← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 31471

أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم ودلالتها على الأحكام الشرعية

محمد سليمان الأشقر

Полный текст (761 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

معجزات الأنبياء. وقد نقل هذا الدليل عن أبي إسحاق المعتزلي، وهو معتمد أبي عبد الله البصري (١). والجواب ما تقدّم نقله عن الغزالي في ردّ الاستدلال بالتنفير. أدلة المثبتين: أولًا: أنها فعل ممكن في نفسه، لقدرة الله عليه. وكل ممكن وقوعه فهو جائز، ومن زعم أنه ممتنع فعليه بيان المانع (٢). وقد تقدم الردّ على ما ادّعاه النفاة مانعاً. ثانياً: احتجوا بالوقوع، لما في كتب الحديث من إضاءة السوط لعَبّاد بن بِشْر، وأُسَيْد بن حُضَيْر، وزيادة الطعام لضيوف أبي بكر، ونحو ذلك. وكما هو مأثور عن التابعين والأولياء كبشر وغيره مما يبلغ حدّ التواتر (٣). وقد أجاب عبد الجبار بأن التواتر في ذلك ممنوع، إذ التواتر مفيد للعلم. وقال: "ونحن نعرف خلاف ذلك من أنفسنا، وأنتم تعلمون منّا أنا لا نعتقد ذلك، وأنا نتديّن بخلافه" أي فلو كان يفيد العلم لأفادنا، فبقي أنه أخبار آحاد، ولا يثبت بذلك اعتقاد (٤). وناقشه أيضاً بأنه لو كان حقاً لكان ظهوره في الصحابة أولى من ظهوره على شيبان الراعي، وبشر الحافي، ومعروف الكرخي، وسهل التستري، وأضرابهم. أما والمنقول عن الصحابة أقلّ مما نقل عن هؤلاء كثيراً، بل إنه لم يظهر على عليِّ بن أبي طالب مثلاً مع حاجته الشديدة إليه، وإمكان أن تحقن دماء المسلمين بظهور

стр. 247

ذلك على يديه في قتاله مع معاوية. ولو كان حقاً لظهر حينئذ. ولاستغنوا أيضاً عن التحكيم (١). والذي نختاره، أن ذلك ممكن وأنه واقع. أولاً: بدليل ما نقله القرآن العظيم من ذلك، فلو ادّعى مُدَّعٍ عدم صحة النقل فيما سواه، لم يمكن من مؤمنٍ إلا أن يؤمن بنقل الله. والله تعالى ذكر أن أصحاب الكهفِ: ﴿ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً﴾ (٢) نائمين لم يتناولوا طعاماً ولا شراباً. وذكر عن صاحب سليمان أنه أتاه بعرش بلقيس قبل أن يرتد إليه طرفه. وإن كان في هذا الثاني احتمال (٣). وأيضاً ذكر عن مريم أنها كانت: ﴿كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً قال يا مريم أنَّى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب﴾ (٤). وثانياً: بما نقل من ذلك في كتب السنة، وفي الصحيحين من ذلك جملة. وانظر أبواب فضائل الصحابة في الصحيحين وغيرهما من كتب السنة، تجد من ذلك أخباراً إن لم تتواتر آحادها، فإنها متواترة معنوياً، لأنها متفقة في الدلالة على أنهم كانوا يصدقون بذلك وأمثاله. إلاّ أننا مع ذلك نرى أن أكثر ما ينقل عن كثير ممن يدعون الولاية، أو تُدّعَى لهم، من خرقهم للعادات والسنن الكونية، كذب مفترى لا أصل له، أو له أصل من الحق وقد عظمه الاتباع المغلوبون على عقولهم وأفهامهم، أو هو من الباطل من

стр. 248

الألاعيب والمخرقات، أو من تصرفات الجن والشياطين، بمعاونتهم أولياءهم وإيحائهم إليهم (١)، مما قد ينخدع به كثير من العوامّ وأشباههم من المنتسبين إلى العلم ممن لا فرقان له (٢)، حتى عظموا بسبب ذلك كثيراً من الكفرة، ممن كفره أعظم من كفر فرعون وقارون وهامان. واعتقدوا أن أولياءهم هؤلاء يتصرفون في الكون مع الله تعالى عما يقولون علواً كبيراً (٣). وزاد بعض الصوفية المسألة عنفاً، بدعواهم أن الخارق يقع بقوة ذاتية في نفس الولي، وادّعوا أنها قوة إلهية (٤). وكانت من نتيجة ذلك أن انطلت الحقائق على كثير من المسلمين، وفقد قانون السببيّة عندهم فاعليته الحضارية، حتى أصبحوا في مؤخّرة الركب العالمي. وكان من أعظم العوامل التي أدّت إلى ذلك، هذا النوع من (الإيمان) الكافر. ولما كان الخارق مخالفاً للعادات والسنن الكونية، كانت العادات والسنن الكونية شاهداً مكذباً لما يُروَى منه. ولذلك ينبغي أن لا يصدّق ما ينقل من ذلك أو يروى من الحوادث، ما لم يكن له شهود أكثر قوة، بأن يكون النقل على درجة عالية من الثبوت، تحصل بها الطمأنينة، ويتم عندها الإذعان والتسليم، ويكون الرواة لذلك من أهل البصيرة الذين لا ينخدعون باللعب والمخرقة. وها نحن في زماننا نستمع إلى شيء كثير مما ينقل من مثل ذلك من حوادث معاصرة، فإذا حقق الأمر تبيّن زيف الدعوى. ولم يحصل عندنا اليقين، ولو بحادثة واحدة مخالفة للسنن. وهذا يؤكّد ما قلنا. ويؤكّده أيضاً ما عرف من طباع النقلة لهذا النوع من الأخبار، فإنهم يتزيدون فيها ويبالغون، فيظهرون بعض ما فيه غرابة مما هو عاديّ، بشكل الخارق

стр. 249

للعادة، كل ذلك ليجلبوا استحسان السامعين واستغرابهم، وحتى يكون لكلامهم طلاوة، ويعود المستمعون إليه مرة بعد مرة. فإذا كان الرواة على درجة عالية من التقوى والبصر والثقة والتشدّد، وتعدّدت طرق الرواية، جبر ذلك النقص، وصحّ الوثوق بهذا النوع من الأخبار. الاقتداء بالأفعال النبوية الخارقة للعادة: لهذا الاقتداء موقعان: لأنه إما أن يقتدي بما يسبق الفعل من أسبابه. أو يقتدي بما يلحقه من فوائده. أما الخارق نفسه فهو من فعل الله تعالى، ولا ينسب إلى الرسول ﷺ إلا مجازاً. أولاً: هل للمؤمن أن يعمل على حصول الكرامات الخارقة ؟: إذا وقع الخارق على يد نبي مثلاً، فوقوعه بالنسبة إليه اضطراريّ، إذ هو من فعل الله تعالى، لا يقدر عليه إلاّ الله. ولكن الذي بيد النبي ﷺ أسبابه التي جعلها لله له أسباباً، كرميه ﷺ التراب في وجوه الكفار، فأوصله الله إلى أعينهم، وقال: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ (١) وعندما عطش الجيش طلب النبي ﷺ بقية ماء في قدح فوضع يده فيه، ودعا الله، فَنَبَع الماءُ من بين أصابعه حتى ملأ الجيش كل ما عندهم من الآنية. فهذا الرمي منه ﷺ ، وهذا الطلب للماء، ووضع يده فيه، ودعاء الله، هو سبب لحصول المعجزة (٢). فهل للمؤمن، اقتداءً بذلك، أن يحاول بالرياضة التوصل إلى التمكن من ذلك، وأن يفعل الأسباب الموصلة إلى الخوارق؟.

стр. 250

من العلماء من ذهب إلى أن كرامة الولي لا تقع بقصد منه، بل تقع له دون قصد (١). ومنهم من أجاز وقوعها بالقصد. ومن هؤلاء القشيري (٢)، والشاطبي. فقد أجاز للمؤمن أن يعمل لإيقاعها (٣). ولكن ذلك عنده في موضع الرخص، والعزيمةُ عنده الدخول في الأسباب المعتادة. وإذا طلب وقوع الخارق فليطلبه لمعنى شرعيّ، لا لحظ نفسه. والحجة عند الشاطبي ذلك أن النبي ﷺ كان يظهر المعجزات طلباً لإيمان الكافرين، وتقوية ليقين المتقين (٤)، وأفعاله ﷺ يقتدى بها. ونحن نرى أن الكرامات لا تقع على سبيل القصد، وما يقع منها يقع ولا يعلم المؤمن به إلا بعد وقوعه. ودليلنا على ذلك أن المعجزات خصائص للأنبياء، والأصل في الخصوصية عدم الاقتداء. وأيضاً فإن دليل إمكان خرق العادات على سبيل الكرامات هو وقوعها. وباستقراء ما وقع منها لغير الأنبياء مما صح نقله يتبين أنه وقع لهم دون قصد. كنوم أهل الكهف، وإنزال الطعام على مريم، وإضاءة السوط لعباد بن بشر وأسيد بن حضير، وتنزّل السكينة لأبيّ بن كعب. ومن العلماء من أجاز للوليّ أن يتحدى بالخارق لإثبات ولايته، كما يتحدّى النبي بالمعجزة لإثبات نبوّته (٥)، بأن يقول: "أنا وليّ الله سبحانه، وآية ولايتي

