← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 31471

أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم ودلالتها على الأحكام الشرعية

محمد سليمان الأشقر

Полный текст (761 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

الفصل التاسع مباحث متنوعة تتعلق بالأفعال ١ - الطريق العملي لاستفادة الحكم من الفعل. ٢ - الاعتراضات التي تورد على الاستدلال بالأفعال. ٣ - نقل الأفعال النبوية. ٤ - نية التأسّي.

стр. 457

مباحث متنوّعة تتعلّق بالأفعال الصريحة المبحث الأول الطريق العملي لاستفادة الحكم من الفعل تعرّض الغزالي لهذه المسألة في المستصفى (١)، فرأى أن المجتهد إذا نقل إليه فعل النبي ﷺ فلا يجب عليه البحث إلاّ عن أمر واحد، هو أنه: "هل ورد الفعل بياناً لخطاب عام، أو تنفيذاً لحكم لازم عام، فيجب علينا اتباعه، أو ليس كذلك فيكون قاصراً عليه ﷺ . أما إن لم يقم دليل على كونه كذلك، فالبحث عن كونه ندباً في حقه ﷺ أو واجباً، أو مباحاً، أو محظوراً، لا يجب، بل هو زيادة درجة وفضل في العلم يستحب للعالم أن يعرفه". وهذا القول من الغزالي ﵀ مبنيّ على مذهبه في الفعل المجرّد، أنه لا يدلّ على شيء في حقنا، إذ إن مذهبه التوقف في الفعل المجرّد كما تقدم. وهو لازم لمن قال بذلك القول كالباقلاني والرازي، وغيرهم. وهو أيضاً لازم لكل من منع التأسيّ به ﷺ في أفعاله المجردة من أصحاب قول التحريم، وقول الإباحة على الوجه الذي ذكرناه في موضعه. وأما أبو شامة فلما كان مذهبه أن الفعل المجرّد يدلّ على الندب، بقطع النظر عن صفة صدوره عن النبي ﷺ ، فإنه نقَل قول الغزالي المتقدم، ثم قال: "على ما اخترناه يبحث (المجتهد) بعدما تحقق أن الفعل ليس ببيان، عن أن فيه قربة أو لا، فإن كان فيه قربة قضى بأنه مندوب للأمة، وإلاّ فهو مباح". يعني على التفصيل الذي ذكره في المباح، من أنه يستحب لنا من وجه.

стр. 458

وهذا القول من أبي شامة مبني أيضاً على مذهبه في أن الفعل المجرّد يدل على الاستحباب في حقنا حتى لو كان قد فعله النبي ﷺ على سبيل الوجوب. أما على القول الذي صار إليه الجمهور في الفعل المجرّد، وهو الذي اخترناه فإن الأمر يختلف. ونحن نفصل القول في ذلك، فنقول وبالله التوفيق، إن المجتهد يسير في استفادة الحكم من الفعل النبوي، الخطوات التالية بالترتيب: الخطوة الأولى: أن ينظر: هل الفعل من جملة الأفعال الجبلية ونحوها. فإن كان كذلك، فلا يستفاد في حقنا منه أكثر من الإباحة. وإلاّ: فالخطوة الثانية: أن يبحث هل هناك ما يمنع تعدية حكم الفعل إلى الأمة، كأن يوجد ما يدلّ على كون الفعل خاصاً به ﷺ فإن وجد ذلك وقف عنده. وإلاّ: فالخطوة الثالثة: هل ورد ما يدل على كون الفعل بياناً لخطاب عام، أو تنفيذاً وامتثالاً لحكم عام، فيعلم بذلك. وهو ما ذكره الغزالي. وإلا: فالخطوة الرابعة: أن يعتقد أن الفعل المجرّد، فليبحث هل ورد ما يدل على حكم الفعل في حقه ﷺ ، من وجوب أو ندب أو إباحة، فيكون الحكم في حقنا مساوياً للحكم في حقه ﷺ بناء على قول المساواة، وهو قول الجمهور. وسواء أكان الفعل في العبادات أو غيرها من الآداب والمعاملات والعقوبات وغير ذلك. وقد تقدم بيان طرق معرفة الحكم في حقه ﷺ . فإن لم يكن الفعل معلوم الحكم: فالخطوة الخامسة: أن يعتقد أن الفعل من المجهول الصفة، فلينظر هل هو مما يظهر فيه قصد القربة. فإن كان كذلك حمله على الاستحباب في حقه ﷺ ، وبالتالي يدل على الاستحباب في حقنا بناء على قاعدة المساواة. والخطوة السادسة: إن لم يظهر للمجتهد أن النبي ﷺ قصد القربة، فليحمل الفعل على الإباحة في حقه ﷺ ، فيدل على الإباحة في حقنا أيضاً.

стр. 459

والخطوة السابعة: إن تبيّن الحكم في حق الأمة، فلينظر المجتهد، هل وقع الفعل لسبب معيّن، فإن وجد ما يدلّ على ذلك، وكان السبب باقياً، علم ارتباطه بالسبب في حقنا أيضاً. وإن كان السبب زائلاً فلا. وإن جهل السبب فالتأسّي مستحب. الخطوة الثامنة: لينظر المجتهد بعد ذلك بأي وصف أوقع النبي ﷺ ذلك الفعل، أمن جهة الإمامة العامة، أم من جهة إمامة الصلاة، أم من جهة القضاء. أم غير ذلك من الجهات التي تقدم ذكرها. فبهذا يعلم المجتهد من يلزمه حكم الفعل، من سائر المسلمين. فإن لم تتعيّن جهة ما، فالأصل العموم. فهذا مسلك بيِّن يتبعه المجتهد في إستفادة الحكم من الفعل النبويّ. وهناك زوايا ومنعطفات أخرى في هذا الطريق، تعلم مما تقدم بيانه. والله الموفق.

стр. 460

المبحث الثاني الاعتراضات التي تورد على الاحتجاج بالأفعال عقد ابن عقيل الحنبلي (١) في ذلك فصلاً ممتعاً. فذكر فيه ثمانية اعتراضات تتوجه على الاستدلال بالفعل. ونحن نذكرها بإيجاز ملخصة من كلامه مع مزيد توضيح: الاعتراض الأول: أن يبيّن أن المستدلّ لا يقول به. ومثاله أن يستدل الحنفي في قتل المسلم بالكافر بأن النبي ﷺ قتل مسلماً بكافر وقال: "أنا أحق من وفى بذمته" (٢). فيقول الشافعي أو الحنبلي: هذا لا تقول به، فإن الذي قتله به كان رسولاً. ولا يقتل مسلم بالرسول عند أبي حنيفة. قال ابن عقيل: وقد تكلّف بعض أصحاب أبي حنيفة الجواب عن ذلك، فقال: لما قتل المسلم بالرسول كان ذلك دالاً على قتل المسلم بالذميّ من طريق الأولى، فنسخ قتل المسلم بالرسول، وبقي الذميّ على مقتضاه الأول. الاعتراض الثاني: المنازعة في مقتضى الفعل. ومثاله أن يستدل الشافعي أو الحنبلي على وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود بفعله ﷺ . فيقول المخالف: فعله لا يقتضي الوجوب. والجواب عنه من ثلاثة أوجه: الأول: أن يقول: فعله عندي يقتضي الوجوب، وإن لم تسلم دللت عليه. الثاني: أن يقول: هذا بيان لمجمل واجب في القرآن، فيدل على كونه واجباً.

