله ﷺ فما يؤدي إليه الاجتهاد، إن أقرّ عليه، هو وحي باطن كما قال الحنفية. ٢ - وقالوا: لو أُمر ﷺ بالاجتهاد لم يؤخّر جواباً، وقد ثبت أنه ﷺ كان يؤخّر الجواب في بعض الوقائع حتى يأتيه الوحي، كما في قصة (٤) من سأله في عمرة

стр. 120

الجعرانة: كيف ترى في رجل أحرم بعمرة بعد ما تضمخ بطيب؟ فلم يجبه حتى نزل الوحي. وأجيب عن ذلك بأنه قد يكون التأخير لانتظار الوحي، إذ لا اجتهاد مع النص. وربما كان التأخير لغموض الدليل المجتهد فيه، فيحتاج إلى زمان مهلة. ٣ - وقالوا: لا يجوز العلم بالظنّ مع القدرة على اليقين. وأجيب عن ذلك بمنع قدرته ﷺ على اليقين بإنزال الوحي، لأن إنزال الوحي لم يكن إليه ﷺ ، بل هو إلى الله تعالى. فإن لم ينزل عليه وحياً في المسألة الواقعة جاز له الاجتهاد فيها. ٤ - قالوا: لو ﷺ كان يفعل بالاجتهاد، لجازت مخالفته من مجتهد آخر. وأجيب عن ذلك، بأن اجتهاده، إذا أقرّ عليه، وحي باطن، فلا تجوز مخالفته. وأمّا قبل تبيّن الإقرار، فقد كان الصحابة ﵃ يشيرون عليه، فيقبل مشورتهم، ويعترضون عليه أحياناً كما تقدم النقل عن عمر ﵁، فيبيّن وجه اجتهاده (١). النوع الثالث: مسألة التفويض: وهي أنه هل يجوز أن يكل الله إلى نبيه ﷺ أن يحكم في بعض الأمور بما يراه، دون نص ولا قياس على منصوص، وأن يفعل بناء على ذلك، فما قاله بناء على ذلك أو فعله فهو شرع الله، ويكون مكلّفاً به؟. قد أجاز ذلك كثير من أهل العلم منهم أبو علي الجبائي، والآمدي، وابن السمعاني، والسبكي، والشيرازي (٢).

стр. 121

ومنعه أبو الحسن البصري وأكثر المعتزلة، وأبو بكر الرازي الجصاص من الحنفية. وكثير ممن أجاز ذلك قال إنه مع جوازه لم يقع. وتردد الشافعي، فقيل إن تردّده في الجواز، وقيل في الوقوع (١). وقد احتج المجيزون لذلك: ١ - بقوله تعالى: ﴿كل الطعام كان حلاً لبني إسرائيل إلاّ ما حرّم إسرائيل على نفسه﴾ (٢) أضاف التحريم إلى إسرائيل ﵇، فدلّ على أنه كان مفوضاً إليه، وإلاّ لكان قد فعل ما ليس له، ومنصب النبوة يأبى ذلك. وقد نوقش هذا الدليل، باحتمال كون تحريمه لما حرمه عن قياس. ويجاب بأنه لو كان عن قياس، للزم أن لا يكون ما حرّمه حلالاً قبل تحريمه له، بل يكون حراماً ظهرت حرمته بعد اجتهاده. وهو خلاف ظاهر الآية، فإنها نسبت التحريم إليه. ٢ - واحتجوا بما روي أن النبي ﷺ قال يوم فتح مكة: "إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلّط عليها رسوله والمؤمنين. وأنها لن [كذا] تحل لأحد كان قبلي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، وإنها لن تحل لأحد بعدي، فلا يُنفّر صيدها، ولا يُخْتَلَى شوكها، ولا تحلّ ساقطتها إلاّ لمنشد ... " فقال العباس: "إلاّ الإذْخِر يا رسول الله، فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا". قال: "إلاّ الإذْخِر" (٣).

стр. 122

ومعلوم أن استثناءه الإذْخِر لم يكن إلاّ من تلقاء نفسه، لعلمنا بأنه يوح إليه تلك اللحظة. وقد نوقش الاستدلال بهذه الواقعة، باحتمال أن يكون جاءه الوحي باستثناء الإذْخِر، بوحيٍ كلمح البصر. ٣ - ومما يجوز أن يحتج به لذلك قوله ﷺ : "لقد همَمْتُ أن أنهى عن الغيلة، حتى ذكرت أن فارس والروم يصنعون ذلك، فلا يضرّ أولادهم" (١). فظاهرٌ أنه عندما همّ أن ينهى عن ذلك، لم يكن نهيه لأجل وحي أتاه بذلك، بل لمجرد أنه يرى في ذلك مصلحة، وأنه امتنع من النهي عن ذلك عندما علم أن أقواماً يفعلونه ثم لا يقَع عليهم منه ضرر. ٤ - واحتجوا بقول النبي ﷺ : "لولا أن أشقّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" (٢). وهو صريح في أن الأمر بالسّواك، وعدمه، مفوّض إليه، لأن مثل هذا القول لا يصدر إلاّ عمن كان الأمر بيده. ومثل ذلك ما في صحيح مسلم أنه ﷺ أمر بالحجّ فقال رجل أفي كل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً. فقال رسول الله ﷺ : "لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم. ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم" (٣). ولولا أن الأمر مفوّض إليه لما كان هذا الخطر محتمَلاً، لأن الوحي لا يعجل لعجلة أحد من الناس. ومثله أيضاً ما في سيرة ابن هشام، أنه ﷺ قتل النضر بن الحارث في الأسر بعد وقعة بدر، فقالت أخته قُتَيْلَة أبياتاً تعاتب النبي ﷺ تقول منها: ما كان ضَرَّك لو مننتَ وربّما ... منَّ الفتى وهو المَغيظُ المُحَنَّقُ فقال ﷺ : "لو سمعت هذا قبل أن أقتله ما قتلته". فلو لم يكن القتل وعدمه مفوضاً إليه، لكان سماعه لهذا الشعر، وعدم سماعه له، سواء.

