المرحلة الثانية: أن يعيّن بقوله ما هو بيان له، كأن يقول: هذا الفعل بيان لآية كذا وكذا. ولم نظفر لهذه المرحلة بمثال.
والعمدة في تعيين المبيَّن على ما يأتي من الطرق سوى القول.
الطريق الثانية: إجماع العلماء على أن الفعل المعيّن بيان لآية معينة. كإجماعهم في أعداد الركعات في الصلوات، وما فيها من الأركان التي اتفقوا عليها أن ذلك بيان للصلاة المأمور بها في الكتاب. وأن مقادير الزكاة التي أخذها ﷺ هي بيان للزكاة المأمور بها.
الطريق الثالثة: أن يرد خطاب مجمل، ولم يبيّنه ﷺ بالقول، وأتى وقت التنفيذ، ففعَل ﷺ أمامهم فعلاً صالحاً للبيان، فيعلم الحاضرون أنه بيان لذلك المجمل. هذا بالنسبة إلى من شاهد الفعل الواقع بعد المجمل. أما بالنسبة إلى من لم يشاهده، كغير الصحابي، فإننا إذا بلغنا الفعل النبويّ يحتمل عندنا أنه ﷺ كان قد بيّنه بالقول ولم يبلغنا. فيكون الظاهر عندنا أن الفعل بيان. قاله الغزالي (١).
ومثاله أنه تعالى أمر بالوقوف بعرفة، ولم يذكر وقت الوقوف، فوقف النبي ﷺ تاسع ذي الحجة، فتبيّن بذلك وقته للواقفين معه.
ومثاله في جانب المحرّمات: إن الله حرّم الميتة، فاحتمل دخول الجراد في ذلك، فلما أكله ﷺ أمامهم، أو أقرّ آكليه وهو يراهم يفعلون، عُلِم عدم دخوله في الميتة المحرمة.
الطريق الرابعة: أن يُسأل ﷺ عن بيان مشكل، فيفعل فعلاً، ويعلم بقرائن الأحوال أنه يريد جواب السائل (٢)، كالذي سأل النبي ﷺ عن مواقيت الصلاة، فقال: "صل معنا" فصلّى في اليوم الأول في أول الوقت، وصلى في اليوم الثاني في آخره، فعلم بذلك، أول الوقت وآخره. ولما قال ﷺ : "أين السائل،
стр. 282
الوقت ما بين هذين" (١). زاد ما علم من القرائن توكيداً، وانتقل بذلك إلى الطريقة الأولى.
الطريق الخامسة: وقد قرّرها أبو نصر القشيريّ، وخلاصتها أن يعتبر الفعل بياناً للمجمل، إن كان المجمل قد ورد، وفعل النبي ﷺ ما يصلح أن يكون بياناً لذلك المجمل، ولم تقترن بالفعل قرينة تدل على أنه هو البيان، ولم يرد بيان آخر قولين ولا فعليّ، وتوفيّ النبي ﷺ قبل أن يرد بيان غير ذلك الفعل الصالح للبيان.
قال القشيري: "لا يُخْتَرم ﷺ مع بقاء الالتباس في اللفظ المجمل. فيحمل فعله على البيان في مثل هذه الصورة إجماعاً من الأمة" (٢).
ومثاله الجزية، إذ قد وردت مجملة، وأخذها النبي ﷺ بمقادير معينة.
ما يدلّ عليه الفعل البياني من الأحكام:
حكم الفعل البياني عند الأصوليين بحسب ما هو بيان له، فيرجع إلى المبيّن في معرفة حكمه.
فإن كان الفعل بياناً لآية دالة على الوجوب، دلّ على الوجوب، كقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ بيّن ﷺ بفعله ميقات صلاة الظهر، مثلاً. فيجب إيقاعها في ذلك الوقت. وبيّن أنها أربع ركعات، فلا يجزئ غير ذلك. وبيّن ما فيها من القيام والركوع والسجود. فوجب الإتيان بها في الصلاة.
وكذلك الجمعة، بيّن ﷺ بفعله أنها ركعتان.
ودليل كون الفعل بياناً في أكثر هذه الفروع الإجماع.
وإن كان المبيّن ندباً كان الفعل البيانيّ ندباً، كإقامة ثالث أيام التشريق بمنى إلى ما قبل الغروب. وكأفعال العمرة.
стр. 283
وإن كان إباحةً كان الفعل مباحاً (١).
ويقول القرافي: "البيان يُعَدّ كأنه منطوق به في ذلك المبين (٢) فبيانه الحجّ الوارد في كتاب الله يعد منطوقاً به في آية الحج، كأن الله تعالى قال: ﴿ولله على الناس حِجّ البيت﴾ -على هذه الصفة- وكذلك بيانه لآية الجمعة، فَعَلها ﷺ بخطبة وجماعة وجامع وغير ذلك، فصار معنى الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نوديَ للصّلاة﴾ -التي هذا شأنها- ﴿من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾. وإذا كان البيان يعد منطوقاً به في المبين، كان حكمه حكم ذلك المبيّن، إن واجباً فواجب، أو مندوباً فمندوب، أو مباحاً فمباح" (٣). اهـ.
الفعل البياني هل هو دليل الحكم ؟:
قدّمنا أن الفعل البياني يفصِّل المراد بالمجمل، وحكم التفاصيل حكم المجمل، فأربع ركعات في الظهر حكمها الوجوب، لأن المبيّن بالفعل دالّ على الوجوب، وهو ﴿أقيموا الصلاة﴾.
فمأخذ الوجوب على هذا، المجملُ نفسه، وليس في الفعل دلالة على الحكم. وبهذا صرّح عبد الجبار (٤)، وأبو الحسين البصري، وأبو يعلى الحنبلي (٥). قال أبو الحسين: "غير صحيح أن البيان يدلّ على الوجوب كما يدلّ المبيّن، لأن البيان إنما يتضمن صفة المبين، وليس يتضمّن لفظاً يفيد الوجوب" (٦). وقال في موضع آخر: "إذا كان الفعل بياناً لمجمل، وكان المجمل دالاً على الوجوب، عاد الفعل للوجوب، لكن الإيجاب بالمجمل، لا بالفعل، فالفعل لا يدل على الوجوب أساساً" (٧).
стр. 284
ويرى البنانيّ أن الحكم يكون له، بورود الفعل البيانيّ، دليلان: المجمل، والفعل نفسه. فيكون الفعل دليلاً مؤكداً، بالإضافة إلى أنه يفيد فائدة أخرى تأسيسية، هي وجوب الصفة التي لم تعلم إلاّ بالفعل.
وكمثال على ذلك، الطواف الذي فعله النبي ﷺ بياناً لقوله تعالى: ﴿وليطوّفوا بالبيت العتيق﴾ يستفاد منه، بالإضافة إلى توكيد الوجوب المستفاد من الآية، وجوب صفته التي وقع عليها، ككونه سبعاً، والابتداء بالحجر، وجعْل الطائف البيت عن يساره (١).
وعندي أن من قال إن الوجوب يستفاد من المجمل لا من الفعل نظر إلى أصل التأثير، فإن الفعل ساكت عن الطلب فلا يؤثِّر إيجاباً، والمؤثر للإيجاب هو الخطاب الآمر.
ومن قال إن الوجوب يستفاد أيضاً من الفعل فقد نظر إلى أن الوجوب يمكن أن يعرف بالنظر في الفعل. فالفعل علامة على الوجوب، وليس هو المؤثر للوجوب. ثم هو يفيد أيضاً وجوب الصفة.
الأجزاء غير المرادة من الفعل البيانيّ:
المشكلة الكبرى في الأفعال البيانية، وخاصة في العبادات، أن النبي ﷺ كان يفعل الفعل بجميع أجزائه، الواجبة والمندوبة، ويفعل في أثنائه بعض الأفعال المباحة أيضاً، ولا ينفصل في بادي الرأي واجُبُه من مندوبِهِ من مباحه. وقد قال ابن الهمام: إن الاستقراء يدلّ على أن كثيراً من الأفعال البيانية تشتمل على أفعال غير مرادة من المجمل (٢).
ويمثّل كثير من الأصوليين للفعل البيانيّ بصلاة النبي ﷺ ، ويجعلونها بياناً لآيات الأمر بإقام الصلاة، وبحجِّه ﷺ ، ويجعلونه بياناً لآية ﴿ولله على الناس حجّ
стр. 285
البيت﴾ ويقولون: إن دليل كون صلاته ﷺ ، وحجِّه، بياناً للآيتين، هو الطريق القولي، وهو قوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" وقوله: "خذوا عني مناسككم".
ففي الصلاة كان ﷺ يقوم، فيرفع يديه حذو منكبيه، ويكبِّر، ثم يضع يديه على صدره، ثم يقرأ الفاتحة وسورة، سرّاً في بعض الصلوات، وجهراً في بعضها ... إلى آخر ما يذكر في صفة صلاته ﷺ .
ومن المعلوم أن ذلك كله ليس بواجب، بل قد قال ابن قدامة: إن أكثر أفعال النبي ﷺ في الصلاة مسنونة غير واجبة (١).
