← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 31471

أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم ودلالتها على الأحكام الشرعية

محمد سليمان الأشقر

Полный текст (761 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

إبطال قول الوجوب قول الوجوب في الفعل المجرد، سواء أكان مجهول الصفة أو معلومها، قول مردود، لا يثبت له أساس. ويغلب على ظني أنه لو أمكن التنقيب لتبين أن من نسب إليهم القول به من الأئمة، براء منه. وخاصة في ما لم يظهر فيه قصد القربة. وقد قال الجويني: "نسبوه -يعني القول بالوجوب- إلى ابن سريج، وهو زلل في النقل عنه. وهو أجلّ قدراً من ذلك" (١). ويكفي في بطلانه عدم الدليل على صحته. ويمكن إبطاله أيضاً بالأدلّة التالية: الأول: أنه يلزمنا على هذا القول تناقض، لأن من المعلوم أن النبي ﷺ كان يفعل الشيء من المندوب والمباح في وقت، ثم لا يفعله، أو يفعل ضده، في وقت آخر، فمقتضى قول الوجوب أنه يجب علينا فعل الشيء وضده، أو فعله وتركه. وذلك إما أن يكون في وقت واحد، أو في وقتين مختلفين، فإن كان في وقتين مختلفين فذلك نفي للوجوب، لأن الواجب لا يجوز تركه. وإن كان في وقت واحد لزم التناقض، وهو محال (٢). الثاني: أنه يقتضي أن الفعل يجب علينا إن فعله النبي ﷺ مباحاً أو مندوباً. وهذا ضد التأسّي والاتباع المأمور بهما في القرآن (٣). وقد حاول المنتصرون لهذا القول أن يردّوا هذا الدليل بمثل ما ردّه به أهل مذهب الندب، ولكن لا يتم لهم ذلك. وقد تقدّم بيانه. الثالث: حديث عائشة ﵂: قالت: "إنْ كان رسول الله ﷺ

стр. 352

ليدعُ العمل وهو يحبّ أن يعمل به، خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم". ففي هذا الحديث دليل على أن الفرض لم يكن بنفس فعله، بل بفرض من الله تعالى إذا اقتدوا به فيه (١). ولا يرد هذا الدليل على قول المساواة، لأنه لا يجب علينا مثل فعله -على قول المساواة- إلا في حالة واحدة، وهي أن يعلم أنه ﷺ فعل الفعل على وجه الوجوب خاصة. وليس العمل الذي كان يتركه ﷺ مفروضاً عليه، لأن الواجب لا يترك. فالحديث وارد في المندوبات قطعاً. وشبيه بذلك ما قال الجصاص في رد دعوى الوجوب، فقد احتجّ بأن النبي ﷺ صلى بهم ليلتين في رمضان ثم لم يخرج إليهم، فلما أصبح قال: "خشيت أن تكتب عليكم" يقول الجصاص: قد صلى النبي بهم ليلتين، وأخبر مع ذلك أنها لم تجب بفعله، فلو كان فعله ﷺ يقتضي الوجوب لكان وجب بأول ليلة (٢) اهـ. الرابع: ألزم ابن حزم القائلين بالوجوب (٣) أن يقولوا بوجوب صوم الأيام التي كان ﷺ يصومها، ووجوب صلاة ما كان يصلي، ووجوب المشي حيث مشى ﷺ . ومثل هذا لا يقول به من الفقهاء أحد.

стр. 353

المطلب السابع قول المساواة ومعناه أن ما فعله النبي ﷺ واجباً فإنه يدل على وجوب مثله علينا، وما فعله ندباً فمثله مندوب منا، وما فعله على سبيل الإباحة فهو لنا مباح. وسواء كان فِعْله عبادة أو غير عبادة. وقد يعبّر بعض الأصوليين، كما ذكر الأسنوي (١). عن هذا القول بعنوان: (وجوب التأسّي). ولكنه عنوان يجعل هذا القول يلتبس بقول الوجوب الذي سبق ذكره. وأمّا عنوان (المساواة) الذي اخترناه، فهو عنوان معبِّر لا يحصل به التباس. ثم إن كان حكم الفعل بالنسبة إليه ﷺ معلوماً فالمساواة فيه واضحة، وإن لم يكن معلوماً فإن المساواة فيه هي بحسب ما يترجح لدى المجتهد. فمن رجّح الوجوب في حقه ﷺ ، فبمقتضى قول المساواة يكون الحكم في حقنا الوجوب، ومن رجح الندب فالندب، ومن رجح الإباحة فالإباحة. ونحن قد رجّحنا قول من حمل فعله المجهول الصفة على الندب في حقه ﷺ إن ظهر قصد القربة، وعلى الإباحة إن لم يظهر. فعلى قول المساواة يكون الحكم في حقنا كذلك. ويستدل لهذا القول بالأدلة التي سقناها في الفصل الذي دللنا فيه على حجية الأفعال النبوية من حيث الجملة، حيث سقنا الآيات والأحاديث الدالة على ذلك. وذكرنا أن الإجماع يدل عليه أيضاً، فبذلك يثبت أصل التأسّي.

стр. 354

ونضيف هنا أمرين لا بد منهما لاثبات قول المساواة: الأول: إن الاتباع والتأسي في الأفعال واجب (١). والثاني: إن الاتباع والتأسي يقتضي المساواة في صورة الفعل وفي حكمه أيضاً. فإذا ثبت الأمران ثبت أنه يجب أن تكون أحكام أفعالنا مساوية لأحكام أفعاله ﷺ . أما الأول: فإثباته بأدلة، منها: ١ - قوله تعالى: ﴿واتّبِعوه﴾ أمر، والأمر يفيد الوجوب. والقائلون بالندب ادّعوا أن هذا الأمر (اتبعوه) لا يفيد إلا الندب، كما زعم ذلك أبو شامة (٢)، قال: الصواب حمله على الندب لا على الوجوب، لأنا لو حملناه على الوجوب لخصصناه بأشياء كثيرة ندبيّة لا تجب علينا وقد فعلها. ولو حملناه على الندب لم يلزمنا مثل ذلك. والجواب على طريقته: إنا لو حملناه على الندب لخصصناه أيضاً بأشياء كثيرة واجبة تستفاد من فعله ﷺ . فالصواب حمل هذا الأمر (اتّبعوه) على ظاهره من وجوب المتابعة، الذي يقتضي المساواة في الأحكام. فلا يخصص بشيء، لأن ما فعله وجوباً نفعله وجوباً ونعتقد وجوبه، وما فعله ندباً نعتقده ندباً في حقنا، وما فعله إباحة نعتقده في حقنا كذلك.

стр. 355

٢ - ومنها آية التأسّي، وقد تقدم إيضاح وجه دلالتها على الوجوب. والقائلون بالندب نَفَوْا دلالتها على الوجوب، لقوله تعالى: ﴿لقد كان لكم﴾ ولم يقل ﴿عليكم﴾ (١). والجواب أن قوله تعالى: ﴿لمن كان يرجو الله واليوم الآخر﴾ بدل من (لكم) فيؤول المعنى إلى أنّ: من كان مؤمناً فله برسول الله أسوة حسنة. وفي مفهومه تهديد ووعيد لمن ترك ذلك، والتهديد يدل على الوجوب. وأجاب السمعاني (٢) أن الذي لنا هو الأجر، فالأسوة لنا من هذا الوجه لا من غيره. وهو جواب سديد، ويؤيده ما في حديث الإسراء: "فأعطاني خمس صلوات". فهي فرائض، وهي عطاء، أي ما في فعلها من الأجر. وأجاب أبو الحسن البصري (٣) بأن قولك: "لنا أن نفعل" معناه: لا حظر علينا في فعله، والواجب ليس بمحظور فعله. وأجاب القاضي أبو يعلى: بأن (لهم) بمعنى (عليهم). كقوله تعالى: ﴿لهم اللعنة﴾ وليس هذا الجواب مرضياً، إذ هو خلاف. الظاهر. ٣ - ومنها ما تقدم من قوله ﷺ : "من رغب عن سنتي فليس مني". في سياق مساواته ﷺ في أحكام أفعاله. وأما الثاني: وهو اقتضاء التأسيّ والاتباع المساواة في أحكام الأفعال: فإن مفهوم المتابعة والتأسي الموافقة والمساواة، وذلك كما هو معتبر في صورة الفعل، يعتبر أيضاً في حكمه. وقد أنكر القائلون بالندب، والقائلون بالوجوب، اقتضاء التأسّي والمتابعة المساواة في الحكم. وسبق جوابه. فيثبت المطلوب.

