← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 31471

أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم ودلالتها على الأحكام الشرعية

محمد سليمان الأشقر

Полный текст (761 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

المبحث الأول طبيعَة الدلالة الفعليَّة قد يكون للفعل دلالات مختلفة، وغرضنا يتعلق بذكر دلالة أفعال النبي ﷺ خاصة. وليست دلالة أفعاله ﷺ على الأحكام في حقنا عقليه. وقد تقدم إيضاح ذلك في فصل حجية أفعال النبي ﷺ . وليست كذلك طبيعيّة، ولا عاديّة، إذ لا دخل للطّبْع ولا للعادة في شيء من ذلك. وإنما هي دلالة وضعيّة، بمعنى أن الشرع جعلها لنا علامة، إذا رأيناها علمنا ما الحكم في حقنا. ومثاله أننا إذا علمنا أنه ﷺ ، صلى بعد الجمعة ركعتين ندباً، كان ذلك لنا علامة موضوعة تدلّنا على أن حكم ركعتين بعد الجمعة في حقنا الندب. ويقول القاضي عبد الجبّار: "لو كان الفعل بمجرده -يعني من غير دلالة شرعية على حجيته- يدل، لكان القول بذلك أولى، فإذا صحّ أن القول لا يدل إلا بالمواضعة على الوجوه التي تقدم ذكرها، فالواجب مثل ذلك في الفعل" (١). والذي يدلنا على هذا الوضع في الأفعال النبوية أمران: الأول: أمر غير شرعي، بل هو مواضعة عامة، وذلك في أفعال خاصة من

стр. 387

أفعاله ﷺ ، كالكتابة، والخط، والعقد، والإشارة ونحو ذلك كدلالة دفعه ﷺ من مرّ أمامه على منعه من ذلك، وككسره التصاليب في الدلالة على المنع منها. فهذه الدلالة ليست شرعية، أعني أن مثل هذه الأفعال دالة على مراد الفاعل بفعله، مطلقاً، سواء أكانت من نبي أم من غيره. ولو كَسَر غير نبيّ إناءً معيناً لعلمنا أنه لا يريد بقاءه. وذلك كالكلام سواء، فليس كون الكلام دالاً على مراد المتكلم خاصاً بنبي دون غيره، ومتى صدر من النبي ﷺ دل على الحكم الشرعي. وكذلك استفيدت الأحكام الشرعية من هذا النوع من الأفعال من حيث إنها صدرت عن النبي ﷺ ، أما المواضعة فهي عامة. الثاني: أمر شرعي، وهو ما تقدم من الأدلة القاضية بحجية الأفعال النبوية من حيث الجملة، مع ما قدمناه من البيان لأنواع الأحكام التي تؤخذ من الفعل. فهذا وضع شرعي. أنواع الدلالة الوضعية الفعلية: من الأفعال ما يدلّ مطابقة، وتضمناً، والتزاماً. وهو الكتابة، لأنها بمنزلة القول، فيمكن أن تدل على ما يدل عليه القول سواء بسواء. وسيأتي إن شاء الله في الباب الثاني الكلام على الكتابة. وأما ما سواها من الأفعال، ففيه تفصيل: أولاً: دلالة المطابقة: تتصور دلالة الفعل مطابقة على الحكم الشرعي في موضعين: ١ - الإشارة، والعقد، ونحوه من الأفعال (الآمرة والناهية). ٢ - الفعل البياني، على ما قدمنا ذكره من أنه دال على الحكم بالقصد. كبيانه ﷺ هيئة الطواف بفعله، وهيئة الحج، وأوقات الصلوات الخمس. ثانياً: دلالة التضمن: لا تتأتى دلالة التضمّن على الأحكام في الأفعال. ولو دل الفعل البياني كطوافه

стр. 388

- ﷺ ، على جزء من الطواف، كالبدء من عند الحجر، فإن تلك دلالة مطابقية، لأن حقيقتها دلالة ذلك الجزء من فعله ﷺ على حكم مثل ذلك الجزء في حقنا. ثالثاً: دلالة الالتزام: تتأتى دلالة الفعل التزاماً، على الحكم في حقنا، في صور: ١ - الأفعال الجبليّة والعاديّة، والأفعال الامتثالية. فإنه يلزم من فعله ﷺ لها أنها مطابقة للشرع، ومن معرفة أن حكمنا كحكمه فيها معرفة حكمنا. ٢ - ما تقدم في الفعل المتعدي، من أنه ﷺ إذا عاقب أحداً بحدٍّ أو تعزير، علمنا أن ذلك الشخص قد فعل كبيرة، بطريق الالتزام، ثم يعلم أن مثل ذلك الفعل في حقنا أيضاً كبيرة، بناء على أصل الاستواء في الأحكام الشرعية. ويقول القرافي: "إن إقدام الحاكم على بيع عبد كان قد أعتقه من أحاط الدين بماله، يستلزم الحكم ببطلان ذلك العتق". ويقول: "الفعل الذي هو البيع ونحوه لا تتأتى فيه دلالة التضمن ألبتة، فإن الحكم لا يقع إلا لازماً له" (١). وقوله هذا هو في الدلالة على الحكم القضائي. والحكم الشرعي أيضاً مثله سواء. ٣ - ومما يدل عليه الفعل بالالتزام أيضاً باب الطهارة والنجاسة، فمن ذلك أنه ﷺ توضأ، فأدخل يديه في الإناء واغترف منه، فإن ذلك يدل بالالتزام على عدم فقدان الماء الطهورية بمثل ذلك. وحديث عائشة أنه ﷺ كان يصلي: "وفي ثوبه بقع الماء" تعني المنيّ بعد أن تحكه يابساً. استدل به على طهارة المني الشافعية والحنابلة، وقال الحنفية: هو نجس ويكفي في تطهيره الفرك، كتطهير النعل بدلكها بالتراب (٢). ومثله طوافه ﷺ بالبيت على بعير، استدل به بالالتزام على طهارة فضلات

стр. 389

الإبل، إذ لو كانت نجسة لم يعرّض النبي ﷺ المسجد للتنجيس (١). أنواع الدلالة الالتزامية الفعلية: أولاً- دلالة الاقتضاء: لا تتأتى دلالة الاقتضاء في الأفعال. ولا تكون إلا لفظية. ثانياً- الإيماء: هذه الدلالة تتأتى من الفعل، كأن يفعل النبي ﷺ شيئاً لم يكن من عادته فعله، بعد أمر حادث، فيدل ذلك على السببية، كصلاته ثمان ركعات بعد فتح مكة، استدل به على أن الفتح كان سبباً لذلك. وكسجوده بعد صلاة سها فيها، فيعلم أن السهو سبب للسجود. وكسجوده عقب تلاوة آية فيها ذكر السجود لله، يدل على أن التلاوة سبب للسجود. ثالثاً- الإشارة: الدلالة الإشارية كثيرة في الأفعال، فبيانه ﷺ للصلاة على المنبر، ورجوعه وسجوده بالأرض، كان القصد منه بيان هيئات الصلاة، ولم يقصد منه بيان جواز ارتفاع الإمام عن المأموم، ولا بيان جواز الحركة خطوات قليلة أثناء الصلاة، وقد حصل العلم لنا بذلك بدلالة الإشارة. رابعاً- مفهوم الفعل: أولاً: مفهوم المخالفة (دليل الفعل): قد تتأتى استفادة الأحكام من الأفعال النبوية بطريقة المفهوم المخالف. وقد وضح ذلك القاضي أبو يعلى الحنبلي في العدة (٢)، حيث يقول: "أفعال النبي ﷺ لها

стр. 390

دليل (١)، وقد قال أحمد ﵀: لا يصلى على القبر بعد شهر، على ما فعل ﷺ إذ صلى على قبر أم سعد بعد شهر. فجعل صلاته بعد شهر دليلاً على المنع في ما زاد عليه، لأن الفعل كالقول في أنه يقتضي الإيجاب، ويخصص بها (كذا) العموم". وقال ابن تيمية: (٢) "قال ابن عقيل: ذكر (بعض) أصحابنا عن أحمد أنه جعل للفعل دليلاً، وأخذه من مسألة الصلاة على القبر، وأحال هو -يعني ابن عقيل- ذلك، وجوز أن يكون المستند استصحاب الحال. وبسط القول، وسلّم الدلالة إذا كثر الفعل" (٣). وهذا يعني أن ابن عقيل يرفض نظرية القاضي أبي يعلى في نسبة القول بذلك إلى مذهب أحمد، للاحتمال الذي ذَكَر، فيما عدا حالة واحدة، وهي أن يكثر فعله ﷺ على صفة معينة، أو في حال أو وقت معين، فيفهم المنع في ما سواها. ويظهر أن ما سلمه من القول بالمفهوم المخالف إذا كثر الفعل مستقيم في صور كثيرة نص الفقهاء فيها على المنع، ولا يظهر مستند إلا مفهوم المخالفة. فمن ذلك منعهم الزيادة في الوضوء على مرات ثلاث استدلالاً بالفعل. وفيه حديث قولي، أنه ﷺ توضأ ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: "هذا الوضوء، فمن زاد على هذا فقد أساء وظلم" (٤). ولا يصح هذا الحديث. ومن ذلك كراهية بعضهم لصلاة العيد في المسجد، واعتبار أن السنة فعلها بالمصلى، أخذاً من الفعل. ثانياً- دلالة الفحوى: تتأتى دلالة الفحوى بالأفعال كثيراً، ويقول مجد الدين ابن تيمية (الجدّ): "قد يستفاد التنبيه من الفعل كما يستفاد من القول، ومثلّه ابن عقيل بقوله تعالى:

