ونضرب لذلك مثلاً بفرعين:
الفرع الأول: تحويل الرداء في الاستسقاء، الجمهور أنه فعل تشريعي. وعن أبي حنيفة وبعض المالكية: لا يستحب من ذلك شيء (١).
الفرع الثاني: وضع اليدين على الصدر في الصلاة، لا تقتضيه الجبلة، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه فعله. قال الجمهور باستحبابه. وهو الذي ذكره مالك في الموطأ. وروى ابن القاسم عن مالك الإرسال، وصار إليه أكثر أصحابه، ومنهم من كره الإمساك (٢).
والأفعال الجبلية على ضربين:
الضرب الأول:
فعل يقع منه ﷺ اضطراراً دون قصد منه لإيقاعه مطلقاً، وذلك كما نقل أنه كان إذا سُرَّ استنار وجهه كأنه قطعة قمر (٣)، وإذا كره شيئاً رؤي في وجهه (٤)، وكتألمه من جرح يصيبه، أو حصول طعم الحلو والحامض في فمه من طعام يأكله، وما يدور في نفسه من حبٍّ وكراهة لأشخاص أو أشياء، مما لا سيطرة له على منعه أو إيجاده، ككراهيته أكل لحم الضب، وكراهيته قاتل حمزة.
ومثل هذا أيضاً ما يفعله في حالات اللاّوعي، كما يقع منه من الحركات وانتقال الأعضاء في منامه، أو غفلته، أو نحو ذلك.
فهذا النوع لا حكم له شرعاً، لوقوعه دون قصد منه ﷺ ، وهو لذلك خارج عن نطاق التكليف، ومن أجل ذلك لا يستفاد منه حكم، ولا يتعلق به أمر باقتداء ولا نهي عن مخالفة.
ومما يستأنس به لصحة هذه القاعدة ما ورد أن النبي ﷺ كان يقسم بين نسائه فيعدل، ويقول: "اللهم هذا قسمي في ما أملك، فلا تلمني في ما تملك ولا
стр. 212
أملك" (١). والذي لا يملكه ﷺ هنا هو ميل القلب إلى إحداهنّ أكثر من الأخرى. فهذا لا قدوة فيه، والمطلوب العدل قدر الإمكان.
وقد يقع من الأفعال ما يشتبه فيه أنه اضطراري أو غير اضطراري، فيقع الاشتباه في حكمه على أساس ذلك. ومن ذلك ما ورد عن مطرّف بن عبد الله عن أبيه، قال: "رأيت رسول الله ﷺ يصلي وفي صدره أزيز كأزيز الرَّحَى من البكاء" (٢) ﷺ يحتمل أنه كان يستدعي البكاء بمناسبته لمقصود العبادة، فيدل على جواز استدعائه، ويحتمل أنه ﷺ كان يغلبه البكاء وهو لا يريده، فلا يدل على جواز استدعاء البكاء. ولا بد لنا أن نفرق في أمر المحبّة والكراهية ونحوهما أيضاً بين نوعين منهما، لكل نوع حكمه:
النوع الأول: المحبّة والكراهية الناشئتان عن تعويد النفس على موافقة الشرع، بمحبة المطلوبات الشرعية، وكراهية الممنوعات، هما فعلان دالاّن على الأحكام، وينبغي الاقتداء بهما. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به" (٣). ففي هذا الحديث، إن صحّ، حثّ على معالجة النفس لتستجيب للدواعي الشرعية، وتتّبع ما جاء به الشرع.
والنوع الثاني: المحبة والكراهية الطبيعيتان، من محبة المستلذّات وكراهية المؤلمات. فهذا النوع هو المقصود هنا، وهو الذي لا قدوة فيه لخروجه عن سلطان الإرادة. ومن أجل ذلك قيّدْنا ما لا قدوة فيه من المحبة والكراهة بـ "ما لا سيطرة له على منعه أو إيجاده".
стр. 213
فمن النوع الأول من المحبة والكراهة، وهي التي تدل على الحكم، ويقتدى به ﷺ فيها، ما ورد عن عائشة ﵂ أنه ﷺ : "كان يحب التيامن ما استطاع في طهوره وتنعّله وترجّله وفي شأنه كله" (١). وكان يحب من أصحابه أبا بكر وعمر، وقال لمعاذ: "إني أحبّك" (٢).
وكان يكره النفاق والمنافقين، ويكره الكذب والكاذبين، وكان يكره أن يطأ أحد عقبه (٣).
وفي كل ذلك من أمره قدوة.
ومن النوع الثاني، وهو المحبة والكراهة الطبيعيتان، ما ورد عن عائشة أنه ﷺ كان يحب الحلواء والعسل (٤)، ويحب الدبّاء (٥)، وكان أحب الشراب إليه الحلو البارد (٦). وكان أحب الطعام إليه الثريد من الخبز والثريد من الحيس (٧). وكان يكره ريح الحناء (٨). فلا قدوة في شيء من ذلك.
ومنه أنه ﷺ ترك أكل الضبّ كراهةً له. قال: "أجدني أعافه" فلم يقتدِ به الصحابة في ذلك، بل أكله خالد بن الوليد على مائدته ﷺ .
الضرب الثاني:
الأفعال الجبلّيّة الاختيارية، وهي ما يفعله عن قصد وإرادة، ولكنها أفعال تدعو إليها ضرورته من حيث هو بشر، ويوقعها الإنسان قصداً عند شعوره بتلك
стр. 214
الضرورة. إلاّ أن إيقاعها تابع لإرادته وقصده، بحيث يستطيع الامتناع عن ذلك في وقت دون وقت.
ومثال هذا الضرب: تناول الطعام والشراب، وقضاء الحاجة، واتخاذ المنزل، والملابس، والفراش، والمشي والجلوس والنوم والتداوي من المرض، والنكاح.
فإن أصل هذه الأشياء ضروريّ للإنسان من حيث هو إنسان، بحيث يصيبه الضرر لو امتنع منها كلية. فهو يفعلها تحت ضغط الضرورة، وبذلك يكون فعله لها خارجاً عن التكليف، ولا قدوة بما لا تكليف فيه، وتكون من الضرب الأول الذي تقدّم ذكره. فمن فعل شيئاً من ذلك وزعم أنه يقتدي بالنبي ﷺ فقد أخطأ، لأنه سيفعله شاء أم أبى.
إلاّ أنه لا بد من التقصّي لأمور أربعة تتبع ذلك، هي التي تدخل في المراد بهذا الضرب الثاني.
أولاً: الهيئات التي يمكن أن تقع عليها الأفعال المشار إليها في هذا الضرب. إذ الفعل يمكن أن يقع على هيئات مختلفة، فيفعل النبي ﷺ الفعل على إحدى تلك الهيئات دون غيرها، كما ورد أنه كان ينام على جنبه الأيمن، ويأكل بيمينه، ويشرب ثلاثاً. ويأتي أهله بطريق أو طرق معينة. فليس ذلك دليلاً على استحباب تلك الطريقة أو وجوبها، لإمكان عمله على الهيئة أو الهيئات الأخرى، ما لم يدل دليل على أنه ﷺ قصد بذلك موافقة الأمر الشرعي.
ووجهه أن هذه الهيئات هي أيضاً أفعال جبلية اختيارية، وتدل على الإباحة.
ثانياً: أنواع الأشياء المستعملة من الضرورات المشار إليها، إذ قد يأكل طعاماً معيناً، كما قد أكل التمر والعسل وخبز الشعير ونحو ذلك، وليس شيء من ذلك ضرورياً، إذ قد يترك ما أكله ويأكل بدله شيئاً آخر.
стр. 215
وكذلك اتخذ ﷺ بيوتاً مبنية من طين، ومسقوفة بالجريد. وكان له فراش من أدم حشوة ليف.
وتزوّج نساء على أوصاف معينة، ومن قبائل معيّنة.
وهذا النوع يدل على الإباحة أيضاً.
ثالثاً: الأمكنة والأزمنة التي يوقع فيها الفعل الجبلي، إذ قد يأكل في وقت دون وقت، أو ينام في مكان دون آخر.
رابعاً: ويلتحق بذلك أن يفعل مما تقتضيه الجبلة ما ليس أصله ضروريّاً. وإنما هو حاجى، كأصل اتّخاذ المراكب، أو مراكب من أنواع خاصة كالخيل والحمير والبغال.
وكذلك ما يفعله ﷺ ممّا فيه من المنفعة، وإن لم تكن حاجية، كاتخاذ العصا وشم الطيب.
والفعل الجبلي الاختياريّ مهما كان نوعه يدل على الإباحة، ولا يدلّ على استحباب أو وجوب، ما لم يقترن بقول أو قرينة، تدل على ذلك، أو يكون له صلة بالعبادة، كما سيأتي في بقية هذا البحث.
أقسام الفعل الجبلّيّ الاختياري:
الفعل الجبلي الاختياري على قسمين، لأنه إما أن يكون له صلة بالعبادة، أو
لا يكون له بها صلة.
