عنهم الذنوب كانوا من حزب الشيطان ولكان من قال الله فيهم: ﴿ألا إن حزب الله هم المفلحون﴾ من العباد والصلحاء، خيراً من الأنبياء. وذلك باطل.
ويناقش ابن تيمية مثل هذا الاستدلال، بأن الظالم هو من أصرّ على الذنب ولم يتب منه، أما من وقع منه فبادر إلى التوبة والإنابة إلى الله، فلعله يكون خيراً ممن لم يقع منه الذنب أصلاً (١). قال: "وفي الأثر: كان داود بعد التوبة، خيراً منه قبل الخطيئة" (٢). فلم يذكر الله تعالى عن نبي ذنباً إلاّ مقروناً بتوبة واستغفار (٣).
٢ - أنّا مأمورون بالتأسّي بالنبي ﷺ ، بقوله تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني﴾ ونحو ذلك من الآيات. فلو صدر تعمّد المخالفة أو الغلط أو النسيان عنه لكنا مأمورين بالاقتداء به فيه، وهذا لا يجوز. فثبت استحالة صدور المعصية عنه (٤).
ونوقش هذا الدليل بأنه لا يُنتج إلاّ منع استقرار الشرع على غير الوجه الصحيح. قال ابن تيمية: "حجة التأسيّ بالأنبياء صلوات الله عليهم لا تنتج منع الذنب، ولكن منع الإقرار عليه". قال: "المختار أن العصمة ثابتة عن الإقرار على الذنوب مطلقاً. والحجج العقلية والنقلية تنتج هذا لا غير" (٥).
وقال أيضاً: "إن هؤلاء من أعظم حججهم ما اعتمده القاضي عياض وغيره حيث قالوا: نحن مأمورون بالتأسيّ بهم في الأفعال، وتجويز ذلك يقدح في التأسيّ. فأجيبوا بأن التأسي هو فيما أُقِرّوا عليه، كما أن النسخ جائز في ما يبلّغونه من الأمر والنهي، وليس ذلك مانعاً من وجوب الطاعة، لأن الطاعة تجب في ما لم ينسخ. فعدم النسخ يقرر الحكم، وعدم الإنكار يقرر الفعل، والأصل عدم كل منهما" (٦). اهـ.
стр. 142
وقال الشيخ محمد خليل هرّاس: "الواجب أن نستحي من الله أن نقول ما يخالف كلام الله . وما وقع من الرسل من مخالفات قليلة جداً في أعمارهم الطويلة أدّى إليها أحياناً غلبة طبع أو نسيان بمقتضى أنهم بشر، لا يمكن أن يغض من أقدارهم، ولا أن يخرجهم عن منصب القدوة التي جعلها الله لهم" (١).
ونوقش هذا الدليل أيضاً مع من أجاز صدور المعصية الكبيرة نسياناً أو سهواً أو الصغيرة عمداً وسهواً، بأنا مأمورون بالاقتداء به ﷺ في صغير أعماله وكبيرها. فلما لم يقتض دليل الاقتداء منع النسيان والسهو والصغيرة، فكذلك لا يقتضي منع صدور الكبيرة عمداً. وإنما يقتضي الدليل منع الإقرار على الكل كما تقدم.
وقد أجاب أبو هاشم الجبائي عن هذا الاستدلال بقوله: "إن التأسيّ بالعاصى قد يكون طاعة". كالذاهب إلى الكنيسة للكفر، يتأسىّ به من يمضي معه لمطالبة غريم واسترجاع وديعة.
وهذا الجواب غير مرضي، وقد ردّه أبو عبد الله البصري بأن: "المتأسّي بغيره لا يكون متأسّياً في جنس الفعل، وإنما يكون كذلك بأن يفعله على الوجه الذي فعل". يعني بالوجه: غرضه من الفعل.
وقد رجّح القاضي عبد الجبار طريقة شيخه أبي عبد الله البصري (٢). وهو الصواب.
أقول: والعجب من الرازي أنه جعل الحاجة إلى التأسي به ﷺ دليل عصمته، ولكنه في باب الأفعال النبوية من كتابه المشهور (المحصول) توقف في مسألة التأسّي بها، ورأى أنه غير لازم (٣). لاحتمالها الخصوصية - ما لم يبيِّن لنا بالقول أن الفعل المعيّن مقصود به التأسِّي. وهذا تناقض من الرازي، عفا الله عنا وعنه.
стр. 143
٣ - دليل التنفير: وهو دليل عقلي. وهو عمدة المعتزلة: قالوا: كلّ ما ينفر عن القبول من النبي ﷺ ، من الكذب فيما يؤديه وفي غير ما يؤديه، والكبائر، وصغائر الخسة ونحو ذلك، فيجب أن يكون معصوماً منه، لا يصدر عنه. ويكون لذلك معصوماً من الفظاظة والغلظة، وحتى عن كثير من المباحات القادحة في التعظيم. ويدخل فيه قول الشعر والكتابة، إذ كانت معجزة محمد ﷺ الفصاحة، والإخبار عن الغيوب (١).
وقد ناقش الغزالي الاستدلال بالتنفير على العصمة، بقوله: "لا يجب عندنا عصمتهم من جميع ما ينفرّ، فقد كانت الحرب سِجالاً بينه وبين الكفار، مع أنه حُفظ عن الخطّ والكتاب لئلا يرتاب المبطلون. وقد ارتاب جماعة بسبب النسخ، وجماعة بسبب الآيات المتشابهات" (٢). اهـ.
وناقشه أيضاً صاحب (التحرير) (٣) في ما قبل البعث بقوله: "بعد صفاء السريرة، وحسن السيرة، ينعكس حالهم في القلوب (أي إلى التعظيم والإجلال) ويؤكده دلالة المعجزة، والمشاهدة واقعة به في آحاد انقادَ الخلق إلى إجلالهم، بعد العلم بما كانوا عليه. فلا معنى لإنكاره" اهـ.
فالحق أن دليل التنفير غير قائم، ولا يصح الاعتماد عليه في هذه المسألة.
٤ - دليل الإجماع: قالوا: أجمعت الأمة على عصمة الأنبياء. ولكن الأصوليين وغيرهم اختلفوا فيما ادّعوا الإجماع عليه من ذلك، فالقاضي عياض ذكر الإجماع على عصمتهم. ١ - في العقيدة. و٢ - في الأقوال البلاغية، عن العمد والسهو والنسيان والغلط وغير ذلك. و٣ - من الخُلف في الأقوال الدينية عمداً وسهواً. و٤ - من الذنوب الكبائر.
والرازي أنكر الإجماع فيها إذا كان سبيله السهو والغلط، دون العمد. وادّعى
стр. 144
الإجماع على العصمة من تعمد الصغائر والكبائر. كما حكى عمّن سمّاهم (الحشْويّة) -ولعلّه يقصد أصحاب الحديث- إجازتهم صدور الكبائر سهواً وعمداً. وحكى عن الفُضَيْليَّة جواز صدور الكفر عنهم. وأيضاً حكى الزركشي في البحر المحيط، عن مالك وعن ابن السمعاني، صحة وقوع الصغائر منهم. وتُتدارك بالتوبة (١).
وابن تيمية حكى الإجماع، ولكن جعله إجماعاً على امتناع إقرار الأنبياء على الذنوب، وعلى امتناع استقرار الخلف في التبليغ، دون ما سوى ذلك.
وهكذا نرى أن ما يتحقق فيه الإجماع هو العصمة من الإقرار على الذنوب الكبائر المتعمدة، ومن استقرار الخلف في التبليغ.
٥ - دليل اقتضاء المعجزة للعصمة: وهو دليل عقلي. وبه أخذ ابن فُورَك والغزالي، فيما خالف مقتضى المعجزة.
قال الغزالي: "كل ما يناقض مدلول المعجزة فهو محال عليهم بطريق العقل. ويناقض مدلول المعجزة جواز الكفر، والجهل بالله تعالى، وكتمان رسالة الله، والكذب والخطأ والغلط فيما يبلغ، والتقصير في التبليغ، والجهل بتفاصيل الشرع الذي أمر بالدعوة إليه".
قال: "أما ما يرجع إلى مقارفة الذنب فيما يخصه، ولا يتعلق بالرسالة، فلا يدلّ على عصمتهم منه دليل العقل، بل دليل التوقيف والإجماع" (٢) اهـ.