وكذلك صفة أداء المناسك، من طوافِ القدوم، والرَّمل، والاضطباع، وركعتي الطواف، والصلاة داخل الكعبة، والشرب من ماء زمزم، والسعي مع الهرولة، إلى غير ذلك.
فما يقوله جمهور الأصوليين، من أن الفعل الواقع بياناً لواجب فهو واجب، مشكل. لأنه يقتضي أن جميع ما فعله ﷺ في الصلاة التي صلاها بياناً هو واجب، وكذلك جميع أفعاله في أخذ الزكاة، وفي الحج، وغير ذلك مما فعله بياناً. وهذا ما لا يقول به من الفقهاء أحد.
قال ابن دقيق العيد في ما ورد أن النبي ﷺ كان يقرأ في الصلاة سورة بعد الفاتحة: "قد ادُّعي في كثير من الأفعال التي قُصِد إثبات وجوبها أنها بيان لمجمل. وهذا الموضع مما يحتاج إلى إخراجه من كونه بياناً، أو أن يفرق بينه وبين ما ادُّعي فيه كونه بياناً من الأفعال، فإنه ليس معه في تلك المواضع إلا مجرد الفعل، وهو موجود هنا" (٢).
وقد تصدى لهذه المسألة أبو يعلى الحنبلي. وكان رأيه أن الجزء الذي أجمعوا على أنه بيان، يكون بياناً، وإلاّ فلا، قال: "ليس كل فعله ﷺ في الصلاة
стр. 286
والصدقة بياناً للجملة التي في الكتاب، لأنه لو صلّى لنفسه لم يدلّ على أنه بيان لقوله تعالى: ﴿أقيموا الصلاة﴾، ولو تصدّق بصدقة، لم يدلّ على أنها مرادة بقوله تعالى: ﴿وآتوا الزكاة﴾. وإنما وجه البيان ما يُجْمِع الناس على أنة من المكتوبات، لأن ما يفعله في نفسه لم يثبت أنه فعله فرضاً، فلا يكون فيه دلالة على أنه فعله بياناً" (١).
وعندي أن هذا لا يكفي لحل الإشكال إذ لا يمكن توقّف فهم الأحكام على الإجماع. بل ما أجمعوا على أنه بيان كعدد ركعات الصلاة فهلا بيان بلا شك، وما أجمعوا على أنه ليس بياناً كالتثليث في غسل اليدين، فليس هو بياناً بلا شك. وأما ما لم يجمعوا فيه بنفي ولا إثبات فقول أبي يعلى يقتضي منع كونه بياناً، مع أنه اتّفق على أنه يمكن تعليق البيان بالفعل بقول من النبي ﷺ كما تقدم في الطريق الأولى، والنص على الحكم كالإجماع عليه، بل هو أولى.
فلا يزال الإشكال قائماً، والقاعدة التي ذكرها الأصوليون مع قوله ﷺ : "صلّوا كما ... وخذوا عني ... " تقتضي أنه بيان، فيكون واجباً ويكون الأصل في ما فعله النبي ﷺ في الصلاة والحج، أنه للوجوب.
وهذه النتيجة مخالفة للواقع. بل إن أكثر ما فعله ﷺ في هاتين العبادتين هو مستحبّ وليس بواجب.
وسلك ابن دقيق العيد طريقاً آخر لحل ذلك الإشكال، فقال: "ما ثبت استمرار فعل النبي ﷺ عليه دائماً، دخل تحت الأمر كما هو في قوله ﷺ لمالك بن الحويرث: "صلّوا كما رأيتموني أصلي" وكان واجباً. وبعض ذلك مقطوع به -أي مقطوع باستمرار فعله له- وما لم يقم دليل على وجوده في تلك الصلوات التي تعلق الأمر باتباع الصلاة على صفتها، لا يُجْزَم بتناول الأمر له" (٢).
وفي هذا المسلك ما فيه، أتراه ﷺ في الصلوات التي صلاها أثناء وفود جماعة مالك بن الحويرث، ترك ما كان يواظب عليه من المستحبات في الأقوال والأفعال
стр. 287
والهيئات، كالجهر والإسرار، وتعديد التسبيح والأذكار، والتورك في التشهد، وقراءة سورة بعد الفاتحة؟ يغلب على الظن أنه ﷺ لم يترك شيئاً من ذلك، ولا يتمّ لابن دقيق العيد مسلكه.
ونحن وقد أخذنا على عاتقنا بحث مسائل الأفعال النبوية لا يسعنا إلاّ أن نعطي هذه المسألة مزيداً من الاهتمام، وخاصّة في مسائل الصلاة والحج، كنموذج لغيرهما.
فنقول: إن الدليل مكون من أربع حلقات:
الأولى: إن لفظ (الصلاة) المأمور بها في قوله تعالى: ﴿أقيموا الصلاة﴾ و (الحج) في قوله: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ هما من المجمل.
الثانية: والأمر للوجوب.
الثالثة: وقوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" و"خذوا عني مناسككم" دليل على أن أفعاله، في الصلاة والحج بيان للمجمل.
الرابعة: والبيان حكمه حكم المبين.
فتكون النتيجة: أن أفعاله ﷺ في الصلاة والحج واجبة.
ونجيب عن هذه النتيجة بجوابين: مجمل ومفصل.
أما المجمل، فلو أنها كانت صحيحة لاقتضت وجوب جميع أفعال صلاته وحجه ﷺ . وهو مردود يقيناً. وقد تقدم النقل عن ابن دقيق العيد في الصلاة بخصوصها.
وأما الحج فقد قال السبكي في قواعده، في شأن ركعتي الطواف: "فأما قوله ﷺ : "خذوا عني مناسككم"، فلا دلالة له على وجوب شيء خاص منها لأن المناسك (عامة في) (١) الواجب والمندوب، وإذا احتُجَّ به في وجوب فعل شيء
стр. 288
خاصّ لزم طرده في الجميع، كالرَّمل، والاضطباع، وسائر المسنونات" (١).
وأما الجواب الفصل، فإن الخلل لا شك، هو في واحدة أو أكثر، من هذه الحلقات الأربع.
فالحلقة الأولى: صحيحة ولا نظير فيها.
وأما الثانية: فإنه وإن اختلف الأصوليون في دلالة الأمر على الوجوب، فلا إِشكال في أن الصلاة والحج واجبان، ولكنهما يشتملان على أفعال مندوبة كثيرة، ولا يمكن إيقاعهما على الواجب مفصولاً من المستحبّات، إلا بتكلُّفٍ كثير.
وأما الثالثة والرابعة: ففيهما نظر.
فأما الحديث الأول: وهو قول النبي ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" فهو في قصة وفود مالك بن الحويرث ورفاقه، على النبي ﷺ . في آخر العهد المدني. وقد أورد قصة وفوده أكثر أصحاب كتب الحديث المشهورة دون قوله ﷺ لهم: "صلوا كما رأيتموني أصلي" وهذه الزيادة ذكرها البخاري وأحمد والدارمي دون غيرهم.
وفي أكثر روايات البخاري وأحمد ذكرت القصة بدون هذه الزيادة وهي دائرة على أبي قلابة. والزيادة من الثقة مقبولة.
ونصّه في إحدى روايات البخاري كما يلي:
قال البخاري: حدثنا مسدّد، حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي سليمان مالك بن الحويرث، قال: "أتينا النبي ﷺ ونحن شبَبَةٌ متقاربون. فأقمنا عنده عشرين ليلة. فظنّ أنا اشتقنا أهلنا، وسألنا عمّن تركنا في أهلنا، فأخبرناه. وكان رقيقاً رحيماً، فقال: ارجعوا إلى أهليكم فعلّموهم
стр. 289
ومُرُوهم، وصلوا كما رأيتموني أصلي، وإذا حضرت الصلاة فليؤذّن لكم أحدكم، ثم ليؤمكم أكبركم" (١).
فإن صحت هذه الزيادة، فالكلام عنها في باب الأفعال متردّد بين طريقين:
الأول: أن الأمر في قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" للوجوب. فيدل على أن الأصل في أفعاله ﷺ في الصلاة الوجوب.
الثاني: وهو الذي نعتمده، أن الأمر للإرشاد، وهو إرشاد لقومٍ مخصوصين، فهم شباب من البادية، حديث عهدهم بالإسلام، لم يقيموا عند النبي ﷺ مدة تكفي أن يتعلموا جميع الأحكام، بل عشرين يوماً فقط، وحملهم الشوق إلى أهلهم، لصغر أسنانهم، وعنفوان شبابهم، على أن يستعجلوا المسير. فأوصاهم النبي ﷺ تلك الوصية.
فهل تصلح تلك الوصية أن تكون قاعدة عامة؟ ويكون الحكم في حق سائر الصحابة وسائر الأمة كذلك.
كلا، بل كما يجوز أن يقال لمن يسير في طريق يجهلها: "سر وراء فلان، واصنع ما يصنع" لأن هذه هي العلامة الوحيدة الميسورة، مع أن فلاناً المتبوع قد يميل عن الطريق يمنة أو يسرة يستطرد لغرض خاص، فيضطر التابع له أن يسير خلفه. وقد يصنع المتبوع أشياء ليست ضرورية فيفعلها التابع، فكذلك الأمر في قصة مالك بن الحويرث ﵁.