стр. 123

وقد نوقش الاستدلال بهذه الوقائع باحتمال أنه ﷺ خُيِّر فيها تخييراً خاصاً. والسياق يأبى هذا الاحتمال، كما لا يخفى. أدلة المانعين: وقد احتجّ القاضي عبد الجبار (١) للمنع من التفويض، بأن الشرائع إنما يَتَعَبَّد الله بها الناس لكونها مصالح، والإنسان قد يختار الفساد، فلو أباح الله تعالى للإنسان أن يحكم بمجرد اختياره، لكان ذلك إباحة للحكم بما لا يأمن كونه فساداً. وقد أكّد هذا الاستدلال أبو الحسين البصري وأخذ به. ونقضه الآمدي بأنه مبنيّ على رعاية المصلحة في أفعال الله تعالى، فمن لا يرى ذلك لا يلزمه القول بمقتضى دليل القاضي؛ ومن سلم رعاية المصلحة في أفعاله تعالى، فإن التفويض لا يكون إلاّ مع التسديد للمصلحة باللطف الخفي، وبذلك يؤمن اختيار الفساد، كما هو واضح في الوقائع التي حصل الاحتجاج بها. واختار ابن السمعاني القول بأنها ينبغي أن تُبنى على مسألة العصمة، فلما كان النبي ﷺ معصوماً، جاز التفويض إليه. وهو وجيه. فالحقُّ أن التفويض إلى النبي ﷺ قد وقع، ولو في مسائل قليلة. تنبيه: قال السمعاني: "هذه المسألة أوردها متكلمو الأصوليين، وليست بمعروفة بين الفقهاء، وليس فيها كبير فائدة، وقد وجد في حق النبي ﷺ ، فقلنا على ما وُجد" (٢). ولسنا معه في قوله: "ليس فيها كبير فائدة". فإن معرفة المسلم للطرق التي تصدر بها الأحكام عن نبيه ﷺ أمر له خطورته.

стр. 124

المطلب الثاني أن يفعل بناء على عدم التكليف وهي مسألة العفو اختلف علماء الأصول في هذه المسألة المهمة على مذهبين: ١ - فمنهم من رأى أن الشريعة حاكمة على جميع أفعال العباد، فلا يخلو فعل منها عن حكم شرعي "فما من عمل يُفرض، ولا حركة ولا سكون يدَّعى، إلاّ والشريعة حاكمة عليه إفراداً وتركيباً" (١). وقد أحاطت الشريعة بالأفعال إحاطة تامة، فلم يشذّ منها شيء. وممن قال بهذا الإمام الشافعيّ، وابن السمعانيّ. قال ابن السمعاني: "لا بد أن يكون لله تعالى في كل حادثة حكم، إما بتحليل أو بتحريم" (٢) وفي موضع آخر: "إنا نعلم قطعاً أنه لا يجوز أن تخلو حادثة عن حكم لله تعالى منسوب إلى شريعة نبينا محمد ﷺ . يبيّنه أنه لم يرد عن السلف الماضين أنهم أعروا واقعة عن بيان حكم فيها لله تعالى وتقدس. وقد استرسلوا في بثّ الأحكام استرسال واثق بانبساطها على جميع الوقائع. ولا يخفى على منصف أنهم ما كانوا يفتون فتوى من تنقسم الوقائع عنده إلى ما يعرى عن حكم وإلى ما لا يعرى عنه" (٣). اهـ. ٢ - ومنهم من يرى أن الشريعة جاءت بأحكام معينة في أفعال معينة، أراد الله أن تكون تلك الأحكام هي الدين، وترك ما سوى تلك الأفعال

стр. 125

المعينة، فلم يتعرّض له، لا بأمر ولا بنهي، ولا بتحليل ولا بتحريم، بل أبقاه على ما كان عليه قبل ورود الشريعة. وأفعال العباد على هذا قسمان: قسم فيه حكم شرعي، سواء أكان واجباً أو مندوباً أو مباحاً أو مكروهاً أو محرماً، وقسم آخر خارج عن نطاق الشريعة، مغفل من حكم شرعي، وهو ما يسمى بالعفو. وقد توقف الشاطبي في إثبات مرتبة العفو ولم يرجح أحداً من المذهبين. وبعضهم يسلم ثبوت مرتبة العفو في زمن النبي ﷺ ، ويمنعها بعده (١). وربما وسّع بعضهم معنى هذا المصطلح (العفو) ليشمل فعل المخطئ والناسي والمضطر ونحو ذلك. ونحن نقتصر على النوع الأول، إذ به يتعلق بحثنا هنا. أدلة المذهب الأول: يحتج للمذهب الأول بأدلة: ١ - لو لم تكن أفعال المكلفين بجملتها داخلة تحت خطاب التكليف، لكان بعض المكلفين خارجاً عن حكم خطاب التكليف، ولو في وقت أو حالة ما. لكن ذلك باطل، لأنا فرضناه مكلفاً، فلا يصح خروجه. ويمكن إبطال هذا، بأنّا نمنع أن يكون العبد البالغ العاقل مكلفاً على الإطلاق، وإنما هو مكلّف بما كلّفه الله به، لا بما سكت عنه فلم يكلفه به. ٢ - قول الله تعالى: ﴿ونزّلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء﴾. وقوله: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ (٢). وجه الاستدلال بالآية الأولى: أن الكتاب تبيان لكل شيء، وتدخل أفعال