القسم الأول الفعل الجبلي الصرف
والمراد به ما ليس له صلة بالعبادة، كأكل طعام معيّن كالتمر واللحم والعسل، وسير في طريق معين، ولبس ثياب ذات شكل معين، كالقباء والعباء والقميص، أو من مادة معينة كالقطن والصوف.
стр. 216
وهذا النوع من الأفعال يقع من النبي ﷺ على سبيل الإباحة. والمشهور عند الأصوليين أنه لا أسوة فيه، بل من شاء أن يفعل مثله فعل، ومن شاء أن يترك تركه، دون أن يكون للفعل ميزة على الترك من ثواب أو غيره، ودون أن يكون في الترك ذم شرعي. وبعضهم ادّعى الإجماع على ذلك.
إلاّ أن ابن حزم اشترط في جواز الترك أن لا يكون رغبةً عما فعله النبي ﷺ ، فإن كان كذلك كان التارك آثماً. واحتج بالحديث: "لكني أنا أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني". فذكر أكل اللحم، وهو فعل جبلي صرف.
ورأينا أن الحديث المشار إليه وارد فيمن ترك المباح تديناً وتقرباً إلى الله به، فهذا خلاف الشرع، إذ لا يُعْبَد الله بعبادة لم تشرع، ولأن ذلك ترك للمباح مع اعتقاد تحريمه أو كراهته، وذلك تغيير لشرع الله.
ولا يصح أن يفهم من الحديث أن من أكل بالملعقة وترك الأكل بالأصابع فقد رغب عن السنّة واستحق الوعيد، ولا أنّ من توضأ من المغسلة أو الإبريق وترك الوضوء من إناء صفر يغترف منه باليد فقد رغب عن السنة، ولو اعتقد الآكل بالملعقة والمتوضئ من المغسلة أن ذلك أنظف وأحسن فليس ذلك أيضاً رغبة عن السنة، لأنه تركٌ للمباح مع اعتقاد إباحته، وليس في ذلك حرج.
وأما دعوى الإجماع فالصحيح أن المسألة ليست مجمعاً عليها.
فقد نقل الباقلاني في التقريب عن قوم لم يسمِّهم، أن التأسّي به ﷺ في أفعاله المباحة مندوب. وكذا حكاه الغزالي عن بعض المحدّثين. وبه صرّح السبكي في قواعده (١)، وإليه يميل أبو شامة (٢)، ونقل المازريّ عن قوم لم يسمِّهم القول بوجوب التأسي في جميع الأفعال على الإطلاق، وذلك يقتضي دخول هذا النوع.
стр. 217
والقول بالوجوب هنا بعيد جداً.
أما القول بأنه يدل على الندب فله حظ من النظر. والندب هنا على طريقتين للقائلين به:
الأولى: أن يقال: إن الظاهر من فعله ﷺ إنه تشريع، فيحمل على الظاهر، والوجوب لم يتحقق، فيبقى حمله على الندب منه ﷺ ، ولما كان حكمنا كحكمه، يحمل على الندب في حقنا أيضاً. فالحكم فيه مستو بيننا وبينه.
والثانية: أن يقال: الأصل عدم التشريع، فهو منه ﷺ محمول على الإباحة، ولكن يُنْدَب لنا إيقاعه على مثل هذه الصورة التي أوقعها عليها هو ﷺ . فالحكم بيننا وبينه ﷺ مختلف، هو منه مباح، ومنّا مستحب. والتأسي هنا واقع في صورة الفعل دون حكمه. فيؤجر على القصد لا على الفعل.
ونحن نفصل القول في هذا القسم ليتبيّن الحق فيه إن شاء الله.
فنقول: إن له أحوالاً مختلفة الدرجات.
الدرجة الأولى: أن يرشد إلى الهيئة المخصوصة بالقول مع الفعل. وهذا يخرج الفعل عن هذا البحث، لأن النظر حينئذ في الدليل القولي.
ومثاله ما ورد في الحديث: إنه كان إذا شرب تنفّس ثلاثاً، ويقول: "إنه أهنأ وأمرأ".
ومثاله أيضاً: أنه كان يأكل بيمينه، وأمرَ بذلك، ويأكل مما يليه وأمر بذلك.
الدرجة الثانية: أن يواظب النبي ﷺ على إيقاع الفعل الجبلي على هيئة مخصوصة ووجه معروف، كما نقل عنه ذلك في بعض هيئات الأكل والشرب والنوم ونحو ذلك. فهذا يحتمل أن المقصود به التشريع، فيكون مستحباً، ويحتمل أنه فعل ذلك لداعي الجبلة وحدها فلا يكون مستحباً (١). ومن ذلك أنه كان إذا نام
стр. 218
وضع يده اليمنى تحت خده (١)، وينام على جنبه الأيمن. وكان يأكل بثلاث أصابع (٢).
ومنشأ التردّد فيه قاعدة (تعارض الأصل والظاهر)، إذ الأصل عدم التشريع، وبراءة الذمم من التكاليف الشرعية، وهذا يقتضي في هذا النوع أن لا يكون واجباً ولا مستحباً. والظاهر أن فعله لما واظب عليه على طريقة معينة أنه شرع يتبع، لأن الغالب من أفعاله ﷺ التشريع، إذ هو ﷺ مبعوث لبيان الشرعيات (٣).
وقد نقل الزركشي عن أبي إسحاق في ذلك وجهين للشافعية، أحدهما: أنه سنة متبعة، والثاني: أنه لا يتبع فيه إلاّ بدليل. ونقل عنه أيضاً من موضع آخر من كتابه أن الوجه الثاني لهم أنه يتوقف فيه لاحتمال الخصوصية (٤).
وقد مال السبكي في القواعد إلى القول بالاستحباب.
والمشهور عند المحدّثين، وهو المتداوَل في كتبهم وشروحهم للحديث، أن ذلك الفعل يدل على الندب، ويطلب التأسي به ﷺ فيه.
والأرجح عندي القول الثاني، وهو أنه دالّ على الإباحة لا أكثر. ولا تنتهض المواظبة والتكرار دليلاً على كون الفعل مقصوداً به التشريع، إذ كثيراً ما يقع من الإنسان أن يفعل الأفعال التي من نوع واحد بطريقة واحدة، بل إن ذلك هو الأغلب على الناس، لأن في ذلك اقتصاداً في المجهود الفكري، فالشيء إذا فعله الإنسان على الطريقة التي جرى عليها في مثله، أمكنه فعله دون إعمال للفكر فيه، وممكن الاستفادة من الفكر في أثناء ذلك الفعل في أشياء أخرى. فلما كان هذا من طبيعة البشر، فإن ما واظب عليه يُلْحَق بما لم يواظب عليه، ولا يستفاد من كل ذلك حكمٌ أعلى من الإباحة.
стр. 219
الدرجة الثالثة: أن يقع منه الفعل الجبلّيّ لا على سبيل المواظبة والتكرار. ومثاله أن يكون ﷺ قد سار في أيمن الطريق أو أيسرها. أو جلس تحت شجرة معينة أو نحو ذلك. فهذا أضعف درجات الفعل الجبلي الاختياري. ودلالته على الإباحة واضحة. أما الندب فالقول به هنا أضعف منه فيما واظب عليه ﷺ .
وقد نُقِل عن ابن عمر ﵄، ما يدل على أنه كان يَتَتَبّع آثار النبي ﷺ ، والمواضع التي سار فيها أو جلس فيها، ذكر منها ابن سعد كاتب الواقديّ في الطبقات طرفاً (١). ومما يرويه المحدّثون من ذلك أنه ﵁ جرّ خطام ناقته حتى أبركها في الموضع الذي بركت فيه ناقة النبي ﷺ ، وسار براحلته في جانب من الطريق سارت فيه ناقة النبي ﷺ ، وقال: "لعلّ خفاً يقع على خفّ" (٢). ونزل تحت شجرة كان نزل تحتها النبي ﷺ ، وصحث في أصلها الماء. وبال في موضع بال فيه النبي ﷺ ، وقالت عائشة: "ما كان أحدٌ يتبع آثار النبي ﷺ في منازله، كما كان يتبعها ابن عمر" (٣).
وشبيه بذلك ما نُقِل عنه أنه كان يلبس النِّعال السبتية اقتداء بالنبي ﷺ .
وكان ابن عمر يستجمر بالألُوَّة غير مُطَرَّة، وبكافور يطرحه مع الألُوّة، ثم قال: هكذا كان يستجمر رسول الله ﷺ (٤).
وهذا النقلان أشبه بالنوع الذي قبل هذا، وهو ما حصل على سبيل التكرار والمواظبة.
وابن تيمية يفرّق بين نوعين من المتابعة في هذا: المتابعة في صورة الفعل، والمتابعة في مكان الفعل، فيقرّ بالخلاف في الأولى. وأما الثانية فهي عنده ممنوعة
стр. 220
اتفاقاً. يقول: "لو فعل النبي ﷺ فعلاً بحكم الاتفاق، مثل نزوله في السفر بمكان أو أن يفضل في إداوته ماء فيصبه في أصل شجرة، أو أن تمشي راحلته في أحد جانبي الطريق، ونحو ذلك، فهل يستحبّ قصد متابعته في ذلك؟ كان ابن عمر يحب أن يفعل مثل ذلك. وأما الخلفاء الراشدون وجمهور الصحابة فلم يستحبوا ذلك، لأن هذا ليس بمتابعة لها، إذ المتابعة لا بدّ فيها من القصد، فإذا لم يقصد هو ذلك الفعل، بل حصل له بحكم الاتفاق، كان غير متابع له في قصده.