стр. 461

الثالث: أن يقول: قد اقترن به ما يدل على وجوبه، وهو قوله ﷺ :"صلوا كما رأيتموني أصلي". أقول: في الوجه الأول والوجه الثالث نظر عندنا بالنسبة إلى هذا المثال خاصة يعلم مما تقدم. ويمكن أن يجاب عن هذا الاعتراض أيضاً بأن يقال: هذا الفعل صدر من النبي ﷺ واجباً، وحكمنا فيه كحكمه. الاعتراض الثالث: دعوى الإجمال في الفعل. ومثاله أن يستدل الشافعي على طهارة المني بأن عائشة ﵂ قالت: "كنت أفركه من ثوب رسول الله ﷺ وهو يصلي". فلو كان نجساً لقطع الصلاة. فيقول المعترض: هذا مجمل، لأنه في قضية عين فيحتمل أنه كان كثيراً أو قليلاً، فربما كان ما فركته عائشة قليلاً، وقليل النجاسات معفو عنه. والجواب عنه يكون بأن يبيّن المستدل أن الفعل متعيّن في الوجه الذي وقع به الاستدلال. ففي المثال المتقدم يبين بالدليل أن المني كان كثيراً، لأن عائشة احتجت بهذا الخبر على طهارته، فلا يجوز أن تحتج بما يعفى عنه مع نجاسته. ولأنها أخبرت عن دوام الفعل وتكرره، ويبعد أن يستوى حاله في القلة مع تكرره. الاعتراض الرابع: المشاركة في الدليل. ومثاله أن يستدل الحنفي في جواز ترك قسمة الأراضي المغنومة بأن النبي ﷺ ترك قسمة بعض أراضي خيبر. فيقول الشافعي والحنبلي: هذا حجة على قسمته، لأنه قسم بعضه، وفعله هذا امتثال للآية، وذلك يقتضي الوجوب. وأما تركه لما تركه فربما كان لنوائبه ومهمات الإسلام. الاعتراض الخامس: اختلاف الرواية. وذلك مثل أن يستدل الحنفي على جواز نكاح المُحْرِم بما ورد أن النبي ﷺ تزوّج ميمونة وهو محرم. فيقول الشافعي أو الحنبلي: روي أنه تزوجها وهما حلالان.

стр. 462

والجواب عنه من وجهين: أحدهما أن يجمع بين الروايتين إن إمكنه. والثاني: أن يرجّح روايته على رواية المخالف. الاعتراض السادس: دعوى النسخ. مثل أن يستدل الحنفي على أن سجود السهو بعد السلام، بما روي (١) أن النبي ﷺ ، سجد بعد السلام. فيقول الشافعي: هذا منسوخ بما روى الزهري، قال: آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ، السجود قبل السلام (٢). وجوابه بالجمع بين الأمرين إذا أمكن، فإن الجمع مقدم على النسخ. الاعتراض السابع: التأويل. مثل أن يستدل الحنفيّ بأن النبي ﷺ ، تزوّج ميمونة وهو محرم، فيتأوله الشافعي والحنبلي بأن المراد بالإحرام هنا أنه في الحرم أو في الشهر الحرام لا إحرام الحج والعمرة، فإن الصيغة قابلة لذلك، ومنه قولهم: أتْهم، وأنجد، وأصبح، لمن دخل في تهامة، أو نجد، أو الصبح. وقد قال الشاعر في قتل عثمان ﵁ بالمدينة: قتلوا ابن عفانَ الخليفةَ مُحرِماً ... ودعا، فلم أرَ مثله مخذولاً والجواب أن يتكلم الحنفي على دليل التأويل بما يسقطه، فيسلم له الظاهر. الاعتراض الثامن: المعارضة: ومثاله أن يستدل الشافعي في رفع اليدين برواية أبي حميد الساعدي (٣) أن النبي ﷺ رفع يديه حذو منكبيه. فيعارضه الحنفيّ بما روى وائل بن حجر أن النبي ﷺ ، رفع يديه حيال أذنيه (٤). وجوابه بأن يرجح دليله على دليل المعترض، بما يعلم في باب الترجيح من أصول الفقه. أو يتكلم على رواية المعترض بوجه من الوجوه السابق ذكرها في هذا المبحث.

стр. 463

المبحث الثالث نقل الأفعال النبويّة المطلب الأول طرق النقل ١ - الأغلب أن أفعال النبي ﷺ تثبت لدى الأمة بنقل صحابته ﵃. فينقلون أفعاله كما ينقلون أقواله. وسنعود إلى هذه الطرق بشيء من التفصيل. وقد تثبت بطرق أخرى. ٢ - منها: النقل القرآني. كقول الله تبارك اسمه: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ... ﴾ الآية (١)، وقوله: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ (٢)، وقوله: ﴿يا أيها النبي لم تحرّم ما أحلَّ الله لك﴾ (٣)، وقوله: ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضّوا إليها وتركوك قائماً﴾ (٤). ٣ - ومنها: إخباره ﷺ عن فعل نفسه، كقوله: "إني لا أخيس بالعهد ولا أحبس البُرُد". وكإخباره بما وقع منه ليلة الإسراء. ٤ - ومنها ما ذكره الزركشي (٥)، أن ينعقد الإجماع على أن إحدى صورتي الفعل أفضل من الأخرى. فنقول: هذه الصورة أفضل بالإجماع، والنبي ﷺ لا

стр. 464

يواظب على ترك الأفضل، فيلزم أنه واظب على الأفضل. ومثاله: الوضوء المرتّب المنويّ، هو بالإجماع أفضل من الوضوء المنكوس، أو غير المنويّ. ورسول الله ﷺ ، لا يواظب على ترك الأفضل، فيلزم أنه فعل الوضوء مرتباً منوياً. أقول: للمخالف أن يقول إن التقسيم غير حاصر، فهناك حال سوى المواظبة على الفعل والمواظبة على الترك، هي أن يفعل دون مواظبة ويترك دون مواظبة. وهي الأكثر في الأفعال المندوبة، كتثليث الوضوء. فهذا الدليل لا ينتج أكثر من أن النبي ﷺ ، كان يغلب في عمله الأخذ بالأفضل. وقد استخدم ابن قدامة هذا الدليل لإثبات أن وقت العيد بعد ارتفاع الشمس قيد رمح، لا عند طلوع الشمس. قال: "لأن النبي ﷺ ومن بعده لم يصلوا حتى ارتفعت الشمس. بدليل الإجماع على أن الأفضل فعلها في ذلك الوقت. ولم يكن للنبي ﷺ يفعل إلاّ الأفضل والأولى" (١). ونحن نرى أن قوله: "لمَ يكن يفعل إلاّ الأفضل" ممنوع. إذ قد كان يفعل ما هو أقل فضلاً، أحياناً، توسعة وتيسيراً على أمته. والله أعلم. ٥ - ومنها ما ذكره الزركشي أيضاً، وهو أن يقال في المثال السابق: لو ترك ﷺ النية والترتيب في الوضوء لوجب علينا تركه، بدليل الاقتداء به، لأن المتابعة كما تكون في الأفعال، كذلك تكون في التروك. ولما لم يجب علينا تركه يثبت أنه ما تركه بل فعله. وهذا الدليل مبني على مقدمة هي وجوب المساواة في الترك. ويأتي بحثها في فصل التروك من الباب الثاني إن شاء الله. وليست مطردة في كل التروك، بل في

стр. 465

بعضها كما أن الأفعال كذلك. وليس هذا المثال مما يجب فيه الترك. لأنه قد ينوي ويرتب أحياناً ويترك ذلك أحياناً أخرى. ولأنه لم يأتنا دليل على أنه ﷺ تركه على سبيل الوجوب. المطلب الثاني إدراك الصحابي للفعل المنقول أما الأقوال فإن الصحابي يدركها بحاسة السمع، ويسمع ألفاظاً محددة، فيتمكن من نقلها كما سمعها، وقد يرويها بالمعنى. وأما الأفعال فإن إدراكها يتم في الأغلب بحاسّة البصر. وقد يتمّ بغيرها كعلمهم باستعماله ﷺ ، للطيب والعطور. وما يدركه الصحابي من ذلك بحاسة البصر قد يكون إدراكاً مباشراً، وهو الأغلب وقد يكون إدراكاً غير مباشر، ولعل من ذلك ما روى عبد الله بن عمر أنه رأى النبي ﷺ يصبغ بالصفرة (١)، وقال أنس: لم يخضب (٢). قال ابن حجر: "فيحتمل أن يكون الذين أثبتوا الخضاب شاهدوا الشعر الأبيض، ثم لما واراه الدهن ظنّوا أنه خضبه". وهكذا، فإن النقل للفعل يكون أتمّ وأصحّ إن كان الصحابيّ (رآه وهو يفعل) لا أن يكون (رأى ما يستدل به على أنه فعل) وقول ابن عمر: "رأيته ﷺ يصبغ بالصفرة" لا يعني أنه رآه أثناء مباشرة عملية الصبغ، بل يحتمل أنه رأى الصفرة فظنها صبغاً، كما قال ابن حجر. وبعض الأفعال ليس مما يدرك بحاسّة أصلاً، وإنما تدرك آثاره. فلا بدّ أن يلاحظ الناقل لها تلك الآثار، ويلاحظ تكررها، وعدم صدور مخالف لها في الدلالة، ليتمكّن من إثبات الفعل، وذلك كقول عائشة ﵂: "كان يحب