стр. 356

من أجل ذلك فقول المساواة هو الذي نختاره. وبه قال الشوكاني (١). وقبله قال به أبو الحسين البصري، والآمدي، والسبكي في جمع الجوامع، وغيرهم. ويتأيّد هذا الذي اخترناه بأن الأمر إذا وجّه إلى النبي ﷺ من ربه ، فإن الأمة تدخل تبعاً فيما كان صالحاً لهم، ما لم ينص على اختصاصه به. وكذلك النهي. بل ربما نزلت الآية بسبب صحابي معين ولكن يوجه الخطاب فيها إلى النبي ﷺ ، كقوله تعالى: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزُلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين﴾. نزلت في أبي اليسَر بن عمرو الأنصاري (٢). روى الترمذي أن رجلاً جاء إلى النبيّ ﷺ ، فقال: إني عالجت امرأة في أقصى المدينة، وإني أصبت منها ما دون أن أمسّها وأنا هذا، فاقض فيَّ ما شئت. فذكَرَ نزول الآية. فالخطاب فيها بحسب الظاهر موجّه إلى النبي ﷺ ، وهي نازلة في شأن غيره. وما ذاك إلا لهذا الأصل، وهو الاشتراك في الأحكام. وليست هذه القاعدة متفقاً عليها. بل الواقفية يخالفون فيه أيضاً، ويقولون: إن الخطاب الموجه إلى النبي ﷺ بضمير المفرد، لا يدخل فيه غيره، لأن لفظ الأمر وقع خاصاً، ليس يتناول غيره، فلا يجوز إثباته. يقول الغزالي: "قوله تعالى لنبيّه: ﴿يا أيها النبي اتق الله﴾ وقوله: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ مختصّ به بحكم اللفظ، وإنما يشاركه فيه غيره بدليل، لا بموجب هذا اللفظ، كقوله ﴿يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك﴾ وقوله: ﴿فاصدع بما تؤمر﴾ قال: "وقال قوم: ما ثبت في حقه فهو ثابت في حق غيره، إلا ما دل الدليل على أنه خاص به. وهذا فاسد. لأن الأصل اتباع موجَب الخطاب، وما ثبت للنبي ﷺ كقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي﴾ فيختصّ به، إلا ما دل دليل على الإلحاق. وكذا قول النبي ﷺ لابن عمر: "راجعها" إنما يشمل غيره بدليل آخر، مثل قوله: "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة" (٣) أو ما جرى مجراه. اهـ.

стр. 357

أقول: ومما جرى مجراه قوله ﷺ : "إنما قولي لمئة امرأة كقولي لامرأة واحدة" (١). وهذا الكلام من الغزالي حق، ونحن نقول بمقتضاه، ولكن نقول إن الأدلّة قامت على التساوي في الأحكام، بصفتها العامة، وأيضاً في حق أحكام الأفعال خاصّة، وهي ما تقدم في حجية الأفعال النبوية. وأيضاً استعمال أهل اللغة يساعد على ذلك، فإن الرئيس الأعلى إذا قال لقائد الجيش: انزل في محل كذا، وسرْ في وقت كذا، واستعمل من السلاح كذا وكذا، ونحو ذلك، فليس ذلك خاصاً به، بل له ولمن معه. ولو أراد أن يأمره في خاصة نفسه بشيء فإنه ينصّ على الاختصاص (٢). فالنبي ﷺ صاحب شرع، ومنه يؤخذ الشرع، إذا أمره الله بالأمر من الشرع فهو له وللأمة التي هي تَبَع له. وفي الحديث عن النبي ﷺ : "ما أمرني الله بشيء إلا وقد أمرتكم به، ولا نهاني عن شيء إلا وقد نهيتكم عنه". وفي الحديث أيضاً: "قد كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فقد أذنَ لمحمد في زيارة قبر أمه، فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة" (٣). فإنه ﷺ لما جاءه الإذن بزيارة قبر أمه، بنى على ذلك جواز زيارة سائر المسلمين للقبور. ومما يدل على المساواة أيضاً قول الله تعالى: ﴿يا أيها النبي إنّا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك ... إلى قوله:

стр. 358

وامرأةً مؤمنةً إن وهبت نفسها للنبيّ إن أراد النبي أن يستنكحها خالصةً لك من دون المؤمنين﴾ (١). قال ابن تيمية (٢): "إنها تدل على هذا الأصل من وجهين: أحدهما: أنه قال ﴿خالصةً لك﴾ ليبيّن اختصاصه بذلك، فعلم أنه حيث سكت عن الاختصاص كان الاشتراك ثابتاً، وإلا فلا معنى لتخصيص هذا الموضع ببيان الاختصاص. والثاني: أن ما أحلّه له من الأزواج والمملوكات أطْلق، وفي الواهبة قيّدها بالخلوص له، فعلم أنه حيث سَكَت عن التقييد فذلك دليل الاشتراك". ويتأيّد أيضاً بما بيّنه الشاطبي (٣) من أن الأدلة الجزئية في الشريعة يمكن أخذها كلية إلا ما خصّه الدليل. واستدل على ذلك بأدلة. منها: أن الأصل عموم التشريع، كقوله تعالى: ﴿قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً﴾ (٤) وقوله: ﴿وما أرسلناك إلا كافةً للناس﴾ (٥) وقول النبي ﷺ : "بعثت إلى كلّ أحمر وأسود" (٦). ومنها: أصل شرعية القياس، إذ لا معنى له إلا جعل الخاصّ الصيغة عامّاً في المعنى. قال وهو معنى متفق عليه. ومنها: قالوا: إن النبي ﷺ قال: "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة" (٧) وقال: "إني لأَنْسَى أو أُنسَّى لأسُنّ" (٨).

стр. 359

ومنها: مما بيّنه في موضع آخر (١) من أن الشريعة موضوعة في الأصل لمصالح العباد، فأحكامها على العموم لا على الخصوص، إلا ما ثبت فيه الخصوص بالدليل، وأن دليل الاختصاص يذكر في الحكم المختص إعلاماً بأن الشريعة خارجة عن قانون الاختصاص.

стр. 360

المطلب الثامن قول المساواة في العبادات الخاصة قول ابن خلاد المنسوب إليه في كتب الأصوليين أن التأسّي في العبادات واجب، وفي العادات لا يجب بل يستحب، هو قولٌ غير محرر. ولم نطلّع على ما قاله بحروفه لنرد عليه. قال القرافي: ووجه تخصيص الوجوب بالعادات قوله ﷺ : "خذوا عني مناسككم" و"صلوا كما رأيتموني أصلي" وظاهر المنطوق الوجوب، لأنه أمر، ومفهومه أن غير المذكور لا يجب (١). وواضح أن قوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" ونحوه لا تخصيص فيه حتى يكون له مفهوم. وآية التأسيّ عامة، فيجب العمل بها في العبادات وغيرها. والله أعلم. فائدة مهمة نلحقها بقول المساواة: قال ابن تيمية: "مسائل الأفعال لها ثلاثة أصول: أحدها: أن حكم أمته ﷺ كحكمه في الوجوب والتحريم وتوابعهما، إلا أن يأتي دليل يخالف ذلك. الأصل الثاني: أن نفس فعله يدل على حكمه ﷺ إما حكمٌ معين، أو حكم