إذن فدلالة المعجزة على العصمة دلالة صحيحة، ولكنها دلالة محدودة بدعوى الرسالة وما وقع عليه التحدي، وما يستقر في الشرع مما يبلغه ﷺ بقوله أو فعله، دون سائر الأقوال والأفعال.
٦ - دليل عقلي: إن الذنوب تنافي الكمال، وأن الأنبياء لكرامتهم على الله لا يصدر عنهم ذنب (٣).
стр. 145
ونوقش هذا بأن التوبة النصوح التي يقبلها الله يرفع بها صاحبها إلى أعظم مما كان عليه (١).
ثانياً: أدلة القائلين بإمكان صدور المخالفة عن النبي ﷺ :
١ - استدلوا لذلك بما ورد في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من نسبة (العصيان) و (الذنوب) و (الظلم) إلى بعض الأنبياء. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وعصى آدم ربه فغوى * ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ (٣).
وقال عن آدم وزوجه: ﴿قالا ربنا ظلمنا أنفسنا﴾ (٤) وعن يونس أنه قال: ﴿سبحانك إني كنت من الظالمين﴾ (٥) ونحو ذلك من الآيات.
٢ - وقالوا: حذّر الله أنبياءه من الوقوع في الشرك والمعاصي بنحو قوله : ﴿ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين﴾ (٦)، وقال: ﴿ولولا أن ثَبَّتناكَ لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً * إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات﴾ (٧).
٣ - قالوا: فلو كان لا يتصور أن يقع منهم الذنب، لما كان لهذا التحذير معنى.
وذكر الله في قصص أنبيائه، في مواضع كثيرة جداً، وقوع الذنوب منهم. ولكن الله لا يذكر عن نبي ذنباً إلا أتبعه بذكر توبة النبي منه، أو تذكيره، وتنبيهه إلى ذلك كما في قصة آدم من الشجرة، وطلب نوح نجاة ابنه، وفي مغاضبة
стр. 146
يونس، وقتل موسى للقبطي، وقصة داود مع الخصم الذين تسوروا المحراب، وقوله تعالى في قصة ابن أم مكتوم: ﴿عبس وتولّى * أن جاءه الأعمى﴾ الآيات. في أمثال ذلك، مما كان فيه التعليم للنبي، الذي وقعت منه المعصية، وضرب المثل لغيره من البشر، حتى يكون قدوة في المسارعة إلى الخيرات، والتباعد عن المعاصي، بعد تعليم الله له، والمسارعة إلى التوبة من المخالفات، والتحصُّن من أسبابها المؤدية إليها.
يقول محمد قطب في مجال حديثه عن التربية بالقصة: "يستعرض (القرآن) في حق الأنبياء، بعض مظاهر الضعف البشري. ولكن ليس الاحتفال فيها بنقطة الضعف، ولكن بالإنابة منها إلى الله. يعرضها القرآن دون مداراة على أصحابها ... ولكنه لا يصنع منها بطولة، لأنها في الحقيقة ليست كذلك ... وقصة آدم من ذلك ... إنها لحظة ضعف، أصابت آدم، فنسي نفسه، وعهده مع ربه، وجنح إلى شهوة من شهوات نفسه، فاستزلّه الشيطان منها، وقاده من مقودها" (١).
٤ - قالوا: وفي السنة مواضع تدل على ذلك، منها قول النبي ﷺ : "يا أم سليم أما تعلمين أني اشترطت على ربي، فقلت: إنما أنا بشر، أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر، فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل، أن تجعلها له طهوراً، وزكاةً وقربةً تقرِّبه بها منك يوم القيامة" (٢).
ومنها أن النبي ﷺ قبيل وفاته قام في أصحابه على المنبر فقال: "أما بعد، أيها الناس، إنه قد دنا مني خفوقٌ مِنْ بَينْ أظهركم، ألا فمن كنت جلدتُ له ظهراً فهذا ظهري فليَسْتَقِدْ منه، ومن كنتُ أخذت له مالاً فهذا مالي فليأخذ منه، ومن كنت شتمت له عرضاً فهذا عرضي فليستقدْ. ولا يقولَنَّ قائل: أخافُ الشحناءَ من قبل رسول الله ﷺ ، فإنها ليست من شأني" (٣).
стр. 147
ومعلوم أن ذلك كله لو كان بحق، فلا قود، ولا وفاء فيه. ولا يجوز أن يُظَنَّ أن ذلك القول منه ﷺ تخييل، لمجرد التعليم، لأن التخييل يؤدي إلى اعتقاد خلاف الحق.
وقد نوقشت هذه الأدلة وأمثالها مناقشات طويلة، حفلت بها كتب التفسير، وكتب شروح الحديث، والشمائل، والخصائص، وكتب العقائد، وكتب الأصول. وقد أخذت هذه المناقشات من علماء طوائف الملة جهوداً كبيرة. وقد اعتنى بها الرازي في كتابه عن العصمة، وعياض في الشفاء (١)، والعضد في المواقف (٢)، وغيرهم، واستعرضوا الآيات والأحاديث الدالة على إمكان وقوع الذنوب من الأنبياء، والآيات والأحاديث الدالّة على أنها وقعت فعلاً. ثم شرعوا في تأويلها وبيان احتمالات يمكن صرف الكلام إليها. ووفِّقوا في بعض ذلك، ولكن كان كثير من تأويلهم متكلّفاً بعيداً، يغلب عند القارئ لكتاب الله أنه لم يُرَد أصلاً، وأنه لو أُريد لما كان الكتاب والسنة بياناً، بل كانا يكونان تعمية عن الحقّ، وإيهاماً لخلافه.
ومن أمثلة ذلك ما قال الرازي في قوله تعالى: ﴿وعصى آدم ربه فغوى﴾ عصى بكونه تاركاً للمندوب.
وفي إخراج آدم من الجنة بسبب معصيته قال: ليس في الآية إلا أنه أُخرج من الجنة عند إقدامه على هذا الفعل، أو لأجل إقدامه على هذا الفعل، وذلك لا يدل على أن ذلك الإخراج كان على سبيل التنكيل.
وقال في قصة قتل موسى القبطي، وقوله: ﴿هذا من عمل الشيطان﴾، قال: يحتمل أن المراد: عمل المقتول من عمل الشيطان. وفي قول موسى: ﴿رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له﴾ اغفر لي: أي اقبل مني هذه الطاعة.
وقال في قول هارون لأخيه: ﴿لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي﴾ أخذ برأس
стр. 148
أخيه ليدنيه فيتفحص كيف الواقعة، فخاف هارون أن يسبق إلى قلوبهم ما لا أصل له، فقال إشفاقاً على موسى ﵇: ﴿لا تأخذ بلحيتي﴾ لئلا يظن القوم بك ما لا يليق.
وقال في قوله تعالى: ﴿ووجدك ضالاًّ فهدى﴾ يحتمل المراد: ضالاً عن المعيشة وطريق الكسب. أو: وجدك ضالاً في زمان الصبا في بعض المفاوز. أو مضلولاً عنه في قوم كفار.
وقال في قوله تعالى: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ أي ذنب أمتك، أو ليغفر لأمتك ما أذنبوا في حقك. وقال البناني: قال ابن السبكي في قوله تعالى: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى﴾ أي لنبيٍّ غيرك. وفي قوله تعالى: ﴿تريدون عرض الدنيا﴾: المخاطب الصحابة دون النبي ﷺ (١).
قال ابن تيمية: "وفي الكتاب والسنة الصحيحة والكتب التي أنزلت قبل القرآن مما يوافق هذا القول ما يتعذر إحصاؤه" (٢).
وقال أيضاً: "ثم إن العصمة المعلومة بدليل الشرع والإجماع، وهي العصمة في التبليغ، لم ينتفعوا بها، -يعني المتكلمين- إذ كانوا لا يُقِرُّون بموجب ما بلّغته الأنبياء، وإنما يقرون بلفظ يحرفون معناه. والعصمة التي كانوا ادعوها -لو كانت ثابتة- لم ينتفعوا بها، ولا حاجة بهم إليها عندهم، فإنها متعلقة بغيرهم لا بما أمروا بالإيمان به. فيتكلم أحدهم فيها على الأنبياء بغير سلطان من الله، ويدع ما يجب عليه من تصديق الأنبياء وطاعتهم. وهو الذي تحصل به السعادة، وبضده تحصل الشقاوة". اهـ.