стр. 251

طيراني في الهواء، أو تعلّقي به، أو انشقاق القمر". ولا تفترق الكرامة عن المعجزة على هذا إلاّ بدعوى الرسالة في المعجزة (١). وحجة من أجاز ذلك، التأسّي بأفعال النبي ﷺ . وقد تقدّم جوابه. ثانياً: تصرّف النبي ﷺ بمقتضى الخارق هل يقتدى به فيه: يرى الشاطبي أن المزايا والمناقب التي أعطيها النبي ﷺ عامّة كعموم التكاليف، بل قد زعم ابن العربي أن سنة الله جرت أنه إذا أعطى الله نبياً شيئاً أعطى أمته منه، وأشركهم معه فيه (٢). وبنى الشاطبي على هذا الأصل أن للمؤمن، إذا حصل له شيء من ذلك، أن يبني عليه ويتصرّف على أساسه، قال: "ومما ينبني على هذا الأصل أنه لما ثبت أن النبي ﷺ حذّر وبشّر وأنذر، وتصرف بمقتضى الخوارق، من الفراسة الصادقة، والإلهام الصحيح، والكشف الواضح، والرؤيا الصالحة، كان من فعل مثل ذلك ممّن اختصّ بشيء من هذه الأمور على طريق الصواب، وعاملاً بما ليس بخارج عن المشروع" (٣). واحتجّ لذلك أيضاً بأن الأصل عدم الخصوصية. فلما كان النبي ﷺ يفعل أشياء من ذلك، كقوله في خيبر عن علي: "لأعطين الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه" (٤). وإخباره أنه: "ستكون لكم أنماط" (٥) فرتّب على الاطلاع الغيبيّ وصاياه النافعة، ومثله ما أخبر به من وصاياه عند الفتن، لحذيفة وغيره، فلنا أن نفعل مثل ذلك، لأنه لم يقل إن ذلك خاصٌّ به ﷺ ، فيثبت بذلك [عمومه] (٦).

стр. 252

واحتجّ لذلك ثالثاً بفعل الصحابة، من نحو قول عمر: "يا سارية الجبل" (١) وقصّ على عمر رجل أنه رأى الشمس والقمر يقتتلان، فقال له: مع أيهما كنت؟ قال: مع القمر. قال: "كنتَ مع الآية الممحوّة، لا تلي عملاً أبداً". واشترط الشاطبي لجواز التصرف على أساس الخارق، أن لا يخرم ذلك التصرف حكماً شرعيّاً ولا قاعدة دينية. فلو حصل للمؤمن مكاشفة أن هذا الماء مغصوب أو نجس، فلا يجوز له الانتقال إلى التيمم، لأن القاعدة الشرعية أن لا ينتقل عن الوضوء إلى التيمم إذا وجد ماء محكوماً بطهارته. ولو حصلت له مكاشفةٌ أن هذا المال لزيد، وقد تحصّل بالحجة لعمرو، لم يجز له أن يشهد به لزيد (٢). والجائز عنده من ذلك نحو أن يترك أحد الجائزين ويفعل الآخر. فهو عمل على وفق الأحكام الشرعية. فموضع العمل بها يتبيّن، على سبيل التمثيل، في ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون في مباح، كأن يرى أن فلاناً يقصده في وقت كذا بخير أو شر، فيستعد لذلك. والثاني: أن يكون لحاجة، فكما أن النبي ﷺ ما كان يخبر بكل ما يعلم من المغيبات، بل بحسب الحاجة، فكذلك المكاشف بذلك. والثالث: أن يكون فيه تحذير أو تبشير، ليستعدّ لكلٍ عدّته، كالإخبار عن أمر ينزل إن فعل كذا، أو لا يكون إن فعل كذا. ونحن نوافق الشاطبي فيما نقلناه عنه هنا، لا من حيث إن العمل بذلك مدلول للفعل النبويّ، بل لأنه كما ذَكَر، تصرُّفٌ في حدود المباح، والتصرف في حدود المباح لا حرج فيه. فإن رأى رؤيا مثلاً، وغلب على ظنّه صدقها، فلا حرج عليه أن يعمل بمقتضاها فيما لا يخالف الشرع.

стр. 253

المبحث الخامس الأفعال الخاصَّة به ﷺ " الخصائص النبويَّة " بعض الأفعال التي كان يفعلها النبي ﷺ ، هي مما أبيح له خاصة من دون سائر المؤمنين، أو وجب عليه دونهم؛ وبعض ما حرّم عليه، حرّم عليه خاصة من دونهم. وهذا النوع من الأفعال داخل فيما يسمى الخصائص النبوية. ونحن نقدّم بين يدي القول في الاستدلال بهذا النوع من الأفعال توضيحاً للخصائص. الخصائص: تقول العرب: خصَّه بالشيء يخصُّه خَصّاً وخُصُوصيّةً، وخَصُوصيّة وخِصِّيصيَ، وخصَّصه واختصَّه: أفرده به دون غيره. واختصَّ فلان بالأمر، وتخصَّص إذا انفرد به (١). فما أفرد الله تعالى به إنساناً من الناس، من صفة في خلْقه أو خُلُقه، أو من حكم شرعي، أو غير ذلك، فكل ذلك خصائص. فمن الأحكام الخاصَّة بغير النبي ﷺ أنه أجاز لأبي بردة هانئ بن نيار الأنصاري، التضحية بعناق، وقال له: "تجزئ عنك ولا تجزئ عن أحد

стр. 254

بعدك" (١). ومنها أنه جعل شهادة خزيمة بن ثابت بشهادة رجلين، وحكم بها لنفسه ﷺ . ومن أجل ذلك سمي خزيمة "ذا الشهادتين". الخصائص النبويّة: ما اختصّ به النبي ﷺ أمور كثيرة، أفردها العلماء بالتأليف (٢). ويذكرها المؤلفون في السيرة النبوية، وفي الشمائل النبوية. تصنيف الخصائص النبوية: تقسم الخصائص النبوية بحسب ما يلي: ١ - بحسب من عنه الاختصاص . ٢ - بحسب زمن الاختصاص .

стр. 255

٣ - بحسب ما فيه الاختصاص . أولاً: تنقسم الخصائص النبوية، بحسب من عنه الاختصاص، ثلاثة أقسام: ١ - منها ما تشاركه فيه أمته، وينفرد به هو وأمته ﷺ عن سائر الأنبياء وأممهم. وذلك مثل ما ورد في الحديث: "أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر؛ وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيُّما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلّ؛ وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي؛ وأعطيت الشفاعة؛ وكان النبي يبعث إلى قومه خاصّة، وبعثت إلى الناس عامة" (١). ومثل تجويز الدية في قتل العمد ولم تكن لمن قبلنا جائزة. ٢ - ومنها ما ينفرد به ﷺ عمن ليس بنبي، لكن يشاركه فيه كل الأنبياء، أو بعضهم. وأمثلة ذلك تأييدهم بالمعجزات، وبالعصمة من المعاصي على ما تقدم، وتكليم الله لهم. ونزول الوحي عليهم، وكونهم لا يورثون، وُيدفنون حيث يموتون. ٣ - ومنها ما ينفرد به محمد ﷺ عن جميع البشر من الأنبياء وغيرهم، ككونه خاتم النبيين، وإمام المرسلين، وأنه مبعوث إلى جميع العالمين إنسهم وجنهم، وشفاعته العظمى يوم الحساب. ثانياً: وتنقسم بحسب زمان الاختصاص قسمين: ١ - فمنها في الدنيا، كالإسراء به، وكإباحة نكاح أكثر من أربع نسوة. ٢ - وفي الآخرة، ككونه "أول من يبعث" (٢) و "أول شافع وأول مشفع" و"أول من يقرع باب الجنة" و"أكثر الأنبياء تابعاً يوم القيامة" وبيده لواء الحمد يوم القيامة، وأُعطي الكوثر، والحوض.

стр. 256

وتنقسم أيضاً من هذا الوجه قسمين، لأنها إما دائمة كما تقدم، وإما موقوتة بوقت محدود، كما أحِلّت له مكة "ساعة من نهار" (١). ثالثاً: وتنقسم بحسب ما فيه الاختصاص إلى: ١ - ما ليس بحكم شرعي، وأمثلته ما كان في خلقته ﷺ ، كخاتم النبوة بين كتفيه، وتأييده بالمعجزات، والوحي، والنصر بالرعب مسيرة شهر. ٢ - وما هو حكم شرعي. وهذا القسم نوعان: لأنه إما حكم شرعي لفعل غيره بسببه كرامة له، كتحريم نسائه على غيره، وما نسخ من وجوب الصدقة على المؤمنين عند مناجاته، ووجوب احتجاب نسائه (٢)، وتحريم أخذ الزكاة على آل بيته، وأنه لا يورث، وأن الكذب عليه عمداً كبيرة، وتحريم رفع الصوت فوق صوته. وإما حكم شرعي لفعله هو ﷺ كوجوب قيام الليل، وتحريم الصدقة عليه، وإباحة نكاح ما زاد على أربع نسوة، وتحريم نكاح من لم تهاجر معه. الحكمة في تخصيصه ﷺ بما خصّه الله تعالى به: لم نجد أحداً ممن اطلعنا على تآليفهم فصل: هذا الموضوع بالبحث، والذي يظهر عند التأمل في المناسبة، أنه ﷺ لما كان يشارك أمته في البشرية، ويخالفهم في الرسالة، فإن منشأ الاختصاص بما خصّه تعالى به من الخصائص، راجع إلى الرسالة دون غيرها من الأوصاف المشتركة بينه وبين سائر الناس.