стр. 361

مطلق، وأدنى الدرجات الإباحة ...... فمتى ثبت أن الفعل يدلّ على حكم كذا، وثبت أنا مساوون له في الحكم، ثبت الحكم في حقنا. الأصل الثالث: أن الفعل هل يقتضي حكماً في حقّنا من الوجوب مثلاً وإن لم يكن واجباً عليه ﷺ ، كما يجب على المأموم متابعة الإمام في ما لا يجب على الإمام، وعلى الجيش متابعة الإمام في ما لا يجب على الإمام، وعلى الحجيج موافقة الإمام في المقام بالمعرَّف إلى إفاضة الإمام؟ هذا ممكن أيضاً. بل من الممكن أيضاً أن يكون سبب الوجوب في حقه معدوماً في حقنا، ويجب علينا لأجل المتابعة ونحوها، كما يجب علينا الرّمَل والاضطباع مع عدم السبب الوجب له في حق الأولين، أو سبب الاستحباب منتفياً في حقنا. وقد نبه القرآن على هذا بقوله: ﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه﴾ فصار واجباً عليهم لموافقته، ولو لم يكن قد تعيّن الغزو في ذلك الوقت إلى ذلك الوجه" (١). اهـ كلامه. فابن تيمية يرى أنه يخرج عن هذا الأصل -وهو الاشتراك في الحكم- ثلاثة أمور: الأول: ما دل عليه دليل، وهو الخصائص. وقد تقدم القول فيها. الثاني: ما يجب علينا، وهو عليه ﷺ غير واجب، وإنما وجب علينا لأجل المتابعة. كالخروج معه في الغزو. ونحن نرى أن هذا النوع لا ينبغي أن يستثنى، لأن المتابعة له ﷺ إنما وقع من جهة كونه إماماً، لا من جهة الرسالة، بدليل أنها تجب مع كل إمام في الغزو، ومع كل إمام في الصلاة. وإنما وجب من تلك المتابعة ما وجب، مؤقتاً حال حياته وتوليه السلطة. لا بعد ذلك. أما أن يجب ذلك في شيء من أفعاله ﷺ من حيث هورسول، فلا نجد له مثالاً، وهو -أعني ابن تيمية- لم يمثل له.

стр. 362

الثالث: وقد ذكر في بقية كلامه: ما يستحب لنا، ولم يكن بالنسبة إلى النبي ﷺ مستحبّاً. وقد مثل لها بأن أحمد بن حنبل "تسرّى لأجل المتابعة، واحتجم ثلاثاً لأجل المتابعة، وقال: ما بلغني حديث إلاّ عملت به، حتى أعطى الحجام ديناراً". فإن أصل هذه الأفعال من النبي ﷺ مباحة، وقد فعلها أحمد على سبيل الاستحباب. ونحن قد سبق أن بيّنّا الرأي في مثل هذه الأفعال في قول الندب، فليرجع إليه. أما ما ذكره ابن تيمية من أن الحكم في حق النبي ﷺ قد يكون معلّقاً بسبب وهو منا مطلق، فسنذكره في مبحث السبب من الفصل الثامن.

стр. 363

الفصل السادس الأحكام المستفادة من الأفعال ١ - الوجوب. ٢ - الندب. ٣ - الإباحة. ٤ - الكراهة. ٥ - التحريم. ٦ - الأحكام الوضعية.

стр. 364

الأحكام المستَفادة مِنَ الأفعَال مما تقدم في الفصول السابقة من هذا الباب، وعلى أساس القول المختار، وهو قول المساواة في الفعل المجرّد، نلخّص الأحكام التي تستفاد من أفعال النبي ﷺ وما فيها من بحث، في مطالب: المطلب الأول الوجوب يستفاد الوجوب من الفعل النبوي من مواضع: أ- أن يكون فعله ﷺ قد صدر عنه بياناً لآية دالة على الوجوب في حقّه وحقّنا. ب- أن يكون امتثالاً لآية دالّة على الوجوب كذلك. جـ- أن يكون مجرّداً، وقد علمنا بدلالة أنه ﷺ فعله واجباً. ويلاحظ أن الواجب إما أن يكون فعلاً متكاملاً، يجب إيجاده من أصله كصلاة الظهر مثلاً. وإما أن يكون خارجاً عن العبادة تتوقف صحتها عليه، وهو مقدور للمكلف، وهو الشرط، فيجب من حيث إن الواجب لا يتمّ إلا به، كالوضوء للصلاة. ونذكر أمثلته في بحث الشرط، وسيأتي. وإما أن يكون جزءاً من العبادة، وهو قسمان: ١ - الركن ، وهو جزء الماهية الذي لا تتحقق إلا بوجوده، ولا يسقط عمداً ولا سهواً، ولا يجبَر، ومثاله الركوع، وهو ركن في الصلاة، والطواف بالبيت، ركن في الحج.

стр. 365

٢ - الواجب الذي ليس بركن ، وهو ما يجوز سقوطه سهواً، ويجبر، كالتشهّد الأول عند الحنابلة، يجبر في الصلاة بسجود السهو، وفي الحجّ بدم، كما في ترك الإحرام من الميقات. ثم قد يكون الجزء واجباً في العبادة المسنونة. وكونه واجباً فيها يعني توقُّف صحتها عليه، كالركوع في صلاة النافلة، لا من حيث إنه يعاقب على تركه، إذ يجوز ترك النافلة أصلاً، فهو بمعنى الشرط إلا أنه جزء من العبادة. ولا يدل الفعل على الركنيّة بمجرده، بل على مجرد الوجوب. وكأمثلة على استفادة الوجوب من الفعل نذكر مسائل: ١ - منها: صلاة العيد: قال الحنابلة وبعض الشافعية: هي فرض على الكفاية. وقال أبو حنيفة: واجبة على الأعيان. وقال مالك وأكثر أصحاب الشافعي: سنة مؤكدة غير واجبة. نقل ذلك ابن قدامة (١)، ثم قال: لنا على وجوبها في الجملة أمر الله تعالى بها بقوله: ﴿فصلّ لربك وانحر﴾ والأمر يقتضي الوجوب، ومداومة النبي ﷺ على فعلها وهذا دليل الوجوب. واحتجّ الحنفية لوجوبها بالمواظبة عليها (٢). ٢ - ومنها: مسألة السعي في الحج: ففي السعي ثلاثة أوجه، وهي ثلاث روايات عن أحمد (٣): الأول: أنه ركن لا يتمّ الحجّ إلا به. وهو قول عائشة وعروة ومالك والشافعي، وغلّط النووي من نَسَبَ إلى الشافعي القول بأنه واجب غير ركن. قالت عائشة: "طاف رسول الله ﷺ وطاف المسلمون -تعني بين الصفا والمروة-

стр. 366

فكانت سنة، ولعمري ما أتم الله حجَّ من لم يطف بين الصفا والمروة ولحديث حبيبة بنت أبي تَجْرَاةٍ مرفوعاً "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي" (١). الثاني: أنه واجب. وهو قول أبي حنيفة، والثوري، والقاضي أبي يعلى الحنبلي. نقل عن أبي حنيفة أنه يجبر بدم. ونقل النووي أنه الأصح عن أحمد. الثالث: أنه سنة لا يجب بتركه دم. روى عن ابن عباس وابن مسعود وأبيّ ابن كعب وأنس وابن الزبير. فأما القول بأنه ركن فلا يصح استفادته من الفعل، وقد نَقَل النووي عن ابن المنذر تعليق القول بركنيّته على ثبوت حديث حبيبة، وإلا فيكون تطوعاً. ورجّح ابن قدامة أنه واجب. وقال: لأن دليل من أوجبه دل على مطلق الوجوب، لا على كونه لا يتم الحجّ إلا به. ٣ - ومنها: مسألة ركعتي الطواف: في ركعتي الطواف خلاف هل هما واجب أو تطوّع. وقيل أن الطواف لا يصحّ إلا بهما فهما على هذا في معنى الرّكن (٢). ومن أسباب الخلاف فيهما الخلاف في دلالة الفعل. وقال السبكي في قواعده: "في ركعتي الطواف قولان مشهوران، أصحّهما أنها سنة، والثاني أنها واجبة، وهما راجعان إلى دلالة الفعل المجرّد. فأما قوله ﷺ : "خذوا عني مناسككم" فلا دلالة له على وجوب شيء خاص منها". اهـ (٣). ومما استُدِلّ على وجوبه بالأفعال مما ذكره السبكي في القواعد: الموالاة في الوضوء، وفي الغسل والتيمم، والموالاة بين أشواط الطواف، والموالاة بين الطواف