وقال في موضع ثالث: "والذين لا يقولون بصدور مخالف عن الأنبياء، تأولوا كل ذلك بمثل تأولات الجهمية، والقدرية، لنصوص الصفات والمعاد، وهي
стр. 149
من جنس تأويلات الباطنية والقرامطة، التي يعلم بالضرورة أنها باطلة، وأنها من باب تحريف الكلم عن مواضعه" (١).
...
قدّمنا بياناً لمذاهب العلماء في عصمة الأنبياء، وما يحتج به لكل قول، ونحن نبيِّن ما نختاره، ونرّتب ذلك بحسب ما يقال بالعصمة منه.
أولًا: دعوى الرسالة ومجموع القرآن والشريعة:
فما وقعت المعجزة مصدقة له من صحة دعوى الرسالة، وأن القرآن والشريعة من عند الله تعالى، وما بلّغه ﷺ وأثبته بالمعجزة، فكل ذلك مقطوع بالعصمة من أي خلف فيه، بدليل المعجزة المتقدم ذكرها.
ثانياً: تبليغ الآيات وبيان الأحكام بالقول والفعل:
تقدم أن هذا الأمر مجمع على العصمة من الإقرار عليه، فما استقرّ في الشريعة مما أبلغه ﷺ أمته لا بد أن يكون من عند الله تعالى، بدلالة الإجماع كما تقدم. وبدلالة قوله تعالى: ﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين﴾ (٢)، وقوله: ﴿فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته﴾ (٣)، وقوله: ﴿وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذاً لاتخذوك خليلاً * ولولا أن ثبّتْناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً * إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيراً﴾ (٤).
لكن هل يتصور أن يصدر ما فيه خلف فيصحّح، أو لا يتصور صدروه أصلاً، هذا موضع الاشتباه، وعنده اختلفت الأنظار. وظاهر الآيات السابقة مشعر بإمكان ذلك، ومنهم من نقل الإجماع على امتناعه كما تقدم، والله أعلم.
стр. 150
ثالثاً: الكبائر:
القول فيها كالقول في النوع الثاني المتقدم أعلاه سواء.
رابعاً: الصغائر:
أما صغائر الخسّة فهي كالكبائر ولا فرق.
وأما ما عداها كالنظرة، والكلمة اليسيرة من السب ونحوه عند الغضب، والضربة بغير حق، فقد قال الغزالي: "وأما الصغائر ففيه تردد بين العلماء، والغالب على الظن وقوعه، وإليه يشير بعض الآيات والحكايات" (١).
وأجازه كثير من المعتزلة والأشاعرة (٢) وهو المعتمد، خلافاً للإمامية والحنفية (٣) وبعض متأخري المتكلمين (٤). ويتدارك بالتوبة أو الإنكار من جهة الله تعالى.
خامساً: الخطأ في العمل بالشريعة، والإفتاء:
أي في استنباط الأحكام وفي تطبيق الأحكام على الوقائع، في حق نفسه ﷺ ، وحق غيره، من غير تعمّد للمخالفة، لأن تعمّد المخالفة داخل في الصغائر أو في الكبائر، وحكمها قد تقدم.
والخطأ مبني على جواز الاجتهاد وعدمه، فمن قال بجواز اجتهاده ﷺ قال بإمكان صدور الخطأ تأوّلاً، وينبّه عليه. هذا على مذهب من يقول: المصيب واحد. لا على مذهب من يقول: كل مجتهد مصيب (٥).
وصاحب جمع الجوامع صوّب أنه ﷺ يجتهد، ولكن لا يخطئ (٦)، مع قوله: إن المصيب في الاجتهاد واحد. وهذا الجمع بين الأمرين مستبعد.
стр. 151
والقول بإمكان وقوع الخطأ بالتأول، مع التنبيه عليه، أصوب. وهو مذهب الحنفية (١)، وقد اختاره الآمدي، ونقله عن الحنابلة وأصحاب الحديث وجماعة من المعتزلة، وأكثر المتكلمين (٢).
ومن أدلة وقوعه قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ وقصة استغفاره ﷺ للمشركين، وقيامه على قبور المنافقين.
ولما ورد في قصة أسرى بدر (٣)، من أمره ﷺ باستئسار الأسرى، ثم مفاداتهم بإشارة أبي بكر ﵁، حتى نزل قول الله تعالى: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم * لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم﴾ (٤).
ونحن نرى أن الخطأ الذي وقع، على القول بإمكان صدوره، أن الله تعالى أمر في سورة القتال في حق العدوّ قبل الإثخان بأمر واحد محدّد: ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدّوا الوثاق﴾ (٥) وحالة القتال في بدر كانت داخلة في هذا الحكم، إذ كان المسلمون فقراء، مستضعفين، محتقرين، لا يرهبهم أحد من العرب وخاصة أهل مكة. وكان ذلك يؤلّب العرب عليهم، ويجعلهم مطمعاً لكل أحد. فكان تأسيس الهيبة والرهبة، التي تكف العدوان عنهم، لا بد فيه من ضرب الرقاب وامتناع الأسر حتى يحصل الإثخان. وكان شدّ الوثاق، وتجميع الأسرى، مخالفاً للنص. فكان الأسر ومفاداة الأسرى اجتهاداً، وكان الحامل عليه ما قال أبو بكر ﵁: يا رسول الله هم أهلك وعشيرتك، ولعلّ الله أن يهديهم؛ وما أشار إليه (تريدون عرض الدنيا) أي الفدية. وهذا عمل بالقياس أو المصلحة في مقابلة النص. ومن أجل ذلك وقع العتاب فيه، واستحق العاملون به العقاب. قال الله تعالى: ﴿لولا كتاب من الله سبق
стр. 152
لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم﴾ ولو كان الأمر مجرد خطأ في الاجتهاد المأذون فيه، لما استحق المجتهد العقوبة، لأن الأدلة الشرعية قد قررت أن المجتهد معذور، بل هو مثاب على اجتهاده.
ولا يعني قوله تعالى: ﴿فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً﴾ نسخ آية تحريم الأسر قبل الإثخان، بل هي باقية ثابتة، تؤيّدها العلوم العسكرية، واستقراء الوقائع التاريخية المعلومة عند نشأة الدول الجديدة. ولكن الذي وقع هو تسويغ التعاقد الدولي الذي تمّ مع أهل مكة. لأن العقد على المفاداة كان قد وقع، وكان في إلغائه ضرر كبير يلحق سمعة الدولة الإسلامية، وينفِّر عنها المقبلين عليها، ويمكّن للدعاية المعادية من التأثير على أهلها (١).
وقد احتجّ مانع صدور الخطأ عنه ﷺ بأمور:
الأول: أن اجتهاد أهل الإجماع معصوم من الخطأ، فاجتهاد النبي ﷺ أولى بالعصمة من الخطأ.
وأجيب عن هذا بأن اجتهاده ﷺ أولى بالصواب من اجتهاد كل واحد من أهل الإجماع على انفراده. ذكره الرازي الجصاص (٢).
وأجيب أيضاً، بأنه لا مانع من أن تختص الأمة برتبة بسبب اتباعها لنبيها، وله ﷺ من الفضائل من النبوّة وغيرها، وأصل العصمة، ما يرجح به على الأمة. ونظّروا لذلك بالإمام الأكبر، لا يلزم أن يكون له رتبة القضاء، وإن كانت رتبة القضاء مستفادة منه، ولا يعود ذلك عليه بنقص أو انحطاط رتبة.
وإنما جاز وقوع الخطأ منه، لأجل مصلحة تشريع الاجتهاد، والتشاور،
стр. 153
واستنباط الأحكام، ووراء ذلك الوحي يصحح ما وقع من الخطأ، بخلاف الإجماع بعده ﷺ (١)، فليس هناك وحي يصححه.
الثاني: يلزم على إجازة الخطأ، أن الصحابة كانوا مأمورين باتباع جائز الخطأ. وذلك باطل.
وأجيب بأن بطلان ذلك ممنوع، بدليل الأمر بطاعة الأئمة وأولي الأمر في اجتهاداتهم، مع عدم عصمتهم من الخطأ.
الثالث: أنه يلزم، على إِجازة الخطأ، الشك فيما يقوله ﷺ عن اجتهاد، وذلك يخلّ بمقصود البعثة.
وأجيب عن ذلك بأن الشك في ما يصدر عن اجتهاد لا يخلّ بمقصود البعثة.
