← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 31471

أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم ودلالتها على الأحكام الشرعية

محمد سليمان الأشقر

Полный текст (761 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

أفعاله ﷺ في الأنواع الثلاثة، فإذا لم يثبت الوجوب ولا الندب حمل على الإباحة لأنها الأصل (١). وهذا النوع أيضاً هو من الفعل المجرد، وفيه الخلاف، وسيأتي القول فيه في فصل الفعل المجرد.

стр. 177

الفصل الثالث حجية أفعال النبي ﷺ على الأحكام من حيث الجملة ١ - الأدلة. ٢ - منشأ حجيّة الأفعال، والشبه التي تورد عليها.

стр. 178

حجيّة الأفعال النبوية على الأحكام من حيث الجملة أفعال النبي ﷺ ، من حيث الجملة، حجة على العباد، إذ هي دليل شرعي يدل على أحكام الله تعالى في أفعال المكلفين. لقد نقل بعض الأصوليين الإجماع على ذلك، منهم القاضي عبد الجبار (١)، وأبو الحسين البصري (٢). حيث ذكرا أنه: "لا خلاف بين أهل العلم أنه يُرْجَع إلى أفعاله ﷺ في ثبوت الأحكام للأفعال الشرعية، كما يرجع إلى أقواله، وذلك كله عندهم واحد في هذا الباب" (٣). ونقل الآمدي في ذلك خلافاً، حيث قال: "معظم الأئمة من الفقهاء والمتكلمين، متفقون على أننا متعبّدون بالتأسيّ به ﷺ في فعله، واجباً كان أو مندوباً أو مباحاً، ومنهم من منع من ذلك مطلقاً" (٤). ومما يؤكّد وجود الخلاف، ما ينقله بعض الأصوليين من القول بأن الفعل النبوي على الحظر في حقنا، حتى يقوم الدليل على خلاف ذلك، كما يأتي إن شاء الله. وقد نُسب الخلاف في ذلك إلى أبي بكر الدقاق من الشافعية، وأبي الحسن

стр. 179

الكرخي من الحنفية، وإلى الأشعرية (١). قالوا: ليست أفعاله ﷺ حجة في حقنا ما لم يقم دليل الاشتراك بيننا وبينه ﷺ في حكم ذلك الفعل، وإلا فهو خاص به. ونقسم الكلام في هذا الفصل إلى مبحثين، أولهما في الأدلة، وثانيهما في الشبه التي يوردها بعض الأصوليين.

стр. 180

المبحث الأول الأدلَّة أما النظر العقلي فلا يقتضي كون فعله ﷺ حجة (١)، بخلاف أقواله، لوجهين: الأول: أن الأقوال معلومة المدلول، فهي موضوعة لمعان معينة تفيدها بالوضع، إمّا الخبر، وإما الطلب. وتصديقنا له ﷺ فيما أخبر، وطاعتنا له فيما طلب، هي مقتضى اللفظ بالضرورة، إذ لو لم يفدنا القول ذلك، لخلا عن أي فائدة، وكان عبثاً محضاً. بخلاف الفعل، كالصلاة المعينة، فإنه ﷺ قد يفعله لما في الفعل من المصلحة الخاصة به، كما يفعل كل منا إذ يقضي مصالحه الخاصة، وقد يفعله لنقتدي به، أو للمقصدين جميعاً. فلو تصورنا خلو فعله من فائدة الاقتداء به، بقي الفائدة الأخرى، وهي أن يكون فعله للمصلحة الخاصة به. فلم يخلُ فعله عن فائدة. فافترق الفعل عن القول في ذلك. ويكون الفعل الذي لم يدل على كونه حجة، بمنزلة اللفظ غير الموضوع، وأما الذي بمنزلة اللفظ الموضوع، فهو الفعل إذا دل الشرع على أنه حجة (٢). ثانياً: أنه يُتصوَّر في الفعل أن يكون مصلحة النبي ﷺ دون أمته، فيكون مطلوباً منه دونهم. فقد يكون واجباً عليه أو مندوباً له أو جائزاً. وهو بخلاف ذلك

стр. 181

في حق الأمة. فقد ثبت للنبي ﷺ في الشريعة أحكام خاصة به، هي ما يسمى (الخصائص النبوية)، منها أن الله أحلَّ له أن يتزوج أكثر من أربع وحرم ذلك على أمته؛ وأوجب عليه قيام الليل وليس ذلك عليهم واجباً. فيدل ذلك على إمكان افتراقه ﷺ عنهم في سائر الأحكام. وقد يقع في قلوب بعض الناس شبه عقلية، يظنونها قاضية بكون فعله ﷺ حجة، منها: أولاً: أنه ﷺ من حيث هو رسول، ينبغي متابعته في فعله، ولو لم تطلب منا تلك المتابعة قولاً. والجواب أن ذلك غير لازم، إذ يعقل أن يرسل الله تعالى رسولاً، يقول: أطيعوني في ما آمركم به، ولا تقتدوا بأفعالي، لأنها ليست كلها صالحة لكم. وأيضاً: لما كان الفعل غير دالٍّ إن كان من غير رسول، فكذلك لا يدل إن كان من رسول، ما لم يدل على ذلك دليل. ثانياً: أننا لو لم نتبعه في أفعاله لكان ذلك مخالفةً له، ولا يجوز مخالفة الرسول. والجواب: أن مخالفة الرسول تكون بترك ما أراد منا فعله، أو فعل ما أراد منا تركه. ونحن لا نعلم أنه يريد منا أن نوافقه في أفعاله، إلاّ بأن يقول لنا ذلك. الأدلّة السمعية هل حجية السنّة كافية في إثبات حجيّة الأفعال النبوية: قد يسبق إلى بعض الأفهام الاستدلال لحجيّة الأفعال النبوية بأن يقول: إن الأفعال النبوية من السنة، وحجيّة السنة ثابتة بدلالة الكتاب والإجماع. وذلك يدل على أن الأفعال النبويّة حجة. وفي هذا الاستدلال نظر؛ فإن اعتبار أفعال النبي ﷺ من السنن، إنما يصح

стр. 182

إذا ثبت أنها حُجّة، فإن لم يثبت أنها حجة فليست سنناً، بل تكون كأفعال غيره من الناس. وفي الاستدلال المذكور نظر من جهة أخرى، فإن السنة الثابتة حجّيّتها بدلالة الكتاب هي السنن القولية، وهي التي ينطبق عليها قوله تعالى: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ (١)، وقوله: ﴿وما ينطق عن الهوى﴾ (٢) ونحوهما من الآيات التي يستدل بها على حجيّة السنة. تدل على صدقه ﷺ في القول ووجوب طاعته فيه، فأما المتابعة في الفعل فلا تقتضيها المعجزة. وأما قوله تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني﴾ (٣) ونحوها من الآيات، وقوله: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ فإن الاتباعَ والتأسّي صادق على طاعة القول قطعاً. وشمول الاتباع والتأسّي للاقتداء بالفعل أمر فيه خفاء، ولذلك فهو بحاجة إلى إثبات. وهو ما يفعله الأصوليون في باب الأفعال. ... بتدقيق النظر في ما ورد في القرآن العظيم، والسنن القولية، والإجماع، يتبيّن أنها تدل على حجيّة الفعل النبوي. ونحن نذكر ذلك بالترتيب، فنقول: أولاً: الأدلة القرآنية استُدِلّ من كتاب الله تعالى على كون أفعال النبي محمد ﷺ حجة على عباد الله، بآيات ثلاث: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً﴾. نزلت هذه الآية في شأن غزوة الخندق، في سياق تعداد نعم الله تعالى على

