تمهيد
الفعل الصريح كالقيام والجلوس والصلاة والصوم والحب والبغض.
وقد قدّمنا أن من الأفعال ما يكون في فعليته خفاء، وينشأ ذلك عن طبيعة الفعل.
والأفعال غير الصّريحة قسمان:
١ - فبعض الأفعال تكون دلالته على مراد فاعله أظهر من دلالة سائر الأفعال العادية الصريحة، فيفارق الأفعال الصريحة من هذه الناحية. ويخرجه بعض العلماء لذلك عن الفعلية، لقرب شبهه بالقول. ومن أمثلة هذا النوع الكتابة، والإشارة، والعقد، ونحوها.
فالقول يدلُّ بالمواضعة وجريان العرف باستعماله لمعاني خاصة تفهم منه.
وكذلك الأمر في الكتابة والإشارة والعقد.
٢ - وبعض الأفعال غير الصريحة يكون خفاء فعليّته ناشئاً من كونه سلباً، كالترك والسكوت والإقرار، أو شبيهاً بالسلب كالهمّ بالفعل.
وقد عقدنا هذا الباب لهذه الأفعال غير الصريحة، لنبيِّن فروق دلالتها عن دلالة الأفعال الصريحة.
стр. 492
الفصل الأول الكتابة
الكتابة: تدوينٌ مرئيٌّ للّغة. وهي واسطة لنقل الأفكار والمشاعر، تتميّز عن الكلام والإشارة بأنها باقية، والكلام والإشارة يزولان في الحال.
وقد عرّف ابن حزم الكتابة، بأنها: "إشارات تَقَع باتفاق، عمدتها تخطيط ما استقر في النفس من البيان، بخطوطٍ متباينة، ذات لون يخالف لون ما يُخَطّ فيه، متفق عليها بالصوت، فتبلغ به نفس المخطّط ما قد استبانته، فتوصله إلى العين التي هي آلة لذلك" (١)، حتى يحصل بها الإدراك لدى المبلّغ.
وابن حزم يشير بكلامه هذا إلى أن الكتابة تدلّ بالمواضعة. والتواضع فيها أن تدلَّ الرموز المكتوبة على الأصوات، وقد تعورف في الأصوات دلالتها عند أهل اللغة على المعاني (٢).
وتُدْرك الأصوات بحاسّة السمع، أما الكتابة فتدرك بحاسّة البصر.
ويتميّز القول عن الكتابة بأنه يمكن أن يصاحبه من الجهارة وملامح الصوت والكيفيّات الصوتية ما يقوى به التعبير، فيؤدِّي ذلك من المعاني ما لم يُنْطَق به، حتى يدل على الغضب والرضا والحزن والسرور والقناعة والضجر وغير ذلك. وقد تصحبه ملامح وقرائن في الشخص المتكمل، من الانبساط والعنْف والإشارات. وذلك يجعل القول حيّاً نابضاً، ويلقي على المعنى ظلالاً يصعب تصويرها كتابة. ولا تزال كثير من الملامح الصوتية في العربية وغيرها ممتنعةً على العلماء أن يتمكّنوا من تصويرها بالإشارات الكتابية.
стр. 493
ولكن تتميّز الكتابة عن القول بأمور:
منها أن الفكرة يمكن تصويرها بالكتابة، على مهل، تصويراً منضبطاً لا ينتشر ولا يضيع.
وتتميّز أيضاً عن القول بثباتها، فإن رسم الكلمات إذا نُقِش بقي على ما هو عليه، ما لم تغيِّره يد قاصدة أو عوادي الزمن. ولذلك يمكن أن يفهمه الحاضر والغائب. والموجود عند كتابته ومن يوجد بعد كتابته بعصر أو عصور.
أما القول فإنه يزول حالاً بعد النطق به، ولا بدّ إذا أريد الإعلام به مرة أخرى من تكرير الجهد في تركيبه، أو أن يستعاد من الذاكرة. ولكنه قد يتغيّر في الحافظة دون قصد. ولم يمكن اختزان القول كما هو إلاّ في عصرنا الحاضر، عند اختراع وسائل التسجيل الصوتي.
وتتميّز الكتابة، ثالثاً، بأنه يمكن ترديد النظر فيها مرة بعد أخرى، حتى يحصل بها لدى القارئ صورة تكاد تكون مطابقة للصورة الحاصلة في ذهن الكاتب.
ومن أجل ذلك كانت الكتابة واسطة اتصال مهمةً بين أفكار البشر، في دائرة أوسع من دائرة القول من حيث الزمان والمكان، وكانت ذات فاعليّةٍ أساسية في نشر الحضارة، ونقلها من مكان إلى مكان، ومن جيل إلى جيل.
وقد امتنَّ الله تعالى على البشر بتعليمهم بالقلم، وأقسم بالقلم وما يسطرون من المكتوبات، فنبّه بذلك إلى قدرها وأثرها.
المطلب الأول هل الكتابة قول أو فعل ؟
يختلف الأصوليون في التعبير عن الكتابة، فمنهم من يجعلها فعلاً من الأفعال، ومنهم من يجعلها قولاً، ومنهم من يجعلها قسيماً للقول والفعل.
стр. 494
فممن عبّر عنها بأنها فعل، القرافي، حيث يقول: "البيان إما بالقول أو بالفعل كالكتابة والإشارة ... " (١).
ومنهم ابن حبان، حيث قسم أفعال النبي ﷺ إلى أنواع، فجعل كتبه ﷺ نوعاً من الأفعال، وذكر هناك (٢) ما أَثَره عنه ﷺ من ذلك.
وممن جعل الكتابة قولاً من الأفعال، من القدماء، القاضي أبو يعلى الحنبلي في كتابه (العدة).
ومن المحدّثين عبد الكريم زيدان في كتابه (أصول الدعوة)، قال: الكتابة من أنواع القول (٣).
وممن عبّر عن الكتابة كقسيم للقول والفعل القاضي عبد الجبار (٤)، وأبو الحسين البصري (٥) المعتزليان.
وقد سبق تعريفُ ابن حزم للكتابة بأنها تخطيط باليد برسوم متفق عليها تدلّ على الأصوات. ومن هنا نشأ الاختلاف في التعبير عنها:
فمن نظر إلى أن التخطيط باليد الذي هو حقيقة الكتابة، هو فعل بجارحة من الجوارح، قال إن الكتابة فعل.
