ولكن نقول: إنما نحمل القربة المجهولة الصّفة على الندب، لأنه لما ثبت لدينا وجوب التأسّي به ﷺ (كما سيأتي)، وعلمناه قد فعل هذه القربة، فكان لا بدّ لنا من حملها على أحد الحكمين، لنتمكن من التأسّي. ولما كان حمل القربة على الوجوب في حقه يقتضي الوجوب في حقنا، والأصل براءة ذممنا من ذلك، حملناه على الندب، لأنه المتحقق بعد ثبوت الطلب (١).
وكذلك القول فيما فعله ﷺ ، مما لم يظهر فيه قصد القربة، يحمل على الإباحة لأنها المتيقنّة.
تنبيه: يتضح مما تقدم عرضه في هذا المبحث والذي قبله، أنه حيث قال أحد من العلماء في فعل من الأفعال النبوية المجردة إنه يدل على الوجوب في حقنا، فذلك القول له أحد مأخذين.
المأخذ الأول: أن يكون قائله ممن يرى أن الفعل المجرّد يدل على الوجوب في حقنا (القول الثالث) بقطع النظر عن حكمه بالنسبة إليه ﷺ .
المأخذ الثاني: أن يكون قائله من أصحاب القول الأول وهو قول المساواة، مع كونه يعتقد في الفعل أنه صدر عن النبي ﷺ واجباً، إن كان معلوم الصفة أو يلحقه بالواجب إن كان مجهول الصفة.
ولا يتعين أحد هذين المأخذين بمجرّد نسبة القول بالوجوب إلى قائل معيّن، ما لم تقم قرينة تبيّن مقصوده.
وكذلك القول بالندب يدور بين مأخذين موازيين لمأخذي قول الوجوب.
ومثله أيضاً القول بالإباحة.
وأما قول الوقف فله في الفعل المعلوم الصفة مأخذ واحد، هو احتمال الخصوصية، وفي المجهول الصفة مأخذان: الأول احتمال الخصوصية والمعصية ونحوها. والآخر: عدم تعين الحكم في حقه ﷺ على قول المساواة.
стр. 317
المبحث الثالث ما ينسبُ إلى الأئمَّة من القول في الفعل المجرّد بنوعَيْه
اضطربت كتب الأصول في ما تنسب إلى بعض الأئمة من القول في دلالة الفعل المجرّد على الأحكام، حتى إننا لنجدهم ينسبون إلى الإمام الواحد أقوالاً متضاربة ينقض بعضها بعضاً.
فالإمام مالك مثلاً نسب إليه القول بالوجوب، والقول بالندب، والقول بالإباحة.
والثلاثة منسوبة إلى الإمام الشافعي أيضاً.
وكذلك نسبت الأقوال الثلاثة إلى الإمام أحمد بن حنبل.
ولعلّ هذا الاضطراب راجع:
أولاً: إلى أن ما أسند إليهم ليس منصوصاً لهم وإنما هو تخريج على بعض أقوالهم في الفروع. قال المازري: "أشار ابن خويز منداد إلى أن قول الوجوب مذهب مالك، وقال: وجدته في موطئه يستدل بأفعال النبي ﷺ كما يستدل بأقواله".
وسنبيّن أشياء من هذه قريباً إن شاء الله.
وثانياً: إلى اختلافهم في مقصودهم بالوجوب أو الندب أو الإباحة، أهو راجع إلى حكم الفعل في حقه ﷺ ، أم في حقنا. وفي مقصودهم بالتأسّي الذي يوجبونه أو يندبون إليه، أهو المساواة في مجرد الصورة أو في الصورة مع الحكم.
стр. 318
وكثير من ذلك سيبقى مبهماً دون حلّ، نظراً لتعذّر الحصول على نصوص لهم أو نسبة أقوال منضبطة محررة.
أما متأخرو الأصوليين، فكثير من أقوالهم منضبطة محررة نسبياً.
وأنا أنسب الأقوال إلى أصحابها مرتّبة بحسب المذاهب، وقد كان بالإمكان ترتيبها بحسب الأقوال أنفسها كما هو المعتاد في مثل هذا، إلّا أن غرضي أن أدلّ على كثرة الاضطراب في هذه المسألة المهمة، حتى عند أصحاب المذهب الواحد.
١ - الإمام أبو حنيفة وأتباعه:
لم نجد نقلاً عن أبي حنيفة ﵁ في كتب أتباعه، وقال الغزالي في المنخول: "عُزِي إليه أنه يُتَلَقّى من الفعل الوجوب مطلقاً" (١).
والجصّاص، من الحنفية، يرى أن الأصل في أفعاله ﷺ الاشتراك في معلوم الصفة، فيجب علينا المتابعة فيها حتى يقوم دليل الخصوص، وفي مجهول الصفة تثبت الإباحة حتى يقوم دليل الحكم في حقه (٢).
وأبو الحسن الكرخي الحنفيّ اختلف النقل عنه، فبعض الحنفية نقل عنه أنه يثبت الإباحة في حقه ﷺ لأنه لا يقدم على معصية، ويحمل الأفعال المجرّدة كلها على الخصوصية فيمنع الاقتداء بها ما لم يقم دليل الاشتراك.
ونقل عنه آخرون أنه يثبت المتابعة في معلوم الصفة، ويمنعها في مجهول الصفة (٣). وقد أشار الجصّاص إلى اختلاف النقل عن الكرخي، ثم قال: "والذي يغلب على ظني من مذهبه أن علينا اتّباعه فيه على الوجه الذي أوقعه عليه (٤).
ونقل عنه ابن الباقلاني أنها تدلّ على الوجوب (٥).
стр. 319
ونقل عنه صاحب مسلم الثبوت (١) القول بالوقف.
والذي استقر عند متأخري الحنفية المساواة في معلوم الصفة، والإباحة في مجهولها. وخصّه ابن الهمّام بما لم يظهر فيه قصد القربة (٢).
٢ - المالكيّة:
نقل ابن خويز منداد المالكي عن الإمام مالك أن فعله ﷺ على الوجوب. وقال: "وجدته في موطئه يستدل بأفعاله ﷺ " أقول: إن لم يكن عنده دليل يثبت به مذهب مالك ما عدا هذا، فإنه لا يثبت مذهبه في المسألة، لاحتمال أن مالكاً يحتج في موطئه على الوجوب بالأفعال البيانية، أو بما علم وجوبه في حقه ﷺ ، على قول المساواة. وقد وجدنا مالكاً ﵀ ذكر في الموطأ في الوضوء تمضمض النبي ﷺ قبل غسل وجهه، ثم قال: "أما الذي غسل وجهه قبل أن يتمضمض فليمضمض ولا يعد غسل وجهه" (٣).
فهذا فعل مجرّد لم يره مالك دالاًّ على الوجوب، وإلاّ لأوجب إعادة غسل الوجه.
وقال صاحب تيسير التحرير (٤) ما مفاده أن قول مالك هذا هو في ما كان قربة من مجهول الصفة، يعني الدائر بين الوجوب والندب. فيحمله على الوجوب في حقه ﷺ وحقنا.
ونقل الرازي (٥) والآمدي (٦) عنه القول بالإباحة في ما ظهر فيه قصد القربة.
والباقلاني -وهو مالكي- يقول بالوقف.
стр. 320
٣ - الشافعيّة:
أما الإمام الشافعي نفسه فقد نسب إليه القول بالوجوب (١)، والقول بالندب (٢)، والقول بالإباحة.
وأبو إسحاق الشيرازي (٣) قال بالمساواة في ما ظهر حكمه، وبالإباحة فيما لم يظهر فيه قصد القربة من مجهول الصفة، وبالوقف في ما ظهر فيه ذلك القصد، بين الوجوب والندب.
والمنقول عن جمهور الشافعية أن فعله ﷺ على الندب في حقنا ما لم يدل على غير ذلك دليل (٤)، وقد تبنّى هذا القول أبو شامة في كتابه (المحقّق من علم الأصول فيما يتعلّق بأفعال الرسول) وانتصر له، بل بنى كتابه عليه.
وفريق من الشافعية، وهم ابن سريج ومن معه (٥)، قالوا بأن فعله ﷺ في القربات، إذا كان مجهول الصفة، يحمل على الوجوب في حقه وبالتالي يكون مثله منّا واجباً.
ومن الشافعيّة من قال بالمساواة، منهم الصيرفي وابن فورك. ونقل عنهما الزركشي وأبو شامة قول الوقف (٦).
وكثير من المتكلمين صاروا إلى الوقف، منهم الغزالي في (المستصفى) وأما في (المنخول) (٧) فقد أخذ بقول المساواة، مع حمل القربة مجهولة الصفة على الندب، وحمل ما عدا القربة من ذلك على الإباحة.