إنما الذي يخلّ بمقصودها الشك في نفس الرسالة (٢). وقد عهد من الصحابة مراجعة النبي ﷺ فيما علموا أنه صدر عن اجتهاد، كما فعل الحباب بن المنذر، إذ قال: يا رسول الله أهذا منزلٌ أنزلَكَهُ الله، ليس لنا أن نتقدم عنه أو نتأخر، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة. قال: ليس هذا لك بمنزل ... إلخ الحديث (٣). وكاعتراض عمر لصلاته ﷺ على كبير المنافقين عبد الله بن أبيّ. وقد تقدمت.
فالأصح إذن جواز وقوع الخطأ. كما أشرنا إلى ذلك، مع عدم الإقرار عليه.
стр. 154
سادساً: السهو والنسيان:
أما فيما لا يتعلق بالبلاغ وبالتكليف، كأنْ ينسى ما سمعه من القصص والأخبار وكلام الناس، فلا إشكال في جواز ذلك.
وفي القرآن إشارات إلى أن الله تعالى قد يُنسي نبيه ﷺ شيئاً مما أوحاه إليه من القرآن مما يريد تعالى أن ينسخه، كقوله تعالى: ﴿سنقرئك فلا تنسى إلّا ما شاء الله﴾ (١)، وقوله: ﴿ما ننسخْ من آية أو نُنْسِها نأت بخير منها أو مثلها﴾ (٢).
وأما سائر ما يوحى إليه ﷺ من القرآن، والأقوال التي يأمره بتبليغها، فهو معصوم من النسيان فيها بالإجماع. فإن قوله تعالى: ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾ يدل على أن الله تعالى يعصمه من نسيانه، وكذلك قوله تعالى: ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا جمعه وقرآنه﴾ (٣) وجمعه، كما قال المفسرون، جمعه في صدره ﷺ حتى لا يفقد منه شيء.
ولكن ورد في بعض الأحاديث أنه ﷺ نسي بعض الآيات. ففي سنن أبي داود عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ صلّى صلاة، فقرأ فيها، فلبِّس عليه. فلما انصرف قال لأبي بن كعب: "أصليت معنا؟ " قال: نعم. قال: "فما منعك" قال الخطابي: إسناده جيد.
وروى أبو داود أيضاً عن مسور بن يزيد المالكي، قال: شهدت رسول الله ﷺ يقرأ في الصلاة، فترك آية من القرآن، فقيل: يا رسول الله: آية كذا وكذا تركتها. قال: "فهلا ذكرتنيها".
فإن صحّ الحديث بذلك، فالذي ينبغي أن، يقال: إنه إذا أبلغ النبي ﷺ أصحابه ما أوحي إليه به، وخاصة إذا كتب في المصحف، فقد حصل البلاغ وتأدَّت الأمانة، فلا يمتنع أن ينسى ﷺ شيئاً منه. قال ذلك ابن عطية (٤).
стр. 155
وأما ما كلّف به ﷺ من الأفعال فهل ينسى فيفعل ما نهى عنه، أو يترك ما أمر به سهواً عنه.
تقدم أن الإمامية من الشيعة، والرازي في بعض كتبه، وبعض من تابعهم وغلا في النبي ﷺ ، منع صدور النسيان عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وقد احتجوا برفعة مقام الأنبياء، وأن النسيان ينقص من أقدارهم.
ويجاب عن ذلك بأن النبي ﷺ لا يخرج عن طبيعته البشرية المقتضية لوقوع ذلك منه. قال النبي ﷺ : "إنما أنا بشر مثلكم -في رواية: أذكر كما تذكرون و- أنسى كما تنسون" (١).
وقد استثنى بعض الذاهبين إلى امتناع النسيان عليه ﷺ ، فأجازوا أن يسهو في أحوال خاصة، ليعلِّم أمّته كيف يصنعون إذا نسوا، كما سها في الصلاة، فعلمهم سجود السهو (٢). واحتجوا بحديث رواه مالك في موطئه (٣)، بلاغاً، وانفرد به، ونصّه: "إني لأنسى أو أُنَسّى لأسُنّ ". وقد قال بعض الذاهبين إلى ذلك: إنه ﷺ كان يتعمد أن ينسى في الصلاة ليسنّ (٤). وذلك خطأ، فإن تعمد السلام من اثنتين في الظهر مثلاً يبطل الصلاة والبيان بالقول كاف، فلا ضرورة تُلْجئ إلى ذلك. هذا بالإضافة إلى عدم معقولية تعمُّد النسيان.
والقول الثاني: وهو الصواب إن شاء الله: جواز نسيان التكليف والسهو فيه. وبهذا قال الرازي في كتابه (عصمة الأنبياء)، والآمدي والغزالي والباقلاني وغيرهم، وهو قول جمهور العلماء، بل ادّعى بعضهم الإجماع عليه (٥).
стр. 156
والدليل لذلك أنه لا امتناع فيه عقلاً. وقد ورد في الكتاب العظيم نسبته إلى الأنبياء، كقوله تعالى: ﴿ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزماً﴾ ووقع فعلاً كما قد ذكر في السنة. فقد حفظ من سهوه ﷺ في الصلاة مواضع، وقوله: "أُريتُ ليلة القدر ثم أُنسِيتُها".
الإقرار على النسيان:
الذين قالوا بجواز النسيان عليه ﷺ في الأفعال التكليفية، قال بعضهم: لا يُقَرّون عليه، بل ينبّهون عن قرب. وهو قول الجمهور، كما حكاه الزركشي. وقيل: قد يتراخى التصحيح، وإليه مال الجويني، ولكن لا ينقرض زمانهم وهم مستمرّون على النسيان.
وهذا فيما يترتب عليه تشريع من الأفعال.
أما الأفعال التي لا يترتب عليها تشريع، فقد قال ابن القشيري: لا بُعد أن ينسى، ثم لا يتذكر حتى ينقرض زمانه، وهو مستمر على النسيان، مثل أن ينسى صلاة ثم لا يتذكرها (١).
ملحق: العوارض البدنية والنفسية:
لم يقل أحد بوجوب عصمة الأنبياء عن أن تلحقهم العوارض التي تلحق غيرهم، من المرض والجوع والعطش، والنوم والإغماء (٢) والتعب، والضعف والكبر، والجراح والموت. وسواء لحقهم ذلك بدون تسببٍ من البشر أو بتسبّب منهم، فقد قُتل بعض الأنبياء قتلاً.
وفي بعض الأحوال كان الله يعصمهم من أعدائهم، كما عصم
стр. 157
إبراهيم من الاحتراق بالنار، وعصم موسى من أذى فرعون، وعصم عيسى من القتل والصلب، صلى الله عليهم أجمعين.
وأما نبينا محمد ﷺ فقد أصابه ما أصابه في الله، وناله أذى المشركين، فشُجَّ يوم أحُدٍ وكُسرت رباعيته (١)، وسقط عن بعيره، وجُحِش شِقه، وسُحر. ومن جهة أخرى عصم في بعض المواقف، فعُصم من أذى أبي جهل، وأنجي ليلة الهجرة من المشركين، ومُنِع عنه سراقة بن مالك، ووُقي سيف غورث بن الحارث، واغتيال عثمان بن طلحة العبدري، وأرْبَد بن قيس، وعامر بن الطفيل، وأعلمه الله بأن بني النضير يريدون اغتياله، وأخبرته الذراع الذي سُمّت له، إلى غير ذلك من الوقائع التي ذكرت في السيرة، وعصمه الله فيها (٢).
وهذا مُشكل مع قوله تعالى: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ فإن هذه الآية تقتضي عصمته في جميع الأحوال.
والذي أراه أن الوقائع التي ناله ﷺ فيها الأذى من الناس إنما كانت قبل نزول آية العصمة. فإنها من سورة المائدة. وسورة المائدة من أواخر ما نزل. قال القرطبي: "روي أنها نزلت مُنْصَرَف النبي ﷺ من الحديبية" (٣). ونُقل أن آية العصمة المذكورة، نزلت في قصة غورث بن الحارث التي وقعت بالحديبية (٤). فإن صح الخبر بذلك، دلّ على أن العصمة من أذى الناس أمر ضمنه الله تعالى لنبيه في السنة السابعة للهجرة، لا قبل ذلك. وحينئذ فلا إشكال إلا في قضية أكله ﷺ ذراعَ الشاة المسمومة، وأنه قال عند وفاته ﷺ : "ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلتُ بخيبر، فهذا أوان وجدتُ انقطاعَ أبهري من ذلك السُّمّ" رواه البخاري (٥) وانفرد به.