ومن نظر إلى أن الكتابة أمارة على الكلام، ويفهم المراد منها بواسطة فهم ما تدلّ عليه من الكلام، قال إنها قول.
ومن نظر إلى أن الكتابة تدلّ بعبارات غير ملفوظة أصلاً، وقد تكتب ثم يطلع عليها فتفهم دون أن يتوسط ذلك تلفُّظ أصلاً، أخرجها بالنظر إلى ذلك عن أن تكون أقوالاً أو أفعالاً.
والذي نختاره أن الكتابة فعل، وليست قولاً.
стр. 495
والوجه ما تقدم من أن حقيقة الكتابة التخطيط.
ونرى أن من عبّر عن الكتابة بأنها قول، فإنه قد تجوّز به عنها، لمّا كانت دالّة عليه. وقد صرّح بعض اللغويين بأن إطلاق القول على الكتابة مجاز، منهم الشيخ خالد الأزهري في شرح التوضيح (١) ومن التجوّز به عنها ما ننسبه إلى كثير من المصنفين في كتبهم من الأقوال في مختلف الفنون، فإنهم كتبوه كتابة ولم يلفظوه قولاً.
البيان بالكتابة:
إن مميّزات الكتابة السابق ذكرها، جعلتْها أداةً من أدوات البيان ذات قيمة فريدة. وقد كان القول الوسيلة الرئيسيّة للنبي ﷺ في البيان، ولكن الكتابة كانت وسيلة أخرى استُعمِلت حيث دعت الحاجة.
فالكتابات تستفاد منها السنن كما تستفاد من الأقوال.
وعلى القول بأن الكتابة فعل من الأفعال، فإن الأفعال قد وقع الخلاف فيها أيجوز البيان بها من قبل الشارع أم لا؟ ولكن ذلك الخلاف لا يترقّى حتى يشمل الكتابة. فإن الكتابة أدلّ من سائر الأفعال. ويقول الزركشي: "هل يجري الخلاف الفعلي في الكتابة والإشارة؟ يحتمل أن يقال به؛ والظاهر المنع. وقد قطع ابن السمعاني بالبيان بالكتابة والإشارة، مع حكايته الخلاف في الفعل. وقال صاحب الواضح: لا أعلم خلافاً في (أن) الإشارة والكتابة يقع بهما البيان" (٢). وصرّح بذلك الشوكاني أيضاً، وقال إنه: "لا خلاف في أن ذلك من السنة، ومما تقوم به الحجة" (٣).
وقد استخدم النبي ﷺ الكتابة في بيان الأحكام وتبليغ الدعوة في مناسبات كثيرة جداً، فمما وقع من بيان الأحكام بها كتابته ﷺ أحكام الزكاة، فقد كتب ذلك قبل وفاته في كتاب أخرجه أبو بكر وأمر به عمّال الصدقات. وحديثه عند
стр. 496
أحمد وأبي داود بسندهما عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه، قال: "كان رسول الله ﷺ قد كتب الصدقة. ولم يخرجها إلى عمّاله حتى توفّي. قال: فأخرجها أبو بكر من بعده فعمل بها حتى توفي، ثم أخرجها عمر من بعدِه فعمل بها" (١) ... ثم بيّنها ابن عمر.
وخطب ﷺ يوم فتح مكة، فذكر تحريم مكة، وقال: "من قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يعقل، وإما أن يقاد أهل القتيل". فجاء رجل من أهل اليمن، فقال: "اكتب لي يا رسول الله". فقال: "اكتبوا لأبي فلان" (٢).
وكان له ﷺ كتبة يكتبون الوحي، ويكتبون له إلى عماله والمؤمنين به في أطراف الجزيرة العربية، وإلى رؤساء الدول المجاورة. ومن كتّابه زيد بن ثابت، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ومعاوية، وسواهم كثير (٣).
وقد جمع محمد حميد الله (٤) ما أُثر عن النبي ﷺ من المكتوبات في شؤون التبليغ والسياسة، فكانت قريباً من ٢٨٠ وثيقة. كثير منها في دعوة الأقوام والرؤساء إلى الله تعالى. ومنها عهود ومواثيق. ومنها إعذار وإنذار وتبشير وتثبيت وأمر بالتمسّك بدين الله. ومنها تفصيل لأحكام شرعية يُلزم بها كمقادير الزكاة ومقادير الدِّيات.
وهذا يؤكد أنه ﷺ اتخذ الكتابة وسيلة لبيان أحكام الشريعة وتبليغها. وأن البيان يحصل بها ويتم.
وقد جمع رسائله أيضاً عليّ بن حسين الأحمدي (٥) في مجلد ضخم، فيه أكثر من ١٧٠ وثيقة.
стр. 497
المطلب الثاني منزلة الكتابة من القول عند الفقهاء والمحدثين
إن الكتابة عند الفقهاء أحطُّ درجة من القول. فكثير مما يصحّ بالقول لا يصح بالكتابة.
فمن ذلك الطلاق. قال ابن قدامة: "في قولٍ للشافعي، لا يقع الطلاق بالكتابة، وسواء نوى بها الطلاق أو لم ينوه، لأنه فعل من قادر على التطليق، فلم يقع به الطلاق كالإشارة" (١). وبمثل ذلك قال ابن حزم الظاهري (٢). ويقول الجمهور، وهو المنصوص عن الشافعي، يقع الطلاق بالكتابة إن نواه بها، لأن الكتابة حروف يفهم منها الطلاق، ولأن الكتابة تقوم مقام قول الكاتب. فإن لم ينو لم يقع. اهـ بتصرف.
فعلى القول الأول: واضحٌ انحطاط درجة الكتابة عن درجة القول.
وعلى القول الثاني كذلك. لأن التطليق بالقول الصريح يلزم به الطلاق ولو لم ينوه. ولا يقع بالكتابة إلا بالنية.
وقد ذكر السيوطي مسألة الطلاق بالكتابة (٣)، ثم قال:
"وإن نوى فأقوال أظهرها: تطلق. والثاني: لا، والثالث: إن كانت غائبة عن المجلس طلقت، وإلاّ فلا. قال في أصل الروضة: وهذا الخلاف جار في سائر التصرفات التي لا تحتاج إلى قبول، كالإعتاق، والإبراء، والعفو عن القصاص، وغيرها.