стр. 257

أما ما يختصّ به ﷺ عن سائر النبين، فمنشؤه كون رسالته أهم، لأنها أعمّ بالنظر إلى المدعوين، إذ كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، ومحمد ﷺ مبعوث إلى الثقلين الإنس والجنّ. وبالنظر إلى الزمان، إذ رسالته ﷺ هي الخاتمة، فوقتها مستمر إلى قيام الساعة. فالخصائص إذن ناشئة من طبيعة الرسالة، ودائرة حولها، لتتم حكمة الله بأداء الرسالة على أفضل حال. والوجوه التي عليها تخدم الخصائص الرسالة يظهر لنا أنها كما يلي: الأول: الإعداد للرسالة قبل مبعث النبي ﷺ ، وذلك كأخذ الله تعالى الميثاق على الأنبياء أن يؤمنوا به (١) ليأخذوا هم الميثاق على أقوامهم، ويكون ذلك داعياً للأمم إلى قبول رسالته ﷺ . ومن هذا أيضاً ما حصل قبل المبعث من الإرهاصات بنبوته، والبشائر التي وقعت عند بعثته. الثاني: توثيق رسالته، ومن ذلك ما خصّه الله تعالى به من المعجزات، والعصمة من المعاصي، وخاتم النبوّة بين كتفيه ﷺ ، ومنعه من الكتابة وقول الشعر. ومن ذلك ما أخبر به من المغيبات التي تقع بعد وفاته، لتبقى دلائل التصديق والثقة مستمرة بعده، بتجدد تحقق ما أخبر به ﷺ . ومن ذلك أيضاً في أحكام أفعاله: تحريم الصدقة عليه، لئلا يظن به أنه أتى بما أتى به لتحصيل مال. وتُمِّم بالحكم بأنه لا يورث، حتى تقطع الأمة بأنه لم يحصِّل برسالته منهم لآله مالاً ﴿إن هو إلاّ ذكرى للعالمين﴾ (٢).

стр. 258

ومن ذلك أيضاً ما أشار إليه في الحديث: "إن كذباً عليّ ليس ككذبٍ على أحد، فمن كذب عليّ متعمداً فليلج النار" (١). الثالث: تهيئته لأداء الرسالة، وإعداده لتحمّل أعبائها، ومن ذلك ما أوجب الله عليه من قيام الليل، ليتمّ له تدبّر الوحي الإلهي وتعلّمه وتفهّمه في أنسب الأوقات لذلك، قال الله تعالى: ﴿قم الليل إلاّ قليلاً * نصفه أو انقص منه قليلاً * أو زد عليه ورتّل القرآن ترتيلاً * إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً﴾ (٢). هذه الآيات له ولغيره من أمته، ثم نسخ الوجوب في حق غيره وبقي في حقه هو، كما بُيِّنَ ذلك في حديث عائشة. ومن ذلك الإسراء به، قال تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا﴾ (٣). الرابع: ما اختصّه الله به كعون له على أداء الرسالة. من ذلك عصمته من الناس، وإظهار الآيات على يديه، كتكثير الطعام ونبع الماء. ومن ذلك إباحة نكاح ما زاد على أربع نسوة، ليقمن بمعاونته على الأداء، باطلاعهن على ما خفي من شؤونه وإبلاغها للأمّة، وليكون إصهاره إلى قبائل العرب تأليفاً لهم وتسهيلاً لدخولهم في الإسلام، كما حصل في زواجه ﷺ من جويرية بنت الحارث، من بني المصطلق، فقد كان ذلك سبباً لإسلام قومها. ومن ذلك إباحة القتال له بمكة، ونصره بالرعب مسيرة شهر. ومن ذلك أيضاً تحريم نكاح من لم تهاجر معه، فإن ذلك يحصل به عملياً تأكيدٌ قوي لفضل الهجرة، ويكون حثّاً غير مباشر، ولكنه ذو مفعول قوي، على استجابة المسلمين الذين لم يهاجروا. الخامس: إدامة الرسالة من بعده ﷺ ، كحفظ الكتاب الذي جاء به من التبديل، وأنه لا تزال طائفة من أمته على الحق.

стр. 259

السادس: ما أعطاه الله من التوسعة، ومن رفع مكانته في الدنيا والآخرة جزاء على ما تحمله من التكاليف في تبليغ الرسالة. قال الله تعالى: ﴿ما ودّعك ربك وما قلى * وللآخرة خير لك من الأولى * ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ (١). فمما أعطاه إباحة نكاح أكثر من أربع، وهذا وجه آخر في ذلك غير ما تقدم ذكره. ومنه ما رفع الله عنه من كثير من الحرج في مسائل النكاح، قال الله تعالى: ﴿ما كان على النبي من حرج في ما فرض الله له سنّة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدراً مقدوراً * الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلاّ الله﴾ (٢). ومنه قرن اسمه باسمه في الشهادتين، وما أوجب الله تعالى على المؤمنين من الصلاة عليه في الصلاة، والصلاة عليه كلما ذكر. ومن ذلك، بعد موته، تحريم نسائه على غيره، وما في الآخرة من إعطائه المقام المحمود، والحوض المورود، وسائر درجاته الخاصة. الفعل الدائر بين الخصوصية وغيرها: يدور بين الخصوصية وغيرها نوعان من الأفعال: الأول: ما تلمح فيه الخصوصية، كوضعه ﷺ جريدة على قبرين بقصد التخفيف من عذاب صاحبيهما. وسائر ما تُدَّعى فيه الخصوصية بنقول محتملة. والثاني: ما لا تلمح فيه، ولكن يجوز عقلاً أن يكون خاصّاً وأن يكون مشتركاً. وهذا النوع الثاني هو سائر الأفعال المجرّدة، ويأتي بيان الحكم فيها في الفصل الخامس إن شاء الله. أما النوع الأول، فقد ادُّعِيت الخصوصية في أفعال معدودة، لمّا حصل

стр. 260

التعارض بين الفعل وغيره من الأدلة، فتخلّص بعض العلماء بدعوى الخصوصية في الفعل. والمعتمد أن الأصل في الفعل عدم الخصوصية، وأنه لا تجوز دعوى الخصوصية بغير دليل، كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله. وكذلك لو كانت الدلالة ضعيفة وأمكن التخلّص منها. وسبب ذلك أن الخصوصية خلاف الأصل، لأنه ﷺ مبعوث قدوة وداعياً بفعله وقوله كما تقدم. فأفعاله هي للاقتداء، والخصوصية تمنع الاقتداء. وفي المثال الذي أشرنا إليه قال اين حجر: "استنكر الخطَّابي ومن تبعه وضع الناس الجريد على القبر عملاً يهذا الحديث. قال الطرطوشي: لأن ذلك خاص ببركة يده ﷺ . وقال عياض: لأنه علّل غرزهما على القبر بأمر مغيّب، وهو قوله: إنهما ليعذبان. يقول ابن حجر: لا يلزم من كوننا لا نعلم أيعذب أم لا، أن لا نتسبّب له في أمر يخفّف عنه العذاب لو كان يعذب. وقد تأسَّى بريدة بن الحصيب الأسلمي الصحابي بذلك، فأوصى أن يوضع عند قبره جريدتان. ذكر ذلك البخاري في باب الجنائز تعليقاً. قال ابن حجر: وهو أولى من غيره أن يتبع" (١) اهـ. وكلام ابن حجر راجع إلى القاعدة التي ذكرنا. أدلة الخصوصية: يعلم أن حكم الفعل من خصائصه ﷺ بأمور: الأول: أن يرد في القرآن النص على الخصوص والمنع من الاشتراك، كقوله تعالى: ﴿وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم﴾ (٢)

стр. 261

وقد يكون في النص الدالّ على الخصوصية خفاء فيقع فيه الخلاف. ومن ذلك قوله تعالى في صلاة الخوف: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ... ﴾ (١) الآيات، يقول القرطبي: "هذه الآية خطاب للنبي ﷺ ، وهو يتناول الأمراء بعده إلى يوم القيامة. هذا قول كافة العلماء. وشدّ أبو يوسف، وإسماعيل بن علية، فقالا: لا تصلّى صلاة الخوف بعد النبي ﷺ ، فإن الخطاب كان خاصّاً له بقوله: ﴿وإذا كنت فيهم﴾ وإذا لم يكن فيهم لم يكن لهم ذلك، لأن النبي ﷺ ليس كغيره في ذلك، وليس أحد بعده يقوم مقامه ... فلذلك يصلي الإمام بفريق، ويأمر من يصلي بالفريق الآخر، وأما أن يصلوا بإمام واحد فلا" (٢). اهـ. ثم ذكر أن الجمهور يرون اتباعه ﷺ مطلقاً حتى يدل دليل واضح على الخصوص، ولئلا تكون الشريعة قاصرة على من خوطب. وقد عمل الصحابة بصلاة الخوف بعده ﷺ . ثم إن خاطب الله تعالى نبيه بالحكم بضمير المفرد، أو بقوله يا أيها النبي، لم يدل ذلك على الاختصاص، لأنه ﷺ قائد أمته في طريقها إلى الله، والأمر للقائد أمر لأتباعه. ومن رفض المشاركة في الحكم هنا بمقتضى اللفظ لا يمنع القياس. ومثاله قوله تعالى: ﴿لا تمدّنّ عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم﴾ (٣) وقوله: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ (٤). وسيأتي لهذا البحث زيادة بيان في مبحث قول المساواة من فصل الفعل المجرّد. الثاني: أن يقول ﷺ ذلك. كنهيه لهم عن الوصال لما واصل، وقال: "إني لست كهيئتكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني،. وقال في دخول مكة مقاتلاً: "إن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ ، فقولوا إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم".