"وابن عمر يقول: وإن لم يقصده، لكن نفس فعله حسن على أيّ وجه كان، فأحب أن أفعل مثله، إما لأن ذلك زيادة في محبته، وإما لبركة مشابهته له ...
"وهكذا للناس قولان في ما فعله من المباحات على غير وجه القصد، هل متابعته فيه مباحة فقط، أو مستحبة، على قولين في مذهب أحمد وغيره.
يقول: "ولم يكن ابن عمر ولا غيره، يقصدون الأماكن التي كان ينزل فيها، ويبيت فيها، مثل بيوت أزواجه، ومثل مواضع نزوله في مغازيه، وإنما كان الكلام في مشابهته في صورة الفعل فقط وإن كان هو لم يقصد التعبّد به. فأما الأمكنة نفسها فالصحابة متفقون على أنه لا يعظّم منها إلا ما عظّمه الشارع" (١) اهـ كلامه.
وقد يظن لأول وهلة أن هذا وهم من ابن تيمية، فقد صحّ عن ابن عمر أنه تحرى الأمكنة التي حصل الفعل النبويّ فيها بحكم الاتفاق، ومن ذلك الحديث الطويل الذي رواه البخاري (٢) في الباب الذي عقده بعنوان (باب المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلى فيها النبي ﷺ ) ذكر فيه المواقع التي كان ابن عمر يتحرّى الصلاة فيها، ويخبر أن النبي ﷺ صلّى فيها في أسفاره إلى مكة.
وأيضاً: كان ابن عمر يتحرّى أن يصلي من الكعبة في المكان الذي قيل له إن
стр. 221
النبي ﷺ صلّى فيه (١). ويتحرّى أن يقف من عرفة في المكان الذي وقف فيه النبي ﷺ (٢).
ولكن قد بينّ ابن تيمية مراده في موضع آخر (٣)، حيث بيّن أن ما فعله ابن عمر لم يزد على أنه كان يختار إحدى الصورتين الممكنتين في الفعل الواحد، وهي الموافقة لما فعله النبي ﷺ دون الأخرى، بأن تحضره الصلاة مثلاً في بقعة معينة قد صلى النبي ﷺ في ناحية منها فيختار الصلاة في تلك الناحية ويترك سائر نواحيها. والمستنكر عند ابن تيمية، ويدعى الاتفاق على إنكاره، أن تعظّم بقعة لم يقصد النبي ﷺ تعظيمها، ويظهر ذلك بأن ينشئ المسلم لها سفراً طويلاً أو قصيراً.
فهذا تقييد جيد في المسألة وتحرير صحيح لمحل النزاع.
هذا وقد عوض ما كان يفعله ابن عمر من هذا النوع، بما فعله والده ﵄. قال ابن حجر: ثبت عن عمر أنه رأى الناس في سفر يتبادرون إلى مكان. فسأل عن ذلك. فقالوا: قد صلّى فيه النبي ﷺ . فقال: "من عرضت له الصلاة فليصلّ، وإلاّ فليمض، فإنما هلك أهل الكتاب لأنهم تتبعوا آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس وبيعاً".
وقد أوّل ابن حجر هذا الفعل عن عمر ﵁، بحمله على من لا يعرف حقيقة الأمر، فيظن الصلاة هناك واجبة. وهو تأويل فيه نظر، فسياق القصة يأباه.
واحتج أيضاً بحديث عتبان بن مالك، الوارد في صحيح البخاري، أنه طلب من النبي ﷺ أن يأتيه في بيته، ليصلي له في مكان منه يتخذه مصلى، وفعل ذلك.
стр. 222
وهذا خارج عن الموضوع، لأن صلاته ﷺ هناك مقصودة ولهدف معلوم هو أن يُتّخذ مصلى، وليس ذلك وارداً على موضع النزاع، لأن النزاع في ما حصل من الأفعال بحكم الاتفاق.
وذكر ابن حجر أيضاً أن عمر بن عبد العزيز بنى مساجد على مواضع بالمدينة ثبت له أن النبي ﷺ صلى فيها (١).
ورأينا في مثل ذلك أن الفعل الجبلّيَّ الصرف لا يدل على الاستحباب مطلقاً، بل يدل على الإباحة. وسواء أكان مما واظب عليه ﷺ كما تقدم الترجيح فيه، أو مما لم يواظب عليه.
ورأينا في ما نقل عن ابن عمر أنه فعل ذلك لا على سبيل التعبّد لله بذلك. أعني لا على سبيل أنه مستحب شرعاً، وإنما فعله بداعي عظم المحبة للنبي ﷺ ، فهو يسلّي نفسه، أو يستثير شوقه، بأن يعمل صورة ما عمل النبي ﷺ ، أو بالكون في المكان الذي كان فيه: "لعل خفاً يقع على خف" كما قال ﵁. فهي مسألة شخصية صرفة، كما يصنع المحبّ المتيّم بآثار حبيبه، إذ يحتفظ بصورته، أو بقطعة من ثيابه، أو يذهب إلى المكان الذي قابله فيه، أو نحو ذلك.
وقد حصل بسبب فعله ذاك، وحرصه عليه، أن نُقِلت إلينا معلومات تاريخية قيّمة في بيان أمكنة حصل فيها من النبي ﷺ أفعال معينة، كصلاته داخل الكعبة مثلاً، إذ حدّد لنا موقع صلاته ﷺ منها بالضبط. وفي مقابل ذلك حصل من أفعاله تلك ما يقابل هذه المصلحة، وهو ما حصل من الوهم عند كثير من الناس أن الاقتداء في ذلك مستحبّ.
وأما الذي يقتدى به في هذا فهو عمر ﵁، ثاني الراشدين، اللذين أمرنا أن نقتدي بسنتهم، وهذا من سنتهم.
تنبيه: بعض ما نقلناهُ عن ابن عمر داخل في القسم التالي، وهو ما له علاقة
стр. 223
بالعبادة، ولكن ذكرناه في هذا القسم استيفاء لما نقل عنه، وجمعاً له في مكان واحد.
القسم الثاني الفعل الذي له علاقة بالعبادة
وهو ما وقع في أثناء العبادة، أو في وسيلتها (١)، أو قبلها قريباً منها، أو بعدها كذلك.
فمما وقع في أثناء العبادة نزوله ﷺ بالمحصّب ليلة النفر (٢)، وقبض الأصابع الثلاث في التشهد، ووضعها على الأرض مضمومة في السجود. وجلسة الاستراحة (٣) بعد الركعة الأولى وبعد الثالثة، والتطّيب للإحلال من الإحرام، واتكاؤه ﷺ أثناء الخطبة على قوس أو عصا، ولبس النعلين في الصلاة، يحتمل أنه فعله لكونه من سنة الصلاة، ويحتمل أنه فعله على سبيل الجواز فقط، كما يلبس في الصلاة قطناً أو صوفاً أو غير ذلك (٤).
ومما وقع في وسيلة العبادة دخوله مكة من طريق كُدَيّ، وخروجه من طريق
стр. 224
كَدَاء ودخوله المسجد الحرام من باب بني شيبة، وطوافه ﷺ بالبيت راكباً على بعير، وكذلك في السعي بين الصفا والمروة، ووقوفه في الموقف بعرفات على بعير، وعودته ﷺ من صلاة العيد من طريق غير طريق الذهاب، وذهابه إلى العيد ورجوعه منه ماشياً (١)، ووقوع صلاته في السفر في مواضع معينة.
ومما وقع قبل العبادة قريباً منها: اضطجاعه ﷺ قبل صلاة الفجر بعد أن يصلّي النافلة. قالت عائشة ﵂: "كان رسول الله ﷺ إذا صلى ركعتي الفجر فإن كنت مستيقظةً حدثني، وإلاّ اضطجع حتى يؤذَن بالصلاة". رواه البخاري ومسلم. وفي رواية للبخاري: اضطجع على شقه الأيمن. وقد أوجب ابن حزم (٢) الضجعة بعد ركعتي الفجر.
وقال الشافعية باستحبابها بناء على هذا الحديث. وبوّب عليه البخاري: "باب الضجعة على الشقّ الأيمن بعد ركعتي الفجر". مما يوحي بأنه يرى استحبابه. واستنكره ابن مسعود وابن عمر وإبراهيم النخعي والحسن البصريّ ممن فعله، وقال ابن عمر هو بدعة (٣).
ومما وقع بعد انتهاء العبادة انصرافه ﷺ من الصلاة عن يمينه أو عن يساره.
فهذا القسم الثاني وهو ما له صلة بالعبادة، بأنواعه الأربعة أعلى من القسم الذي قبله. والقول بالندب فيه أظهر من القسم الأول، وهو ما لا صلة له بالعبادة. فإذا انضمّ إلى صلته بالعبادة عنصر التكرار والمواظبة عليه قوي القول بالندب فيه.