стр. 466

التيامن ما استطاع في طهوره وتنعّله وفي شأنه كله". فإن المحبّة والكراهية ونحوهما ليست مما يرى. كما أن بعض الأفعال لا تقع دفعة واحدة، وإنما يقع من الفعل أجزاء مختلفة في أزمان متفاوتة، فيجمع الصحابي بعض تلك الأجزاء إلى بعض، ليكوّن منها صورة متكاملة للواقعة أو العادة. وقد يكون ذلك التجميع على قدر كبير من المطابقة للواقع، ولكن قد يفوت الراوي بعض التفصيلات التي تكمل الصورة، ويكون لذلك أثر في الأحكام المستفادة. فمن ذلك الجمع قول أنس: "كان إذا كان يوم عيد خالف الطريق" (١) فإن هذا، إن لم يكن أصله من قوله ﷺ ، يقتضي أن أنساً لاحظ طريق ذهابه ﷺ ، ثم طريق رجوعه، والمخالفة بينهما، ولاحظ ذلك في عيد ثانٍ وثالث، حتى استطاع أن يخبر عن هذه العادة من فعله ﷺ . ومثله قول أنس أيضاً: "كان إذا كان مقيماً اعتكف العشر الأواخر من رمضان. وإذا سافر اعتكف من العام المقبل عشرين". وقول ابن مسعود: "كان رسول الله ﷺ يتخوّلنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا". ومما تبيّن فيه خفاء بعض التفصيلات على الراوي قول أبيّ: "الصلاة في الثوب الواحد سنة، كنا نفعله مع النبي ﷺ ولا يعاب علينا". فقال ابن مسعود: "كان ذاك إذ كان في الثياب قلة، فأمّا إذ وسّع الله عليكم فالصلاة في الثوبين أزكى". فتحصّل أنه لا بدّ في مثل هذا الإدراك من أمور: الأول: ملاحظة الفعل. الثاني: ملاحظة تكرره.

стр. 467

الثالث: محاولة ربطه بسببه. الرابع: معرفة أن ذلك الارتباط مقصود. ومن هذا يتبيّن أن تحصيل هذا الإدراك بحاجة إلى نوع من الأسلوب العلمي للمعرفة. المطلب الثالث صور النقل إذا أدرك الصحابي فعل النبي ﷺ ، وحصلت لديه صورته، فإنه ينقله إلى غيره ممن لم يشهد ذلك الفعل. ونقْله حينئذٍ إما بفعل وإما بقول. هذا ومن المعلوم أن الأقوال تنقل بطريقتين: الأولى: نقل اللفظ باللفظ المساوي له، أي النقل الحرفي. وهو جائز بالإجماع بل هو الأصل. والثانية: نقل اللفظ بمعناه، بأن يبدل لفظاً مكان لفظ يساويه في الدلالة، أو يسقط من الألفاظ ما يراه غير ذي علاقة بالحكم. وبعض الأصوليين يمنع هذا النوع بالكلية، وبعضهم يجيزه من العارف بما يحيل المعنى على أن لا يبدل الخاص بعام، ولا المطلق بمقيد، ولا عكس ذلك. وبعضهم أجاز الرواية بالمعنى في أنواع من الأحاديث ومنع في أنواع أخرى (١). فمنزلة رواية الألفاظ حرفياً، أعلى من روايتها بالمعنى، اتفاقاً، وذلك لأن الرواية الحرفية تصل بها الألفاظ النبويّة بأعيانها إلى المجتهد، فلا تتحرّف معانيها تبعاً لفروق الألفاظ. وقد دعا النبي ﷺ ، إلى الرواية الحرفية بقوله: "نضّر الله امرأً

стр. 468

سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" (١). هذا وأما نقل الأفعال، فقد يظن لأول وهلة أنه لا يتصور فيه النقل (الحرفي)، ولكن يبدو لنا أن نقل الفعل بالفعل المشابه له في الصورة هو نظير لنقل اللفظ باللفظ. وأما نقل الفعل بالقول، فإنه نظير لنقل اللفظ بمعناه. بل هو من النقل بالمعنى بلا شك، إذ ليس هناك لفظ حتى ينقل بحروفه. ومن أجل ذلك يرد في نقله باللفظ كثير من مخاطر الرواية بالمعنى. وهو ما سنحاول أن نشير إلى بعضه في ما يأتي من هذا المبحث. وليس يلزم مما ذكرنا من التنظير، أن يكون نقل الفعل بالفعل أعلى من نقله بالقول، فإن من طبيعة النقل بالفعل أن يحصل فيه اشتباه يسقطه عن درجة رواية اللفظ باللفظ، بل عن رواية الفعل باللفظ. ولنعتبر ذلك بالواقع في التمثيليات المسرحية التاريخية، كيف يتولّد عند مشاهديها أوهام كثيرة في تصور الوقائع، ولولا مراجعتنا للتصوير اللفظي للواقعة في الوثائق التاريخية، لحصلت لدينا بالتمثيلية صورة تبعد قليلاً أو كثيراً عن حقيقة الواقعة. أولاً: نقل الفعل بالفعل: وذلك ما نقل إلينا عبد الله بن زيد وعثمان وعلي وأبو هريرة وابن عباس وضوء النبي ﷺ ، بأفعالهم (٢) ثم يحتاج التابعي إلى الألفاظ لكي يعبّر عما يراه. وقد يكون بعض أجزاء فعل الصحابي مما لم يقصد به الحكاية، بل يكون قد صدر ابتداء. فيتوهّم التابعي أن المقصود به الحكاية. ومثاله حديث أبي هريرة في حكايته لوضوء النبي ﷺ ، وفيه أنه غسل يديه حتى أشرع في العضدين، وغسل رجليه حتى أشرع في الساقين. وقال في آخر

стр. 469

حديثه: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ. يحتمل أن إشراعه في العضدين والساقين مما فعله هو ابتداء، وتكون إشارته (بهكذا) إلى ما عدا ذلك. فلا يكون حجة على استحباب الإشراع في الأعضاء المذكورة. ويحتمل أنه مما رأى النبي ﷺ يفعله فيكون حجة. ومثاله أيضاً: حديث المعتمر بن سليمان أنه كان يجهر بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ قال بعد صلاته: "ما آلو أن أقتدي بصلاة أبي. وقال أبي: ما آلو أن أقتدي بصلاة أنس. وقال أنس: ما آلو أن أقتدي بصلاة رسول الله ﷺ " (١). فهذا في النقل بالفعل. وقد صحّ عن أنس قول: "صليت خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ في أول قراءة ولا في آخرها" (٢). وحيث تعارضت الرواية الفعلية عن الصحابي، مع الرواية القولية، يقدم القول لأنه نص، والفعل محتمل كما بيّنّا. ومن قبيل نقل الفعل بالفعل أن يرى الصحابي رجلاً يفعل فعلاً، فيقول: رأيت النبي ﷺ يفعل مثله. ومنه أن عمران بن حصين صلى خلف علي بن أبي طالب، فكان إذا سجد كبّر، وإذارفع رأسه كبّر، وإذا نهض من الركعتين كبّر، فقال عمران: "ذكّرني هذا صلاة محمد ﷺ " (٣). ومن نقل الرواة أفعاله ﷺ بالفعل واحداً بعد الآخر، ما يبني عليه مالك بعض مذهبه من العمل المستمرّ بالمدينة بعد نبيها، ﷺ . ومنه كما قال ابن القيم: "نقلهم الوقوف، والمزارعة، والأذان على المكان المرتفع، والأذان للصبح قبل الفجر، وتثنية الأذان وإفراد الإقامة، والخطبة بالقرآن والسنن، دون الخطبة

