← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 31471

أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم ودلالتها على الأحكام الشرعية

محمد سليمان الأشقر

Полный текст (761 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

فليس لغيره ﷺ أن يشترط للبائعين شرطاً لهم فيه مصلحة وهو يعلم أنه لا يلزمه شرعاً، ويزعم أنه فعله بناء على إذنه ﷺ في ذلك، لما في ذلك من المخادعة الممنوعة شرعاً. فإن علم السبب جاز. والسبب على ما ذكره الشافعي في الأم (١) وما رجحه ابن القيم (٢): استحقاقهم للعقوبة، جزاء على إقدامهم على مخالفة الشريعة، وهم يعلمون حكمها القاضي بأن "الولاء لمن أعتق" فمن اقتدى به عند حصول مثل هذا السبب جاز. والله أعلم.

стр. 422

المبحث الثاني الفَاعِل وَجهَاته النبي ﷺ بعث مبيناً بقوله وفعله، وملتزماً فيهما بالمنهج الرباني. وكان من تمام البيان الفعلي أن النبي ﷺ قام في حياته بأدوار مختلفة في البيئة الاجتماعية التي كان واحداً من أفرادها. وكان في كل دور من تلك الأدوار قدوة لمن يأتي بعده ﷺ ممن يمثل ذلك الدور. فكان الإنسان المسلم، ورب أسرة، وكان رئيس الدولة، ومتولي السلطات، والمحتسب، وقائد الجيش، والقاضي، والمفتي، وكان إمام الصلاة. وكان كثير من هذه الأدوار ممتزجاً بعضه ببعض، في شخصه ﷺ . والتصرف الذي كان يتصرفه كان ينتمي إلى واحد أو أكثر من هذه الجهات من شخصه الشريف. والاقتداء به ﷺ في فعل من أفعاله يكون صحيحاً إذا كان المقتدي به مساوياً له في الجهة التي صدر عنها ذلك الفعل. فالتصرفات الصادرة عنه بوصفه رئيس الدولة، يقتدي به فيها من كان بعده رئيس دولة. وما فعله بوصفه مفتياً، يقتدي به فيه المفتي. وما فعله بوصفه قاضياً، يقتدي به فيه القاضي. وما فعله بوصفه إماماً في الصلاة يقتدي به فيه الأئمة بعده. وذلك كتقدمة

стр. 423

أمام الصف، ونيته الإمامة، وجهره بالقراءة بصوت مرتفع، وسبقه لهم بأفعال الصلاة، واتخاذه سترة، وتركه التطوع مكان الفريضة. وسائر المصلين يقتدون به في ما يفعله بوصفه مصلياً مطلقاً، كرفع اليدين، والتكبير، وقول آمين والركوع والسجود ونحو ذلك. التمييز بين جهات الفاعلية: لكن تمييز ما ينتمي إليه الفعل من هذه الجهات المختلفة قد يكون أمراً بيّناً لا يختلف فيه، كما تقدم في ما ذكرناه من أفعال إمام الصلاة، وقد يكون مشكوكاً فيه فيقع الاختلاف فيه. وقد تبينت الحاجة إلى التمييز بين أوصافه التي ترجع إليها أفعاله ﷺ بل وأقواله، عندما انفصلت الأعمال في المجتمع الإسلامي، واختص بكل دور شخص معيّن أو طائفة من الناس. وبعض ذلك حصل في زمنه ﷺ . لقد حاول الِقرافي محاول جادة، وضع قاعدة التمييز بين الجهات المختلفة المشار إليها، لكن في حيز الأحكام القضائية، وما يمكن أن تشتبه به، وذلك في رسالته (الإحكام في تمييز الفتاوي عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام) ميّز فيها (١) بين أنواع من التصرفات: الأول: تصرفه ﷺ بمقتضى الرسالة. ومقتضاها التبليغ. يقول القرافي: "أما الرسالة فليس يدخل فيها إلا مجرد التبليغ ... وهذا لا يستلزم أنه فُوِّض إليه أمر السياسة العامة. فكم من رسلٍ لله تعالى لم يؤمروا بالنظر في المصالح العامة". الثاني: تصرفه بمقتضى الإمامة (السلطة العامة)، ومقتضاها السياسة العامة، وتنفيذ الأحكام، والقيام بالمصالح.

стр. 424

الثالث: تصرفه بمقتضى الإفتاء، وهو تطبيق الأحكام الشرعية على الوقائع دون إلزام. الرابع: تصرفه بمقتضى الحكم، يعني القضاء. وذلك يقتضي أن له سلطة إنشاء الأحكام القضائية. ونحن قد توسّعنا في بيان جهات أخرى غير ما ذكره القرافي. ونضيف أيضاً بيان الحكمة في جمعه ﷺ لهذه المناصب، وفائدتها من جهة التبليغ. فقد يُقال: إنه كان بالإمكان أن يقوم ﷺ بمهمة الرسالة وحدها، أي بمجرد التبليغ. فيبيّن بقوله ما على رئيس الدولة أن يفعله وما على القاضي أن يفعله، وهكذا المحتسب، وإمام الصلاة، والمفتي وغيرهم، وما لهم أن يفعلوه أيضاً. والجواب ما تقدم من أن وظيفة النبي ﷺ ومهمته التي حددت في القرآن ليست مقصورة على التبليغ. بل منها التعليم والتزكية أيضاً، وذلك يتمّ بأن يكون ما بلغه ﷺ بالقول، مطبّقاً تطبيقاً حيّاً مشاهَداً، ليحصل تمام الإدراك والتعقل لما يبلغه بالقول. فحصل بجمعه ﷺ منصب القضاء إلى منصب الرسالة البيان الفعلي لما يراعى في القضاء من الأحكام الشرعية. وبجمعه منصب الإفتاء إلى منصب الرسالة البيان الفعلي لما يراعيه المفتي عند إصداره الفتيا. وبجمعه إمامة الصلاة البيان الفعلي كذلك. وكذلك يقال في الإمامة العامة والإدارة، وما سواها من المناصب. وكان هذا أظهر في الحكمة من أن يكون متوليّاً منصب الرسالة وحده، إذ لا تتبين حينئذٍ الأحكام الشرعية المتعلقة بسائر المناصب إلا قولًا فقط، وذلك يكون قصوراً في البيان والتعليم. والله عليم حكيم. ولكن قد حصل بسبب هذا الجمع بين المناصب اشتباه في بعض الأحكام المستفادة من الفعل: أهي أحكام شرعية عامّة تلزم الأمة، أم هي أحكام خاصة موقتة، تلزم من تعلقت به وحده.

стр. 425

أو بعبارة أخرى: هل هي صادرة عن النبي ﷺ بوصفه رسولاً، أو بغير ذلك من صفات، من الجهات التي تقدم ذكرها. لقد ذكر الأسنوي من هذه الجهات ثلاثاً: منصب النبوة، ومنصب الإمامة العامة، ومنصب الإفتاء. ثم قال: "إن ما ورد بلفظ يحتمل رده إلى المناصب الثلاث يحمل عند الشافعي على التشريع العام، لأنه الغالب من أحواله ﷺ ولأنه المنصب الأشرف، ولأن الحمل عليه أكثر فائدة، فوجب المصير إليه ... وقال أبو حنيفة: يحمل على الثاني لأنه المتيقن" (١). وقال القرافي أيضاً: "إن غالب تصرفاته ﷺ بالتبليغ، لأن وصف الرسالة غالب عليه ﷺ " (٢). ونحن نضرب أمثلة يتبين منها ما تقدم ذكره في هذا المطلب: المثال الأول: عن عبد الله بن مسعود أنه كان يصلي، فوضع يده اليسرى على اليمنى، فرآه رسول الله ﷺ فوضع يده اليمني على اليسرى (٣). بوّب عليه النسائي: باب في الإمام إذا رأى رجلاً قد وضع شماله على يمينه. وهو تبويب حسن. لأن هذا الحكم وإن كان من باب تبليغ الشريعة، وهو لائق بمنصب النبوة، ويقتدي به كل أحد، إلا أن ذلك ألصق بمهمة إمام الصلاة المرتّب لها، فكما أنه يقيم للناس صلاتهم بمتابعتهم له، فكذلك ينبغي أن يعلمهم إتقان صلاتهم. وكما قيل في هذا الحديث، يقال في حديث المسيء صلاته، وحديث مسح النبي ﷺ مناكبهم في الصلاة ليستووا، وأنه ﷺ كان يتخولهم بالموعظة، وسائر ما فيه وعظ أو إنكار أو تعليم من النبي ﷺ في شأن الصلاة والوضوء وغيرهما من