وباستقراء الفروع الفقهية يبتيّن أن هذا النوع على درجات (٤):
стр. 225
الدرجة الأولى: أن الفعل الجبلي يُلحظ فيه أحياناً أنه مقصود في العبادة ليكون جزءاً منها. وقد قيل بالوجوب في ذلك أحياناً ولو لم يرد فيه قول آخر. ومن ذلك الجلوس بين الخطبتين، قال الشافعي بوجوبه، وقال غيره من الأئمة بأنه مستحبّ، ونُقِل عن بعض الصحابة أنهم خطبوا فلم يجلسوا حتى الفراغ (١).
وكذلك القيام في الخطبتين، واظب عليه النبي ﷺ . فقيل بوجوبه. وهو أحد القولين في مذهب أحمد. والقول الآخر أنه لا يجب، وهو مذهب أبي حنيفة (٢).
وعندي أن الوجوب هنا ليس متلقّى من مجرد الفعل، بل من كونه فعلاً بيانيّاً في اعتقاد القائل بالوجوب، أي اعتقاد أن الفعل مقصود به بيان صفة خطبة الجمعة المأمور بها في سورة الجمعة، فهذا القصد هو سبب القول بالوجوب. إذ الفعل البياني يمكن أن يُدَلّ به على الوجوب، كما يأتي.
الدرجة الثانية: ما سبيله الاستحباب من ذلك، وهو ما وضح فيه أمر التعبّد، وذلك إن عُلم، أو غَلَب على الظن بأمارة، أن المقصود التعبّد به، كالقيام في الخطبتين والجلوس بينهما كما تقدم، وصلاته ﷺ داخل الكعبة، وإفطاره على رطباتٍ وتراً، ونحو ذلك.
ومن هذا النوع عند الجمهور تحويل النبي ﷺ رداءه في دعاء الاستسقاء، لم يقل أبو حنيفة بمشروعيته. وقال من احتج له: إنما قلب ﷺ رداءه ليكون أثبت على عاتقه عند رفع اليدين لا الدعاء، فهو عنده جبليّ. وأجيب بأن تثبيت الرداء لا يدعو لقلبه، فالظاهر أنه قلبه قصداً تعبّداً (٣).
الدرجة الثالثة: ما حصل التردّد فيه بين أن يكون مقصوداً به التعبّد أو لا. فهذا الذي فيه الخلاف.
стр. 226
والخلاف فيه ناشئ عن تعارض الأصل والظاهر كما تقدم. إذ الظاهر أن المقصود به التشريع، لصلته بالعبادة، والأصل عدم هذا القصد. والذي نرجحه أنه لا يدل على الاستحباب، وإنما قصاراه أن يدل على الجواز في العبادة، كرفضه ﷺ التنشيف من الغسل بالمنديل، وجعل ينفض الماء بيده. واستعماله آنية من أنواع معينة في الوضوء، وكالضجعة بعد ركعتي الفجر، وأكله من كبد أضحيته يوم عيد الأضحى، وذهابه إلى عرفة من طريق ضب، ورجوعه من طريق المأزمين، وركوبه أثناء الطواف والسعي والوقوف، وكون الركوب في تلك المواضع على بعير. فكل ذلك دالّ على الإباحة فقط، ولا قدوة فيه.
وهذا يفسّر لنا قلّة عناية الصحابة ﵃ بنقل أفعاله التي من هذا النوع، حيث إنها على الإباحة، وهي الأصل. والله أعلم.
وقد قال ابن عباس ﵄ في المبيت بالمحصَّب بعد النفر: "المحصّب ليس من النسك، إنما هو منزل نزله رسول الله ﷺ ليكون أسمح لخروجه".
إلاّ أن احتمالاً يرد هنا، وهو أن يقال: إن احتمال عدم قصد التعبّد بهذا النوع يقتضي عدم اعتباره جزءاً من العبادة. ولكن الاستحباب فيه وارد في جهة أخرى هي موافقة صورة ما عمله النبي ﷺ ، فيثبت الاستحباب. وقد أشار إلى هذا ابن السبكي، قال في مسألة التحصيب: "قال أصحابنا: يستحبّ النزول به، ولو تركه لم يؤثّر في نسكه لأنه ليس من مناسك الحج" (١).
وقد تقدّم القول في هذا عند ذكر متابعات ابن عمر في القسم الأول، وبيّنا ما نعتمده في ذلك. والله ولي التوفيق.
الدرجة الرابعة: ما وضّح فيه أنه ليس مقصوداً به التعبّد، ولكن وقع لغرض جبليّ أو نحوه، فلا إشكال في أن ذلك يدل على الإباحة مطلقاً، أو إذا وجد
стр. 227
سببه، ولا يُظَنَّ أن أحداً يقول بالاستحباب فيه. وذلك كالتفاته ﷺ في الصلاة وقت الخطر، وسيره فيها حتى فتح الباب لعائشة، وأشار بيده ليَرُدّ السلام، واعتماده على عمود في صلاة الليل عندما أسنّ وكبر، وقعوده في موضع القيام كذلك، واختيارِه ما أكله وشربه أثناء حجه، ونزوله في خيمة حينذاك، ونحو ذلك.
стр. 228
المبحث الثاني الفعل العادي
كثيراً ما يقصد بالأمور (العادية) في كلام الأصولين والفقهاء ما سوى الأمور العبادية. فيدخل فيه المعاملات والآداب والأمور الجبليّة وغيرها.
ونحن نقصد بالفعل (العاديّ) في هذا المبحث أمراً أخص من ذلك، فمقصودنا به ما فعله النبي ﷺ جرياً على عادة قومه ومألوفهم. مما يدل دليل على ارتباطه بالشرع، كبعض الأمور التي تتصل بالعناية بالبدن، أو العوائد الجارية بين الأقوام في المناسبات الحيوية، كالزواج والولادة والوفاة.
ومن أمثلتها أنه ﷺ لبس المِرْط المُرَحّل، والمخَطّط، والجبّة، والعمامة، والقباء. وأطال شعره، واستعمل القرب الجلديّة في خزن الماء، وكان يكتحل، ويستعمل الطيب والعطور.
وأيضاً كانت العروس تزف إليه في بيته، لا في بيت أبيها كما هي عادة بعض البلاد الإسلامية الآن، ودَفَن الموتى في قبور محفورة في التراب دون المبنية بالحجارة أو غيرها.
وحكم هذه الأمور العاديّة وأمثالها، كنظائرها من الأفعال الجبليّة، والأصل فيها جميعاً أنها تدل على الإباحة لا غير، إلا في حالين:
١ - أن يرد قول يأمر بها أو يرغّب فيها، فيظهر أنها حينئذ تكون شرعية.
٢ - أن يظهر ارتباطها بالشرع بقرينة غير قوليّة. كتوجيه الميت في قبره إلى القبلة، فإن ارتباط ذلك بالشرع لا خفاء به.
стр. 229
ومن هنا يتبيّن أن قول بعض المتأخرين، كالشيخ محمد أبي زهرة (١) ﵀، بأن إعفاء النبي ﷺ لحيته، وتقصير شاربيه، كان أمراً عاديّاً وليس شرعياً، هو قولٌ يخرج عما يقتضيه العمل بالأدلة، وذلك لورود القول الآمر، ولأنه ﷺ علّقه بأمر شرعي هو مخالفة أعداء الدين. أعني قوله ﷺ : "خالفوا المشركين، وفّروا اللحى وأحفوا الشوارب" (٢). وفي رواية: "خالفوا المجوس".
стр. 230
المبحث الثالث الفعل في الأمور الدّنيوية
نعني بالأمور الدنيوية ما فعله ﷺ بقصد تحصيل نفع في البدن أو المال، له أو لغيره، أو دفع ضرر كذلك، أو دبّر تدبيراً في شأنه خاصّة أو شؤون المسلمين عامة، لغرض التوصل إلى جلب نفع أو دفع ضرر.
ويشمل هذا النوع من الأفعال الأضرب التالية:
الضرب الأول: الأفعال الطبيّة، وهي ما يجريه على بدنه خاصة، أو أبدان غيره من الناس بقصد دفع مرضٍ حاضر أو متوقّع.
فقد تناول النبي ﷺ ، أو أعطى غيره، أطعمه وأشربة متنوعة على سبيل حفظ الصّحّة، أو لدرء أمراض معينة، كألبان الإبل وأبوالها (١).
وكذلك تعاطى وأعطى أنواعاً مختلفة من العلاج، فقد احتجم واستَعَط (٢)، وكانت حجامته في وسط رأسه (٣). وكانت حجامته من شقيقة كانت به (٤).
ولما اشتدّ به وجعه أهريق عليه من سبع قرب لم تحلل أوكِيَتُهُنّ (٥). ولما جُرح بأحُد، أُلصق على جرحه رماد حصير ليرقأ الدم (٦). وداوى بريقه مع تراب (٧).
стр. 231
ورفض أدويةً معيّنة كاللدود (١).
الضرب الثاني: الأفعال في الزراعة، بأن يزرع أنواعاً معينة من النبات، أو يزرع بطريقة ما، أو يسقي المزروعات كذلك، أو يفعل بالنبات شيئاً بقصد تكثير إنتاجه أو تحسينه أو نحو ذلك.