стр. 391

﴿ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك﴾ (١) نبّه بأدائهم القنطار على أداء ما دونه" اهـ. وعندي أن هذه دلاله قولية، لأن الله تعالى يدلّنا بالقول على ذلك، لا بالفعل، ولو قال: "نبّهوا بأدائهم للقنطار على أدائهم لما دونه" لكان لقول ابن عقيل وجه. ويقول الجد: مثّله هو: "يعني ابن عقيل" بالبصاق في المسجد، وإلى القبلة، على البول. ولعلّه يعني أن حكّ النبي ﷺ للنخامة من قبلة المسجد يدل على المنع من التبول من باب أولى. ويقول (٢): "وأحسن من هذا ما أشار إليه أحمد بن حنبل واستدل به، من أن النبي ﷺ جمع بين الصلاتين بالمدينة من غير خوف ولا سفر، فإنه يفيد الجمع للخوف والسفر والمطر" (٣). وهذا استدلال مستقيم. ثالثاً- مفهوم الموافقة المساوي (لحن الفعل) وهذا كثير في الأفعال، وهو نوعان: الأول: كرضخه ﷺ من الفيء لمن كان معه في الحرب من النساء (٤) فكذلك ينبغي أن يرضخ لغيرهم ممن يماثلهم في ذلك إذا حضروا الحرب، كالصبيان. ومثل اتخاذه قبيعة سيفه من فضة، يدل على جواز اتخاذ رأس الدواة، وحلقة المرآة، ونحو ذلك، من الفضة.

стр. 392

وضابط هذا النوع أن يفهم من حكم فعله ﷺ حكم فعل من نوع آخر، مساوٍ له، بخلاف النوع الآتي. الثاني: وهو أن يقال: ما فعله ﷺ فحكمنا فيه كحكمه، وهو ما تقدم من قول المساواة في الفعل المجرّد. وهذا النوع، وهو انسحاب أحكام أفعاله ﷺ على أحكام أفعال الأمة بطريق المساواة، هو الدلالة الرئيسية للأفعال النبوية المجردة، وإذا أطلقت الدلالة الفعلية فإنما يراد بها هذا النوع خاصة. ويتعلق بهذه الدلالة خاصة، أعني دلالة المساواة في الحكم بيننا وبينه ﷺ ، مسائل مهمة، نستعرضها في المبحث التالي.

стр. 393

المبحث الثاني وجْه انسِحَاب حُكم الفِعْل النبويّ عَلى أفعَال الأمَّة قدمنا أن ذلك من دلالة مفهوم الموافقة. وهذا هو ما نميل إليه. ولكن قد اختلف تكييف الأصوليين لذلك الانسحاب على وجهين. فمنهم من قال بأن ذلك بطريق العموم، ومنهم من قال بأنه بطريق القياس. أولاً- القول بالعموم: نسب الزركشي في البحر المحيط، القول بجريان العموم في الأفعال إلى أصحاب مالك (١) وبعض أصحاب الشافعي. وقال الشوكاني: الفعل لا عموم له، فلا يشمل جميع الأوقات المستقبلة. ونسب ذلك إلى "جمهور أهل الأصول على اختلاف طبقاتهم" (٢). وقد وجّه الغزالي ذلك (٣) بأن الفعل لا يقع إلا على وجه معين، فلا يجوز أن يحمل على كل وجه يمكن أن يقع عليه. وقد بيّن غيره أنه كما لا عموم للفعل بالنسبة إلى الزمان والمكان والأسباب فكذلك لا عموم له بالإضافة إلى غير فاعله من الفاعلين، ولا غير مفعوله من

стр. 394

المفعولين، ولا غير السبب الذي وقع من أجله. ومعلوم أن الفاعل لم يفعل ذلك الفعل إلا مرة واحدة، في زمان واحد، ومكان واحد، وبمفعول واحد، وعلى هيئة واحدة. وهكذا. فالفعل إذْ يقع إنما يقع خاصاً بفاعله، وعلى الهيئة والحال التي وقع عليها. هذا بالنظر إلى الفعل في ذاته من حيث هو فعل. ثم إن دلّ الدليل على أنه ﷺ يبين بذلك الفعل مجملاً عامّاً لنا وله، كقوله ﷺ : لمّا صلى على المنبر "إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي" (١) وكقوله: "خذوا عني مناسككم" فإن فعله يكون عاماً بحسب عموم المبين، لأنه يكون حينئذٍ بمنزلة القول. وقال ابن الهمام: العموم هنا للمحل لا لنقل الفعل (٢). وأما فيما سوى ذلك مما دل الدليل على تأسي الأمّة به ﷺ كالفعل المجرّد، فإن القول بالعموم فيه لا يصحّ إلا على نوع من المسامحة. وأما في الحقيقة فإن العموم إنما هو في الأدلة الدالة على وجوب تأسيّ الأمة به ﷺ ، في الحالات المماثلة. الثاني: القول بالقياس: لم نجد أحداً صرح بأن إلحاق غير النبي ﷺ بالنبي في حكم أفعاله هو قياس، ما عدا الآمدي. فإنه يرى أن معنى التأسّي الذي أمرنا به هو القياس عينه. فقد ذكر في (باب حجية القياس) حديث أم سلمة أنها سئلت عن قبلة الصائم، فسألته ﷺ ، فقال لها: "هل أخبرتِهِ أني أقبّل وأنا صائم؟ " ثم قال الآمدي: "إنما ذكر ذلك تنبيهاً لقياس غيره عليه" (٣). وذكر اعتراض من يعترض على ذلك بأن هذا يدل على أن فعل النبي ﷺ حجة متبعة، وليس بقياس. قال الآمدي: "أنه

стр. 395

اعتراض غير صحيح، وذلك لأنه لو لم يكن اتباعنا له في فعله بطريق التأسّي به، لما كان حكم فعله ثابتاً في حقنا، ولا معنى للقياس سوى ذلك" (١). وقال الآمدي أيضاً: "إن العمل بخبر فرك المني، والغسل من التقاء الختانين، وقبلة الصائم، كل ذلك مستند إلى القياس، لا إلى عموم الفعل، لتعذره" (٢). ويفهم من كلام الغزالي أنه يذهب إلى مثل ما ذهب إليه الآمدي، قال الغزالي في حديث أم سلمة المتقدم ذكره: "إن ذلك تنبيه لقياس غيره عليه ﷺ " وهذا يدل على أنه يرى مساواتنا له ﷺ في أحكام أفعاله قياساً (٣). رأينا في ذلك: إننا نرى أن الذين عبّروا بعموم الفعل إنما عبّروا به على طريق المسامحة، لا على اعتقاد أن الفعل في الحقيقة عام. ونرى أنهم إنما يقصدون العموم من حيث انطباق مثل حكم فعله ﷺ على أفعالنا. فليس هناك صيغة تنطبق على أفرادها حتى يقال بالعموم. أما القائلون بأن الحكم ينسحب على أفعالنا بطريق القياس، كما قال الآمدي وأشار إليه الغزالي، فيكون القياس حينئذٍ من القياس بنفي الفارق، لا من قياس العلة. فما يحتج به من أفعاله ﷺ لا يحتاج إلى الاستدلال على علته لأجل الإلحاق بها، بل يكفي أن نعرف أن لا فارق بيننا وبينه ﷺ إلا النبوة، ثم نعلم أن النبوة ليست فارقاً مؤثراً في الأحكام التشريعية. ودليل ذلك ما تقدم في فصل إثبات حجية أفعاله ﷺ من آيات التأسّي والاتباع ونحوها، فإنها تدل على أن النبوة ليست فارقاً، فيما سوى ما ثبت بالدليل من الخصائص النبوية. ثم ينبغي أن يقال: إن تلك الدلالة هي من باب مفهوم الموافقة، كما قدّمناه

стр. 396

قبل هذا الفصل. وهو أولى من جعلها قياساً، وذلك أن الأصوليين ذكروا في حدّ القياس الاستواء في العلة. لذلك قال ابن الهمام: "إن الجمع بنفي الفارق ليس من حقيقة القياس" (١) فالأولى اعتبار الدلالة الفعلية من باب مفهوم الموافقة. ولما اتفق الحكم بينه ﷺ وبين غيره، صار ذلك هو عموم الفعل على سبيل المسامحة كما تقدم ذكره. فأما ما كان الجمع فيه بالعلة، فإنه قياس، ولا إشكال في ذلك. ويتأتى ذلك في الفعل كثيراً، كقياس جواز الإتمام في السفر على جواز صوم الفرض فيه، للاستواء في العلة، وهي ترك الترخص.