стр. 367

والسعي، والموالاة بين الخطبة وصلاة الجمعة، والموالاة بين صلاتي الجمع في وقت الأولى أو وقت الثانية، والقيام في خطبة الجمعة مع القدرة، والفصل بين الخطبتين بجلسة، وقراءة شيء من القرآن في الخطبة، والترتيب بين أركانها، والجمع بين الوقوف بالنهار والليل بعرفة، والمبيت في المزدلفة. وأكثر هذه المسائل يستدل فيها بالفعل المجرد خاصة، وفي أكثرها قولان بالوجوب والاستحباب، والاستحباب أرجح إلا فيما ورد فيه دليل غير الفعل يدل على الوجوب. ويحتمل أن تكون هذه الأفعال التي ذكرها من أفراد الفعل البياني، لا من الأفعال المجردة. ونحن نرجح أن تكون من الأفعال المجرّدة كما تقدم بحثه في مبحث الفعل البياني. والله أعلم.

стр. 368

المطلب الثاني الندب ويستفاد من مواضع: أ- أن يكون قد فعله ﷺ على سبيل الوجوب، وعلم أن الوجوب خاص به. ب- أن يكون قد فعله على سبيل البيان لأمر دالٌّ على الندب. جـ- أن يكون قد فعله على سبيل الامتثال لأمر دال على الندب. د- أن يكون قد فعلَ فعلاً مجرداً دل الدليل على أنه فعله ندباً. هـ- أن يكون قد فعل فعلاً مجرداً، ولم يعلم حكمه بالنسبة إليه، ولكن يظهر فيه قصد القربة، بأن يكون مما فعله في العبادة، وكان على خلاف مقتضى الجبلة، أو ظهر فيه ذلك بقرينة أخرى. مسألة تابعة للندب: دلالة الفعل على الأفضلية: إذا كانت العبادة أو غيرها من الأفعال الجائزة أو المندوبة أو الواجبة يمكن عملها على صور مختلفة، وفَعَلها النبي ﷺ مرة واحدة أو مرات كثيرة، فهل يحمل فعله على أنه صادر على أفضل الوجوه لبيان الكمال فيها، أو يحمل على الأقلّ لبيان المجزئ؟. قال ابن تيمية في دلالة الفعل النبويّ على الأفضلية: هي مسألة كثيرة المنفعة، وذلك في صفات العبادات وفي مقاديرها وفي العادات، وفي الأخلاق والأحوال. اهـ (١). فمثال ما لم يكثر فعله: إحرامه من الميقات، مع أنه يجوز أن يحرم من المدينة ولا خلاف في جواز الإحرام قبل الميقات (٢)، فهل يقال: إحرام الحاجّ والمعتمر من

стр. 369

منزله أفضل، لكثرة العمل، أو من الميقات لأن النبي ﷺ أحرم منه؟. قال الحنابلة بأفضليّة الإحرام من الميقات استناداً إلى فعل النبي ﷺ . وقال أبو حنيفة ومالك الإحرام من البلد أفضل. وفعَلَه بعض الصحابة. وعن الشافعي قولان كالمذهبين. ومثله الأضحية: فقد ورد أن النبي ﷺ ضحّى بكبشين أقرنين أملحين ذَبَحهما بيده. استفاد منه بعض الفقهاء أفضليةَ الذكور في الأضاحي، وأن تكون باللون المذكور في الحديث. وعن مالك: الأفضل أن تكون من الغنم، بخلاف الهدي فالأفضل عنده الإبل. والحنابلة فضّلوا الإبل، أخذاً ببعض الأحاديث القولية (١). وقد ادُّعِيَت الأفضلية بناء على فعله ﷺ في الركوب في الحج، وفي الوقوف بعرفة، والاقتصار في الضحى على ثمان، وغير ذلك. ومما واظب عليه ﷺ قصر الصلاة في السفر، وجعله بعض الفقهاء واجباً وبذلك يخرج عن مسألتنا. أما القائلون بأن القصر جائز ويجوز الإتمام، فمنهم من قال: القصر أفضل، أخذاً بالدليل الفعلي، وهو قول أحمد ومالك، وأحد قولي الشافعي. وقوله الآخر: الإتمام أفضل لكونه أكثر عملاً وعدداً وهو الأصل (٢). والاستدلال بالفعل على الأفضلية، في الحالة الثانية، وهي المواظبة، أقوى وأتمّ. ويرى النووي التفريق بين النوعين، فما وقع مرةً واحدة فإنه يقع على أكمل الوجوه وأتمّها، وأما ما يتكرر فإنه يفعل أحياناً على القدر المجزئ لبيان الجواز، والأكثر على الأكمل، لما صنع ﷺ في الوضوء مرة مرة، وثلاثاً ثلاثاً، أكثر عمله الثلاث. ونحن نميل إلى الأخذ بالاتجاه الناظر إلى طبيعة العمل، فما كان أكثر عملاً

стр. 370

فهو أفضل (١)، فعلى هذا: الإحرام من الأبعد أفضل، والتضحية بالبقر أفضل من الغنم، وبالإبل أفضل، وكلما كان أكثر فضلاً فهو خير، ما لم يخرج إلى حيّز التشديد والإرهاق. وكذلك نرى أن إتمام الصلاة في السفر أفضل، على القول بأنه جائز. وإنما يكون هذا في حق من لا يقتدى به، أما من يُقْتَدى به فينبغي أن يعمد إلى التيسير والتسهيل لئلا يشقّ على المقتدين، ويكون في حقّه من هذه الناحية أفضل، ويحمل فعله ﷺ بالاجتزاء من بعض الأعمال بالقليل، على هذا المحمل، أو غيره من المحامل. والله أعلم وأحكم. تمايز المندوبات في الدرجة، ودلالة الأفعال على ذلك: من المعلوم أن المندوبات تتمايز في القوة، فبعضها آكد من بعض، وقد يتبين التأكّد بالقول، وهو كثير. وقد يتبيّن بالفعل، وذلك على أنواع فمنها: أولاً: أن يحافظ ﷺ على المندوب حتى مع قيام الأعذار، وذلك كركعتي الفجر والوتر، فقد قضى ركعتي الفجر في السفر لما نام عنهما، و"لم يكن على شيء من النوافل أشدّ تعاهُداً منه على ركعتي الفجر" (٢) وكذلك حافظ على الوتر، حتى إنه أوتر على بعيره (٣)، فإن ذلك يدلّ من جهة تركه ﷺ لما عداها من الرواتب وإفرادها بالمحافظة عليها، على أنها آكد من غيرها. وقد قيل بوجوبها عليه ﷺ خاصة، ولا يثبت ذلك. ثانياً: أن يظهر ﷺ الاعتناء بالمندوب والاحتفال به، كما في صلاة العيد عند من يقول بندبيّتها، وصلاة الكسوف، وصلاة الاستسقاء، فإنّ فعلها في جماعة، ودعوة الناس لها، مظهران لتأكّدها، حتى لقد قال الحنابلة بوجوب صلاة العيد على الكفاية، وقال الحنفية بوجوبها على الأعيان (٤).