قال: وأما ما يحتاج إلى قبول، فغير النكاح، كالبيع والهبة والإجارة، في انعقادها بالكتابة خلاف مرتّب على الطلاق وما في معناه: إن لم يصح (الطلاق) بها فها هنا أولى، وإلاّ فوجهان، والأصح الانعقاد.
стр. 498
وأما النكاح ففيه خلاف مرتّب، والمذهب منعه بسبب الشهادة، فلا اطّلاع للشهود على النيّة.
قال: وحيث جوّزنا انعقاد البيع ونحوه بالكتابة، فذلك في حال الغيبة، فأما عند الحضور فخلاف مرتّب، والأصح الانعقاد" (١). اهـ كلام السيوطي.
ويقول محمد سلام مدكور: "يجوز التعاقد بالكتابة، لأنها السبيل الثاني الذي يقطع في الدلالة على الإرادة، وسواء أكان المتعاقدان يقدران على التلفظ أم يعجزان معاً، أم يعجز أحدهما دون الآخر. وسواء أكانا في مجلس واحد، أم كان التعاقد بين حاضر وغائب، ما دامت الكتابة (واضحة، مفهومة، مستبينة). وقالوا (٢) إن العقود جميعها في ذلك سواء. ولم يستثنوا منها سوى الزواج. فلم يجيزوه بالكتابة عند التمكن من التلفّظ، لاشتراط الإشهاد والإشهار، والرغبة في الإشهار زيادة في الاحتياط لخطر ما يترتّب عليه من آثار قوية تتعلق بالأعراض والأنساب ولتحقيق العلانية".
ومن هنا يتبيّن ما قلنا من انحطاط درجة الكتابة عن درجة القول. وما ذاك إلاّ للعوامل المؤثرة، مما صرّحوا به، أو ألمحوا إليه، في تعليلاتهم، من عدم الاطلاع على النية، وأن الكاتب قد لا ينوي ما تدل عليه العبارات التي يكتبها، بل ينوي تجويد الخطّ، أو تجربة القلم، أو يعبث بالأشكال الحرفيّة، أو لغير ذلك من المقاصد. ومن صحح الكتابة للغائب دون الحاضر، فإنه لاحظ الحاجة.
وكذلك المحدثون، تقل ثقتهم بالمكتوبات عن ثقتهم بالمحفوظات، وكان الذي يعتمد على كتابه يسمى صحفياً، وذلك عندهم وصف ذمّ. وهذا حين كان فنّ الكتابة بدائياً، خالياً من النقط والشكل. فمن أخذ من الكتاب وحده لم يؤمن عليه التحريف والتصحيف. هذا بالإضافة إلى إمكانية حصول العبث بالكتاب في غفلة عن صاحبه.
стр. 499
المطلب الثالث التعارض بين الكتابة وغيرها
تعرّض لهذا البحث الزركشي في البحر المحيط، فنقل عن أبي منصور (السمعاني) أنه يقدم القول، ثم الفعل، ثم الإشارة، ثم الكتابة، ثم التنبيه على العلة (١).
فأما تقديم القول على الكتابة، فهو واضح.
وأما تقديم الفعل عليها فغير مسلم، وذلك أن الفعل يعتَوِره ما يضعف دلالته من الاحتمالات التي تقدم ذكرها في فصل حجيّة الأفعال من الباب الأول، كالخصوصية وغيرها، فكيف تقدم على الكتابة، والكتابة بمنزلة القول؟ ثم قد تُوجّه إلى المخاطب في شأن نفسه خاصّة. فكيف يقدِّم المكتوب إليه عليها ما رأى النبي ﷺ يفعله، أو سمع أنه فعله.
وإن كان المراد تقديم الفعل عليها في حقّ غير المكتوب إليه، فهو غير مسلم أيضاً، لأنها بمنزلة القول، والقول مقدم على الفعل.
وقد قدمنا أن خفاء فعليّة الكتابة ناشئ من كونها أعلى دلالة من الفعل، وذلك أيضاً يقتضي تقديمها عليه.
وأما تقديم الإشارة على الكتابة مطلقاً فهو غير مسلم، بلى ينبغي التفصيل في ذلك. فلو كتب اسم شخص، ثم عيّنه بالإشارة، وتعارضا، قدمت الإشارة، لاحتمال الكتابة الاشتراك والمجاز وغير ذلك. ولا تحتمل الإشارة هنا ذلك، لأنها تدل على المراد يقيناً.
ولو كانت الإشارة مبهمة كبعض الإشارة بالعين أو الرأس، وحتى باليد، لتوضيح بعض الهيئات المركبة أو الأمور المعنوية، فإن الكتابة في ذلك أدل، فينبغي تقديمها.
وقد تعرّض لذلك المتولّي في قضية طلاق الأخرس، فقال (٢) بعدم اعتبار
стр. 500
الإشارة في الطلاق من الأخلاص إلاّ إذا عجز عن كتابة مفهمة، فإن كان عليها قادراً فهي المعتبرة منه، ولا يعتبر طلاقه بالإشارة، لأن الكتابة أضبط؛ والجمهور أطلقوا جواز طلاق الأخرص بالإشارة.
<رأس>كيفية استفادة الأحكام من الكتابة:</رأس>
للكتابات النبوية دلالات ثلاث:
الأولى: من حيث هي فعل صادر عن النبي ﷺ . فيستدل بها كما يستدل بالأفعال الصريحة. فيجوز استعمال الكتابة في الشؤون الخاصة، وفي الدعوة إلى الله، وتبليغ الغائبين أحكام الشريعة استدلالاً بأن النبي ﷺ استعملها كذلك.
الثانية: من حيث هي تعبير عن مرادات النفس. فيستدل بها كما يستدل بالأقوال، بفهم ما تتضمنه من الأوامر والنواهي والإخبار والتحذير والإنذار، على الوجه الذي تفهم عليه اللغة. والأحكام الأصولية التي تنطبق على الكتابة، من هذه الجهة هي أحكام الأقوال.