стр. 397

الفصل الثامن دلالة متعلقات الفعل النبوي ١ - سبب الفعل. ٢ - الفاعل وجهاته. ٣ - المفعول به وجهاته. ٤ - مكان الفعل وزمانه. ٥ - هيئة الفعل. ٦ - دلالة الاقتران. ٧ - الأدوات والعناصر المادية. ٨ - العدد والمقدار.

стр. 398

دلالة متَعلقات الفِعْل النبَويّ ذكرنا فيما تقدم من هذا الباب أن الدلالة الرئيسية للأفعال هي الدلالة على أن أحكام أفعالنا مساوية لأحكام أفعاله ﷺ فما وجب عليه وجب علينا، وما ندب له ندب لنا، وما أبيح له أبيح لنا. ثم بينّا أن ذلك هو من مفهوم الموافقة لفعله ﷺ ، أو من القياس بنفي الفارق. والذي يراد بيانه في هذا الفصل، أن فعل النبي ﷺ لا يقع إلا مع التلبّس بأمور مختلفة، فكما أنه وقع ١ - لسبب معين، كذلك ٢ - يقع من فاعله ٣ - وقد يتعدى إلى مفعول، ٤ - ولا بدّ أنه واقع في زمان معين، ومكان معين، ٥ - وعلى هيئة معينة، ٦ - وقد تستعمل فيه آلة وعناصر مادية معينة ٧ - وقد يقارنه أمور تقع معه، ٨ - وقد يقع الفعل مرة أو مرات معلومة أو مجهولة. فلما قلنا إن استفادة الحكم من فعله ﷺ تقتضي أن نفعل مثل ما فعل، وجوباً أو ندباً أو إباحة، على التفصيل المتقدم بيانه، فهل يعني ذلك أن الأسوة المطلوبة شرعاً تقتضي مماثله فعلنا لفعله ﷺ في هذه الأمور؟. لم يتعرض أحد من الأصوليين الذين اطلعنا على كلامهم لهذه المسألة بالتفصيل، ونحن نرجو أن نتمكن بعون الله من إيضاح ذلك، مسترشدين بتصريحات وإشارات مجملة، وردت في مواضع متفرقة من كلام القوم. فنقول: أما أصل الفعل فلا بد من الاتفاق فيه، وإلا فلا تتحقق المماثلة أصلاً، وذلك كصلاة وصلاة، وصوم وصوم، ولا يتم الاستدلال بفعل صلاة على فعل صوم إلا بنوع من القياس عند الاستواء في العلة.

стр. 399

وأما ما سوى ذلك، فإن القول الجامع أن يقال: إن المطلوب المماثلة فيه ما كان من المتعلقات المذكورة غرضاً مقصوداً على سبيل أنه شرع، عندما فعل النبي ﷺ ذلك الفعل. يقول أبو الحسين البصري في شرح قولهم: (على الوجه الذي فعل) "أما الوجه الذي وقع عليه الفعل، فهو الأغراض والنيات، فكل ما عرفناه أنه غرض في الفعل اعتبرناه. ويدخل في ذلك نية الوجوب والنفل" (١). ويقول ابن أمير الحاج: "معنى على وجهه أن يكون مشاركاً له في الصفة والغرض، والنية" (٢). فإن علمنا أن شيئاً منها ليس مقصوداً، فلا يدخل في التأسّي، ويقول أبو الخطاب الحنبلي: "إذا فعل النبي ﷺ الفعل في زمان ومكان، وعلمنا أن في ذلك غرضاً، مثل صلاة الجمعة، وصوم رمضان، والوقوف بعرفة (فإننا لا نكون متأسِّين به إذا فعلناه في غير الزمان والمكان) وإن لم نعلم أن فيه غرضاً، مثل أن ينقل أن تصدق بيمينه وقت الظهر بباب مسجده، فإن التأسّي يحصل بالصدقة، وإن تصدق بشماله، في غير باب مسجده، وغير وقت الظهر" (٣). والحاصل أن ما علمناه مقصوداً في الفعل، من المتعلقات المذكورة فهو معتبر في الاقتداء. وما علمناه غير مقصود فهو خارج. وما لم نعلم أنه مقصود، ولا أنه غير مقصود، فهو موضع الإشكال، وهو موضع البحث في هذا الفصل. وقبل الشروع في التفاصيل نقدّم مسائل تتعلق بهذا الأصل العام. المسألة الأولى: أن المراد بالقصد والغرض فيما تقدم، قصد التعلّق من حيث الموافقة للشريعة، لا قصد المتعلق لذاته، أو لمصلحة عارضة، فإذا صلى، ﷺ ، في

стр. 400

بقعة من المسجد مثلاً، فقد قصد أن يصلي فيها، لا شك في ذلك، لكن قد يكون قَصدَها لأنه يريد موافقة الشرع بتخصيصها، كالصلاة عند المقام، فيكون تخصيصها مطلوباً في حقنا شرعاً، وقد يكون قصدها مع أنها عنده غير متميزة شرعاً عما سواها بشيء، وإنما قصده قصد عاديّ لغرض موقوت، كأن تكون أقرب إليه مما سواها، أو لأنّ فيها ظلاً يستظل به من الشمس مثلاً، أو لغير ذلك. فلا يدل على استحباب تخصيصها أو وجوبه. وبهذا يرد على من زعم استحباب الصلاة عند أساطين معينة من المسجد النبوي، أو في بقاع معينة من أنحاء المدينة وغيرها، لمجرد أنه قد نقل أن النبي ﷺ قد صلى فيها، أو عمل فيها عملاً ما (١). ولم يفرق ابن تيمية بين القصدين، فقد ذكر تحري سلمة بن الأكوع الصلاة عند سارية المصحف من المسجد النبوي. قال سلمة: "إني رأيت النبي ﷺ يتحرى الصلاة عندها" (٢). يقول ابن تيمية: "وقد ظنّ بعض المصنفين أن هذا مما اختلف فيه، وليس بجيّد، فإنه هنا قد أخبر أن النبي ﷺ كان يتحرّى البقعة، فكيف لا يكون هذا القصد مستحباً" (٣) اهـ. ونحن نجيبه بما تقدم من التفريق بين القصدين. وأما ما فعله سلمة ﵁، فليس فعله حجة. ولعله فعله بناء منه على أن ذلك التحري من النبي ﷺ كان لقصد شرعي. فإن تلك البقعة المعينة واقعة بين المنبر والبيت، وقد قال ﷺ : "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي". المسألة الثانية: أنه ﷺ قد يقصد في الفعل الواحد بعض متعلقاته على سبيل الوجوب، وبعضها على سبيل الندب، وبعضها على سبيل الإباحة، فتختلف الأحكام المستفادة بحسب ذلك. فعندما صلى صلاة الاستسقاء ركعتين، كان لابساً ملابس بذلة، لها لا شك لون خاص. فأما كون الصلاة ركعتين فذلك واجب، وأما التبذل في الثياب في صلاة الاستسقاء فمستحب، وأما اللون فمباح.

стр. 401

وبهذا يتبيّن أن لكل متعلق من المتعلقات الثمانية حكمه المنفرد، ثم قد تتفق تلك الأحكام أو تختلف. المسألة الثالثة: أن القصد أمر قلبي، ثم قد يعلم إذا دلت عليه الأدلة القولية أو الحالية، وقد يكون خفياً فيستدل عليه بالأمارات. ويستعان لذلك بالأصول التي نذكرها في ما يأتي. المسألة الرابعة: الأصل التأسّي في المتعلق الذي نعلم أنه مراد، أو غلب على الظن إرادته بأمارة، فإنه يعتبر في التأسّي. ولا يصح التأسّي فيما علم أنه غير مراد من جهة الشرع. وأما ما لم تعلم إرادته ولم يغلب على الظن إرادته، فيختلف باختلاف نوع المتعلق. وسيتبين أن الأصل في بعضها الاعتبار، وفي بعضها عدم الاعتبار. المسألة الخامسة: ما كان من المتعلقات اتفاقياً، وقد تعلق به الفعل مصادفة دون قصد أصلاً، فهو أبعد ما يكون عن الاعتبار في التأسّي. ولا يجوز إدخاله في التأسّي وقصده في العبادة أو غيرها. ويقول ابن تيمية: "متابعة النبي ﷺ في فعله بأن نفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعله. فإذا قصد النبي ﷺ العبادة في مكان، كان قصد العبادة فيه متابعة له كقصد المشاعر والمساجد. أما إذا نزل في مكان بحكم الاتفاق، لكونه صادف وقت النزول، أو غير ذلك مما يعلم أنه لم يتحرّ ذلك المكان، فإنا إذا تحرّينا ذلك المكان لم نكن متبعين له، فإنما الأعمال بالنيات" (١). ويقول: يجب الفرق بين الاستنان به ﷺ في ما فعله، وبين ابتداع بدعة لم يسنّها، لأجل تعلقها به (٢). ونحن نرى أن مما يندرج تحت هذه القاعدة المثالين الآتيين: الأول: أن النبي ﷺ حج حجة الوداع، فوافق وقوفه بعرفة يوم الجمعة.