стр. 371

المطلب الثالث الإباحة وتستفاد من مواضع: ١ - ما فعله ﷺ من الأمور الجبلية الاختيارية. ٢ - ما فعله من الأمور العادية والدنيوية. ٣ - ما فعله بياناً لآية دالّة على الإباحة. ٤ - ما فعله امتثالاً لأية دالّة على الإباحة. ٥ - ما فعله وعلمناه قد فعله على سبيل الإباحة لقرينة تدل على ذلك. ٦ - ما فعله وجهلنا حكمه وليس مما ظهر فيه قصد القربة. نظرة في استفادة الإباحة من الأفعال النبوية: إن الإباحة تؤخذ من الفعل النبوي من جهة الفعل خاصّة دون جهة الترك، فبالفعل النبوي يتبين أن لا حرج في فعل ذلك الأمر، وأما ارتفاع الحرج عن الترك فيستفاد من عدم وجود دليل طالب، أو من جهة وقوع الترك أيضاً. ومبنى الدلالة الأولى أن النبي ﷺ يعلم أن ما يفعله ليس معصية، وهو معصوم من المعصية، وعلى القول بعدم عصمته في حال أو عن نوع منها، فإنه يعاتب على ذلك ولا يُقَرّ عليه فيما انبنى عليه تشريع. وقد تقدم ذلك في مواضع. غير أنه لا بد من معرفة وجه تلك الإباحة هل هي إباحة عقلية أو إباحة شرعية. وللتفريق بينهما نقول: إن المعتزلة يرون أن الأشياء قبل ورود الشرع تحت حكم العقل، ثم يفصل العقل بأن الفعل واجب إذا كان في تركه مفسدة وحرام

стр. 372

إذا كان في فعله مفسدة، وإن كان في تركه مصلحة فمكروه، أو كان في فعله مصلحة فمندوب أو لم يشتمل على مصلحة أو مفسدة فمباح (١). وأما عند غير المعتزلة فلا حكم قبل مجيء الشريعة أصلاً. وأما بعد مجيء الشريعة، فالإباحة العقلية عند المعتزلة، هي رفع الحرج عن الفعل والترك، مستمرة. فليست الإباحة عندهم حكماً شرعياً بل عقلي. وأما عند غيرهم، فالإباحة شرعية، وهي الخطاب الشرعي الدال على التخيير بين فعل الشيء وتركه. وأقر الآمدي بأن الإباحة بعد مجيء الشريعة قسمان: إباحة شرعية، وإباحة عقلية، وهي بقاء الشيء دون حكم يقتضي المنع منه أو إيجابه (٢). وصرح بذلك الغزالي أيضاً (٣) ولقولهما وجه بيّن، وهو معنى ما قدمناه في مرتبة العفو. والأصل في الأشياء بعد مجيء الشرع الإباحة في ما ينفع، والمنع في ما يضر. وهذا ما قرره الرازي، واتبعه فيه كثير من الأصوليين.

стр. 373

ويقرر ابن تيمية أصلاً آخر، وهو أن الأصل في العبادة بعد مجيء الشرع المنع حتى يرد دليل شرعيتها، وجواز الشيء على سبيل العادة لا يعني أنه يجوز على سبيل العبادة. وأما العاديّات من العقود وغيرها فالأصل بها عدم المنع ما لم يرد دليل المنع. قرّر ذلك في مواضع من كتبه ونسبه إلى فقهاء الحديث أحمد وغيره (١). الإباحة المستفادة من الفعل النبوي: إن الإباحة التي يدل عليها الفعل النبوي. إن كان بياناً أو امتثالاً لدالٍّ عليها، فهي إباحة شرعية. وأما ما فعله من المباحات الجبلية والعادية، وما حكمنا بإباحته من الأفعال المجردة، فإن إباحته عقلية، أو -كما قرر الغزالي- لا حكم فيه من جهة الشرع، وذلك أن غاية ما في الفعل الدلالة على أن ليس في الشرع ما يدل على المنع منه. فائدة استفادة الإباحة من الأفعال النبوية المجردة: قد يقال: إن الإباحة هي الأصل في المعاملات والأمور الجبلية والدنيوية والعادية ونحوها. فما فائدة الفعل النبويّ في ذلك المجال؟. فالجواب أن فائدته من جهات: الأولى: أن الإباحة المستفادة من الفعل أقوى من المستفادة من العمومات الواسعة، فأكله ﷺ من لحم العنبر الميت أدل على إباحته من عموم الآية ﴿خلق لكم ما في الأرض جميعاً﴾ بل ومن عموم الآية: ﴿أحلَّ لكم صيد البحر وطعامه﴾ وهي، من باب أولى، أقوى في الدلالة على إباحة الفعل المعيّن من الإباحة العقلية، التي يقول بها المعتزلة. الثانية: نفي احتمال أن تكون الصورة مشمولة بنص مانع أو قياس مانع،

стр. 374

كما في قصة أكله ﷺ من لحم العنبر الميت. وقصة أكله ﷺ من لحم شاة تصُدّق به على بريرة فأهدت إليه منها. ومثل تشبيكه ﷺ بين أصابعه في المسجد بعد الصلاة، كما في حديث ذي اليدين، يدل على إباحته وعدم القياس على ما ورد من نهيه ﷺ القادم إلى المسجد عن التشبيك (١). ومثل خروجه من المسجد دون تيمم، عندما تذكر أنه جنب، وقد أوجب بعض الفقهاء التيمّم في مثل هذه الحال (٢). ومثل إخراجه ﷺ رأسه إلى عائشة لترجّله وهي حائض وهو معتكف في المسجد. فقد تبين به أنواع من المباحات. ومن هنا كثر نقل الصحابة للأفعال التي من هذا النوع لبيان الإباحة حيث يُظَنّ المنع، كما في أحاديث مسح الخفين، كثر نقلها لما في الآية من الأمر بالغسل، بل كثيراً ما كان ظن التحريم لأمر من الأمور من بعض الناس، حافزاً للصحابة على رواية الأفعال لإثبات الإباحة. وبهذا السبب ظهر جزء كبير من السنن. الثالثة: إثبات الجواز في ما الأصل فيه المنع. وهي قاعدة مهمة جداً في باب العبادات، فإن الأصل فيها المنع كما تقدم، فلا يعبد الله إلا بما شرع، وحيث فعل ﷺ العبادة الخاصة علم أنها جائزة من أصلها، ولو فعل العبادة في حال معينة أفاد جواز فعلها في تلك الحال، كالصلاة على الميت الغائب، وفعل صلاة الفرض على الراحلة عند المطر إذا كانت الأرض مبتلّة، وفعل النافلة على الراحلة، وأنه يتجه حيثما توجهت ركابه.

стр. 375

المطلب الرابع الكراهة الفعل لا يدل على الكراهة، وقد يدل الترك عليها كما يأتي إن شاء الله. المطلب الخامس التحريم لا يدل الفعل (١) على التحريم بطريق التأسي. ولكن يدل على ذلك الفعل المتعدي، أحياناً كما تقدم، كالعقوبة بالحدّ أو التعزير، تدل على تحريم ما كان سبباً لها. وقد يدل نزعه ﷺ للشيء وكذلك كسره وتحطيمه ونحو ذلك، على تحريم لبسه واتخاذه. كما في حديث عقبة بن عامر: "أهدي لرسول الله ﷺ فَروج حرير، فلبسه ثم صلى فيه، ثم انصرف، ثم نزعه نزعاً شديداً كالكاره له، ثم قال: "لا ينبغي هذا للمتقين" (٢). و"كان لا يترك في بيته شيئاً فيه تصاليب إلا نقضه (٣) " ومثله ما ورد أن النبي ﷺ اتخذ خاتماً من ذهب ثم نَزَعه ورمى به" (٤). و"رأى رجلًا يطوف بالكعبة بخزامة في أنفه فقطعها" (٥). وفي رواية "رأى في المطاف رجلين بزمام بينهما فقطعه" (٦).

стр. 376

وإنما يدل على ذلك إذا عرف أنه صنع ما صنع بقصد بيان الشرع أو الامتثال له. فإنَّ نزْع الثوب نزعاً معتاداً لا دلالة فيه، وكذا لو كسر شيئاً تالفاً لا يحتاج إليه. وإن لم يعلم أنه قصد البيان أو الامتثال فلا يدل أيضاً على التحريم. ومثاله ما ورد في الصحيح أنه النبي ﷺ فرّق ما جاءه من مال البحرين حتى لم يبق منه شيء. فقال ابن حجر: "في الحديث بيان أن الإمام ينبغي له أن يفرق مال المصالح في مستحقيه ولا يؤخره" (١). ونحن لا نرى دلالة الحديث على تحريم التأخير ولا كراهته، لاحتمال أنه لم يقصد امتثال حكم خاص بذلك، بل لكثرة المحتاجين، أو لوجود مال غيره مخزون لديه، ينفق منه عند الحاجة. فللإمام إذن أن يقدّم أو يؤخر بحسب المصلحة. وقد كان النبي ﷺ يحتبس بعض الأموال لنوائبه.