الثالثة: ما كان النبي ﷺ يراعيه في كتبه من الأمور التي تعلم الاستقراء، من الاقتصار على القدر الضروري، وتقريب المعاني إلى المخاطبين بما هو من لغتهم، وما ألفوه من العبارات والصور التعبيرية، دون قصد إلى سجع أو تكلُّف، والقصد المباشر إلى المراد، دون مقدّمات مضنية ولا ختامات متعسّفة، والتعبير عن نفسه ﷺ بصيغة المفرد؛ والبدء بالبسملة.
فهذه الأنواع ونحوها كل منها نوع مستقل من الأفعال، ينبغي تنزيلها على الأقسام التي تقدم ذكرها من الأفعال الصريحة، والحكم عليها بما يناسبها.
ولا بدّ لإثبات كل فعل منها من الاستقراء التامّ أو القريب من التمام، لتتحصل غلبة الظن به.
ثم قد يقع الخلاف في أشياء من ذلك، إما من جهة ثبوته، أو غيرها. ومن الأمثلة على استفادة الأحكام من هذه الجهة من جهات الكتابة، ما يلي:
стр. 501
المثال الأول: الصلاة على النبي ﷺ في أول الرسائل، بأن يقول المرسل (بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله) لم يكن يقولها ﷺ في رسائله، ويكون ذلك من باب التروك.
المثال الثاني: الحمدلة أو البسملة، في أول الرسائل والوثائق. فقد افتتح البخاريّ كتابه بالبسملة دون حمدلة. وذكر ابن حجر اعتراض من اعترض على ذلك بكونه خلاف ما في حديث أبي داود مرفوعاً: "كل أمر ذي بال لا يُبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع". وأجاب عن ذلك بأجوبة، منها: وقوع كتب رسول ﷺ إلى الملوك، وكتبه في القضايا، مفتَتَحة بالتسمية دون حمدلة، كما في حديث أبي سفيان في قصة هرقل، وفي حديث البراء في قصة سهيل بن عمرو في الحديبية.
المثال الثالث: عباراتٌ مقصود بها أن تكون على وضع خاص، ككتابته ﷺ إلى هرقل وغيره (سلام على من اتّبع الهدى)، فهي دليل على ترك إلقاء السلام على الكافر، واستبداله بهذه العبارة.
المثال الرابع: كان ﷺ يكتب إلى بعض ملوك الكفر بآية من القرآن. فيستدل بذلك على لمس الكافر ما فيه قرآن من كتب التفسير والفقه (١) والمجلات الإسلامية والرسائل ونحوها.
المثال الخامس: بداءته ﷺ باسمه، فيقول: "من محمد رسول الله إلى فلان" وقد اختلف في وجه ذلك:
فقيل: السنة لكل كاتب أن يبدأ باسمه.
وقيل: إنه بدأ به لأنه أفضل من غيره، فيدل على أن الأفضل يقدّم اسمه في رسالته إلى المفضول.
قال ابن حجر عند قوله ﷺ : "من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم"، قال: "فيه أن السنة أن يبدأ الكاتب بنفسه، وهو قول الجمهور، بل حكى النحاس فيه إجماع الصحابة. والحق إثبات الخلاف" (٢). اهـ.
стр. 502
الفَصل الثاني الإشارة
الإشارة قد تكون حسية وهي المرادة هنا، وقد تكون معنوية.
والإشارة: حركة بعضو من أعضاء البدن، أو متصل به، يراد بها أحياناً أن تبيّن عما في النفس. قال صاحب لسان العرب: "يقال شوّرت إليه بيدي، وأشرت إليه، أي لوّحْتُ إليه. وأشار باليد: أومأ. وأشار بالنّار: رفعها". وقال: "أشار إليه وشوّر أومأ، يكون ذلك بالكفّ والعين والحاجب. أنشد ثعلب:
نُسِرُّ الهوى إلاّ إشارة حاجبٍ ... هناك، وإلا أن تُشيرَ الأصابعُ
وفي الحديث: كان يشير في الصلاة، أي يومئ باليد والرأس، أي يأمر وينهي بالإشارة". اهـ.
ثم قد تكون الإشارة بالرأس أو العين أو الحاجب أو الأكتاف، والأكثر بالكفّ أو الأصابع. وقد تكون بخرقة أو عصاً أو غير ذلك مما قد يساعد على لَفْتِ النظر.
الإشارة فعل:
الإشارة فعل من الأفعال، لا خفاء في ذلك، لأنها كما قلنا حركة باليد أو غيرها. وإنما جعلناها من جملة الأفعال غير الصريحة من أجل أنه يُستدل بها على الأحكام بطريق غير الأفعال الصريحة. فإن الفعل الصريح من النبي ﷺ يقتضي أن نفعل مثل ما فعل. وأما الإشارة فإن دلالتها بالمواضعة العامة، شبيهة في ذلك بدلالة القول. فإذا قال ﵊: "الشهر هكذا وهكذا وهكذا" ورفع أصابعه العشرة في مرتين، وخنس الإبهام في الثالثة، فذلك يدل على ما يدل
стр. 503
عليه اللفظ، كأنه قال: (الشهر تسعة وعشرون). فهذه دلالة بطريقة أخرى غير طريقة دلالة أفعال.
وليست الإشارة لفظ اسم الإشارة، الذي هو هنا (هكذا)، بل هذا اللفظ مؤكّد لمعنى الإشارة، ومنبّه للمخاطب، عن طريق حاسّة السمع، ليلتفت ببصره إلى ما يشير إليه مخاطبه.
المطلب الأول كيفية الدلالة بالإشارة
الإشارة تدل على مراد المتكلم بطرق مختلفة. وقد ذكر ذلك القاضي عبد الجبار مجملاً، فقال: "تدل الإشارة كدلالة القول، إما بأن يعرف مراده باضطرار، أو بطريقة في الاستدلال، نحو أن يَعُدّ عَدّاً جرت العادة بمثله. فذكر حديث الإشارة إلى عدد أيام الشهر، ثم قال: وهذه أمور معقولة في طريقة الأدلة" (١). اهـ.
ونحن نفصّل ذلك فنقول:
من طرق التي تدل بها الإشارة:
١ - التشبيه، كما في الحديث المتقدّم، فإن رفع الأصابع يراد بها أن عدد الأيام في الشهر كعدد الأصابع المرفوعة. ولو سئل ماذا يريد أن يصنع؟ فعمل باليد أو الرجل أو الفم أو غيرهما كهيئة من يأكل أو يكتب أو يمشي أو يطرق حديداً أو غير ذلك، لكان المراد به أنه يريد أن يفعل مثل ذلك.