стр. 402

ومن المعلوم أنه ﷺ لم يقصد ذلك، فقد خرج من المدينة وهو لا يعلم متى يقف. لأنه خرج قبل أن يدخل شهر ذي الحجة. فمن ادعى -كالسيوطي (١) ونقله عن ابن جَمَاعَة- أن الوقوف بعرفة إذا وافق يوم الجمعة أفضل، من جهة أن النبي ﷺ وقف وقوفه الجمعة، فقوله مردود. وبحسبنا في رده أنه يستلزم تتبُّع أعياده ﷺ أي الأيام وافقت، ومسيره وحركاته متى حصلت، لنخصّها بمزيد من العمل. وذلك غير مستقيم شرعاً. وقد احتج السيوطي لما ذهب إليه بأدلة أخرى لا كلام لنا فيها في هذا المقام. المثال الثاني: قالت عائشة: تزوجني النبي ﷺ في شوال، وبنى بي في شوال، فأي نسائه كان أحظى مني عنده؟ وكانت عائشة تستحب أن يبنى بنسائها في شوال. وقال النووي في شرح صحيح مسلم: "فيه استحباب التزويج والدخول في شوال. قد نصّ أصحابنا (٢) على استحبابه، واستدلوا بهذا الحديث" (٣) اهـ. ومن المعلوم أنه ﷺ لم يقصد شوالاً بالبناء فيه، ولو استحب ذلك لكان علينا تتبع شهور بنائه بزوجاته الباقيات، واعتبارها مواسم يستحب فيها الزواج. فما قاله النووي مردود، ولا يصح بناء الاستحباب على التعلق الاتفاقي. ولعل عائشة قالت ذلك رداً على من تطّير من شوال فكره الزواج فيه، وقد ذكر النووي ذلك نفسه، فيكون قولها دالاً على إثبات الجواز، ونفي تطّير الجاهليين بشوال.

стр. 403

المبحث الأول سَبَبُ الفعْل السبب ما يضاف إليه الحكم، لتعلق الحكم به من حيث إنه معروف للحكم، أو مؤثر في حصوله، أو باعث على اشتراعه. وهي الأقوال الثلاثة التي تذكر في علة القياس. وسواء ظهرت المناسبة في ذلك أو لم تظهر، فكل ذلك سبب (١). وإضافة الحكم إليه أن يقال: وجب الجلد للزنا، ووجبت الظهر بزوال الشمس. فإذا فعل ﷺ فعلاً ما، لسبب من الأسباب، فإن الذي يقتدي به فيه هو من وجد مثل ذلك السبب في حقه، أما من لم يوجد فليس له أن يفعل مثل ذلك الفعل، بدعوى الاقتداء والتأسي به ﷺ . فأدلة التأسّي والمتابعة والاقتداء، مقيّدة بحصول سبب الفعل، فإذا وجد السبب وجب الاقتداء، مقيّدة بحصول سبب الفعل، فإذا وجد السبب وجب الاقتداء، وإلا فلا. وسواء أكان الفعل المنوط بالسبب واجباً أو مستحباً أو مباحاً. ويمكن توضيح الاقتداء به ﷺ عند وجود السبب بالتمثيل بأنه ﷺ قطع يد

стр. 404

رجل سرق رداء صفوان. فالسبب هنا هو السرقة. ولا يجوز الاقتداء به ﷺ في قطع يد إنسان ما لم يوجد سبب القطع، وهو السرقة. فإذا وجد ذلك السبب وجب الاقتداء بإقامة الحد على السارق. ومثاله أيضاً أن النبي ﷺ وقف يصلي بأصحابه، فذكر أنه جنب، فانصرف فاغتسل ثم جاء، فلم ينصرف أحد منهم ليغتسل. ووجه ذلك أن سبب الغسل وهو الجنابة، وجد في حقه هو، ولم يوجد في حقهم. وإنما يقتدي به في ذلك من وجد في حقه السبب المماثل. ومثال ثالث: أن رسول الله ﷺ : "قرأ عام الفتح سجدة، فسجد الناس كلهم، منهم الراكب والساجد في الأرض، حتى إن الراكب ليسجد على يده" (١). يحتمل أنهم سجدوا لكونه ﷺ قرأ سجدة التلاوة، أو سجدوا لكونه قارئاً ساجداً للتلاوة. فعلى الاحتمال الأول يسجد كل من استمع للقراءة التي فيها السجدة، سواء سجد القارئ أو لم يسجد. وعلى الاحتمال الثاني: يسجد المستمعون إن سجد القارئ، ولا يسجدون إن لم يسجد. ويظهر أن مذهب البخاري الأخذ بالاحتمال الثاني، فقد بوّب على الحديث: (باب من سجد لسجود القارئ) واحتجّ بقول ابن مسعود للقارئ اسجد فأنت إمامنا فيها. ومن الحجة لذلك أيضاً رواية زيد بن أسلم، أن غلاماً قرأ عند النبي ﷺ السجدة. فانتظر الغلام النبي ﷺ أن سجد، فلما لم يسجد قال: يا رسول الله! أليس في هذه السجدة سجود؟ قال: "بلى، ولكنك كنت إمامنا فيها ولو سجدت لسجدنا" (٢).

стр. 405

المطلب الأول أنواع الأفعال من حيث تعلقها بالأسباب الأفعال من حيث تعلقها بالأسباب على أنواع: الأول: ما هو مرتبط بالعبادة ارتباط الجزء بالكل، فهذا لا يطلب له سبب، وذلك كالركوع والسجود بالنسبة إلى الصلاة، وكغسل الوجه أو اليدين بالنسبة إلى الوضوء، وإنما ينظر في سبب العبادة ككل. وليس كل أجزاء العبادة يجري هذا المجرى، بل منها ما يتبع سبباً خاصاً، كالركوعات الزائدة عن الأول في صلاة الكسوف، فإنها منوطة بالكسوف. والقنوت، فإنه مرتبط بالوتر، وسجود السهو، فإنه مرتبط بالسهو في الصلاة. وكسجود التلاوة فيهَا، فسببه تلاوة السجدة، وهكذا. الثاني: النوافل المطلقة، من صلاة وصوم وصدقة وأذكار مطلقة، وغير ذلك. فإنها ليست منوطة بسبب من الأسباب. وكذلك ما يفعله ﷺ من المباحات على الإطلاق، لا يطلب لها سبب لأنها تفعل لملائمة الطبيعة البشرية كما تقدم. الثالث: ما هو مقيد بسبب زمانيّ كالصلوات الخمس، والرواتب، وقيام الليل، وبعض الصوم كصوم رمضان، وصوم يوم عاشوراء، وست من شوال. أو بسبب مكانيّ، كتحية المسجد، والطواف بالبيت، والوقوف بعرفة. وبيّن القرافي (١) إن الصوم لا يكون منوطاً المكان، أما الصلاة فقد تناط بالزمان وقد تناط بالمكان، كما تقدم في الأمثلة.

стр. 406

أو بسبب حادث من الحوادث، كصلاة الكسوف. أو بسبب مناسب يتضمن تحصيل مصلحة أو درء مفسدة، كصلاة الاستسقاء عند القحط، وقطع يد السارق، وسائر الحدود التي أقامها، وترك الأكل من الميتة، وأكل الميتة للضرورة، وسائر الرخص. المطلب الثاني طرق معرفة سبب الفعل ذكر الأصوليون في أبواب القياس طرق استخراج علة الحكم. وكان ما صرفوا إليه جل همهم استخراج علل الأحكام المدْلول عليها بالأدلة القولية. أما الأفعال فقد حظيت من اهتمامهم بحظ بخس. وقد كانت جديرة بمزيد من الاهتمام، لتفتح أمام الفقهاء باب تفهّم النقول الفعلية، ووضعها في مواضعها السليمة. وإننا نقتفي -هنا في بيان طرق استخراج أسباب أحكام الأفعال- آثارهم في بيانهم لأسباب الأحكام القولية، مسترشدين بما وضحوه. والله الموفق والمعين، فنقول: إن سبب الفعل يعرف بطرق: إما أن يعرف بالنص القولي الصريح أو غير الصريح، أو بالإجماع، أو الإيماء، أو قول الصحابي، أو الاستنباط، أو المناسبة. الطريقة الأولى: إثبات العلة بالنص الصريح أو الظاهر، أو بالإيماء بالقول. والنص إما من كتاب الله تعالى. وإما من رسول الله ﷺ ، كقوله بعد أن صلى على المنبر: "إنما فعلت هذا لتأتمّوا بي ولتعلموا صلاتي".