стр. 377

المطلب السادس دلالة الفعل النبوي على الأحكام الوضعية ما تقدم قبل هذا كله راجع إلى دلالة الأفعال النبوية على الأحكام التكليفية. أما دلالتها على الأحكام الوضعية فهي دلالة خفية، وقلما يمكن بيانها بالفعل دون قول يوضح ارتباط الحكم بسببه ونحوه. فأما مع القول فهو في الشريعة كثير. فمن ذلك: ١ - السببية: مثال بيان السببية بالفعل دون القول أنه ﷺ : "قام فتوضأ"، "وسها فسجد". ٢ - الشرطية: من بيان الشرطية بالفعل وحده، في شرط الوجوب، بأن يترك الفعل في حال ويفعل في حال آخر، فيعلم أن ذلك الحال شرط. ومثال ما روي عن الزهريّ عن أبي سلمة قال: "قلت لأبي هريرة: على كم تجب الجمعة من رجل؟ قال: لما بلغ أصحاب رسول الله ﷺ خمسين جمع بهم رسول الله ﷺ " استدل بذلك أن شرط وجوب الجمعة وجود خمسين رجلاً" (١). ومن أمثلته أيضاً أن النبي ﷺ كان يقيم الجمعة في المدينة، ولا يقيمها في أسفاره، فعلم بذلك أن شرط وجوبها الإقامة.

стр. 378

وقد يتبيّن بالفعل عدم الشرطية، وهو كثير في الشريعة. وذلك أن يفعل الشيء ويجتزئ به مع انعدام ما يظن شرطاً. كفعله ﷺ صلاة الجمعة قبل الزوال، فيعلم بذلك أن الزوال ليس شرطاً (١). وكإجرائه عقد البيع دون إشهاد، فيعلم أن الإشهاد ليس شرطاً لصحة البيع. وقد استفاد بعض العلماء الشرطية من الفعل الذي لا قول معه، كما في تقدم الطواف لصحة السعي، قال النووي: "قال أصحابنا: يشترط كون السعي بعد طواف صحيح سواء أكان بعد طواف القدوم أو طواف الزيارة ... واستدل الماوردي بأن النبي ﷺ سعى بعد الطواف. مع أنه قد قال ﷺ : "لتأخذوا عني مناسككم" وبإجماع المسلمين. قال: وشذ الجويني فقال في كتابه "الأساليب": قال بعض أئمتنا: لو قدّم السعي على الطواف اعتدّ بالسعي. قال النووي: وهذا النقل غلط ظاهر، مردود بالأحاديث الصحيحة وبالإجماع الذي قدمناه عن نقل الماوردي والله أعلم" (٢). أقول: وقد نقل عدم الشرطية في ذلك عن عطاء، ونقل عن أحمد بن حنبل: يجزئه إن سعى قبل الطواف ناسياً. واختار صاحب المغني (٣) إنه شرط، واحتج بالفعل النبوي مع قوله ﷺ : "لتأخذوا عني مناسككم". فإن ثبت الإجماع فهو حجة. وإلا فإن الحديث لا يدل على الوجوب كما تقدم. والشرط هنا من الواجب. ولهذا فإن القول بالاشتراط في هذه المسألة خارج عن القاعدة الأصولية. والله أعلم. ومثله قول من قال باشتراط جعل البيت عن يسارك في الطواف: يقول النووي: الترتيب عندنا شرط لصحة الطواف بأن يجعل البيت عن ويطوف عن يمينه تلقاء وجهه. فإن عكسه لم يصح، وبه قال مالك وأحمد

стр. 379

وجمهور العلماء. وقال أبو حنيفة يعيده إن كان بمكة، فإن رجع إلى وطنه ولم يعده لزمه دم وأجزأه طوافه (١). والحجة لوجوبه حديث جابر أن النبي ﷺ لما قبل الحجر الأسود طاف على يمينه. مع قوله ﷺ : "خذوا عني مناسككم" وبهذا احتج الشيرازي (٢). وأما ابن حزم فلم يستدل بالفعل في هذه المسألة، وإنما رأى (٣) إن النبي ﷺ لما أمرهم بالخبب، فلا بد أنه أمرهم من أين يبتدئون وكيف يصنعون فالوجوب عنده بالقول المنقول بطريق اللزوم. والأولى القول بالوجوب. ومأخذه عندي أن فعله ﷺ بيان لآية الأمر بالطواف. فمن هنا وجبت الكيفية، والعدد أيضاً. ٣ - المانعية: وأما بيان المانعيّة بالفعل مع القول فهو كثير، ومنه أن النبي ﷺ ردّ هدية الصيد لما كان محرماً. وقال للمهدي: "إنّا لم نردَّه عليك إلاّ أنّا حُرُم" (٤). وأما بالفعل دون قول، فإن كان الفعل ناهياً، فكثير، كما في حديث ابن عباس قي تحويل النبي ﷺ له من موقفه عن يسار الإمام إلى يمينه. وأما الفعل الذي لا نهي فيه، فيرد قليلاً. وذلك كصلاته ﷺ في مرضه جالساً، يدل على أن المرض يمنع وجوب القيام. وقد يدل الفعل على عدم المانعية، وذلك أن يفعل العبادة أو العقد مع التلبس بما يظن مانعاً من الصحة، فيعلم بذلك أنه ليس مانعاً. وهو كثير. ومنه عُلِم أنّ العمل اليسير في الصلاة لا يبطلها، كما صنع ﷺ إذ فتح الباب لعائشة وهو

стр. 380

في الصلاة (١)، وحمل أمامة ابنة ابنته زينب. فكان إذا قام رفعها وإذا ركع وضعها وهو في الصلاة. ومنه علم أيضاً أن الكلام اليسير في شأن الصلاة سهواً لا يبطلها، صنع ﷺ ذلك إذ تكلّم سهواً، بعد أن سلم من نقص، كما في حديث ذي اليدين. ومنه علم أيضاً أن السفر لا يمنع صحة الصوم، فقد كان ﷺ يصوم أحياناً في السفر (٢). وكذلك في المنع من الوجوب. فقد أقاد النبي ﷺ يهودياً من امرأة قتلها بأحجار (٣)، فعلم أنه لا يمنع وجوب القصاص كون القاتل يهودياً، ولا كون القاتل رجلاً والمقتول امرأة، ولا كون آلة القتل مثقلاً غير محدد. ٤ - الرخصة والعزيمة: أما الرخص فبيانها بالفعل الذي معه قول، كثير، كنّيته ﷺ صوم النفل بالنهار، والمسح على الخفين. قال ﷺ للمغيرة حينما أراد أن ينزع خفيه: "دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين". فمسح عليهما. وكذلك بيانها بالفعل الذي لا قول معه كثير، ووجه كثرتها هنا أنها على خلاف الأصل، فكان ذلك كافياً في بيان أنها رخص، ومثاله جمعه ﷺ بين الصلاتين في السفر، وصلاته في مرضه جالساً، وتطوعه على الدابة، وتوجهه عليها إلى غير القبلة، والاستجمار، واستدبار القبلة عند قضاء الحاجة في البنيان. ٥ - الصحة والفساد: إذا فعل النبي ﷺ عبادة على وجه ما فإنه يدل على صحة عملها على مثل ذلك الوجه. ولكن لا يدل على فسادها إذا عملت على وجه آخر، ما لم يكن دليل