стр. 126

العباد دخولاً أوليّاً. إذ إن ضبطها حسب أوامر الله، هو المقصود، الأول من نزول القرآن. فينبغي أن يكون في الكتاب بيان أحكامها جميعاً. ويمكن الجواب عن هذا، بأن الآية عامة لكل ما من شأنه أن يدخل فيها قال مجاهد: "تبياناً لكل شيء: للحلال والحرام" (١)، وهي واردة في شؤون الدين، كالآية الثانية. فما ليس من الدين خارج عن عمومهما. والفعل إذا لم يرد الله تعالى إنزال حكم فيه فهو خارج عن حكم الدين. أدلة المذهب الثاني: ١ - ورد في حديث سلمان الفارسي عن النبي ﷺ أنه سئل عن الجبن والسمن والفراء، فقال: "الحلال ما أحل الله في كتابه. والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفي عنه" (٢). ٢ - وعن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: "ما أحلّ الله في كتابه فهو حلال. وما حرم فهو حرام. وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئاً" (٣). ثم تلا: ﴿وما كان ربك نسياً﴾. وهذا نص في المسألة. وقال ابن عباس: "كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء، ويتركون أشياء تقذُّراً. فبعث الله نبيه ﷺ ، وأنزل كتابه، وأحلَّ حلاله، وحرم حرامه، فما أحلَّ فهو حلال، وما حرّم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو" (٤). وتلا: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إليّ محرماً على طاعم يطعمه﴾ إلى آخر الآية. ٣ - وعن أبي ثعلبة أن النبي ﷺ ، قال: "إن الله حدّ حدوداً فلا تعتدوها

стр. 127

وفرض فرائض فلا تضيعوها، وحرّم أشياء فلا تنتهكوها، وترك أشياء من غير نسيان من ربكم، ولكن رحمة منه لكم، فاقبلوها ولا تبحثوا عنها" رواه الحاكم (١) والدارقطني (٢). ٤ - قول النبي ﷺ : "إن أعظم المسلمين في المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم، فحرم من أجل مسألته" (٣). ولهذا الحديث شاهد: ما ذكره الله في قصة بقرة بني إسرائيل حين أكثروا من السؤال فشدّد الله عليهم، فقد كان اللون خارجاً عن المحكوم فيه أصلاً، وإلاّ لم يؤاخذهم بالسؤال عنه. ٥ - نهي النبي ﷺ عن كثرة السؤال، ولومه من فعل ذلك. ولو كان لكل شيء حكم شرعي لما كان السائل عنه ملوماً. ومما ورد من ذلك النهي: "ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم" (٤). رأينا في هذه المسألة: الذي نميل إليه صحة القول بمرتبة العفو، وأن أحكام الشريعة طائفة محدودة من الأحكام، سواء أكانت مستفادة بالنص، أو الاجتهاد البياني، أو القياس، أو غير ذلك. وما لم يدل عليه دليل صحيح، يكون خارجاً عن جملة الأحكام أصلاً والله أعلم وأحكم. وبناء على ذلك لا يمتنع أن يكون النبي ﷺ يفعل الشيء بناء على أنه لا حكم فيه من قبل الله تعالى. بل هو مسكوت عنه. وعلى هذا يحمل ما كان ﷺ يفعله مما حرّمه الله بعد ذلك كالتبني، ولبس الذهب، وما أقرّ غيره عليه من ذلك كشرب الخمر.

стр. 128

تنبيه: إنه وإن كان القول بجواز كون أحكامه ﷺ عن اجتهاد قياسي أو مصلحيّ حقّاً، وأن أفعاله كأقواله قد تكون صادرة عن ذلك النوع من الاجتهاد، إلاّ أنه يجب التنبّه إلى أن إرجاع فعله ﷺ وقوله إلى القرآن، وصدورهما عن فهمه ﷺ للقرآن، هو أولى من اعتبارهما اجتهاداً مستقلاً. وحيث دار الفعل بين أن يكون دالاً على تشريع مستأنف، وبين أن يكون تأولاً للقرآن، فاعتباره تأولاً للقرآن أولى. والمسألة خلافية، فقد قال الزركشي: "إن السرخسي نقل عن الحنفية، أن قول النبي ﷺ ، أو فعله، متى ورد موافقاً لما في القرآن يجعل صادراً عن القرآن، وبياناً لما فيه. قال: والشافعية يجعلونه بيان حكم مبتدأ حتى يقوم الدليل على خلافه ... لما في ذلك من زيادة الفائدة" (١). إلاّ أن قول الحنفية يترجح بكون النبي ﷺ مبعوثاً في الأصل لبيان القرآن والعمل به.

стр. 129

المبحث الثاني أحكام الأفعال النبوية البحث في هذه المسألة يتفرع فرعين: الأول: أحكام الأفعال التي يكلّف بها النبي ﷺ ، أي قبل صدورها عنه. الثاني: أحكام الأفعال التي صدرت منه. أعني ما يحكم به على الفعل بعد صدوره عنه ﷺ . فنخصّ كل فرع منهما بمطلب. المطلب الأول ما يكلّف به النبي ﷺ من الأفعال النبي ﷺ بشر من خلق الله، وعبد من عباد الله، مكلّف كغيره من المكلّفين. فهو مطالب بأفعال يفعلها، على وجه الحتم والإلزام، وتلك هي الواجبات. وأفعال مطلوبة منه لا على وجه الإلزام، وتلك هي المستحبات. ومطالب بأن يترك حتماً أموراً معينة وتلك هي المحرّمات، وأن يترك، لا على وجه الحتم، أموراً، وتلك هي المكروهات. وجعل له الخيار في أمور أخرى أن يفعلها أو لا يفعلها، وهي ما أبيح شرعاً. ثم قد يوجه التكليف إلى الناس عامة، أو المؤمنين عامة، فيدخل فيه ﷺ . وذلك كقوله تعالى: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم

стр. 130

لعلكم تتقون﴾ (١) وقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحلّ الله لكم ولا تعتدوا﴾ (٢). وقد يوجه التكليف إليه ﷺ بالتعيين، كقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليماً حكيماً * واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيراً﴾ (٣). الفرض والواجب، والحرام والمكروه، عند الحنفية، ومدى انطباقه على التكاليف النبوية: من المعلوم أن الحنفية يفرقون بين الفرض والواجب: فالفرض عندهم ما كان دليل التكليف به قطعياً. والواجب ما كان في دليله اضطراب. ولكن النبي ﷺ كان يأتيه الوحي من الله بطريق لا يشك فيه، لأنه كما قال تعالى: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلاّ وحياً، أو من وراء حجاب، أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء﴾ (٤) فيأتيه الوحي مباشرة كالتكليم وحياً، أو من وراء حجاب، أو بسند هو رواية جبريل الأمين عن ربه . فليس في الطريق شبهة، ومن أجل ذلك قال بعض الحنفية إن أفعاله ﷺ التي هو مكلّف بها حتماً، كلها من قبيل الفرض، وليس فيها من المسمّى (واجباً) في اصطلاحهم شيء. ولكن البزدوي والسرخسي يثبتان الواجب مع الفرض. يقول البزدوي: "باب أفعال النبي ﷺ . وهي أربعة أقسام: مباح، ومستحب، وواجب، وفرض" (٥). وقال شارحه البخاري: "الشيخ (يعني البزدوي) وشمس الأئمة

стр. 131

(يعني السرخسي) قسما أفعاله ﷺ أربعة أقسام. والقاضي الإمام (١)، وسائر الأصوليين قسموها ثلاثة: واجب ومستحب ومباح. وأرادوا بالواجب الفرض. وهذا أقرب إلى الصواب، لأن الواجب الاصطلاحي ما ثبت بدليل فيه اضطراب، ولا يتصور ذلك في حقه ﷺ ، لأن الدلائل الموجبة في حقه كلها قطعيّة". هذا ما قال. ولكن بتدقيق النظر يتبين أن كلام الإمامين البزدوي والسرخسي صواب. وذلك أنهم يثبتون أن النبي ﷺ كان متعبّداً بالاجتهاد، وأن اجتهاده قد يداخله الخطأ (٢)، كما تقدم. وهم وإن قالوا إنه لا يقرّ عليه، إلاّ أنه ﷺ عندما يقدم على الفعل باجتهاد، يقدم عليه بدليل ظنّيّ هو القياس. وشبهة الخطأ في القياس قائمة، بدليل أن الخطأ وقع فعلاً، كما قد أثبتوا ذلك. فهذا يبينّ أن ما ذهب إليه البزدوي والسرخسي صحيح ثابت، وأن ما رجحه البخاري مرجوح. أقول: وينبغي أن يقال مثل هذا القول على مذهب الحنفية، في المحرّم والمكروه. فما كُلِّف ﷺ بتركه حتماً نصاً فهو محرم، وما رأى اجتهاداً منه أنه مكلف بتركه، فهو مكروه كراهة تحريم. فإذا أُقر عليه تبين أنه محرم. والله أعلم. انحصار أفعاله ﷺ في الواجب والمحرم، من جهة منصب البيان: ذكر الشاطبي (٣) أن القائم في مقام البيان عن الشريعة له في أفعاله وأقواله اعتباران: أحدهما: من حيث إنه واحد من المكلفين، ينقسم حكم فعله إلى الأحكام الخمسة وهذا ما قدمنا ذكره في المسائل السابقة من هذا المبحث. والثاني: من حيث إن أفعاله وأحواله صارت بياناً وتقريراً لما شرع الله عزّ

стр. 132

وجل إذ انتصب في هذا المقام. فالأفعال في حقه، إما واجب، وإما محرم، ولا ثالث لهما، لأنه من هذه الجهة واجب، والبيان واجب لا غير. فيجب أن يفعل ما بيانه بالفعل. ويجب أن يترك ما بيانه بالترك، ولو كان ما يفعله أو يتركه غير واجب على الرجل العادي، إلاّ أنه على المبيِّن يجب. ولكن هذا إنما يتعين حيث تظهر الحاجة إلى البيان، وذلك في حالين: الأولى: عند جهل المشاهد للفعل بحكم الفعل (مع لزوم الفعل له). والثانية: عند اعتقاد خلاف الحكم، أو مظِنّة اعتقاد خلافه. ومثاله أن يجهل قوم الحديثَ الوارد في الندب إلى التطوع قبل صلاة المغرب بعد الأذان، ويستنكروا ذلك. فعلى المبين أن يفعل ذلك، ليحصل البيان، لأن البيان في حقه واجب. ولعلّ من هذا ما فعله النبي ﷺ إذ طلب أن يَطْعَم من غير صيد غير المحرم، وطلب أن يَطْعَم من الجعل الذي أخذوه على الرقية. قياماً بواجب البيان. والله أعلم.

стр. 133

المطلب الثاني أحكام الأفعال الصادرة عن النبي ﷺ إذا صدر عن النبي ﷺ فعل، احتمل بحسب الأصل أن يكون فعله على سبيل الوجوب، أو على سبيل الندب، أو على سبيل الإباحة، ولا إشكال في شيء من هذه الثلاثة. ويبقى القول في مقامين: الأول: هل يمكن أن يكون بعض الأفعال الصادرة عنه ﷺ محرمة، وقد فعلها عمداً، أو خطأ، أن نسياناً، أو على نحو ذلك من الطرق؟ وهي المسألة التي تُعَنْوَنُ عادة بمسألة العصمة. الثاني: هل يفعل النبي ﷺ ما حكمه الكراهة؟. المقام الأول عصمة الأنبياء عن المحرمات أصل البحث يقتضي أن يكون عنوان هذه المسألة (عصمة محمد ﷺ )، غير أننا أثرنا بحثها نحو عنوان (عصمة الأنبياء) لأن الأنبياء صلى الله عليهم جميعاً في هذه المسألة سواء. وتبحث هذه المسألة أصلاً في كتب العقائد، لأنها في ما يجب للنبي ﷺ ، ويجوز له، ويحرم عليه، بمقتضى النبوة.