٢ - التوجيه، أعني توجيه بصر المخاطب إلى شيء معين، بملاحقة جهة امتداد إصبع المشير أو يده أو وجهه إلى حيث هي متجهة. قال التهانوي: "تعيين الشيء بالإشارة الحسّيّة بالامتداد الموهوم الآخد من المشير المنتهي إلى المشار إليه" (٢). اهـ.
стр. 504
ثم قد يراد أن يتجه بصر المخاطب إما إلى (ذات). ويوافقها من الألفاظ (هذا) وفروعه؛ وإما إلى جهة، ويوافقها من الألفاظ (هنا) وبابها من أسماء الإشارة للمكان.
٣ - معانٍ متواضع عليها، غير منحصرة، كهزّ الرأس أو تحريكه جهة العلوّ بمعنى الإنكار والرفض والنفي، وخفضه بمعنى الموافقة والرضا والإيجاب، وهزّ الأكتاب بمعنى الاستخفاف. وكأنواع من الإشارة باليد، فنفضها، بمعنى التنصّل من الأمر وأنك منه براء، وتحريكها جهة المتكلم بمعنى الاستدعاء أو الأمر بالإدناء، وتحريكها بعيداً عن المتكلم بمعنى الأمر بالإقصاء، والتلويح بها بمعنى التوديع. إلى غير ذلك مما يعرف بتتبع عادات الناس.
هذا وتتميز الإشارة عن النطق من هذه الناحية. فإنّ فهم الإشارة لا يرتبط بلغة معينة، بل تكاد الإشارة تكون (لغة عامة عالمية)، ولذلك يستعملها الأخرس والطفل الذي لم يتكلم، ويستعملها الناس إذا لم يعلم أحد منهم لغة الآخر.
ولم يذكر التهانويّ من الأنواع الثلاثة إلّا النوع الثاني. ولكن النوعين الآخرين هما أيضاً من أنواع الإشارة. واللغة تدل على ذلك، كما تقدم في الشاهد الذي أنشده ثعلب، وما نقلناه من الحديث التالي له.
ومما ورد من النوع الأوّل، وهو التشبيهيّ، ما قال جبير بن مطعم: قال رسول الله ﷺ ، في صفة الغسل "أما أنا، فأفيض على رأسي ثلاثاً" (١). وأشار بيديه كلتيهما.
ومنه ما يأتي في الحديث، في ذكر ساعة يوم الجمعة: "وأشار بيده يزهِّدها". ووضع أنملته على بطن الوسطى والخنصر.
ومما ورد من النوع الثالث وهو الدالّ على معان متعارف عليها، ما قال رسول الله ﷺ : "ما لكم تشيرون بأيديكم كأنها أذناب خيل شُمْس" (٢). يعني إشار بعضهم بالتسليم على بعض؟ فالإشارة هنا تدل على التحية.
стр. 505
ومنه أيضاً: حديث عائشة في صلاة الكسوف، وفيه: "فأشارت برأسها أي نعم" (١).
ومنها أنه ﷺ مرّ بنساء، فالْوى بيده بالتسليم.
المطلب الثاني الإشارة عند الفقهاء
للإشارة عند الفقهاء أحوال (٢):
الأولى: حال الأخرس، فإن إشارته معتبرة وقائمة مقام النطق من الناطق في جميع العقود، كالبيع، والإجارة، والهبة، والرهن، والنكاح، والرجعة، والظهار.
وفي جميع الحلول كالطلاق، والعتاق، والإبراء.
وفي غير ذلك كالإقرار، والدعوى، والقذف (٣) والإسلام. ويستثنى من ذلك الشهادة واليمين.
وقد قسم الفقهاء الإشارة من الأخرس قسمين:
فمنها صريح يقع به الطلاق، سواء نواه أم لا، وهو الإشارة المفهومة، التي يفهم المقصود منها كل من رآها.
ومنها كناية مفتقرة إلى النيّة، وهي الخفيّة التي لا يفهم المراد منها إلاّ بمزيد من الفطنة والذكاء.
стр. 506
ووجه اعتبارها من الأخرس أنه غير قادر على النطق، فهو يعبّر عن مراده بالإشارة لأنها الأمر المتيسّر له، وقد جرت العادة أنه بها يقضي مآربه ويعبّر عن نفسه، فهي (لغته) التي بها يبلغ ما يريد.
الثانية: المعتقل لسانه، واسطة بين الناطق والأخرس، قال السيوطي: "فلو أوصى في هذه الحالة بإشارة مفهمة، أو قرئ كتاب في الوصية، فأشار بيده: إن نعم، صحّت". اهـ. فأجرى عليه حكم الأخرس. وهذا منه ملاحظة للعلة التي ذكرناها آنفاً. وذكر ابن حجر في الفتح في المعتقل لسانه ثلاثة أقوال، الاعتبار، وعدمه، وثالثها عن أبي حنيفة: إن كان مأيوساً من نطقه. وعن بعض الحنابلة إن اتصل بالموت، ورجّحه الطحاوي.
الثالثة: القادر على الإبانة بالقول. قال السيوطي: "وإشارته لغوٌ إلاّ في صور معيّنة، منها الإفتاء، ومنها الأمان للكافر بالإشارة، تعتبر أماناً حقناً للدم. ومنها ردّ السلام بالإشارة من المصلّي". وهذا في الحقيقة راجع إلى ما تقدم قبل هذه الحالة لأن الصلاة تمنع النطق، شرعاً.
وقال ابن عابدين من الحنفية ما حاصله (١): إن الإشارة من الناطق باطلة إلاّ في تسعة مواضع عدها وذكر منها الإفتاء، والإسلام، والكفر، والنَّسَب، والأمان، وإشارة المحرم لصيد.
وقال ابن حجر: "في حقوق الله تكفي الإشارة من القادر على النطق. وأما في حقوق الآدميين فلا تقوم إشارته مقام نطقه عند الأكثرين".