стр. 407

وكقوله، إذ شمّت أحد العاطسين ولم يشمّت الآخر: "إن هذا حمد الله فشمَتُّه، وإنك لم تحمد الله" (١). ومثال الإيماء بالقول: أنه ﷺ خلعَ نعليه في الصلاة فخلعوا نعالهم. فلما سلم قال لهم في ذلك، فقالوا: رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا. فقالو: "إن جبريل أخبرني إن فيهما أذى". وكقوله عندما قام لجنازة يهودي: "أليست نفساً؟ " (٢). وكقوله عندما وضع الحجر على قبر عثمان بن مظعون: "أعلم به قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي". الطريقة الثانية: الإيماء بالفعل. ومثاله أن يفعل النبي ﷺ فعلاً بعد أمر طارئ. فيعلم أنه سبب الفعل، ومن ذلك أنه ﷺ نقص من الصلاة سهواً، وسلّم. فلما قيل له، أتم الصلاة، وسجد سجدتين وسلم. فإن إيقاعه سجدتين في آخر الصلاة لا يعهد في الصلاة، فارتباطهما بالنقص سهواً أمر واضح، وإلا لكانا لغواً لا يليق به ﷺ (٣). الطريقة الثالثة: إثبات السبب بالإجماع. فإذا أجمعت الأمة على أن فعلاً من أفعاله ﷺ كان لسبب كذا، فإنه يتعين. الطريقة الرابعة: إثبات السببية بقول الصحابي، وذلك أن الصحابيّ يرى الفعل، ويشاهد ما يحتف به من القرائن الدالة على سببه، وهو عدل عارف باللغة. فالظاهر أن ما أخبر بسببيته هو السبب حقاً. بل لا يبعد أن يكون سمع من النبي ﷺ قولاً يدل على السببية فنقل إلينا السبب ولم ينسبه إلى قول النبي ﷺ .

стр. 408

وهذا النوع -وهو إثبات السببية بقول الصحابي- هو في الحقيقة- راجع إلى طريقة أو أكثر من الطرق الأخرى المذكورة في هذا المبحث، لأن الصحابي يفهم السببية أولاً، ثم يعبر عنها. وطريقة فهمه لها راجعة إلى طريق من الطرق المذكورة ولا شك. إلا أن قوله بالنسبة إلينا طريق، من حيث الجملة. ويحتمل أن الصحابي ظنَّ ما ليس بسبب سبباً. ولكنه احتمال ضئيل لا يصح الذهاب إليه، ما لم يتبيّن أن الصحابي كان في فهمه ذاك مخطئاً (١). وأمثلة هذا النوع كثيرة، كقول جابر بن عبد الله في ميعاد صلاة العشاء: "كان ﷺ إذا رآهم اجتمعوا عجّل، وإذا رآهم أبطأوا أخّر" (٢) فعُرف بذلك سبب تعجيله ﷺ العشاء وسبب تأخيرها. وقول عائشة: "كان النبي ﷺ إذا كان جنباً وأراد أن يأكل أو ينام توضأ" (٣). فبينت أن الأكل والنوم على الجنابة سببان لوضوئه. وقولها: "كان إذا دخل العشر شدّ مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله" (٤). فبيّنت أن سبب الاجتهاد في العبادة عشر رمضان الأخير. وقول ابن عباس: "ذكر أن النبي ﷺ جمع بالمدينة بين الظهر والعصر، وجمع بين المغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر. (٥) فسئل: ما أراد إلى ذلك؟ فقال: "أن لا يحرج أحداً من أمته" (٦). فإنه يدل على أن الجمع منوط بالحرج. الطريقة الخامسة: أن يعرف السبب بالاستنباط. وذلك إما بالسّبْرِ والتقسيم أو بالمناسبة، أو بالدَّوَران.

стр. 409

فمثال الأول، وهو معرفة السبب بالسبر والتقسيم، أنه ﷺ صلى يوم عرفة ركعتين وخطب. فقيل كانت خطبته للجمعة لأنه وافق يوم جمعة. وقيل إنها خطبة لعرفة، والركعتان ظهر مقصورة. فلما علمنا أنه أسرَّ في الركعتين بالقراءة، علمنا أن الخطبة ليست للجمعة، فلا يبقى إلا للوقوف بعرفة. وعليه فيقتدى به ﷺ ، فيثبت للوقوف بعرفة خطبة (١). ومثال آخر: روت أم هانئ أن النبي ﷺ صلى يوم فتح مكة ثماني ركعات، وذلك وقت الضحى (٢). فاختلف في سببه هل هو الوقت، فيدل على استحباب صلاة الضحى، أو الفتح. وقد ذكر ابن القيم أن الأمراء كانوا يصلونها ويسمونها صلاة الفتح (٣). فلما صلى، ﷺ الضحى في غير هذا الموطن، وعلم من شأنه الترغيب في صلاة الضحى، عرف ارتباطها بهذا السبب. والله أعلم. ومثال الثاني: وهو المناسبة، أنه ﷺ حسم يد السارق بعد القطع، والغرض حفظ العضو من التلف. ومثال إثباته بالدوران: حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: "عرضت على النبي ﷺ يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة، فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة فأجازني". احتج به لمذهب الشافعي وأحمد في أن المدة التي إذا بلغها الإنسان ولم يحتلم

стр. 410

حُكِمَ ببلوغه، هي خمس عشرة سنة. فقد أجاز ابنَ عمر في القتال بخمس عشرة سنة، ولم يجزه فيما دونها، فدلّ على ذلك (١). وأما أبو حنيفة ومالك فلم يأخذا بذلك. وقال أبو حنيفة: يحكم ببلوغ الجارية ببلوغ سبع عشرة، وأما الغلام ففيه روايتان: أحدهما: بسبع عشرة كالجارية، والأخرى بثمان عشرة. وقال مالك: لا حدّ للبلوغ بالسن (٢). وقد اعتذر لمن لم يأخذ بحديث ابن عمر في ذلك: بأن الإجازة في القتال حكمها منوط بإطاقته والقدرة عليه، وأن إجازة النبي ﷺ لابن عمر في الخمس عشرة: لأنه رآه مطيقاً للقتال ولم يكن مطيقاً له قبلها (٣).

стр. 411

المطلب الثالث هل يتوقف الاقتداء بالأفعال النبوية على معرفة أسبابها إن الأفعال بالنسبة إلى هذا الأمر على أقسام: لأن الفعل إما أن يكون مما يتوقف على سببٍ، أو لا. والأول: إما أن يعلم سببه، أو لا. والأول: إما أن يكون السبب مستمراً بعده، أو لا. فهي أربعة أقسام: ١ - ما لا يتوقف على سبب. ٢ - ما فعله لسبب معلوم وهو مستمر بعده. ٣ - ما فعله لسبب فزال. ٤ - ما جهل سببه. القسم الأول: ما لا يكون مرتبطاً بسبب أصلاً، بل هو مطلق، كنوافل الصوم والصلاة: فهذا يفعل اقتداء به ﷺ . ويفعل مطلقاً، كما أن المتأَسيَّ به مطلق. فلا يجوز ربط نوافل بأسباب لم يربط بها النبي ﷺ فعله. فمن اقتدى به ﷺ في نوافل الصلاة المطلقة لا يجوز أن يفعلها مرتبطة بأسباب من عنده. كما لو تداعى قوم لتخصيص الثلاثاء أو الأربعاء على سبيل القربة بصوم أو صلاة، أو تخصيص مكان لم يخصه به النبي ﷺ بشيء من ذلك. ووجه ذلك أن سببيّة السبب الشرعي، هي حكم شرعي. والحكم الشرعي لا يجوز إثباته إلا بدليل.

стр. 412

القسم الثاني: ما علم ارتباطه بالسبب. وهو ما كان الفعل في الأصل ممنوعاً أو مكروهاً، وقد فعله ﷺ لسبب . وهذا القسم لا يجوز فعله بلا سبب، لأنه لو كلمتين لغير سبب مماثل لانتقل من حيز الممنوعات إلى حيز المباحات، فيكون نسخاً وإبطالاً للحكم الأصلي، وذلك غير مراد. ويدخل في هذا القسم أنواع: ١ - الرخص: كجمعه ﷺ بين الصلاتين. إذ إن فيه تقديم الصلاة عن وقتها، أو تأخيرها عن وقتها، وكلاهما حرام. وإنما يجوز الجمع عند سببه. ومثال آخر: تقريره الزاني باللفظ الصريح، والتصريح بمثل ذلك، لأنه من الفحش وهو محرم، وإنما جاز لسبب هو الأمن من إقامة الحدّ على بريء. ومثال ثالث: ما روى الترمذي: "أنهم كانوا مع النبي ﷺ في مسير، فانتهوا إلى مضيق، فحضرت الصلاة، فمُطروا، السماء من فوقهم والبِلّة من أسفل منهم. فأذّن رسول الله ﷺ وهو على راحلته. وأقام، فتقدم على راحلته فصلى بهم، يومىء إيماء، يجعل السجود أخفض من الركوع" (١). فالأصل أن صلاة الفريضة لا تجوز على الراحلة، لما في ذلك من نقص بعض الأركان، ولكن جاز لما ذكر في الحديث. ٢ - العقوبات: وهي منوطة بأفعال معينة صدرت من المكلفين الذين أوقعت بهم، كقطع يد السارق، ورجم الزاني الثيب، وجلد القاذفين لعائشة ﵂. قال الشوكاني: "ما يفعله ﷺ مع غيره عقوبة له اختلفوا فيه هل يقتدى به أم لا؟ فقيل يجوز، وقيل هو بالإجماع موقوف على معرفة السبب، وهذا هو الحق. فإن وضح لنا السبب الذي فعله لأجله، كان لنا أن نفعل مثل فعله عند وجود مثل ذلك السبب، وإن لم يظهر السبب لم يجز" (٢).