стр. 426

الأحكام الشرعية، والآداب والأخلاق الدينية، مما وقع منه ﷺ في مسجده، ينبغي أن يجعل مثل ذلك من مهمة إمام المسجد، ووظيفته. ويمكن البحث من هذه الجهة، في كثير من أفعاله ﷺ المتعلقة بالمسجد، كبناء بيوته ﷺ ملتصقة بالمسجد، فإن ذلك يمكن جعله أصلًا لتقريب بيت الإمام من المسجد. ومناسبة ذلك ظاهرة. المثال الثاني: قصة حديث ذي اليدين في تسليم النبي ﷺ من نقص، وما جرى من السؤال والجواب بينه ﷺ وبين ذي اليدين وأبي بكر وعمر، ثم أتمَّ الصلاة وسجد للسهو. قيل إن ذلك يدل على أن من سلم من نقص ثم تكلم، يظن أن صلاته قد تمت لم تفسد صلاته. وهو مروي عن مالك. وقيل تفسد صلاة الجميع. وقيل إن عدم فساد الصلاة بذلك مختص بالإمام. وتفسد صلاة من تكلم غيره. وهو مذهب الحنفية. واعتذروا عن تكلم أبي بكر وعمر بأن كلامهما كان جواباً للنبي ﷺ ، وقد كانت إجابتهما للنبي ﷺ واجبة عليهما ولو في الصلاة، أو كان جوابهما بالإيماء لا بالقول. وعن تكلم ذي اليدين بأنه تكلم سائلًا عن نقص في الصلاة في وقت يمكن ذلك فيها. قالوا: والنبي ﷺ كان إماماً، فيدل ما فعله على حكم فعل الإمام، ويبقى ما عداه على الأصل (١). المثال الثالث: حديث عبد الله بن زيد أن النبي خرج يستسقي، فحول إلى الناس ظهره، واستقبل القبلة، ثم حول رداءه.

стр. 427

قال جمهور الفقهاء: يستحب لكل من حضر صلاة الاستسقاء، من إمام ومأموم تحويل أرديتهم. وقال الليث، وأبو يوسف، ومحمد: يستحب ذلك للإمام دون المأموم لأنه نقل عن النبي ﷺ دون أصحابه (١). فالخلاف هنا راجع إلى الاحتمال الذي ذكرنا في أول هذا المطلب. المثال الرابع: عن سلمة بن الأكوع قال: قال ﷺ : "من ضحّى منكم فلا يصبحن بعد ثالثة وبقي في بيته منه شيء". فلما كان العام المقبل قالوا: يا رسول الله، نفعل كما فعلنا العام الماضي؟ قال: "كلوا، وأطعموا، وادّخروا، فإن ذلك العام كان بالناس جهد، فأردت أن تعينوا فيها" (٢). فإن آخر القصة يدل على أن النهي الأول كان صادراً عنه ﷺ بوصفه صاحب السلطة الإدارية، وكان هذا منه إجراء موقتاً لعلاج حالة اجتماعية طارئة بما يحقّق المصلحة ويدرأ المفسدة. ولكن باجتماع منصب السلطة مع منصب الرسالة يدل هذا الحديث أنه يجوز لصاحب السلطة الإدراية أن يتخذ مثل هذا الإجراء، بالمنع من بعض المباحات، ولا يكون ذلك مخالفاً لعقيدة الإسلام ولا شريعته. ومثل ذلك قول النبي ﷺ يوم حنين: "من قتل قتيلاً فله سلبه" هو عند الحنفية من باب تصرفات الأئمة. ويمكن البناء عليه أن للإمام أن يضع مثل هذا القانون لتحصيل مصلحة معينة عسكرية أو مدنية. المثال الخامس: حديث غضبه ﷺ حين علم أنه علي بن أبي طالب يريد أن يتزوج بنت أبي جهل على فاطمة بنت محمد ﷺ ، ورفضه ﷺ الموافقة على ذلك (٣).

стр. 428

وقد ذكر ابن حجر أن ذلك يحمل على ثلاثة أوجه: الأول: أنه ﷺ حرَّم ذلك على علي خاصة. الثاني: أن الجمع كان مباحاً لعليّ، ولكن منعه ﷺ من ذلك رعاية لخاطر فاطمة، وقَبِل علي ذلك امتثالاً لأمر النبي ﷺ . الثالث: إنه من خصائص النبي ﷺ أن يحرم التزوج على بناته. أو على فاطمة خاصة، وهو راجع إلى الأول. ولما كان الأصل عدم الخصوصية كما تقدم فإن أصوب ما تحمل عليه القصة الوجه الثاني، ويكون ما وقع من النبي ﷺ وقع بصفته واحداً من المسلمين، وغضب كما يغضب الواحد منهم، ورفض كما يرفض الواحد منهم، أن يكون لابنته ضَرّة. ويؤيد ذلك أن في إحدى روايات هذه القصة، أن النبي ﷺ قال: "وإني لست أحرّم حلالاً، ولا أحِلُّ حراماً" (١). فهو إذن أمر شخصي بحت، لا علاقة له بالتشريع. بل كما لو استؤذن أي رجل من سائر الناس في أن يتزوج صهره على ابنته فإنه قد يرفض، وإن لم يكن ذلك ممنوعاً ولا مكروها. ثم قد يطيعه صهره ويرعى خاطره إن كان له فضل عليه. وذلك كله في حيّز المباح. ويؤيد هذا ما وقع في بعض روايات البخاري للحديث، أن فاطمة قالت له ﷺ : "إن الناس يزعمون أنك لا تغضب لبناتك" أي: كما يغضب سائر الناس. فقال ﷺ ما قال. ويؤيده أيضاً أن في رواية مسلم، قال ﷺ : "وإن فاطمة بضعة مني يَرِيِبُني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها". المثال السادس: قالت هند بنت عتبة: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم. فقال ﷺ : "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" (٢).

стр. 429

فقد بين النبي ﷺ الحكم في حقّ أبي سفيان وهو غائب. فهل يدل هذا على جواز الحكم على الغائب؟. قال بعض الشافعية: يجوز، واحتجوا بهذا الحديث. وترجم عليه البخاري: (باب القضاء على الغائب). وقال أبو حنيفة: لا يجوز. وقال النووي: لا يصح الاستدلال، بل هو إفتاء. والذي عين جهة الإفتاء ما ثبت من أن أبا سفيان كان حاضراً بمكة (١). فلو كان ذلك القول قضاء للزم أن يحضر المجلس. المثال السابع: أحاديث الإقطاع، منها أنَّه ﷺ أقطع الزبير حضر فرسه، وأقطع وائل بن حجر معادن القبلية. وغير ذلك. وهذا بالاتفاق صادر عنه ﷺ بوصفه إماما للعامة. وينبني على ذلك أن للإمام أن يقطع من الأراضي التي لم يَجْر عليه ملك لأحد، في حدود المصلحة.

стр. 430

المبحث الثالث جهَاتُ المفعُول بهِ القول هنا شبيه من بعض الوجوه بما تقدم من القول في جهات الفاعل، غير أن المجال هنا أضيق. ومما اختلف فيه من الفعل بسبب اختلاف جهات المفعول به، صلاة النبي ﷺ على النجاشي عندما مات بأرض الحبشة، فمن منع الصلاة على الغائب، اعتذر عن هذا الحديث بأن النجاشي لم يصل عليه ببلده أحد (١). ومن ذلك في باب صلاة الجنازة أيضاً، أنه ﷺ قام عند صدر الرجل ووسط المرأة. فذهب الحنابلة والشافعية إلى استحباب ذلك لظاهر الحديث. وقال أبو حنيفة: يقوم عند صدر الرجل وصدر المرأة لأنهما سواء (٢). ومثله أن النبي ﷺ أتي بصبي لم يأكل الطعام فأجلسه في حجره، فبال على ثيابه. فدعا بماء فنضحه ولم يغسله (٣). فقيل بناء عليه: ينضح بول الغلام والجارية، ولا يجب غسلهما. وقيل يغسلان جميعاً. وقيل ينضحان جميعاً، وهو الأصح ما لم يأت من فرّق بينهما بحجة قائمة. لأن الأصل المساواة.