стр. 381

على أن ذلك الوجه الذي عملها عليه ﷺ بعينه واجب. وكذلك في العقود ونحوها، فما فعله منها دل على صحته وأنه موافق للشرع ومستكمل لجميع أركانه وشروطه، ومنتفية عنه الموانع. ومن هذا الباب مسألة القرعة، فقد ثبت أن النبي ﷺ كان إذا سافر سفراً أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها سافر بها معه (١). وأيضاً أقرع بين أعْبُدٍ ستة أعتقهم رجل عن دُبُر لم يكن له مال غيرهم فمات. فأقرع بينهم النبي ﷺ ، فأعتق بالقرعة اثنين، وأرَقّ أربعة (٢). يدل هذا الفعل منه ﷺ على أن القرعة طريق صحيح لتعيين الحقوق إذا تساوت ولم يكن للترجيح طريق آخر. وللفقهاء تفصيل في تمييز ما تجري فيه القرعة مما لا تجري فيه (٣). ومن هذا أيضاً اكتفاؤه ﷺ عن القول في قبول الهبة بالقبض، وفي تصرفه بالإذن العرفي عن الإذن القولي، كما في مبايعة نفسه عن عثمان، وإدخاله أهل الخندق إلى طعام أبي طلحة، وأيضاً إلى طعام جابر. ونحو ذلك. كل ذلك يدل على الصحة في مثله من التصرف (٤). ومن هذه الجهة، وهي جهة دلالة الفعل على الصحة، يمكن استنباط أن شيئاً معيناً ليس ركناً، أو أنه ليس شرطاً، كما تقدم.

стр. 382

الفصل السابع صفة الدلالة الفعليّة الدلالة وأنواعها ١ - طبيعة الدلالة الفعلية. ٢ - وجه انسحاب حكم فعله ﷺ على أفعال الأمة.

стр. 383

صفَة الدلالة الفعليَّة تمهيد الدلالة وَأنواعهَا الدلالة كون الشيء بحالة يلزم من العلم به العلم بشيء آخر. والأول هو الدالّ، والثاني هو المدلول. والبحث في الدلالة من جهتين: جهة الارتباط والتلازم بين الدالّ والمدلول والثانية جهة الدالّ. أولاً- جهة الارتباط بين الدالّ والمدلول: الرابطة بين الدال والمدلول على أنواع، لأنها تكون عقلية، وطبيعية، وعادية، ووضعية. أ- فالعقليّة، كدلالة وجود الشيء على عدم نقيضه، ودلالة الأثر على أن له مؤثّراً. ب- والطبيعيّة أن يكون الترابط بينهما بسبب الطبع والخلق، ومثاله دلالة الدخان على النار، ودلالة الصوت ذي الصفة الخاصة الناشئ من النقر، على أن المضروب نحاس، أو حديد، ودلالة الأعراض على الأمراض عند الأطباء، ودلالة الارتجاف أو قول (إح) على إصابة صاحبه بشدة البرد. جـ- وأما العادية، فكأنْ تكون جرت العادة أن يقع أمران معينان متحدين في الوقت أو مع سبق أحدهما للآخر، فإن علم وقوع أحدهما دل على وقوع الآخر،

стр. 384

ومثاله الاستدلال بوجود أحد الزوجين في بلد على وجود الآخر فيه، وبالولادة على السرور بها، وبالموت على الدفن، وعكسه، وعلى التعزية. د- وأما الوضعية فبأن يجعل أحدٌ أو طائفة من الناس، شيئاً ليدل على شيء، كالإشارات الضوئية التي توضع لتنبيه سائقي السيارات أو السفن أو الطائرات، وكدلالة الخط والعقد والإشارة، على ما أريد أن تدل عليه. وكالألفاظ المستعملة في اللغة، وضعت لتدل على معاني تعرف من كتب اللغة. ثانياً: جهة الدال: الدال إما أن يكون لفظاً، أو فعلاً، أو صفة، أو شيئاً مادّياً. وغرضنا يتعلق بالدليل إذا كان فعلاً. ولكن نقدم تقسيم المنطقيين للدلالة اللفظية، ليتبيّن حكم الدلالة الفعلية إذا قورنت بها. ... الدلالة اللفظية: الألفاظ الصادرة تختلف دلالاتها، فقد تكون عقلية كدلالة الكلام على متكلم، وطبيعية، كقول (آه) على شدة الألم، وعادية كدلالة قولهم (كل عام وأنتم بخير) على أن اليوم عيد. ووضعية وهو الأكثر. ثم الدلالة الوضعية في الألفاظ تنقسم ثلاثة أقسام، لأنها: أما: دلالة مطابقة، وهي دلالة اللفظ على كل معناه الموضوع له، كدلالة (البيت) على البيت. وإما: دلالة تضمن، وهي دلالة اللفظ على بعض معناه، كدلالة (البيت) على السقف أو الباب. وإما: دلالة التزام، وهي دلالة اللفظ على خارج عن معناه لازم له، كدلالة (السقف) على الحائط (١).

стр. 385

ومن الدلالة الالتزامية: ١ - الاقتضاء: وهو دلالة المذكور على مقصود للمتكلم مضمر، يتوقف عليه صدق الكلام، كقوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾ أي أهلها، أو تتوقف عليه صحة الكلام، كحديث "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" أي المؤاخذة بهما. ٢ - والإيماء: وهو دلالة اللفظ على لازم مقصود للمتكلم لا يتوقف عليه صدق الكلام ولا صحته، كقوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ أي لأجل السرقة. ٣ - والإشارة: وهي دلالة اللفظ على ما ليس مقصود للمتكلم، لكنه يعلم من كلامه. ٤ - والمفهوم: وهو أن يدل اللفظ على حكم في غير محل النطق. وهو نوعان: مفهوم مخالفة، ومفهوم موافقة. أ- فمفهوم المخالفة، أن يكون المسكوت عنه مخالفاً في الحكم للمنطوق، كدلالة قوله ﷺ : "في سائمة الغنم الزكاة" على أن ما عدا السائمة من الغنم لا زكاة فيها. ب- ومفهوم الموافقة: نوعان: الأول: ويسمى (فحوى الخطاب) وقد سماه بعض الحنابلة (التنبيه)، وهو أن يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق، كدلالة قوله تعالى: ﴿ولا تقل لهما أف﴾ على تحريم ضرب الوالدين. والثاني: ويسمى (لحن الخطاب) أو (دليل الخطاب) وهو أن يكون المسكوت عنه مساوياً في الحكم للمنطوق، كدلالة تحريم أكل مال اليتيم على تحريم إحراقه أو إغراقه.

стр. 386

المبحث الأول طبيعَة الدلالة الفعليَّة قد يكون للفعل دلالات مختلفة، وغرضنا يتعلق بذكر دلالة أفعال النبي ﷺ خاصة. وليست دلالة أفعاله ﷺ على الأحكام في حقنا عقليه. وقد تقدم إيضاح ذلك في فصل حجية أفعال النبي ﷺ . وليست كذلك طبيعيّة، ولا عاديّة، إذ لا دخل للطّبْع ولا للعادة في شيء من ذلك. وإنما هي دلالة وضعيّة، بمعنى أن الشرع جعلها لنا علامة، إذا رأيناها علمنا ما الحكم في حقنا. ومثاله أننا إذا علمنا أنه ﷺ ، صلى بعد الجمعة ركعتين ندباً، كان ذلك لنا علامة موضوعة تدلّنا على أن حكم ركعتين بعد الجمعة في حقنا الندب. ويقول القاضي عبد الجبّار: "لو كان الفعل بمجرده -يعني من غير دلالة شرعية على حجيته- يدل، لكان القول بذلك أولى، فإذا صحّ أن القول لا يدل إلا بالمواضعة على الوجوه التي تقدم ذكرها، فالواجب مثل ذلك في الفعل" (١). والذي يدلنا على هذا الوضع في الأفعال النبوية أمران: الأول: أمر غير شرعي، بل هو مواضعة عامة، وذلك في أفعال خاصة من