стр. 413

والأمر كما قال. ٣ - ما أخذه ﷺ من مال إنسان: فإن الأصل تحريمه، لقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ فإذا أخذ ﷺ مال إنسان فلا يؤخذ مثله من مثله، حتى يعرف هل أخذه على وجه الزكاة، أو الصدقة، أو الهدية أو غير ذلك. وقد قال القاضي عبد الجبار: "لو أنه ﷺ أكره غيره على أخذ شيء من ماله لعلمناه حقاً. فإذا علمنا سببه صح التأسي به" (١). ٤ - العبادات الخاصة المرتبطة بالأسباب ، فلا تفعل إلا عند وجود سببها. كصلاة الكسوف، لا تفعل إلا عند وجود السبب. وكسجود السهو، وسجود التلاوة، وكالقنوت في الصبح على رأي ابن تيمية ومن وافقه، فإنه يراه منوطاً بالنوازل، بناء على حديث أنس (٢) أنه ﷺ : "قنت شهراً بعد الركوع في صلاة الصبح، يدعو على رِعْلٍ وذَكْوانَ" (٣). قال ابن تيمية، بعد أن ذكر حكم القنوت: "هذا النزاع الذي وقع في القنوت، له نظائر كثيرة في الشريعة. فكثيراً ما يفعل النبي ﷺ لسبب، فيجعله بعض الناس سنة، ولا يميز بين السنة العارضة والدائمة" (٤). القسم الثالث: ما فعله لسبب فزال . ما فعله النبي ﷺ لمعنى معين، ثم زال ذلك المعنى نقل فيه الزركشي (٥) عن الماوردي حكاية قولين للشافعية: القول الأول: وقد قاله أبو إسحاق المروزي، أننا لا نفعله، لزوال معناه، إلا بدليل يدل على فعله بعد زوال المعنى. وبمثل هذا القول يقول أبو شامة (٦).

стр. 414

القول الثاني: ونسبه إلى ابن أبي هريرة: يقتدى به وإن زال معناه، نظراً إلى مطلق التأسيّ. لقوله تعالى: ﴿واتبعوه﴾. ولما ورد في السنة من أن النبي ﷺ في عمرة القضاء، وأصحابه، اضطبعوا بأرديتهم ورملوا في الطواف من الحجر الأسود إلى الركن اليماني، ومشوا من اليماني إلى الأسود، فعلوا ذلك ثلاث مرات، وبيّن ﷺ الغرض من ذلك بقوله: "رحم الله أمرأ أراهم من نفسه اليوم قوة". وكان المشركون قد وقفوا في المسجد الحرام من جهة الحِجْر، وقد قالوا فيما بينهم: إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتم حمّى يثرب. فأمر النبي ﷺ أصحابه بذلك ليظهروا الجلَد والقوة والنشاط، إرغاماً للمشركين، وكسراً لحدة سخريتهم. ثم بعد ذلك فتحت مكة، وقضي على قوة الشرك، ففعل النبي ﷺ ، هو وأصحابه في طواف القدوم ما فعلوه في عمرة القضية، مع زوال السبّب. فلم يكن هناك مشركون يقفون من جهة الحِجْر، ينظرون إلى المسلمين تلك النظرة. فدلّ ذلك على أن ما فعله لغرض فزال، أنه يستمرّ حكمه. وقد يعترض على ذلك بأن يقال: لم تخل مكة عند حجة الوداع أيضاً، من قوم حاقدين من أهل مكة، يتربّصون بالمسلمين الدوائر، ولو لم يروا من المسلمين قوة وشوكة ترهبهم لانتفضوا عليهم. وبهذا يتبين أن السبب لم يزل في حجة الوداع. فلأصحاب القول الثاني أن يجيبوا عن ذلك بجوابين: الأول: أن ما ذكرتم، لو سلّم، يقتضي المحافظة على الاضطباع والرمل أما المشي من الركن اليماني إلى الأسود، فذلك لا يقتضيه، إذ كان بالإمكان أن يستمرّ الرمل الأشواط الثلاثة، أو أن تكون الاستراحة بالمشي في غير الموضع الذي مشوا فيه أولاً. فلما حافظوا على المشي في المكان عينه الذي مشوا فيه أولاً، ورملوا في المكان الذي رملوا فيه أولاً. دل ذلك على أن الفعل يستمر حكمه وإن زال سببه. الثاني: إنه حتى بعد أن قوي الإسلام، وزالت العداوات والإحَن،

стр. 415

واجتمعت كلمة أهل مكة على الإسلام، لم يترك المسلمون الرَّمَل ولم يُعْلم خلاف بين أهل العلم في سنيته (١). والاضطباع سنّة كذلك عند الجمهور، وخالف فيه الإمام مالك. وعندما حجّ عمر بن الخطاب، وأتى المطاف، قال: "ما لنا وللرمل، إنما كنّا راعينا به المشركين" (٢) ثم قال: "شيء فعله رسول الله ﷺ ، لا نحبّ أن نتركه". وفي رواية أبي داود: قال عمر بن الخطاب: "فيم الرَّمَلان والكشف عن المناكب وقد أطّأ الله الإسلام، ونفى الكفر وأهله؟ مع ذلك لا ندع شيئاً كنا نفعله مع رسول الله ﷺ ". وذلك يدل على المطلوب. وقد نقل السبكي في قواعده (٣) القولين، ومثّل للمسألة برجوعه ﷺ في صلاة العيد في طريقٍ آخر. ثم ذكر المعاني المحتملة لذلك، ثم قال: "إن رجح معنىً مما ذكر، فمن وجد فيه ذلك المعنى كان مستحبّاً في حقه، ومن لم يوجد فيه فوجهان، والأصح الاستحباب". وهذا من السبكي يقتضي ترجيح القول الثاني، وهو قول ابن أبي هريرة أن الفعل النبوي يقتدى به، ولا يعتبر السبب. رأينا في هذه المسألة: الذي نراه ترجيح القول الأول، وهو أن الفعل إذا زال سببه، فلا يتّبع، لأن الفعل الذي فُعِل لغرض، إنما يكون اتباعه لتحصيل ذلك الغرض. فإن علم أنه لا يحصل، فإن فعل مثله لا يكون اتباعاً وتأسيِّاً، وإنما يكون غفلة ومخالفة. وأيضاً فإن السببية حكم شرعي، فإن كان الشيء مما لا يفعل إلا عند السبب لم يجز فعله بعد زوال السبب. ونستدل لذلك أيضاً بأن النبي ﷺ خلع نعليه في الصلاة فخلعوا نعالهم. فلما سلم قال لهم: "لم خلعتم نعالكم؟ " قالوا: رأيناك خلعت نعليك فخلعنا

стр. 416

نعالنا. قال: "إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما أذىً. فإذا جاء أحدكم المسجد فلينظر في نعليه، فإن وجد فيهما أذىً أو قذراً فليمسحه، وليصلِّ فيهما". فلم يصرْ خلع النعال في الصلاة سنة بخلع النبي ﷺ لنعليه، إلا أن يكون عند وجود الأذى فيهما. أما إذا زال ذلك المعنى فلا، كما يشير إليه الحديث. فإن قيل: فما وجه استمرار الرمل والاضطباع سنة، حتى بعد أن انقضى السبب؟. فالجواب: أن هذا نوع من الأفعال غير ما تقدم ذكره. وذلك أن الشرع دل على أنه يراد لهذا الفعل أن يكون صفة من صفات الطواف، مشروعة فيه. وإيضاح ذلك، أن أفعال الحج مثلاً، كثير منها اتُّخذت فيه أفعال وأحوال متقدمة، من أيام إبرا هيم ﵊ وأسرته، وقعت منهم، فاتُّخذت نموذجاً وضعت على مثاله أفعال الحج. ولنعتبر ذلك بالسّعْيِ بين الصفا والمروة. فأصله سعي أم إسماعيل بينهما، لتطلب الماء لابنها الذي تركته يضغُو عند زمزم. فعلت ذلك سبعاً، وقد هرولت في المنخفَض الذي هو بطن الوادي. فوُضِع السعي على مثال ذلك، وجعل جزءاً من أجزاء الحج. يقول ابن عباس مشيراً إلى هذه القصة، كما روى عنه البخاري، قال رسول الله ﷺ : "فذلك سعي الناس بينهما" (١). وكذلك تضحية إبراهيم بالكبش اتخذت أساساً لمشروعية الهدي. وقد أمرنا باتخاذ مقامه مصلى. وهذه الأفعال أبقيت في العبادات مستمرة دائمة، كما تبقى الأمم بعض الآثار الحسية المشاهدة، لتدلها على عظمة أسلافها السابقين، ولتكون ذكراها ماثلة أمام الأبناء، تثيرهم نحو التضحية والفداء، والاقتداء بسابقيهم من المعظّمين. فهذه آثار من الحجارة والطين، وتلك آثار من التفاني في طاعة الله.