والرازي قال بالوقف في كتابه (المحصول)، وقال بالوجوب في كتابه (المعالم).
стр. 321
ومن الواقفين في ذلك أيضاً الدقاق (١).
والجويني يقول في (البرهان) بالندب (٢).
وأما الآمدي فقد قال بالمساواة في ما ظهر حكمه. وأما ما جهل حكمه وظهر فيه قصد القربة فإنه يدل عنده على ترجيح الفعل على الترك، ولعله يعني الندب (٣). وما لم يظهر فيه قصد القربة، يدل عنده على الإباحة في حقنا كما صرّح به (٤).
٤ - الحنابلة:
نسب أبو الخطاب إلى الإمام (٥). أحمد ثلاث روايات في دلالة الفعل المجرّد: الوجوب، والندب، والوقف. وقال: إنه استنبط القول بالوقف من قول أحمد "الأمر من النبي ﷺ سوى الفعل، لأنه ﷺ يفعل الشيء على جهة الفضل، وقد يفعل الشيء وهو خاص به، وإذا أمر بالشيء فهو للمسلمين" هذا بينما ادّعى أبو يعلى أن هذا القول من أحمد نص منه على الندب.
وقال أبو الحسن التميمي الحنبلي: "الذي انتهى إليّ من قول أبي عبد الله - يعني الإمام أحمد- إن فعل النبي ﷺ موقوف على ما يضامّه من الدليل" (٦).
وقد نقد ابن تيمية تخريج القول بالوقف وبين أن التخريج باطل (٧).
وقد نسب الآمدي إلى الحنابلة القول بالوجوب في مجهول الصفة من القرب في حقه ﷺ وحقنا (٨) وممن صرّح به منهم القاضي أبو يعلى وقال: هذا قياس
стр. 322
المذهب (١). يعني في القرب خاصة إذا لم يتعيّن حكمها بدليل. فإن تعيّن فالحكم المساواة (٢).
٥ - المعتزلة:
ينسب إلى طوائف من المعتزلة القول بالوجوب (٣).
والذي عند القاضي عبد الجبار في المغني، المساواة في معلوم الصفة. وأما مجهولها فما كان قربة فهو دائر بين الوجوب والندب، ويحمل على الندب (٤) وما لم يكن قربة يحمل على الإباحة (٥).
ورأي أبي الحسين البصري المساواة في معلوم الصفة. ولم يتّضح لنا قوله في مجهولها.
أما ابن خلاد المعتزلي (٦) فقد نقل عنه التفريق في التأسّي بين العبادات وغيرها. فأوجب الاقتداء في الفعل العبادي المجرد، ومنع الاقتداء في غير ذلك. والنقل عنه في كتب الأصوليين مضطرب وغير محرر.
٦ - الظاهريّة:
يقول الظاهرية إن الأفعال المجردة تدلّ في حقنا على الندب خاصة، فإذا نقل إلينا فعله ﷺ فلا وجوب.
قال ابن حزم ونقله (عن جميع أصحاب الظاهر): "ليس شيء من أفعاله ﷺ واجباً، وإنما نُدِبْنا إلى أن نتأسّى به فيها فقط ... إلا ما كان بياناً أو تنفيذاً" (٧).
стр. 323
المبحث الرابع الأدلَّة والمناقشات
نتعرّض في هذا المبحث لأدلة الأقوال السبعة المتقدمة، فنوردها، ونبيّن أوجه الاستدلال بها، ونذكر ما يورد عليها.
وقد قدمنا أن الأقوال الثلاثة الأخيرة، وهي قول الإباحة، وقول التحريم. وقول الوقف، مبناها على عدم التأسي بالفعل النبوي المجرد بدعوى أنه محتمل للخصوصية، والفعل الخاصّ يمتنع الاقتداء به.
ونحن نناقش هذه الدعوى المشتركة بين الثلاثة في مطلب، ثم نستعرض الأقوال الثلاثة، واحداً واحداً، ونعقد لكل منها مطلباً.
المطلب الأول في مناقشة دعوى امتناع التأسيّ لاحتمال الخصوصية ونحوها
لا شك أن للنبي ﷺ خصائص لا يشاركه فيها أحد من أمته، وقد تقدم ذكر ذلك.
وهناك أفعال ثبتت المشاركة في أحكامها بين النبي ﷺ والأمة كالإسلام والصلاة والصوم والحج وصلة الرحم ونحو ذلك. وكسائر الأفعال البيانية، والأفعال التي هي امتثال وتنفيذ لآيات معلومة عامة للنبي ﷺ والأمة. ومثلها أيضاً الأفعال التي أمرنا بالتأسّي فيها بأعيانها.
стр. 324
وأما الواسطة، وهي الفعل المجرّد الذي لم يُعلم أنه خاص، ولم يُعلم أنه مشترك الحكم، فهل يُقتدى به؟ هذا موضع الاختلاف.
فأما الذين منعوا التأسّي به أصلاً، وهم أصحاب الأقوال الثلاثة المذكورة فقد قالوا: إنه لما كان احتمال الخصوصية قائماً في كل فعل مجرد، فليس لأحد أن يدعي جواز أخذ الحكم منه، فلعلّه أن يكون مما يجوز له ﷺ ويحرم على غيره، فيكون من اقتدى به قد فعل حراماً.
إذا نظرنا -منصفين- نجد أن خصائصه التي ثبتت بأدلة صحيحة قليلة جداً، وقد قدرناها فيما مضى بخمس عشرة خاصة، وجزء كبير منها إنما خصوصيتها بكونها محرمة عليه، والمحرم لا يفعله ﷺ ، فلا يبقى من الأفعال التي فعلها والتي ثبت اختصاصه بأحكامها أكثر من عشر خصائص.
هذا بينما أكثر الأحكام الشرعية ثبت الاشتراك فيها، كأنواع العبادات وأركانها وشروطها، وما يستحب فيها من الأفعال والهيئات وكذلك الآداب والمعاملات التي ثبت الاشتراك فيها، تزيد أضعافاً مضاعفة عما ثبت الاختصاص فيه.
ومن هنا فإن الفعل المجرّد ينبغي ألاّ تُمنع دلالته في حقّنا لأجل الاحتمال الضئيل لكونه خاصة من خصائصه ﷺ .
يقول الآمدي: "وأما بالنسبة إلى أمته، فلأنه وإن كان، ﵊، قد اختصّ عنهم بخصائص لا يشاركونه فيها، غير أنها نادرة، بل أندر من النادر بالنسبة إلى الأحكام المشترك فيها. وعند ذلك، فما من أحد من آحاد الأفعال إلا واحتمال مشاركة الأمة للنبي ﷺ فيه أغلب من احتمال عدم المشاركة، إدراجاً للنادر تحت الأعم الأغلب، فكانت المشاركة أظهر" (١). اهـ.
وبمثله أجاب ابن الهمّام أيضاً (٢).
стр. 325
لقد حاول الغزالي أن يردّ هذا الاستدلال بقوله: "فإن قيل التعميم أكثر فلينزل عليه.
"قلنا: وَلَمْ يُجب التنزيل على الأكثر، وإذا اشتبهت أخته بعشر أجنبيات فالأكثر حلال ولا يجوز الأخذ به" (١). اهـ.
وهذا التنظير غير مستقيم، لأن المخالف يدّعي ندرة الخصوصيات، لا مجرّد قلتها. والتنظير الصحيح ينبغي أن يكون بما يقوله الفقهاء من أنه لو اشتبهت أخته بنساء أهل مدينة أو قرية غير محصورات، لم يحرم عليه الزواج منها (٢).
ولا شكّ أن القاعدة (الحكم للأغلب ولا عبرة بالنادر) قاعدة صحيحة في باب الأدلة الشرعية. ولو نحن أبطلنا كل دليل في الكتاب والسنة لاحتمال ضئيل، لأبطلنا بذلك حجيّة القسم الأكبر من الشريعة، من أخبار الآحاد والقياس، بل والآيات والأحاديث المتواترة التي قد يتطرق احتمال إلى دلالالتها.
ويقول المازري: "وبالجملة فالأظهر في هذا أننا مأمورون بالاتباع على الجملة فإن الصحابة كانت تدين بهذا. وإذا طرقنا إلى مثل هذا الاستدلال ما أشار إليه الواقفية من التجويز، فتحنا على أنفسنا مطاعن من طعن علينا في استدلالنا بآثارهم في إثبات القياس والعمل بخبر الواحد. وهذا واضح. وإنما يبقى النظر في مسلكهم اتباعه ﷺ (كذا) هل كانوا يعتقدون الوجوب أو الندب" (٣).