وشبيه بها ما يُفعل بالحيوان بقصد تكثير إنتاجه وتحسينه، كإطعامه أعلافاً معينة، أو المزاوجة بين سلالات منه مختلفة بقصد الحصول على نسل أجود.
الضرب الثالث: الصناعة، بأن يصنع بمادّة شيئاً ما بقصد تحويلها إلى شكل ذي أوصاف مخالفة لشكلها الأول، لتكون أنفع، أو يحلّل مادة ما إلى حالات أبسط، أو يركِّب مادة مع مادة بقصد الحصول منهما على مادة جديدة، هي أنفع من الأصل.
الضرب الرابع: التجارة، بأن يعمل ف البيع والشراء، في أشياء معينة، في ظروف معينة، بقصد تحصيل مكسب عن فروق الأسعار.
الضرب الخامس: أنواع أخرى من المكاسب كرعي الغنم، أو العمل للغير بأجر.
الضرب السادس: التدابير التي اتخذها ﷺ في الحرب من استعمال المجانيق والسيوف والرماح والسهام، وتربية الخيل للقتال، وحفر الخنادق، وترتيب الجيوش وتدريبها.
الضرب السابع: التدابير التي اتخذها ﷺ في الإدارة المدنية، من اتخاذ الولاة والكتاب والحراس والحجّاب والسفراء، وكذلك الأعلام والشعارات، والمرافق من الطرق والحصون وغيرها (٢).
стр. 232
فهذه الأضراب وأمثالها قد وقع من النبي ﷺ الكثير من أفرادها ونقل إلينا أشياء من ذلك.
والنظر في الأحكام التي يمكن أن تدل عليها مثل تلك الأفعال من وجهين:
الوجه الأول: أصل الطب والزراعة والصناعة والتجارة والقصد إلى تحصيل المكاسب، والسعي لتحقيق التدابير المدنية والعسكرية المناسبة، ونحو ذلك، يستفاد من فعله ﷺ في ذلك إباحته، وأنه لا يخالف العقيدة ولا الشريعة. وقد يترقّى، إلى درجة الاستحباب أو الوجوب، بحسب الأحوال الداعية إليه.
وفي الحديث القولي إشارة إلى ذلك حيث قال ﷺ : "ما أكل أحد طعاماً قطُّ خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده" (١).
ومن قال في الأمور الجبلية التي فعلها ﷺ إنه يستحب لنا التأسيّ بها، فكذلك يقول هنا، ومن ادّعى الوجوب فكذلك. إلاّ أن القول بأن الأصل فيها الإباحة أصوب، كما تقدم في أفعال الجِبِلّة الاختيارية.
الوجه الثاني: الأمر الذي عمله بخصوصه، هو مباح له، وقد يكون مستحباً له، أو واجباً عليه، لاعتقاده ﷺ أنه هو المؤدي إلى غرض مستحب أو واجب. ولكن هل يكون حكم مثله بالنسبة إلينا كذلك، كما لو شرب دواءً معيناً لعلاج مرض معين، فهل يستحب لنا شرب ذلك الدواء لذلك المرض مثلاً، أو يجب، بل هل يباح بناء على ذلك أم لا؟.
هذا ينبني على أصل، وهو أن اعتقاداته أو ظنونه ﷺ في الأمور الدنيوية هل يلزم أن تكون مطابقة للواقع، بمقتضى نبوته، أو أن هذا أمر لا صلة له بالنبوّة؟.
اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه ﷺ معصوم من خطأ الاعتقاد في أمور الدنيا. بل كل ما يعتقده في ذلك فهو مطابق للواقع.
стр. 233
ولم نجد أحداً من قدماء الأصوليين، صرّح بمثل هذا المذهب.
ولكنه لازم لمن جعل جميع أفعاله ﷺ حجة حتى في الطبيات والزراعة ونحوها. وهو لازم أيضاً لمن صحح منهم أن تقريره ﷺ لمخبر عن أمر دنيويّ يدل على صحة ذلك الخبر، كما فعل السبكي وأيّده المحلي والبناني (١).
والذين عند حصرهم أقسام الأفعال النبوية، لم يذكروا الفعل النبوي في الأمور الدنيوية، كقسم من أفعاله لا دلالة فيه، يظهر أنهم يقولون بهذا القول، إذ يلزمهم أن يكون فعله ﷺ في الطب مثلاً دليلاً شرعياً. من هؤلاء مثلاً أبو شامة، والسبكي، وابن الهمام، وغيرهم.
وابن القيم في كتابه (الطب النبويّ) (٢) يذهب إلى حُجيّة أفعاله ﷺ في الطب، فيلزمه القول بهذا المذهب.
ويظهر أن هذه طريقة المحدّثين، فإنا نجد عند البخاريّ مثلاً هذه الأبواب، ولم يذكر فيها من الأحاديث إلا أحاديث فعليّة: (باب السعوط) (باب أي ساعة يحتجم) (باب الحجامة في السفر) (باب الحجامة على الرأس) (باب الحجامة من الشقيقة والصداع) (٣) وعند غيره من المحدثين، كأصحاب السنن، تبويبات مشابهة. ويوافقهم الشراح غالباً على ذلك، فيذكرون استحباب أدوية معيّنة لأمراض معيّنة، بناء على ما ورد في ذلك من الأفعال النبويّة.
المذهب الثاني: أنه لا يلزم أن يكون اعتقاده في أمور الدنيا مطابقاً للواقع، بل قد يقع الخطأ في ذلك الاعتقاد قليلاً أو كثيراً. بل قد يصيب غيره حيث يخطئ هو ﷺ .
قالوا: وليس في ذلك حطٌّ من منصبه العظيم الذي أكرمه الله به، لأن منصب النبوّة منصبٌّ على العلم بالأمور الدينية، من الاعتقاد في الله وملائكته
стр. 234
وكتبه ورسله واليوم الآخر، ومن الأمور الشرعية. أما إذا اعتقد أن فلاناً مظلوم فإذا هو ظالم، أو أن دواء معيّناً يشفي من مرض معيّن، فإذا هو لا يشفى منه، أو أن تدبيراً زراعياً أو تجارياً أو صناعياً يؤدي إلى هدف معيّن، فإذا هو لا يؤدّي إليه، أو يؤدي إلى عكسه، أن تدبيراً عسكرياً أو إدارياً سينتج مصلحة معيّنة، أو يدفع ضرراً معيّناً، فإذا هو لا يفعل، فإن ذلك الاعتقاد لا دخل له بالنبوة، بل هو يعتقده من حيث هو إنسان، له تجاربه الشخصية، وتأثّراته بما سبق من الحوادث، وما سمع أو رأى من غيره، مما أدّى إلى نتائج معيّنة، فكل ذلك يؤدّي إلى أن يعتقد كما يعتقد غيره من البشر، ثم قد ينكشف الغطاء فإذا الأمر على خلاف ما ظنّ أو اعتقد.
وقد صرّح بأصل هذا المذهب، دون تفاصيله، القاضي عيّاض (١) والقاضي عبد الجبار الهمداني المعزلي (٢) والشيخ محمد أبو زهرة (٣). وظاهر الحديث أنه ﷺ كغيره من الناس في ذلك، بل فيه التصريح بأن أصحاب الخبرة في صنائعهم وتجاراتهم وزرعاتهم قد يكونون أعلم منه بدقائقها. إلا أن القاضي عيّاضاً أوجب أن يكون الخطأ في ذلك نادراً لا كثيراً يؤذن بالبله والغفلة (٤).
ويُحتَجّ لهذا المذهب بأدلة، منها:
أولاً: حديث تأبير النخل. ففي صحيح مسلم عن رافع بن خديج، أنه قال: قدم النبي ﷺ المدينة، فإذا هم يأبرون النخل. فقال: "ما تصنعون؟ " قالوا: كنا نصنعه. قال: "لعلكم لو لم تفعلوا كان خيراً" فتركوه. فنفضت. فذكروا ذلك له، فقال: "إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر".
стр. 235
وفي رواية طلحة، قال ﷺ : "ما أظن ذلك يغني شيئاً". فأخبِروا بذلك، فتركوه. فأخبر رسول الله ﷺ بذلك، فقال: "إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإنّي إنما ظننت ظنّاً، فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به، فإني لن أكذب على الله". وفي رواية أنس: "أنتم أعلم بدنياكم" (١).
وشبيه به حديث ابن عباس في قصة الخرص (٢)، وفيه: فقال رسول الله ﷺ : "إنما أنا بشر، فما حدّثتكم عن الله فهو حق، وما قلت فيه من قبل نفسي فإنما أنا بشر".
وقد رُدّ الاستدلال بهذا الحديث، بأن المراد: أنتم أعلم بدنياكم من أمر دينكم (٣). ويكون توبيخاً لهم.
وسياق الأحاديث على اختلاف رواياته يأبى هذا التأويل ويبطله.
ثانياً: حديث أم سلمة ﵂، أن النبي ﷺ قال: "إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع. فمن قضيت له بحق أخيه شيئاً فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار" (٤).