стр. 417

يقول ابن دقيق العيد في شأن بقاء الرمل والاضطباع ونحوهما مما بقي من الأحكام بعد زوال سببه: في ذلك من الحكمة تذكر الوقائع الماضية للسلف الكرام. وفي طيّ تذكرها مصالح دينية. إذ يتبين في أثناء كثير منها ما كانوا عليه من امتثال أمر الله، والمبادرة إليه، وبذل الأنفس في ذلك. وبهذه النكتة يظهر لنا أن كثيراً من الأعمال التي وقعت في الحجّ، ويقال بأنها (تعبد)، ليست كما قيل. ألا ترى أنّا إذا فعلناها وتذكّرنا أسبابها، حصل لنا من ذلك تعظيم الأولين، وما كانوا عليه من احتمال المشاق في امتثال أمر الله، فكان هذا التذكّر باعثاً لنا على مثل ذلك، ومقرِّراً في أنفسنا تعظيم الأولين. وذلك معنى معقول" (١). اهـ. ثم ذكر أن السعي بين الصفا والمروة اقتداء "بفعل هاجر، وأن رمي الجمار سببه فعلُ إبراهيم، إذ رمى إبليس بالجمار في هذا الموضع". اهـ. فالذي نقوله إذن في فعله ﷺ الرمَل والاضطباع، إنه اتخذ أساساً، وضعت العبادة على مثاله. فإن قيل: هذا يدل على أن أفعاله ﷺ يقتدي بها حتى بعد زوال السبب. فالجواب: إن ما جعل منها مثالاً هو الذي يتبع. كالرمل والاضطباع، دون ما لم يجعل مثالاً، كحمل السيوف مثلاً، أو قعقعة السلاح، أو غير ذلك. والفرق بين النوعين أن الأول وضعته الشريعة أسلوباً للعبادة، ولم تضع الثاني. وإن كان هذا الثاني مستحبّاً عند وجود سببه وهو إخافة المشركين. لكن لم تجعله الشريعة جزءاً من عبادة الحج. ولو جعلته لصار منها. والحاصل، أن الفعل النبوي إذا فعل لسبب، ثم زال السبب، فإنه لا يقتدى به إلا بدليل يدل على ذلك، وهو قول أبي إسحاق المروزيّ المتقدم ذكره. والله أعلى وأعلم.

стр. 418

القسم الرابع: ما فعله ولم نعلم سببه: ويدخل في هذا القسم ما جهل سببه بالكلية. ويدخل أيضاً ما دار بين أمور لا يدرى أيها هو السبب ولم يترجح واحد منها. والاقتداء بأفعال هذا القسم أعلى من الاقتداء بأفعال القسم السابق، لأن ما علم زوال معناه قطعاً لا يوازي ما جهل معناه مع احتمال أن يكون باقياً في حق المقتدي، إذ إنه قد يفعله حينئذٍ احتياطاً لعلّه أن يصادف السبب. ومن أجل ذلك كان حكمه أخفى. وقد قال أبو إسحاق المروزيّ في هذا النوع: يقتدى به (١). وضمّه إلى ما علم معناه وكان باقياً. ولم يضمه إلى ما زال معناه. وكذلك قال السبكي: يقتدى به بالإطلاق (٢). وقال النووي أيضاً: يستحب التأسّي به قطعاً (٣). وهذا هو الحق، ولا يجوز سواه. لأننا قد افترضنا أنه فعل شرعي، ليس جبليّاً ولا هو من الخواصّ. فلا شكّ أنه دله فعله لمصلحة مشروعة، إما لذاته وإما منوطاً بسبب. فإذا جهلنا السبب بقي احتمال حصول المصلحة بفعله قائماً، مرجّحاً للفعل على الترك، وذلك معنى الاستحباب. ويفارق أفعال القسم السابق، فإننا علمنا أن المصلحة لا تحصل بالفعل منها إلا عند سبب معين، فلا معنى لإيجاد الفعل مع القطع بإن المصلحة المطلوبة لا تحصل به. بخلاف أفعال هذا القسم الذي نحن فيه، فإن رجاء حصول المصلحة به لم ينعدم. وقد مثل له السبكي في قواعده بالذهاب للعيد من طريق والرجوع من طريق آخر. وجعل تكرار ذلك منه ﷺ دليل شرعيته. وذكر أن الشافعية قالوا في معناه أقوالاً:

стр. 419

منها: أنه كان يطيل طريق الذهاب لتحصيل الفضيلة، ثم يرجع من طريق أقصر. قال وهذا هو الراجح عند الأكثرين. وقيل: ليتصدق فيهما. وقيل: ليسوّى بين أهل الطريقين. وقيل: لتشهد له الطريقان. وقيل: ليغيظ المنافقين بإظهار الشعار. وقيل غير ذلك. فهو مثال لما تردد فيه الفعل بين أسباب. ومثال ما لم ينقدح فيه سبب أصلاً تقبيل النبي ﷺ للحجر الأسود، قال عمر بن الخطاب ﵁، لما وقف عند الحجر (١): "إني لأقبلّك، وإني لأعلم أنك حجر، وأنك لا تضرّ ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ قبلك ما قبلتك". وهذه قاعدة ينبني عليها الاقتداء بأفعال كثيرة مما فعله النبي ﷺ من الأمور المشروعة التي لم تعلم أسبابها. فإنها ينبغي أن تكون محلاً للقدوة ولا ينبغي أن يقال: لا نفعلها إلا بعد معرفة السبب. فلو قيل ذلك لسقطت دلالة أفعال كثيرة تتصل بالشرع ولم تعلم أسبابها، تعلم من تتبع كتب الحديث ولكن الشرط أن يعلم أن الفعل خارج عن الجبليّ ونحوه مما تقدم، مما لا يقتدى به أصلاً. والله أعلم. استدراك: يلوح لنا في هذه المسألة تقييد: فإن الفعل إذا جهل معناه، ولكن دار بين احتمالات بعضها باق وبعضها زائل، فيتأتى القول السابق بصحة الاقتداء به. ومما هو زائد في المثال السابق الذي ذكره السبكي: قصد التصدق في الطريقين، فإنه زائد بالنسبة إلى من لا يريد أن

стр. 420

يتصدق. وكذلك التسوية بين أهل الطريقين، فقد يكون أحد الطريقين لا ساكن به. وأما إذا قلنا: سببه تحصيل الفضيلة بأبعد الطريقين، فذلك يقتضي أن لو رجع أيضاً في الطريق الأبعد لحصل الاقتداء. وإن قلنا: المعنى أن يشهد له الطريقان، فذلك باقٍ لا يتصور زواله. ولكن إذا دار الفعل بين احتمالات كلها باقية فذلك يتأسّى به قطعاً ولا مجال للتردد، لحصول المصلحة قطعاً. وكذلك إن دار بين احتمالات كلها زائلة بالنسبة إلى المقتدي، فلا يكون الفعل بالنسبة إليه من هذا القسم، بل من القسم السابق وهو ما زال حكمه. والله أعلم. استدراك آخر: ما تقدم اختياره في أفعال هذا القسم هو ما كان الأصل في الفعل الإباحة، والسبب يقتضي فيه الاستحباب أو الوجوب، لولا ذلك السبب لكان من المباح. فيصح أن يقال حينئذٍ: يقتدى بفعله ﷺ وإن جهل السبب. أما إن كان أصل الفعل التحريم أو الكراهة والسبب يقتضي الإباحة أو غيرها، فإنه إن جهل السبب لم يصح الاقتداء. ومثال ذلك الرخصة التي تبيح المحرّم. فلو أنه ﷺ أفطر في رمضان لسبب لا ندري ما هو، لم يصح الاقتداء به، وكذلك لو عاقب إنساناً لسبب لم ندره. وحاصل هذه القاعدة، أن ما كان الأصل فيه المنع، فلا ننتقل عن هذا الأصل إذا صدر عن النبي ﷺ فعل خارج عن ذلك لسبب لم يعلم. وشبيه بذلك في الاستدلال بالأقوال، أن بَرِيرَةَ كانت أَمَةً مملوكة كاتَبَها أهلها، فأرادت عائشة أن تشتريها لتعتقها، وأراد أهلها أن يشترطوا أن يكون لهم ولاؤها بعد عتقها. وذكرت عائشة ذلك للنبي ﷺ ، فقال: "اشتريها وأعتقيها واشترطي لهم الولاء، فإن الولاء لمن أعتق" (١).