стр. 183

المؤمنين، بأن أرسل الله على الكافرين ﴿ريحاً وجنوداً لم تروها﴾. ذكّر الله المؤمنين بأن الكفار جاءوهم من فوقهم ومن أسفل منهم وزاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، حتى ظنّوا باللُه الظنون وزلزل المؤمنون زلزالاً شديداً، وأرجف المنافقون والذين في قلوبهم مرض، وبدأوا يتسرّبون من مواقعهم بأعذار كاذبة يريدون الفرار، وانهارت مقاومتهم، لما كانوا عليه من الجبن الخالع، لضعف إيمانهم أو انعدامه. ثم قال تعالى: ﴿يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب يودّوا لو أنهم بادون في الأعراب يسألون عن أنبائكم﴾ أي لو عاد الأحزاب إلى حصار المدينة، لودّ هؤلاء المنافقون، والمرضى القلوب، لو أنهم في البادية، بعيدين عن موطن القتال، لا يصلهم منه إلا الأخبار. ثم تأتي الآية التي معنا ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر﴾ يحتمل أن الخطاب فيها للمنافقين، تبكيتاً لهم على مواقفهم الدنيئة التي وقفوها، وتذكيراً لهم بما كان ينبغي لهم أن يفعلوه. ويحتمل أن الخطاب فيها للمؤمنين (١) تأييداً لموقفهم وثناءً عليه وتثبيتاً لهم. والأولى أن يقال: هو خطاب للمجموعة كلها مؤمنها ومنافقها. وتعني الآية أن الله رضي من عباده المؤمنين الصبر في مواطن البلاء، تأسّياً بالنبي ﷺ ، وكره من المنافقين عدم تأسّيهم به ﷺ في ذلك. إلاّ أن لفظ (الأسوة) مما ينظر فيه. فمادة (أس و) تكون بمعنى مداواة الجراح. تقول العرب: أسوت الجرح، وفي كلامهم: الآسي وهو الطبيب، والآسية الخاتنة، والإساء الدواء. وتكون بمعنى المساواة، وفي كتاب عمر إلى أبي موسى: "آس بين الناس" أي ساو بينهم.

стр. 184

أما (الأسوة) فقد وردت في اللغة لمعنيين: الأول: ما يتسلى به الحزين عن مصابه، والمهموم عن همّه. والثاني: المماثلة. تقول: جعلته في مالي أُسوة، أي قسمتُ مالي بيني وبينه نصفين، حتى صار مثلي فيه. ومنه جاءت الأسوة بمعنى القُدوة. وبين المعنيين صلة واضحة، فإن المحزون يتسلّى بأن يقول لنفسه: قد أصاب فلاناً مثل ما أصابني، فعليّ أن أصبر كما صبر. ويحتمل أن الأسوة التي بمعنى التسلّي عن المصاب، من (الإسا) الذي بمعنى الدواء والمعالجة، إذ إن المصيبة كالجراح، والسلوّ دواؤها. و (الأسوة) في الآية، لأول وهلة، يبدو أنها محتملة للمعنيين جميعاً. يقول القرطبي: "قوله تعالى ﴿أسوة﴾ الأسوة: القدوة، والأسوة: ما يُتأسى به، أي يتعزّى به، فيقتدى به في جميع أفعاله، ويُتَعَرَّى به في جميع أحواله، فقد شُجَّ وجهه ﷺ ، وكُسِرَت رَبَاعِيَتُه (١)، وقُتل عمه حمزة، وجاع بطنه، ولم يُلْفَ إلاّ صابراً محتسباً وشاكراً راضياً". ولكن إن نحن جعلنا (الأسوة) في الآية بمعنى ما يتصبّر به الحزين، لم تكن الآية حجة في الاقتداء بأفعال النبي ﷺ ، لأن لنا أسوَةً بكل صابر. وإن جعلناه بمعنى القدوة، فهي حجة على المطلوب، وهو قول جمهور الأصوليين. وهو الصواب، كما نبيّنه بعد. وقد أورد بعضهم على الاحتجاج بهذه الآية، أنها وردت في أمر خاص هو الاقتداء به ﷺ في الصبر في الحرب، وليس لفظ ﴿أسوة﴾ في الآية من ألفاظ العموم حتى يقتدى به في غير هذا الفعل. قالوا: وحتى لو قلنا إنها ليست خاصة بما ذكر في السياق، فلا يجوز القول

стр. 185

بأنها عامة في كل فعل، بل هي مطلقة. وتتحقق الآية فيمن اقتدى به ﷺ في بعض الأمور دون غيرها (١). وقد أجاب الآمدي (٢) بأن تعيين المتأسّي فيه ممتنع، لعدم دلالة اللفظ عليه. والقول بإبهام المتأسّي فيه ممتنع لأنه على خلاف الغالب من خطاب الشرع، فلم يبق إلاّ العموم. وهذا الجواب متهافت كما لا يخفى. إذ القول بتعيّنه في ما فيه السياق ممكن ومقبول، كما قال ابن دقيق العيد: "إن السياق طريقٌ لتخصيص العمومات وبيان المحتملات" (٣). وجواب أبي الحسين البصري (٤) أصحّ، وهو أنه لا يطلق في اللغة على الإنسان أنه أسوة لزيد إذا كان إنما ينبغي لزيد أن يتبعه في فعل واحد، وإنما يطلق ذلك إذا كان ذلك الإنسان قدوة لزيد، يهتدي به في أموره كلّها. إلا ما خصّه الدليل. ومما يؤكد العموم أيضاً ما ورد في الحديث، مما يدلّ على الصواب من تفسير الآية، أنهم كانوا مع النبي ﷺ في سفر، فناموا حتى فاتتهم صلاة الفجر. فصلاّها بهم، وذلك بعد ارتفاع الشمس. فتهامس بعضهم إلى بعض "ما كفارة ما صنعنا اليوم؟ " فقال النبي ﷺ : "أما لكم فيّ أسوة؟ " (٥) وذلك أنه اكتفى بقضاء الصلاة. وكانت تلك كفارة ما حصل منهم. وهذا حكم شرعي حاصل بالاقتداء بالفعل.

стр. 186

وسيأتي في الاستدلال بالإجماع، ما يدلّ على أن الصحابة كانوا يحتجون بكونه ﷺ أسوة، على أحكام شرعية مأخوذة من الأفعال. فهذا يفسّر معنى الأسوة في الآية. وقال الصنعاني: "أما ما قيل من أن ﴿أسوة﴾ نكرة في الإثبات لا عموم لها، وإنما هي خاصة في ما نزلت فيه، فغير صحيح، لأن قوله: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ هو في المعنى جواب لقوله: ﴿لمن كان يرجو الله واليوم الآخر﴾. وهو شرط (١)، والشرط من ألفاظ العموم" (٢). اهـ. وحتى لو قلنا بأنّ الأسوة هي القدوة في أمور معينة دون غيرها، فقد ثبت مطلوبنا هنا وهو أن الأفعال النبوية، من حيث الجملة، حجة في الشريعة، لأن قولنا: "من حيث الجملة" نعني به: "في بعضها دون بعض". وسيأتي في الفصل التالي تمييز ما هو منها حجة، مما لا يحتج به. الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم﴾ وشبيه بها قوله تعالى: ﴿الذين يتبعون الرسول النبيّ الأميّ ... ﴾ إلى قوله: ﴿ ... واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ (٣). فقد أمرنا الله باتباع نبيه ﷺ . والاتباع في اللغة أن يسير الإنسان خلف آخر. والمراد هنا أن نتخذه ﷺ رئيساً وقائداً إلى أعمال الخير والبر نهتدي بهديه. والاتّباع يكون في الأقوال والأفعال. فمن استعمال الاتباع في طاعة الأقوال، قوله تعالى: ﴿اتبع ما أوحي إليك من ربك﴾ (٤)، وقوله: ﴿الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه﴾ (٥).