وفي وراية الزهري للحديث المذكور: "إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم. فلعلّ بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسِبُ أنه صادق، فأقضي له بذلك" (٥).
إذا ثبت الأصل الذي ذكرناه آنفاً، فإنه ينبني عليه أن ما فعله ﷺ من أمور الدينا مما مرجعه إلى تجاربه الخاصة، وخبرته الشخصية، وتفكيره وتقديره في الأمور الدنيوية التي وضحناها، لا يدل على مشروعية ذلك الفعل بالنسبة إلى الأمة.
стр. 236
وممن صرّح بهذه القاعدة بصفتها العامة، من الأصوليين القدامى القاضي عبد الجبّار (١).
وصرّح به حديثاً ولي الله الدهلوي (٢)، ومحمد أبو زهرة (٣)، وعبد الوهاب خلاف (٤)، وعبد الجليل عيسى (٥)، وفتحي عثمان (٦).
أما من حيث التفصيل، فقد وضّحه ابن خلدون في المقدمة، في شأن ما ورد عنه ﷺ في شأن الطبّ، حيث قال:
"الطب المنقولُ في الشرعيّات من هذا القبيل (يعني طبّ البادية المبني على تجارب قاصرة) وليس من الوحي في شيء، وإنما هو أمر كان عاديّاً للعرب، ووقع في ذكر أحوال النبي ﷺ ، من نوع ذكر أحواله التي هي عادة وجبلة، لا من جهة أن ذلك مشروع على ذلك النحو من العمل، فإنه ﷺ إنما بعث ليعلّمنا الشرائع، ولم يبعث لتعريف الطب ولا غيره من العاديّات. وقد وقع له في شأن تلقيح النخل ما وقع، فقال: "أنتم أعلم بأمور دنياكم". قال: "فلا ينبغي أن يحمل شيء من الطبّ الذي وقع في الأحاديث المنقولة على أنه مشروع، فليس هناك ما يدل عليه. اللهم إلاّ إذا استعمل على جهة التبرّك وصدق العقد الإيماني فيكون له أثر عظيم النفع، وليس ذلك في الطب المزاجي" (٧). اهـ.
رأينا في ذلك:
نختار المذهب القائل بأن أفعاله الدنيوية ليست تشريعاً، وذلك لأجل الأدلة الآتية:
١ - قوله تعالى: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ﴾ وقوله: ﴿قل سبحان
стр. 237
ربي هل كنت إلاّ بشراً رسولاً﴾ وقد تكرر التأكيد في الكتاب على بشرية الرسول ﷺ ، وأنه ليس إلهاً، ولا ملكاً، ولا يعلم الغيب. ومن المعلوم أنه ﷺ لما نَبّأه الله ، لم يمنعه من تصرفاته البشرية كما يتصرف غيره من الناس على غالب الظنون والتقادير التي تخطئ وتصيب، ولا تعهّد له بأن يمنعه من الخطأ في ذلك، فالأصل استمرار حاله في ذلك كما كان قبل النبوة، لمّا لم يدل على انتقاله عن ذلك دليل. وقد أكّدت السنة النبوية ما بيّنه القرآن من ذلك، كما يأتي.
٢ - قوله ﷺ : "إنما أنا بشر، فإذا أمرتكم بأمر دينكم فاقبلوه. وإذا أمرتكم بشيء من دنياكم فإنما أنا بشر". وفي رواية: أنتم أعلم بدنياكم. وقد تقدّم هذا الحديث.
وبهذا الحديث، برواياته المختلفة، يوصّل النبي ﷺ أصلاً عظيماً في الشريعة، ويبيّنه لنا، ويشعرنا بأن بعض أفراد الأمة قد يكونون أحياناً أعلم منه ﷺ بما يتقنونه من أمور الدنيا، والمقصود أهل الخبرة في كل فن وصناعة، وأنه لا داعيَ شرعاً لالتفاتهم إلى ما يصدر عنه ﷺ من ذلك إلاّ كما يلتفتون إلى قول غيره من الناس.
٣ - ما ذكر ابن إسحاق في سيرته، في سياق غزوة بدر، قال: حُدِّثت عن رجال من بني سلمة، أنهم ذكروا أن الحباب بن المنذر، قال: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلاً أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدَّمه، ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة. فقال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله. ثم نغوّر ما وراءه من القُلُب. ثم نبني عليه حوضاً فنملؤه ماءً، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون. فقال رسول الله ﷺ : "لقد أشرت بالرأي" (١).
стр. 238
٤ - ما ورد في الحديث أن نفراً دَخَلوا على زيد بن ثابت، فقالوا له: حدثنا أحاديث رسول الله ﷺ . قال: كنت جاره، فكان إذا نزل عليه الوحي بعث إليّ فكتبته له. فكان إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا، فكلّ هذا أحدثكم عن رسول الله ﷺ (١).
٥ - ما ورد عن هشام بن عروة، أن عروة بن الزبير كان يقول لعائشة: "يا أماه، لا أعجب من فهمك، أقول: زوجة رسول الله ﷺ وبنت أبي بكر. ولا أعجب من علمك بالشعر وأيام الناس، أقول: ابنة أبي بكر، وكان أعلم الناس، أو من أعلم الناس. ولكن أعجب من علمك بالطبّ، كيف هو ومن أي هو؟ قال: فضرَبَتْ على منكبه، وقالت: إن عُرَيّة! أن رسول الله ﷺ كان يَسْقَم عند آخر عمره، أو في آخر عمره. فكانت تقدم عليه وفود العرب من كل وجه، فينعتون له الأنعات، وكنت أعالجها له" (٢).
مسائل متمّمة لبحث الأفعال النبوية الدنيوية:
المسألة الأولى: إذا انضم إلى الفعل الدنيوي قولٌ آمر، فذلك يخرجه من باب الأفعال. ويعود النظر إلى الدليل القولي، وذلك خارج عن موضوع بحثنا.
وليت بعض الباحثين يتولّى بحث الأقوال النبوية المتعلقة بالأمور الدنيوية، ليصل في شأنها إلى قول فصل، ثم يجمعها من كتب الحديث وينص على ما يصحّ استفادته منها من الأحكام وما لا يصح.
المسألة الثانية: إذا نصّ القرآن على أمر دنيويّ فهو حق لا مرية فيه، لأنه من الله تعالى الذي لا تخفى عليه خافية في السماوات ولا في الأرض.
فإن كان الفعل النبويّ في الشؤون الدنيوية استجابة لإرشادات القرآن التي تتعلّق بذلك الأمر، فيكون الفعل بياناً أو امتثالاً للقرآن. ويحمل على الشرعيّ.
стр. 239
ولعلّ خير مثال على ذلك شربُه ﷺ العسل للتداوي (١)، فإن ذلك تطبيق لقوله تعالى: ﴿يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس﴾.
وشبيه بذلك ما أخبر ﷺ أنه فعله عن وحي من الله تعالى.
المسألة الثالثة: إذا تردد الفعل بين أن يكون دنيوياً أو دينياً، حُمل على الدينيّ، لأنه الأكثر من أفعاله ﷺ . والله أعلم.
стр. 240
المبحث الرابع الأفعال الخارقة للعادة (المعجزات والكرامات)
أجرى الله تعالى هذا الكون على سنن ثابتة وعوائد مطردة. وربط الأشياء بأسبابها، وجعل علاقة السببية هذه وسيلة إلى توليد أشياء جديدة، ذات صفات موافقة أو مخالفة لأصولها. وبها تتطور الكائنات وتتغير الموجودات، وتتجدد الحوادث.
ومعنى اطّراد السنن الكونية، أنه إذا أثّر شيء في شيء تحت ظروف معينة، فأنتج شيئاً آخر، فإنه لو أعيد تسليط المؤثر، أو مثيل له، على المؤثر فيه أو على مثيل له، مع وجود ظروف مماثلة تماماً، فلا بدّ أن تحصل نتيجة مماثلة تماماً لما نتج في الحالة الأولى.
ومثاله أننا لو أخذنا قضيباً من الحديد، في درجة حرارة فعينة، وقسنا طوله، ثم سخنّاه مئة درجة مئوية، فإنه سيتمدد بالحرارة. فلو قسنا الزيادة في الطول وأثبتناها، ثم أخذنا قضيباً آخر، أيضاً من الحديد، مساوياً في الطول للأول، وفي نفس درجة الحرارة، ورفعنا حرارته مئة درجة مئوية، فلا بدّ أن يتمدد، وأن تكون زيادته مساوية تماماً للزيادة في حالة القضيب الأول. فإن اختلف مقدار الزيادة بين الحالتين، فلا بد أن عاملًا آخر مخالفاً لما كان في الحالة الأولى هو سبب الاختلاف، بأن كان الحديد مختلف النوعية مثلاً.
وهذا الاطّراد في سنن الكائنات، سبب من أسباب التقدم البشري، وسيطرة البشر على الأرض، وذلك لأن العقل الذي أكرم الله به الإنسان يستطيع
стр. 241
إدراك الصلات السببية بين الأشياء بإدراكه خواصها، فيستطيع الإنسان بذلك أن يهيّئ الظروف المختلفة التي تؤدّي إلى نتيجة معينة. فإذا كملت تلك الظروف، تولّدت عنها النتيجة ولا بدّ. وذلك حسب قاعدة اطّراد السنن.