ويقول أبو شامة: "مذهب الواقفية مستلزم للتوقيف في أقوال الشارع وأفعاله، ولزم من ذلك التوقف في أكثر الأحكام الشرعية، وهو خلاف ما عليه السلف وأئمة الهدى من فقهاء الأمصار" (٤).
هذا وقد أحسن أبو الخطاب صياغة الردّ على من منع التأسي لاحتمال الخصوصية، إذ يقول: "احتجّوا بأن ما يفعله يجوز أن يكون مصلحة له دوننا (٥)
стр. 326
"والجواب أنه يجوز أن يكون مصلحة لنا أيضاً، وقد أمرنا اتباعه، فوجب ذلك، لأن الظاهر أن المصلحة في الفعل تعمّه وإيانا، إلا أن يردّ دليل بتخصيصه".
وأما احتمال المعصية ونحوها فقد أجبنا عليه في الفصل الثالث.
стр. 327
المطلب الثاني قول الوقف
مبنى هذا القول على أن الفعل المجرّد لا دلالة له، لأن حكمه دائر بين الاختصاص والاشتراك، ولاحتمال المعصية ونحوها عند من يقول به.
وقد وجّهوه في الفعل المجهول الصفة أيضاً بأن التأسّي به غير ممكن، إذ التأسّي يستدعي المساواة في صورة الفعل وحكمه، فلما كان حكمه مجهولاً امتنع الاقتداء به ووجب التوقف.
فأما الاستدلال باحتمال الخصوصية والمعصية فقد أبطلناه في ما تقدم.
وأما توجيههم الوقف في الفعل المجهول الصفة فقد تقدم مناقشته أيضاً في مبحث الفعل المجهول الصفة.
إلاّ أنه يتعيّن هنا النظر في مقصودهم بالتوقف، والتصرف الذي يرون أنه ينبغي إزاء الفعل المجرّد.
فأما قولهم في الفعل المجهول الصفة أنه يتوقف فيه، فيحتمل أنهم أرادوا التوقف في حكمه بالنسبة إليه ﷺ . وهذا أمرُهُ قريب.
ولكنهم قالوا بالوقف أيضاً فيما ظهر حكمه، وحينئذ فإما أن يمنعوا الاقتداء به فيؤول إلى قول الحظر الآتي ذكره، ولكنهم أعني الواقفية: الغزالي، والرازي، ومن معهما- ممن ورد قول الحظر.
وإما أن يجيزوا الاقتداء به مع الجهل بوجهه، وهذا أيضاً ما صرّحوا ببطلانه.
стр. 328
فلا يبقى إلاّ أنهم يعتبرون وجود الفعل المجرّد كعدمه بالنسبة إلينا، وحينئذ نرجع إلى الأصل في الأفعال قبل ورد الشرع، وهو ارتفاع الحرج عن الفعل. وليس ذلك عندهم هو الإباحة لأن الإباحة عندهم حكم شرعي، وهذا ليس حكماً (١). وانما هو خلوّ الفعل عن الحكم. ويكون الحكم في حقنا عندهم بمعنى الإباحة على قول من يقول: الإباحة حكم عقلي (٢).
стр. 329
المطلب الثالث قول التحريم
لم ينسب هذا القول إلى قائل معين (١)، وإنما نسب إلى بعض من قال بأن الأصل في الأشياء قبل ورود السمع التحريم. فإذا انتفت دلالة الفعل النبوي على الأحكام بقي الفعل على ذلك الأصل. قال الغزالي: "هذا خيال من رأى الأشياء قبل الشرع على الحظر" (٢).
والآمديّ ذكر أن مبناه على قول من يجوّز على الأنبياء المعاصي (٣).
وقد أبى أبو شامة طريقة الآمديّ في بناء هذا القول، ولم يذكر وجه رده، ولا داعي لرده إذ هو محتمل. ووجه أنه كيف يقتدى به فيما يحتمل أنه معصية؟.
ويردّ هذا القول من أصله، بأن الأصل في المنافع الإباحة، كما يعلم في موضعه من كلام الأصوليين.
وبأن النبي ﷺ معصوم من المعصية، أو من الإقرار عليها.
وأن من أجاز وقوعها فإنما يقع ذلك عنده على سبيل الفلتة والأمر النادر.
وقد أجاب الغزالي بجواب آخر، قال: "يلزم من هذا القول تناقض،
стр. 330
بتقدير أن يفعل النبي ﷺ فعلين متضادين في وقتين، فيؤدي إلى أن يحرم الشيء وضدّه، وهو تكليف محال" (١).
ومن أجل ذلك قال أبو شامة: "هذا قول سخيفٌ رديء على أيّ الأصلين بُني" (٢).
стр. 331
المطلب الرابع قول الإباحة
١ - هو راجع عند بعض القائلين به إلى امتناع التأسيّ في معلوم الصفة ومجهولها. وأن الواجب العودة إلى الأصل في الأفعال، وهو الإباحة.
ويردّ على أصحاب هذا الاتجاه بما تقدم في إبطال دعوى امتناع التأسي.
٢ - ويرجع عند آخرين إلى أننا لم يطلب منا التأسي به ﷺ في أفعاله المجردة، بل أبيح لنا ذلك.
وجوابه بما تقدم في فصل حجيّة الفعل النبوي من الأدلة القاضية بأن التأسّي مطلوب شرعاً.
٣ - ومبناه عند طائفة ثالثة أننا حملنا فعله ﷺ المجهول الصفة في حقه ﷺ على الإباحة، وذلك يقتضي الإباحة في حقنا، على قول المساواة الآتي.
وهذا البناء صواب في الفعل المجهول الصفة إذا لم يظهر فيه قصد القربة. أما إذا ظهر قصد القربة فذلك يرقى بالفعل إلى الندب. ولا تصح دعوى الإباحة فيه، إذ أنها على خلاف مقتضى الظاهر.
...
انتهينا من استعراض الأقوال التي تمنع التأسيّ بالفعل المجرّد بحجّة احتمال الخصوصية أو غيرها. وانتهينا إلى بطلانها جميعاً.
وبقي أن نستعرض الأقوال التي تقول بمشروعية التأسّي به ﷺ . وهي أربعة: القول بالندب، والقول بالوجوب، والقول بالتساوي في العبادات خاصة، والقول بالتساوي في جميع الأفعال المجردة.
ونعقد لكل منها مطلباً.
стр. 332
المطلب الخامس قول الندب
المراد بهذا القول عند من قالوا به معنيان:
الأول: من قصر القول بالندب في الفعل المجهول الصفة على ما ظهر فيه قصد القربة، فهو من القائلين بالتساوي لكن يحمل الفعل على أنه صدر منه ﷺ مندوباً. ولذا فإننا سنذكر القول بالندب بهذا المعنى مع قول التساوي.
الثاني: أننا إذا علمنا أن النبي ﷺ فعل فعلاً، فإنه يندب لنا أن نفعل مثله، سواء، علمنا أنه ﷺ فعل ذلك على سبيل الوجوب، أو الندب، أو الإباحة، أو لم نعلم ذلك، وسواء أكان الفعل قربة أم لم يكن، كما صرّح بذلك بهذا التفصيل أبو شامة (١).
ونقصر القول في هذا المطلب على المعنى الثاني.
وقد وضّح أبو شامة قول الندب، وما يجري فيه، حيث يقول (٢):
"كل فعل ظهر فيه قصد القربة، وكان معلوم الصفة من وجوب أو ندب، أو لم يكن، فالأمة مندوبون إلى إيقاع مثل ذلك الفعل مطلقاً.
وما لم يظهر فيه قصد القربة، وكان محتملاً للقربة، وإن خفيت عنا، فكذلك. مثاله رفع اليدين عند التحرم بالصلاة، وعند الركوع، والرفع عنه، وعند القيام من الركعتين، وكنزوله ﷺ في حجّته بذي طُوَى ومبيته يوم ليلة يوم
стр. 333
عرفة. فهذا ونحوه أفعال صدرت منه ﷺ تحتمل القربة، وإن لم يظهر لنا فاستحبّ علماء المذهب متابعته والتأسيّ به فيها. وهي في هذا الباب بمثابة الأوصاف الشبهيّة في باب القياس، إلا أنها مخطوطة الدرجة عما ظهر فيه قصد القربة. فيكون الاستحباب فيها آكد مما لم يظهر فيه قصد القربة، ويكون الاستحباب فيما وجب عليه ﷺ آكد، لأن مصلحته أتم بدليل تحتمه عليه.
فهذه ثلاث درجات: أعلاها متابعته ﷺ في ما وجب عليه.
وبعدها متابعته في ما نُدِب إليه، أوفيما لم تعلم صفته، لكن ظهر فيه قصد القربة.