стр. 158
خلاصة القول في العصمة:
قد تبيّن مما نقلناه من الخلاف والاحتجاج في المسألة، أن الاتفاق حاصل على أنه لا يستقر فيما بلغه النبي ﷺ من الشريعة خطأ ولا عمدٌ مخالف لما أراد الله تشريعه لهذه الأمة. وهذا كافٍ من وجهة نظر الأصولي لأن يبني عليه حجية البلاغ.
أما الأفعال النبوية فلا ينبني على الخلاف في العصمة فيها كبير أمر. فأما من قال بجواز صدور الذنب، ولم يلتزم العصمة من الإقرار عليه، فقد قيل بأنه يبني على ذلك عدم حجية الفعل النبوي. وقد نُسب إلى الباقلاني في ظاهر ما نقله ابن حزم في (الفصل) (١). وقال الآمدي في الفعل الصادر عن النبي ﷺ ، هل يستفاد منه الحكم في حقنا أوْ لا، قال: "وبعض من جوز المعاصي على الأنبياء قال هي على الحظر". ورد ذلك تلميذه أبو شامة بقوله: "ليس مأخذ قولهم إنها على الحظر تجويزهم المعاصي على الأنبياء، بل مأخذه أن الأشياء باقية على أصلها في التحريم إلى أن يقوم دليل الإباحة، وصورة الفعل لا دليل فيها بالنسبة إلى الأمة" (٢).
ونحن سنذكر إثبات العلماء حجّية الفعل النبوي حتى على افتراض قيام هذا الاحتمال في بعض الأفعال.
وأما من أجاز صدور الذنب والخطأ والسهو منهم، وألتزم وجوب العصمة من الإقرار عليه، فالأمر في حقه واضح. إلا أنه قد بَنَى عليه ابن عقيل الحنبلي قيداً في الاستدلال بالفعل النبوي، وهو أن الأفعال الواقعة على غير جهة القربة، لا تدل على الإباحة إلاّ مشروطةً بأن لا تتعقّبَها مَعْتَبَة من الله، أو استغفار منه ﷺ ، واستدراك، حيث إنه لا يقر على الخطأ. قال: "وهذا ملحوظ في هذا الفصل على من أغفله، مستدرَكٌ على من أهمله، بل أطلق القول إطلاقاً". وضرب مثلاً بقيامه ﷺ على قبور المنافقين، واستغفاره لبعض المشركين (٣).
стр. 159
ومن أجل ذلك فتحقيق القول في العصمة، ليس موضعه المباحث الأصولية، وإنما موضعه كتب العقائد. وقد أحسن الآمدي بإخراج تحقيق هذه المسألة عن مباحث الأصول، والإحالة بها على كتب علم الكلام.
هل يجوز أن يرتكب النبي ﷺ ، المحرم للمصلحة الراجحة:
ذكر الشاطبي أن ذلك قد يقع (١). ومثّل ذلك بتقريره ﷺ للزاني بصريح القول. يعني الشاطبي قول النبي ﷺ للمِقِرّ: "لعلك ... لعلك ... " حتى قال له: "أنكتها؟ " لا يكني (٢). مع أن ذكر هذا اللفظ في الأصل محرم. ولكن فعل ذلك لأنه يترتب على ذكره الأمْنُ من أن يكون المقِرّ توهّم ما ليس بزناً زناً، فيفضي إلى رجمه بلا حقّ. ولذلك أكده ﷺ بقوله: "كما يغيب الميل في المكحلة، والرشاء في البئر". قال: نعم، قال: "أتدري ما الزنا؟ " إلى آخر الحديث.
وليس معنى ذلك أن النبي ﷺ يكون قد فعل ما فيه الإثم، بل المصلحةُ الراجحة ألغت التحريم، فعاد الفعل مباحاً، بل واجباً، في تلك الحالة الخاصة.
стр. 160
المقام الثاني هل يفعل النبي ﷺ فعلاً حكمه الكراهة ؟
أما أنه ﷺ يفعل المكروه سهواً أو غلطاً أو تأوُّلاً، فلا إشكال في إمكان ذلك، وخصوصاً على قول من يجيز صدور الصغائر على ذلك الوجه، لأن صغائر الذنوب من جملة المحرمات، وهي أشد من المكروهات. والمكروه لا إثم في فعله وإن كان تركه أولى.
وأما أنه يفعله عمداً. ففيه تفصيل. وذلك أن فعل المكروه على وجهين:
الوجه الأول:
أن يفعله لا بقصد بيان الجواز. وقد منع هذا النوع كثير من الأصوليين. ومن أجاز صدور الصغائر عنه ﷺ ، يلزمه إجازة المكروهات من باب أولى.
والذين منعوه أدخلوه في ما يُعْصَم منه النبي ﷺ بدليلين:
الأول: أن المكروه منهي عنه، وقبيح، فكيف يخالف النبي ﷺ فيرتكب ما نهاه الله عنه من القبيح؟ (١).
والثاني: أن التأسّي به مطلوب، فلا يقع منه مكروه، إذ لو وقع لكان التأسّي فيه مطلوباً، فلا يكون مكروهاً (٢).
стр. 161
وبعضهم لم يستند في منعه إلى العصمة، وإنما لم يحمل فعله ﷺ على الكراهة لأن الظاهر وقوفه ﷺ عند النهي لا يتجاوزه. قال القرافي: "إن فعل النبي ﷺ ، لا يقع فيه محرّم لعصمته، ولا مكروه لظاهر حاله". ومعنى هذا وجود احتمال ضئيل بكون فعله ﷺ مكروهاً، ولكن لا أثر لذلك الاحتمال في منع استفادة الأحكام من الأفعال. ولعلّ هذا مراد ابن السبكي في قوله في جمع الجوامع: (وفعله ﷺ غير محرَّم للعصمة، وغير مكروه للندرة) (١).
الوجه الثاني:
أن يفعل المكروه عَمْداً ليبيّن الجواز. وذلك أن المكروه جائز، لعدم الإثم واللوم في فعله، وإن كان تركه أولى لأن في تركه أجراً. فإذا أُريد بيان ذلك، أي بيان أن الفعل غير محرم، فقد يبيّنه ﷺ بأن يفعله، فإذا فعلهُ علم أنه غير محرم. والفعل حيئنذ في حق النبي ﷺ واجب من جهة البيان كما تقدم. فلا يقال إنه وقع في الكراهة، بل هذا في حقه من باب تعارض المصلحة والمفسدة، فإن في فعله مصلحة البيان، ومفسدة مخالفة النهي، ومصلحة البيان أرجح.
وقد تكون المصلحة غير البيان، فيفعل المكروه لأجلها، كالتهاجر ثلاثاً، فإنه في الأصل مكروه، ويجوز لمصلحة التأديب.
وقد نقل ابن تيمية (٢) عن القاضي (أبي يعلى الحنبلي)، المنع من فعله ﷺ المكروه لبيان الجواز، محتجّاً بأن فعله ﷺ يفهم منه انتفاء الكراهية، فيختلّ البيان. وربما استُدلَّ لهذا القول بقول النبي ﷺ : "ما بال قوم يتنزّهون عن الشيء أصنعه، فوالله إني لأخشاكم لله، وأعلمكم بما أتقي" (٣). والمكروه إنما يترك تنزهاً. وقد أنكر النبي ﷺ التنزه عن مثل فعله، فدل على أنه لا يكون مكروهاً.
والصواب جواز هذا النوع، لأنه يحصل به البيان المطلوب، ويمكن التنبيه على كراهته بالقول، إذا لم تعلم بالقرائن.
стр. 162
وقد جعل منه ابن حجر استعانة النبي ﷺ بالمغيرة في صبّ الماء عليه لأجل الوضوء. وصبّ عليه أيضاً أسامة بن زيد (١)، وجعل بعضهم منه الاقتصار في الوضوء على مرة مرة، أو مرتين مرتين. وهو المكروه الذي بمعنى خلاف الأولى. وكل ذلك ليبين جوازه وإجزاءه. وجعل منه الحنفية وضوءه ﷺ بسؤر الهرة.
والشاطبي جعل في جواز فعل المكروه للبيان شرطاً: هو أن لا يكثر الفعل المكروه، ولا يواظب عليه، لأن ذلك يفضي إلى إيهام إباحته أو استحبابه أو وجوبه، فينقلب حكمه عند من لا يعلم. قال: "ولا سيما المكروهات التي هي عرضة لأن تتخذ سنناً، وذلك المكروهات المفعولة في المساجد، وفي مواطن الاجتماعات الإسلامية والمحاضر الجمهورية" (٢). وهو تقييد حسن.