стр. 431

المبحث الرابع مَكان الفعْل وَزمانِه يعلم مما تقدم في الفصول السابقة حكم أفعال النبي ﷺ بالنسبة إلينا، على أساس استواء الحكم بيننا وبينه ﷺ . ومن المعلوم أن فعله ﷺ يقع في ظرف زماني ومكاني، ولا بدّ. فهل الاقتداء به ﷺ يقتضي أيضاً مساوتَه في زمان الفعل ومكانه؟. ولكي نوضح المقصود بهذا السؤال، نقول إن النبي ﷺ صلى بأصحابه الجمعة مثلاً في مسجده، وفي الوقت المعلوم. وفهم الفقهاء أن المسجد معتبر، وأن الوقت معتبر كذلك، فتفعل صلاة الجمعة في المسجد في الوقت الذي صلى فيه، وذلك مستفاد من قضية التساوي. ومن أجل ذلك يبحثون عن الأوقات التي صلى فيها، لتكون القدوة على أتمها بإيقاع الصلاة في مثل ذلك الوقت. ومثل ذلك في اعتبار المكان: الوقوف خاص بعرفة، والطواف خاص بالبيت، وركعتا الطواف خاصتان بمقام إبراهيم، ونحر الهدي خاص بمكة. ومثل ذلك في الزمان: الصوم خاص برمضان، وركعتا الفجر بعد طلوعه، وبعض الصوم خاص بالاثنين والخمسين وعاشوراء. ومما لم يعتبر فيه المكان: الصوم، والذكر، وصلاة النفل المطلق، والبيع والشراء وعقد النكاح، وغير ذلك. الأدلة الدالة على اعتبار الزمان والمكان، أو الغائهما: ١ - قد يدل على اعتبار المكان أو الزمان بالقول. ومثاله في المكان، ما قاله ﷺ في حجة الوداع، في عرفة "وقفت هنا وعرفة

стр. 432

كلها موقف" فدل على اعتبار عرفة في الوقوف، وألغى خصوصية المكان الذي وقف فيه من عرفة. وقال كذلك بمزدلفة "وقفت هنا -يعني عند جبل قُزَح- وجمعٌ كلها موقف" وقال بمنىً: "نحرت هنا ومنى كلها منحر". وفي رواية: "وكل فجاج مكة منحر". ومثاله في الزمان: ما في حديث عائشة، أنه ﷺ صام عاشوراء وأمر بصيامه. ومثاله إلغائه أنه ﷺ كان يصلّي بعد العصر، وينهى عنه (١). ٢ - أن يفعله ﷺ بالمكان المعيّن، قاصداً أن يُتّخذ من بعده لمثل ذلك الفعل. ومثاله أن عتبان بن مالك طلب منه ﷺ أن يصلي في بيته في مكان يتخذه مصلى (٢). ففعل. ٣ - التكرار: فقد قيل بأنه يجب اعتبارهما في التأسّي إذا كرر الرسول ﷺ الفعل في ذلك المكان أو الزمان. نقله الباقلاني (٣) عن قوم، وضعفه. وإذا ترك الفعل في الزمان أو المكان فلم يفعله مرة أخرى مع التمكن والسعة فقد يدل ذلك على عدم اعتبارهما. كتركه ﷺ قصد غار حراء وغار ثورٍ أن يأتيهما للتعبّد فيهما، في أيام الفتح وحجة الوداع. وتركه ﷺ الفعل المعيّن في مكان آخر، ثم عوده إلى الفعل في المكان الأول يدل على اعتباره، كتركه الجمعة في السفر والعودة إليها في الحضر، يدل على أن الحضر معتبر، بخلافه في صلاة الجماعة. ٤ - نقل الصحابي للفعل مقروناً بذكر الزمان أو المكان. ولم أجد أحداً ذكر

стр. 433

هذا النوع. وهو واضح من ذكرهم لنظائره في مواضع أخرى. ووجهه أن الصحابيّ قد رأى قرائن الحال، وربما سمع من النبي ﷺ ألفاظاً تدل على اعتبار الظرف لم ينقلها إلينا. وهو عدل، فيقتضي أن الأمر كما قال. وخاصة إذا احتج به، أو أمر به. ومع ذلك فهذه أمارة ضعيفة. ووجه ضعفها احتمال أن مراده بنقل الزمان أو المكان مجرد الإخبار، دون الاحتجاج. ولو وضح أنه يريد الاحتجاج، فذلك رأيه، وليس قوله حجة. وكونه رأى قرائن تدل على ذلك ليس إلا مجرد احتمال. ثم إذا انضمت هذه الأمارة إلى التكرار قويت الدلالة على ذلك، ومثاله حديث جابر: "كان النبي ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة، والعصر والشمس نقية، والمغرب إذا وجبت ... والصبح كان يصليها بغلس" (١). يدل ذلك على أفضلية إيقاع الصلاة في هذه الأوقات. ومثاله أيضاً حديث ابن عمر: "أنه ﷺ كان يأتي مسجد قباء كلَّ سبت فيصلي فيه ركعتين" (٢). وقد أيّد مشروعيته قوله تعالى: ﴿لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحقُّ أن تقوم فيه﴾ على القول بأن المراد بالمسجد في الآية مسجد قباء. ما يعتبر من زمان الفعل النبوي ومكانه: أما ما دل دليل خاص على اعتباره في التأسّي من الزمان أو المكان، فإنه يعتبر، اتفاقاً. وما دل الدليل الخاص على إلغاء التأسّي فيه، فهو ملغى اتفاقاً. وما لم يدل دليل خاص على اعتباره ولا على إلغائه فقد اختلف فيه على مذاهب: المذهب الأول: أن الأصل عدم اعتبار الزمان ولا المكان. وهذا مذهب

стр. 434

القاضي عبد الجبار الهمداني المعتزلي (١)، وتلميذه أبي الحسن، وابن الهمام الحنفي (٢) والقاضي الباقلاني، والغزالي (٣) والآمدي (٤). استدل عبد الجبار بأن اعتبارهما يؤدي إلى نقض التأسي وإبطاله، لأنه يقتضي أن المتأسي لا بد أن يفعل الفعل في الوقت نفسه الذي فعل فيه المتأسي به، وقد فات، فيؤدي إلى أن التأسي مستحيل. وكذلك في المكان، إذ من المستحيل جمع الناس في مكان واحد، هو المكان الذي حصل فيه الفعل المتأسَّى به. فيؤدي ذلك إلى نقض التأسي وإبطاله وقد قال أبو الحسين (٥) في إبطال هذا الاستدلال: "هذا إنما يمنع من اعتبار زمان معين، ولا يمنع من اعتبار مثل الزمان كما في صلاة الجمعة، ولا يمنع من اعتبار ذلك المكان في زمان آخر، ولا يمنع من اعتباره إذا كان المكان مستعاً كعرفة". واحتج عبد الجبار بأن الواجب الاقتصار في صفات الفعل ومتعلقاته على أقل قدر، لأننا لو اعتبرنا الأكثر من الصفات لكان في ذلك التضييق الذي لا يقف عند حد، حتى يؤدي إلى امتناع التأسي، كما تقدم. يقول عبد الجبار: "يلزم على ذلك أن يعتبر محل الفعل كما اعتبر المكان والوقت. وأن تعتبر الآلة. وأن تعتبر أعيان الأشخاص، حتى إذا أخذ ﷺ الزكاة من العربيّ يعتبر النسب في ذلك وسائر الصفات. وهذا باطل. فلا بد إذن من اعتبار الأقل في ما يمكن معه التأسي، وإنما يقال بما زاد عليه لأجل الدليل الذي يقتضيه". المذهب الثاني: أن الأصل اعتبار الزمان والمكان كليهما في التأسي. وإلى هذا ذهب أبو عبد الله البصري (*) كما نقله عنه أبو الحسن في المكان خاصة وسكت