стр. 262

أمّا لو ورد الإخبار من النبي ﷺ أنه يفعل كذا أو لا يفعل كذا، فلا يدل على الاختصاص، كقوله ﷺ : "لا آكل متكئاً". الثالث: أن يعلم ذلك بالضرورة، كما إذا فعل فعلاً، ثم نهاهم عنه في وقت قريب (١). وكما إذا أمرهم بأمر، ثم ترك في الحال ما نهاهم عنه، أو نهاههم عن شيء وفعله في الحال، فيعلم أن حكم تركه أو فعله خاص به ﷺ (٢). وكل هذا على طريقة المعتزلة، لأنهم لا يجيزون النسخ قبل التمكّن من الامتثال. أما عند غيرهم فيجوز النسخ قبل التمكن، فلا يكون هذا النوع دليل الخصوصية. أما إن نهاهم عن الشيء وهو متلبِّس به، فينبغي أن يكون ذلك دليل الاختصاص عند المعتزلة وغيرهم، كما نهاهم عن الوصال وهو مواصل، ونهاهم عن نكاح أكثر من أربع وهو مقيم على ذلك. وعلى قول المعتزلة، إن تأخّر الترك أو الفعل طرأ احتمالٌ بأن الحكم الأول قد نُسخ، فلا تتحقق الضرورة. ومثاله أن النبي ﷺ نهاهم أن يصلوا قياماً والإمام جالس، وصلّى بهم في مرض موته وهم قائمون وهو جالس. فقيل: ذلك من خصائصه (٣). وهو مردود، لما تقدم. ثم قد قيل: إنه فعله ليبين الجواز، فبيّن بفعله أن النهي السابق إنما هو للكراهة. وهو مذهب الحنابلة. وقيل إن النهي منسوخ (٤).

стр. 263

الرابع: الإجماع على الخصوصية، كإجماعهم على تحريم الزيادة على أربع نسوة. واختصاصه ﷺ بإباحة ذلك. الخامس: القياس الجلي، كتحريم نكاح امرأة تكره صحبته. لأنه إذا وجب عليه طلاق من تكره صحبته ممن قد تزوجهن، فأن لا يبتدئ نكاح الكارهة أولى. ودليل وجوب الطلاق عليه في تلك الحال قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتنَّ تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتِّعكن وأسرِّحكن سراحاً جميلاً﴾ (١). الخصائص التي تدخل في موضوع بحثنا: لا يدخل في بحثنا الآتي، ما شاركته أمته ﷺ فيه وانفردوا به عن سائر الأنبياء وأممهم، لأن الغرض بيان ما تقتدي به الأمة فيه من أفعاله ﷺ ، والذي تشاركه فيه الأمة أمره واضح لا خفاء به. وأيضاً لا يدخل في بحثنا ما كان من الخصائص في أفعاله ﷺ في الآخرة، لخروجها عن نطاق التكليف. ولا يدخل ما كان صفة من صفاته البدنية، كخاتم النبوّة، وسائر ما ليس من أفعاله ﷺ . فانحصرت الخصائص النبوية التي سنبحثها في هذا الفصل، في ما كان حكماً شرعياً لفعل من أفعاله ﷺ ، في هذه الدنيا، مما ينفرد به عن أمته، سواء شاركه فيه غيره من الأنبياء، أو لم يشاركه فيه منهم أحد. وأما ما كان من الخصائص في فعل غيره بسببه، فسنذكر الاستدلال به بعد ذكر الاستدلال بالخاص من أحكام أفعاله ﷺ .

стр. 264

درجات خصائصه ﷺ في سُلّم الأحكام: يقسم الفقهاء خصائصه ﷺ في أفعاله إلى ثلاثة أنواع: ١ - أفعال واجبة عليه خاصة، كتخيير نسائه. وفائدة تخصيصه بالوجوب عند الفقهاء، زيادة الأجر والثواب، لأن ثواب الفرض أكثر من ثواب النفل. ٢ - وأفعال محرمة عليه خاصة، كتبدّل أزواجه، ونكاح من لم تهاجر معه. وفائدة تخصيصه بالتحريم عندهم كمال التطهير والتنزيه، ولأن أجر ترك المحرم أكثر من أجر ترك المكروه. وليس ما ذكر من فائدة تخصيصه بالوجوب والتحريم مطّرداً في كل الخصائص، كما هو واضح. وقد ذكرنا الأوجه الستة لخصائصة في ما تقدم. ٣ - وأفعال مباحة له خاصة، كالزيادة على أربع زوجات. ولم يذكروا في خصائصه المندوب ولا المكروه. أما المندوب، فالظاهر أنه ثابت في خصائصه ﷺ ، وعندي أن من ذلك الوصال. والفقهاء يذكرون الوصال في قسم المباح. ونسبه السيوطي إلى الجمهور. ولكن ذكره في المندوب هو الصواب، كما لا يخفى، وبه قال الجويني (١)، وأبو شامة (٢). ويفهم من كلام الشاطبي أنه لا يرى الوصال من الخصوصيات (٣). ومثل الوصال في ذلك القسم بين الزوجات، فهو مندوب له لا شك في ذلك. وأما المكروه له خاصة فلم نظفر له بمثال. ومن أجل وقوع المندوب له في خصائصه ﷺ ، فالذي نراه أن نقسم

стр. 265

خصائصه أربعة أقسام لا ثلاثة، إلّا أن يعبر بدل المباح بالجائز ليشمل ما ذكرناه في قسم المندوب. والله أعلم. ونلاحظ في النوع الثالث وهو المباح له خاصة أنه ينقسم ثلاث أقسام (١): الأول: أن يكون مباحاً له، وحكمه على الأمة الوجوب. والثاني: أن يكون مباحاً له وحكمه في حق الأمة التحريم، وذلك مثل الزيادة على أربع نسوة، إذ هو علينا محرم. والثالث: أن يكون مباحاً له وحكمه على الأمة الكراهة، وهذا قليل، ومنه القضاء والفتيا حال الغضب. وأما أن يكون مباحاً له وحكمه في حقنا الندب، فلم نظفر له بمثال. ما يمتنع الاختصاص فيه: ١ - لاحظ الحافظ العلائي أن النبي ﷺ لم يختص في باب القربات والتعظيم بالترخص في شيء (٢)، يعني بذلك أن ما كان واجباً على غيره من الأمة من العبادات، وتعظيم الله، وتعظيم شعائر الله، فلا يكون له ﷺ خصوصية بأن يكون ذلك في حقه مباحاً أو مندوباً. وذلك واضح، فإنه ﷺ يخص بإيجاب ما ندب إليه غيره من العبادات، كالتهجد، زيادة في الزلفى والقربة، فكيف يرخص له في ترك ما وجب على غيره منها وهو ﷺ الناس بالتزام القرب والطاعات والتعظيم، لقوة علمه بالله تعالى. وكذلك ما حرّم على الناس تعظيماً لحرمات الله، لا يرخص له ﷺ في فعله. ورد العلائي بهذه القاعدة قول من زعم أن استدبار النبي ﷺ القبلة عند قضاء الحاجة كان خصوصية له، لأن ما ورد من النهي عن استدبارها إنما هو لتعظيم شعائر الله، وتكريمها.

стр. 266

وقوله في ذلك وجيه. ٢ - ولاحظ السرخسي ملاحظة أخرى. وهي أن ما كان واجباً على غيره ﷺ من أقوال معينة في مواقع معينة، فلا يجوز أن يختص بعدم إيجابه، قال: "فإن معنى الخصوصية هو التخفيف والتوسعة ......... وقد كان ﷺ أفصح الناس، وما كان يلحقه حرج في استعمال اللفظ (الواجب) (١) ورد بهذا الأصل قول الشافعي إن انعقاد النكاح بلفظ الهبة خاص بالنبي ﷺ ". ونحن نتوسّع في هذه القاعدة، فنقول: كل ما لم يكن فيه حرج على النبي ﷺ في اختيار من قول أو فعل، فلا يكون خاصاً به، بل هو مشترك. ويمكن الاستفادة من ذلك أيضاً في رد قول من زعم أن استدباره ﷺ للكعبة في قضاء الحاجة خاص به، إذ التوجّه إلى الجهات المختلفة سواء من حيث الخفة والثقل. والله أعلم. عدد الخصائص: ذكر صاحب كشف الظنون أن السيوطي ذكر في (الخصائص الكبرى) أنه تتبع الخصائص عشرين سنة حتى زادت عنده على الألف. وهو قد قصد أن يكون كتابه: "مستوعباً لما تناقلته أئمة الحديث بأسانيدها المعتبرة، ... أورد فيه كل ما ورد" (٢). غير أنه لم يلتزم الصحة، إنما التزم أن لا يذكر خبراً في ذلك موضوعاً. ويفهم من ذلك أنه لم يلتزم ترك الضعيف من الأخبار، فورد في كتابه أخبار ضعيفة كثيرة. بل ادّعى محقق الكتاب (٣) أن السيوطي لم يلتزم بشرطه في تنزيه كتابه عن الأخبار الموضوعة (٤).