والدرجة الثالثة ما احتمل القربة وإن لم تظهر.
وبعد هذه الدرجات درجة رابعة، وهي متابعته ﷺ في الأفعال التي يكاد يقطع فيها بخلّوها من القربة، كهيئة وضع أصابع اليد اليمنى في التشهد، فتستحب المحافظة عليها والأخذ بها ما أمكن، تدريباً للنفس الجموح، وتمريناً لها على أخلاق صاحب الشرع، لتعتاد ذلك، فلا تخلّ بعده بشيء مما فيه قربة. فهذا ونحوه هو الذي يظهر لي أن عبد الله بن عمر ﵄ كان يلاحظه، فأخذ نفسه بالمحافظة على جميع آثاره ﷺ ... فالمتّصف بالإيمان، من علامات صحّة إيمانه ومحبته لرسول الله ﷺ التبرك بآثاره، والاتّباع فيها. فهي -وإن لم تصدر من رسول الله ﷺ قربةً - قربةٌ. فنحن نرجو بفعلها التقّرب إلى الله تعالى، لما انطوى عليه فعلنا لها من محبته ﷺ التي حملتنا عليها، ولما يُحْدِث ذلك من رقة القلب بتذكره ﷺ ". اهـ.
ثم نقل أبو شامة عن ابن عَبْدان قوله: "أفعال النبي ﷺ التي لم تحصل منه على وجه القُرَب، يستحبّ التأسّي به فيها، رجاء بركته، مثل أكله وشربه وعطائه ومعاشرته لنسائه، وجميع أفعاله المتعلقة بأمور الدنيا. يستحب التأسّي به في جميع ذلك". اهـ.
стр. 334
أدلة القائلين بالندب:
القائلون بالندب في الفعل المجرّد بأنواعه، استدلوا بما ورد في الشريعة من طلب التأسّي بالنبي ﷺ والاتباع له، ومن فعل الصحابة (١) وقالوا: إن الشرع طلب التأسي لا على سبيل الوجوب، فلا يبقى إلا أنه دال على الندب. واستدلوا على انتفاء الوجوب بانتفاء دليل يحتّم التأسِّي. وحاولوا رد أدلة القائلين بالوجوب بما نذكره في المطلب التالي.
واستدلوا على انتفاء الوجوب أيضاً بأمور (٢):
الأول: أن الفعل أضعف دلالة من القول، والقول يدل على الوجوب، فينبغي أن لا يكون الفعل دالاً عليه، بل على الندب (٣).
ويجاب عن ذلك بأنه لا يلزم من كونه أضعف دلالة خروجه من دائرة الدلالة على الوجوب.
الثاني: حديث أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ ، قال: "كل أمتي يدخلون الجنّة إلا من أبى" قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى" (٤). قالوا: والطاعة والعصيان إنما هي بالنسبة إلى القول دون الفعل. فدل على أن الوجوب مستفاد من القول دون الفعل (٥).
ويجاب بأنه إذا أمر بالقول باتباع فعله، فلم يتّبع، كان عصياناً.
سلمنا أن الطاعة اتِّباع مقتضى القول، والعصيان مخالفته، لكن ليس في الحديث تعرّض للفعل أصلاً. ولو دلّ هذا الحديث على عدم الوجوب، بالفعل
стр. 335
لزم مثل ذلك في الأدلة الأخرى، التي لم تذكر في هذا الحديث، كالإجماع والقياس.
الثالث: حديث: "ما تركت شيئاً مما أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به، ولا تركت شيئاً مما نهاكم الله عنه إلا وقد نهيتكم عنه" (١). قالوا: وهذا ظاهر في القول دون الفعل (٢).
ويجاب بأنه إذا دلّهم بالقول على اتّباع فعله فقد بين بالقول.
وأيضاً: هذا منتقض بكل ما يدل على الوجوب من غير أمره، كالقياس والمفهوم والإجماع.
وأجاب بعض الحنفية (٣) أيضاً بأن الاستحباب كذلك يستدعي التبليغ، فإن لم يكن الفعل تبليغاً للوجوب فلا يكون تبليغاً للندب.
الرابع: حديث: "دعوني ما تركتكم، فإنما أهلكَ من كان قبلكم كثرةُ مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" (٤) قالوا: فلم يوجب على أحد إلا ما استطاع، مما أُمر به، واجتناب ما نهي عنه فقط، وأسقط ما عداه. وأمرهم بتركه ما تركهم (٥).
ويجاب عن ذلك بمثل ما تقدّم في الحديث السابق.
الخامس: قالوا: إنا قد علمنا بضرورة الحسّ والمشاهدة أنه ﷺ ، وكلَّ حي في الأرض، لا يخلو طرفة عين من فعل، إما جلوس، أو مشي، أو وقوف، واضطجاع، أو نوم، أو اتكاء، أو غير ذلك من الأفعال. وفعله لم يظهر دائماً، بل هو في حال خلوته لا يترك الأفعال. قالوا: وهذا يدل على عدم وجوب شيء من
стр. 336
أفعاله، إذا لو كان واجباً لوجب أن يحضره أحد منهم دائماً، لينقل إليهم ما فعله ﷺ من الواجبات.
وهذا من أقوى ما يحتجّون به (١).
وجوابه، وبالله التوفيق، من وجوه:
١ - أن ما يفعله ﷺ في غيبته مما كان واجباً، لا يمتنع أن يفعل مثله مرة أو مرات أخرى بحضرتهم، فيحصل المقصود.
٢ - أنه ﷺ قد حرص على تكثير نسائه، والحكمة أن يرين أحواله في خلوته وينقلنها إلى الناس، وهذا يدل على خلاف ما ذكروا.
٣ - أن دليلهم ينتقض بقولهم هم. إذ إنهم يقولون: فعله يدل على الاستحباب. والاستحباب شرع يجب بيانه، فكان يلزم إظهاره كالواجب.
٤ - أن ما مثلوا به أفعال جبلّيّة، لا ترقى إلى مرتبة الوجوب، بل ولا الاستحباب. والواجبات من أفعاله ﷺ قليل، فيمكن إظهارها.
السادس: واحتج به ابن حزم (٢)، أنّ الأفعال لو كانت على الوجوب لكان ذلك تكليفاً لما لا يطاق، من وجهين:
١ - أنه كان يلزمنا أن نضع أيدينا حيث وضع ﷺ يده، وأن نمشي حيث مشى، وننظر إلى ما نظر إليه. وهذا كله خروج عن المعقول.
ويجاب عن هذا الوجه، بأن هذه مباحات جبلّيّة لا دخل لها في الأحكام، فلا ترد على قول القائلين بالوجوب، والقائلين بالمساواة.
وأيضاً لو صحّ هذا لكان وارداً على قول الندب الذي يقول به ابن حزم، فما كان جواب القائلين بالوجوب.
стр. 337
٢ - أن أكثر هذه الأشياء -يعني الأشياء الماديّة التي تصرف فيها النبي ﷺ بأعيانها- قد فنيت، فكنّا من ذلك مكلّفين ما لا نطيق.
والجواب أن القائلين بالوجوب، إنما يقولون بوجوب إيجاد فعلٍ مماثل لفعله ﷺ . والمماثلة تتحقق دون ما ذكر.
وأيضاً هذا لو صحّ لكان وارداً على قول الاستحباب.
السابع: واستدلوا أيضاً بحديث الأعرابيّ (١) الذي حلف أن لا يزيد شيئاً على ما أخبره النبي ﷺ من أركان الإسلام الخمسة. فقال النبي ﷺ : أفلح إن صدق. قالوا: لم يُلزمه النبي ﷺ أفعاله. ولم ينكر عليه الاقتصار عليها بل شهد له بالفلاح (٢).
وجوابه ما ثبت من إيجاب أمور أخرى كالجهاد وصلة الرحم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فاحتمل أن يكون هذا الحديث متقدّماً ويكون كل ما ثبت وجوبه غير الخمسة المذكورة متأخّراً. ويكون دليل التأسي متأخّر الورود عن حديث الأعرابي.
الثامن: واستدلوا أيضاً بحديث عبد الله بن مسعود (٣)، قال: صلّى رسول الله ﷺ فزاد (أو قال: فنقص) فلما سلم قيل له: يا رسول الله، أحدَثَ في الصلاة شيء؟ قال: "وما ذاك؟ " قالوا: صليتَ كذا وكذا. قال: فثنى رجله واستقبل القبلة، فسجد بهم سجدتين ثم سلم. فلما انْفتَل أقبل علينا بوجهه، فقال: "لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر، أنسى كما تنسون. فإذا نسيتُ فذكِّروني. وإذا شكّ أحدكم في صلاته فليتحرّ الصواب فليبنِ عليه، ثم يسجد سجدتين" (٤). قالوا: معنى قوله ﷺ : "لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به"، ما كنت أقتصر على بيان ذلك بفعلي، بل كنت أنبئكم به قولاً.