стр. 134

ويذكرها الأصوليون في أوائل مباحث السنة، فعل ذلك ابن الهمام، وقال: إن ذلك من عادة الأصوليين من غير الحنفية (١). ومنهم من ذكرها في بحث الأفعال النبوية من السنة، كما فعل البيضاوي في منهاجه (٢)، إذ جعلها أولى مسائل بحث الأفعال النبوية. وقال الأسنوي شارحه: "وهي مقدمة لما بعدها، لأن الاستدلال بأفعالهم متوقف على عصمتهم". وفعل ذلك الزركشي في البحر المحيط (٣)، وقال: القسم الثاني -من السنة- الأفعال، وعادتهم يقدمون عليها الكلام على العصمة، لأجل أنه ينبني عليها وجوب التأسي بأفعاله. اهـ. وفعله الغزالي في المنخول والمستصفى. ونحن نرى أن مسألة العصمة ينبغي إذا ذكرت في الكتب الأصولية الشاملة؛ أن تذكر في أول مباحث السنة، إذ أن تعلقها إنما هو بالسنة بصفتها الشاملة للقول والفعل، لا بالفعل على وجه الخصوص. وإنما نذكرها نحن في قسم الأفعال لأنه أحد نوعي السنة، لا لاختصاصها به. العصمة في اللغة والاصطلاح: العصمة في اللغة اسم مصدر عصم، وهي بمعنى: المنع، كذا في (لسان العرب). وفي (القاموس) عصم: منع ووقى. أقول: ولعلها بمعنى المنع المضمن معنى الوقاية، على ما تدل عليه استعمالاتها المختلفة؛ فليس كل منع عصمة، وإنما العصمة أن تمنع الشيء أن يلحقه الضرر. قال الله تعالى: ﴿قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء، قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم﴾ (٤) وقال: ﴿ومن يعتصم بالله فقد هُدِيَ إلى صراط مستقيم﴾ (٥) أي يتمسك بحبله وهداه خشية الانحراف، كما قال الله تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا﴾ (٦) وتقول العرب: اعتصم بالفرس، إذا أمسك بعرفه حين يخشى السقوط. وقال الزجاج:

стр. 135

أصل العصمة الحبل، وكل ما أمسك شيئاً فقد عصمه. وتقول العرب: عصام القِربة، وعصام الإناء. فالعصام: الحبل أو الحلقة التي يعلّق بها الشيء فلا يسقط. أما في الاصطلاح، فالعصمة: منع الله عبده من السقوط في القبيح من الذنوب والأخطاء ونحو ذلك، وهو المعنى المراد في هذا المبحث. هذا، وتستعمل العصمة في حق النبي ﷺ بمعنى آخر وهو أنه تعالى عصمه من أن يصل إليه أذى الناس، لأجل أن يتمكن من إبلاغ دعوته. ففي الحديث أن عائشة قالت: "كان النبي ﷺ يحرس، حتى نزلت هذه الآية: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ (١) فأخرج رسول الله ﷺ رأسه من القبّة، فقال لهم: يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله" (٢). وسيأتي لهذا المعنى مزيد بسط في أواخر مسألة العصمة. والعصمة بهذا المعنى، خارجة عن المعنى الاصطلاحي للعصمة، الذي قدمنا ذكره، كما لا يخفى. حقيقة العصمة: اختلف علماء الكلام وعلماء الأصول في حقيقة العصمة، على أقوال (٣). ١ - قيل: المعصوم من لا يمكنه الإتيان بالمعصية. وأصحاب هذا القول على طريقتين: أ- فقيل: حقيقة العصمة أن يختص المعصوم في نفسه أو بدنه بخاصّيّة تقتضي امتناع إقدامه على المعصية. وهذا القول في حقيقة العصمة مردود، إذ لوكان الذنب من المعصوم ممتنعاً

стр. 136

لما استحق المدح بترك الذنب، ولزال تكليفه، إذ لا تكليف بما لا يطاق، ولا ثواب عليه (١). ب- وقيل: ليس العصمة أن يكون في نفس المعصوم أو بدنه خاصّيّة ليست في غير المعصوم، ولكن العصمة القدرة على الطاعة، وعدم القدرة على المعصية. وهذا قول الأشعري (٢). ومعناه إما أن الله يسلب من المعصوم القدرة على المعصية، فمفهوم العصمة على هذا عدمي. أو يخلق مانعاً يمنع العبد من المعصية، ومفهومها على هذا وجودي (٣). ٢ - وقيل المعصوم يمكنه الإتيان بالمعصية، ولكن الله يمنعه منها باللطف، بصرف دواعي المعصوم عن المعصية، بما يلهمه إياه من رغبة ورهبة، وكمال معرفة، كالتحقيق بقوله تعالى: ﴿قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم﴾ (٤). وهذا قول المعتزلة. واللطيف عند المعتزلة هو: "كل ما يختار المرء عنده الواجب، ويجتنب القبيح" أو"ما يكون العبد عنده أقرب إلى اختيار الواجب، أو ترك القبيح، مع تمكنه من الفعل في الحالين" (٥). واللطف عندهم يسمى توفيقاً، أو عصمة؛ فإذا وافق اللطفُ فِعْلَ الطاعة يقال له توفيق، وإذا وافق اجتناب القبيح يسمى عصمة (٦). العصمة هل هي جائزة أو واجبة ؟ واضح من تعريف العصمة أن كل من وقي الوقوع في الذنب فقد عُصم منه. وفي حديث البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: ما استُخلفَ خليفةٌ إلّا كان له بطانتان، بطانة تأمره بالخير وتحضّه عليه،