وقال محمد سلام مدكور: "الفقه المالكي يعتبر الإشارة أداةً للتعاقد حتى بالنسبة لغير الأخرس، ما دامت مفهومة بين الناس، ومتعارفاً بينهم على مدلولها" (٢).
стр. 507
ويتأيّد ما ذكره ابن حجر في حقوق الله بحديث أبي قتادة (١) عندما صاد حمار وحش، ولم يكن أحرم. فقال النبي ﷺ لرفقته: "منكم أحد أمره أن يحمل عليها، أو أشار إليها؟ " قالوا: لا، قال: "فكلوا". والصيد محرّم على المحرم لحق الله.
المطلب الثالث حكم البيان بالإشارة
إن الإشارة لما كان فيها من خفاء الدلالة على المراد ما فيها، منع من اعتبارها في حقوق الآدميين، إلا حيث لا وسيلة للتعبير سواها، كما في حال الأخرس والمعتقل كما تقدم، أما القادر على النطق فلا تعتبر منه، على التفصيل المتقدم. وهذا إن كانت إشارة مجردة. لكنهم اتفقوا على أن البيان الإفتائي بها صحيح.
أما إن انضمّ إليها نطق، فبيّنت الإشارة المراد به، فلا خلاف في أنها يصح البيان بها حتى من القادر على النطق. فلو قال الرجل لزوجته (أنت طالق، هكذا). وأشار بأصابعه الثلاث، طلقت ثلاثاً عند كل من يقول بوقوع الثلاث مجتمعة. ووجهه أن (هكذا) لفظ لا بدّ من حمله على مدلوله. وقد بيّن المراد به بالإشارة فتعيّن.
ما وقع في السنة من البيان بالإشارة:
الذي وقع في السنة من البيان بالإشارة ثلاثة أنواع:
النوع الأول: إشارة مجتمعة مع لفظ هو اسم من أسماء الإشارة، تبيّن الإشارة المراد به. وهذا النوع في السنة كثير. ومثاله ما تقدّم في حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "الشهر هكذا وهكذا وهكذا" يعني ثلاثين. ثم قال: "وهكذا وهكذا وهكذا" يعني تسعة وعشرين. وقد عقد البخاري باباً (٢) بعنوان (الإشارة في الطلاق والأمور) أورد فيه وفي ما بعده من هذا النوع حديث ابن عمر المتقدم وأحاديث أخر، منها:
стр. 508
١ - أن النبي ﷺ قال: "إن الله لا يعذّب بدمع العين، ولكن يعذّب بهذا". وأشار إلى لسانه.
٢ - وقال: "فتح من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه". وعقد تسعين.
٣ - وقال: "الفتنة من هنا". وأشار إلى المشرق.
٤ - وأشار النبي ﷺ بيده نحو اليمن: "الإيمان ها هنا" مرتين.
٥ - وقال: "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا". وإشارة بالسبابة والوسطى وفرج بينهما.
ومن هذا الباب أيضاً حديث عمّارٍ في التيمم: "إنما يكفيك أن تقول بيدك هكذا". ثم ضرب بيده الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه.
النوع الثاني: أن يجعل الإشارة كجزء من القول، أعني أن لا يذكر في الكلام اسم إشارة، وإنما يقيم الإشارة مقام اللفظ. وهذا النوع أقلُّ وروداً من الأول، ومثاله ما في الحديث عن أبي هريرة مرفوعاً: "في الجمعة ساعة، لا يوافقها عبد مسلم قائم يصلي، فسأل الله خيراً إلا أعطاه". ووضع أنملته على بطن الوسطى والخنصر. قلنا: يزهّدها. اهـ.
أقول: فالإشار ها هنا قائمة مقام النعت لكلمة (ساعة) أي: ساعة قليلة.
النوع الثالث: الإشارة المجرّدة من القول إذا أفادت. وهي جائزة في مقام بيان الأحكام، وإن كانت لا تعتبر في الحقوق بين الآدميين من القادر على النطق، كما تقدم. وقد تقدم عن السيوطي أنه استثنى الإشارة في الإفتاء، فأجازها من القادر على النطق. وكذلك فعل ابن عبادين.
وقد أُثر من ذلك في السنة قليل. ومنه حديث ابن عباس أن النبي ﷺ سئل يوم النحر عن التقديم والتأخير، فأومأ بيده أن لا حرج (١). والذي سهّل الأمر في مثل هذا الحديث أن الإشارة وقعت في جواب وسؤال.
стр. 509
فهي في الحقيقة مضمومة إلى قول. ومثله حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: "يقبض العلم، ويظهر الجهل والفتن، ويكثر الهرج". قيل: يا رسول الله: وما الهرج؟ فقال بيده هكذا فحرفها، كأنه يريد القتل (١).
أما بيان الأحكام بإشارة مجرّدة عن سؤال أو نطق بالكلية، فلم نظفر له بمثال.
وقد نقل الزركشي (٢) عن ابن السمعاني أنه قطع بصحة البيان بالإشارة. ونقل عن صاحب الواضح، ولعله يعني ابن عقيل الحنبلي، أنه قال: "لا أعلم خلافاً في الكتابة والإشارة يقع بهما البيان". وعدَّ الزركشي (٣) وغيره الإشارة قسماً من أقسام السنة، ومقتضى الإطلاق أن البيان يصح حتى بهذا النوع الثالث.
وهم إنما يمثلون بأمثلة من النوع الأول.
واحتجّ أبو يعلى الحنبلي (٤) للبيان بالإشارة، بقوله تعالى عن زكريا: ﴿قال رب اجعل لي آية * قال آيتك ألاّ تكلم الناس ثلاث ليال سويا * فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبّحوا بكرة وعشيا﴾ (٥). ومثله قوله تعالى لزكريا: ﴿قال آيتك ألاّ تكلّم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً﴾ ثم قال: فقد قامت إشارته مقام القول في بلوغ المراد.
وليس هذا بحجة. فإن زكريا أفقده الله القدرة على النطق في تلك الأيام الثلاثة فرجع كالمعتقل لسانه، كما تدل عليه الآية ﴿آيتك ألاّ تكلم الناس﴾.
ومن هذا يتبيّن أن الأصوليين لم يحرّروا هذا الموضع كما ينبغي له.