стр. 338
والجواب أن مثل هذه الحادثة خالفَ فيها الفعلُ القولَ المتقدم المستقرّ المعلوم، فلا يكفي الفعل لنسخه لو كان المراد النسخ، فلو لم ينبئهم به لقُدم القول.
وحينئذ فإذا أريد نسخه لا بد من أن يكون ذلك بقول. وخاصة على قول من يقول: الفعل لا ينسخ القول مطلقاً، أو لا ينسخه ما لم يتكرر.
وأيضاً ما ذكره النبي ﷺ من أنه ينسى كما ينسون، يجعل تركه لما ترك مجملاً، لأنه يدور بين النسيان وبين التشريع، ومن أجل ذلك لا يصلح الفعل بياناً في مثل هذا المقام، ويتعين القول.
...
هذه أدلتهم التي أوردوها، وقد زيّفناها وبيّنا أنها لا تدل على مطلوبهم. ولقد صرّح أبو شامة بأن "الاقتداء بالواجب من فعله ﷺ لا يكون واجباً، وأنه لا يعلم شيئاً من الأحكام الواجبة مستندُ وجوبه الفعل". وهذه مجازفة غير مقبولة، كان ينبغي له أن يحترز من إطلاقها، لعل الذي حمله على ذلك اقتفاء خطوات ابن حزم رحمة الله عليهما. وإلاَّ فأيّ دليل قوليّ يدل على وجوب خطبة الجمعة، وركنيّة ركعتين في صلاة العيد، ووجوب السعي بين الصفا والمروة في الحج والعمرة، والبدء بالصفا، ووجوب ركوعات صلاة الكسوف، وسجود السهو، وغير ذلك.
دليل بطلان قول الندب:
التأسّي المطلوب شرعاً يقتضي المساواة في صورة الفعل، وفي حكم الفعل. وبدون ذلك لا يكون الفعل الذي نفعله تأسياً. فمن لم يفعل ما يماثل الفعل النبويّ في الصورة فليس متأسيّاً، بل يكون مخالفاً (١). وكذلك مَن فعَل ندباً ما فعله النبي ﷺ واجباً، فذلك ليس تأسيّاً، بل هو نوع من المخالفة، أو هو أقرب إلى الابتداع.
стр. 339
وهذا دليل صحيح. وهو عمدة القائلين بالمساواة في الحكم. وهو الذي نأخذ به. وله يمكن الرد أيضاً على قول القائلين بالوجوب.
وقد اعترض على هذا الدليل بشبهٍ أربع:
الشبهة الأولى: وقد اعترض بها أبو شامة (١). وحاصلها أن تفسير الأسوة بالمساواة في الصورة والحكم تفسير غير مقبول، إذ لا يعرفه أئمة اللغة. بل الوارد في مصنفاته تفسير الأسوة بالاقتداء، وهو لا يقتضي المساواة في الحكم. يقول أبو شامة: "لم أر أحداً ممن وقفت على مصنفه في اللغة ذكر في معنى الائتساء والاتّباع ما ذكروا، ولا يشترط ما شرطوا، بل يفسّرون الائتساء بالاقتداء، هكذا مطلقاً. نحو قول الراغب: الأسوة والأسوة كالقُدوة والقدوة. وهي الحالة التي يكون الإنسان عليها في اتباع غيره، إن حسناً وإن قبيحاً، وإن سارّاً وإن ضارّاً. ولهذا قال تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ فوصفها بالحسنة".
ثم نقل عن غير الراغب مثل ذلك، ثم قال: "فالتأسي على هذا عبارة عن فعلٍ يوافق فعل الغير، مفعولٍ لأجل فعله، متصفٍ بصفاته الظاهرة دون الموافقة له في النية".
ثم قال: "إن دعواهم مقابلة بدعوى أكثر منهم من أهل الأصول، وهم القائلون بالتعيين من وجوب أو ندب، فإنهم لا يفسّرون التأسي والاتباع بما ذكروا، فليرجع إلى تفسير أهل اللغة فإنه الأسدّ".
وقد تلقف هذا التفسير للأسوة المحدّث الصنعاني (٢)، وأكده بالاستشهاد بقول الخنساء في مرثاة أخيها صخر:
وما يبكون مثل أخي ولكن ... أسلِّي النفس عنه بالتأسّي
بعد قولها:
ولولا كثرةُ الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي
стр. 340
واحتجوا على القائلين بالمساواة، بأنهم أجازوا التأسي فيما لا يعلم وجهه، بأن يفعل على طريق الندب، أو على طريق الإباحة. وهذا عندهم يدل على أن التأسي لا يشترط فيه معرفة حكم الفعل.
كشف أمر هذه الشبهة:
ونحن نقول، وبالله التوفيق: إن كلًا من القائلين بالندب والقائلين
بالوجوب، قد شط، والذي يقتضيه ما أورده أن الائتساء والاتباع الموافقة في
الأفعال، كما فسره أهل اللغة. والموافقة المساواة من جميع الوجوه.
فإذا علمناه ﷺ عمل عملاً على وجه الوجوب لا نكون وافقناه بعملنا إياه على وجه الندب، إذ إن هذه مخالفة حقيقية، فلا تتحقّق الأسوة.
وكذلك عكسه، فإن علمناه قد فعل الفعل ندباً فمن المخالفة له أن نفعله على وجه الوجوب ونتخذه علينا واجباً، وكذلك لو علمناه فعل ما فعل على وجه الإباحة يكون من الخطأ اعتبار ذلك قربة والتقرب إلى الله تعالى به وجوباً، أو ندباً. إذ إن ذلك نوع من الابتداع.
أما إذا لم نعلمه فعله ندباً أو وجوباً أو إباحة فإن صفة الفعل لا تكون عندنا أمراً ظاهراً، وليس لنا حينئذ إلا العمل بالظن، وهو حمل القُرُبات على الندب، والتأسي به فيها، وحمل ما عداها على الإباحة.
والحاصل أن الأولى أن يقال: التساوي في الحكم في الفعل المعلوم الصفة واجب، لأن ذلك ظاهر في الفعل، وتركه مخالفة. وأما مجهولها فيعمل بقول الندب في القربة، وبالإباحة فيما عداها، وهذا هو عين قول التساوي كما يأتي إن شاء الله.
وأما ما نقلوه من قول الخنساء، فإن التسلّي عن أخيها لا يدخلها في أغراضه الوجوب أو الندب، حتى يحتّج به في هذه المسألة، أما بالنسبة إلى أفعال النبي ﷺ فإن التقرب على سبيل الوجوب، أو الندب، أو فعلها على سبيل الإباحة من أهمّ الأغراض فيه، فلا بدّ من اعتباره.
شبهة ثانية: وقد اعترض بها الفخر الرازي في (المعالم)، وهو يقول فيه
стр. 341
بالوجوب. قال: فإن قالوا: بتقدير أن يعتقد الرسول أن تلك الأفعال غير واجبة على الأمة كان اعتقاد الأمة وجوبها عليها مخالفة، وتركاً للمتابعة. قلنا: الاعتقاد أمر خفيّ متعارض، فثبت أنّا إن اعتبرنا الاعتقاد جاء التعارض، فوجب اطّراحه والاقتصار على الأفعال الظاهرة (١).
وبمثله أجاب أبو الطيّب الطبريّ (٢).
وهذه شبهة مطّرحة. لأن من أُمِر بالتأسي فيما لا يعلم وجهه، وقد استطاع أن يستدل عليه بالأمارات، فلم لا يفعل؟ ثم إن فعل فأخطأ فلا يصح نسبته إلى المخالفة وترك الاتّباع. بل هو مجتهد مأجور. ولا يقتضي ذلك جواز المخالفة في معلوم الحكم.
شبهة ثالثة: وقد أثارها أبو شامة. فقد بيّن أن من فعل فعلاً من العبادات لا يدري أواجب هو أم مندوب، أن عبادته صحيحة. ثم إن كان الشرع يقتضي وجوبها، وقع فعله واجباً وأجزأ عنه، وإلا فيقع ندباً، وله الأجر على كلّ حال. وكذلك لو نوى العبادة المعيّنة مطلقاً، أعني دون أن ينوي أنها فرض أو نفل، فعبادته صحيحة.
ثم استدل لذلك.