стр. 267

وما صحّ الخبر فيه مما أورده، كثيراً ما لا يكون دالاًّ على الاختصاص، كإجابة الدعاء (١)، فالله تعالى يستجيب لمن دعاه من نبي وغيره. وبعض ما ذكره من الاختصاص دعوى لا سند لها (٢). فلو أن ما جعله من الخصائص عُرِض على ميزان النقد لما ثبت منه في تقديري أكثر من ثلث الألف أو ربعه. وهذا في الخصائص بصفتها العامة. أما ما اختصّ به ﷺ في أحكام أفعاله، فإن بعض فقهاء الشافعية والمالكية ذكروها في مؤلفاتهم في أوائل كتاب النكاح (٣)، لما كان كثير من خصائصه ﷺ هي في باب النكاح. وأول من استطرد إليها المزني صاحب الشافعي ﵄. وقد ذكرها القرطبي المالكي بالتفصيل، وحصرها في ٣٧ خاصة، قال: إن منها المتفق عليه، والمختلف فيه (٤). وذكرها السيوطي، فجعلها ٦٥ خاصة. وذكرها الرملي الشافعي في شرح المنهاج فجعلها ٤٧ خاصة. ولعلّ ما يصح دليله من كل ما ذكر قريب من خمس عشرة خاصة لا أكثر. منها في الواجبات: التهجد بالليل، وتخيير نسائه. ومنها في المحرمات تحريم الزكاة عليه وعلى آله، وتحريم أكل الأطعمة الكريهة الرائحة، وتحريم التبدل بأزواجه.

стр. 268

ومنها في الجائزات: خُمس خُمسِ الغنيمة، وخمس الفيء، والوصال، والزيادة على أربع نسوة، وسقوط القسم بين زوجاته، والقتال بمكة. الاستدلال بأفعاله ﷺ الخاصة به في الأحكام المماثلة: إذا ثبتت الخصوصية في فعل من أفعال النبي ﷺ فإنها تقتضي أن حكم غيره ليس كحكمه وذلك إجماع (١)، إذ لو كان حكمه حكم غيره لما كان للاختصاص معنى. ومن أجل ذلك كانت فائدة معرفة الخصائص معرفة أن حكم غيره ﷺ ليس كحكمه فيها، ولئلا يقتدي بها جاهل إذا سمع الحديث مثلاً أن النبي ﷺ فعل كذا. هذا ما يذكره الفقهاء من فائدة معرفتها (٢). إلاّ أن المهم ثبوت الخصوصية بدليل صحيح، أعني بصحته صحة الثبوت، بالإضافة إلى صحة الدلالة على الخصوصية. وليس كل ما ذكره المؤلفون من الخصوصيات صحيحاً، كما تقدم. وقد تتبّع ابن حجر في (تلخيص الحبير) (٣) ما ذكره الرافعي في شرح الوجيز من الخصائص، وهي التي يتناقلها الفقهاء، فزيّف أدلة بعضها كوجوب ركعتي الفجر، وبين عدم صحة دعوى الخصوص في بعض آخر، وأثبت أن الاشتراك أصحّ. ثم إنه وإن امتنعت مشاركتنا للنبي ﷺ في خصوصياته، فإن للاقتداء به فيها وجهاً واضحاً، فإنه إذا امتنع من أكل الثوم والبصل لكونهما محرمين عليه خاصة، فيتّجه أن يقال: إن من اقتدى به في الامتناع من ذلك يؤجر، ويكون في حقه مكروهاً، وإذا وجب عليه تخيير نسائه إذا بدا منهن الضيق، استُحِبَّ ذلك لغيره.

стр. 269

وفي هذه المسألة للعلماء قولان: القول الأول: ما قاله الشوكاني: "توقف إمام الحرمين (١) في أنه هل يمتنع التأسي به ﷺ في ذلك أم لا. وقال: ليس عندنا نقل لفظي أو معنوي في أن الصحابة كانوا يقتدون في هذا النوع، ولم يتحقق عندنا ما يقتضي ذلك. فهذا محل التوقف" (٢). وقال أبو شامة: تابع القشيريّ والمازريّ إمامَ الحرمين على ذلك. وقال الغزالي: ما عرف أنه خاصيته فلا يكون دليلاً في حق غيره (٣). أقول: وابن السبكي في جمع الجوامع وشارحه، وافقا الجويني على ما ذهب إليه، فقد ذكر ابن السبكي أن حكم الفعل المخصّص (واضح) وفسره المحلي بأننا (لسنا متعبدين به) وذكر البناني عن (شيخ الإسلام) (٤) أن مرادهما أن الفعل الخاصّ لا يكون دليلَاً في حقنا، ولا يمتنع أن يكون الدليل شيئاً آخر كالقول مثلاً (٥). هذا وإن أكثر ما نُقِل من خصائصه ﷺ بُيِّن الحكم فيه في حقنا بأدلة مستقلة، كاستحباب الضّحى والأضحى والوتر والتهجد في حقنا للأدلة القولية الواردة في ذلك. وتخيير المرأة الكارهة نوع من الإحسان، والإحسان مطلوب شرعاً. وككراهية أخذ الزكاة والصدقة في حقنا، وكراهة أكل ما له ريح كريهة كالبصل والثوم. ولعل الجويني ومن وافقه ذهبوا إلى ما ذهبوا إليه لهذا المعنى، فإن معرفتنا بكون هذه الأمور وأشباهها مستحبة لنا أو مكروهة إنما منشؤه الأدلة الخاصة الواردة

стр. 270

بذلك، وإنما الدليل الذي يدل على صحة القاعدة قول الشارع، أو الإقرار، أو عمل الصحابة، ولم يتحقق شيء من ذلك عند الجويني ومن تبعه. والقول الثاني: ما قاله أبو شامة (١) فإنه يرى أن الاقتداء به ﷺ ممنوع في ما أبيح له خاصة، لدلالة الخصوصية على امتناع ذلك في حق غيره. وأن الاقتداء به ﷺ على سبيل الاستحباب ثابت فيما فعله على سبيل الوجوب، وفي ترك ما تركه على سبيل الحرمة. فيندب لنا على هذا القول: فعل ما فعله ﷺ مما اختصّ به من الواجبات، ويندب لنا التنزه عما تركه مما اختصّ به من المحرمات. فخصوصيته ﷺ ، على هذا القول، إنما هي في تحتم الفعل أو الترك بالنسبة إليه، والمشاركة بيننا وبينه هي في أصل مطلوبية الفعل أو الترك المقتضية للاستحباب أو الكراهة، وتمتنع المشاركة في ما زاد على ذلك وهو تحتّم الفعل أو الترك، لدلالة الخصوصية على هذا الامتناع. وقال أبو شامة: إن ما ذكره "لا نزاع فيه لمن فهم الفقه وقواعده، ومارس أدلة الشرع ومعاقده ومعانيه". وقد نقل الشوكاني بعض كلام أبي شامة، ووافقه على ما ذهب إليه (٢). ونقله قبله الزركشي في البحر وأقرَّه. إلاّ أن الشوكاني قيّد هذه المسألة بأنه إذا علم بدليل قوي الحكم في حقنا فهو المعتمد، فإن عارض القول ما يستفاد من هذه القاعدة يقدَّم الدليل القولي. ويفهم من كلام أبي شامة أنه يدلل لقوله بوجهين: الأول: البناء على القواعد الشرعية. ولم يبيّن القاعدة التي يشير إليها. ولعله يعني أن ما أمر به ﷺ لا بد أن يكون مصلحة، وذلك يعني أنه في حقّنا كذلك

стр. 271

مصلحة، فيكون مستحباً. وإن ما نهى عنه لا بد أن يكون مفسدة، فيكون في حقنا مكروهاً. وامتنع التحتّم الذي هو الإيجاب والتحريم بدليل الخصوصية. فإن كان هذا مقصوده، فلا يسلّم له، إذ قد يكون الشيء مصلحة لشخص ولا يكون مصلحة لآخر، كالصوم، هو مصلحة للطاهر، وليس مصلحة للحائض، وكالقصر هو مصلحة للمسافر، وليس مصلحة للمقيم. وهكذا يقال في جانب المفسدة. الثاني: أنه قد ورد عن الصحابة الاقتداء به ﷺ في الفعل الخاص. ومن ذلك أن ابن عباس ائتم بالنبي ﷺ في صلاة الليل. وقد امتنع النبي ﷺ من أكل طعام في منزل أبي أيوب الأنصاري، كان فيه ثوم، فقال أبو أيوب: "إني أكره ما تكره" ولم ينكر ذلك عليه، ﷺ (١). وهذا أيضاً غير مسلّم، أما ائتمام ابن عباس بالنبي ﷺ في صلاة الليل، فإن استحباب صلاة الليل معلوم بدلالة الكتاب والسنة القولية كما لا يخفى، فلا يكون دليلاً في المسألة. وأما قول أبي أيوب: "فإني أكره ما تكره". فهو محمول على أنه للكراهة الطبيعية، لا للكراهة الشرعية. وبذلك لا يثبت دليل القاعدة، الذي أراد أبو شامة ﵀ إثباتها له. إلاّ أننا نرى أن استقراء الخصائص الواجبة والمحرمة (وعددها ما بين خمس وثلاثين عند السيوطي إلى تسع عشرة كما عدَّها الرملي والقرطبي) يُظهر أن هذه القاعدة صادقة على جميع هذه الجزئيات. ما عدا تحريم الكتابة والشعر (٢) عليه ﷺ