стр. 421

فليس لغيره ﷺ أن يشترط للبائعين شرطاً لهم فيه مصلحة وهو يعلم أنه لا يلزمه شرعاً، ويزعم أنه فعله بناء على إذنه ﷺ في ذلك، لما في ذلك من المخادعة الممنوعة شرعاً. فإن علم السبب جاز. والسبب على ما ذكره الشافعي في الأم (١) وما رجحه ابن القيم (٢): استحقاقهم للعقوبة، جزاء على إقدامهم على مخالفة الشريعة، وهم يعلمون حكمها القاضي بأن "الولاء لمن أعتق" فمن اقتدى به عند حصول مثل هذا السبب جاز. والله أعلم.

стр. 422

المبحث الثاني الفَاعِل وَجهَاته النبي ﷺ بعث مبيناً بقوله وفعله، وملتزماً فيهما بالمنهج الرباني. وكان من تمام البيان الفعلي أن النبي ﷺ قام في حياته بأدوار مختلفة في البيئة الاجتماعية التي كان واحداً من أفرادها. وكان في كل دور من تلك الأدوار قدوة لمن يأتي بعده ﷺ ممن يمثل ذلك الدور. فكان الإنسان المسلم، ورب أسرة، وكان رئيس الدولة، ومتولي السلطات، والمحتسب، وقائد الجيش، والقاضي، والمفتي، وكان إمام الصلاة. وكان كثير من هذه الأدوار ممتزجاً بعضه ببعض، في شخصه ﷺ . والتصرف الذي كان يتصرفه كان ينتمي إلى واحد أو أكثر من هذه الجهات من شخصه الشريف. والاقتداء به ﷺ في فعل من أفعاله يكون صحيحاً إذا كان المقتدي به مساوياً له في الجهة التي صدر عنها ذلك الفعل. فالتصرفات الصادرة عنه بوصفه رئيس الدولة، يقتدي به فيها من كان بعده رئيس دولة. وما فعله بوصفه مفتياً، يقتدي به فيه المفتي. وما فعله بوصفه قاضياً، يقتدي به فيه القاضي. وما فعله بوصفه إماماً في الصلاة يقتدي به فيه الأئمة بعده. وذلك كتقدمة

стр. 423

أمام الصف، ونيته الإمامة، وجهره بالقراءة بصوت مرتفع، وسبقه لهم بأفعال الصلاة، واتخاذه سترة، وتركه التطوع مكان الفريضة. وسائر المصلين يقتدون به في ما يفعله بوصفه مصلياً مطلقاً، كرفع اليدين، والتكبير، وقول آمين والركوع والسجود ونحو ذلك. التمييز بين جهات الفاعلية: لكن تمييز ما ينتمي إليه الفعل من هذه الجهات المختلفة قد يكون أمراً بيّناً لا يختلف فيه، كما تقدم في ما ذكرناه من أفعال إمام الصلاة، وقد يكون مشكوكاً فيه فيقع الاختلاف فيه. وقد تبينت الحاجة إلى التمييز بين أوصافه التي ترجع إليها أفعاله ﷺ بل وأقواله، عندما انفصلت الأعمال في المجتمع الإسلامي، واختص بكل دور شخص معيّن أو طائفة من الناس. وبعض ذلك حصل في زمنه ﷺ . لقد حاول الِقرافي محاول جادة، وضع قاعدة التمييز بين الجهات المختلفة المشار إليها، لكن في حيز الأحكام القضائية، وما يمكن أن تشتبه به، وذلك في رسالته (الإحكام في تمييز الفتاوي عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام) ميّز فيها (١) بين أنواع من التصرفات: الأول: تصرفه ﷺ بمقتضى الرسالة. ومقتضاها التبليغ. يقول القرافي: "أما الرسالة فليس يدخل فيها إلا مجرد التبليغ ... وهذا لا يستلزم أنه فُوِّض إليه أمر السياسة العامة. فكم من رسلٍ لله تعالى لم يؤمروا بالنظر في المصالح العامة". الثاني: تصرفه بمقتضى الإمامة (السلطة العامة)، ومقتضاها السياسة العامة، وتنفيذ الأحكام، والقيام بالمصالح.

стр. 424

الثالث: تصرفه بمقتضى الإفتاء، وهو تطبيق الأحكام الشرعية على الوقائع دون إلزام. الرابع: تصرفه بمقتضى الحكم، يعني القضاء. وذلك يقتضي أن له سلطة إنشاء الأحكام القضائية. ونحن قد توسّعنا في بيان جهات أخرى غير ما ذكره القرافي. ونضيف أيضاً بيان الحكمة في جمعه ﷺ لهذه المناصب، وفائدتها من جهة التبليغ. فقد يُقال: إنه كان بالإمكان أن يقوم ﷺ بمهمة الرسالة وحدها، أي بمجرد التبليغ. فيبيّن بقوله ما على رئيس الدولة أن يفعله وما على القاضي أن يفعله، وهكذا المحتسب، وإمام الصلاة، والمفتي وغيرهم، وما لهم أن يفعلوه أيضاً. والجواب ما تقدم من أن وظيفة النبي ﷺ ومهمته التي حددت في القرآن ليست مقصورة على التبليغ. بل منها التعليم والتزكية أيضاً، وذلك يتمّ بأن يكون ما بلغه ﷺ بالقول، مطبّقاً تطبيقاً حيّاً مشاهَداً، ليحصل تمام الإدراك والتعقل لما يبلغه بالقول. فحصل بجمعه ﷺ منصب القضاء إلى منصب الرسالة البيان الفعلي لما يراعى في القضاء من الأحكام الشرعية. وبجمعه منصب الإفتاء إلى منصب الرسالة البيان الفعلي لما يراعيه المفتي عند إصداره الفتيا. وبجمعه إمامة الصلاة البيان الفعلي كذلك. وكذلك يقال في الإمامة العامة والإدارة، وما سواها من المناصب. وكان هذا أظهر في الحكمة من أن يكون متوليّاً منصب الرسالة وحده، إذ لا تتبين حينئذٍ الأحكام الشرعية المتعلقة بسائر المناصب إلا قولًا فقط، وذلك يكون قصوراً في البيان والتعليم. والله عليم حكيم. ولكن قد حصل بسبب هذا الجمع بين المناصب اشتباه في بعض الأحكام المستفادة من الفعل: أهي أحكام شرعية عامّة تلزم الأمة، أم هي أحكام خاصة موقتة، تلزم من تعلقت به وحده.

стр. 425

أو بعبارة أخرى: هل هي صادرة عن النبي ﷺ بوصفه رسولاً، أو بغير ذلك من صفات، من الجهات التي تقدم ذكرها. لقد ذكر الأسنوي من هذه الجهات ثلاثاً: منصب النبوة، ومنصب الإمامة العامة، ومنصب الإفتاء. ثم قال: "إن ما ورد بلفظ يحتمل رده إلى المناصب الثلاث يحمل عند الشافعي على التشريع العام، لأنه الغالب من أحواله ﷺ ولأنه المنصب الأشرف، ولأن الحمل عليه أكثر فائدة، فوجب المصير إليه ... وقال أبو حنيفة: يحمل على الثاني لأنه المتيقن" (١). وقال القرافي أيضاً: "إن غالب تصرفاته ﷺ بالتبليغ، لأن وصف الرسالة غالب عليه ﷺ " (٢). ونحن نضرب أمثلة يتبين منها ما تقدم ذكره في هذا المطلب: المثال الأول: عن عبد الله بن مسعود أنه كان يصلي، فوضع يده اليسرى على اليمنى، فرآه رسول الله ﷺ فوضع يده اليمني على اليسرى (٣). بوّب عليه النسائي: باب في الإمام إذا رأى رجلاً قد وضع شماله على يمينه. وهو تبويب حسن. لأن هذا الحكم وإن كان من باب تبليغ الشريعة، وهو لائق بمنصب النبوة، ويقتدي به كل أحد، إلا أن ذلك ألصق بمهمة إمام الصلاة المرتّب لها، فكما أنه يقيم للناس صلاتهم بمتابعتهم له، فكذلك ينبغي أن يعلمهم إتقان صلاتهم. وكما قيل في هذا الحديث، يقال في حديث المسيء صلاته، وحديث مسح النبي ﷺ مناكبهم في الصلاة ليستووا، وأنه ﷺ كان يتخولهم بالموعظة، وسائر ما فيه وعظ أو إنكار أو تعليم من النبي ﷺ في شأن الصلاة والوضوء وغيرهما من
следующие страницы →