стр. 470

الصناعية بالتسجيع والترجيع، ونقلهم بعض الأعيان التي له فيها فعل كالصاع والمدّ، وموضع المنبر، وموضع موقفه للصلاة، والبقيع والمصلّى" (١). وهذا شبيه بنقل الأمة تعيينه ﷺ لموضع الصّفا والمروة ومنى ومواضع الجمرات ومزدلفة وعرفة. وهذه النقول من نوع التواتر المنقول فعلياً. ثانياً: نقل الفعل بالقول: وهو في الجملة، أعلى درجة من نقله بالفعل كما سبقت الإشارة إليه. وقد تعرّض الغزالي في المستصفى، كغيره من الأصوليين (٢)، لألفاظ الرواية. فرتّبها الغزالي درجات، بحسب قوتها، وبيّن وجوه تميّز بعضها عن بعض. وكان أكثر كلامه منصباً على رواية الأقوال. ونحن نبيِّن على وزان ذلك ألفاظ رواية الصحابيّ للفعل. فنقول إنها على درجات: الدرجة الأولى: أن يقول الصحابي: رأيت رسول الله ﷺ يفعل كذا وكذا. فهذا صريح في الإدراك الحسّيّ المباشر وهو ينفي احتمال الواسطة. وقد تتقوّى هذه الدرجة بأمور: الأول: أن يكون الراوي كثير الصحبة لرسول الله ﷺ . وذلك حريّ أن يجعله يفرّق بين الأفعال المقصودة في التشريع وبين غير المقصودة. ومن هنا لم يأخذ كثير من الفقهاء برواية مالك بن الحويرث لجلسة الاستراحة. وكان تضعيفهم لها من هذا الوجه. الثاني: أن يكون رأى النبي ﷺ ، يفعل مثل ذلك الفعل مرّات كثيرة على صورة واحدة. ومن هنا كثر الخلاف في أحكام أفعاله ﷺ في الحج، لما أنّه ﷺ لم يحجّ إلا مرة واحدة.

стр. 471

الثالث: أن يكون الراوي فقيهاً. وللفقه في هذا المقام مكانته، نظراً إلى أن نقل الفعل هو من باب الرواية بالمعنى كما سبقت الإشارة اليه. وأيضاً فإن كثيراً من الأفعال منوطة بأسبابها، ويحتاج إلى معرفة حصول شروطها وانتفاء موانعها، فإنه إن لم يكن فقيهاً، فربما فاته الانتباه إلى ذلك. ولكن الفعل لا يخرج بذلك عن أن يكون حجة. ويقول الآمدي في قضية فهم السببية: "إن كان (الراوي) فقيهاً كان الظنّ بقوله أظهر، وإذا لم يكن فقيهاً، وإن كان في أدنى الرتب، غير أنه مغلّب على الظنّ" (١). الدرجة الثانية: أن يقول: فعل النبي ﷺ كذا وكذا. يحتمل أن الصحابي أرسله عن صحابي آخر. وهو مع ذلك حجة لأن مراسيل الصحابة مقبولة عند جمهور العلماء. وفي هذه الدرجة احتمال آخر، وهو أن يكون استنبط الفعل من آثاره ولوازمه. الدرجة الثالثة: أن يقول: فُعِل كذا وكذا، من الأمور الشرعية المضافة إلى عصر النبي ﷺ ، كقول بعضهم: كنا نطرد عن الصف بين السواري. ففي هذه الدرجة مع الاحتمالات السابقة، احتمال آخر، وهو أن يكون الفاعل لذلك غير النبي ﷺ . ثم إن كان مع علمه ﷺ بذلك، لم يخرج عن أن يكون حجة، كما يظهر ذلك في المثال المتقدم، لأنه يكون من الإقرار. وأما إن لم يظهر أنه ﷺ علم بذلك، فإنه يخرج عن الحجية. والله أعلم. الدرجة الرابعة: أن يقول الصحابي: من السنة كذا. وهذا يمكن أن يكون أصله فعلاً، أو يكون قولاً. وفيه احتمال أن يكون المقصود به سنة أحد الخلفاء الراشدين المهديين. وهو مع ذلك حجة، لأن الظاهر أنه سنة النبي ﷺ بخلاف ما لو قال ذلك التابعي.

стр. 472

تكييف الصحابي للفعل النبوي: تقدم أن الفعل النبوي جزئي واقع في الخارج، لا عموم له، وليس له صيغة لفظية، وإن كان لا بدّ للراوي من صيغة يعبّر بها عن ذلك الفعل. وإن الصحابة إذ يعبّرون عن تلك الأفعال بذلك، إنما (يصنّفون) تلك الأفعال، بضمّهم الفعل إلى مجموعة الجزئيات التي ينتمي إليها هذا (العنصر) الجديد، وهو الفعل الحادث الذي يخبرون عنه، واللفظ الذي يختاره الصحابي للتعبير عن تلك المجموعة له أثره عند الفقهاء في تبنّي الحكم الشرعي الذي يستنبط من الفعل. وكمثال على ذلك نشير إلى الخلاف الذي نشأ من قول أبي هريرة: "إن رجلاً أفطر في رمضان، فأمره النبي ﷺ بالكفارة". فإن استعماله هذه الصيغة (أفطر) دعت بعض الفقهاء، كالمالكية، إلى أن يقولوا: كل فطر في رمضان يوجب كفارة. وغيرهم، كالشافعية، أبوا ذلك، وقالوا: من المعلوم أن ذلك الرجل لم يفطر بكل أنواع المفطرات، وإنما بمفطر واحد، هو الجماع، كما بينّ في بعض الروايات الأخرى. فيكون هو السبب الموجب للكفارة، لا غيره (١). فهذا مثال يدلّ على المقصود، وإن لم يكن المعبّر عنه بـ (أفطر) من فعل النبي ﷺ . وواضح أن الطريقة التي سلكها الشافعية في هذا المثال هي الطريقة الصحيحة لأن الفعل لا عموم له. ومثال آخر: قال ابن عباس: إن رفع الصوت (بالذكر) حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول الله ﷺ وقال: "كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته" (٢). وهذا يقتضي رفع الصوت بعد الصلاة بكل ذكر ولكن الرواية الأخرى للحديث تخصّ رفع الصوت بالتكبير. يقول فيها: "كنت أعرف انقضاء صلاة النبي ﷺ بالتكبير" (٣).

стр. 473

هذا وقد استعرض الأصوليون ألفاظاً استعملها الصحابة في التعبير عن الأفعال النبوية، وحاولوا تحديد دلالتها، ونحن نذكرها تتميماً لبحثنا، في مسائل: المسألة الأولى: لفظ (فَعَل) والمراد (الفعل الصرفي) المثبت، المعبّر به عن فعل نبويّ (١)، كقول ابن عباس: "صلّى رسول الله ﷺ الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً، من غير خوف ولا سفر" (٢). فهذا اللفظ مطلق عن ذكر الزمان. يحتمل أنه جمع بين العصرين في وقت الظهر، أو في وقت العصر، أو صلّى الظهر في آخر وقتها والعصر في أول وقتها، وهو ما يسمى الجمع الصوري. ولا يصح حمله على العموم، لأن اللفظ يدل على أنه فعله مرة واحدة، وقد وقعت بلا شك في أحد المواعيد الثلاثة. فحمله أبو الشعثاء راويه عن ابن عباس على الجمع الصوري. وإليه ذهب القرطبي المالكي، والجويني الشافعي، والطحاوي من الحنفية. ويؤديهم أن الجمع الصوري لا يخرج عن دلالة الآية ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً﴾ قال ابن حجر: "يقوّي حمله على الجمع الصوري أن طرق الحديث كلها ليس فيها تعرّض لوقت الجمع، وإما أن تحمل على مطلقها، فيلزم إخراج الصلاة عن وقتها المحدود بغير عذر، وإما أن تحمل على صفة مخصوصة لا تستلزم الإخراج. والجمع الصوري أولى. والله أعلم" (٣).