стр. 272

عند من عدَّهما من الخصائص، والمقصود بتحريمهما عليه تحريم تعاطي أسبابها الموصلة إليهما، فإن الكتابة والشعر لا يُكْرهان في حق الأمة إذا استعملا في مباح. فإن لم تثْبت قاعدة أبي شامة، بما استدَلَّ به لها، فإن الاستقراء يُغلِّب على الظن صحتها. والله أعلم. هذا وإن أغلب ما اختصَّ به النبي ﷺ في باب الوجوب والتحريم، يعلم حكمه في حقنا بأدلة غير الأفعال. ومن أجل ذلك كانت فائدة هذه القاعدة ضئيلة في استفادة الأحكام الشرعية من الأفعال الخاصة، إذ إنها تحصيل حاصل. ويجوز استعمالها للتوكيد والاستئناس. ونحن نرى لها فائدة أخرى. وذلك أن كثيراً من العلماء في شروحهم للأحاديث، والجمع بين الأحاديث القولية والفعلية، كثيراً ما يحملون الحديث الفعلي على أنه من خصائصه ﷺ . فإن كانت الخصوصية بالإيجاب أمكن معرفة صحة ذلك من عدمها، باستخدام هذه القاعدة: فإن وجد أن الحكم في حقنا ليس الاستحباب، بل الإباحة أو الكراهة أو التحريم، يتبيّن أن الحمل على الخصوصية فاسد. ونظير ذلك يقال في الخصوصية بالتحريم. وكمثال تطبيقي لذلك نذكر مسألة عدّ تحريم الكتابة والشعر من الخصائص النبوية. فالمشهور أنه ﷺ لم يكن يقدر عليهما، ولو أراد تعلمهما لما أمكنه ذلك. فخرجا على هذا القول في حقه ﷺ عن نطاق التكليف، وهو الراجح. أما على القول المرجوح، وهو أنه كان قادراً عليهما، فقد ادّعى قوم تحريمهما عليه، وإن ذلك من خصائصه. وذلك مردود، بناء على هذه القاعدة إذ لو كانا في حقه حراماً لكانا في حقنا مكروهين، وذلك ممنوع. فتنتفي الخصوصية. والله أعلم. ما يختص به ﷺ في أفعال غيره: وذلك ما شرعه الله تعالى من الأحكام من فعل غيره بسببه ﷺ ، تعظيماً لمقامه ورفعاً لشأنه. ومنه أنه لا يرثه أحد من أقاربه ولا زوجاته، ومنه أن ما تركه

стр. 273

من ماله صدقة، وأنه لا يحل لأحد نكاح زوجاته بعده، وأنهن أمهات المؤمنين، ومن فعل منهن معصية يضاعف لها العذاب ضعفين، ومن يقنت منهن لله ورسوله فلها الأجر مرتين، وتحريم رفع الصوت فوق صوته، والكذب عليه عمداً كبيرة، ويجب القتل على من سبه أو هجاه. هل يصحّ تعدية هذه الخصائص إلى غير النبي ﷺ : ينقل عن بعض الصوفية أنه ادّعى لنفسه في أتباعه أشياء من مثل هذا النوع من الخصائص. فنُقل عن بعضهم أن الوليّ في أتباعه ومريديه كالنبي ﷺ بين أصحابه، ولهذا يجعلون لشيوخهم من الخصائص مثل ما هو ثابت لرسول الله ﷺ ، فلا يجوز عندهم نكاح امرأة الشيخ بعد موته، ولا يجوز رفع الصوت عنده (١). إن ما تقدم ذكره من الإجماع على عدم جواز الاشتراك فيما ثبت من خصائصه ينفي دعوى مشاركة (الأولياء) في خصائصه ﷺ . ولما كانت خصائصه ﷺ لا تدل في حقنا على المماثلة، فلذلك يكون من حرَّم على الناس لنفسه مثل ما حرّم عليهم لرسول الله ﷺ ، قد حرم ما ليس حراماً، وذلك لا يجوز. وكذا من أوجب عليهم لنفسه مثل ما وجب عليهم لرسول الله ﷺ فقد أوجب ما ليس بواجب وذلك لا يجوز. وقد ورد عن أبي برزة الأسلمي، قال: أغلظ رجل لأبي بكر الصديق. قال، فقال أبو برزة: ألا أضرِبُ عنقه؟ قال: فانتهزه أبو بكر، وقال: ما هي لأحد بعد رسول الله ﷺ (٢). فلو كان للوليّ أن يكون له مشاركة في هذا النوع من الخصائص، لكان أولى الناس بذلك، صدّيق الأمة أفضلها بعد نبيها وأكرم (أوليائها) على الله.

стр. 274

خاصة التبرك بآثاره ﷺ : من خصائصه ﷺ التبرك بآثاره والاستشفاء بها، فقد نقل أنه ﷺ دعا بقدح فيه ماء، فغسل يديه ووجهه، ومجَّ فيه، ثم قال لأبي موسى وبلال: اشربا منه، وأفرغا على وجوهكما، ونحوركما. وتوضأ وصب على جابر، وأمر بشعره أن يقسم بين المسلمين. وكان إذا توضأ يقتتلون على وضوئه. وبعض ثيابه كانت تغسل بعده ويعطى ماؤها للمرضى. وجمعت أم سليم عرقه لتطّيّب به. وشرب بعضهم دم حجامته ﷺ . وحنّك بعض صبيانهم بالتمر. والدليل على أن هذا من خصائصه ﷺ ، أن الصحابة ﵃ لم يتبرَّكوا بأفاضلهم. وليس في الأمة بعد نبيّها أفضل من أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي. فلم ينقل عن أحد منهم، ولو حادثة واحدة، أنهم تبركوا بهؤلاء الأولياء الأربعة أو غيرهم (١). فهذا إجماع على الترْك. والتبرك هنا ليس له وجه إلاّ اعتقادهم أن ذلك خاص به ﷺ . إذ لو كان للتشريع لعملوا به ليبينوه للأمّة. وقد ذكر الشاطبي احتمالاً أنهم تركوه من باب سدّ الذرائع. لئلا يصل الجهال منه إلى عبادة غير الله. ومن أجل ذلك كانت المسألة عند الشاطبي مشتبهة (٢). إلاّ أن هذا الاحتمال لا ينبغي أن يُلغي دلالة الإجماع، إذ إن أكثر الأدلة الشرعية ظنية، وتطرقها بعض الاحتمالات الضعيفة، ولا يبطل ذلك العمل بها. والله أعلم.

стр. 275

المبحث السَّادسُ الفعل البياني تقدم في الفصل الأول أن البيان بالفعل جائز وواقع. ويهمنا هنا أن نذكر ما يستفاد من الأحكام من الفعل الواقع بياناً. وقد قدمنا أن مرادنا بالفعل البياني، ما وقع بياناً للمشكل من مجمل وغيره مما ورد في القرآن وتكفلت السنة ببيانه، وهو الذي نقصده هنا أيضاً، أما الفعل الواقع بياناً ابتدائياً فهو من الفعل المجرد، وسيأتي ذكره في الفصل التالي إن شاء الله. جهات الفعل البياني: للفعل البياني ثلاث جهات، يستفاد من كل منها نوع من الأحكام: الجهة الأولى: جهة أنه امتثال للأمر أو النهي في العبادة، فإذا بيّن ﷺ آية الحج بأن حج وقال لهم: "خذوا مناسككم لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا" فإن حجّه في حدّ ذاته امتثال لما أوجب الله عليه من الحج، ويجزيء عنه، فيسقط عنه الفرض بذلك. ويعترض هنا سؤال، وهو أنه هل يمكن أن يتجرّد الفعل البيانيّ عن جهة الامتثال هذه، فيتخلّص بياناً؟. وصورة ذلك أن يأتي ﷺ بفعل هيئته هيئة العبادة، وهو لا يقصد العبادة، وإنما يقصد مجرد التعليم، كما يفعله المعلّمون أحياناً من أداء صورة الصلاةِ مثلاً، على سبيل التمثيل لطلبتهم، دون أن يقصدوا الصلاة.