стр. 435

عن الزمان (١) ونقله الباقلاني عن قوم لم يسمهم (٢). المذهب الثالث: يعتبر المكان، ولا يعتبر الزمان. نقله أبو نصر القشيري (٣) عن (قوم من الأصوليين) لم يسمهم، ولم يبين الوجه في تفريقهم بينهما. ويمكن الاستدلال لاعتبار المكان بفعل ابن عمر وسالم ابنه، إذ كانا يتحريان الصلاة في المواضع التي صلى فيها النبي ﷺ في أسفاره إلى مكة. ولكن ذلك معارض بما ثبت عن عمر أنه رأى الناس يتبادرون إلى مكان فسأل عن ذلك، فقالوا: قد صلى النبي فيه ﷺ . فقال: "من عرضت له الصلاة فليصلّ، وإلا فليمض، فإنما هلك أهل الكتاب لأنهم تتبعوا آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس وبيعاً" (٤). المذهب الرابع: اعتبار الزمان دون المكان. وإليه يميل ابن تيمية. فقد ذكر عن جابر أن النبي ﷺ دعا في مسجد الفتح ثلاثاً: يوم الاثنين، ويوم الثلاثاء، ويوم الأربعاء، فاستجيب له يوم الأربعاء بين الصلاتين فعرف البشر في وجهه. قال جابر: فلم ينزل بي أمر مهم غليظ إلا توخيت تلك الساعة، فأدعو فيها، فأعرف الإجابة. يقول ابن تيمية: "هذا الحديث يعمل به طائفة من أصحابنا وغيرهم، فيتحرون الدعاء في هذا الوقت، كما نقل عن جابر. ولم ينقل عن جابر أنه تحرى الدعاء في المكان، ولكن تحرى الزمان" (٥). رأينا في ذلك: الذي نراه ترجيح القول الأول، وهو أن الأصل عدم اعتبار الزمان والمكان في التأسّي، ما لم نعلم أنه مقصود ومتحرىًّ شرعاً.

стр. 436

وترجيحه من وجوه: الأول: ما تقدم عن القاضي عبد الجبار من أن اعتبارهما تضييق وتحجير في التأسّي. فينبغي إلغاؤهما ليتسع الحكم. الثاني: أن الزمان والكان ظرفان للأفعال، ولا بد لكل فعل مهما كان، من أن يقع في زمان ومكان. ولا شك أن الذي يقصد اعتباره من ذلك هو الأقل، فيجب بيانه. ويبقى الأكثر وهو غير المعتبر. الثالث: أن يقال: إن تخصيصنا للمكان أو الزمان بناء على أن النبي ﷺ فعل فيه، إما أن يكون لخاصية نشأت من إيقاعه ﷺ العمل فيه وإما لخاصية موجودة فيه قبل أن يفعل فيه ﷺ فعله. فأما الاحتمال الأول فقد تقدم إبطاله في المطلب الخاص بسبب الفعل. وأما الثاني وهو أن يكون في الظرف خاصيّة تقتضي تخصيصه بالعبادة، فلا يصح بناء الأحكام الشرعية عليه، لوجهين: أولهما: أن احتمال وجود الخاصية المذكورة معارض باحتمال عدم وجود خاصية أصلاً، وأن وقوع الفعل في ذلك الظرف طرديٌّ محْض كتغيُّم السماء وصحوها، وخاصة إذا خلا من المناسبة، كما في عقد النكاح في شوال والدخول فيه. وثانيهما: أن البناء على مجرد احتمال الخاصيّة لا يصلح ولا بد من بيان ذلك بالقول أو غيره. أما مجرد إيقاع الفعل في الظرف فلا يكفي بياناً، لما تقدم من أن الظرف ضروري للفعل من حيث هو فعل. ولا تبنى الأحكام الشرعية إلا على علم أو ظن، ناشئ عن دليل. فالقاعدة إذن عدم اعتبار المكان والزمان في التأسّي، إلا بدليل خاص يدل على ذلك. والله أعلم.

стр. 437

أمثلة تطبيقية: المثال الأول: مكان نحر الهدي للمحصر. قال تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله ... فإن أُحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ ونحر النبي ﷺ وأصحابه هديهم حيث احصروا. ذهب أبو حنيفة إلى أن هدي المحصر ينحر بالحرم، كهدي غير المحصر. وذهب مالك والشافعي إلى أنه ينحر في مكان الإحصار (١). وعن أحمد روايتان كالمذهبين (٢). استدل لأبي حنيفة (٣) بقوله تعالى: ﴿ثم مَحلُّها إلى البيت العتيق﴾ وبتسميته هدياً، والهدي ما يهدى إلى البيت. واستدل لمالك والشافعيّ بفعل النبي ﷺ وأصحابه (٤). قال القرطبي: "ينحر حيث حلّ، اقتداء بفعله ﵊ بالحديبية". ومقتضى القاعدة التي ذكرناها، وهو الراجح عندنا في هذه المسألة، أن هدي المحصر يجب نحره بالحرم، وأما الفعل النبوي من ذبحه خارج الحرم فهو خارج على سبب، وهو أنه قد حيل بينه وبين إرساله الهدي إلى الحرم. ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهديَ معكوفاً أن يبلغ مَحلّه﴾ يعني (وصدّوا الهَدْي). يقول الجصاص: (٥) "هذا من أدل الدليل على أن محلّه الحرم: .. فلما أخبر عن منعهم الهديَ عن بلوغ مِحلّه، دل ذلك على أن الحِلَّ ليس بَمَحِلّ له".

стр. 438

وعلى هذا يكون المستفاد من الفعل النبوي جواز ذبحه في مكان الإحصار في حالة عدم القدرة على إرساله إلى الحرم. والله أعلم. المثال الثاني: إقامة صلاة الجمعة بالقرى. قال الحنفية: لا تقام إلا بمصر جامع. وقال الشافعية والحنابلية والمالكية: تقام بالقرى. احتج الحنفية بحجج منها: كما في بدائع الصنائع، أن النبي ﷺ كان يقيم الجمعة بالمدينة، وما روي إقامتها حولها، وكذا الصحابة ﵃، فتحوا البلاد، وما نصبوا المنابر إلا في الأمصار (١). واحتج الآخرون بحجج منها ما روي عن ابن عباس، أنه قال: "إن أول جمعة جُمعت بعد جمعةٍ في مسجد النبي ﷺ في مسجد عبد القيس بجواثى من قرى البحرين" (٢). وقال الحنفية في رد هذا الاستدلال: القرية في عرف المتقدمين المصر، المثال الثالث: جاءت إلى النبي ﷺ امرأة، وهو جالس بين أصحابه. فوهبت نفسها له ليتزوجها، فكأنه لم يرد ذلك، فقال بعض أصحابه: إن لم يكن لك بها حاجة فزوِّجنْيها، فزوَّجَه بها، وفي رواية: كان ذلك في المسجد (٣). واضح أن الفعل يدل على الجواز، فلا حرج في إجراء عقد النكاح في المساجد. ولكن لا يصح القول بأنه مستحب فيها، لعدم الدليل على ذلك.

стр. 439

المبحث الخامس هَيئَة الفعل قد قال البلاقاني في هيئة الفعل كلمة تناقلها من بعده كالغزالي وأبي شامة والزركشي (١). وهي أن ما يقتدى به من الأفعال النبوية تتبع هيئته. يقول الغزالي: "إن قيل: إن فعَلَ (النبي ﷺ ) فعلا، وكان بياناً، ووقع في زمان ومكان وعلى هيئة، فهل يتبع الزمان والمكان والهيئة؟ قيل: أما الهيئة والكيفية فنعم، وأما الزمان والمكان فلا مدخل له إلا أن يكون لائقاً به بدليل". ولم يبينوا لنا ما الهيئة التي يشيرون إليها. ولا أنها تتبع وجوباً أو استحباباً. ويظهر أن المقصود بالهيئة أن يتركب الفعل من أجزاء ذات أوضاع خاصة، مع الأخذ في الاعتبار كيفية ترتّب تلك الأجزاء بموقع بعضها من بعض. فإن كان هذا هو المراد، فأوضح ما يمثل به لذلك هيئة الصلاة من كونها ذات قيام بعده ركوع بعده رفع ثم سجودانِ بينهما جلسة إلى آخر ما يذكر في صفة الصلاة. ولكن هذا الأمر، وهو اتباع الهيئة، هو في الصلاة واضح لا إشكال فيه، وذلك لأن لها هيئة اجتماعية علمت من قرائن كثيرة، وإشارات في الكتاب والسنة، هي دليل الترتيب. أما ما لم يكن كذلك من الأفعال فهل تتبع هيئته أيضاً؟.