ثم احتّج بهذا على أن التأسي لا يشترط فيه معرفة حكم القربة التي علم أن النبي ﷺ تقرّب بها، بل يكفي عنده معرفة أنها قربة، وتميّزها مما ليس بقربة. ورأى أن ذلك يقتضي أنه لا يشترط في التأسي المساواة في حكم الفعل (٣).
وفي سبيل الرد على ذلك نحب أن نبيّن، أن قول المساواة، وهو الذي نختاره، يوافق قول الندب فيما عُلِم أن النبي ﷺ فعله ندباً، وفيما جهل حكمه مما ظهر فيه قصد القربة.
стр. 342
ويبقى الخلاف في نوعين: الأول ما علم أنه ﷺ فعله على سبيل الوجوب، والثاني: ما علم أنه فعله على سبيل الإباحة، والمحمول عليه.
فأما في الثاني فبطلان دعوى أبي شامة واضح، لأن ما جاز على سبيل العادة والإباحة لا يجوز فعله على سبيل العبادة، فالله تعالى لا يُعْبَد إلا بما شرع. والمباحات لا يتعبّد بها، وذلك أصلٌ مقرّر في الشريعة.
وأما في الأول. وهو معلوم صفة الوجوب، فإن من التحدّي والمباينة لرسول الله ﷺ أن يفعل الشيء واجباً، ونحن نعلم ذلك، ثم لا نتابعه فيه، فهذا خلاف التأسّي. نعم: من جهل حكم القربة فأطلق النّيّة فلا بأس بذلك في بعض صور العبادات، وكذا مَنْ علمه فيطلق النية (١). أما أن يعلم صفة النية من رسول الله ﷺ ثم يتعمّد أن ينوي خلافها، فإنه مشاق ومعاند، بل ومبتدع متباعد. والله الهادي إلى أقوم طريق.
شبهة رابعة: قالوا التساوي في حكم الفعل قد ثبت عدم اعتباره في صور من التأسّي والاقتداء معترف بها، فيدل ذلك على أن التأسّي لا يشترط لحصوله ما ذكرتم من الساواة في الحكم.
فمن الصور المشار إليها اقتداء المصلي المتنفل بالمفترض، والاتفاق حاصل على صحته، واقتداء المفترض بالمتنفل، وهو جائز عند الشافعي وغيره (٢). وكمن خرج لجهاد فتبعه آخر يريد التجارة يسمى متبعاً له في سفره، وإن خالفه في قصده (٣).
ونحن نقول: حقيقة التأسّي والمتابعة الساواة من جميع الوجوه، فإذا دل الدليل على سقوط شيء، بقي ما عداه على الأصل (٤). ومن هنا تَطَلَّبَ الفقهاء الأدلة على جواز اقتداء المفترض بالمتنفل وعكسه. وليس حكم الفعل مما قام الدليل على سقوطه. فيجب التزام المساواة فيه.
стр. 343
وقال أبو الخطاب الحنبلي (١): إن المتنفل خلف المفترض إن قلنا يكون تابعاً، فلأن الصلاة تجمع قربة وإسقاط فرض والمتنفل متقرب، فهو تابع في القربة دون إسقاط الفرض.
وعندي أن هذا الرد لا يكفي، بل هو تصحيح لجواب أصحاب الندب.
وأجاب شارح مسلم الثبوت، على طريقة الحنفية بأن المتنفل إذا أحرم بالصلاة أصبحتْ عليه واجبة، فيستوي الإمام والمأموم في نية الوجوب. وهذا الجواب لا يجري على غير طريق الحنفية.
وأما استشهادهم بأن من خرج لجهاد فتبعه من يريد الحجّ يسمى متبعاً، فالجواب أنه متبع له في أصل السفر، وليس هو متبعاً له في جهاده. وكذلك اتباعنا للنبي ﷺ يجب أن يكون اتباعاً في مقاصده الشريفة، من التقرّب إلى الله تعالى بما كان يتقرب به، من الواجبات والنوافل.
...
وإذ فرغنا من ذكر ما استدل به القائلون بالندب، والرد عليهم بما فتح الله به، نذكر هنا أن قول الندب إن استساغه أحد في ما وجب على النبي ﷺ ، فلا ينبغي أن يستساغ في ما فعله ﷺ على وجه الإباحة، والفرق أن الواجب قد فُعِل على وجه القربة، فللندب في مثله منا وجه. أما ما فعله ﷺ على وجه الإباحة، فإن في فعله على وجه التعبد نوعاً من الابتداع في الدين، والتقرب إلى الله تعالى بما لم يشرعه.
وقد تقدم القول في ذلك في مبحث الفعل الجبلي.
стр. 344
المطلب السادس قول الوجوب
مراد القائلين بالوجوب إن ما ثبت لدينا من الأفعال النبوية المجردة يجب علينا أن نفعل مثله في الصورة، سواء علمنا أن النبي ﷺ فعله وجوباً أو ندباً أو إباحة، أو جهلنا حكمه بالنسبة إليه ﷺ . وبعض القائلين به خصه بالمجهول الصفة من الأفعال (١).
وهذا القول يوافق قول الندب في اعتبار الموافقة في صورة الفعل دون حكمه. ويخالف في الحكم المستفاد في حقنا.
وقد استُدلّ لهذا القول بأدلة عقليّة وقرآنية وسنّيّة وإجماعية.
الدليل الأول: أن الفعل النبوي يحتمل أن يكون حكم مثله في حقنا الوجوب أو الندب أو الإباحة. والاحتياط أعلى المراتب، فوجب الأخذ به احتياطاً لئلا نترك ما وجب علينا، كصيام الثلاثين من رمضان إذا لم يُرَ الهلال، يحتمل أن يكون من شوّال، ومع ذلك نصومه احيتاطاً لئلا يكون من رمضان.
وأجيب عن ذلك (٢) بأن الاحتياط يمكن أن يقال به إذا خلا عن احتمال الضرر. وما نحن فيه يحتمل أن يكون الفعل حراماً على الأمة فيكون ضرراً.
قال الآمدي: وهذا الجواب غير صحيح، فإنه لو غمّ الهلال ليلة الثلاثين
стр. 345
من رمضان، يجب صومه احتياطاً للواجب، وإن احتمل أن يكون حراماً بكونه يوم العيد (١). وقال مثل ذلك صاحب تيسير التحرير (٢).
والجواب الصحيح أن يقال: إن الاحتياط الواجب هو في وجوب أداء ما ثبت وجوبه وشكَّ في أدائه، كمن نسي صلاة من الخمس، ولم يعلم عينها، يجب عليه أن يصلي الخمس احتياطاً. وفي ما كان ثبوته هو الأصل، كصوم الثلاثين من رمضان، إذ الأصل إنه من رمضان وإن احتمل أن يكون من شوال.
أما ما لم يثبت وجوبه والأصل عدم وجوبه، فلا يصح إيجابه احتياطاً كصوم الثلاثين من شعبان (٣).
الدليل الثاني: قالوا: النبي ﷺ لا يفعل إلا حقاً وصواباً، فاتباعه حق وصواب. وترك الحق والصواب باطل وخطأ.
والجواب أن ما يفعله عُلِمَ انقسامه إلى واجب ومندوب ومباح. فما فعله على سبيل الندب فالحقّ إيقاعه على سبيل الندب، وذلك هو الحق والصواب وكذلك يقال في المباح.
الدليل الثالث: قالوا: إن الفعل آكد في البيان من القول، فإذا أفاد الأمر الوجوب، فالفعل أولى.
ويجاب عن ذلك بأنه يجوز أن يكون الفعل في بعض الأحوال أقوى بياناً، ولكن موضع ذلك هيئات التفاصيل، فأما قوة الطلب وتحتّمه فليس الفعل موضوعاً لذلك، بخلاف القول، فإن القول الآمر موضوع للإيجاب، فبطل كون الفعل أولى (٤).
الدليل الرابع: وهو شبيه بما تقدم، قالوا: إن النبي ﷺ أمر الصحابة عام
стр. 346
الحديبية بالفسخ فلم يفسخوا، حتى غضب وقال لأم سلمة: أما شعرت أنني أمرتهم بأمر فإذا هم يتردّدون. فأشارت عليه بأن يخرج فينحر ويحلق ولا يكلمهم. فخرج فنحر وحلق. فلما رأوه فعل ذلك نحروا وحلقوا حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً من الغم.
قالوا: فلولا أن الصحابة علموا أن فعله أشدّ استيجاباً لمثله منهم، لما ترددوا في طاعة الأمر، ثم انصاعوا لدلالة الفعل.
والذي نقوله في الجواب: إنهم استجابوا لاجتماع الفعل مع القول، إذ مجموعها أقوى من القول وحده كما لا يخفى.