стр. 474

وبعض العلماء، من غير هؤلاء، قالوا: إن ابن عباس شاهد الفعل، وعرف أنه وقع في واحد من المواعيد الثلاثة، فعبّر بما يدلّ بظاهره على عدم التفريق بينها، وذلك يقتضي أنه ﷺ جمع إما في وقت الظهر، أو في وقت العصر. ولا يريد الجمع الصوري، إذ لو كان كذلك لما أغفل ذكره. ولأنه علّل بما يقتضي ظاهره عدم التقييد بالجمع الصوري، وهو أنه سئل: ما أراد ﷺ إلى ذلك؟ فقال: "أراد أن لا يحرج أمته". فعلّل برفع الحرج، ولا يزول الحرج بالجمع الصوري، بل بكل صور الجمع. والله أعلم. فلهذه القرينة عمّمْنا الحكم في الصور الثلاث ليشمل كل زمن الصلاتين. فإن لم يكن ثم قرينة، فلا يصح تعميم حكم الفعل المثبت المطلق في أقسامه أو أوجهه. بل يحمل على أولى الصور بالحكم، ونتوقف في الصور الأخرى. وإن تساوت توقفنا فيه. وقد قال الشوكاني: "الفعل المثبت إذا كان له جهات فليس بعام في أقسامه، لأنه يقع على صفة واحدة، فإن عرفت تعيّن وإلاّ كان مجملاً يتوقف فيه". فمّما نحمله على أولى الصور، ما ورد أنه ﷺ : "صلّى في الكعبة" فإن عبارة الصحابي يحتمل أنه ﵊ صلّى الفرض أو صلّى النفل، واللفظ مطلق، فيحمل على الأولى بذلك، وهو النفل، لما كان قد عهد التخفيف فيه. فلا يدل على جواز صلاة الفرض داخل الكعبة، بل يتوقف في ذلك (١). ومثله أنه ﷺ : "جمع في السفر" فالسفر إما طويل وإما قصير. فلا تكون عبارة الصحابي عامة للجمع فيهما. فالطويل داخل في مفهوم اللفظ؛ والقصير مشكوك فيه، فيتوقف فيه. هذا ويستثنى من جملة الأفعال المثبتة التي ذكرناها في هذه المسألة أن يرد الفعل مقترناً بكان، فنعقد لها المسألة الثانية. تنبيه: الأفعال (أمر) و (نهى) و (قضى) ونحوها، ألفاظ قد يعبِّر بها الصحابي عما صدر عن النبي ﷺ ، كقولهم (نهَى) عن بيع الغرر، و (قَضىَ)

стр. 475

بالشفعة للجار. وقد اختلف فيها على قولين، وسوف نبيّن مبنى الخلاف فيها في الباب التالي في الفصل الثالث منه إن شاء الله. الأول: أنها عبارة عن فعل صدر عن النبي ﷺ . فعلى هذا لا يصح فيها دعوى العموم، كما قدّمناه في سائر الفعل المثبت. الثاني: وهو الأصوب، أنها عبارة عن قول صدر منه ﷺ . فإن الراوي سمع لفظاً هو: آمركم بكذا، أو: افعلوا كذا، أو: أنهاكم عن كذا، أو: لا تفعلوا كذا، أو نحو ذلك. فعبّر عنه بما ذكر. وقد اختلف فيها القائلون بذلك: هل يجوز أن تدل على عموم أم لا. وعلى هذا المذهب يكون هذا النوع خارجاً عن باب الأفعال النبوية، فلا نستطرد إليه. فليرجع إليه في مظانه من كتب الأصول (١)، في مباحث الأقوال. المسألة الثانية: (كان يفعل) والمراد به الفعل المضارع الذي دخلت عليه كان إذا عبّر به الصحابي عن شيء من أفعال النبي ﷺ ، فهل هي دالّة على مجرد وقوع الفعل، أم على التكرار والمواظبة، وهل تدل على العموم؟. ١ - التكرار: أما دلالتها على التكرار، فذلك واضح لا خفاء به، وقال ابن دقيق العيد: "يقال: كان يفعل كذا، بمعنى أنه تكرر منه فعله وكان عادة له، كما يقال: كان فلان يقري الضيف" (٢). وقد اختلف الأصوليون من أين جاءت الدلالة على التكرار: فقيل من (كان)، وهو ظاهر كلام الشاطبي (٣). إذ أورد حديث عائشة: "كان ﷺ يصلي العصر والشمس في حجرتها" (٤). ثم قال: لفظ (كان) فعل يقتضي الكثرة". وبه قال ابن الحاجب (٥).

стр. 476

وقيل من مجموع كان والفعل المضارع. وهو ظاهر كلام المحلي (١). ونقله صاحب تيسير التحرير. وقيل من الفعل المضارع وحده. وهذا عندي هو الصحيح من هذه الأقوال، وما عداه وهم من هؤلاء الأعلام رحمة الله عليهم، وجلّ من لا يستدرك عليه قول. فإن المضارع وحده يدل على التكرار والعادة المستمرة، كقولهم فلان يقري الضيف، وينفق ماله في أبواب الخير. وقد يدلّ على المرة الواحدة لكن بشرط استمراره برهة قبل زمن التكلم حتى وقت التكلم. فإذا جاءت (كان) قبل المضارع نقلت معنى التكرار من الحاضر إلى الماضي، ولم تزد على ذلك، فمن أين جاءت بالتكرار؟ (٢). وأيضاً: لو أنها دلّت على التكرار مع المضارع لدلّت عليه مع الفعل الماضي، لكنها لم تدلّ عليه، كما في قوله تعالى: ﴿ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار﴾ لا يعني أنهم عاهدوه أكثر من مرة. هذا وإن فائدة معرفة دلالتها على التكرار في أحكام الأفعال النبوية أمر مهم، نظراً إلى أن الفعل المجرّد إذا تكرر على صفة واحدة، وكان ذا صلة بالعبادة، فإنه يقرّب أن الفعل المجرّد على وجه الشرع، فيصلح دليلاً على الاستحباب أو على تأكد الاستحباب. وقد تقدمت الإشارة إليه في مواضع من هذا الباب. وقد ذكر ابن دقيق العيد أنه يجوز أن تستعمل (كان يفعل) لإفادة مجرّد وقوع الفعل، وذلك صادق بالمرة الواحدة، فلا يدل على التكرار. ولكنه يقول: الأول - وهو إفادة التكرار- أكثر في الاستعمال (٣).

стр. 477

وأشار إلى ذلك أيضاً صاحب تيسير التحرير، فإنه قال: إن إفادة (كان يفعل) التكرار أكثرية لا كلية. وعندي أن إفادة (كان يفعل) للمرة الواحدة، حق، ولكن في بعض الواقع دون بعض. فإنا قد ذكرنا أن المضارع المجرّد من (كان) قد يدل على المرة إن كان الفعل مستمراً إلى زمن التكلم، فإذا دخلت عليه (كان) أفادت ذلك الاستمرار في الزمن الماضي إلى لحظة معينة من الماضي. ومثاله أن تقول (الخطيب يتكلم الآن على المنبر) فإذا أردت نقل ذلك إلى الماضي مع استمرار الفعل إلى وقت معين، تقول مثلًا: "دخلت المسجد وكان الخطيب يتكلم". فهذا استعمال آخر غير الاستعمال الأول، ولكل منهما موضعه، ولا يتوارد الاستعمالان على موضع واحد. وعلامة هذا النوع أن يذكر أمر كالدخول في المثال السابق، ويكون الفعل سابقاً له مستمراً إليه. فما عدا هذا النوع تكون دلالته على التكرار كلية لا أكثرية فقط. فهذا توضيح لما في كلام ابن دقيق العيد من الإجمال. ومن هذا يتبيّن أيضاً أن بعض المؤلفين (١) في الحديث النبويّ يخطئون حين ينقلون الحديث الفعلي بعبارة (كان رسول الله ﷺ يفعل كذا أو يقول كذا) من أصل ليس فيه إلا (فَعَل رسول الله ﷺ كذا)، لما بين العبارتين من الفرق في المعنى، وقد علم أن من شرط الرواية بالمعنى التساوي بين اللفظين في معنييهما.