стр. 187

ومن اتباع الأفعال قوله تعالى: ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم﴾ (١)، وقوله: ﴿وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض﴾ (٢). وقد أورد بعضهم على الاحتجاج بالآيات المذكورة، أنها ليست عامة، بل مطلقة، والمطلق يتحقق في ضمن فرد من أفراده، فربما كان المراد اتباعه في القول خاصة. وأجاب أبو الحسن البصري، بأن الإطلاق يقتضي صحة الاتّباع في كل ما يصدق عليه. قال: "إن إطلاق قوله ﴿واتبعوه﴾ وإن لم يفد العموم، فإنه يفيد أن لنا اتباعه في أفعاله لأن ذلك اتباع له، والخطاب مطلق" (٣). ويرى القاضي عبد الجبار: "أن الاتباع إذا أطلق انصرف إلى اتباع الأفعال، كاتباع الإمام، أما طاعة الأقوال فتسمى "امتثالاً"، ولا تسمّى "اتباعاً" إلاّ مقيّداً" (٤). الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهم وطراً﴾ (٥) قال المستدلون بها: "لولا أن اتباعه ﷺ فيما يفعله يفيد الحكم الشرعي في حق الأمة، لما كان للآية معنى، لأن معناها: أنه ينتفي عنهم الحرج في نكاح مطلقات أدعيائهم، بكونه ﷺ تزوّج مطلقة دعيه، وهذا لا يتمّ ما لم يكن متقرراً أن أفعاله حجة" (٦). وقد اعترض على الاستدلال بالآية بأنها واردة في متابعته ﷺ في تزوّج مطلقات الأدعياء، وليس فيها ما يدل على التأسّي في غير ذلك من الأفعال.

стр. 188

وأجيب عن ذلك بأنه ليس فيها دلالة على خصوص متابعة المؤمنين للنبي ﷺ في ذلك، ولولا أن التأسّي بالنبيّ ﷺ في ما يصنعه قاعدة شرعية عامة، لما فهم الصحابة ﵃ الحكم في ذلك في حقهم. ولذلك قال الآمدي: وهذا من أقوى ما يستدل به ها هنا. وعندي في الاستدلال بهذه الآية نظر. فإن إباحة التزويج كانت معلومة منذ نزل تحريم التبني، وبيان فساد ما سبق وقوعه منه، في قوله تعالى: ﴿وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلك قولكم بأفواهكم .. ﴾ إلى قوله: ﴿ .. وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به﴾ (١) مع قوله تعالى في المحرمات ﴿وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم﴾. وإلغاء نظام التبني إلغاء لكل ما ترتب عليه، ومن ذلك ما كانوا يعتقدونه من تحريم مطلقات الأدعياء. إذن ليس الغرض من تزويجه ﷺ بزينب الإعلام بالحكم، فإن العلم به حاصل من قبل. ولكن العادات لها سلطان قويّ على النفوس، ويصعب مخالفتها، ويجد الإنسان في ذلك حرجاً كبيراً. وكم من لباس مباح نافع للناس، يمتنع الإنسان من لبسه، وهو يعلم أنه حلال، لمجرد أنه يجد الحرج في ذلك، لعدم جريان العادة بلبسه في بيئته. وكذلك في المناكح والعلاقات الاجتماعية وغيرها. والروّاد هم الذين لا يبالون بذلك الحرج، فيفعلون الحسن لحسنه، وبذلك يكوّنون عادات جديدة نافعة، ويوجدون قبولاً لها في بيئتهم، وبذلك يفتحون المجال أمام غيرهم لينتفعوا بتلك العادات الجديدة. وهذا عين ما تشير إليه الآية (٢).

стр. 189

فليس الحرج المطلوب إبطاله في الآية إذن هو الحرج من جهة الله تعالى، وهو الإثم، ولكن الحرج هو الضغط الاجتماعي المانع من العمل بما أباحه الشرع. وبذلك لا تكون الآية دالة على المطلوب في هذا الموضع. وبالله التوفيق. ثانياً: الأدلة من السنة لا يصلح الاحتجاج بالسنة الفعلية في هذا المقام، لأنه يكون من باب إثبات الشيء بنفسه. وإنما يصح الاحتجاج هنا بالسنة القولية. وقد ورد مما يدل على ذلك أمور: الأول: أن قوماً سألوا عن عبادة النبي ﷺ . فكأنهم تقالّوها، فأراد أحدهم أن يقوم الليل فلا ينام، والآخر أن يصوم فلا يفطر، والثالث أن لا يتزوج النساء. فلما علم النبي ﷺ بأمرهم، قال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ " قالوا: نعم. قال: "لكني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" (١).

стр. 190

فقد أنكر عليهم مخالفته فيما يفعله، وذلك دالّ على المطلوب. ثم أخبرهم بما يفعله هو، وغرضه أن يقتدوا به في ذلك، وفي هذا دلالة أخرى. ثم وضع قاعدة عامة "من رغب عن سنتي فليس مني" ولفظ (السنة) هنا عام، وقد ورد على سبب معين هو الاقتداء بالأفعال، وقد تقرر في علم الأصول أن صورة السبب قطعيّة الدخول في العام. فثبت المطلوب. ويدلّ ذلك على أن الأفعال النبوية جزء من السنة النبوية يحتج به كما يحتج بالأقوال. الثاني: أن النبي ﷺ كان إذا عرض الأمر الذي هو بحاجة إلى بيان حكمه، يذكر للقوم أحياناً، أن يفعله (١)، ويرى ذلك كافياً في البيان. ولا يكون كافياً ما لم يكن متقرّراً أن فعله دليل وحجة. ومن ذلك على سبيل التمثيل لا الحصر: ١ - حديث جبير بن مطعم عن النبي ﷺ في صفة الغسل، أنه قال: "أما أنا فأفيض على رأسي ثلاثاً". وأشار بيديه كلتيهما (٢). وروي مثله من حديث جابر (٣). ٢ - وحديث أنس: "إني لأتوب إلى الله تعالى في اليوم سبعين مرة" (٤). ٣ - وحديث أبي رافع: "إني لا أخيس بالعهد ولا أحبس البُرُد" (٥). ٤ - وحديث عائشة أن رجلًا قال: يا رسول الله، تدركني الصلاة وأنا جنب، فأصوم؟ قال: "وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم" (٦).