ولم تحفظ هذه اللفظة "صلوا كما رأيتموني أصلي" عن غير مالك بن الحويرث، فيبعد أن تكون قاعدة عامة للمسلمين، ولا يبثّها النبي ﷺ في أصحابه، إذ لو بثّها لبعد أن لا ينقلها كبار النقلة من الصحابة.
وفي حديث مالك بن الحويرث أنه كان يجلس بعد الركعة الأولى وبعد الثالثة، وهي الجلسة المسماة جلسة الاستراحة، والتي يمنعها أكثر الفقهاء، كمالك
стр. 290
وأبي حنيفة والشافعي في قول (١) وأحمد في رواية (٢)، وكان مالك بن الحويرث يعلّمها الناس. ولم ينقل فعلها عن أحد من الصحابة غيره (٣).
وغاية ما يصحّ أن يقال في قوْلتِهِ ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" إنها إرشاد من النبي ﷺ لمالك، ومن كان في مثل حاله ﵁، ممن لم يسعفه الوقت للتعلم، والتفريق بين واجبات الصلاة وسننها، وما ليس من واجباتها، ولا من سننها، فيقال له: اصنع مثل فعل فلان من الناس، وفلان ممن يحسن الصلاة. فيشابهه في الصورة دون القصد.
أما أن يكون كل ما فعله النبي ﷺ في الصلاة بياناً، ويكون بذلك واجباً، فذلك أمر يتجاوز ما يدل عليه هذا الحديث بملابساته الواردة في كتب السنة. بل هذه واقعة حال. ووقائع الأحوال مشهور الكلام فيها. فلا تحمل على العموم، لأن الخطاب فيها موجه إلى مالك وصحبه، فلا يشاركهم في المدلول إلاّ من كان في مثل حالهم (٤).
أما من سواهم من أهل العلم، من المجتهدين والمتفرغين، فعليهم أن يعتمدوا في التفريق بين واجبات الصلاة وسننها على الدلائل الكثيرة المبثوثة في الكتاب والسنة. فإن لم يكن ثم شيء يميّز بينها فإنها تكون من الأفعال المجردة، وسيأتي حكمها إن شاء الله.
جواب آخر: وقد أجاب به أبو شامة: سلّمنا أن الحديث يدل على أن صلاته ﷺ بيان، لكنها بيان للصلاة المطلوبة من المسلمين، بواجباتها وسنها وما يجوز فيها، فلماذا يحمل فعله ﷺ على أنه للواجب خاصة؟.
بل الناتج من كون صلاته بياناً أن يكون كل فعل فعله ﷺ في الصلاة دائراً بين هذه الأنواع الثلاثة، والعمدة في تمييز بعضها عن بعض إما القول، وإما
стр. 291
الإجماع، وإما القرائن الأخرى، ولا يصلح الفعل وحده دليلاً. ولذلك قال الجصاص: "أُمرنا بالاقتداء به ﷺ على وصف هو أن نصلي كما رأيناه يصلي. فنحتاج أن نعلم كيف صلّى من ندب أو فرض فنفعل مثله" (١).
فإن لم يوجد دليل مميّز، فنحن قاطعون بأن الفعل ليس بياناً للحكم بل يدخل في ما يأتي من الفعل المجرد، في الفصل التالي إن شاء الله.
وأما الحديث الثاني: هو "خذوا عني مناسككم" فهو خطاب عام للأمة، ولا يمكن فيه دعوى الخصوص، لأنه ﷺ قاله لجمهور الحجاج، وهو على بعيره يرمي جمرة العقبة (٢). وفي رواية: "قاله قبل يوم التروية وخروجهم للحج. فلا يرد هنا ما قلناه في الحديث الأول من امتناع دلالته على البيان العام" (٣).
وأما الوجه الآخر الذي قلناه في الحديث السابق فيأتي هنا، فإن النبي ﷺ فعل في حجته أفعال الحج كلّها من واجب، ومندوب. ولا يتميّز بالفعل واجبه من مندوبه، فلا يصلح الفعل بياناً في ذلك، ما لم يقترن بكل فعل جزئي قرينة تدل على أنه بيان.
ويضاف هنا وجه ثالث، وهو أن قوله ﷺ : "خذوا عني مناسككم" لا يتعيّن أن يكون المراد به ملاحظة أفعاله بخصوصها، بل يصدق على الأخذ عنه ﷺ من أقواله بسؤاله عما يشكل عليهم، والاستماع إلى ما يأمر به ويرشد إليه.
فأقصى ما يدل عليه الحديث، أن يدل على مشروعية أفعاله ﷺ في الحج، أما التفريق بين واجبها ومندوبها فلا بدّ من المصير إلى وجه آخر في الدلالة على ذلك. وحكم أفعاله ﷺ من هذه الناحية حكم سائر الأفعال المجرّدة.
والخلاصة: أن هذين الحديثين لا يصلحان دليلاً على أن أفعاله ﷺ في
стр. 292
الصلاة والحج واجبة، بناء على أنها بيان للواجب. بل أفعاله ﷺ في هاتين العبادتين مختلطة واجبها بمندوبها غير متميزة، والعمدة في تمييز ذلك على الأدلة الأخرى. وينظر في كل فعل بخصوصه ما يحتفّ به من القرائن.
لقد كثر في كلام الفقهاء إيجاب كثير من أفعاله ﷺ في الصلاة والحج اعتماداً على أن هذين الحديثين دليل على أن أفعال النبي ﷺ في الصلاة والحج بيان للمجمل الواجب، ولا يوجبون أفعالًا منها كثيرة أخرى، حتى ليعجب الناظر من تفريقهم في ذلك.
والصواب إن شاء الله ما ذكرناه من أنّ أفعاله ﷺ فيهما ليست مميزة للواجب من المندوب إلّا فعلاً خاصاً عليه دلالة خاصة، أنه بيان لذلك. والله أعلم.
الاختلاف في أن ما ورد عليه الفعل مجمل أو غير مجمل:
إن الفعل إذا ورد وله علاقة بنص قرآني، فلا بد من اعتبار كون النصّ مجملًا حتى يكون الفعل بياناً له، فمن لم يُثْبِتْ أنه مجمل، لم يكن الفعل عنده بياناً. ويتبيّن ذلك بمثالين فرعيّين:
الأول: قوله تعالى في آية الوضوء: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾، مع فعله ﷺ في وضوئه، فإنه "أدار الماء على مرفقيه".
من العلماء من قال إن (إلى) مجمل، لأنه يكون بمعنى انتهاء الغاية، ويكون بمعنى (مع)، فهو مشترك، والمشترك مجمل، فجاء الفعل مبيناً أن (إلى) بمعنى (مع) دون معنى انتهاء الغاية، واقتضى ذلك وجوب غسل المرفقين (١).
ومنهم من قال إن (إلى) واضح، لانتهاء الغاية، وذلك بيّن، فلا يكون فعله ﷺ بياناً (٢)، ويكون غسله ﷺ لمرفقيه مندوباً.
стр. 293
وقد قال بالوجوب عطاء ومالك والشافعي وأصحاب الرأي. وقال بعض أصحاب مالك وداود لا يجب، وحكى ذلك عن زفر.
الفرع الثاني: المضمضمة، في الوضوء، هي واجبة عند أحمد وابن أبي ليلى، مسنونة عند الحنفية والمالكية والشافعية. فمن قال بوجوبها فوجهته عنده أن الله قال في شأن الوضوء ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ والفم يحتمل أنه داخل في مسمى (الوجه) ويحتمل أنه ليس بداخل لأنه غير مواجه. فكان ما فعله النبي ﷺ من المضمضة بياناً، فيدل على أن الفم من الوجه، فيجب غسله.
ومن قال بأنها مستحبة فهو يقول: الفم غير داخل قطعاً في مسمى الوجه، وما فعله النبي ﷺ من المضمضة زيادة فعلية صرفة، فتكون مستحبة.
стр. 294
المبحث السابع الفعل الامتثالي التنفيذيّ
ما يفعله عامّة المسلمين الملتزمين، من الأفعال التي طلبها الله تعالى منهم في كتابه أو على لسان رسوله، يفعلونه تنفيذاً وامتثالًا للأوامر والتوجيهات الإلهية.
وهم حين يفعلون ذلك لا يقصدون تبيين أمر خفيّ أو دعوة معينة.
والنبي ﷺ لما كان واحداً من الأمة، وقد وُجّهت إليه التكاليف، وهو أول المسلمين، فهو يؤدي تلك التكاليف، طاعةً لأمر ربه، وتلبية لدعوته. فأفعاله التي يستجيب بها للتكاليف الإلهية، هي أفعال امتثالية.
لكننا نبيّن مرادنا بالفعل الامتثالي هنا بما يلي:
فما فعله ﷺ امتثالًا لطلب خاص به، كقيام الليل، فهو من الخصائص وقد تقدم بحثها.