стр. 510
المطلب الرابع التعارض بين الإشارة والقول
قعّد السيوطي في ذلك قاعدة: "إذا اجتمعت الإشارة والعبارة واختلف موجبهما، قدمت الإشارة" (١).
ثم ذكر فروعاً سبعة تدخل في القاعدة، وخمسة خارجة عنها.
وهذا يدل على أنها عند الفقهاء قاعدة أغلبية.
ومن الأمثلة التي ذكرها وتدخل في القاعدة، أنْ يقول: زوَّجْتُك فلانَة هذه، ويسمّيها بغير اسمها، فإن العقد يصح على المشار إليها دون المسمّاة.
ومما وقع منه في السنة ما ورد في حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة -وأشار بيده على أنفه؛ وفي نسخة إلى أنفه- واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين" (٢).
فقد تعارض في هذا الحديث الإشارة -إلى الأنف- والعبارة- والجبهة. وفي المسألة (٣) ثلاثة مذاهب.
المذهب الأول: ذهب أبو حنيفة، ومالك في قول، إلى أن السجود على الأنف وحده يجزئ. ولعلهما ذهبا إلى أن الجبهة والأنف عضو واحد، بدليل النطق بأحدهما والإشارة إلى الآخر، فإذا جعلا كعضو واحد أمكن أن تكون الإشارة إلى أحدهما إشارة إلى الآخر. فتطابق الإشارة العبارة. ثم متى كانا عضواً واحداً فيجزئ السجود على بعضه، إذ إن العضو الواحد يجوز السجود على بعضه كما في الأعضاء الستة الأخرى. ويحتمل أن مأخذ هذا المذهب تغليب الإشارة على العبارة.
стр. 511
المذهب الثاني: ذهب أحمد في رواية، ومالك في قول، والشافعي في قول، إلى أنه يجب السجود على الجبهة والأنف كليهما. ومأخذ هذا شبيه بمأخذ المذهب السابق من أنهما كعضو واحد، ولكن لا يكتفى بأحد جزأيه عن الآخر، لأن العبارة تقتضي السجود على الوجه، والإشارة تقتضي السجود على الأنف. ولا يجوز على هذا القول جعلهما عضوين منفصلين، لأن الأعضاء تكون بذلك ثمانية، وهو خلاف الحصر الوارد في أول الحديث.
وقد رجّح ابن دقيق العيد هذا القول على القول السابق، قال: لكون الجبهة والأنف داخلين تحت الأمر، وإن أمكن أن يعتقد أنهما كعضو واحد من حيث العدد المذكور. يعني أنهما في التسمية والعدد يجعلان عضواً واحداً. ولكن الحكم أن يسجد عليهما جميعاً، تطبيقاً لدلالة العبارة ودلالة الإشارة.
المذهب الثالث: ذهب أحمد في رواية ثانية، وهو قول لبعض الشافعية، إلى أن السجود على الجبهة دون الأنف يجزئ، ولا يجزئ السجود على الأنف وحده.
وكأنّ مأخذ هذا القول رؤية التعارض بين العبارة والإشارة، فقدمت العبارة على الإشارة. وقد وجهه ابن دقيق العيد بأن الإشارة لا تعيِّن المراد يقيناً لتقارب ما بين الأنف والجبهة، بخلاف التعبير فهو يحدّد المراد. فيقدم.
وهذا عندي واضح جدّاً. وقد سبق أن أشرت إليه في تعارض الكتابة والإشارة، فيظهر -على قول الجمهور- أن ابن عباس لم يلاحظ الإشارة ملاحظة دقيقة. هذا على روايته (إلى أنفه)، وهي رواية مرجوحة، والثابت في أكثر النسخ من البخاري (على أنفه).
وعندي أن فهم هذه الرواية يحل الإشكال. فإن (على أنفه) لا يجوز أن تفهم على أنها تعني (إلى أنفه) فلم يعهد في اللغة تعدية (أشار) إلى المشار إليه بـ (على) وإنما تعدّى إليه بـ (إلى). ولذا ينبغي أن يقال في (على أنفه) إنها تعني أنه وضع إصبعه، أو أصابعه، على أنفه، وأطرافها متجهة إلى الجبهة. ومن المعلوم أن المشار إليه هو ما يتجه إليه رأس الإصبع، والظاهر أن الإصبع كانت متجهة برأسها إلى الجبهة، وإن كان حرفها مرتكزاً على الأنف، ولذلك قال (على أنفه)
стр. 512
لكن ليس ذلك إشارة إلى الأنف، بل إلى الجبهة. وبهذا يكون القول الثالث أرجح الأقوال، ويكون السجود على الأنف مع الجبهة من باب الاحتياط أو الكمال، كما قال الشافعي في الأم، ليس إلاّ، والواجب الجبهة لا غير.
وليس معنى هذا أننا نقول بتقديم العبارة على الإشارة دائماً. بل الذي نقوله هنا ما سبق أن قلناه في تعارض الإشارة مع الكتابة، فحيث كانت الإشارة مفهومة معينة للمراد يقيناً دون إبهام، فإنها تقدّم، وإلا نُظِر في الترجيح بينهما في كل مقام بحسبه.
ويعرض الإلتباس للإشارة أحياناً بسبب بعد المشار إليه، فإنّ من شاهد العضو المشار به، كالإصبع، إذا كان المشار إليه بعيداً، يصعب عليه تقدير مسقط الإتجاه. فلو كان أمامه رجال ودوابّ وغيرها. وكانت بعيدة، فأشار بأصبعه، احتمل أن يكون كل شيء من الأشياء المقابلة مراداً، وحتى لو ضمّ إلى الإشارة لفظاً، كهذا، وعطف عليه مبيناً بلفظ آخر (كهذا الرجل) فإن الإبهام لا يزايل. أما لو سمّى رجلًا منهم باسمه العلَم فإنه يتعيّن، ما لم يكن الاسم مشتركاً. وكلّما كان المشار إليه أقرب كانت الإشارة أقوى في التعيين ويقل الاحتمال، فإذا تمّ قربه وسقط رأس الإصبع على المشار إليه فلمسه، تعيّن يقيناً، إلاّ لعارض كما في الإشارة إلى الجبهة في حديث أعضاء السجود، الآنف الذكر.