وجواب آخر أجاب به الآمدي (١): إن ترددهم كان رجاء أن ينزل أمر ينسخ الأمر بالإحلال، فلما حلق هو ﷺ يئسوا من ذلك فحلقوا.
وأجاب بجواب آخر: أن فعله وقع بياناً لقوله ﷺ : "خذوا عني مناسككم" فوجب من حيث هو بيان.
وهذا الجواب غير مرضي، لأنه إذا اجتمع القول والفعل في البيان وتقدم القول فهو البيان اتفاقاً، كما تقدم. فالبيان هنا هو القول اتفاقاً، والفعل مؤكِّد للبيان وهذا يصحح ما أجبنا به.
هذا إنْ سلّمنا إن هنا ما يحتاج إلى البيان، ولكن الصواب عدم التسليم بذلك، لعدم وجوده أصلاً، لأن آية الإحصار بينة وهي قوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾. وقوله ﷺ : "خذوا عني مناسككم" كان في حجة الوداع بعد الحديبية بأعوام.
الدليل الخامس: قوله تعالى: ﴿فاتبعوه﴾ فالاتباع له ﷺ واجب بدلالة هذه الآية، والاتباع الامتثال للقول، والإتيان بمثل الفعل.
стр. 347
وقد أجاب ابن حزم بأن الاتّباع هو طاعة الأمر. وهو جواب غير مرضي. فإن بين الطاعة والاتباع فرقاً لا يخفى.
والجواب الصحيح أن يقال: مماثلة الفعل تقتضي المماثلة من جميع الوجوه، فهي الواجبة. وليس من المماثلة والاتباع أن نفعل واجباً ما فعله ندباً أو إباحة.
وبهذا أجاب عبد الجبار والآمدي (١).
ولم يرتض ابن الهمام هذا الجواب بالنسبة إلى الفعل المجهول الصفة، ورأى أن الصواب في الإجابة أن يقال: الأمر بالاتباع غير محمول على عمومه، إذ لا يجب قيام وقعود وسائر الأفعال الجبليّة. وليس ثم مخصص معيّن، فتعين حمله على أخصّ الخصوص من معلوم صفة الوجوب، ففيه خاصة يجب الاتباع (٢).
وعندي أن قوله: (وليس ثم مخصص معين) مردود، لما تقدم في فصل الأفعال الجبلية. ولذا فجواب الآمدي أولى.
الدليل السادس: قوله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر﴾ قالوا: في هذه الآية تحذير من المخالفة، لأن معناها: من كان يرجو الله واليوم الآخر فله في رسول الله أسوة حسنة. ومفهومها. أن من لم يتأسّ به ﷺ فليس ممن يرجو الله واليوم الآخر.
وهذا دال على الوجوب، فلا بد لنا من فعل مثل ما فعل، ولا يهمنّا على أيّ وجه فعل.
والجواب بتسليم دلالة الآية على وجوب التأسّي، ومنع أن يكون معنى التأسّي الموافقة في الصورة دون الحكم، بل التأسّي هو الموافقة في الصورة مع الاتفاق أيضاً في الحكم.
الدليل السابع: قوله تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم
стр. 348
فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ (١) قالوا: والفعل من الأمر، بدلالة قوله تعالى: ﴿وما أمر فرعون برشيد﴾ أي أحواله وشأنه وأفعاله. ﴿إليه يرجع الأمر كله﴾ ﴿وإذا كانوا معه على أمر جامع﴾ قالوا: فلما كان فعله من أمره لم تجز مخالفته.
وأجيب عنه بأن الأمر في الآية المستدل بها هو الأمر بالقول، بدليل قوله تعالى في أول الآية: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً﴾ فما عبّر عنه أولاً بالدعاء، عبّر عنه أخراً بالأمر.
و (الأمر) في اللغة يأتي لمعنيين، الأول: القول الطالب، والثاني: الحال والشأن، ومنه الأفعال. والعرب قد فرّقوا بينهما. فقالوا في جمع الكلمة بالمعنى الأول (أوامر)، وفي جمعها بالمعنى الثاني (أمور). فالأمور غير الأوامر. والأمر واحد الأمور، غير الأمر واحد الأوامر. فـ (الأمر) مشترك (٢). والقرينة تبيّن أن المراد به في الآية القول دون الفعل.
وأجاب القاضي عبد الجبار بأنه على تقدير أن الفعل داخل في مسمى الأمر، أو أن الأمر في الآية بمعنى الفعل، فالنهي عن مخالفته يقتضي الموافقة، ولا يكون أحدنا موافقاً إلا إذا فعل على الوجه الذي فعله عليه ﷺ (٣) وهو جواب سديد.
الدليل الثامن: قوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾ وفعله هو مما آتاناه، فكان الأخذ به واجباً.
والجواب عندنا أن هذه الآية من سورة الحشر، نزلت في شأن مال الفيء، أمَرَهم الله تعالى أن يقبلوا ما أعطاهم رسول الله منه (٤). وأن يكفوا عما نهاهم عن
стр. 349
أخذه. فالإيتاء بمعنى الإعطاء، والأمر بأخذ المال أمر إباحة، وليس أمرَ إيجاب قطعاً. فلا صلة للآية بقضية التأسّي بالأفعال النبوية.
والتفسير الآخر للآية هو ما قاله ابن جريج من أن معناها: ما آتاكم الرسول من طاعتي فاقبلوه، وما نهاكم عنه من معصيتي فاجتنبوه.
فعلى هذا التفسير، يجاب عن استدلالهم، بأن الإيتاء هنا بمعنى الأمر (١)، بدليل مقابلته بما بعده (٢) ﴿وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ وبدليل أن القول يتعدى إلينا، فيكون بمعنى العطية (٣). ومثله قوله تعالى ﴿خذوا ما آتيناكم بقوة﴾ أي افعلوا ما أمرتم به.
ولو سلمنا أن المؤتى يصدق على الأفعال، فذلك لا يدل على وجوب جميع أفعاله ﷺ ، بل على اتِّباعها على ما هي عليه من الأحكام.
الدليل التاسع: الإجماع، فقد رُوي عن الصحابة، "أنهم لما اختلفوا في الغسل من الوطء دون إنزال، أرسل عمر إلى عائشة ﵂ فسألها عن ذلك، فقالت: فعلتُه أنا ورسول الله ﷺ واغتسلنا. فأخذ عمر بذلك. وقال: لا أسمع أحداً قال بعد هذا: الماء من الماء، إلاّ جعلته نكالاً" (٤). وأجمعت الأمة على ذلك بعده.
فكان اكتفاؤهم في إيجاب ذلك بمجرد الفعل، دليلاً على أنهم مجمعون على أن الفعل دليل الوجوب.
وقد أجيب عن ذلك بأجوبة:
١ - إن ذلك فعل بياني وليس فعلاً مجرداً (٥)، والفعل إذا كان بياناً لواجب
стр. 350
فهو يدل على الوجوب. ووجه كونه بياناً أن الله تعالى قال: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾ والجنابة، وإن كانت معلومة المعنى لغة إلا أن معرفة المقدار الموجب للغسل من العلاقة الجنسية أمر مبهم، فبُيِّن بالفعل.
وعندي في هذا الجواب نظر، لأنه إذا كان قد سبق قوله ﷺ : "إنما الماء من الماء" فقد حصل البيان به، والفعل الزائد مستحب أو خاص حسب ما تقضى به القواعد الأصولية. فلعله ﷺ يكون قد اغتسل استحباباً أو زيادة في التنظف.
٢ - وأجيب أيضاً: بأنهم أوجبوه لكونه شرطاً في صحة الصلاة، فيكون مأموراً به، لدخوله تحت الأمر في قوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" (١). وليس هذا الجواب بمرضي أيضاً. وقد تقدم القول في دلالة حديث "صلوا كما رأيتموني أصلي".
٣ - وأجيب أيضاً أن عائشة لما قالت ذلك في معرض الاحتجاج على ما يوجب الغسل، وفصله مما لا يوجبه، قصدت بالإخبار به الأخبارَ عن أن النبي ﷺ كان يراه واجباً، فوجب تبعاً لذلك. فليس ذلك فعلاً بيانياً، وإنما هو فعل مجرد قام دليل وجوبه في حقه ﷺ ، فيجب في حقنا، على قول المساواة الآتي.
٤ - وأيضاً: لعلها أخبرتهم بما كانت ترويه من قوله ﷺ (٢): "إذا جلس بين شعبها الأربع، ومسّ الختان الختان، فقد وجب الغسل". فإن أبا موسى الأشعري، لمّا اختلف المهاجرون والأنصار في ذلك، سألها، فروت له قول النبي ﷺ : "إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل". هذه رواية مسلم. وفي الموطأ (٣)، قالت: "إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل".