وما فعله امتثالاً، وقَصَد به مع الامتثال بيان مجمل أو مشكل، فهو من الفعل البياني الذي تقدم ذكره، وهو في إفادة الأحكام أعلى درجة من الفعل المراد به مجرد الامتثال. ومن أجل ذلك فليس مراداً هنا.
وما احتمل أن يكون امتثالًا لطلب إلهي، إلّا أننا لم نعلم ذلك الطلب ما هو، فليمس مراداً هنا، بل يدخل في الفعل المجرّد الذي يأتي ذكره بعد هذا الفصل.
стр. 295
فالمراد هنا خاصة، الفعل الذي قصد به مجرد الامتثال لطلبٍ معلوم لم يثبت أنه خاصة من خصائص النبي ﷺ .
ومثاله الإتيان بالشهادة، وأداء الصلاة، والصوم والحج، وما كان يفعله ﷺ من القربات إلى الله تعالى، وما كان يفعله من المعاملات والعقود ملتزماً فيها ما شرع تعالى، وكافّاً عما نهى عنه.
وكل فعل من أفعاله ﷺ صادر عن الأوامر الإلهية العامّة للمكلفين، إذا لم يكن فيها إجمال ولا خفاء، أو كان فيها إجمال أو خفاء ولكن لم يفعله ﷺ للتبيين، فهو امتثالي.
وقد قال أبو شامة: "وهذا القسم لا حاجة إلى النظر فيه" (١).
إلا أننا نرى أنه بحاجة إلى النظر من جهات، نعرضها في مطالب:
المطلب الأول حكم الفعل الامتثالي:
يتبيّن حكمه من الطلب الممتثل، فإن كان إيجاباً فالفعل واجب. وإن كان استحباباً فالفعل مستحب. وكذلك في جانب الترك إن ترك ﷺ امتثالاً لطلب تحريميّ فالترك واجب، أو لطلب كراهة فالترك مستحب، وإن كان الخطاب تحليلاً وإباحة فالفعل مباح (٢).
المطلب الثاني
معرفتنا للنصّ الممتثل بالفعل المعيّن فائدتها ربط الفعل الامتثالي بالنص الممتثل لتتضح أبعاد الحكم.
стр. 296
المطلب الثالث الطرق التي يمكن بها معرفة النص الممتثل
هي كما يلي:
الطريقة الأولى: القول من النبي ﷺ ، كقوله لما صلّى على ابن أبيّ كبير المنافقين: "إن الله خيّرني فاخترت، ولأزيدن على السبعين". يشير إلى قوله تعالى: ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ... ﴾ الآية.
ومن هذا أن يخبر أن الله تعالى قد أمره بفعلٍ فَعَله، كقوله ﷺ : "أُمرت أن أسجد على سبعة أعظم" (١). أو بتركٍ ترَكَه، كقوله ﷺ في ترك قتل المخنثين: "نهيت عن قتل المصلين" (٢).
الطريقة الثانية: أن يفعل الفعل بعد نزول الأمر مباشرة، بحيث لا يخفى أنَّ فعلَه امتثال لذلك الأمر النازل، وخاصَّة إن كان سبب النزول متعلّقاً بذلك. كآية: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ (٣). نزلت في أخذ النبي ﷺ مفتاح الكعبة من بني شيبة، فلما نزلت أعاده إليهم وقال: "اليوم يوم وفاءٍ وبرّ" (٤).
ومثاله أيضاً آية الأمر للنبي ﷺ بتخيير نسائه فخيّرهن (٥).
وشبيه بهذا أن يبيّن الصحابي الراوي ذلك، كما قالت عائشة: "ما صلّى النبي ﷺ صلاةً بعد أن نزلت عليه ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ إلاّ يقول فيها: سبحانك اللهم ربَّنا وبحمدك، اللهم اغفر لي" (٦) وفي بعض الروايات قالت
стр. 297
عائشة: "يتأوَّل القرآن". وقد بيّن ابن دقيق العيد (١) أن هذا فيما كان من فعله بعد الفتح، إذ به يتمّ الأمر، أما ما قبل الفتح فما فعله من ذلك يكون فعلاً ابتدائياً.
الطريقة الثانية: أن توجد مناسبة ومطابقة بين الفعل ونصّ معين. قال أبو الحسين البصري: "أما ما يعلم به أنّ فعله أو تركه امتثال لدلالة نعرفها فهو أن يكون مطابقاً لبعض الأدلة التي نعرفها" (٢).
ثم قد تكون المناسبة بيّنة مقبولة، وقد تكون خفية فيكون في قبولها نظر، وذلك على ثلاث درجات:
الدرجة الأولى: أن يكون ذلك بيّناً وواضحاً تمام الوضوح، بحيث لا يخفى ولا يحتاج إلى تطلب الدليل عليه. ومثاله سجوده ﷺ وركوعه في الصلاة، هو امتثال لآيات الأمر بالركوع والسجود. ومثل طوافه ﷺ بالبيت في حجة الوداع يوم النحر، هو امتثال لآية ﴿وليطوّفوا بالبيت العتيق﴾.
ثم قد تكون المناسبة خفية يقل التفات العالم إليها، فإذا نبِّه إلى ذلك أقرَّ به، ولم يشكَّ فيه، فيكون من هذه الدرجة، ومثاله ما ورد (٣) أن النبي ﷺ لما ذبح في حجة الوداع مئة ناقة، أخذ من كل ناقة بضعة، فجعدت في قدر وطبخت فشرب من مرقها، فهو تنفيذ لآية ﴿فكلوا منها﴾.
الدرجة الثانية: أن يكون الفعل متردِّداً بين أن يكون امتثالاً لآية معيّنة أو يكون فعلاً مبتدأ.
والتردد فيه ناشئ من صلاحيته ليكون امتثالًا لتلك الآية نظراً لوجود التناسب، مع إمكان أن لا يكون امتثالًا لها، بل يكون فعلاً ابتدائياً مجرداً.
وقد نقل السرخسي عن الحنفيّة أن فعل النبي ﷺ أو قوله إذا ورد موافقاً لما
стр. 298
في القرآن يجعل صادراً عن القرآن. قال: والشافعية يجعلونه مبتدأ حتى يقوم الدليل على خلافه (١). قال: وعلى هذا فبيانه ﷺ التيمّم في حق الجنب صادر عما في القرآن. وبه يتبيّن أن المراد بقوله تعالى: ﴿أو لامستم النساء﴾ الجماع دون المسّ باليد وهم -يعني الشافعية- يجعلون ذلك بيان حكم مبتدأ، ويحملون قوله: ﴿أو لامستم﴾ على المس باليد، لأنه يحتمل أن يكون صادراً عما في القرآن، ويحتمل أن يكون شرع حكم مبتدأ، وهو في الظاهر غير متصل بالآية، فيحمل على أنه بيان حكم مبتدأ باعتبار الظاهر، لما فيه من زيادة الفائدة.
وقال أبو شامة: "إذا فعل ﷺ فعلاً يوافق ما ورد به القرآن العزيز كالوضوء والاغتسال والصيام فإن ذلك يكون تنفيذاً لما أمر به" (٢) وقال القاضي أبو بكر (٣): "يجوز مع ذلك أن يكون فرضاً ابتدأ به، وما يلزمنا خاصة، أو يلزمنا وإياه، فعلٌ آخر". فلا بد من إشعار لنا بأنه فعله اتّباعاً لحكم الآية، وإلاّ فجواز ما قلناه قائم: "قال أبو شامة وفي هذا الكلام نظر" (٤).
وهذا المثال (٥) هو من أفراد الفعل البياني، ولكن القول في الامتثالي من نفس الباب، لا فرق في ذلك.
وأما أبو يعلى الحنبليّ فإنه يرى أن الظاهر في الفعل الموافق للآية أنه امتثال لها. قال: "لأنه ﷺ لا يترك فعلًا أوجبه الله عليه، أو ندبه إليه". وهو بذلك يوافق ما نقله السرخسي عن الحنفية.
والذي نراه أن قول الحنفية ومن وافقهم في ذلك أولى بالصحة من قول من
стр. 299
خالفهم نظراً لأنه ﷺ مبعوثٌ بالقرآن ليعمل به ويدعو إليه، قال الله تعالى: ﴿قل إنما أتّبع ما يوحى إليّ من ربي هذا بصائر من ربكم﴾ (١).
وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك.
الدرجة الثالثة: أن تكون المناسبة خفية جداً. بحيث يكون اعتبار الفعل تطبيقاً للآية المعينة نوعاً من التحكُّم، فلا ينبغي المصير إليه.
المطلب الرابع
دلالة الفعل الامتثالي:
يقال هنا مثل ما تقدم قوله في الفعل البياني، من أن دلالته مؤكدة لدلالة النص الممتثل. والفعل حينئذ علامة على الحكم، وليس مؤثّراً له. فيدل على الوجوب إن كان امتثالاً لواجب، وعلى الندب إن كان امتثالاً للندب، وإلاّ فعلى الإباحة، وقال أبو الحسن البصريّ: "إن امتثل ﷺ فيها (يعني أفعاله) طريقة معروفة لنا فإن ذلك لا يمنع من كون فعله دلالة لنا أيضاً على أننا متعبدون بمثله .. على حدٍّ لو انفرد أحدهما لفعلْنا الفعل لأجله".