стр. 387

أفعاله ﷺ ، كالكتابة، والخط، والعقد، والإشارة ونحو ذلك كدلالة دفعه ﷺ من مرّ أمامه على منعه من ذلك، وككسره التصاليب في الدلالة على المنع منها. فهذه الدلالة ليست شرعية، أعني أن مثل هذه الأفعال دالة على مراد الفاعل بفعله، مطلقاً، سواء أكانت من نبي أم من غيره. ولو كَسَر غير نبيّ إناءً معيناً لعلمنا أنه لا يريد بقاءه. وذلك كالكلام سواء، فليس كون الكلام دالاً على مراد المتكلم خاصاً بنبي دون غيره، ومتى صدر من النبي ﷺ دل على الحكم الشرعي. وكذلك استفيدت الأحكام الشرعية من هذا النوع من الأفعال من حيث إنها صدرت عن النبي ﷺ ، أما المواضعة فهي عامة. الثاني: أمر شرعي، وهو ما تقدم من الأدلة القاضية بحجية الأفعال النبوية من حيث الجملة، مع ما قدمناه من البيان لأنواع الأحكام التي تؤخذ من الفعل. فهذا وضع شرعي. أنواع الدلالة الوضعية الفعلية: من الأفعال ما يدلّ مطابقة، وتضمناً، والتزاماً. وهو الكتابة، لأنها بمنزلة القول، فيمكن أن تدل على ما يدل عليه القول سواء بسواء. وسيأتي إن شاء الله في الباب الثاني الكلام على الكتابة. وأما ما سواها من الأفعال، ففيه تفصيل: أولاً: دلالة المطابقة: تتصور دلالة الفعل مطابقة على الحكم الشرعي في موضعين: ١ - الإشارة، والعقد، ونحوه من الأفعال (الآمرة والناهية). ٢ - الفعل البياني، على ما قدمنا ذكره من أنه دال على الحكم بالقصد. كبيانه ﷺ هيئة الطواف بفعله، وهيئة الحج، وأوقات الصلوات الخمس. ثانياً: دلالة التضمن: لا تتأتى دلالة التضمّن على الأحكام في الأفعال. ولو دل الفعل البياني كطوافه

стр. 388

- ﷺ ، على جزء من الطواف، كالبدء من عند الحجر، فإن تلك دلالة مطابقية، لأن حقيقتها دلالة ذلك الجزء من فعله ﷺ على حكم مثل ذلك الجزء في حقنا. ثالثاً: دلالة الالتزام: تتأتى دلالة الفعل التزاماً، على الحكم في حقنا، في صور: ١ - الأفعال الجبليّة والعاديّة، والأفعال الامتثالية. فإنه يلزم من فعله ﷺ لها أنها مطابقة للشرع، ومن معرفة أن حكمنا كحكمه فيها معرفة حكمنا. ٢ - ما تقدم في الفعل المتعدي، من أنه ﷺ إذا عاقب أحداً بحدٍّ أو تعزير، علمنا أن ذلك الشخص قد فعل كبيرة، بطريق الالتزام، ثم يعلم أن مثل ذلك الفعل في حقنا أيضاً كبيرة، بناء على أصل الاستواء في الأحكام الشرعية. ويقول القرافي: "إن إقدام الحاكم على بيع عبد كان قد أعتقه من أحاط الدين بماله، يستلزم الحكم ببطلان ذلك العتق". ويقول: "الفعل الذي هو البيع ونحوه لا تتأتى فيه دلالة التضمن ألبتة، فإن الحكم لا يقع إلا لازماً له" (١). وقوله هذا هو في الدلالة على الحكم القضائي. والحكم الشرعي أيضاً مثله سواء. ٣ - ومما يدل عليه الفعل بالالتزام أيضاً باب الطهارة والنجاسة، فمن ذلك أنه ﷺ توضأ، فأدخل يديه في الإناء واغترف منه، فإن ذلك يدل بالالتزام على عدم فقدان الماء الطهورية بمثل ذلك. وحديث عائشة أنه ﷺ كان يصلي: "وفي ثوبه بقع الماء" تعني المنيّ بعد أن تحكه يابساً. استدل به على طهارة المني الشافعية والحنابلة، وقال الحنفية: هو نجس ويكفي في تطهيره الفرك، كتطهير النعل بدلكها بالتراب (٢). ومثله طوافه ﷺ بالبيت على بعير، استدل به بالالتزام على طهارة فضلات

стр. 389

الإبل، إذ لو كانت نجسة لم يعرّض النبي ﷺ المسجد للتنجيس (١). أنواع الدلالة الالتزامية الفعلية: أولاً- دلالة الاقتضاء: لا تتأتى دلالة الاقتضاء في الأفعال. ولا تكون إلا لفظية. ثانياً- الإيماء: هذه الدلالة تتأتى من الفعل، كأن يفعل النبي ﷺ شيئاً لم يكن من عادته فعله، بعد أمر حادث، فيدل ذلك على السببية، كصلاته ثمان ركعات بعد فتح مكة، استدل به على أن الفتح كان سبباً لذلك. وكسجوده بعد صلاة سها فيها، فيعلم أن السهو سبب للسجود. وكسجوده عقب تلاوة آية فيها ذكر السجود لله، يدل على أن التلاوة سبب للسجود. ثالثاً- الإشارة: الدلالة الإشارية كثيرة في الأفعال، فبيانه ﷺ للصلاة على المنبر، ورجوعه وسجوده بالأرض، كان القصد منه بيان هيئات الصلاة، ولم يقصد منه بيان جواز ارتفاع الإمام عن المأموم، ولا بيان جواز الحركة خطوات قليلة أثناء الصلاة، وقد حصل العلم لنا بذلك بدلالة الإشارة. رابعاً- مفهوم الفعل: أولاً: مفهوم المخالفة (دليل الفعل): قد تتأتى استفادة الأحكام من الأفعال النبوية بطريقة المفهوم المخالف. وقد وضح ذلك القاضي أبو يعلى الحنبلي في العدة (٢)، حيث يقول: "أفعال النبي ﷺ لها

стр. 390

دليل (١)، وقد قال أحمد ﵀: لا يصلى على القبر بعد شهر، على ما فعل ﷺ إذ صلى على قبر أم سعد بعد شهر. فجعل صلاته بعد شهر دليلاً على المنع في ما زاد عليه، لأن الفعل كالقول في أنه يقتضي الإيجاب، ويخصص بها (كذا) العموم". وقال ابن تيمية: (٢) "قال ابن عقيل: ذكر (بعض) أصحابنا عن أحمد أنه جعل للفعل دليلاً، وأخذه من مسألة الصلاة على القبر، وأحال هو -يعني ابن عقيل- ذلك، وجوز أن يكون المستند استصحاب الحال. وبسط القول، وسلّم الدلالة إذا كثر الفعل" (٣). وهذا يعني أن ابن عقيل يرفض نظرية القاضي أبي يعلى في نسبة القول بذلك إلى مذهب أحمد، للاحتمال الذي ذَكَر، فيما عدا حالة واحدة، وهي أن يكثر فعله ﷺ على صفة معينة، أو في حال أو وقت معين، فيفهم المنع في ما سواها. ويظهر أن ما سلمه من القول بالمفهوم المخالف إذا كثر الفعل مستقيم في صور كثيرة نص الفقهاء فيها على المنع، ولا يظهر مستند إلا مفهوم المخالفة. فمن ذلك منعهم الزيادة في الوضوء على مرات ثلاث استدلالاً بالفعل. وفيه حديث قولي، أنه ﷺ توضأ ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: "هذا الوضوء، فمن زاد على هذا فقد أساء وظلم" (٤). ولا يصح هذا الحديث. ومن ذلك كراهية بعضهم لصلاة العيد في المسجد، واعتبار أن السنة فعلها بالمصلى، أخذاً من الفعل. ثانياً- دلالة الفحوى: تتأتى دلالة الفحوى بالأفعال كثيراً، ويقول مجد الدين ابن تيمية (الجدّ): "قد يستفاد التنبيه من الفعل كما يستفاد من القول، ومثلّه ابن عقيل بقوله تعالى:
следующие страницы →