стр. 191

وروي مثله عن أم سلمة. فقد سأل عمر بن أبي سلمة رسول الله ﷺ : أيقبِّل الصائم؟ قال: "سل هذه الأم سلمة. فأخبرته أن رسول الله ﷺ يفعل ذلك (١). ٥ - حديث عائشة، أن رجلاً سأل النبي ﷺ ، عن الرجل يجامع أهله ثم يكسل. وعائشة جالسة. فقال رسول الله ﷺ : "إني لأفعل هذا أنا وهذه ثم نغتسل" (٢). ثالثاً: دليل الإجماع نجد الصحابة ﵃ فمن بعدهم من التابعين والأئمة، قد ورد عنهم ما لا يكاد يُحصى كثرة، الاحتجاج بالسنة العملية. والذي عن الصحابة من ذلك صنفان: الأول: القول الصريح الناطق بأن أفعال النبي ﷺ حجة. والثاني: الاحتجاج عمليّاً بالفعل النبوي. فمن النوع الأول: ١ - أن أبا بكر ﵁ جاءته فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، تسأله ميراثها من رسول الله ﷺ . فقال أبو بكر: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا نورث، ما تركنا صدقة" إنما يأكل آل محمد في هذا المال، وإني والله لا أدع أمراً رأيت رسول الله ﷺ يصنعه فيه إلا صنعته (٣) وفي رواية قال أبو بكر: لست تاركاً شيئاً كان رسول الله ﷺ يعمل به إلا عملته، وإني أخشى إن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ (٤). ٢ - حديث عمر، قال له يعلى بن أمية: ألا تستلم هذين؟ يعني الركنين من

стр. 192

الكعبة اللذين من جهة الحِجْر. قال عمر: ألم تطف مع رسول الله ﷺ ؟ قال: بلى. قال: أليس لك في رسول الله أسوة حسنة؟ قال: بلى. قال: فانفذ عنك (١). فقوله ﵁: "أليس لك في رسول الله أسوة حسنة" إثبات أنه يرى أن الفعل النبوي حجة. ويفيد أيضاً أنه يرى الآية دالّة على ذلك، وأن هذا هو تفسيرها، كما تقدم. وهكذا يقال في الأحاديث التالية. ٣ - عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب أكَبَّ على الركن (٢) فقال: "إني لأعلم أنك حجر، ولو لم أر حبيبي ﷺ قبّلك أو استلمك، ما استلمتك ولا قبلتك، لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة" (٣). ٤ - حديث علي (٤) في مناظرته للخوارج، إذ نقموا عليه التحكيم، كان في ما قال لهم: نقموا عليَّ أني لما كاتبت معاوية، كتبت: عليّ بن أبي طالب: (يعني: لم يكتب: أمير المؤمنين) وقد جاء سهيل بن عمرو، فكتب رسول الله ﷺ (بسم الله الرحمن الرحيم) قال: لا تكتب بسم الله الرحمن الرحيم. قال: وكيف نكتب؟ قال سهيل: اكتب: باسمك اللهم. فقال رسول الله ﷺ : فاكتب: محمد رسول الله. فقال: لو أعلم أنك رسول الله لم أخالفك. فكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله قريشاً. قال علي: ويقول الله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر﴾. ٥ - حديث عائشة، عندما سئلت عن القبلة للصائم. قالت: كان رسول الله ﷺ يفعله، ولكم في رسول الله أسوة حسنة (٥).

стр. 193

٦ - أن ابن عمر سئل عن رجل طاف بالبيت في عمرة، ولم يطف بين الصفا والمروة، أيأتي امرأته؟ فقال: قدم النبي ﷺ فطاف بالبيت سبعاً، وصلّى خلف المقام ركعتين، وطاف بين الصفا والمروة سبعاً، وقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة (١). ٧ - حديث ابن عمر أيضاً: أن أحد أصحابه نزل عن راحلته فأوتر ثم أدركه، فقال له ابن عمر: أين كنت؟ قال: خشيت الفجر، فنزلت فأوترت. فقال ابن عمر: أليس لك في رسول الله أسوة حسنة؟ قال: بلى والله. قال: إن رسول الله ﷺ كان يوتر على البعير (٢). ٨ - عن أنس أنه صلّى على حماره لغير القبلة، فلما أنكروا عليه قال: "لولا أني رأيت رسول الله ﷺ يفعله ما فعلته" (٣). فهذه آثار مختلفة، يحتج فيها الصحابة، بأن لنا "في رسول الله ﷺ أسوة حسنة" على أن الحكم الشرعي يؤخذ من فعله ﷺ . والنوع الثاني: ما ورد مما لا يكاد يحصى كثرة، من بيان الصحابة للأحكام بنقلهم ما كان رسول الله ﷺ يفعله، في طهاراته وصلاته وصيامه وحجه، وفي بيعه وشرائه، ومعاشرته لزوجاته، ومعاملته لأهل الحرب وغيرهم. ويرون ذلك ديناً، وأنه تقوم به الحجة على الناس إذا علموا به. ونحن في غنى عن التمثيل لهذا النوع لكونه لا يخفى على أحد ممن له صلة بفقه السنة النبوية. هذا وقد ردّ الرازيّ (٤) والغزالي (٥) الاستدلال بالسنة والإجماع في هذه

стр. 194

المسألة. قال الرازي: "هذه أخبار آحاد لا تفيد العلم". وأيضاً: أكثر هذه الأخبار واردة في الصلاة والحج، فلعله ﷺ كان قد بيّن لهم أن شرعه وشرعهم سواء في هذه الصور. قال ﷺ : "صلوا كما تروني (كذا) أصلي". وقال: "خذوا عني مناسككم". اهـ. والشبهة الأولى التي ذكرها، مردودة بأنّ الأخبار الواردة في ذلك وإن كان كل منها بذاته خبر آحاد، إلا أنها متواترة معنويّاً، لاتفاقها على ذلك المعنى. والشبهة الثانية مردودة أيضاً، إذ هي دعوى مخالفة للواقع، وخيال لا حقيقة له، فإن أهل العلم والفقه منذ عصر الصحابة، ما زالوا يعتبرون الاقتداء به ﷺ في أفعاله ديناً وشرعاً. ولا يخلو كتاب من كتب الفقه المدللة من الاحتجاج بأفعاله ﷺ في غير الصلاة والحج، كالطهارة، والبيع، والنكاح، والحرب، وغير ذلك. ونُقِل ذلك عن الصحابة فمن بعدهم. وإنكار ذلك مكابرة. وقد أحسن الآمدي بالإعراض عن هاتين الشبهتين وإغفال ذكرهما.

стр. 195

المبحث الثاني الشبه التي تورد على حجية الفِعل النبوي ثبت بما ذكرناه من الكتاب والسنة القولية والإجماع، أن الأصل في أفعاله ﷺ أنها حجة، تستفاد منها الأحكام في حق الأمة، بالاقتداء به فيها ﷺ . ومنشأ حجيّة الأفعال النبوية يمكن إيضاحه كما يلي: ١ - لله تعالى في أفعال نبيه ﷺ أحكام شرعية معينة. ٢ - وهو ﷺ عالم بتلك الأحكام. ٣ - ويريد بفعله مطابقتها. ٤ - ويعلم أن الفعل مطابق للحكم. فينتج أن فعله مطابق لحكم الله في حقه. ٥ - وحكم أفعالنا المماثلة لأفعاله، كحكم أفعاله. فها هنا خمسة أمور، وما يورد من الشبه على حجية الفعل النبويّ، يرد في واحدٍ أو أكثر من هذه الأمور. فنذكر هذه الأمور الخمسة بالترتيب، ونذكر ما قد يورد على كل منها. فيكون الكلام على ذلك في خمسة مطالب:

стр. 196

المطلب الأول أن لفعله ﷺ عند الله تعالى حكماً شرعياً وذلك أنه ﷺ بش ر مكلّف كسائر المكلفين، إذ هو عبد مربوب، وقد نزل عليه الوحي آمراً وناهياً. والذي قد يورد على هذا، أن يقال: ليس كل فعل فيه حكم شرعي، وإذا لم يكن في كل فعل حكم شرعي، احتمل أن يكون ما فعله ﷺ صادراً عن العمل على مرتبة الإباحة العقلية، أي بناء على أن لا حكم في المسألة، فإذا استفيد من فعله حكم الفعل في حقنا، نسب ذلك إلى الشرع. فكانت الاستفادة خطأ. والذي نقوله في هذه الشبهة: إنها لا يمكن إيرادها على أحكام الأفعال التي يُتَقَرَّبُ بها واجب ومندوب، وإنما على الأفعال التي يفعلها ﷺ على درجة الإباحة، فتلك يحتمل فيها هذا القول. فمن قال بوجود مرتبة العفو في الشريعة، لزمه أن يقول إن تلك الأفعال لا تدل على الإباحة الشرعية، بل على الإباحة العقلية، أعني أن الفعل الذي فعله ﷺ يكون خالياً عن حكم شرعي. ومن نفى مرتبة العفو أصلاً لم يلزمه ذلك. وقد تقدم الكلام في مرتبة العفو. المطلب الثاني أنه ﷺ عالم بالحكم الشرعي في حق نفسه فقد ضمن له الله تعالى أن لا ينسى شيئاً من الكتاب الموحى إليه به، وضمن الله تعالى أن عليه بيانه لرسوله ﷺ . فالأحكام الموحى بها إليه ﷺ ظاهرة عنده لا تخفى. وهذا العنصر الهام هو أحد الدواعي التي تحدو بعلماء الملة إلى تتّبع أفعاله ﷺ لأجل الاقتداء بها. وقد أشار إليه جابر بن عبد الله الأنصاري، رضي الله