стр. 478

٢ - المواظبة والدوام: ومعناه عدم تخلّل الترك. فهو أخصّ من التكرار. فإن تكرار الشيء هو فعله مرتين أو ثلاثاً أو أكثر، وهو واضح في (كان يفعل). أما الدوام الذي لا يتخلّله ترك، فقد ادّعاه في هذا التركيب (كان يفعل) بعض الحنابلة، ونسبه ابن تيمية (١) إلى أبي يعلى وأبي الخطاب الحنبليين. واستدل به أبو يعلى على الوجوب، قال في حديث عبد الله بن زيد في استيعاب مسح الرأس: "هذا إخبار عن دوام فعله، وإنما يداوم على الواجب" ويعني بالدوام ما لم يتركه ولو مرة. وقد تقدم أن أبا يعلى يقول بالوجوب في الفعل المجرّد، وتقدم الردّ عليه. وتقدم أيضاً ذكر أن الدوام على الفعل المجرّد لا يدل على وجوبه. ولكن الذي نريد هنا بيانه أن (كان يفعل) لا تدل على الدوام، وإنما تدل على التكرار والعادة الماضية. ومن أجل ذلك فلا تصلح هذه العبارة من الصحابي في رواية فعل نبويّ دليلاً على وجوب الفعل، حتى عند من يقول إن المواظبة دليل الوجوب. ودليلنا على أن (كان يفعل) لا تدل على الدوام، أنها تدل في الماضي على ما يدل عليه (يفعل) في الحاضر، وقولنا (زيد يقري الضيف) لا يدل على أن قراه للضيف لا يتخلف البتة، بل يدل على أن عادته وأغلب أحواله أن يقري الضيف. فكذلك (كان يقري الضيف)، تدل على مثل ذلك في الماضي. والله أعلم. ٣ - العموم: وقد ادّعى الكثيرون أن (كان يفعل) تدل أيضاً على العموم في أقسام الفعل وأوجهه. وهي مسألة مهمة في فهم كثير من الأحاديث الفعلية المروية بهذه الصيغة. وهي غير مسألة دلالة هذا التركيب على المواظبة. فإن المواظبة تعني تكرار

стр. 479

الفعل دائماً عند تكرر المناسبات، وأما العموم فأن يفعله بجميع أقسامه، وعلى جميع الأوجه من الهيئات أو الأماكن أو غير ذلك. وروي القول بالعموم في صيغة (كان يفعل) أبو يعلى، وهو ظاهر كلام الآمدي (١). وقد روى البخاري الحديث: "كان ﷺ يجمع الصلاتين في السفر" فقال البعض بأن ذلك يعمّ الجمع في السفر القصير، وفي السفر الطويل. وقول من ادّعى العموم مردود بما قال ابن قاسم في شرح الورقات: "يمكن أن يجاب بأن (كان يفعل، وإن أفادت التكرار، فإن) كل مرة من مرات التكرار لا عموم فيها، لأنها إنما تقع في أحد السفرين. فالمجموع لا عموم فيه، إذ المركّب مما لا عموم فيه لا عموم فيه. واحتمال أن بعض المرات في أحد السفرين، وبعضهما في الآخر، غير معلوم ولا ظاهر. فصار اللفظ مجملاً بالنسبة للسفر القصير كما أشار إليه الشيخ أبو إسحاق في اللّمع" (٢). وشبيه بهذه المسألة، وإن لم يكن منها، ما قال الشوكاني في حديث عامر بن ربيعة: قال: "رأيت رسول الله ﷺ ، ما لا أحصى يتسوَّك وهو صائم". قال الشوكاني: "الحديث يدلّ على استحباب السواك للصائم من غير تقييد بوقت دون وقت. وهو يرد على الشافعي قوله بكراهة التسوّك بعد الزوال للصائم، مستدلاً بحديث: لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" (٣). فما قاله الشوكاني مردود، فإن حديث عامر يدل على تكرر وقوع السواك من النبي ﷺ أثناء الصوم مرات كثيرة. ولكن لا ينبغي أن يفهم من ذلك العموم بالنسبة للوقت، إذ يحتمل أن تكون المرات كلها وقعت قبل الزوال، فكيف يصلح أن يكون هذا الحديث رداً لكلام الشافعي ﵁؟.

стр. 480

المسألة الثالثة: اختلاف النقل بين الإطلاق والتقييد: قد ينقل صحابي فعلاً غير مفصل، كمسحه ﷺ رأسه وأذنيه في الوضوء. لم يتعرّض الراوي لكونه مسح الأذنين بماء جديد، أو بفضل ما مسح به رأسه. ثم قد ترِد رواية أخرى للصحابي نفسه أو لغيره مفصلة، كما روى أنه ﷺ توضأ فمسح أذنيه بماء خلاف ما مسح به رأسه (١). قال الغزالي: "هذا يزيل الإجمال عن الأول. ولكن يحتمل أن الواجب ماء واحد، والمستحب ماء جديد، فيكون أحد الفعلين على الأقل، والثاني على الأكمل وجعل الغزالي هذا نوعاً من أنواع البيان بالفعل، يعني بيان إجمال الفعل بالفعل" (٢). وقد اعترض أبو شامة على ذلك قائلاً: "أورد الغزالي هذا على أنه نوع من أنواع البيان بفعل النبي ﷺ ، وإنما هو عبارة الراوي. والراوي الأول أطلق ولم يبين أنه مسح أذنيه بفضل ما مسح به رأسه، أو بماء جديد. وكلاهما محتمل. فلما نقَل الراوي الثاني أنه مسحهما بماء جديد، تعيّن حمل ذاك المطلق، على هذا المقيد، فقلنا لا بدّ من ماء جديد للأذنين. أما لو صحّ أنه مسح الجميع بماء واحد، فيمكن حمله على الأقل، ويكون الأكمل رواية من أفرد الرأس عن الأذنين بماء جديد" (٣). اهـ. قولنا في ذلك: إن الروايتين إذا أوردت إحداهما مطلقة والأخرى مقيدة فإما أن يكونا في واقعة واحدة، أو في واقعتين، أو يكون الأمر مبهماً. أولاً: فإن كانا في واقعة واحدة، يجب حمل المطلق حينئذ على المقيد، وهو إطلاق وتقييد في كلام الرواة. ومثاله وإن لم يكن من باب الأفعال، قصة من (أفطر) في رمضان، فأوجب النبي ﷺ عليه الكفارة، ورد في رواية أخرى، أن

стр. 481

إفطاره كان (بالجماع). فتختص الكفارة به، ولا تجب في الإفطار بالأكل والشرب، إلا قياساً. ومن أمثلته أيضاً عندي حديث المغيرة بن شعبة في المسح، ففي بعض رواياته: أن النبي ﷺ مسح رأسه، وفي أخرى أنه مسح على العمامة، وفي ثالثة أنه مسح على ناصيته وعمامته (١). فإن حديث المغيرة هذا هو ما وصف به وضوء النبي ﷺ في غزوة تبوك ذات ليلة لصلاة الصبح. وقد قال ابن حزم: "بهذا تعلّق المانعون من المسح على العمامة. قالوا: ذكره المسح على العمامة، هو حديث واحد مع الذي فيه ذكر الناصية والعمامة. قال ابن حزم: وهذا خطأ، لأن الوضوء لم يكن مرة واحدة منه ﷺ فمن ادّعى أن ذلك كله في وضوء واحد، في وقت واحد، فقد دخل تحت الكذب، والقول بما لا يعلم. وهذا لا يحل لمسلم" (٢). أقول: قوله هذا مردود، وهو من تسرّعاته المعهودة، عفا الله عنا وعنه، فإن سياق القصة يدلّ على أن الحادثة واحدة. وذلك يمنع صحة الاستدلال بهذا الحديث على الاجتراء في الوضوء بمسح بعض الرأس، كما فعل ابن قدامة (٣) أو بمسح العمامة وحدها. ولا بدّ لإثبات ذلك من أدلة أخرى غير حديث المغيرة. ثانياً: وإن كان في واقعتين لم يجب حمل المطلق على المقيد، فإن الواقعة التي أطلق فيها ذلك يحتمل أنه ﷺ فعل فيها كما فعل في الأخرى. لكن الراوي أطلق ولم يبين. ويحتمل أنه ﷺ ترك فيها ما فعله في الثانية، فيكون ذلك من باب التعارض بين الفعل والترك، ويكون ذلك نسخاً، أو يكون الأقل واجباً والزائد مستحباً. وسيأتي في باب التعارض إن شاء الله.