وقد يفيد فوائد أخرى:
١ - فيجوز التخصيص بالفعل الامتثالي في مخالفة العموم، ومثاله أن النبي ﷺ صلّى بالمسجد الحرام، والناس يمرون بين يديه، خصّ به نهيه عن الصلاة إلاّ بسترة.
٢ - ويجوز التقييد به. فالأمر القرآني الوارد بغسل الأعضاء في الوضوء مطلق من جهة العدد، قيّده ﷺ بفعله، فغسل مرة ومرتين وثلاثاً ولم يزد. وقد أبى مالك اعتبار العدد. قال ابن قدامة: "الوضوء مرة مرة، والثلاث أفضل". هذا قول أكثر
стр. 300
أهل العلم، إلاّ أن مالكاً لم يوقّت مرة ولا ثلاثاً، قال: إنما قال الله: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ (١).
ومثله التراويح عند الظاهرية، الأمر بها مطلق من جهة العدد، وفي الحديث عن عائشة ﵂ أنها قالت: "لم يكن النبي ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة" (٢) أكثر الأئمة على عدم الوقوف عند هذا العدد، فاختار أحمد والشافعي وأبو حنيفة ثلاثاً وعشرين لفعل عمر، واختار مالك تسعاً وثلاثين كعمل أهل المدينة، ولم يقل أحد من متقدمي علماء الأمة بالوقوف عندما فعله ﷺ فيما نعلم ما عدا بعض الظاهرية (٣). قال النووي: "قال القاضي: ولا خلاف أنه ليس في ذلك حدّ لا يزاد عليه ولا ينقص منه. وإن صلاة الليل من الطاعات التي كلما زاد فيها زاد الأجر، وإنما الخلاف في فعل النبي ﷺ وما اختاره لنفسه" (٤).
ووجه ما رآه الأئمة الأربعة أن الأمر الوارد من الله تعالى مطلق، يتأدّى بالتهجد بأي عدد كان. وما فعله ﷺ لا يزيد عن أن يكون اختار عدداً يناسبه، ثم حافظ عليه، لأنه "كان عَمَلُه دِيمَة". فلا يدل ذلك على وجوب ما اختاره من العدد، ولا استحبابه. قال الشافعي: "رأيت الناس يقومون بالمدينة بتسع وثلاثين، وبمكة بثلاث وعشرين، وليس في شيء من ذلك ضيق" (٥).
الفرق بين دلالة الفعل البيانيّ ودلالة الفعل الامتثاليّ:
الفعل البيانيّ مقصود به البيان وإظهار المراد بالمجمل، وذلك نوع من التعليم. فالأصل أن يُعْتَنى به مزيد عناية. فإن كان بيان واجب، فلا يعمل فيه بالرخص والتيسيرات التي يمكن أن تفهم على غير وجهها. ولا يضاف إليه ما هو مستحب وليس بواجب.
стр. 301
فإن انضم إليه شيء من ذلك وجَبَ بيانه لئلا ينضمّ إلى الواجب ما ليس منه. وليعتبر في ذلك ببيان النبي ﷺ مواقيت الصلاة، فقد صلّى في اليوم الأول في أول الوقت، وصلّى في اليوم الثاني في آخر الوقت، وقال: الوقت ما بين هذين.
وأيضاً قال ﷺ في عرفات: وقفت هنا وعرفة كلها موقف. وقال في مزدلفة: وقفت هنا وجمع كلها موقف. وقال في نحره بمنى: نحرت هنا فجاج مكة كلها منحر. لئلا يتوهم الاختصاص بالموضع الذي وقف فيه أو نحر.
أما الفعل الامتثالي فلا يلاحظ فيه ما يلاحظ في الفعل البياني. بل هو امتثال مجرد، فيداخل الواجب ما ليس منه ليُفعل على وجهٍ أكمل. فهو أضعف دلالة من الفعل البياني.
٣ - وقد يتبيّن بالفعل الامتثاليّ مجمل أو نحوه.
فعقوبته ﷺ للسارق بقطع يده من المفصل، يستفاد منها أمران:
الأول: تأكيد أصل وجوب القطع المستفاد من الآية.
والثاني: وجوب أن يكون القطع من المفصل. فلا يكفي قطع الأصابع مثلاً، ولا يجوز التجاوز بقطع الساعد. فقد تبيّن به موضع القطع.
ووجه استفادة هذا الحكم الثاني أن (اليد) في الآية لفظ (مجمل) على قولٍ، لاحتمال أن يكون المراد الذراع كلها، أو الكف. وعلى القول الآخر الظاهر من لفظ (اليد) الذراع (١)، وعلى كل فقد تبيّن بهذا الفعل الامتثالي أن المراد به في الآية الكف.
ووجه تبيُّن ذلك من الفعل، أن الواجب لو كان أقلَّ، لكان النبي ﷺ قد زاد على الواجب، وهذا ممتنع لتحريم دم المسلم بغير حق.
ولو كان الواجب أكثر لكان ﷺ قد نقص، ولم ينفّذ كلّ ما أمر الله به، وذلك ممتنع.
стр. 302
المبحث الثامن الفعل المتعدي
المراد بالفعل المتعدّي ما فعله النبي ﷺ مما له علاقة بالغير، من العقوبات والمعاملات والقضاء بين الناس ونحو ذلك.
وقد أفرده بعض الأصوليين نوعاً خاصاً من الأفعال، منهم أبو الحسين البصري (١)، والزركشي (٢)، والشوكاني (٣)، وغيرهم.
وهو بالنسبة إلى صدوره عن النبي ﷺ وبالنسبة إليه خاصة، لا يعدو أن يكون واحداً من الأنواع الأخرى، لأنه إما جبلّي أو خاص أو بيان أو امتثال، أو ليس كذلك فيكون من الفعل المجرّد. فحكم الاقتداء به ﷺ في ذلك يعلم في موضعه من المباحث المشار إليها.
أما بالنظر إلى الغير، أعني الشخص الذي تعلّق به الفعل، فللفعل صور:
الأول: ما يوقعه النبي ﷺ بشخص من العقوبة حدّاً أو تعزيراً أو غرامة يدل على أن ما نسب إلى ذلك الشخص وكان سبباً فيها هو معصية. فيفهم منه حكم الفعل الذي فعله المعاقَب.
ويفهم منه استحقاق من فعل ذلك الفعل لمثل تلك العقوبة.
وقال القاضي الباقلاني: "لا يكون الأمر كذلك إلّا بتنبيه منه ﷺ على أن من فعل مثل ذلك استحقّ مثل تلك العقوبة. وقال: لأنه، وإن تقدّم ذلك الفعل،
стр. 303
فإنه لا يتعيّن لكونه موجِب أخذِ المال وإيقاع العقوبة، فإنه لا يمتنع وجود فعل آخر هو المقتضي للمال والعقوبة" (١). اهـ.
أقول: وحصول التنبيه يعيّن السببيّة، وأيضاً لو قامت قرائن الحال على ذلك كانت كافية. والله أعلم.
الصورة الثانية: قد يكون الفعل المتعدّي (آمراً) أو (ناهياً)، بمنزلة الخطاب، فيدل كدلالة الأمر والنهي. ومثاله أن ابن عباس ائتم وحده بالنبي ﷺ في صلاة الليل، فقام عن يساره، فأخذ النبي ﷺ بيده فأقامه عن يمينه (٢). قال ابن حزم: "هو على الوجوب، لأنه وإن كان فعلاً فهو أمر لابن عباس بالوقوف عن يمينه ونهي له عن الوقوف عن يساره" (٣).
وقال أبو شامة: "ذلك على الندب" (٤) ولعلّه بَنى ذلك على قاعدته في أن الوجوب والتحريم لا يمكن استفادته من مجرّد الفعل.
والصواب عندي جعله بمنزلة الأمر، إذ إن هذا ليس فعلاً مجرداً، بل تدلّ طبيعته المتعدية الآمرة، على المراد به، ويرد عليه الخلاف في مؤداه كما ترد على الأمر القوليّ. وقد قال بالوجوب في هذا الفرع الحنابلة والظاهرية، وقال مالك والشافعي والحنفية بصحة صلاة المنفرد عن يسار الإمام. ومأخذهم القرينة الدالة على أن الأمر ليس للوجوب، هي أن النبي ﷺ لم يُبْطِل تحريمته. فدلّ على الجواب (٥).
ومثال آخر: أن عبد الله بن مسعود كان يصلي وقد وضع يسراه على يمناه، فرآه النبي ﷺ فوضع يمناه على يسراه (٦). فذلك يدل على استحباب وضع اليمنى على اليسرى وكراهية العكس.
стр. 304
الصورة الثالثة: قضاؤه ﷺ بين اثنين (١) له ثلاث جهات:
الأولى: الإثبات بالبيّنات والشهود والقرائن. وهو من هذه الناحية فعل كسائر الأفعال، يقتدى به فيها حسبما تقدم.
الثانية: تقديره لثبوت الواقعة. هو مبني على الظاهر، وليس يدلّ على أن المحكوم عليه هو في الباطن ظالم، ولا أن المحكوم له محق. ومجب على المحكوم عليه التسليم والرضا بحكمه ﷺ .