стр. 440

والذي نقوله إن إتباع الهيئة، إذا لم يُدَلّ عليها إلا بالفعل النبويّ المجرد، لا يزيد عن أن يكون مستحباً. فأما إن كان الفعل بياناً لهيئة مأمور بها فيدل على وجوب تلك الهيئة، وذلك كما أن الله أمر بالسجود، فعلّمنا النبي ﷺ السجود بهيئته المطلوبة التي يتحقق بها كونه سجوداً. لكن ما خرج عن تبين حقيقة السجود من الهيئات، كالتّخْوِيَة، وضمِّ الأصابع، وتوجيهها إلى القبلة، فيكون مستحبّاً لا غير، أخذ من قاعدة الفعل المجرد الذي ظهر فيه قصد القربة، فهي وإن كانت من أجزاء الصلاة، إلا أنها في ذاتها أفعال يراد بها القربة، إذ إنها تعين على الخشوع واستحضار التوجه إلى الله. وكذلك هيئة الطواف. فقد تبين بفعله ﷺ وجوب البدء من عند الحجر الأسود، وجعل البيت عن يساره وهذا ما يتحقق به كون الفعل طوافاً. وأما ما زاد عن ذلك كالرمل بين الركنين والاضطباع، والأذكار، فهي أمور خارجة عن حقيقة الطواف، فتكون من قبيل الأفعال المجردة، ويقتدى بها استحباباً إن وضح أن المراد بها القربة.

стр. 441

المبحث السَّادس الدلالة الاقتِرانيّة مرادنا بالاقتران أن يقع الفعل النبوي مقارناً أو سابقاً أو لاحقاً لفعل آخر مع كون الفعلين ليسا جزأين لفعل واحد. فإن الأفعال التي تكوِّن فعلاً واحداً قد تقدمت في المبحث الخاص بالهيئة. والذي يظهر لنا أن الفعل إذا اقترن بفعل آخر علم ارتباطه به حتى يكون كالوصف له (١)، بدليل قولي، فإنه يؤخذ بذلك. وإن لم يكن دليل قولي، فالأولى النظر إلى ذلك حسب قاعدة التأسّي بالأفعال المجردة دون قاعدة الفعل البياني، والله أعلم. مثال أول: ومن أوضح الأمثلة لذلك ما روى ابن مسعود: "أن المشركين شغلوا رسول الله ﷺ عن أربع صلوات يوم الخندق، حتى ذهب من الليل ما شاء الله، فأمر بلالاً فأذَّن. ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء" (٢). فقال المالكية والحنفية والحنابلة: يجب الترتيب بين الفوائت، حتى لو قدم العصر على الظهر مثلاً فإنه يعيد العصر. وقال الشافعية: لا يجب ذلك بل هو مستحب.

стр. 442

استدل الأولون بالفعل النبويّ، مع قوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" فأدخلوا في دلالة الفعل الدلالة الاقترانية، وحملوها على الوجوب. وقد تقدم أن الصواب من حديث: "صلوا كما رأيتموني أصلي" لا يصلح دليلاً للتمييز بين واجبات الصلاة ومستحباتها، بل تبقى أفعال الصلاة من هذه الناحية في حكم الفعل المجرّد. وبيّنّا أن الفعل المجرّد إذا لم يتقدم دلالة على أنه ﷺ فعله على سبيل الوجوب فلا يكون واجباً. ولم تقم قرينة على أنه ﷺ رتب بين الفوائت على سبيل الوجوب، فلا يبقى إلا أنه فعل ذلك استحباباً. فهذه طريق من طرق الاستدلال على كون مذهب الشافعية في مسألة الترتيب بين الصلوات المقضية أرجح. والله أعلم. مثال آخر: حديث ابن عمر: صليت مع النبي ﷺ سجدتين قبل الظهر وسجدتين بعدها، وسجدتين بعد الجمعة، وسجدتين بعد المغرب، وسجدتين بعد العشاء. فأما المغرب والعشاء ففي بيته. وحدثتني حفصة أنه ﷺ كان يصلي ركعتين بعدما يطلع الفجر" (١). وروي نحوه عن عائشة (٢). فقد تضمن هذا الحديث من متعلقات الفعل ثلاثة أشياء: ١ - العدد، وسيأتي في مطلب خاص إن شاء الله. ٢ - والمكان، وقد تقدم أن الفعل لا يدل على اعتباره في التأسّي إلا بقرينة. وقد قال ابن حجر: استُدِل بهذا الحديث على أن فعل النوافل الليلية في البيوت أفضل منه في المسجد، بخلاف رواتب النهار. قال: وفي الاستدلال بهذا الحديث لذلك نظر، والظاهر أن ذلك لم يقع عن عمد.

стр. 443

أقول: ولعلّ هذا من تتبعات ابن عمر لأمكنة العبادة النبويّة، مما لم يكن غيره من الصحابة يعيرها باله، ولا يلتفت إليه. ٣ - الاقتران بالفريضة، قبلها أو بعدها، وهو المراد هنا. والاتفاق واقع على أن هذا الارتباط بين الرواتب والفرائض معتبر، وإنما اختلف الفقهاء في العدد والمكان. ولعلّ الذي دلّ على أن هذه المقارنة معتبرة في هذا المثال اتفاق ابن عمر وعائشة على ملاحظتهما، مع الاستمرار من النبي ﷺ على رعايتها، وخاصة في الركعتين اللتين قبل صلاة الفجر. قالت عائشة: "لم يكن رسول الله ﷺ على شيء من النوافل أشدّ تعاهداً منه على ركعتي الفجر". ... مثال رابع: النظائر القرآنية عند ابن مسعود: ورد من حديث ابن مسعود أنه قال: "كان النبي ﷺ يقرأ النظائر سورتين في الركعة: الرحمن والنجم، في ركعة. واقتربت والحاقة، في ركعة والطور والذاريات، في ركعة. وويل للمطففين وعبس، في ركعة" قال أبو داود: هذا تأليف ابن مسعود. ولا يدل هذا الاقتران على وجوب ولا استحباب، والغالب أنه وقع عرضاً، فليس هو مما ظهر فيه قصد القربة. والله أعلم.

стр. 444

المبحث السابع الأدواتُ والعناصِر الماديّة إن النبي ﷺ إذا استعان في إيجاد الفعل بأدوات معينة فذلك غالباً للمصلحة التي تحصل بتلك الأدوات، فالتأسّي بفعله لا يقتضي الاستعانة أصلًا بأدوات مماثلة، وذلك كالعصا أو القول في الخطبة، وكالخُمْرة التي كان يضعها فيسجد عليها، واستلامه الركن بالمحجن، واستناده إلى الجذع عندما كان يخطب، قبل أن يصنع له المنبر. فلا يجب ذلك ولا يستحب، وإنما يدل ذلك على الجواز. وإنما قلنا في ما سبق، يستحب اتخاذ المنبر، لما ورد من القول الآمر باتخاذه، ولأنه جعل من شعائر المسجد. وأجمعت الأمة عليه. وكما قلنا في الأدوات، كذلك يقال في جنس المواد المستعملة، إنما تختار بحسب المصلحة، فإذا بني ﷺ مسجده من طين وسعف النخيل، وفرشه بالرمل أو الحصباء، وكان منبره ثلاث درجات، ومصنوعاً من أثل الغابة، فلا يدل ذلك على أكثر من الإباحة، ما لم يعلم أن تخصيص ذلك الجنس لغرض شرعي، فيكون بخصوصه مستحباً. وأما ما سوى ذلك فينظر في ما يحقق المصلحة على وجه أتمّ، فيكون أولى من غيره، كبناء السجد الآن بالإسمنت المسلّح والرخام ونحوها. وتستخدم فيه مكبّرات الصوت، والإنارة الكهربائية، والسجاجيد، وغير ذلك. والله أعلم.