стр. 137

وبطانة تأمره بالشرّ وتحضه عليه، والمعصوم من عصم الله" (١). فالعصمة أصلاً في حق البشر بطريق الجواز. والخلاف الواقع بين الأمة في عصمة الأنبياء إنما هو في وجوبها أو عدم وجوبها. لمحة عن تاريخ القول بعصمة الأنبياء: لسنا نجد في القرآن العظيم بياناً لعصمة الأنبياء بطريق النص، وقد ذكر الرازي في كتابه (عصمة الأنبياء) اثنتي عشرة آية، رأى أنها دالة على عصمتهم. ودلالتها عنده هي بطريق اللزوم، لا بطريق النص، كما هو واضح من استقرائها في كتابه المذكور، وكما سيأتي إيضاحه إن شاء الله. والسنة كذلك فيها إشارات ليست نصوصاً. ومن أصرح ما ورد في ذلك ما في الحديث أن النبي ﷺ قال: "ما منكم من أحد إلاّ وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة". قالوا: وإياك؟ قال: "وإياي، إلاّ أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلاّ بخير" (٢) ومن أقوال الصحابة، ما في مسند أحمد، من حديث أبي بكر الصديق ﵁، أنه قال في أول خطبة له بعد توليه الخلافة: "لئن أخذتموني بسنة نبيكم ﷺ ما أطيقها، إن كان لمعصوماً من الشيطان، وإن كان لينزل عليه الوحي من السماء" (٣). وذُكِر أن أول من ألّف في العصمة (الشريف) المرتضى، وكان من كبار دعاة الإمامية. فقد ألّف كتابه (تنزيه الأنبياء) قال فيه بعصمة الأنبياء، وأضاف إلى ذلك أن أوجب العصمة لأئمة الشيعة. بل يرى بعض الكاتبين أنه اتخذ القول بعصمة الأنبياء سلماً للقول بعصمة (الأوصياء) كما ادّعاه. ثم ألّف الرازي، وهو محمد بن عمر بن الحسين، المتكلم الأصولي الشهير، (٥٤٣ - ٦٠٦هـ) كتابه الآنف الذكر (عصمة الأنبياء) (٤) الذي أصبح

стр. 138

عمدة الأكثرين بعده في تقرير المسألة والاستدلال لها. وقد صنف مباحث المسألة. وذكر أقوال العلماء فيها، واختار عصمة الأنبياء في زمان نبوتهم، لا قبلها، عن تعمّد الكبائر والصغائر. وأجاز صدورها عنهم سهواً. وذكر الأدلة، ثم تتبّع قصص الأنبياء، وتأوَّل ما ظاهره صدور الذنب عنهم مما ذكره الله تعالى في قصصهم. مذاهب العلماء في العصمة إجمالاً: ١ - الشيعة الإمامية غالت في إثبات عصمة الأنبياء، حتى منعوا صدور المخالفة عن النبي ﷺ قبل النبوة وبعدها، كبيرة كانت المخالفة أو صغيرة، عمداً كانت أو سهواً (١). ونقل البعض أن ابن أبي الحديد، من الشيعة الإمامية، شارح (نهج البلاغة)، مال إلى الاعتدال، فأجاز صدور الذنب سهواً أو نسياناً ولا يقرّ عليه (٢). ويظهر أن الشيعة الزيدية لم يوافقوا الإمامية على ما ذهبوا إليه (٣). ٢ - وأكثر المعتزلة يوافق الشيعة في مذهبهم، إلّا في الصغائر غير المُسَخِّفَة قبل البعثة وبعدها، والكذب صغيره وكبيره، والسهو في ما يؤدونه. ولخّص أبو الحسين البصري ما يمتنع عليهم بقوله: "لا يجوز عليهم ما يؤثر في الأداء، ولا ما يؤثر في التعليم، ولا في القبول" (٤). وفصّل ما ذكرنا. ٣ - المتكلمون ومنهم الآمدي والرازي والباقلاني (٥) وبعض المعتزلة وغيره، قالوا إنهم لا يمتنع عليهم قبل النبوة الكبائر ولا الصغائر، قال الأمدي: بل ولا يمتنع عقلاً إرسال من أسلم وآمن بعد كفره.

стр. 139

أما بعد النبوة، فقد قالوا إن الأنبياء معصومون عن تعمّد كل ما يخلّ بصدقهم، فيما دلّت المعجزة القاطعة على صدقهم فيه من دعوى الرسالة والتبليغ عن الله تعالى. أما بطريق الخطأ والنسيان فقد اختلفوا فيه. وجوزه الباقلاني، ومال إليه الآمدي. وأما الكفر فقد منعوه عمداً وسهواً. وأما المعاصي الكبائر وصغائر الخِسّة فقد منعوها عمداً وجوزوها سهواً. كما جوزوا الصغائر على سبيل الندرة (١) ولو عمداً. ومنهم من منع ذلك كله، ومن أولئك السبكي وابنه، والإسفرائيني والشهرستاني، والقاضي عياض (٢). بل إن القاضي عياض وافق الشيعة الإمامية في دعوى العصمة قبل النبوة، والعصمة بعد النبوة من الصغائر ولو سهواً (٣). ٤ - والخوارج نقل الآمدي عن الأزارقة منهم أنهم أجازوا بعثة نبي يعلم الله أنه يكفر بعد نبوته. والفُضَيْليّة منهم أجازوا صدور الذنوب عن الأنبياء، وكل ذنب فهو عندهم كفر. وبذلك يكونون قد أجازوا صدور الكفر عنهم. ٥ - وأما أهل الحديث، فينقل الكاتبون في الأصول عنهم وعن الكرّامية، أنهم أجازوا صدور الكبائر عن الأنبياء عمداً. وابن تيمية ينقل "إن عصمتهم في ما