واطّراد السنن كما هو في العناصر البسيطة للكون وفي مركباته، وفي صفاتها العامة من الجاذبية والحرارة والرطوبة واللون والصلابة والمرونة وغير ذلك، هو أيضاً في الأحياء من النبات والحيوان، وفي النفوس الإنسانية، وفي المجتمعات البشرية، كذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً﴾ (١) وقد ذكر الله تعالى أنه لا تبديل لسنته في ثلاثة مواضع أخرى غير هذه الآية (٢).
إلاّ أن قوانين السببية في الأحياء أكثر تعقيداً، وأبعد تصوراً، وأصعب منالاً.
وليست العلوم الكونية، الكيميائية، والطبيعية، والحيوية، والنفسية، إلاّ نتائج المساعي لاستكشاف القوانين المشار إليها، وإلاّ تطبيقاً لتلك القوانين، واستفادة منها فيما ينفع الناس أو يضرهم.
وقد جاءت الديانات السماوية حرباً على دعاوى السببية الكاذبة. فمن ذلك إبطال التطيّر، وإبطال الزجر والعرافة والمخرقة، وإبطال دعاوى عبدة الأصنام بأنها تنفع أو تضر، ودعاوى المنجّمين بأن حركات النجوم أسباب لعلم الغيب، أو أنها تؤثّر على الحوادث الأرضية، أو نحو ذلك، مما لا يخفى على المطّلع على حقائق ما جاء عن الأنبياء.
وأتمُّ ما ورد من ذلك وأوضحه ما جاء به محمد ﷺ .
إلا أن الإسلام جاء بأمرين عظيمين يتعلقان بقانون السببية.
стр. 242
أولهما: البيان الواضح لكون الأسباب هي من وضع الله تعالى، فهو مسبّبها، وهو الذي جعل فيها تأثيراتها المعينة. وهذا لأنه تعالى خالق كل الأشياء، والجاعل فيها صفاتها وخصائصها. والقرآن مليء بهذا النوع من البيان. ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾ (١)، وقوله: ﴿والله جعل لكم مما خلق ظلالاً وجعل لكم من الجبال أكناناً وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم﴾ (٢).
وثانيهما: أنه لما كان الله تعالى هو مسبّب الأسباب، فإنها لا شكّ تحت تصرّفه وإرادته وقهره. فلو شاء أن يبطلها لأبطاها، بأن يفقدها نتائجها المحتومة، أو يوجد الأشياء من دون أسبابها المسنونة، كما قال للنار: ﴿كوني برداً وسلاماً على إبراهيم﴾ (٣) فأفقدها خاصية الإحراق، وكما أوجد عيسى من أم بلا أب.
إلّا أن هذا النوع من التصرف الإلهي نادر، وأما الأكثر الذي هو الأصل، فهو اطّراد السنن كما تقدم.
أهداف خرق السنن الكونية بالمعجزة:
المعجزات التي يؤيّد الله بها أنبياءه خرق للسنن الكونية، لتكون حججاً لهم على العباد أنهم رسل الله، إذ إن السنن الكونية لا يخرقها إلّا الذي وضعها ورتبها وهو الله تعالى. فإذا جاء ذلك على يد من يدّعي على الله أن الله أرسله، كان بيّنة على صدقه، حين أجرى الله ذلك على يده، ولا يجريه على يد من يدّعي الرسالة كذباً عليه تعالى. ومن هنا فقد جاء أكثر رسل الله تعالى بمعجزات، أجريت على أيديهم، وشاهدها أقوامهم. كرّر الله تعالى ذكرها في كتابه، لتحصل الطمأنينة بصدقهم ويتم الانقياد لهم.
وقد يأتي خرق العادة إعداداً للنبي لتحمل تكاليف الدعوة، أو إظهاراً
стр. 243
من الله لكرامة نبيه عليه جزاء قيامه بتكاليف الدعوة، وبذل نفسه في سبيلها، كالإسراء بمحمد ﷺ .
وقد يكون خرق العادة معونة من الله لنبيه على أداء تكاليف الدعوة، لضعفه عنها، كما في إنزال الملائكة للقتال يوم بدر، وفي حفظه نبيه ﷺ بستر شخصه عمن أراد اغتياله.
ومثلها إنجاء أنبيائه من كيد أعدائهم بغير الأسباب المعتادة، كرفع عيسى، وفلق البحر لموسى.
حدّ المعجزة:
المعجزة، عند عبد الجبار المعتزلي: أمر واقع من الله تعالى، تنتقض به العادة، ويتعذّر على العباد فعله، خاصّ بمدّعي النبوّة، على وجه التصديق له (١).
والمعجزة عند الباقلاني الأشعري: أمر واقع من الله تعالى، تنتقض به العادة، ويتعذر على العباد فعله، يقع على يد مدّعي النبوّة، مقترناً بالتحدّي، على وجه التصديق له.
فاشترط الباقلاني اقتران المعجزة بالتحدّي لإثبات النبوّة، لأن الخارق عنده قد يقع للولي كرامة، ولكن لا يقع للولي إذا تحدى به لإثبات النبوّة، بل يمنع منه حينئذ (٢). وعبد الجبار لم يشترط ذلك لأنه ينكر الخوارق لغير الأنبياء أصلاً.
حدّ الكرامة:
عرف صاحب المواقف الكرامة بأنها "ظهور الخارق على يد العارف بالله تعالى وصفاته، مقروناً بعمل الطاعات، غير مقرون بدعوى النبوة" (٣).
стр. 244
وهي عند القشيري: "فعل ناقض للعادة في أيام التكليف، ظاهر على موصوف بالولاية، في معنى تصديقه في حاله" (١).
خرق السنن الكونية على أيدي الأولياء:
اختلفت الأراء في الأمة الإسلامية حول هذه النقطة.
فالمعتزلة وأبو إسحاق الإسفراييني والحليمي، يرون أن النواميس الكونية لا تنخرق إلا لنبيّ، لتكون معجزة له، وأما ما عدا ذلك، فالسنن مطردة اطّراداً منضبطاً لا يتخلّف مطلقاً. فأنكروا بذلك كرامات الأولياء الخارقة للعادة.
وسواء أكانت صغيرة أم كبيرة (٢). وأجازوا أن ييسر للأولياء نحو إجابة دعاء، وموافاة ماء في أرض فلاة مما ينحطّ عن رتبة خرق العادات (٣).
ونسب الرازي في الأربعين إلى أبي الحسين البصريّ المعتزلي، موافقة أهل السنة في إثباتهم كرامات الأولياء الخارقة (٤).
وأهل السنة والصوفية وجمهور الأمة، على إثبات كرامات الأولياء، إلاّ أنهم في ذلك على قولين:
الأول: أن كل ما جاز أن يكون معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لوليّ. ولا فرق بينهما إلا أن النبي يتحدّى بخرق العادة ليثبت نبوته، والولي لا يتحدّى (٥). ونسب هذا القول إلى جمهور العلماء وممن صرّح به النووي في شرح صحيح مسلم، والجويني في الإرشاد.
الثاني: أن كرامات الأولياء بخرق العادات ثابتة، إلاّ أنها لا ترقى إلى مثل
стр. 245
وجود ولد دون والد، وقلب جماد بهيمة. وممن قال بهذا القول القشيري (١)، وابن السبكي، وابن حجر العسقلاني (٢). ويظهر أن الباقلاني يقول به في كتابه في التفريق بين المعجزات والكرامات (٣)، حيث يرى أن السّحرة يقدرون على كل ما يقدر عليه الأنبياء، ما عدا ما أُجمع على أنهم لا يقدرون عليه، كإخراج ناقة من صخرة، وفلق البحر، وآيات موسى التسع. وإنما يقدرون على نحو الطيران في الهواء، وموت المسحور وحبّه أو بغضه. فيظهر أن قوله في خوارق الأولياء مثل ذلك.
الأدلة:
١ - قول المعتزلة:
الدليل الأول: احتج عبد الجبار -ونقله عن أبي هاشم الجبّائي- لإنكار خرق العادة على سبيل الكرامة، بأن إثبات ذلك إبطال لدلالة المعجزات على صدق الأنبياء. ومن أجل ذلك أنكر أن يكون للسحر حقيقة وتأثير في قلب الأعيان (٤).
وقد نوقش هذا الديل بأن الأولياء لا يتحدّون بها لإثبات دعوى النبوّة (٥)، ولو تحدّوا بها لمنع الله تعالى تأثيرها. ومثل ذلك يقوله في حق السحرة من أثبت أن للسحر حقيقة (٦).
الدليل الثاني: أن إثبات الكرامة مفسدة، لأنه ينفّر عن النظر في دلالة
стр. 246
معجزات الأنبياء. وقد نقل هذا الدليل عن أبي إسحاق المعتزلي، وهو معتمد أبي عبد الله البصري (١).
والجواب ما تقدّم نقله عن الغزالي في ردّ الاستدلال بالتنفير.