стр. 445

المبحث الثامن العدد والمقدار يتضمّن البحث في عدد الفعل ومقداره أموراً، نعقد لكل منها مطلباً: المطلب الأول الفعل الواحد، إن كان يمكن عمله بقدر طويل أو قصير، فهل يعتبر طول الفعل وقصره في التأسّي؟. نقل أبو الحسن البصريّ (١) عن القاضي عبد الجبار أنه لا اعتبار بطول الفعل وقصره في التأسّي. ومقصوده أنه لما ثبت وجوب التأسيّ في أصل الفعل فإن ذلك لا يستلزم وجوب التأسّي في طول الفعل وقصره، ولم يمنع أن يقتدي بطول الفعل وقصره على وجه الاستحباب. ثم قال أبو الحسين البصري: لقائل أن يقول: يجب اعتبار ذلك -يعني طول الفعل وقصره- بحسب الإمكان، إذا علم دخولهما في الأغراض. يعني إذا علم أن طول الفعل أو قصره مقصود. فلا شك إذا علم أن القدر مقصود، أنه يقتدى به، ولكن هل يجب لمجرد علمنا أنه مقصود، أولاً يجب إلا إذا علمنا أنه ﷺ قصد فعله على وجه الوجوب؟. والفرق بين الأمرين أن المقصود الأول مجرد التعبّد، والمقصود الثاني: التعبّد على وجه الوجوب.

стр. 446

ولنضرب المثال بسجوده ﷺ في الصلاة. فإنه يتحقق بوضع الرأس على الأرض لحظة لا يطمئنّ فيها (١)، وكان ﷺ أحياناً يخففه مع الطمأنينة وأحياناً كان يطيله جداً. فأما القدر الأول فهو واجب لا شك في ذلك، وهو مجمع عليه، إذ لا يتحقق المأمور به إلاّ بذلك. وأما القدر الثاني، وهو قدر الطمأنينة فقد اختلف فيه، فقال أبو حنيفة بأن الطمأنينة في الركوع والسجود غير واجبة، أخذاً بالأمر ﴿يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا﴾. وقال الحنابلة والشافعية: الطمأنينة واجبة، بدليلين. الأول: الفعل النبويّ، فإنه وقع تفسيراً للسجود الواجب، فيدل على أنها مرادة بالأمر. وقد حافظ ﷺ على الطمأنينة فلم يتركها مرة واحدة. والثاني: حديث المسيء صلاته، وفيه أن النبي ﷺ قال له: "اسجد حتى تطمئن ساجداً" (٢). والقول الثاني، وهو قول الحنابلة والشافعية، ارجح، لأن هذه قرائن تدلّ على أنه ﷺ فعل ذلك على سبيل الوجوب، وقاعدة التأسّي تنتج أنه واجب علينا أيضاً، هذا إن اعتبرناه فعلاً مجردّاً. فأما إن اعتبرناه بياناً للأمر فالوجوب أظهر. وأما القدر الثالث: وهو إطالة السجود بما يزيد على القدر الذي تتحقق به الطمأنينة، فهذا لا يدل على وجوبه دليل. بل هو مستحبّ أخذاً من قاعدة الاستحباب في الفعل المجرّد الذي قصدت به القربة. والذي نستنتجه من ذلك أنه ينبغي أن ينظر لطول الفعل وقصره نظرة

стр. 447

مستقلة عن أصل الفعل، على أساس قاعدة الفعل المجرّد، فإن علم أنه ﷺ قصد في الفعل قدراً معيناً على سبيل الوجوب أو الاستحباب أو الإباحة فالحكم في حقنا كذلك، وإن لم يعلم ذلك فالاستحباب إن ظهر قصد القربة، وإلاّ فالإباحة. ومن هنا ينشأ القول باستحباب التخفيف في ركعتي الفجر، وفي صلاة الفرائض جماعة، وخاصة عند ظهور حاجة بعض المصلين إلى ذلك، كأن يبكي طفل وأمه مع المصلين. واستحباب تقصير الخطبة وإطالة الصلاة يوم الجمعة، واستحباب الإطالة في صلاة الليل، مع تخفيف الركعتين الأوليين منها. إلى غير ذلك مما ورد ذكره في السنة من مقاديرها. وكذلك استحباب القدر الذي وقفه النبي ﷺ بعرفة. والله أعلم.

стр. 448

المطلب الثاني الكثرة والقلة في مرات وجود الفعل ويدخل في هذه المسألة أن يفعل النبي ﷺ الفعل دائماً، أو مرات كثيرة، أو قليلة. فقد قال ابن أمير الحاج: "لا يخل بالتأسّي أن يكون فعل الغير متكرراً أو لا" (١). والصواب أن في المسألة تفصيلاً. فإن علم للفعل سبب ارتبط به، فكثر الفعل أو قلّ تبعاً لكثرة وجود السبب أو قلته، فالأمر واضح أن الاقتداء به يكون بفعله عند ورود السبب. كإرساله ﷺ السّعاة على الزكاة كل عام، وإقامته الجمعات والأعياد ونحوها، وصيام رمضان، ورجم الزاني، وقطع السارق. وأما ما سوى ذلك فهو على قسمين: القسم الأول: أن يعمل به ﷺ دائماً أو كثيراً (٢). فيقتضى ذلك في حقنا الإكثار من ذلك الفعل، وخاصة إن كان أصل الفعل امتثالاً للأوامر الإلهية، كالإكثار من نوافل الصلاة، والصوم، والصدقات، والإكثار من الجهاد. فهذا النوع محل للاقتداء، يستحب الإكثار من الفعل كما أكثر النبي ﷺ منه.

стр. 449

القسم الثاني: أن يقع العمل به قليلاً. وهو نوعان: النوع الأول: ما علم سبب قلته. فيعلم حكمه بذلك، وله أمثلة: المثال الأول: صلاته قيام رمضان بالمسجد، فإنه فعلها، ثم تركها خشية أن تفرض فدلّ ذلك على مشروعية فعلها بالمسجد لزوال السبب، ولا بأس بالإكثار منها فيه، بل السنة المحافظة عليها في المساجد بدليل فعل الصحابة والتابعين. المثال الثاني: صلاة الضحى، قالت عائشة: "ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي سبحة الضحى، وإني لأسبّحها، وإن كان ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم". فقد تبيّن سبب القلة. فلا مانع بالنسبة إلينا من الإكثار منها بل والدّوام عليها (١). وقد كانت عائشة تداوم عليها وتقول: "لو نشِر لي أبواي ما تركتها" (٢). الئوع الثاني: أن لا يعلم للقلة سبب. فالذي يقتضيه التأسّي والاقتداء عدم الإكثار منه، بل تقليله بحسب ذلك. ولهذا النوع أمثلة. المثال الأول: قيامه ﷺ لزيد بن حارثة (٣)، فلم يكن ﷺ يقوم لكل قادم، بل لم ينقل عنه إلاّ هذه المرة، وأمرهم بالقيام لسعد بن معاذ (٤)، فلا يصح اتخاذ القيام -بناء على ذلك- سنة. المثال الثاني: تقبيل بعض الناس يده ﷺ ، قد وقع ذلك مرات معدودة إن صحت الروايات بذلك (٥)، ولم يكن ذلك دأب الصحابة معه ﷺ . فلا ينبغي أن

стр. 450

يتخذ ذلك سنة. بل الأكثر من فعلهم معه ﷺ هو السنة وهو المصافحة. فإن حصل التقبيل على سبيل الندرة والقلة تكريماً للدين وأهله جاز إن صحت الرواية، ما لم يدلّ على خصوصيته بذلك ﷺ . المثال الثالث: سجود الشكر، ورد عن النبي ﷺ فعله على قلة. مع كثرة ما فتح الله عليه من الفتوح. كرهه مالك وأبو حنيفة، واستحبه الشافعي وأحمد (١). المثال الرابع: العمرة. فإن النبي ﷺ اعتمر بعد الهجرة أربع عمر، عمرة الحديبية سنة ست، والقضية سنة سبع، والجعرانة سنة ثمان، وعمرة مع حجة الوداع سنة عشر. فلم يزد عن عمرة واحدة في السفرة، أو عمرة في سنة. وقد اختلف الفقهاء في ذلك. فقال مالك: يكره أن يعتمر في السنة مرتين (٢). ومثله قول النخعي. وقال أحمد والشافعي: لا بأس بذلك. احتجاجاً بقصة عائشة فقد اعتمرت في شهر مرتين. وأما الموالاة بين العمر والإكثار منها فقد قال ابن قدامة: "أقوال السلف وأحوالهم تدل على أنه لا يستحب ذلك. ولأن النبي ﷺ وأصحابه لم ينقل عنهم الموالاة بينها ... ولو كان في هذا فضل ما اتفقوا على تركه" (٣). المثال الخامس: صلاة التطوّع جماعة. فعله النبي ﷺ في قيام رمضان كما تقدم، فكان سنّة، وأما ما سوى ذلك فقد صلّى نفلاً جماعة بأنس وأمه، وصلّى بابن أم مكتوم. وصلّى بابن عباس. غير أنه يعلم أن الأكثر من فعله أن يصليها منفرداً. فكانت تلك هي السنة. وقال الشاطبي: "هو الذي أخذ به مالك أنه يجيز الجماعة في النافلة في الرجلين والثلاثة، ولا يكون ذلك مظنة اشتهار، وما عدا هذا فإنه يكرهه" (٤).