الثالثة: ما حكم به على تقدير ثبوت الواقعة، فهو شرع، فإن ثبت لدى القضاء مثل ما ثبت لديه ﷺ ، تعيّن الحكم بما حكم به.
الصورة الرابعة: لو باع أو اشترى من شخص لم يدلّ ذلك على أن المال كان ملكه في الباطن إذ إنّ هذا تعامل على أساس الظاهر.
стр. 305
المبحث التاسع ما فعَله ﷺ في انتظار الوحي
هذا النوع جعله الزركشي والشوكاني قسماً مستقلاً من أقسام الأفعال النبوية. ذكر الزركشي (١) أن النبي ﷺ أبهم إحرامه في الحج، يعني أنه أحرم دون أن يعيّن أنه يقرن أو يتمتع أو يُفرد الحج عن العمرة. ونقل عن الشافعية أنه يُسْتَحَبّ التأسّي به ﷺ ، فيكون إبهام الإحرام أفضل، تأسّياً.
والاقتداء بهذا النوع، على سبيل الاستحباب، غير مرضي. ففي مسألة إبهام الإحرام أنه- وإن ثبت أن النبي ﷺ أبهم الإحرام منتظراً لوحي خاص -لا مساغ للاقتداء به في ذلك بعد مجيء الوحي، وتبيّن الأمر.
ولكن يدل على أن الإبهام مباح لا غير. إذ لو كان فاسداً لم يفعله ﷺ .
وانتظار الوحي لا يبيح فعل ما لا يجوز. ويتأكد الجواز بأن علياً أحرم عند مجيئه من اليمن بمثل ما أحرم به النبي ﷺ وهو لا يعلم ما أحرم به النبي ﷺ ، وعندما التقى بالنبي أمره أن يصنع كما صنع هو. فهذا إقرار يدل على الجواز. والله أعلم.
стр. 306
الفَصل الخَامس الفعل المجرَّد
١ - الفعل المجرّد المعلوم الصفة (١).
٢ - الفعل المجرّد المجهول الصفة.
٣ - ما ينسب إلى الأئمة من القول في الفعل المجرّد بنوعيه.
٤ - الأدلّة والمناقشات.
أ- مناقشة دعوى امتناع التأسّي في الفعل المجرّد.
ب- قول الوقف.
ج- قول التحريم.
د- قول الإباحة.
هـ- قول الندب.
و- قول الوجوب.
ز- قول المساواة.
ح- قول المساواة في العبادات خاصة.
стр. 307
الفعل المجَرَّد
تعريف وتحديد:
مرادنا بالفعل المجرّد، ما كان من أفعاله ﷺ خلافاً لما تقدم من الأنواع السابق ذكرها. (ص ١٦٨ وما بعدها).
ومعنى كونه مجرّداً، أن الأفعال السابقة اقترن بكل منها قرينة يتبيّن منها حكمه بالنسبة إلينا، فالجبليّ يدلّ على الإباحة، ولسنا متعبّدين بفعل مثله، والذي عُلِم أنه بيان حكمه مأخوذ من الخطاب المبين، والذي علم أنه امتثال كذلك حكمه مأخوذ من الخطاب الممتثل، وهكذا.
والفعل المجرّد بالنظر إلى حقيقته على نوعين:
الأول: ما قد يكون في الحقيقة والباطن واحداً من الأنواع السابقة، لكن لم يظهر لدينا دليل نلحقه به. فقد يكون في الحقيقة خاصاً ولكن لم نطلع على دليل خصوصيته، أو يكون في حقيقته امتثالاً لأمر إلهي معيّن، سواء أكان في القرآن العظيم ولم نجد ما نحكم به أن الفعل امتثال لذلك الأمر، أو كان الفعل امتثالاً لوحي خاص لم نخبرَ به، بل ظهر لنا الفعل مجرّداً.
الثاني: أن يكون فعلاً فعله النبي ﷺ ابتداء من ذات نفسه مطابقاً لما فوّضه الله تعالى له من إنشاء بعض الأحكام، أو من تصرفه في حدود مرتبة العفو، كما تقدم.
стр. 308
ما يستفاد من الأفعال النبوية المجرّدة، من الأحكام في حق الأمة:
إذا علمنا أن النبي ﷺ فعل فعلاً مجرداً، فما حكم مثل ذلك الفعل في حقنا؟.
إن الإجابة على هذا السؤال هي أهمُّ مسألة في باب الأفعال النبويّة، وعليها يدور أكثر كلام الأصوليين في هذا الباب، نظراً لأن هذه الإجابة تتحكم في مسلك الفقهاء عند استنباطهم للأحكام الفقهية، مما يؤثر عنه ﷺ من الأحاديث الفعلية المجرّدة، ولأن ما تقدم ذكره من أقسام الأفعال النبوية، عدا المجرّد، أمره واضح لا يكاد يخفى.
ولكي نستطيع تبيين دلالة الفعل المجرَّد بجلاء، نقسمه قسمين:
القسم الأول: المعلوم الصفة بالنسبة إليه ﷺ . وهو ما علمنا بدليلٍ أنه فعله واجباً، أو فعله ندباً، أو على أنه مباح.
وتُعلم صفته بالأدلة التي تقدم ذكرها.
القسم الثاني: المجهول الصفة.
...
فنعقد لكل من النوعين مبحثاً خاصاً.
ونُتبع بمبحث لذكر ما نسب إلى الأئمة المتبوعين، والأصوليين المشهورين من القول في ذلك.
وبمبحث آخر نستوفي فيه الأدلة، ونختار ما نراه أولى بالحق. والله ولي التوفيق.
стр. 309
المبحث الأول الفعل المجرّد المعلوم الصِّفَة
إذا علمنا بصدور فعل عن النبي ﷺ ، ولم يكن مما تقدم من أقسام الأفعال النبوية، وتعيّن عندنا بدليل أنه ﷺ فعله على سبيل الوجوب أو الندب أو الإباحة، فللعلماء في دلالته على الأحكام في أفعالنا المماثلة لفعله أقوال سبعة هي:
١ - المساواة مطلقاً.
٢ - المساواة في العبادات دون غيرها.
٣ - الوجوب.
٤ - الندب.
٥ - الإباحة.
٦ - التحريم.
٧ - الوقف.
أما المساواة -وبها يقول الجمهور (١) - فمعناها أننا نساوي النبي ﷺ في أحكام أفعاله المجردة، فما فعله واجباً فهو علينا واجب، وما فعله ندباً فهو علينا مندوب، وما فعله مستبيحاً له فهو لنا مباح.
وأما قول الوجوب فمعناه أن ما فعله النبي ﷺ ، وجب علينا أن نفعله على كل حال. سواء علمنا أنه ﷺ فعله واجباً أو مندوباً أو مباحاً. ولو جهلنا ذلك فالحكم الوجوب كذلك كما يأتي.
وأما قول الندب فمعناه أنه يندب لنا فعل مثل ما فعله النبي ﷺ مطلقاً، أعني سواء علمنا صفة فعله أو جهلناها. وحتى لو علمنا أنه ﷺ فعله وجوباً فإنه لا يجب علينا بل يندب.
стр. 310
وأما الإباحة فأنه يباح لنا مثل فعله ﷺ ، ولا يجب ولا يندب.
وأما التحريم، فمعناه أنه لا يجوز لنا فعل مثل شيء من أفعاله المجرّدة.
وأما الوقف، فمعناه أنا لا نحكم على فعلنا المماثل لفعله ﷺ بحكم ما. سواء جهلنا حكم فعله أوعلمناه.
منشأ الاختلاف:
هذه الأقوال الآنفة الذكر تتجه اتجاهين رئيسين، ثم يتشعبان:
الاتجاه الأول: أن التأسّي به ﷺ في أفعاله المجردة مطلوب شرعاً بدلالة ما تقدم ذكره في فصل حجية الأفعال النبوية، من الآيات والأحاديث والإجماع، الدالّة على مشروعية الاتّباع والتأسي.
والاتجاه الثاني: أن التأسيّ به ﷺ فيها غير مطلوب شرعاً. ووجهه أنه وإن ثبتَتْ حجية الأفعال النبوية، إلّا أن مانعاً منع من التأسي بالفعل المجرّد، وذلك المانع هو احتمال الخصوصية، فكيف يُتَأسّى به ﷺ في أمر قد يكون من خواصّه، فنكون قد أوجبنا ما لا يجب علينا أو أبحنا ما لا يباح لنا.
وأورد بعضهم، أيضاً، احتمالَ أن يكون فعله ﷺ معصية، على قول من يجيز صدور الصغائر عن الأنبياء. كما تقدم في الفصل الثالث. قالوا: وذلك مانع من الاقتداء.
ثم تشعب أصحاب الاتجاه الأول شعبتين، بحسب تفسيرهم للتأسيّ المطلوب شرعاً:
الشعبة الأولى: قالوا: التأسّي واجب، ومعنى التأسّي عندهم هو مساواة الفعل للفعل، في الصورة والحكم. وهؤلاء أصحاب القولين الأول والثاني، (المساواة المطلقة والمقيدة).