стр. 140

يبلّغونه عن الله تعالى ثابتة باتفاق الأمة" (١). وقال في موضع آخر: "النبي معصوم في ما يبلغه عن الله تعالى، فلا يستقرّ خطأ في المبلغ" وأما فيما يتعلق بالذنوب فليسوا عنده معصومين عن صدورها منهم، ولكن هم معصومون من الإقرار على الذنب، بل يُنَبِّهون أو يتوبون (٢) وظاهر قوله هذا أنه يجيز صدور الذنب منهم كبيراً كان أو صغيراً عمداً وسهواً. فلا عصمة عنده للنبي عن صدور الذنب والمخالفةِ منه، وإنما العصمة عن استمراره على الذنب دون توبة، وعن استقرار ما يؤديه من الشريعة على الخطأ. ٦ - وأما الظاهريّة، فإن ابن حزم ترك ظاهريّته هنا، وقال بعصمة الأنبياء بعد النبوة عن كل ذنب صغير أو كبير عمداً، ولم يمنع أن يصدر عنه ﷺ ذلك سهواً عن غير قصد. والتزم أنهم لا يُقرُّون على ذلك، بل ينبههم الله تعالى عليه ولا بدّ، إثر وقوعه منهم، ويظهر ذلك لعباده ويبيّن لهم (٣). الأدلة: لن نستعرض بالتفصيل أدلة القائلين بالعصمة، وأدلة مخالفيهم، وسنكتفي بعرض الأدلة إجمالاً، ونضرب لها بعض أمثلة تتبين بها طريقة كل طائفة في الاستدلال لما تقول. ونختار ما نراه أرجح. سائلين الله تعالى التوفيق والعصمة. أولاً: أدلة القائلين بالعصمة عن صدور الذنوب عن الأنبياء: ١ - آيات قرآنية، من مثل قوله تعالى: ﴿ألا لعنة الله على الظالمين﴾ والعاصي ظالم، فلو عصى النبي ﷺ لتوجه إليه حكم الآية. واعتقاد ذلك في حق النبي ﷺ كفر. وقوله: ﴿ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون﴾ فلو صدرت

стр. 141

عنهم الذنوب كانوا من حزب الشيطان ولكان من قال الله فيهم: ﴿ألا إن حزب الله هم المفلحون﴾ من العباد والصلحاء، خيراً من الأنبياء. وذلك باطل. ويناقش ابن تيمية مثل هذا الاستدلال، بأن الظالم هو من أصرّ على الذنب ولم يتب منه، أما من وقع منه فبادر إلى التوبة والإنابة إلى الله، فلعله يكون خيراً ممن لم يقع منه الذنب أصلاً (١). قال: "وفي الأثر: كان داود بعد التوبة، خيراً منه قبل الخطيئة" (٢). فلم يذكر الله تعالى عن نبي ذنباً إلاّ مقروناً بتوبة واستغفار (٣). ٢ - أنّا مأمورون بالتأسّي بالنبي ﷺ ، بقوله تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني﴾ ونحو ذلك من الآيات. فلو صدر تعمّد المخالفة أو الغلط أو النسيان عنه لكنا مأمورين بالاقتداء به فيه، وهذا لا يجوز. فثبت استحالة صدور المعصية عنه (٤). ونوقش هذا الدليل بأنه لا يُنتج إلاّ منع استقرار الشرع على غير الوجه الصحيح. قال ابن تيمية: "حجة التأسيّ بالأنبياء صلوات الله عليهم لا تنتج منع الذنب، ولكن منع الإقرار عليه". قال: "المختار أن العصمة ثابتة عن الإقرار على الذنوب مطلقاً. والحجج العقلية والنقلية تنتج هذا لا غير" (٥). وقال أيضاً: "إن هؤلاء من أعظم حججهم ما اعتمده القاضي عياض وغيره حيث قالوا: نحن مأمورون بالتأسيّ بهم في الأفعال، وتجويز ذلك يقدح في التأسيّ. فأجيبوا بأن التأسي هو فيما أُقِرّوا عليه، كما أن النسخ جائز في ما يبلّغونه من الأمر والنهي، وليس ذلك مانعاً من وجوب الطاعة، لأن الطاعة تجب في ما لم ينسخ. فعدم النسخ يقرر الحكم، وعدم الإنكار يقرر الفعل، والأصل عدم كل منهما" (٦). اهـ.

стр. 142

وقال الشيخ محمد خليل هرّاس: "الواجب أن نستحي من الله أن نقول ما يخالف كلام الله . وما وقع من الرسل من مخالفات قليلة جداً في أعمارهم الطويلة أدّى إليها أحياناً غلبة طبع أو نسيان بمقتضى أنهم بشر، لا يمكن أن يغض من أقدارهم، ولا أن يخرجهم عن منصب القدوة التي جعلها الله لهم" (١). ونوقش هذا الدليل أيضاً مع من أجاز صدور المعصية الكبيرة نسياناً أو سهواً أو الصغيرة عمداً وسهواً، بأنا مأمورون بالاقتداء به ﷺ في صغير أعماله وكبيرها. فلما لم يقتض دليل الاقتداء منع النسيان والسهو والصغيرة، فكذلك لا يقتضي منع صدور الكبيرة عمداً. وإنما يقتضي الدليل منع الإقرار على الكل كما تقدم. وقد أجاب أبو هاشم الجبائي عن هذا الاستدلال بقوله: "إن التأسيّ بالعاصى قد يكون طاعة". كالذاهب إلى الكنيسة للكفر، يتأسىّ به من يمضي معه لمطالبة غريم واسترجاع وديعة. وهذا الجواب غير مرضي، وقد ردّه أبو عبد الله البصري بأن: "المتأسّي بغيره لا يكون متأسّياً في جنس الفعل، وإنما يكون كذلك بأن يفعله على الوجه الذي فعل". يعني بالوجه: غرضه من الفعل. وقد رجّح القاضي عبد الجبار طريقة شيخه أبي عبد الله البصري (٢). وهو الصواب. أقول: والعجب من الرازي أنه جعل الحاجة إلى التأسي به ﷺ دليل عصمته، ولكنه في باب الأفعال النبوية من كتابه المشهور (المحصول) توقف في مسألة التأسّي بها، ورأى أنه غير لازم (٣). لاحتمالها الخصوصية - ما لم يبيِّن لنا بالقول أن الفعل المعيّن مقصود به التأسِّي. وهذا تناقض من الرازي، عفا الله عنا وعنه.