стр. 197

عنه، في سياق وصفه لحجة الوداع، عندما قال: "أذّن رسول الله ﷺ في الناس (بالحج) في السنة العاشرة: أن رسول الله ﷺ حاجّ. فقدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتمَّ برسول الله ﷺ ، ويعمل مثل عمله ... ، ورسول الله بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به" الحديث (١). والذي قد يورد على هذا الأصل أنه ﷺ قد يفعل باجتهاد، ويخطىء، في ذلك الاجتهاد كما تقدم. إلاّ أن الجواب عن هذا الإيراد واضح وهو أن الله تعالى لا يقرّ رسوله على خطأ في الاجتهاد. المطلب الثالث أنه ﷺ يريد بفعله موافقة الحكم الشرعي في حقه والذي قد يورد على هذا شبه أربع: الشبهة الأولى: أن يقال: قد أجاز بعض الأصوليين صدور المعصية عنه ﷺ عمداً إذا كانت صغيرة (٢)، مع احتمال أن لا ينزل تصحيح لذلك، كما تقدم. فلو استفدنا الحكم من فعله لزم الاقتداء به في ما هو محرم. والجواب من وجهين: ١ - أن يقال: إن من أجاز ذلك أجازه على سبيل الندرة، والنادر لا يلغي

стр. 198

القانون العام الذي ثبت بالأدلة المتقدمة. بل الأصل في أفعاله ﷺ أنه يريد بها الموافقة. وهذا جواب المازري، وأقرّه أبو شامة، وقرّره الآمدي (١). ٢ - أن يقال: من أجاز صدور الصغيرة عنه ﷺ إنما أجازها فيما لا ينبني عليه تشريع، فإذا انبنى عليها تشريع امتنعت عند قوم (٢)، ولزم التنبيه عند آخرين، كما تقدم، لئلا يستقر في الشريعة ما هو مخالف لأحكام الله، إذ الشريعة معصومة بالإجماع. هذا وقد تتقوى هذه الشبهة بتدخل عنصر معيّن، وهو أن الله تعالى أمدَّ رسوله ﷺ ، جزاء صبره على تكاليف الدعوة إلى أن فتح عليه، أمدّه بمغفرة سابقة لما قد يقع منه من المخالفات. قال تعالى في أول سورة الفتح: ﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً * ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخر﴾ فقد يُظَن أن ذلك مما يدعوه ﷺ إلى الاسترسال وعدم التحرّج، اعتماداً على المغفرة السابقة. وقد عرضت هذه الشبهة في الأفعال النبوية لبعض الصحابة. ففي صحيح مسلم عن عائشة ﵂: "أن رجلاً جاء إلى النبيّ ﷺ يستفتيه، وهي تسمع من وراء الباب، فقال: يا رسول الله، تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم، فقال رسول الله ﷺ : وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم. فقال: لست مثلنا يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. فقال: والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله، وأعْلَمكلم بما أتقي" (٣)، وفي رواية أبي داود: "وأعلمكم بما أتّبع". وفي مسند أحمد: "وأعلمكم بحدوده ". وفي رواية: "وأحفظكم لحدوده".

стр. 199

والحديث في الموطأ أيضاً. فلعلّ الذي خطر ببال الصحابي السائل أن بقاء النبي ﷺ على الجنابة أثناء الصوم يحتمل أن يكون معصية، وقد أقدم عليها اعتماداً على المغفرة السابقة. وربما كان ما خطر بباله أنه ﷺ لم يهتمّ بتعرّف الحكم في المسألة، اعتماداً على المغفرة المشار إليها. وكان جوابه ﷺ مبطلاً لكلا الاحتمالين: فقوله: "إني أخشاكم لله" ردّ للاحتمال الأول. وهو إشارة إلى أن المغفرة لم تمنع كمال الخشية، لعلمه ﷺ بجلال ربّه وعظمته. وقوله: "وأعلمكم بما أتقي"، ردّ للاحتمال الثاني، إذ هو ﷺ أعلم الأمة بمرادات ربه في الوحي المنزّل إليه. وقد أشرنا إلى ردّ هذا الاحتمال في المطلب الثاني المتقدم. الشبهة الثانية: أنه ﷺ قد يفعل المكروه لبيان الجواز، كما تقدم. فما يؤمّننا أن يكون الفعل الذي نراه مفيداً للإباحة، هو في الأصل مكروه وقد فعله ﷺ لبيان الجواز، فتكون استفادتنا للحكم خطأ. ويجاب عن هذا بأنه لا بد أن تتبين كراهته إما بنهي عنه في موضع آخر، أو بالقرائن. الشبهة الثالثة: أنه ﷺ كان يعامل الناس بما يتألفهم ولا ينفرهم، وقد قال الله تعالى له: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ (١). فما يؤمّننا أن يكون الفعل الذي نريد أن نقتدي به فيه مكروهاً أو محرماً عليه في الأصل، ولكن أبيح له فعله للمصلحة الراجحة من تأليف القلوب، وحسن السياسة، والتوصّل إلى ما هو أهم وأعظم.

стр. 200

والقاعدة المقررة عند الفقهاء "جواز ارتكاب أدنى المفسدتين لدرء أعلاهما" والقاعدة الأخرى "احتمال المفسدة المرجوحة لتحصيل المصلحة الراجحة" ولم تزل هاتان القاعدتان دستور الساسة المهرة في كل العصور، وقد اتفقت على صحتهما الأمم. وقد قال الله تعالى: ﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة﴾ (١). وأباح الله تعالى النطق بكلمة الكفر للتخلّص من الأذى، إذا اطمأن القلب بالإيمان. وقال ابن حجر: روينا في مسند الروياني وغيره بإسناد صحيح عن أبي ذر أن رسول الله ﷺ قال له: "كيف ترى جُعيْلاً؟ " قال: كشكله من الناس، يعني المهاجرين. قال: "فكيف ترى فلاناً؟ " قال: سيد من سادات الناس. قال: "فجعيل خير من ملء الأرض من فلان". قال: قلت: ففلان هكذا وأنت تصنع به ما تصنع؟ قال: "إنه رأس قومه فأنا أتألفهم به" (٢). فقد كان رسول الله ﷺ يكرّم ذلك الرجل تألُّفاً لقومه دون أن يكون أهلًا للكرامة لذاته. وقد أجاب القاضي عبد الجبار بمنع جواز التُّقْيَة للرسول، في ما أمر بأدائه، يقول: "ولو كانت مجوّزة لم تعظم رتبة النبي، لأنها إنما تعظم لأنه يتكفّل بأداء الرسالة، والصبر على كل عارض دونه" (٣). والمعتمد في الجواب أن يقال: إن المهمّة الأولى لرسول الله ﷺ كانت البيان عن الله تعالى. فحيث كانت السياسة لا تتعارض مع البيان، فلا إشكال، كأن يقدّم بعض المباح ويؤخّر بعضه. ومنه عندي حديث جعيل، المتقدم.