والشعبة الثانية: قالوا التأسّي هو المساواة في الصورة دون الحكم. ثم تفرع هؤلاء فرعين:
стр. 311
الفرع الأول: قالوا: التأسيّ مطلوب منا على سبيل الوجوب، فيجب علينا أن نفعل صورة ما فعل ﷺ ، سواء كان هو قد فعله على سبيل الوجوب أو غيره. وهؤلاء هم أصحاب القول الثالث (الوجوب).
والفرع الثاني: قالوا: التأسيّ مطلوب منا على سبيل الندب، وهم أصحاب القول الرابع (الندب).
وأما أصحاب الاتجاه الثاني: وهم الذين قالوا إن التأسيّ بالأفعال المجرّدة غير مطلوب شرعاً، فقد منعوا بذلك دلالة فعله المجرّد على الأحكام في حقنا، فكان وجود الفعل النبوي المجرّد عندهم كعدمه بالنسبة إلى هذا الأمر. وبقي حكم فعلنا كما كان قبل ورود مثيله من الأفعال النبوية المجرّدة. فمن قال الأصل في الأفعال الإباحة، قال بها هنا وهو القول الخامس. ومن قال الأصل التحريم قال به هنا وهو القول السادس. ومن نظر إلى أن الفعل المجرّد متردد بين أن يكون خاصاً أو مشتركاً، فقد توقف، وهو القول السابع.
стр. 312
المبحث الثاني الفعل المجهول الصِّفة
يجري في الفعل المجرّد المجهول الصفة، ما يجري في المعلوم الصفة من الخلاف. وترد فيه الأقوال المتقدمة على السواء، ما عدا قولَ المساواة، ففيه هنا - أعني في مجهول الصفة- تفصيل.
أما في ما عدا قول المساواة فلأن العلم بصفة صدوره عنه ﷺ لا يؤثر في الحكم المستفاد، بل الحكم المستفاد في حقنا على القول الثالث هو الوجوب مطلقاً، أعني سواء كان حكم الفعل بالنسبة إليه ﷺ الوجوب أو غيره، وعلى القول الرابع الندب، مطلقاً، وهكذا في سائر الأقوال. ولذلك تجري الأقوال الخمسة في مجهول الصفة.
أما قول المساواة، فإن المساواة بين حكم فعلنا وحكم فعله ﷺ لا يمكن تحقيقها ما لم يتعيّن لفعله واحد من الأحكام الثلاثة.
ومن أجل تحقيق قول المساواة في الفعل المجرّد المجهول الصفة، كان لا بدّ من حمل فعله على واحد من الأحكام الثلاثة في حقه ﷺ ، بنوع ترجيح ظاهريّ، مع الاعتراف بأنه قد يكون في الحقيقة والباطن على حكم آخر. وبعض العلماء أبى حمله على شيء من الثلاثة.
من أجل ذلك كان في المسألة أقوال أربعة:
القول الأول: أنه يحمل على الوجوب في حقه ﷺ ، لأنه الأحوط بالنسبة إلينا (١). ولأن فعله أعظم أجراً، فيكون أليق بحقه ﷺ .
стр. 313
والقول بالوجوب في ما ظهر فيه قصد القربة من الفعل المجرّد، أقوى منه في ما لم يظهر فيه ذلك القصد.
ونقل القول بالوجوب فيما ظهر فيه قصد القربة عن مالك (١) وعن ابن سريج، وأبي سعيد الإصطخري، وابن أبي هريرة، وابن خيران من الشافعية، وعن الحنابلة (٢) ونصره القاضي أبو يعلى الحنبلي في كتابه (العدة) (٣) وصرّح به من متأخري الشافعية الشيخ زكريا الأنصاري (٤)، والتزم أنه للوجوب في حقه ﷺ وحقنا حتى في ما لم يظهر فيه قصد القربة.
القول الثاني: أنه يحمل على الندب في حقه ﷺ ، وهو أصحّ الأقوال في ما ظهر فيه قصد القربة. إذ إن القربة دائرة بين الوجوب والندب، فالمباح لا قربة فيه.
ولما دارت القربة بين الوجوب والندب، وكان حمله على الوجوب لا بدّ له من دليل، إذ هو أمر زائد على مجرد القربة، كان الأولى حمله على الندب لأنه المتيقن، والوجوب مشكوك فيه.
وقال أبو شامة: "هو متردّد بين أن يكون مندوباً له، أو واجباً عليه وجوب الخصوصية. إذ لو كان واجباً مشتركاً لوجب عليه أن يبلغه المكلّفين. فلما لم يفعل دلّ على أنه غير واجب عليهم. ثم إذا وقع التردد بين كونه مندوباً إليه، أو واجباً عليه، غلب على الظن كونه مندوباً، لغلبة المندوب في أفعاله ﷺ وقلة ما اختصّ به من الواجبات" (٥) وفي هذا التقسيم نظر يعلم مما يأتي في قول الندب.
وأما القول بالندب في ما لم يظهر في قصد القربة، فقد وجّه بأن الغالب من أفعاله ﷺ المندوبات. وهو توجيه ضعيف.
وقد قال الشوكاني (٦) بالندب، ووجّهه بأن فعل النبي ﷺ وإن لم يظهر فيه
стр. 314
قصد القربة، فهو لا بدّ أن يكون لقربة. وأقل ما يتقرّب به المندوب، ولا دليل يدل على زيادة على الندب، فوجب القول به.
وهذا أيضاً توجيه آخر ضعيف، لأن قوله: "لا بدّ أن يكون لقربة" مردود فالنبي ﷺ واحد من البشر، يفعل كغيره من الناس، ما أباح الله له. وليس فعل المباح عبثاً فيلزم تنزيهه عنه، بل قد يفعل لجلب نفع أو دفع ضرر.
القول الثالث: أنه للإباحة وهو ضعيف بالنسبة إلى ما ظهر فيه قصد القربة. ولكن هو أصح الأقوال فيما لم يظهر فيه ذلك القصد، وادّعى بعض الحنفية الإجماع عليه (١). ووجهه أن الفعل المجرد لا يفهم منه أكثر من رفع الحرج، تُرِك ذلك في ما ظهر فيه قصد القربة، وبقي ما لا قربة فيه خالياً من دليل يدل على أكثر من الإباحة، فيحمل عليها.
فإذا دار الفعل بين أن يكون مقصوداً به القربة أو لا يكون، فمن غلّب فيه قصد القربة استدل بالفعل على الاستحباب، ومن غلّب فيه عدم قصد القربة استدلّ به على الجواز.
ومثاله لبس النبي ﷺ نعليه في الصلاة قال ابن دقيق العيد: "إنه يدل على الجواز، ولا بنبغي أن يؤخذ منه الاستحباب، لأن ذلك لا يدخل في المعنى المقصود من الصلاة إلّا أن دليل على إلحاقه بما يُتجمّل به للصلاة، فيرجع إليه" (٢).
أقول: قد صح فيه الحديث: "خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا في خفافهم" (٣). فكان قصد القربة فيه من وجه آخر غير التجمّل. والله أعلى وأعلم.
القول الرابع: التوقّف. ومعناه الامتناع عن حمل الفعل المجهول الصفة على حكم معيّن. فيمتنع المساواة فيه، بناء على ذلك.
стр. 315
ووجه الوقف فيما ظهر فيه قصد القربة، احتمال أنه ﷺ فعله وجوباً، أو فعله ندباً. وعدم الدليل على كونه فعله وجوباً، لا يدل على عدم كونه كذلك، فلا يتعين الندب.
وأما ما لم يظهر فيه قصد القربة، فلاحتمال أنه ﷺ فعله وجوباً أو ندباً أو إباحة. وعدم الدليل على كونه فعله وجوباً أو ندباً لا يدل على عدم كونه كذلك، فلا تتعيّن الإباحة.
وممن قال بهذا: الفخر الرازيّ، والغزالي.
فالتوقف في ما ظهر فيه قصد القربة بين الوجوب والندب.
والتوقف في ما لم يظهر فيه ذلك القصد، بين الأحكام الثلاثة.
وقيل: الوقف بين الثلاثة، على كل حال (١).
القول المختار في محمل الفعل المجهول الصفة:
الذي نختاره إن ما ظهر فيه قصد القربة يحمل على الندب في حقه ﷺ وما لم يظهر فيه ذلك يحمل على الإباحة.
أما ما احتجوا به لقول الوجوب، من أنه أحوط، فنترك الرد عليه إلى موضعه الأليق به في المبحث الرابع من هذا الفصل.
وأما الاحتجاج بأن فعل الواجب أعظم أجراً، وأن ذلك أليق بحاله ﷺ ، فهو مردود بما هو معلوم الوقوع من أن أفعاله المندوبة في العبادات أكثر من أفعاله الواجبة، ومثال ذلك الصيام، فكان ﷺ يصوم الاثنين والخميس، وثلاثاً من كل شهر، ويصوم من رجب وشعبان والحرم وغير ذلك، وكان لا يلتزم بذلك. وهذا يدل على عدم وجوبه، وأن أكثر أفعاله فيما عدا العبادات على الإباحة.