وقيد أيضاً بأنه ﷺ يقتصر على القدر الذي يحصل به البيان، فلا يتعداه. قال: "إذا ترجح بيان المكروه بالفعل، تعيّن الفعل على أقل ما يمكن وأقربه" (٣).
وموضع بيان المكروه بفعله هو أن يكون مظنة لاعتقاد تحريمه. ولذلك يكون بيانه بفعله أبلغ من بيانه بالقول. وقد تقدمت الإشارة إلى هذا المعنى.
стр. 163
المبحث الثالث كيفَ يعيّن حكم الفعل الصادر عنه ﷺ بالنسبة إليه خاصّة
قدمنا في المبحث السابق أن الأفعال التي تصدر عنه ﷺ إما أن تكون واجبة عليه، أو مندوبة، أو مباحة. وقد يفعل المكروه لبيان الجواز. وأنه على قول بعض الأصوليين قد يفعل ما نهاه الله تعالى عنه خطأ، أو نسياناً، أو تعمداً للصغائر، ولكنه عبد جميعهم لا يُقرّ على ما ترتب عليه من ذلك شيء من التشريع، بل يصحّح له لكي تتم عصمة الشريعة.
فانحصرت أفعاله التشريعية التي أقر عليها في الواجب، والمندوب، والمباح، والمكروه الذي يفعله لبيان الجواز، ولكنه في حقه جائز بل ربما كان واجباً.
وغرضنا في هذا المبحث الذي نحن فيه أن نتعّرف الطرق التي بها يتعيّن لدينا حكم فعله ﷺ ، إذ إن ذلك التعيين أساس لاستفادة الحكم من الفعل في حق الأمة، كما يأتي في الفصول التالية إن شاء الله.
المطلب الأول تعيين الواجب من أفعاله ﷺ
يتعين الواجب من أفعاله ﷺ بأمور:
الأول: القول، بأن ينص النبي ﷺ بالقول على أن ما فعله واجب عليه.
الثاني: أن يكون الفعل قد ورد مورد البيان لقول دالٍّ على الوجوب.
стр. 164
ومثاله فعله ﷺ لأعداد الركعات في الصلوات المكتوبات، هو بيان لقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ (١). وسئل ﷺ عن أوقات الصلوات المفروضة، فقال للسائل: "صلِّ معنا هذين اليومين". فبيّن بفعله أول الوقت وآخره".
وشبيه بذلك أن يقع الفعل امتثالاً لآية دالة على الوجوب، فيعلم أنه واجب. ومثاله صوم شهر رمضان، فإنه واجب، لأنه امتثال لقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾.
الثالث: أن يكون موافقاً لفعل نذَره. كما لو قال ﷺ : "إن هزم الله العدوّ غدا فله عليَّ أن أصوم يوم كذا، فصامه على إثر هزيمة العدو، فيعلم أن ذلك وقع وفاءً للنذر" (٢). وقد قال الزركشي: "أن يقع (الفعل) جزاءَ شرط، كفعل ما وجب بالنذر إن قلنا إن النذر غير مكروه" (٣).
الرابع: التسوية بين الفعل وفعل آخر في حكمهما (٤)، بأن يفعل النبي ﷺ فعلاً، ثم يقول: هذا الفعل مثل الفعل الفلاني، وقد علم حكم هذا الفعل الآخر.
ولو خُيِّر ﷺ بين فعلين، أحدهما قد عُلم أنه واجب، فالآخر مثله، لأن التخيير يقتضي التسوية (٥)، إذ لا يمكن التخيير بين الواجب وما ليس بواجب.
الخامس: أن يكون وقوعه مع أمارة قد تقرر في الشريعة أنها أمارة للوجوب، كالصلاة بأذان وإقامة (٦). فلم يعهد في الشريعة الأذان والإقامة لصلاة غير واجبة.
стр. 165
السادس: قال بعض الأصوليين: أن يكون الفعل لو لم يكن واجباً لكان ممنوعاً (١)، كالركوع الثاني في صلاة الكسوف (٢). فإنه لو زيد في الصلاة ركوع قصداً، ولم يكن من أركانها، كصلاة الظهر، فإنها تبطل، فلما زيد في صلاة الكسوف ركوع قصداً، كان ذلك الركوع واجباً، لا يجوز الإخلال به.
ومثاله أيضاً: سجود السهو، فإنه لو لم يكن واجباً لما جاز.
قال الأسنوي (٣) بعد ذكره هذه القاعدة: "هكذا ذكر (الرازي) في المحصول، وتبعه على ذلك من بعده" أقول: بل قد سبق إلى تقرير هذه القاعدة القاضي عبد الجبار، كما في المغني (٤)، وخصّ ذلك بالعبادات، قال: "لو أنه ﷺ تعمّد فعلاً لو لم نجعله شرعياً لكان منهياً عنه في العبادة، فيجب أن يعلم أنه من شرائط تلك العبادة، نحو ما روي أنه ﷺ ركع ركوعين في صلاة الكسوف".
وتقرير الدليل: أن الفعل. كالختان مثلاً، هو ممنوع منه بحسب الأصل، لأنه نوع من الجراح، وقد ورد النهي عن دم الغير بقول النبي ﷺ : "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام". فلا يجوز ارتكاب هذا التحريم إلا بأمر ملزم. وهو الوجوب.
فدار هذا الفعل بين الوجوب والتحريم لا غير. وحين فعله النبي ﷺ علمنا أنه ليس محرماً، لأنه ﷺ لا يفعل المحرم، فلم يبق إلا أنه واجب، وهو المطلوب.
ومن جهة أخرى: يلزم لإجراء عملية الختان كشف العورة، وذلك محرم، والمحرّم لا يجوز ارتكابه إلاّ لواجب (٥).
стр. 166
وعندي في هذا الاستدلال نظر، فإن الفعل إذا كان مستحباً أو مباحاً، فقد خرج أيضاً عن المنع، ولو كان في الأصل منهياً عنه، فإن نقيض الحرمة رفع الحرج، وذلك صادق على كل من الوجوب والندب والإباحة، بل والكراهة كما تقدم. فبكلٍّ منها يخرج الفعل عن الحظر.
وحاصله أننا نمنع وجود فعل دائر بين الوجوب والحرمة. ومن قال به طالبناه بأن يبيّن حده لنناقشه فيه.
وأيضاً؛ فإن كثيراً من الصور في الشريعة خارجة عن هذه القاعدة. فمن المستحبّات ختان النساء، بل وختان الرجال على قول، وسجود التلاوة أثناء الصلاة، وإشعار الهدي، ورفع اليدين على التوالي في تكبيرات العيد، بل والقيام الثاني والركوع الثاني في صلاة الكسوف عند بعضهم على ما ذكره النووي في المجموع، ونقله عن الكثيرين أنه مستحب (١)، وسجود السهو أيضاً عند الشافعية، وبعض الرخص كالقصر والفطر للمسافر، والفطر للمريض.
ومن المباحات أكل المضطّر الميتة، أو مال الغير، وحلق الشعر للمحرم المريض، والجمع بين الصلاتين عند العذر، وذبح البهائم، والصيد بالجوارح. وذكر السيوطي أيضاً النظر إلى المخطوبة، والمكاتبة، وقتل الحية في الصلاة، وغير ذلك مما لا يكاد يحصى.
وقد ذكر الزركشيّ في البحر المحيط أن هذه المسألة أخذت عن ابن سريج في إيجاب الختان. وأشار إلى عدم استقامتها، ثم قال: "وتنتقض هذه القاعدة بصور كثيرة، منها سجود السهو، وسجود التلاوة في الصلاة، فإنه ممنوع منه، ولما جاز لم يجب" (٢).
وقال الأسنوي أيضاً: "وهو منتقض بصور كثيرة" (٣).
стр. 167
وأراد المحلِّي أن يصححها، ويجعل ما خرج عنها موقوفاً على الدليل، وذلك حيث يقول: "وقد يتخلف الوجوب عن هنه الأمارة لدليل، كما في سجود السهو وسجود التلاوة" (١).
وعندي في قوله هذا نظر، إذ الشأن في صحة القاعدة أولاً، وذلك ما يحتاج إلى إثبات.
وأيضاً فاعتبار الصور الخارجة عن القاعدة نقضاً لها، كما قال الزركشي، هو الصواب.