стр. 201

وحيث تعارضا، فإن كان هناك قرائن تبيِّن أنه ﷺ فعل ما فعل، على سبيل السياسة، فالأمر واضح، وإيس منهلاّ امتنع أن يكون فعله له مكروهاً أو محرماً، لأنه يؤدي إلى أن يستقر في الشريعة ما ليس منها. والله أعلم. الشبهة الرابعة: أنه ﷺ قد يكون له عذر فيما فعل، أي أن يكون فعل الفعل على سبيل الرخصة، كأن يكون أفطر في رمضان، ويكون إفطاره لأجل مرض خفيّ. ومثاله أيضاً: أن يكون قد صلّى في ملابسَ دونٍ، لقلة الملابس اللائقة بجلال الصلاة، فمن اقتدى به ﷺ في ترك الملابس الفاخرة في الصلاة، كان ذلك خطأ. ومثاله أيضاً: مما ورد في السنن أن النبي ﷺ كان يكثر الإنفاق حتى لا يبقي شيئاً. ويتقشف في معيشته. يحتمل أن يكون ذلك للحاجات والضرورات الواقعة في المجتمع الإسلامي مما لا بدّ من الوفاء به. فإن اقتدي به في ذلك في السعة كان خطأ. ونظير ذلك في الإقرار ما ورد عن أبيّ بن كعب أنه قال: الصلاة في الثوب الواحد سنة، كنا نفعله مع رسول الله ﷺ ولا يعاب علينا، فقال ابن مسعود: إنما كان ذلك إذ كان في الثياب قلة، فأما إذ وسّع الله فالصلاة في الثوبين أزكى (١). ومن هنا وقع الخلاف في المنيّ، ففي حديث عائشة أنها كانت تفركه من ثوب رسول الله ﷺ فركاً فيصلي فيه (٢). قال الشافعية والحنابلة: ذاك دليل طهارته. وقال الحنفية: هو نجس، ويجزئ فرك يابسه. ومثاله أيضاً: تعامل النبي ﷺ بالدنانير الذهبية، والدراهم الكسروية، وإقراره التعامل بها، مع ما عليها من صور القياصرة، ومعابد النيران. يحتمل أن

стр. 202

يكون فعل ذلك من باب الضرورة لعدم إمكان سكّ نقود جديدة خالية من ذلك على عهده ﷺ (١). ومثاله أيضاً: تركه أن يصلي العيد بالمسجد، بل خرج إلى المصلى، يحتمل أنه فعل ذلك لضيق المسجد عن أن يتسع لجميع القادمين لصلاة العيد، ويحتمل أن ذلك هو السنة. والجواب: أن أفعاله هذه موافقة للحكم الشرعي في حقه ﷺ ، وهو الرخصة، وليست مخالفة لها. والواجب الفحص عنها على أي وجه وقعت، وما العذر الذي لأجله حصلت. وهذا هو ما يصنعه المجتهدون حيال مثل هذه الأحاديث. فإذا علموا السبب أناطوا الحكم به. وإذا جهل السبب فيكون الظاهر أن الحكم مطلق، ويعمل بذلك الظاهر. والله أعلم. المطلب الرابع أنه ﷺ عالم بمطابقة فعله للحكم الشرعي والذي قد يورد على هذا، أن النبي ﷺ لكونه بشراً، قد ينسى كما تقدم. وربما فعل أثناء ذلك النسيان، أو ترك، ما هو معذور به، فنبني عليه أحكاماً شرعية. وذلك خطأ. والجواب: ما تقدم في بحث العصمة من أنه ﷺ إذا فعل نسياناً ما هو مخالف للحكم الشرعي، فإنه ينبّه لذلك، لئلا يُقْتَدى به فيه. أما على قول من منع النسيان في ما ينبني عليه حكم شرعي، فالجواب واضح.

стр. 203

وقد يورد عليه أيضاً على أصول الحنفية، أنهم أثبتوا في أفعاله ﷺ الزَّلة، وعرفوها بأنها "اسم لفعلٍ غير مقصود في عينه، لكنه اتّصل به الفاعل عن فعلٍ مباحٍ قَصَدَه، فزلّ بشغله (به) عنه إلى ما هو حرام لم يقصده أصلاً" (١). والجواب: عن هذا الإيراد أنهم التزموا أن الزّلة لا بدّ من اقترانها ببيان أنها زلّة. المطلب الخامس أن حكم أفعالنا المماثلة لأفعاله ﷺ ، كحكم أفعاله ولا فرق فما كان واجباً عليه فهو واجب علينا، وما كان مندوباً له فهو مندوب لنا، وما هو حلال له فهو لنا حلال. ومقتضى هذا أننا إذا علمنا أنه ﷺ فعل فعلاً على وجه الوجوب وجب علينا أن نفعله. وإذا فعل فعلاً على وجه الندب، وجب علينا اعتقاده مندوباً لنا وصح منا التنفل به. وإذا فعله على وجه الإباحة وجب اعتقاده مباحاً لنا وجاز لنا أن نفعله. والذي قد يورد على هذا الأصل، أنه قد ثبت للنبي ﷺ أفعال خاصة به أجمعت الأمة عليها، فما يؤمِّننا أن الفعل الذي نريد الاستدلال به هو أحد الخصائص، فيكون الاستدلال به خطأ؟. والجواب: أن ما علم بدليل، أنه من خصائصه ﷺ خرج عن هذه القاعدة، إذ كونه خاصّاً به يقتضي أن لا نشاركه في حكمه.

стр. 204

وما علمنا بدليل خاص أنه مشترك بيننا وبينه ﷺ فحكمنا فيه حكمه بالاتفاق، لأجل ذلك الدليل الخاصّ الدالّ على التأسّي. وأما ما لم يعلم أنه خاصّ به، ولم يعلم أنه مشترك بيننا وبينه ﷺ ، وهو أكثر أفعاله، فهذا محل الاشتباه، وعنده اختلفت أنظار الأصوليين. وسيأتي إيضاح الخلاف في ذلك واستيفاء القول فيه في الفصل التالي والذي بعده إن شاء الله.

стр. 205

الفصل الرابع أقسام الأفعال النبوية الصريحة ودلالة كل منها على الأحكام ١ - الفعل الجبلي. ٢ - الفعل العادي. ٣ - الفعل في الأمور الدنيوية. ٤ - الفعل الخارق للعادة (المعجزات). ٥ - الخصائص النبوية. ٦ - الفعل البياني. ٧ - الفعل الامتثالي (التنفيذي). ٨ - الفعل المتعديّ. ٩ - ما فعله ﷺ لانتظار الوحي.

стр. 206

أقسام الأفعال النبويّة ودلالتها على الأحكام قدمنا في الفصل السابق أن أفعال الرسول ﷺ من حيث الجملة حجّة على الأمة. وأن ذلك هو الأصل فيها. وأثبتنا ذلك بالأدلة، ورددنا الشبه التي قد تورد على حجيتها. وفي هذا الفصل نستعرض الأفعال النبوية بأنواعها، ونبيّن ما يعرف به كل نوع، وهل يدل على حكم أو لا يدل عليه، والأحكام التي تدل عليها تلك الأنواع. أقسام الأفعال النبوية: فعله ﷺ : إما متعلق بغيره وهو الفعل المتعديّ، أو قاصر عليه. وفعله القاصر عليه إما أن يصدر عنه لداعي الجبلة، أو اتباعاً للعادة، أو لتقديره فيه منفعة أو دفع مضرة، أو هو تابع للشرع. وفعله التابع للشرع إما معجز أو غير معجز. وفعله غير المعجز إما أن يفعله لأنه مطلوب منه خاصة وهي الخصائص النبوية، أو هو مشترك بيننا وبينه. والمشترك إما أن يعلم أنه متعلق بوحي معين، يفعله بغرض تبيين مجمل في ذلك الوحي أو مشكل وارد فيه، أو لمجرد امتثال الأمر الإلهي في ذلك الوحي. وإما أنه لا يعلم تعلقه بوحي معين.