стр. 482

ولا يترجح أحد المسحين إلاّ بقرينة تدل عليه. وقد يصح أن يقال: الأولى الاحتمال الثاني ليجوز كلا الأمرين، دون الأول، لأنه يمنع الترك ويدل على الوجوب، والأصل عدمه. والله أعلم. ثالثاً: وإن أبهم الأمر فلم يعرف أنه في واقعة واحدة أو واقعتين. فالاحتمالان واردان أيضاً. وعلى هذا فإن ما عيّنه أبو شامة، مما نقلناه عنه آنفاً، غير متعيّن. ويكون كلام الغزالي من أن في مسألة مسح الأذنين احتمالين، هو أصوب. وبالله التوفيق. والحاصل: أن الأخذ بالمقيّد لا إشكال فيه، وأما الأخذ بالمطلق على إطلاقه فيمتنع إن كانا في واقعة واحدة، وإلا فيحتمل أن يصح، ويحتمل أن لا يصح. والله أعلم.

стр. 483

المبحث الرابع نيَّة التَأسيّ في الحديث عن النبي ﷺ : "إنما الأعمال بالنيّات، وإنما لكل امرئ ما نوى". وقد اعتبر الفقهاء هذا الحديث إحدى القواعد الأساسية للشريعة. وتدخل النية في العبادات، وفي المباحات إذا قصد بها التقوّي على طاعة الله. والمقصود الأهمّ منها في العبادات تمييز العبادة من غير العبادة، وتمييز رتب العبادات بعضها من بعض (١). وتتميز العبادة عن غيرها باستحضار نيات مختلفة كنية التعبّد بها لله تعالى، ونية الإخلاص له فيها، ونية امتثال أحكامه من الوجوب والندب والإباحة. وكذلك نية التأسّي فيها بعباد الله الصالحين ممن فعلها، وخاصة نبينا محمداً ﷺ . ثم إن كان دليل مشروعية العبادة فعله ﷺ لها، فقد ذكر كثيرون من الأصوليين أن التأسّي لا يتحقق إلا بنية التأسّي، حتى لقد جعلوا ذلك من حقيقة التأسّي. يقول أبو الحسين البصري: "التأسّي في الفعل أن نفعل صورة ما فعل، على الوجه الذي فعل، لأجل أنه فعل" (٢)، وبعضهم عبّر عن ذلك بأنه شرط. يقول القاضي عبد الجبار: "شرط التأسّي اعتبار الفعل، واعتبار الوجه الذي عليه وقع، ولا بدّ مع ذلك أن يفعله من أجل أنه ﷺ فعله" (٣).

стр. 484

ومقصودهم بالفعل صورته، كصلاة مع صوم. فلا يتحقق الاقتداء بصومه ﷺ بفعل صلاة. ومقصودهم بالوجه: الأغراض في الفعل من نية حكمه، وزمانه ومكانه وسببه وغير ذلك، كما تقدم. ومقصودهم بقولهم: "من أجل أنه فعله" أن المقتدي لا يحصل منه التأسّي ما لم ينوِ أنه يفعل فعله ذاك من أجل أن النبي ﷺ فعله". وذكر مثل هذا الآمديّ (١) وابن تيميّة (٢) وغيرهما. ولم يذكره البيضاوي في منهاجه. وقد قال عبد الجبار في الاستدلال على ذلك: "إنه لو لم يفعل على هذا الوجه، لكنه فعله امتثالاً أو لغيره من الوجوه، لم يوصف بأنه متأسٍّ به". وقالوا: "إن الاتفاق صدفة ليس تأسّياً". والذي يظهر أن التأسّي يتحقق بفعل مثل ما فعله ﷺ إن كان على الوجه الذي فعله مع نية الامتثال، أمّا أن ينوي أنه يفعل ذاك الشيء لأجل أنه ﷺ فعله فلا يتعيّن، فلو لم ينو ذلك، لكن نوى إخلاص العبادة لله، أو التقرب إليه، أو امتثال أحكامه، فإن عبادته صحيحة. وكذلك لو نوى التأسّي بالنبي ﷺ . فكل هذه نيات صالحة يتأدّى بها المقصود ويصح بها العمل، ويثبت بها الأجر. ويحصل بها التأسّي. والله ولي التوفيق. وأما قول عبد الجبار: أن من قصد الامتثال فقط لا يكون متأسّياً، فإنه قول فيه نظر، لأنه إن نوى الامتثال، وكان الحكم لم يعلم إلاّ من جهة فعله ﷺ ، فإن نية التأسّي متضمّنة، والمتضمّن في الحاصل حاصل.

стр. 485

وقول من قال: الاتفاق صدفةً لا يكون تأسّياً، هو صواب لا يرد على ما نحن فيه، لأننا إذ نمتثل حكم الله الذي دل عليه فعل رسول الله ﷺ ، فليس اتفاق فعلنا وفعله صدفة. والله أعلم. انتهى الجزء الأول -بحمده تعالى- وسيليه الجزء الثاني

стр. 486

أَفْعَالُ الرَّسُول ﷺ وَدَلاَلَتَهَا عَلَى الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مُحَمَّد سُلَيْمَان الأشْقَر دكتورَاه فِي الشَّرِيعَةِ الإِسْلاَمِيَّة مِن الجَامِعَةِ الأَزْهَرِيَّةِ الجُزْءُ الثَّانِي مؤسسة الرسالة

стр. 487

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 488

أَفْعَالُ الرَّسُول ﷺ وَدَلاَلَتَهَا عَلَى الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ

стр. 489

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ غاية في كلمة جميع الحقوق محفوظة للمؤلف الطبعة السادسة ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م ISBN ٩٩٥٣ - ٤ - ٠١٦٦ - ٧ جميع الحقوق محفوظة ( c) ١٩٨٨ م. لا يسمح بإعادة هذا الكتاب أو جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إليكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو أي جزء منه. ولا يسمح باقتباس أي جزء من الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر. (٦) مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع وطى المصيطبة شارع حبيب أبي شهلا بناء المسكن هاتف: ٣١٩٠٣٩ - ٨١٥١١٢ فاكس: ٨١٨٢١٥ (٩٦١١) ص. ب: ١١٧٤٦٠ بيروت - لبنان resalah publishers Tel: ٣١٩٠٣٩ - ٨١٥١١٢ fax: (٩٦١١) ٨١٨٦١٥ Beirut - lebanon Email: resalah@resalah.com web location: Http://www.resalah.com

стр. 490

الباب الثاني الأفعال غير الصريحة - تمهيد. ٢ - الكتابة. ٢ - الإشارة. ٣ - الأوجه الفعلية للقول. ٤ - الترك. ٥ - السكوت. ٦ - التقرير. ٧ - الهم بالفعل. ٨ - الملحقات بالأفعال النبوية: أ- أفعاله ﷺ قبل البعثة. ب- شمائله النفسية. ج- فعله ﷺ في الرؤيا. د- ما فعل به ﷺ بعد الموت. هـ- أفعال الله تعالى. و- تقرير الله تعالى. ز- أفعال أهل الإجماع.

стр. 491

تمهيد الفعل الصريح كالقيام والجلوس والصلاة والصوم والحب والبغض. وقد قدّمنا أن من الأفعال ما يكون في فعليته خفاء، وينشأ ذلك عن طبيعة الفعل. والأفعال غير الصّريحة قسمان: ١ - فبعض الأفعال تكون دلالته على مراد فاعله أظهر من دلالة سائر الأفعال العادية الصريحة، فيفارق الأفعال الصريحة من هذه الناحية. ويخرجه بعض العلماء لذلك عن الفعلية، لقرب شبهه بالقول. ومن أمثلة هذا النوع الكتابة، والإشارة، والعقد، ونحوها. فالقول يدلُّ بالمواضعة وجريان العرف باستعماله لمعاني خاصة تفهم منه. وكذلك الأمر في الكتابة والإشارة والعقد. ٢ - وبعض الأفعال غير الصريحة يكون خفاء فعليّته ناشئاً من كونه سلباً، كالترك والسكوت والإقرار، أو شبيهاً بالسلب كالهمّ بالفعل. وقد عقدنا هذا الباب لهذه الأفعال غير الصريحة، لنبيِّن فروق دلالتها عن دلالة الأفعال الصريحة.