وثالثاً: لو كانت هذه القاعدة صواباً، فإنها تقتضي وجوب سجود التلاوة، وتكبيرات العيد، وختان النساء، وإشعار الهدي، ولم يرد دليل يمنع الوجوب، فلم لا يقولون به؟ وإن ادعوا وجود دليل مانع، فما هو؟.
السابع: أن يكون الفعل قضاء لواجب، فيعلم أنه واجب (٢)، لأنه قد عهد في الشريعة أن قضاء الواجب حيث شرع، فهو واجب. ومثاله قضاء النبي ﷺ لصلاة الصبح، بعدما خرجوا من الوادي الذي ناموا فيه عن الصلاة (٣).
الثامن: وقال به بعض المالكية: أن يقضي العبادة إذا خرج وقتها دون أداء، أو فُعلت في الوقت على فساد: فيعلم بذلك أن العبادة المقضيّة واجبة، إذ أن غير الواجب لا يقضى (٤).
ومثاله: أن النبي ﷺ : "كان إذا غلبه عن قيام الليل نوم أو وجع صلّى في النهار اثنتي عشرة ركعة" (٥) فيعلم أنه كان يصلي قيام الليل على جهة الوجوب.
стр. 168
ومثال آخر: قضاؤه ﷺ لعمرة الحديبية، التي أحصر عنها. فقد عاد في السنة التالية واعتمر، وسميت عمرة القضاء. فيدل على أن عمرة الحديبية كانت واجبة. والمراد أنها وجبت بالدخول فيها.
والصواب أن هذا النوع ليس دليلاً على وجوب المقضي، لأن دعواهم أن غير الواجب لا يقضى، دعوى مردودة، لما ثبت في الصحيحين عن أم سلمة ﵂ أنه ﷺ قضى الركعتين اللتين بعد الظهر، قضاهما بعد العصر (١).
وعند الجماعة، إلاّ البخاري، عنه ﷺ : "من نام عن حزبه من الليل، أو عن شيء منه، فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كتب له كأنما قرأه من الليل". وهذا حث على قضاء ما رتّبه المسلم لنفسه من الأذكار. فالصلاة والصوم ونحوهما أولى. والذي عند الشافعية استحباب قضاء السنن الرواتب.
ولو قيل في هذه الأمارة: ما وجب قضاؤه واجب لكان صواباً. ومنه وجوب قضاء حج التطوع، يدل على أنه وجب بالشروع. وقد أشار إلى ذلك السرخسي (٢).
التاسع: ذكره الزركشي في البحر المحيط: أن يداوم ﷺ على الفعل مع عدم ما يدل على عدم الوجوب. قال: "لأنه لو كان غير واجب لأخلَّ به" (٣) وذكره أيضاً صاحب مسلم الثبوت وصاحب تيسير التحرير (٤).
وقد وضّح ذلك ابن تيمية حين قال في الاستدلال على وجوب الطمأنينة في الصلاة: "إن مداومته ﷺ على ذلك في كل صلاة كل يوم، مع كثرة الصلوات، من أقوى الأدلة على وجوب ذلك، إذ لو كان غير واجب لتركه ولو مرة واحدة ليبيّن الجواز، أو لبيّن جواز تركه بقوله، فلما لم يبين -لا بقوله ولا بفعله- جواز ترك ذلك، كان ذلك دليلاً على وجوبه" (٥).
стр. 169
وعندي في هذا نظر. فقد كان ﷺ يحافظ على الرواتب فلا يخلّ بها، بل: "كان عمله ديمة" (١). وكان يقول: "أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ" (٢). وكان يقضي ما فاته من النوافل المرتبة، كالركعتين اللتين بعد الظهر، قضاهما بعد العصر لما شُغِل عنهما.
وما ذكره ابن تيمية منتقض بقراءة سورة بعد الفاتحة. لم يبين ﷺ عدم وجوبها قولاً، ولا نُقِل أنه تركها ولو مرة واحدة فيما نعلم. وأما حديث: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (٣) فيدل على الركنية، ولا يدل على جواز ترك ما عدا الفاتحة. ومع ذلك، فإن قراءة سورةٍ بعد الفاتحة ليس بواجب، بلا خلاف (٤). ومثل السورة كثير غيرها من أفعال الصلاة المستحبة، كالجهر في الجهرية، وبعض هيئات الركوع والسجود، ورفع اليدين، وغير ذلك. ولم يرتَضِ الأنصاري شارحُ مسلّم الثبوت القولَ بأن المواظبة مع عدم الترك دليل الوجوب عند الحنفية. ونقض ذلك بما هو معلوم عندهم من سنية صلاة الجماعة، والأذان، والإقامة، وصلاة الكسوف، والخطبة الثانية في الجمعة، والترتيب والموالاة في الوضوء، والمضمضة، والاستنشاق، وغير ذلك مما ثبتت فيه المواظبة من غير ترك، مع عدم تبيين سنّيّتها، بل ثبت عدم الترك. فيعلم أن المواظبة ليست دليل الوجوب عندهم (٥).
وأما قول ابن تيمية: "إنه لو كان غير واجب لتركه ولو مرة، أو بين عدم وجوبه بالقول" فإن هذا يلزم لو كان هناك ما يجعل هذا النوع من الفعل دالاًّ على الوجوب، وفيه الخلاف. كيف وقد قال الكثيرون ومنهم الظاهرية والحنفية "إن الوجوب لا يؤخذ من الفعل" فيكفي ذلك للدلالة على عدم الوجوب، فلا يلزم البيان بعد ذلك بالقول ولا بالفعل. والله أعلى وأعلم.
стр. 170
وبهذا يتبين أن الفعل النبوي لا يخرج بالداومة عليه عن أن يكون فعلاً مجرداً.
العاشر: ونقله الزركشي عن الصيرفي: "أن يفعل ﷺ بين المتداعِيَينْ فعلاً على سبيل الجبر. فيعلم أنه واجب. قال: وكذلك ما أخذه من مال رجل وأعطاه لآخر. فيعلم أن ذلك الأخذ واجب" (١).
وقال الجصاص: "ما فعله ﷺ من استخراج حقٍّ من رجل لغيره، ومن عقوبة رجل على فعل كان منه، فهذا على الوجوب، لأن ذلك لا يجوز على جهة الإباحة والندب" (٢). قال ﷺ : "إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام" (٣). وقال الله تعالى: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ (٤).
ولهذا النوع شبّه بالنوع السادس المتقدم، إلا أن هذا في القضاء والأمور التنفيذية خاصة.
والزركشي ذكر النوعين كليهما.
والذي نقوله في هذا النوع، إنه لا يدل على وجوب الفعل عل النبي ﷺ ، وإنما يدل على أن من أوقعت به العقوبة، أو أُخذ منه المال، مستحقٌّ لذلك، وأنه قد وجب عليه. فلا يدل ذلك على وجوب القضاء أو التنفيذ.
وقد قال الله تعالى: ﴿فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تُعرض عنهم فلن يضروك شيئاً﴾ (٥) فلو جاءه أهل الكتاب، ليحكم بينهم، وقد جاؤوه فعلاً فحكم بينهم ورجم الزانيين، فلا يدلّ ذلك على أن الحكم بينهم والتنفيذ كان واجباً عليه، بنصّ الآية المذكورة.
ونظير ذلك وليّ الدم في جناية العمد، له أن يقتص، فإذا اقتصّ لم يصح
стр. 171
القول إنه كان واجباً عليه الاقتصاص، بل يقال: إن القصاص كان حقّاً له واجباً على الجاني أن يستسلم له.
والحاصل أنه ﷺ إذا أخذ المال أو عاقب، وكان ذلك جائزاً له أو مندوباً، صح، وخرج بذلك عن الحرمة، فلا يلزم أن يكون واجباً عليه ﷺ .
فذكر هذا النوع في هذا الموضع (وهو مبحث حكم فعل النبي ﷺ بالنسبة إليه) ليس صواباً. وإنما ينبغي أن يذكر في مباحث الحكم المستفاد من الفعل في حق الأمة. ونحن سنذكره هناك إن شاء الله في مبحث الفعل المتعدي.
стр. 172
المطلب الثاني تعيين المندوب من أفعاله ﷺ
يتعين المندوب من أفعاله ﷺ بأمور:
الأول: بالقول. ومثاله أنه ﷺ سئل عن صيامه ليومي الاثنين والخميس فقال: "تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم" (١).