стр. 143

٣ - دليل التنفير: وهو دليل عقلي. وهو عمدة المعتزلة: قالوا: كلّ ما ينفر عن القبول من النبي ﷺ ، من الكذب فيما يؤديه وفي غير ما يؤديه، والكبائر، وصغائر الخسة ونحو ذلك، فيجب أن يكون معصوماً منه، لا يصدر عنه. ويكون لذلك معصوماً من الفظاظة والغلظة، وحتى عن كثير من المباحات القادحة في التعظيم. ويدخل فيه قول الشعر والكتابة، إذ كانت معجزة محمد ﷺ الفصاحة، والإخبار عن الغيوب (١). وقد ناقش الغزالي الاستدلال بالتنفير على العصمة، بقوله: "لا يجب عندنا عصمتهم من جميع ما ينفرّ، فقد كانت الحرب سِجالاً بينه وبين الكفار، مع أنه حُفظ عن الخطّ والكتاب لئلا يرتاب المبطلون. وقد ارتاب جماعة بسبب النسخ، وجماعة بسبب الآيات المتشابهات" (٢). اهـ. وناقشه أيضاً صاحب (التحرير) (٣) في ما قبل البعث بقوله: "بعد صفاء السريرة، وحسن السيرة، ينعكس حالهم في القلوب (أي إلى التعظيم والإجلال) ويؤكده دلالة المعجزة، والمشاهدة واقعة به في آحاد انقادَ الخلق إلى إجلالهم، بعد العلم بما كانوا عليه. فلا معنى لإنكاره" اهـ. فالحق أن دليل التنفير غير قائم، ولا يصح الاعتماد عليه في هذه المسألة. ٤ - دليل الإجماع: قالوا: أجمعت الأمة على عصمة الأنبياء. ولكن الأصوليين وغيرهم اختلفوا فيما ادّعوا الإجماع عليه من ذلك، فالقاضي عياض ذكر الإجماع على عصمتهم. ١ - في العقيدة. و٢ - في الأقوال البلاغية، عن العمد والسهو والنسيان والغلط وغير ذلك. و٣ - من الخُلف في الأقوال الدينية عمداً وسهواً. و٤ - من الذنوب الكبائر. والرازي أنكر الإجماع فيها إذا كان سبيله السهو والغلط، دون العمد. وادّعى

стр. 144

الإجماع على العصمة من تعمد الصغائر والكبائر. كما حكى عمّن سمّاهم (الحشْويّة) -ولعلّه يقصد أصحاب الحديث- إجازتهم صدور الكبائر سهواً وعمداً. وحكى عن الفُضَيْليَّة جواز صدور الكفر عنهم. وأيضاً حكى الزركشي في البحر المحيط، عن مالك وعن ابن السمعاني، صحة وقوع الصغائر منهم. وتُتدارك بالتوبة (١). وابن تيمية حكى الإجماع، ولكن جعله إجماعاً على امتناع إقرار الأنبياء على الذنوب، وعلى امتناع استقرار الخلف في التبليغ، دون ما سوى ذلك. وهكذا نرى أن ما يتحقق فيه الإجماع هو العصمة من الإقرار على الذنوب الكبائر المتعمدة، ومن استقرار الخلف في التبليغ. ٥ - دليل اقتضاء المعجزة للعصمة: وهو دليل عقلي. وبه أخذ ابن فُورَك والغزالي، فيما خالف مقتضى المعجزة. قال الغزالي: "كل ما يناقض مدلول المعجزة فهو محال عليهم بطريق العقل. ويناقض مدلول المعجزة جواز الكفر، والجهل بالله تعالى، وكتمان رسالة الله، والكذب والخطأ والغلط فيما يبلغ، والتقصير في التبليغ، والجهل بتفاصيل الشرع الذي أمر بالدعوة إليه". قال: "أما ما يرجع إلى مقارفة الذنب فيما يخصه، ولا يتعلق بالرسالة، فلا يدلّ على عصمتهم منه دليل العقل، بل دليل التوقيف والإجماع" (٢) اهـ. إذن فدلالة المعجزة على العصمة دلالة صحيحة، ولكنها دلالة محدودة بدعوى الرسالة وما وقع عليه التحدي، وما يستقر في الشرع مما يبلغه ﷺ بقوله أو فعله، دون سائر الأقوال والأفعال. ٦ - دليل عقلي: إن الذنوب تنافي الكمال، وأن الأنبياء لكرامتهم على الله لا يصدر عنهم ذنب (٣).

стр. 145

ونوقش هذا بأن التوبة النصوح التي يقبلها الله يرفع بها صاحبها إلى أعظم مما كان عليه (١). ثانياً: أدلة القائلين بإمكان صدور المخالفة عن النبي ﷺ : ١ - استدلوا لذلك بما ورد في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من نسبة (العصيان) و (الذنوب) و (الظلم) إلى بعض الأنبياء. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وعصى آدم ربه فغوى * ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ (٣). وقال عن آدم وزوجه: ﴿قالا ربنا ظلمنا أنفسنا﴾ (٤) وعن يونس أنه قال: ﴿سبحانك إني كنت من الظالمين﴾ (٥) ونحو ذلك من الآيات. ٢ - وقالوا: حذّر الله أنبياءه من الوقوع في الشرك والمعاصي بنحو قوله : ﴿ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين﴾ (٦)، وقال: ﴿ولولا أن ثَبَّتناكَ لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً * إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات﴾ (٧). ٣ - قالوا: فلو كان لا يتصور أن يقع منهم الذنب، لما كان لهذا التحذير معنى. وذكر الله في قصص أنبيائه، في مواضع كثيرة جداً، وقوع الذنوب منهم. ولكن الله لا يذكر عن نبي ذنباً إلا أتبعه بذكر توبة النبي منه، أو تذكيره، وتنبيهه إلى ذلك كما في قصة آدم من الشجرة، وطلب نوح نجاة ابنه، وفي مغاضبة
следующие страницы →