стр. 451

وبيّن ابن تيمية ما يبنيه على ذلك، فقال: "من الناس من يجعل هذا في ما يحدث من صلاة الألفية ليلة النصف من شعبان، والرغائب، ونحوها، يداومون فيه على الجماعات. ومن الناس من يكره التطوع جماعة. ومعلوم أن الصواب فيما جاءت به السنة. فلا يكره أن يتطّوع في جماعة، كما فعل النبي ﷺ . ولا يجعل ذلك سنة راتبة، كمن يقيم للمسجد إماماً راتباً يصلي بالناس بين العشاءين، أو في جوف الليل، كما يصلي بهم الصلوات الخمس" (١). المطلب الثالث دلالة الفعل النبوي على الحد الأعلى أو الحد الأدنى في التقديرات الشرعية من ذلك أنه ﷺ لم يكن يزيد في الوضوء على ثلاث غسلات، وفي صلاة الليل عن إحدى عشرة ركعة، وجَلَد في الخمر نحو أربعين (٢)، وأقام بمكة تسعة عشر يوماً يقصر، فهل ذلك حد أعلى لا يجوز الزيادة عليه؟. وكذلك قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم، فهل يمتنع القطع في ما دونه؟. فأما الوضوء: فقد قال البخاري: كره أهل العلم الإسراف فيه وأن يجاوزوا فعل النبي ﷺ (٣). وقال الشافعي لا أحب الزيادة على الثلاث، فإن زاد لم أكرهه، أي لم أحرمه. قال ابن حجر: وهذا هو الأصح عند الشافعية. وعند بعض الحنفية: إن اعتقد أن الزيادة سنة أخطأ، وإلاّ فلا لوم (٤). وقال أحمد: لا يزيد على الثلاث إلاّ رجل مبتلى (٥).

стр. 452

ويرى المالكية أن الوضوء يجب فيه الإسباغ، ولا تحديد فيه من حيث عدد الغسلات في حدود الثلاث، ويكره أن يزيد عليها (١). وأما قيام الليل: فقد كره بعض المحدّثين الزيادة على إحدى عشرة ركعة، ولم يكرهه أحد من أئمة المذاهب الأربعة. وأما الجلد في الخمر: فقد زاد عمر الحد إلى ثمانين، بإشارة علي ﵄. قال الشافعي: الحد أربعون، استدلالاً بالفعل النبويّ ويجوز عندي الزيادة على سبيل التعزير إلى ثمانين. وقال مالك وأبو حنيفة: الحدّ ثمانون، لإجماع الصحابة. وعن أحمد روايتان كالمذهبين (٢). وأما القصر: فقد قال ابن عباس: أقام النبي ﷺ تسعة عشر يوماً يقصر، فنحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا، وإن زدنا أتممنا (٣). وقال ابن حجر: وروي في هذا الحديث: "خمسة عشر". فرأى الحنفية أن المسافر إذا أتى بلداً فعزم على الإقامة فيه خمسة عشر يوماً فإنه يتم الصلاة، فإن نوى أقلّ من ذلك قصر. وقال الحنابلة: من نوى أكثر من أربعة يقصر. واحتجوا بإقامته ﷺ بمكة عام حجة الوداع أربعاً، يقصر فيهن (٤)، ونقل نحوه عن الشافعي (٥). وأما القطع في السرقة: فإن النبي ﷺ قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم.

стр. 453

قال ابن دقيق العيد: "جمهور الفقهاء على اعتبار النصاب، وشذ الظاهرية فلم يعتبروه، ولم يفرقوا بين القليل والكثير (١). ونقل في ذلك وجه في مذهب الشافعي" (٢). ثم النصاب ربع دينار أو ثلاثة دراهم. وعند الحنفية عشرة دراهم لأحاديث رويت في ذلك. ونقل ابن حجر في مقدار النصاب ما يقرب من عشرين قولًا (٣). القاعدة في استفادة الحدّ في التقديرات من الفعل النبوي: إنه متى كان الأصل المنع، فجاء الفعل دالاًّ على الجواز، فإنه يدل على الجواز في نفس المقدار الوارد ذكره بطريق المطابقة، وفي ما ساواه بالقياس بنفي الفارق، ويدل على ما سوى ذلك بطريق الفحوى، أعني في ما هو أولى، ويبقى ما سوى ذلك على المنع. وأما إن كان الأصل الجواز، فإن الفعل لا يدل على تحديد أصلاً. وإيضاح هذه القاعدة في الأمثلة المتقدمة كما يلي: ففي مسألة الوضوء رأوا أن الإسراف ممنوع، وبنوا على ذلك الكراهة، في ما زاد عن ثلاث غسلات. بناء على أنه إسراف، كما ذكره البخاري، والإسراف ممنوع. ومن لم ينظر إلى الإسراف أجاز الزيادة على ثلاث. وفي مسألة قيام الليل: ليس الأصل المنع بل -كما في الحديث-: "الصلاة خير موضوع فمن استطاع أن يستكثر فليستكثر" (٤). فلا كراهة في الزيادة على إحدى عشرة. ومن كرهه فقوله مردود.

стр. 454

وفي مسألة زيادة الصحابة في حد الخمر على أربعين: الأصل المنع، فالأصح اعتبار ما زاد تعزيراً، كما قال الشافعي، ووجهه أن بعض الناس تحاقروا العقوبة. وأما في مسألة القصر: فإنه وإن كان مشروعية القصر هي الأصل في صلاة المسافر لنصّ الآية، إلاّ أن ذلك منوط في الآية بالسفر، وذلك يقتضي جواز القصر ما دام حكم السفر قائماً. لكن من أجمع إقامة ببلد غير بلده، أياماً كثيرة أو قليلة، اشتبه أن يكون في حكم المسافر، أو حكم المقيم. والمغلب في ما زاد على الفعل جانب الإقامة لأن القصر على خلاف الأصل. أما الشوكاني فإنه يقول في تحقيق أمر هذه المسألة: "الحق أن الأصل في المقيم الإتمام، لأن القصر لم يشرعه الشارع إلا للمسافر، والمقيم غير مسافر، فلولا ما ثبت عنه ﷺ من قصره بمكة وتبوك مع الإقامة، لكان -يعني الإتمام- هو المتعيّن، فلا ينتقل عن ذلك الأصل إلاّ بدليل .. ولا شك أن قصره في تلك المدة، لا ينفي -يعني من حيث هو دليل فعلي- القصر في ما زاد عليها، ولكن ملاحظة الأصل المذكور هي القاضية بذلك" (١). اهـ. هذا ما قاله الشوكاني، وهو استدلال بالقاعدة التي ذكرنا، ولكن فيه نظر، لإخراجه من أقام في أثناء سفره، اليوم واليومين، عن مسمّى المسافر. وذلك معاندة للغة. وأيضاً يلزم من قوله إجازة القصر لمن هو غير مسافر، وذلك خلاف ما دلّ عليه القرآن. بل الصواب ما قلنا من أن من أقام بغير بلده فهو من جهة مسافر، ومن جهة مقيم، ويغلب جانب السفر في القليل، وجانب الإقامة في الكثير. ولمّا كان الكثير لا حدّ له لمبدئه، حدوا القليل وحده بالفعل لأنه متيقن، فأخذ ابن عباس بروايته (تسعة عشر يوماً) وأخذ الحنفية برواية (خمسة عشر يوماً) وأخذ الشافعية والحنابلة بصلاته ﷺ بمكة قبل الخروج إلى الحج أربعة أيام. وأما القطع في السرقة، فإن الأصل القطع في القليل والكثيرة، للآية، ولو لم يرد إلا الدليل الفعلي لكان قول أهل الظاهر هو الظاهر. قال ابن دقيق: "الاستدلال

стр. 455

بهذا الحديث -يعني أنه ﷺ قطع في مجن ثمنه ثلائة دراهم- على اعتبار النصاب، ضعيف، فإنه حكاية فعل. ولا يلزم من القطع في هذا المقدار فعلاً عدم القطع في ما دونه" (١). بل الذي دلّ على اعتبار النصاب أحاديث قولية، من مثل ما رفعت عائشة: "تقطع اليد في ربع دينار فصاعداً" (٢). وبهذا يظهر الحكم في ما شابه هذه الأمثلة. والله أعلم.