стр. 207

والذي لا يعلم تعلقه به إما أن يفعله مؤقتاً لانتظار الوحي، وإما أن يفعله على غير ذلك الوجه، وهو الفعل المبتدأ المجرّد. فانحصرت أفعاله ﷺ في عشرة أقسام (١)، هي كما يلي: ١ - الفعل الجبِلّيّ. ٢ - الفعل العَادي. ٣ - الفعل الدنيوي. ٤ - الفعل المعجز. ٥ - الفعل الخاص. ٦ - الفعل الامتثالي. ٧ - الفعل المؤقّت لانتظار الوحي. ٨ - الفعل المتعدّي. ٩ - الفعل المبتدأ المجرّد. وسوف نعقد لكل قسم منها مبحثاً خاصاً من هذا الفصل، ونخص الفعل المبتدأ بفصل مستقل، نظراً لأن البحث فيه هو لب باب الأفعال وأهمّ ما فيه، وما عداه إنما يذكره الأصوليون مع وضوحه، بقصد تحديد المراد بالفعل المبتدأ. وقبل التفصيل نشير إشارة مجملة لما يدل عليه كل قسم منها، فنقول: إن الفعل الجبلي والعادي والدنيوي لا قدوة فيها، ولا تدل على أكثر من الإباحة، والفعل المعجز والخاص كذلك لا قدوة فيهما، لما فيهما من معنى الاختصاص به ﷺ ، والفعل البياني والامتثالي يقتدى بهما، والمؤقت لانتظار الوحي لا قدوة فيه إذا جاء الوحي بخلافه، والمجرّد فيه تفصيل، يعلم في موضعه. ونقدم قبل ذلك بيان الطرق العامة التي يسلكها علماء الأمة، على اختلاف نزعاتهم، في استفادة الحكم من الفعل النبوي.

стр. 208

طرق العلماء في حجية أنواع الأفعال النبوية، ودلالة كل منها على الأحكام: للعلماء في ذلك ثلاث طرق رئيسية: الطريقة الأولى: أن الفعل النبويّ بمجرده دالّ على الحكم في حقنا، يعني سواء علمنا حكمه بالنسبة إلى النبي ﷺ ، أو لم نعلم. وأصحاب هذه الطريقة على ثلاثة مسالك: فمنهم من قال: هي دالة على الوجوب في حقنا. ومنهم من قال: هي دالة على الندب في حقنا. ومنهم من قال: هي دالة على الإباحة. الطريقة الثانية: أنها لا تدل على شيء في حقنا إلاّ باعتبار حكمها بالنسبة إليه ﷺ . فما فعله على وجه الوجوب فهو علينا واجب. وما فعله على وجه الندب فهو لنا مندوب. وما فعله على وجه الإباحة فهو لنا مباح. وما لم نعلم حكمه بالنسبة إليه ﷺ حملناه على أدنى الاحتمالات. ورأى أبو علي بن خلاد أن التساوي بيننا وبينه ﷺ حاصل في أحكام العبادات خاصة، وأما فيما عداها فلا. الطريقة الثالثة: أنها ليست أدلّة بمجردها، وليست أدلة باعتبار حكمها بالنسبة إليه ﷺ ، لاحتمال أن يكون الفعل الذي فعله من خصائصه ﷺ (١).

стр. 209

تحرير محل النزاع: ليس الخلاف السابق ذكره هو في جميع الأفعال، بل ما كان من أفعاله ﷺ جبلياً أو شبهة، أو كان من خصائص، أو اقترن به دلالة خاصة على أن المراد به التأسّي، أو وقع بياناً لشيء من آي الكتاب، فالأمر فيه واضح. وإنما الخلاف فيما وراء ذلك وهو الفعل المجرّد المبتدأ. والأقوال المذكورة إنما هي في هذا النوع (١).

стр. 210

المبحث الأول الفِعل الجبلي إن النبي محمداً ﷺ كغيره من أنبياء الله، بشر كسائر البشر، لم يتميّز عن سائر البشر إلاّ بأن الله أوحى إليه برسالته، واختاره ليؤدي مهمة البلاغ وما يتبعها مما تقدم ذكره. قال الله تعالى: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ أنما إلهكم إله واحد﴾ (١). ﴿قل سبحان ربي هل كنت إلّا بشراً رسولاً﴾ (٢). وإن اختيار الله تعالى له لحمل الرسالة لم يَستتبع انخلاعه ﷺ من رتبة البشرية، بل بقي واحداً من البشر، له مثل ما لهم من الحاجات البدنية والنفسية. وذلك مقتضى إنسانيته وبشريته، من أجل ذلك كان قضاؤه لتلك الحاجات أمراً دعت إليه جبلته البشرية، وليس بمقتضى الرسالة، أما الذي بمقتضى الرسالة فهو الأفعال التشريعية التي يفعلها لتكون مطابقة لشرع الله تعالى. تنبيه: إن كان الفعل مما لا تقتضيه الجبلة كالركوع والسجود، ورفع اليدين في الدعاء، ونحو ذلك، فهو خارج عن هذا المبحث، بخلاف القيام والجلوس والاضطجاع والأكل والشرب. فإذا وجد المخالف لمقتضى الجبلة في الفعل العبادي، فهو مشروع فيها قطعاً، إما مستحبّ أو واجب، ما لا يُظَنّ أن النبي ﷺ فعله في أثناء العبادة لغرض بدني أو نحوه فيكون من المباح.

стр. 211

ونضرب لذلك مثلاً بفرعين: الفرع الأول: تحويل الرداء في الاستسقاء، الجمهور أنه فعل تشريعي. وعن أبي حنيفة وبعض المالكية: لا يستحب من ذلك شيء (١). الفرع الثاني: وضع اليدين على الصدر في الصلاة، لا تقتضيه الجبلة، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه فعله. قال الجمهور باستحبابه. وهو الذي ذكره مالك في الموطأ. وروى ابن القاسم عن مالك الإرسال، وصار إليه أكثر أصحابه، ومنهم من كره الإمساك (٢). والأفعال الجبلية على ضربين: الضرب الأول: فعل يقع منه ﷺ اضطراراً دون قصد منه لإيقاعه مطلقاً، وذلك كما نقل أنه كان إذا سُرَّ استنار وجهه كأنه قطعة قمر (٣)، وإذا كره شيئاً رؤي في وجهه (٤)، وكتألمه من جرح يصيبه، أو حصول طعم الحلو والحامض في فمه من طعام يأكله، وما يدور في نفسه من حبٍّ وكراهة لأشخاص أو أشياء، مما لا سيطرة له على منعه أو إيجاده، ككراهيته أكل لحم الضب، وكراهيته قاتل حمزة. ومثل هذا أيضاً ما يفعله في حالات اللاّوعي، كما يقع منه من الحركات وانتقال الأعضاء في منامه، أو غفلته، أو نحو ذلك. فهذا النوع لا حكم له شرعاً، لوقوعه دون قصد منه ﷺ ، وهو لذلك خارج عن نطاق التكليف، ومن أجل ذلك لا يستفاد منه حكم، ولا يتعلق به أمر باقتداء ولا نهي عن مخالفة. ومما يستأنس به لصحة هذه القاعدة ما ورد أن النبي ﷺ كان يقسم بين نسائه فيعدل، ويقول: "اللهم هذا قسمي في ما أملك، فلا تلمني في ما تملك ولا