وأما ما احتجّ به الواقفون، فهو حقّ، لأن انتفاء دليل الوجوب في ما ظهر فيه قصد القربة، لا يمنع أنه ﷺ فعلها في الواقع وحقيقة الأمر على سبيل الوجوب. فلذلك لا يتعيّن الندب.
стр. 316
ولكن نقول: إنما نحمل القربة المجهولة الصّفة على الندب، لأنه لما ثبت لدينا وجوب التأسّي به ﷺ (كما سيأتي)، وعلمناه قد فعل هذه القربة، فكان لا بدّ لنا من حملها على أحد الحكمين، لنتمكن من التأسّي. ولما كان حمل القربة على الوجوب في حقه يقتضي الوجوب في حقنا، والأصل براءة ذممنا من ذلك، حملناه على الندب، لأنه المتحقق بعد ثبوت الطلب (١).
وكذلك القول فيما فعله ﷺ ، مما لم يظهر فيه قصد القربة، يحمل على الإباحة لأنها المتيقنّة.
تنبيه: يتضح مما تقدم عرضه في هذا المبحث والذي قبله، أنه حيث قال أحد من العلماء في فعل من الأفعال النبوية المجردة إنه يدل على الوجوب في حقنا، فذلك القول له أحد مأخذين.
المأخذ الأول: أن يكون قائله ممن يرى أن الفعل المجرّد يدل على الوجوب في حقنا (القول الثالث) بقطع النظر عن حكمه بالنسبة إليه ﷺ .
المأخذ الثاني: أن يكون قائله من أصحاب القول الأول وهو قول المساواة، مع كونه يعتقد في الفعل أنه صدر عن النبي ﷺ واجباً، إن كان معلوم الصفة أو يلحقه بالواجب إن كان مجهول الصفة.
ولا يتعين أحد هذين المأخذين بمجرّد نسبة القول بالوجوب إلى قائل معيّن، ما لم تقم قرينة تبيّن مقصوده.
وكذلك القول بالندب يدور بين مأخذين موازيين لمأخذي قول الوجوب.
ومثله أيضاً القول بالإباحة.
وأما قول الوقف فله في الفعل المعلوم الصفة مأخذ واحد، هو احتمال الخصوصية، وفي المجهول الصفة مأخذان: الأول احتمال الخصوصية والمعصية ونحوها. والآخر: عدم تعين الحكم في حقه ﷺ على قول المساواة.
стр. 317
المبحث الثالث ما ينسبُ إلى الأئمَّة من القول في الفعل المجرّد بنوعَيْه
اضطربت كتب الأصول في ما تنسب إلى بعض الأئمة من القول في دلالة الفعل المجرّد على الأحكام، حتى إننا لنجدهم ينسبون إلى الإمام الواحد أقوالاً متضاربة ينقض بعضها بعضاً.
فالإمام مالك مثلاً نسب إليه القول بالوجوب، والقول بالندب، والقول بالإباحة.
والثلاثة منسوبة إلى الإمام الشافعي أيضاً.
وكذلك نسبت الأقوال الثلاثة إلى الإمام أحمد بن حنبل.
ولعلّ هذا الاضطراب راجع:
أولاً: إلى أن ما أسند إليهم ليس منصوصاً لهم وإنما هو تخريج على بعض أقوالهم في الفروع. قال المازري: "أشار ابن خويز منداد إلى أن قول الوجوب مذهب مالك، وقال: وجدته في موطئه يستدل بأفعال النبي ﷺ كما يستدل بأقواله".
وسنبيّن أشياء من هذه قريباً إن شاء الله.
وثانياً: إلى اختلافهم في مقصودهم بالوجوب أو الندب أو الإباحة، أهو راجع إلى حكم الفعل في حقه ﷺ ، أم في حقنا. وفي مقصودهم بالتأسّي الذي يوجبونه أو يندبون إليه، أهو المساواة في مجرد الصورة أو في الصورة مع الحكم.
стр. 318
وكثير من ذلك سيبقى مبهماً دون حلّ، نظراً لتعذّر الحصول على نصوص لهم أو نسبة أقوال منضبطة محررة.
أما متأخرو الأصوليين، فكثير من أقوالهم منضبطة محررة نسبياً.
وأنا أنسب الأقوال إلى أصحابها مرتّبة بحسب المذاهب، وقد كان بالإمكان ترتيبها بحسب الأقوال أنفسها كما هو المعتاد في مثل هذا، إلّا أن غرضي أن أدلّ على كثرة الاضطراب في هذه المسألة المهمة، حتى عند أصحاب المذهب الواحد.
١ - الإمام أبو حنيفة وأتباعه:
لم نجد نقلاً عن أبي حنيفة ﵁ في كتب أتباعه، وقال الغزالي في المنخول: "عُزِي إليه أنه يُتَلَقّى من الفعل الوجوب مطلقاً" (١).
والجصّاص، من الحنفية، يرى أن الأصل في أفعاله ﷺ الاشتراك في معلوم الصفة، فيجب علينا المتابعة فيها حتى يقوم دليل الخصوص، وفي مجهول الصفة تثبت الإباحة حتى يقوم دليل الحكم في حقه (٢).
وأبو الحسن الكرخي الحنفيّ اختلف النقل عنه، فبعض الحنفية نقل عنه أنه يثبت الإباحة في حقه ﷺ لأنه لا يقدم على معصية، ويحمل الأفعال المجرّدة كلها على الخصوصية فيمنع الاقتداء بها ما لم يقم دليل الاشتراك.
ونقل عنه آخرون أنه يثبت المتابعة في معلوم الصفة، ويمنعها في مجهول الصفة (٣). وقد أشار الجصّاص إلى اختلاف النقل عن الكرخي، ثم قال: "والذي يغلب على ظني من مذهبه أن علينا اتّباعه فيه على الوجه الذي أوقعه عليه (٤).
ونقل عنه ابن الباقلاني أنها تدلّ على الوجوب (٥).
стр. 319
ونقل عنه صاحب مسلم الثبوت (١) القول بالوقف.
والذي استقر عند متأخري الحنفية المساواة في معلوم الصفة، والإباحة في مجهولها. وخصّه ابن الهمّام بما لم يظهر فيه قصد القربة (٢).
٢ - المالكيّة:
نقل ابن خويز منداد المالكي عن الإمام مالك أن فعله ﷺ على الوجوب. وقال: "وجدته في موطئه يستدل بأفعاله ﷺ " أقول: إن لم يكن عنده دليل يثبت به مذهب مالك ما عدا هذا، فإنه لا يثبت مذهبه في المسألة، لاحتمال أن مالكاً يحتج في موطئه على الوجوب بالأفعال البيانية، أو بما علم وجوبه في حقه ﷺ ، على قول المساواة. وقد وجدنا مالكاً ﵀ ذكر في الموطأ في الوضوء تمضمض النبي ﷺ قبل غسل وجهه، ثم قال: "أما الذي غسل وجهه قبل أن يتمضمض فليمضمض ولا يعد غسل وجهه" (٣).
فهذا فعل مجرّد لم يره مالك دالاًّ على الوجوب، وإلاّ لأوجب إعادة غسل الوجه.
وقال صاحب تيسير التحرير (٤) ما مفاده أن قول مالك هذا هو في ما كان قربة من مجهول الصفة، يعني الدائر بين الوجوب والندب. فيحمله على الوجوب في حقه ﷺ وحقنا.
ونقل الرازي (٥) والآمدي (٦) عنه القول بالإباحة في ما ظهر فيه قصد القربة.
والباقلاني -وهو مالكي- يقول بالوقف.
стр. 320
٣ - الشافعيّة:
أما الإمام الشافعي نفسه فقد نسب إليه القول بالوجوب (١)، والقول بالندب (٢)، والقول بالإباحة.
وأبو إسحاق الشيرازي (٣) قال بالمساواة في ما ظهر حكمه، وبالإباحة فيما لم يظهر فيه قصد القربة من مجهول الصفة، وبالوقف في ما ظهر فيه ذلك القصد، بين الوجوب والندب.
والمنقول عن جمهور الشافعية أن فعله ﷺ على الندب في حقنا ما لم يدل على غير ذلك دليل (٤)، وقد تبنّى هذا القول أبو شامة في كتابه (المحقّق من علم الأصول فيما يتعلّق بأفعال الرسول) وانتصر له، بل بنى كتابه عليه.
وفريق من الشافعية، وهم ابن سريج ومن معه (٥)، قالوا بأن فعله ﷺ في القربات، إذا كان مجهول الصفة، يحمل على الوجوب في حقه وبالتالي يكون مثله منّا واجباً.
ومن الشافعيّة من قال بالمساواة، منهم الصيرفي وابن فورك. ونقل عنهما الزركشي وأبو شامة قول الوقف (٦).
وكثير من المتكلمين صاروا إلى الوقف، منهم الغزالي في (المستصفى) وأما في (المنخول) (٧) فقد أخذ بقول المساواة، مع حمل القربة مجهولة الصفة على الندب، وحمل ما عدا القربة من ذلك على الإباحة.
والرازي قال بالوقف في كتابه (المحصول)، وقال بالوجوب في كتابه (المعالم).