стр. 456

الفصل التاسع مباحث متنوعة تتعلق بالأفعال ١ - الطريق العملي لاستفادة الحكم من الفعل. ٢ - الاعتراضات التي تورد على الاستدلال بالأفعال. ٣ - نقل الأفعال النبوية. ٤ - نية التأسّي.

стр. 457

مباحث متنوّعة تتعلّق بالأفعال الصريحة المبحث الأول الطريق العملي لاستفادة الحكم من الفعل تعرّض الغزالي لهذه المسألة في المستصفى (١)، فرأى أن المجتهد إذا نقل إليه فعل النبي ﷺ فلا يجب عليه البحث إلاّ عن أمر واحد، هو أنه: "هل ورد الفعل بياناً لخطاب عام، أو تنفيذاً لحكم لازم عام، فيجب علينا اتباعه، أو ليس كذلك فيكون قاصراً عليه ﷺ . أما إن لم يقم دليل على كونه كذلك، فالبحث عن كونه ندباً في حقه ﷺ أو واجباً، أو مباحاً، أو محظوراً، لا يجب، بل هو زيادة درجة وفضل في العلم يستحب للعالم أن يعرفه". وهذا القول من الغزالي ﵀ مبنيّ على مذهبه في الفعل المجرّد، أنه لا يدلّ على شيء في حقنا، إذ إن مذهبه التوقف في الفعل المجرّد كما تقدم. وهو لازم لمن قال بذلك القول كالباقلاني والرازي، وغيرهم. وهو أيضاً لازم لكل من منع التأسيّ به ﷺ في أفعاله المجردة من أصحاب قول التحريم، وقول الإباحة على الوجه الذي ذكرناه في موضعه. وأما أبو شامة فلما كان مذهبه أن الفعل المجرّد يدلّ على الندب، بقطع النظر عن صفة صدوره عن النبي ﷺ ، فإنه نقَل قول الغزالي المتقدم، ثم قال: "على ما اخترناه يبحث (المجتهد) بعدما تحقق أن الفعل ليس ببيان، عن أن فيه قربة أو لا، فإن كان فيه قربة قضى بأنه مندوب للأمة، وإلاّ فهو مباح". يعني على التفصيل الذي ذكره في المباح، من أنه يستحب لنا من وجه.

стр. 458

وهذا القول من أبي شامة مبني أيضاً على مذهبه في أن الفعل المجرّد يدل على الاستحباب في حقنا حتى لو كان قد فعله النبي ﷺ على سبيل الوجوب. أما على القول الذي صار إليه الجمهور في الفعل المجرّد، وهو الذي اخترناه فإن الأمر يختلف. ونحن نفصل القول في ذلك، فنقول وبالله التوفيق، إن المجتهد يسير في استفادة الحكم من الفعل النبوي، الخطوات التالية بالترتيب: الخطوة الأولى: أن ينظر: هل الفعل من جملة الأفعال الجبلية ونحوها. فإن كان كذلك، فلا يستفاد في حقنا منه أكثر من الإباحة. وإلاّ: فالخطوة الثانية: أن يبحث هل هناك ما يمنع تعدية حكم الفعل إلى الأمة، كأن يوجد ما يدلّ على كون الفعل خاصاً به ﷺ فإن وجد ذلك وقف عنده. وإلاّ: فالخطوة الثالثة: هل ورد ما يدل على كون الفعل بياناً لخطاب عام، أو تنفيذاً وامتثالاً لحكم عام، فيعلم بذلك. وهو ما ذكره الغزالي. وإلا: فالخطوة الرابعة: أن يعتقد أن الفعل المجرّد، فليبحث هل ورد ما يدل على حكم الفعل في حقه ﷺ ، من وجوب أو ندب أو إباحة، فيكون الحكم في حقنا مساوياً للحكم في حقه ﷺ بناء على قول المساواة، وهو قول الجمهور. وسواء أكان الفعل في العبادات أو غيرها من الآداب والمعاملات والعقوبات وغير ذلك. وقد تقدم بيان طرق معرفة الحكم في حقه ﷺ . فإن لم يكن الفعل معلوم الحكم: فالخطوة الخامسة: أن يعتقد أن الفعل من المجهول الصفة، فلينظر هل هو مما يظهر فيه قصد القربة. فإن كان كذلك حمله على الاستحباب في حقه ﷺ ، وبالتالي يدل على الاستحباب في حقنا بناء على قاعدة المساواة. والخطوة السادسة: إن لم يظهر للمجتهد أن النبي ﷺ قصد القربة، فليحمل الفعل على الإباحة في حقه ﷺ ، فيدل على الإباحة في حقنا أيضاً.

стр. 459

والخطوة السابعة: إن تبيّن الحكم في حق الأمة، فلينظر المجتهد، هل وقع الفعل لسبب معيّن، فإن وجد ما يدلّ على ذلك، وكان السبب باقياً، علم ارتباطه بالسبب في حقنا أيضاً. وإن كان السبب زائلاً فلا. وإن جهل السبب فالتأسّي مستحب. الخطوة الثامنة: لينظر المجتهد بعد ذلك بأي وصف أوقع النبي ﷺ ذلك الفعل، أمن جهة الإمامة العامة، أم من جهة إمامة الصلاة، أم من جهة القضاء. أم غير ذلك من الجهات التي تقدم ذكرها. فبهذا يعلم المجتهد من يلزمه حكم الفعل، من سائر المسلمين. فإن لم تتعيّن جهة ما، فالأصل العموم. فهذا مسلك بيِّن يتبعه المجتهد في إستفادة الحكم من الفعل النبويّ. وهناك زوايا ومنعطفات أخرى في هذا الطريق، تعلم مما تقدم بيانه. والله الموفق.

стр. 460

المبحث الثاني الاعتراضات التي تورد على الاحتجاج بالأفعال عقد ابن عقيل الحنبلي (١) في ذلك فصلاً ممتعاً. فذكر فيه ثمانية اعتراضات تتوجه على الاستدلال بالفعل. ونحن نذكرها بإيجاز ملخصة من كلامه مع مزيد توضيح: الاعتراض الأول: أن يبيّن أن المستدلّ لا يقول به. ومثاله أن يستدل الحنفي في قتل المسلم بالكافر بأن النبي ﷺ قتل مسلماً بكافر وقال: "أنا أحق من وفى بذمته" (٢). فيقول الشافعي أو الحنبلي: هذا لا تقول به، فإن الذي قتله به كان رسولاً. ولا يقتل مسلم بالرسول عند أبي حنيفة. قال ابن عقيل: وقد تكلّف بعض أصحاب أبي حنيفة الجواب عن ذلك، فقال: لما قتل المسلم بالرسول كان ذلك دالاً على قتل المسلم بالذميّ من طريق الأولى، فنسخ قتل المسلم بالرسول، وبقي الذميّ على مقتضاه الأول. الاعتراض الثاني: المنازعة في مقتضى الفعل. ومثاله أن يستدل الشافعي أو الحنبلي على وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود بفعله ﷺ . فيقول المخالف: فعله لا يقتضي الوجوب. والجواب عنه من ثلاثة أوجه: الأول: أن يقول: فعله عندي يقتضي الوجوب، وإن لم تسلم دللت عليه. الثاني: أن يقول: هذا بيان لمجمل واجب في القرآن، فيدل على كونه واجباً.
следующие страницы →