فبيّن ﷺ أنه استحبّ صيام اليومين المذكورين. ولو كان صومهما واجباً لما ذكر هذا، بل كان يبين وجوبه.
الثاني: أن يكون الفعل بياناً لقول دال على الندب، أو امتثالاً له.
الثالث: أن يسوّي بين الفعل وفعل آخر مندوب، والتخيير تسوية، لأنه لا يخيّر بين ما هو مندوب وما ليس بمندوب (٢).
الرابع: أن يكون وقوعه مع قرينة قد تقرر في الشريعة أنها أمارة للندب، على وزن ما قالوه في الوجوب. ومثاله عندنا. أنه ﷺ : "كان يوتر على البعير" (٣). فذلك يقتصي أن الوتر في حقه ﷺ مندوب، وليس واجباً، كما قاله ادّعى أنه كان واجباً عليه ﷺ خاصة. وكذا يرد به على أبي حنيفة في قوله: "إِنه واجب عليه ﷺ وعلينا" (٤).
стр. 173
الخامس: أن يقع الفعل قضاء لمندوب (١). كالركعتين بعد العصر، صلاها النبي ﷺ بدلاً عن الركعتين اللتين بعد الظهر.
ويشكل على ذلك قضاء الحج والعمرة المتطوع بهما إذا فسدا، فإن ذلك القضاء واجب.
وحل هذا الإشكال أن الحج والعمرة يلزمان بالدخول فيهما وإن كانا في الأصل تطوعاً، فإذا فسدا بعد الدخول فيهما كان فسادهما بعد الوجوب، فلا تنتقض القاعدة.
السادس: المواظبة على الفعل في العبادة، مع الإخلال (٢) به أحياناً لغير عذر ولا نسخ، أو كونه بالاستقراء مما لا يكون واجباً، يدل على استحبابه بخصوصه. ومثاله أن النبي ﷺ كان يقرأ في الصبح يوم الجمعة ﴿آلم تنزيل﴾ و ﴿هل أتى على الإنسان ... ﴾ فدلّ ذلك على استحباب قراءتهما في تلك الصلاة. ومثلها القراءة في الجمعة بـ ﴿سبح﴾ و ﴿الغاشية﴾، وفي العيد بـ ﴿ق﴾ و ﴿اقتربت﴾. فقد أخلّ ببعض ذلك، إذ كان يقرأ أحياناً في الجمعة بسورة ﴿الجمعة﴾ وسورة ﴿المنافقون﴾ وفي العيد بـ ﴿سبح﴾ و ﴿الغاشية﴾.
هذا بالإضافة إلى أنه لم يعهد في الشريعة وجوب تخصيص صلاة معينة بقراءة معينة.
بخلاف ما لو لم تنقل مواظبته على الفعل، بل نقل مرة واحدة، فلا يدل ذلك على استحباب التخصيص. ومثاله ما ورد أن النبي ﷺ قرأ في المغرب بـ ﴿المرسلات﴾، وورد أنه قرأ فيها بـ ﴿الطور﴾.
السابع: أن يكون الفعل قربة من القرب، ويعرف أنه غير واجب، لانتفاء
стр. 174
دليل الوجوب، فيثبت الندب (١). لأن قصد القربة يدل عل طلب الفعل الدائر بين الوجوب والندب، والوجوب منتفٍ لأجل البراءة الأصلية.
والحق أن هذا النوع من جنس الفعل المجرد، وفيه خلاف، وسيأتي ذكره في الفصل الخاص بالفعل المجرد إن شاء الله.
стр. 175
المطلب الثالث تعيين المباح من أفعاله ﷺ
يعلم أن الفعل مباح بأمور:
الأول: النص على أن ما فعله مباح له. ثم قد يكون النص في الكتاب العظيم، كقوله تعالى: ﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله﴾ (١).
وقد يكون في السنة: كقوله ﷺ : "استأذنت ربي في أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي" (٢).
الثاني: أن يكون بياناً أو امتثالاً لآية دالة على الإباحة (٣)، كأكله ﷺ من الغنيمة، امتثالاً لقوله تعالى: ﴿فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً﴾ وأكله من لحم الهدي امثتالاً لقوله تعالى: ﴿فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها﴾.
وهذا الوجه ذكره بعض الأصوليين. وفي ذكر الامتثال في المباح نظر، إذ المباح غير مطلوب حتى يقال لفاعله إنه ممتثل.
الثالث: التسوية بينه وبين فعل معروفة إباحته.
الرابع: انتفاء دليل يدل على الوجوب أو الندب، وذلك لانحصار
стр. 176
أفعاله ﷺ في الأنواع الثلاثة، فإذا لم يثبت الوجوب ولا الندب حمل على الإباحة لأنها الأصل (١).
وهذا النوع أيضاً هو من الفعل المجرد، وفيه الخلاف، وسيأتي القول فيه في فصل الفعل المجرد.
стр. 177
الفصل الثالث حجية أفعال النبي ﷺ على الأحكام من حيث الجملة
١ - الأدلة.
٢ - منشأ حجيّة الأفعال، والشبه التي تورد عليها.
стр. 178
حجيّة الأفعال النبوية على الأحكام من حيث الجملة
أفعال النبي ﷺ ، من حيث الجملة، حجة على العباد، إذ هي دليل شرعي يدل على أحكام الله تعالى في أفعال المكلفين.
لقد نقل بعض الأصوليين الإجماع على ذلك، منهم القاضي عبد الجبار (١)، وأبو الحسين البصري (٢). حيث ذكرا أنه: "لا خلاف بين أهل العلم أنه يُرْجَع إلى أفعاله ﷺ في ثبوت الأحكام للأفعال الشرعية، كما يرجع إلى أقواله، وذلك كله عندهم واحد في هذا الباب" (٣).
ونقل الآمدي في ذلك خلافاً، حيث قال: "معظم الأئمة من الفقهاء والمتكلمين، متفقون على أننا متعبّدون بالتأسيّ به ﷺ في فعله، واجباً كان أو مندوباً أو مباحاً، ومنهم من منع من ذلك مطلقاً" (٤).
ومما يؤكّد وجود الخلاف، ما ينقله بعض الأصوليين من القول بأن الفعل النبوي على الحظر في حقنا، حتى يقوم الدليل على خلاف ذلك، كما يأتي إن شاء الله.
وقد نُسب الخلاف في ذلك إلى أبي بكر الدقاق من الشافعية، وأبي الحسن
стр. 179
الكرخي من الحنفية، وإلى الأشعرية (١). قالوا: ليست أفعاله ﷺ حجة في حقنا ما لم يقم دليل الاشتراك بيننا وبينه ﷺ في حكم ذلك الفعل، وإلا فهو خاص به.
ونقسم الكلام في هذا الفصل إلى مبحثين، أولهما في الأدلة، وثانيهما في الشبه التي يوردها بعض الأصوليين.
стр. 180
المبحث الأول الأدلَّة
أما النظر العقلي فلا يقتضي كون فعله ﷺ حجة (١)، بخلاف أقواله، لوجهين:
الأول: أن الأقوال معلومة المدلول، فهي موضوعة لمعان معينة تفيدها بالوضع، إمّا الخبر، وإما الطلب. وتصديقنا له ﷺ فيما أخبر، وطاعتنا له فيما طلب، هي مقتضى اللفظ بالضرورة، إذ لو لم يفدنا القول ذلك، لخلا عن أي فائدة، وكان عبثاً محضاً. بخلاف الفعل، كالصلاة المعينة، فإنه ﷺ قد يفعله لما في الفعل من المصلحة الخاصة به، كما يفعل كل منا إذ يقضي مصالحه الخاصة، وقد يفعله لنقتدي به، أو للمقصدين جميعاً. فلو تصورنا خلو فعله من فائدة الاقتداء به، بقي الفائدة الأخرى، وهي أن يكون فعله للمصلحة الخاصة به. فلم يخلُ فعله عن فائدة.
فافترق الفعل عن القول في ذلك.
ويكون الفعل الذي لم يدل على كونه حجة، بمنزلة اللفظ غير الموضوع، وأما الذي بمنزلة اللفظ الموضوع، فهو الفعل إذا دل الشرع على أنه حجة (٢).
ثانياً: أنه يُتصوَّر في الفعل أن يكون مصلحة النبي ﷺ دون أمته، فيكون مطلوباً منه دونهم. فقد يكون واجباً عليه أو مندوباً له أو جائزاً. وهو بخلاف ذلك