стр. 276

يفهم من كلام البناني (١) أنه يرى أن البيان والامتثال "يحصل بكل منهما الآخر" فظاهر هذا أنه لا يتصوّر انفصال الفعل البيانيّ عن الامتثال. وقد ورد في حديث عند ابن ماجه والبيهقي، أنه النبي ﷺ توضأ مرة مرة، ثم قال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلاّ به". ثم توضأ مرتين مرتين، وقال: "من توضأ مرتين آتاه الله أجره مرتين". ثم توضأ ثلاثاً ثلاثاً، وقال: "هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي". قال القاضي حسين من الشافعية: من أصحابنا من قال: فعل رسول الله ﷺ هذه الوضوءات في مجالس، لأنه لو كان في مجلس واحد لصار غسل كل عضو ست مرات، وذلك مكروه. قال: ومنهم من قال: كان ذلك في مجلس واحد للتعليم، ويجوز مثل ذلك للتعليم. قال النووي: "ظاهر رواية ابن ماجه أنه كان في مجلس واحد. وهذا كالمتعين، لأن التعليم لا يكاد يحصل إلا في مجلس واحد" (٢). اهـ. فالوضوء الأخير من الثلاثة كان تمثيلاً لمجرد البيان. فإن صحّ الحديث كان دليلاً أنه ﷺ كان يفعل أحياناً لمجرد البيان. ومثال آخر: أنه ﷺ قال لعمّار بن ياسر حين أراد أن يعلمه التيمم: "إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا .. " الحديث. فلا يبعد أنه ﷺ كان متوضئاً وأن ما فعله من التيمّم صوري. وحتى لو لم يكن متوضئاً فالظاهر أنه كان بالمدينة، والتيمّم للحاضر لا يجزئ. ومن جهة أخرى، قد تنفرد جهة الامتثال، فيكون الفعل امتثالاً مجرداً من دون أن يكون بياناً لشيء. ومن ذلك ما كان ﷺ يفعله في خلواته مما لا يطّلع عليه أحد من الأمة "لأن ما أريد به البيان يلزم إظهاره" (٣).

стр. 277

وما كان الممتثل بيّناً بنفسه كغسل اليدين في الوضوء. أو سبق بيانه بقول أو فعل، كما بيّن المواقيت بصلاته يومين متواليين، فصلاة اليوم الثالث ليست بياناً للوقت. الجهة الثانية: جهة أنه امتثال لما أمر به من البيان. وهو من هذه الجهة واجب أو مستحب كما تقدم. وقد يختلف حكم الفعل الواحد من هاتين الجهتين، فيكون مندوباً من حيث إنه امتثال للأمر بعبادة مندوبة، واجباً من حيث إنه امتثال للأمر بالبيان، كما لو بيّن بفعله صلاة مندوبة. والقدوة حاصلة بأفعاله ﷺ من هذه الناحية. والمقتدي به فيها هم أهل العلم والدعوة، والقائمون مقامه في بيان الأحكام للأمة، وليس العوام من لا علم عنده. ولم يزل القائمون على الدعوة والتربية يتأسّون به ﷺ في كيفية بيانه للأحكام من انتهاز الفرص لها، والتخول بالموعظة، والبداءة بالأهم، والتدرج في البيان، إلى غير ذلك من النواحي التي يذكرها الكاتبون في مباحث التربية الإسلامية، ومباحث الدعوة. وينظر حكم الاقتداء به ﷺ في كيفيات البيان في مبحث (الفعل الامتثالي). الجهة الثالثة: جهة ما يحصل بالفعل من البيان، فيعلم به تفاصيل الفعل الذي أمرنا به، ويعلم أنه واجب في حقنا أو مندوب أو مباح، وذلك بتعلقه بما هو بيان له، فإن تعلق بآية دالة على الوجوب، دلّ على الوجوب، وإن تعلق بآية دالة على الندب دلّ على الندب، وإن تعلق بما دل على الإباحة دلّ على الإباحة، كما سيأتي إن شاء الله. وهذه الجهة هي المرادة غالباً في كلام الأصوليين عند ذكرهم الفعل البياني.

стр. 278

الفرق بين الفعل البياني والفعل الامتثالي: البيان يكون لغة بمعنى (الإظهار) ويكون بمعنى (الظهور) والبيان في مصطلح الأصوليين اختلفوا فيه على ثلاثة أوجه: إنه بمعنى (تبيين الحكم)، أو بمعنى (دليل الحكم)، أو بمعنى (العلم بالحكم الحاصل عن الدليل) (١). واختار البزدوي أنه بمعنى (التبيين)، وهو الذي نعتمده في هذا المبحث. فالبيان هو القول أو الفعل الصادر عن المبيّن بقصد إظهار المراد بالمجمل ونحوه. وعلى هذا فالفعل البياني هو الفعل الذي قصد به النبي ﷺ بيان مشكل في الأحكام الشرعية. أما ما فعله ﷺ لا بقصد التبيين، وإنما لمجرد أن الله أمره أن يفعل ففعل، على حدّ ما يفعل غيره من المكلفين، فذلك هو الفعل الامتثالي. وليس المراد القصد العام لبيان الشريعة ككل. فإن هذا القصد كان ملازماً للنبي ﷺ طيلة حياته بعد البعثة. وإنما المراد القصد الخاص، بان يريد أن هذا الفعل المعيّن هو بيان لهذا المشكل المعين. ما يعرف به الفعل البياني: أنكر المروزيّ الشافعي، والكرخي الحنفي، جواز البيان بالفعل. والجمهور على جوازه. وقد تقدم ذكر ذلك. واختلف الجمهور القائلون بجوازه، في أن الفعل هل يكون بياناً بنفسه؟.

стр. 279

فالأكثرون على أن الفعل لا يكون بياناً، إلاّ بقرينة تدلّ على أنه بيان (١). والقرينة التي تبيّن أن الفعل الواقع هو بيان، اشترط صاحب (الكبريت الأحمر) أن تكون قولَاً، ورأى أن غير القول لا يقوم مقامه ما لم يتكرر الفعل (٢) [على صفة واحدة]. وقد حصر صاحب المحصول القرائن في ثلاثة: أن يعلم ذلك بالضرورة من قصده، أو بالقول، أو بالدليل العقلي، بأن يذكر الممُجْمل وقت الحاجة إلى العمل به ثم يفعل فعلاً يصلح أن يكون بياناً. وقال: لا يحصل البيان إلاّ بأحد هذه الأمور الثلاثة (٣). وغيره جعل كل ما فيه دلالة بياناً، وجعل أيّ قرينة تدل على ذلك دالّة على كونه بياناً. فذكر الغزاليّ في المستصفى سبع طرق، وذكر أبو شامة ثمانياً (٤). ونحن نورد منها هنا ما يتعلق بهذا الموضوع ونترك باقيها إلى مواضع هي بها أليق. وعندي أن مبنى اختلافهم قي هذا هو اختلافهم في ما يعبّرون عنه بـ (البيان) فمن رأى أن البيان هو (الدليل) أو العلم الحاصل عنه جعل كل ما يستدل به من الأفعال بياناً. ومن جعل (البيان) هو (التبيين)، أي فعل المبين، فقد حصر طرق معرفة الفعل البياني في ما يدل على قصد الإظهار (٥). وهذا هو الذي نعتمده في هذا المبحث، لأنا قد خصصناه بـ (الفعل البياني)، وجعلنا للفعل الامتثالي مبحثاً خاصاً، وبيَّنَّا أنه يستدل به أيضاً.

стр. 280

أما من جعل كلَّ فعل يستدل به في الأحكام بياناً، فلا يستقيم له أن يذكر في أقسام الفعل، البيانيَّ والامتثاليَّ كليهما معاً. وبناء على ما اعتمدناه، فإن الأفعال الواقعة من النبي ﷺ يستدل على أنها بيان بطرق مختلفة: الطريق الأولى: القول الصريح، بأن يقول ﷺ : ما فعلته، أو: ما سأفعله، هو بيان لكذا. وهذه أعلى الطرق. ومثاله قول النبي ﷺ لعمار بن ياسر لما أراد أن يعلمه التيمم: "إنما كان يكفيك أن تقول هكذا، ثم ضرب بيده إلى الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه، ووجهه" (١). فمسح الكفّين يبيّن به الإشكال في المراد باليد في آية التيمم. والبيان هنا هو الفعل، وليس القول هو البيان. والذين قالوا: لا يكون البيان بالفعل، قالوا: القول هنا هو البيان. وقال في تيسير التحرير: الأولى أن يقال: القول لزيادة البيان (٢). والصواب ما قاله أبو الحسين البصري من أن القول معلِّق للبيان على الفعل (٣). وهذا ما اعتمدناه، إذ جعلنا القول هنا طريقة يُستدلّ بها على كون الفعل بياناً. وبالله التوفيق. وهذه الطريق مرحلتان: المرحلة الأولى: أن يقول إن الفعل بيان، ولا يعيّن ما هو بيان له، ويتعيّن بالقرائن. كما تقدم من قوله ﷺ في التيمم.