فهذا ما ينبغي أن يعتمد في الجواب عن هذه الشبهة (٤).
стр. 351
إبطال قول الوجوب
قول الوجوب في الفعل المجرد، سواء أكان مجهول الصفة أو معلومها، قول مردود، لا يثبت له أساس. ويغلب على ظني أنه لو أمكن التنقيب لتبين أن من نسب إليهم القول به من الأئمة، براء منه. وخاصة في ما لم يظهر فيه قصد القربة. وقد قال الجويني: "نسبوه -يعني القول بالوجوب- إلى ابن سريج، وهو زلل في النقل عنه. وهو أجلّ قدراً من ذلك" (١).
ويكفي في بطلانه عدم الدليل على صحته.
ويمكن إبطاله أيضاً بالأدلّة التالية:
الأول: أنه يلزمنا على هذا القول تناقض، لأن من المعلوم أن النبي ﷺ كان يفعل الشيء من المندوب والمباح في وقت، ثم لا يفعله، أو يفعل ضده، في وقت آخر، فمقتضى قول الوجوب أنه يجب علينا فعل الشيء وضده، أو فعله وتركه. وذلك إما أن يكون في وقت واحد، أو في وقتين مختلفين، فإن كان في وقتين مختلفين فذلك نفي للوجوب، لأن الواجب لا يجوز تركه. وإن كان في وقت واحد لزم التناقض، وهو محال (٢).
الثاني: أنه يقتضي أن الفعل يجب علينا إن فعله النبي ﷺ مباحاً أو مندوباً. وهذا ضد التأسّي والاتباع المأمور بهما في القرآن (٣).
وقد حاول المنتصرون لهذا القول أن يردّوا هذا الدليل بمثل ما ردّه به أهل مذهب الندب، ولكن لا يتم لهم ذلك. وقد تقدّم بيانه.
الثالث: حديث عائشة ﵂: قالت: "إنْ كان رسول الله ﷺ
стр. 352
ليدعُ العمل وهو يحبّ أن يعمل به، خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم".
ففي هذا الحديث دليل على أن الفرض لم يكن بنفس فعله، بل بفرض من الله تعالى إذا اقتدوا به فيه (١).
ولا يرد هذا الدليل على قول المساواة، لأنه لا يجب علينا مثل فعله -على قول المساواة- إلا في حالة واحدة، وهي أن يعلم أنه ﷺ فعل الفعل على وجه الوجوب خاصة. وليس العمل الذي كان يتركه ﷺ مفروضاً عليه، لأن الواجب لا يترك. فالحديث وارد في المندوبات قطعاً.
وشبيه بذلك ما قال الجصاص في رد دعوى الوجوب، فقد احتجّ بأن النبي ﷺ صلى بهم ليلتين في رمضان ثم لم يخرج إليهم، فلما أصبح قال: "خشيت أن تكتب عليكم" يقول الجصاص: قد صلى النبي بهم ليلتين، وأخبر مع ذلك أنها لم تجب بفعله، فلو كان فعله ﷺ يقتضي الوجوب لكان وجب بأول ليلة (٢) اهـ.
الرابع: ألزم ابن حزم القائلين بالوجوب (٣) أن يقولوا بوجوب صوم الأيام التي كان ﷺ يصومها، ووجوب صلاة ما كان يصلي، ووجوب المشي حيث مشى ﷺ . ومثل هذا لا يقول به من الفقهاء أحد.
стр. 353
المطلب السابع قول المساواة
ومعناه أن ما فعله النبي ﷺ واجباً فإنه يدل على وجوب مثله علينا، وما فعله ندباً فمثله مندوب منا، وما فعله على سبيل الإباحة فهو لنا مباح. وسواء كان فِعْله عبادة أو غير عبادة.
وقد يعبّر بعض الأصوليين، كما ذكر الأسنوي (١). عن هذا القول بعنوان: (وجوب التأسّي). ولكنه عنوان يجعل هذا القول يلتبس بقول الوجوب الذي سبق ذكره. وأمّا عنوان (المساواة) الذي اخترناه، فهو عنوان معبِّر لا يحصل به التباس.
ثم إن كان حكم الفعل بالنسبة إليه ﷺ معلوماً فالمساواة فيه واضحة، وإن لم يكن معلوماً فإن المساواة فيه هي بحسب ما يترجح لدى المجتهد. فمن رجّح الوجوب في حقه ﷺ ، فبمقتضى قول المساواة يكون الحكم في حقنا الوجوب، ومن رجح الندب فالندب، ومن رجح الإباحة فالإباحة.
ونحن قد رجّحنا قول من حمل فعله المجهول الصفة على الندب في حقه ﷺ إن ظهر قصد القربة، وعلى الإباحة إن لم يظهر. فعلى قول المساواة يكون الحكم في حقنا كذلك.
ويستدل لهذا القول بالأدلة التي سقناها في الفصل الذي دللنا فيه على حجية الأفعال النبوية من حيث الجملة، حيث سقنا الآيات والأحاديث الدالة على ذلك. وذكرنا أن الإجماع يدل عليه أيضاً، فبذلك يثبت أصل التأسّي.
стр. 354
ونضيف هنا أمرين لا بد منهما لاثبات قول المساواة:
الأول: إن الاتباع والتأسي في الأفعال واجب (١).
والثاني: إن الاتباع والتأسي يقتضي المساواة في صورة الفعل وفي حكمه أيضاً.
فإذا ثبت الأمران ثبت أنه يجب أن تكون أحكام أفعالنا مساوية لأحكام أفعاله ﷺ .
أما الأول: فإثباته بأدلة، منها:
١ - قوله تعالى: ﴿واتّبِعوه﴾ أمر، والأمر يفيد الوجوب.
والقائلون بالندب ادّعوا أن هذا الأمر (اتبعوه) لا يفيد إلا الندب، كما زعم ذلك أبو شامة (٢)، قال: الصواب حمله على الندب لا على الوجوب، لأنا لو حملناه على الوجوب لخصصناه بأشياء كثيرة ندبيّة لا تجب علينا وقد فعلها. ولو حملناه على الندب لم يلزمنا مثل ذلك.
والجواب على طريقته: إنا لو حملناه على الندب لخصصناه أيضاً بأشياء كثيرة واجبة تستفاد من فعله ﷺ .
فالصواب حمل هذا الأمر (اتّبعوه) على ظاهره من وجوب المتابعة، الذي يقتضي المساواة في الأحكام. فلا يخصص بشيء، لأن ما فعله وجوباً نفعله وجوباً ونعتقد وجوبه، وما فعله ندباً نعتقده ندباً في حقنا، وما فعله إباحة نعتقده في حقنا كذلك.
стр. 355
٢ - ومنها آية التأسّي، وقد تقدم إيضاح وجه دلالتها على الوجوب.
والقائلون بالندب نَفَوْا دلالتها على الوجوب، لقوله تعالى: ﴿لقد كان لكم﴾ ولم يقل ﴿عليكم﴾ (١).
والجواب أن قوله تعالى: ﴿لمن كان يرجو الله واليوم الآخر﴾ بدل من (لكم) فيؤول المعنى إلى أنّ: من كان مؤمناً فله برسول الله أسوة حسنة. وفي مفهومه تهديد ووعيد لمن ترك ذلك، والتهديد يدل على الوجوب.
وأجاب السمعاني (٢) أن الذي لنا هو الأجر، فالأسوة لنا من هذا الوجه لا من غيره. وهو جواب سديد، ويؤيده ما في حديث الإسراء: "فأعطاني خمس صلوات". فهي فرائض، وهي عطاء، أي ما في فعلها من الأجر. وأجاب أبو الحسن البصري (٣) بأن قولك: "لنا أن نفعل" معناه: لا حظر علينا في فعله، والواجب ليس بمحظور فعله.
وأجاب القاضي أبو يعلى: بأن (لهم) بمعنى (عليهم). كقوله تعالى: ﴿لهم اللعنة﴾ وليس هذا الجواب مرضياً، إذ هو خلاف. الظاهر.
٣ - ومنها ما تقدم من قوله ﷺ : "من رغب عن سنتي فليس مني". في سياق مساواته ﷺ في أحكام أفعاله.
وأما الثاني: وهو اقتضاء التأسيّ والاتباع المساواة في أحكام الأفعال: فإن مفهوم المتابعة والتأسي الموافقة والمساواة، وذلك كما هو معتبر في صورة الفعل، يعتبر أيضاً في حكمه.
وقد أنكر القائلون بالندب، والقائلون بالوجوب، اقتضاء التأسّي والمتابعة المساواة في الحكم. وسبق جوابه. فيثبت المطلوب.