стр. 212

أملك" (١). والذي لا يملكه ﷺ هنا هو ميل القلب إلى إحداهنّ أكثر من الأخرى. فهذا لا قدوة فيه، والمطلوب العدل قدر الإمكان. وقد يقع من الأفعال ما يشتبه فيه أنه اضطراري أو غير اضطراري، فيقع الاشتباه في حكمه على أساس ذلك. ومن ذلك ما ورد عن مطرّف بن عبد الله عن أبيه، قال: "رأيت رسول الله ﷺ يصلي وفي صدره أزيز كأزيز الرَّحَى من البكاء" (٢) ﷺ يحتمل أنه كان يستدعي البكاء بمناسبته لمقصود العبادة، فيدل على جواز استدعائه، ويحتمل أنه ﷺ كان يغلبه البكاء وهو لا يريده، فلا يدل على جواز استدعاء البكاء. ولا بد لنا أن نفرق في أمر المحبّة والكراهية ونحوهما أيضاً بين نوعين منهما، لكل نوع حكمه: النوع الأول: المحبّة والكراهية الناشئتان عن تعويد النفس على موافقة الشرع، بمحبة المطلوبات الشرعية، وكراهية الممنوعات، هما فعلان دالاّن على الأحكام، وينبغي الاقتداء بهما. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به" (٣). ففي هذا الحديث، إن صحّ، حثّ على معالجة النفس لتستجيب للدواعي الشرعية، وتتّبع ما جاء به الشرع. والنوع الثاني: المحبة والكراهية الطبيعيتان، من محبة المستلذّات وكراهية المؤلمات. فهذا النوع هو المقصود هنا، وهو الذي لا قدوة فيه لخروجه عن سلطان الإرادة. ومن أجل ذلك قيّدْنا ما لا قدوة فيه من المحبة والكراهة بـ "ما لا سيطرة له على منعه أو إيجاده".

стр. 213

فمن النوع الأول من المحبة والكراهة، وهي التي تدل على الحكم، ويقتدى به ﷺ فيها، ما ورد عن عائشة ﵂ أنه ﷺ : "كان يحب التيامن ما استطاع في طهوره وتنعّله وترجّله وفي شأنه كله" (١). وكان يحب من أصحابه أبا بكر وعمر، وقال لمعاذ: "إني أحبّك" (٢). وكان يكره النفاق والمنافقين، ويكره الكذب والكاذبين، وكان يكره أن يطأ أحد عقبه (٣). وفي كل ذلك من أمره قدوة. ومن النوع الثاني، وهو المحبة والكراهة الطبيعيتان، ما ورد عن عائشة أنه ﷺ كان يحب الحلواء والعسل (٤)، ويحب الدبّاء (٥)، وكان أحب الشراب إليه الحلو البارد (٦). وكان أحب الطعام إليه الثريد من الخبز والثريد من الحيس (٧). وكان يكره ريح الحناء (٨). فلا قدوة في شيء من ذلك. ومنه أنه ﷺ ترك أكل الضبّ كراهةً له. قال: "أجدني أعافه" فلم يقتدِ به الصحابة في ذلك، بل أكله خالد بن الوليد على مائدته ﷺ . الضرب الثاني: الأفعال الجبلّيّة الاختيارية، وهي ما يفعله عن قصد وإرادة، ولكنها أفعال تدعو إليها ضرورته من حيث هو بشر، ويوقعها الإنسان قصداً عند شعوره بتلك

стр. 214

الضرورة. إلاّ أن إيقاعها تابع لإرادته وقصده، بحيث يستطيع الامتناع عن ذلك في وقت دون وقت. ومثال هذا الضرب: تناول الطعام والشراب، وقضاء الحاجة، واتخاذ المنزل، والملابس، والفراش، والمشي والجلوس والنوم والتداوي من المرض، والنكاح. فإن أصل هذه الأشياء ضروريّ للإنسان من حيث هو إنسان، بحيث يصيبه الضرر لو امتنع منها كلية. فهو يفعلها تحت ضغط الضرورة، وبذلك يكون فعله لها خارجاً عن التكليف، ولا قدوة بما لا تكليف فيه، وتكون من الضرب الأول الذي تقدّم ذكره. فمن فعل شيئاً من ذلك وزعم أنه يقتدي بالنبي ﷺ فقد أخطأ، لأنه سيفعله شاء أم أبى. إلاّ أنه لا بد من التقصّي لأمور أربعة تتبع ذلك، هي التي تدخل في المراد بهذا الضرب الثاني. أولاً: الهيئات التي يمكن أن تقع عليها الأفعال المشار إليها في هذا الضرب. إذ الفعل يمكن أن يقع على هيئات مختلفة، فيفعل النبي ﷺ الفعل على إحدى تلك الهيئات دون غيرها، كما ورد أنه كان ينام على جنبه الأيمن، ويأكل بيمينه، ويشرب ثلاثاً. ويأتي أهله بطريق أو طرق معينة. فليس ذلك دليلاً على استحباب تلك الطريقة أو وجوبها، لإمكان عمله على الهيئة أو الهيئات الأخرى، ما لم يدل دليل على أنه ﷺ قصد بذلك موافقة الأمر الشرعي. ووجهه أن هذه الهيئات هي أيضاً أفعال جبلية اختيارية، وتدل على الإباحة. ثانياً: أنواع الأشياء المستعملة من الضرورات المشار إليها، إذ قد يأكل طعاماً معيناً، كما قد أكل التمر والعسل وخبز الشعير ونحو ذلك، وليس شيء من ذلك ضرورياً، إذ قد يترك ما أكله ويأكل بدله شيئاً آخر.

стр. 215

وكذلك اتخذ ﷺ بيوتاً مبنية من طين، ومسقوفة بالجريد. وكان له فراش من أدم حشوة ليف. وتزوّج نساء على أوصاف معينة، ومن قبائل معيّنة. وهذا النوع يدل على الإباحة أيضاً. ثالثاً: الأمكنة والأزمنة التي يوقع فيها الفعل الجبلي، إذ قد يأكل في وقت دون وقت، أو ينام في مكان دون آخر. رابعاً: ويلتحق بذلك أن يفعل مما تقتضيه الجبلة ما ليس أصله ضروريّاً. وإنما هو حاجى، كأصل اتّخاذ المراكب، أو مراكب من أنواع خاصة كالخيل والحمير والبغال. وكذلك ما يفعله ﷺ ممّا فيه من المنفعة، وإن لم تكن حاجية، كاتخاذ العصا وشم الطيب. والفعل الجبلي الاختياريّ مهما كان نوعه يدل على الإباحة، ولا يدلّ على استحباب أو وجوب، ما لم يقترن بقول أو قرينة، تدل على ذلك، أو يكون له صلة بالعبادة، كما سيأتي في بقية هذا البحث. أقسام الفعل الجبلّيّ الاختياري: الفعل الجبلي الاختياري على قسمين، لأنه إما أن يكون له صلة بالعبادة، أو لا يكون له بها صلة. القسم الأول الفعل الجبلي الصرف والمراد به ما ليس له صلة بالعبادة، كأكل طعام معيّن كالتمر واللحم والعسل، وسير في طريق معين، ولبس ثياب ذات شكل معين، كالقباء والعباء والقميص، أو من مادة معينة كالقطن والصوف.
следующие страницы →