стр. 492

الفصل الأول الكتابة الكتابة: تدوينٌ مرئيٌّ للّغة. وهي واسطة لنقل الأفكار والمشاعر، تتميّز عن الكلام والإشارة بأنها باقية، والكلام والإشارة يزولان في الحال. وقد عرّف ابن حزم الكتابة، بأنها: "إشارات تَقَع باتفاق، عمدتها تخطيط ما استقر في النفس من البيان، بخطوطٍ متباينة، ذات لون يخالف لون ما يُخَطّ فيه، متفق عليها بالصوت، فتبلغ به نفس المخطّط ما قد استبانته، فتوصله إلى العين التي هي آلة لذلك" (١)، حتى يحصل بها الإدراك لدى المبلّغ. وابن حزم يشير بكلامه هذا إلى أن الكتابة تدلّ بالمواضعة. والتواضع فيها أن تدلَّ الرموز المكتوبة على الأصوات، وقد تعورف في الأصوات دلالتها عند أهل اللغة على المعاني (٢). وتُدْرك الأصوات بحاسّة السمع، أما الكتابة فتدرك بحاسّة البصر. ويتميّز القول عن الكتابة بأنه يمكن أن يصاحبه من الجهارة وملامح الصوت والكيفيّات الصوتية ما يقوى به التعبير، فيؤدِّي ذلك من المعاني ما لم يُنْطَق به، حتى يدل على الغضب والرضا والحزن والسرور والقناعة والضجر وغير ذلك. وقد تصحبه ملامح وقرائن في الشخص المتكمل، من الانبساط والعنْف والإشارات. وذلك يجعل القول حيّاً نابضاً، ويلقي على المعنى ظلالاً يصعب تصويرها كتابة. ولا تزال كثير من الملامح الصوتية في العربية وغيرها ممتنعةً على العلماء أن يتمكّنوا من تصويرها بالإشارات الكتابية.

стр. 493

ولكن تتميّز الكتابة عن القول بأمور: منها أن الفكرة يمكن تصويرها بالكتابة، على مهل، تصويراً منضبطاً لا ينتشر ولا يضيع. وتتميّز أيضاً عن القول بثباتها، فإن رسم الكلمات إذا نُقِش بقي على ما هو عليه، ما لم تغيِّره يد قاصدة أو عوادي الزمن. ولذلك يمكن أن يفهمه الحاضر والغائب. والموجود عند كتابته ومن يوجد بعد كتابته بعصر أو عصور. أما القول فإنه يزول حالاً بعد النطق به، ولا بدّ إذا أريد الإعلام به مرة أخرى من تكرير الجهد في تركيبه، أو أن يستعاد من الذاكرة. ولكنه قد يتغيّر في الحافظة دون قصد. ولم يمكن اختزان القول كما هو إلاّ في عصرنا الحاضر، عند اختراع وسائل التسجيل الصوتي. وتتميّز الكتابة، ثالثاً، بأنه يمكن ترديد النظر فيها مرة بعد أخرى، حتى يحصل بها لدى القارئ صورة تكاد تكون مطابقة للصورة الحاصلة في ذهن الكاتب. ومن أجل ذلك كانت الكتابة واسطة اتصال مهمةً بين أفكار البشر، في دائرة أوسع من دائرة القول من حيث الزمان والمكان، وكانت ذات فاعليّةٍ أساسية في نشر الحضارة، ونقلها من مكان إلى مكان، ومن جيل إلى جيل. وقد امتنَّ الله تعالى على البشر بتعليمهم بالقلم، وأقسم بالقلم وما يسطرون من المكتوبات، فنبّه بذلك إلى قدرها وأثرها. المطلب الأول هل الكتابة قول أو فعل ؟ يختلف الأصوليون في التعبير عن الكتابة، فمنهم من يجعلها فعلاً من الأفعال، ومنهم من يجعلها قولاً، ومنهم من يجعلها قسيماً للقول والفعل.

стр. 494

فممن عبّر عنها بأنها فعل، القرافي، حيث يقول: "البيان إما بالقول أو بالفعل كالكتابة والإشارة ... " (١). ومنهم ابن حبان، حيث قسم أفعال النبي ﷺ إلى أنواع، فجعل كتبه ﷺ نوعاً من الأفعال، وذكر هناك (٢) ما أَثَره عنه ﷺ من ذلك. وممن جعل الكتابة قولاً من الأفعال، من القدماء، القاضي أبو يعلى الحنبلي في كتابه (العدة). ومن المحدّثين عبد الكريم زيدان في كتابه (أصول الدعوة)، قال: الكتابة من أنواع القول (٣). وممن عبّر عن الكتابة كقسيم للقول والفعل القاضي عبد الجبار (٤)، وأبو الحسين البصري (٥) المعتزليان. وقد سبق تعريفُ ابن حزم للكتابة بأنها تخطيط باليد برسوم متفق عليها تدلّ على الأصوات. ومن هنا نشأ الاختلاف في التعبير عنها: فمن نظر إلى أن التخطيط باليد الذي هو حقيقة الكتابة، هو فعل بجارحة من الجوارح، قال إن الكتابة فعل. ومن نظر إلى أن الكتابة أمارة على الكلام، ويفهم المراد منها بواسطة فهم ما تدلّ عليه من الكلام، قال إنها قول. ومن نظر إلى أن الكتابة تدلّ بعبارات غير ملفوظة أصلاً، وقد تكتب ثم يطلع عليها فتفهم دون أن يتوسط ذلك تلفُّظ أصلاً، أخرجها بالنظر إلى ذلك عن أن تكون أقوالاً أو أفعالاً. والذي نختاره أن الكتابة فعل، وليست قولاً.

стр. 495

والوجه ما تقدم من أن حقيقة الكتابة التخطيط. ونرى أن من عبّر عن الكتابة بأنها قول، فإنه قد تجوّز به عنها، لمّا كانت دالّة عليه. وقد صرّح بعض اللغويين بأن إطلاق القول على الكتابة مجاز، منهم الشيخ خالد الأزهري في شرح التوضيح (١) ومن التجوّز به عنها ما ننسبه إلى كثير من المصنفين في كتبهم من الأقوال في مختلف الفنون، فإنهم كتبوه كتابة ولم يلفظوه قولاً. البيان بالكتابة: إن مميّزات الكتابة السابق ذكرها، جعلتْها أداةً من أدوات البيان ذات قيمة فريدة. وقد كان القول الوسيلة الرئيسيّة للنبي ﷺ في البيان، ولكن الكتابة كانت وسيلة أخرى استُعمِلت حيث دعت الحاجة. فالكتابات تستفاد منها السنن كما تستفاد من الأقوال. وعلى القول بأن الكتابة فعل من الأفعال، فإن الأفعال قد وقع الخلاف فيها أيجوز البيان بها من قبل الشارع أم لا؟ ولكن ذلك الخلاف لا يترقّى حتى يشمل الكتابة. فإن الكتابة أدلّ من سائر الأفعال. ويقول الزركشي: "هل يجري الخلاف الفعلي في الكتابة والإشارة؟ يحتمل أن يقال به؛ والظاهر المنع. وقد قطع ابن السمعاني بالبيان بالكتابة والإشارة، مع حكايته الخلاف في الفعل. وقال صاحب الواضح: لا أعلم خلافاً في (أن) الإشارة والكتابة يقع بهما البيان" (٢). وصرّح بذلك الشوكاني أيضاً، وقال إنه: "لا خلاف في أن ذلك من السنة، ومما تقوم به الحجة" (٣). وقد استخدم النبي ﷺ الكتابة في بيان الأحكام وتبليغ الدعوة في مناسبات كثيرة جداً، فمما وقع من بيان الأحكام بها كتابته ﷺ أحكام الزكاة، فقد كتب ذلك قبل وفاته في كتاب أخرجه أبو بكر وأمر به عمّال الصدقات. وحديثه عند
следующие страницы →