стр. 281

المرحلة الثانية: أن يعيّن بقوله ما هو بيان له، كأن يقول: هذا الفعل بيان لآية كذا وكذا. ولم نظفر لهذه المرحلة بمثال. والعمدة في تعيين المبيَّن على ما يأتي من الطرق سوى القول. الطريق الثانية: إجماع العلماء على أن الفعل المعيّن بيان لآية معينة. كإجماعهم في أعداد الركعات في الصلوات، وما فيها من الأركان التي اتفقوا عليها أن ذلك بيان للصلاة المأمور بها في الكتاب. وأن مقادير الزكاة التي أخذها ﷺ هي بيان للزكاة المأمور بها. الطريق الثالثة: أن يرد خطاب مجمل، ولم يبيّنه ﷺ بالقول، وأتى وقت التنفيذ، ففعَل ﷺ أمامهم فعلاً صالحاً للبيان، فيعلم الحاضرون أنه بيان لذلك المجمل. هذا بالنسبة إلى من شاهد الفعل الواقع بعد المجمل. أما بالنسبة إلى من لم يشاهده، كغير الصحابي، فإننا إذا بلغنا الفعل النبويّ يحتمل عندنا أنه ﷺ كان قد بيّنه بالقول ولم يبلغنا. فيكون الظاهر عندنا أن الفعل بيان. قاله الغزالي (١). ومثاله أنه تعالى أمر بالوقوف بعرفة، ولم يذكر وقت الوقوف، فوقف النبي ﷺ تاسع ذي الحجة، فتبيّن بذلك وقته للواقفين معه. ومثاله في جانب المحرّمات: إن الله حرّم الميتة، فاحتمل دخول الجراد في ذلك، فلما أكله ﷺ أمامهم، أو أقرّ آكليه وهو يراهم يفعلون، عُلِم عدم دخوله في الميتة المحرمة. الطريق الرابعة: أن يُسأل ﷺ عن بيان مشكل، فيفعل فعلاً، ويعلم بقرائن الأحوال أنه يريد جواب السائل (٢)، كالذي سأل النبي ﷺ عن مواقيت الصلاة، فقال: "صل معنا" فصلّى في اليوم الأول في أول الوقت، وصلى في اليوم الثاني في آخره، فعلم بذلك، أول الوقت وآخره. ولما قال ﷺ : "أين السائل،

стр. 282

الوقت ما بين هذين" (١). زاد ما علم من القرائن توكيداً، وانتقل بذلك إلى الطريقة الأولى. الطريق الخامسة: وقد قرّرها أبو نصر القشيريّ، وخلاصتها أن يعتبر الفعل بياناً للمجمل، إن كان المجمل قد ورد، وفعل النبي ﷺ ما يصلح أن يكون بياناً لذلك المجمل، ولم تقترن بالفعل قرينة تدل على أنه هو البيان، ولم يرد بيان آخر قولين ولا فعليّ، وتوفيّ النبي ﷺ قبل أن يرد بيان غير ذلك الفعل الصالح للبيان. قال القشيري: "لا يُخْتَرم ﷺ مع بقاء الالتباس في اللفظ المجمل. فيحمل فعله على البيان في مثل هذه الصورة إجماعاً من الأمة" (٢). ومثاله الجزية، إذ قد وردت مجملة، وأخذها النبي ﷺ بمقادير معينة. ما يدلّ عليه الفعل البياني من الأحكام: حكم الفعل البياني عند الأصوليين بحسب ما هو بيان له، فيرجع إلى المبيّن في معرفة حكمه. فإن كان الفعل بياناً لآية دالة على الوجوب، دلّ على الوجوب، كقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ بيّن ﷺ بفعله ميقات صلاة الظهر، مثلاً. فيجب إيقاعها في ذلك الوقت. وبيّن أنها أربع ركعات، فلا يجزئ غير ذلك. وبيّن ما فيها من القيام والركوع والسجود. فوجب الإتيان بها في الصلاة. وكذلك الجمعة، بيّن ﷺ بفعله أنها ركعتان. ودليل كون الفعل بياناً في أكثر هذه الفروع الإجماع. وإن كان المبيّن ندباً كان الفعل البيانيّ ندباً، كإقامة ثالث أيام التشريق بمنى إلى ما قبل الغروب. وكأفعال العمرة.

стр. 283

وإن كان إباحةً كان الفعل مباحاً (١). ويقول القرافي: "البيان يُعَدّ كأنه منطوق به في ذلك المبين (٢) فبيانه الحجّ الوارد في كتاب الله يعد منطوقاً به في آية الحج، كأن الله تعالى قال: ﴿ولله على الناس حِجّ البيت﴾ -على هذه الصفة- وكذلك بيانه لآية الجمعة، فَعَلها ﷺ بخطبة وجماعة وجامع وغير ذلك، فصار معنى الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نوديَ للصّلاة﴾ -التي هذا شأنها- ﴿من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾. وإذا كان البيان يعد منطوقاً به في المبين، كان حكمه حكم ذلك المبيّن، إن واجباً فواجب، أو مندوباً فمندوب، أو مباحاً فمباح" (٣). اهـ. الفعل البياني هل هو دليل الحكم ؟: قدّمنا أن الفعل البياني يفصِّل المراد بالمجمل، وحكم التفاصيل حكم المجمل، فأربع ركعات في الظهر حكمها الوجوب، لأن المبيّن بالفعل دالّ على الوجوب، وهو ﴿أقيموا الصلاة﴾. فمأخذ الوجوب على هذا، المجملُ نفسه، وليس في الفعل دلالة على الحكم. وبهذا صرّح عبد الجبار (٤)، وأبو الحسين البصري، وأبو يعلى الحنبلي (٥). قال أبو الحسين: "غير صحيح أن البيان يدلّ على الوجوب كما يدلّ المبيّن، لأن البيان إنما يتضمن صفة المبين، وليس يتضمّن لفظاً يفيد الوجوب" (٦). وقال في موضع آخر: "إذا كان الفعل بياناً لمجمل، وكان المجمل دالاً على الوجوب، عاد الفعل للوجوب، لكن الإيجاب بالمجمل، لا بالفعل، فالفعل لا يدل على الوجوب أساساً" (٧).

стр. 284

ويرى البنانيّ أن الحكم يكون له، بورود الفعل البيانيّ، دليلان: المجمل، والفعل نفسه. فيكون الفعل دليلاً مؤكداً، بالإضافة إلى أنه يفيد فائدة أخرى تأسيسية، هي وجوب الصفة التي لم تعلم إلاّ بالفعل. وكمثال على ذلك، الطواف الذي فعله النبي ﷺ بياناً لقوله تعالى: ﴿وليطوّفوا بالبيت العتيق﴾ يستفاد منه، بالإضافة إلى توكيد الوجوب المستفاد من الآية، وجوب صفته التي وقع عليها، ككونه سبعاً، والابتداء بالحجر، وجعْل الطائف البيت عن يساره (١). وعندي أن من قال إن الوجوب يستفاد من المجمل لا من الفعل نظر إلى أصل التأثير، فإن الفعل ساكت عن الطلب فلا يؤثِّر إيجاباً، والمؤثر للإيجاب هو الخطاب الآمر. ومن قال إن الوجوب يستفاد أيضاً من الفعل فقد نظر إلى أن الوجوب يمكن أن يعرف بالنظر في الفعل. فالفعل علامة على الوجوب، وليس هو المؤثر للوجوب. ثم هو يفيد أيضاً وجوب الصفة. الأجزاء غير المرادة من الفعل البيانيّ: المشكلة الكبرى في الأفعال البيانية، وخاصة في العبادات، أن النبي ﷺ كان يفعل الفعل بجميع أجزائه، الواجبة والمندوبة، ويفعل في أثنائه بعض الأفعال المباحة أيضاً، ولا ينفصل في بادي الرأي واجُبُه من مندوبِهِ من مباحه. وقد قال ابن الهمام: إن الاستقراء يدلّ على أن كثيراً من الأفعال البيانية تشتمل على أفعال غير مرادة من المجمل (٢). ويمثّل كثير من الأصوليين للفعل البيانيّ بصلاة النبي ﷺ ، ويجعلونها بياناً لآيات الأمر بإقام الصلاة، وبحجِّه ﷺ ، ويجعلونه بياناً لآية ﴿ولله على الناس حجّ

стр. 285

البيت﴾ ويقولون: إن دليل كون صلاته ﷺ ، وحجِّه، بياناً للآيتين، هو الطريق القولي، وهو قوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" وقوله: "خذوا عني مناسككم". ففي الصلاة كان ﷺ يقوم، فيرفع يديه حذو منكبيه، ويكبِّر، ثم يضع يديه على صدره، ثم يقرأ الفاتحة وسورة، سرّاً في بعض الصلوات، وجهراً في بعضها ... إلى آخر ما يذكر في صفة صلاته ﷺ . ومن المعلوم أن ذلك كله ليس بواجب، بل قد قال ابن قدامة: إن أكثر أفعال النبي ﷺ في الصلاة مسنونة غير واجبة (١). وكذلك صفة أداء المناسك، من طوافِ القدوم، والرَّمل، والاضطباع، وركعتي الطواف، والصلاة داخل الكعبة، والشرب من ماء زمزم، والسعي مع الهرولة، إلى غير ذلك. فما يقوله جمهور الأصوليين، من أن الفعل الواقع بياناً لواجب فهو واجب، مشكل. لأنه يقتضي أن جميع ما فعله ﷺ في الصلاة التي صلاها بياناً هو واجب، وكذلك جميع أفعاله في أخذ الزكاة، وفي الحج، وغير ذلك مما فعله بياناً. وهذا ما لا يقول به من الفقهاء أحد. قال ابن دقيق العيد في ما ورد أن النبي ﷺ كان يقرأ في الصلاة سورة بعد الفاتحة: "قد ادُّعي في كثير من الأفعال التي قُصِد إثبات وجوبها أنها بيان لمجمل. وهذا الموضع مما يحتاج إلى إخراجه من كونه بياناً، أو أن يفرق بينه وبين ما ادُّعي فيه كونه بياناً من الأفعال، فإنه ليس معه في تلك المواضع إلا مجرد الفعل، وهو موجود هنا" (٢). وقد تصدى لهذه المسألة أبو يعلى الحنبلي. وكان رأيه أن الجزء الذي أجمعوا على أنه بيان، يكون بياناً، وإلاّ فلا، قال: "ليس كل فعله ﷺ في الصلاة
следующие страницы →