أدلة المثبتين:
أولًا: أنها فعل ممكن في نفسه، لقدرة الله عليه. وكل ممكن وقوعه فهو جائز، ومن زعم أنه ممتنع فعليه بيان المانع (٢).
وقد تقدم الردّ على ما ادّعاه النفاة مانعاً.
ثانياً: احتجوا بالوقوع، لما في كتب الحديث من إضاءة السوط لعَبّاد بن بِشْر، وأُسَيْد بن حُضَيْر، وزيادة الطعام لضيوف أبي بكر، ونحو ذلك. وكما هو مأثور عن التابعين والأولياء كبشر وغيره مما يبلغ حدّ التواتر (٣).
وقد أجاب عبد الجبار بأن التواتر في ذلك ممنوع، إذ التواتر مفيد للعلم. وقال: "ونحن نعرف خلاف ذلك من أنفسنا، وأنتم تعلمون منّا أنا لا نعتقد ذلك، وأنا نتديّن بخلافه" أي فلو كان يفيد العلم لأفادنا، فبقي أنه أخبار آحاد، ولا يثبت بذلك اعتقاد (٤).
وناقشه أيضاً بأنه لو كان حقاً لكان ظهوره في الصحابة أولى من ظهوره على شيبان الراعي، وبشر الحافي، ومعروف الكرخي، وسهل التستري، وأضرابهم. أما والمنقول عن الصحابة أقلّ مما نقل عن هؤلاء كثيراً، بل إنه لم يظهر على عليِّ بن أبي طالب مثلاً مع حاجته الشديدة إليه، وإمكان أن تحقن دماء المسلمين بظهور
стр. 247
ذلك على يديه في قتاله مع معاوية. ولو كان حقاً لظهر حينئذ. ولاستغنوا أيضاً عن التحكيم (١).
والذي نختاره، أن ذلك ممكن وأنه واقع.
أولاً: بدليل ما نقله القرآن العظيم من ذلك، فلو ادّعى مُدَّعٍ عدم صحة النقل فيما سواه، لم يمكن من مؤمنٍ إلا أن يؤمن بنقل الله. والله تعالى ذكر أن أصحاب الكهفِ: ﴿ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً﴾ (٢) نائمين لم يتناولوا طعاماً ولا شراباً. وذكر عن صاحب سليمان أنه أتاه بعرش بلقيس قبل أن يرتد إليه طرفه. وإن كان في هذا الثاني احتمال (٣).
وأيضاً ذكر عن مريم أنها كانت: ﴿كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً قال يا مريم أنَّى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب﴾ (٤).
وثانياً: بما نقل من ذلك في كتب السنة، وفي الصحيحين من ذلك جملة. وانظر أبواب فضائل الصحابة في الصحيحين وغيرهما من كتب السنة، تجد من ذلك أخباراً إن لم تتواتر آحادها، فإنها متواترة معنوياً، لأنها متفقة في الدلالة على أنهم كانوا يصدقون بذلك وأمثاله.
إلاّ أننا مع ذلك نرى أن أكثر ما ينقل عن كثير ممن يدعون الولاية، أو تُدّعَى لهم، من خرقهم للعادات والسنن الكونية، كذب مفترى لا أصل له، أو له أصل من الحق وقد عظمه الاتباع المغلوبون على عقولهم وأفهامهم، أو هو من الباطل من
стр. 248
الألاعيب والمخرقات، أو من تصرفات الجن والشياطين، بمعاونتهم أولياءهم وإيحائهم إليهم (١)، مما قد ينخدع به كثير من العوامّ وأشباههم من المنتسبين إلى العلم ممن لا فرقان له (٢)، حتى عظموا بسبب ذلك كثيراً من الكفرة، ممن كفره أعظم من كفر فرعون وقارون وهامان. واعتقدوا أن أولياءهم هؤلاء يتصرفون في الكون مع الله تعالى عما يقولون علواً كبيراً (٣).
وزاد بعض الصوفية المسألة عنفاً، بدعواهم أن الخارق يقع بقوة ذاتية في نفس الولي، وادّعوا أنها قوة إلهية (٤).
وكانت من نتيجة ذلك أن انطلت الحقائق على كثير من المسلمين، وفقد قانون السببيّة عندهم فاعليته الحضارية، حتى أصبحوا في مؤخّرة الركب العالمي. وكان من أعظم العوامل التي أدّت إلى ذلك، هذا النوع من (الإيمان) الكافر.
ولما كان الخارق مخالفاً للعادات والسنن الكونية، كانت العادات والسنن الكونية شاهداً مكذباً لما يُروَى منه. ولذلك ينبغي أن لا يصدّق ما ينقل من ذلك أو يروى من الحوادث، ما لم يكن له شهود أكثر قوة، بأن يكون النقل على درجة عالية من الثبوت، تحصل بها الطمأنينة، ويتم عندها الإذعان والتسليم، ويكون الرواة لذلك من أهل البصيرة الذين لا ينخدعون باللعب والمخرقة.
وها نحن في زماننا نستمع إلى شيء كثير مما ينقل من مثل ذلك من حوادث معاصرة، فإذا حقق الأمر تبيّن زيف الدعوى. ولم يحصل عندنا اليقين، ولو بحادثة واحدة مخالفة للسنن. وهذا يؤكّد ما قلنا.
ويؤكّده أيضاً ما عرف من طباع النقلة لهذا النوع من الأخبار، فإنهم يتزيدون فيها ويبالغون، فيظهرون بعض ما فيه غرابة مما هو عاديّ، بشكل الخارق
стр. 249
للعادة، كل ذلك ليجلبوا استحسان السامعين واستغرابهم، وحتى يكون لكلامهم طلاوة، ويعود المستمعون إليه مرة بعد مرة.
فإذا كان الرواة على درجة عالية من التقوى والبصر والثقة والتشدّد، وتعدّدت طرق الرواية، جبر ذلك النقص، وصحّ الوثوق بهذا النوع من الأخبار.
الاقتداء بالأفعال النبوية الخارقة للعادة:
لهذا الاقتداء موقعان:
لأنه إما أن يقتدي بما يسبق الفعل من أسبابه.
أو يقتدي بما يلحقه من فوائده.
أما الخارق نفسه فهو من فعل الله تعالى، ولا ينسب إلى الرسول ﷺ إلا مجازاً.
أولاً: هل للمؤمن أن يعمل على حصول الكرامات الخارقة ؟:
إذا وقع الخارق على يد نبي مثلاً، فوقوعه بالنسبة إليه اضطراريّ، إذ هو من فعل الله تعالى، لا يقدر عليه إلاّ الله. ولكن الذي بيد النبي ﷺ أسبابه التي جعلها لله له أسباباً، كرميه ﷺ التراب في وجوه الكفار، فأوصله الله إلى أعينهم، وقال: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ (١) وعندما عطش الجيش طلب النبي ﷺ بقية ماء في قدح فوضع يده فيه، ودعا الله، فَنَبَع الماءُ من بين أصابعه حتى ملأ الجيش كل ما عندهم من الآنية.
فهذا الرمي منه ﷺ ، وهذا الطلب للماء، ووضع يده فيه، ودعاء الله، هو سبب لحصول المعجزة (٢). فهل للمؤمن، اقتداءً بذلك، أن يحاول بالرياضة التوصل إلى التمكن من ذلك، وأن يفعل الأسباب الموصلة إلى الخوارق؟.
стр. 250
من العلماء من ذهب إلى أن كرامة الولي لا تقع بقصد منه، بل تقع له دون قصد (١).
ومنهم من أجاز وقوعها بالقصد. ومن هؤلاء القشيري (٢)، والشاطبي. فقد أجاز للمؤمن أن يعمل لإيقاعها (٣). ولكن ذلك عنده في موضع الرخص، والعزيمةُ عنده الدخول في الأسباب المعتادة. وإذا طلب وقوع الخارق فليطلبه لمعنى شرعيّ، لا لحظ نفسه. والحجة عند الشاطبي ذلك أن النبي ﷺ كان يظهر المعجزات طلباً لإيمان الكافرين، وتقوية ليقين المتقين (٤)، وأفعاله ﷺ يقتدى بها.
ونحن نرى أن الكرامات لا تقع على سبيل القصد، وما يقع منها يقع ولا يعلم المؤمن به إلا بعد وقوعه.
ودليلنا على ذلك أن المعجزات خصائص للأنبياء، والأصل في الخصوصية عدم الاقتداء.
وأيضاً فإن دليل إمكان خرق العادات على سبيل الكرامات هو وقوعها. وباستقراء ما وقع منها لغير الأنبياء مما صح نقله يتبين أنه وقع لهم دون قصد. كنوم أهل الكهف، وإنزال الطعام على مريم، وإضاءة السوط لعباد بن بشر وأسيد بن حضير، وتنزّل السكينة لأبيّ بن كعب.
ومن العلماء من أجاز للوليّ أن يتحدى بالخارق لإثبات ولايته، كما يتحدّى النبي بالمعجزة لإثبات نبوّته (٥)، بأن يقول: "أنا وليّ الله سبحانه، وآية ولايتي