هذا ويرتّب النحاة (١) ألفاظ المعارف من حيث قوة التعيين هكذا: ضمير المتكلم، ثم المخاطب، ثم العلم، ثم ضمير الغائب السالم عن إبهام، ثم المشار به والمنادى، ثم الموصول والمعرَّف بأل. والمضاف بحسب المضاف إليه.
وهذا ترتيب غير تام الضبط.
وحتى لو قلنا به فإنه لا يصحّ إطلاق القول بأن الإشارة مقدمة على العبارة، لأن النحويين قدموا عليها بعض أنواع العبارة وهي الضمائر والأعلام وأخروا عنها المعرَّف بأل والمنادى.
стр. 513
المطلب الخامس هل كانت بعض الإشارات ممتنعة على النبي ﷺ
روى أبو داود: "لما كان يوم فتح مكة اختبأ عبد الله بن سعد بن أبي السرح عند عثمان بن عفان، فجاء حتى أوقفه على النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، بايعْ عبد الله. فرفع رأسه، فنظر إليه ثلاثاً، كل ذلك يأبى، فبايَعه بعد ثلاث. ثم أقبل على أصحابه، فقال: "أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله؟ " فقالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك، ألا أومأت لنا بعينك. فقال: إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين" (١).
قال الخطابي: "خائنة الأعين": أن يضمر في قلبه غير ما يظهره للناس، فإذا كفَّ لسانه، وأومأ بعينه إلى ذلك، فقد خان، وقد كان ظهور تلك الخيانة من قبل عينه، فسمّيتْ خائنة الأعين. اهـ.
ورواية أبي داود مردودة لضعفها، انفرد بها إسماعيل بن عبد الرحمن السدّي، أخرج له مسلم وتكلم فيه غير واحد، كذا في عون المعبود. وقال الحافظ ابن حجر في التقريب: صدوق يهم، ورمي بالتشيّع. قلت: مثل هذا لا يقبل إذا انفرد، وخاصّة إنْ كانت روايته تؤيّد ما رمي به من البدعة، فإن روايته للحديث يؤيّد بها ما يذهب إليه من التشيّع، لأن فيها طعناً في عثمان، وفي ابن أبي سرح، وكلاهما ممن تكره الشيعة.
ولأن ما في الحديث مشكل، فكيف يحكم النبي ﷺ بقتل رجل جاء يبايعه، ولا بيعة له إلاّ وقد أسلم. فكيف يريد منهم قتل المسلم. ثم ما الذي كان يمنعه من التصريح بالأمر بقتله إن كان يريد قتله؟.
стр. 514
وما قاله الخطابي مردود أيضاً، فليس من الخيانة أن يضمر الإنسان في قلبه غير ما يظهره للناس إن كان ما يضمره مباحاً. وقد كان النبي ﷺ يستعمل التورية، وقال: "الحرب خدعة" (١). ولما سئل: ممن أنتم؟ قال: "نحن من ماء" (٢)، عَنَى به غير ما فهمه السامع.
فهذا الحديث ضعيف سنداً، منكر متناً.
وأما الآية ﴿يعلم خائنة الأعين﴾ فهي العين التي تعتدي سرّاً على ما حرّم الله عليها، وهي تظهر البراءة، كما يُعْلَم من كلام المفسرين، وليس منها ما ورد في الحديث الآنف الذّكر. والله أعلم.
ثم استدركنا فوجدنا الحديث صحيحاً بلفظ: "ما كان لنبي أن يومض" رواه أبو داود. ووجدنا في شرح المنتهى للفتوحي الحنبلي (٢/ ٩٢) ما يلي: "منع النبي ﷺ من الرمز بالعين والإشارة بالحاجب، للحديث. وهي الإيماء بالعين إلى مباح من نحو ضرب أو قتال على خلاف ما هو الظاهر سمي بذلك لشبهه بالخيانة لإخفائه. ولا يحرم ذلك على غيره". اهـ. فالمسألة بحاجة إلى مزيد تحرير.
стр. 515
الفصل الثالث الأوجُه الفِعليَّة لِلقَول
المبحث الأوّل التفريق بين الوجه العباري وبين الوجه الفعلي للقول
تعريف القول: القول هو اللفظ المفرد أو المركب الدالّ على معنى (١).
واضح من تعريفنا للقول بأنه (اللفظ ... إلخ) أن ذلك يقتضي إدخال القول في حد الفعل، فيكون القول فعلاً.
وقد تعرّض لهذه القضية الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد في شرحه (٢) لحديث: "إنما الأعمال بالنيات ... " فقال:
стр. 516
رأيت بعض المتأخرين من أهل الخلاف خصّص الأعمال بما لا يكون قولاً وأخرج الأقوال من ذلك. وفي هذا عندي بعد.
وينبغي أن يكون لفظ "العمل" يعم جميع أفعال الجوارح.
نعم لو خصّص بذلك لفظ "الفعل" لكان أقرب، فإنهم استعملوهما متقابلين، فقالوا: الأفعال والأقوال. ولا تردّد عندي في أن الحديث يتناول الأقوال أيضاً. اهـ كلامه.
وواضح من كلامه أنه يرى أن (العمل) يشمل القول، وأن (الفعل) مباين للقول، وأن دليله على ذلك استعمال الفعل والقول متقابلين في كلام الفصحاء.
وعندي أن هذا الدليل غير قائم. بل القول هو فعل من بعض الوجوه وخارج عن الفعل من وجه آخر.
وتوضيح ذلك أن القول هو قول من حيث دلالة عبارته على ما دلّت عليه بالوضع أو التجوّز. وسواء كانت دلالته بالمطابقة، أو التضمّن أو الالتزام. وهو فعل من حيث إيقاعه أوْ لا إيقاعه، ومن حيث صفة صدوره عن القائل، ومن حيث تعلُّقُه بما تعلق به.
هذا وإن العمل بمدلول العبارة هو عمل بالقول، أما إيقاع قولٍ آخر مثل القول فهو اقتداء بالقول من حيث هو فعل.
فالقول إنما يطلق على ما يتلفّظ به من حيث مدلول العبارة، لا من جهة أخرى. ومدلول العبارة هو أن الكلام خبر أو أمر أو نهي أو تعجّب أو استفهام أو تمنٌّ أو غير ذلك من هذه المعاني القولية.
لكن القول من حيث إخراجه من حيّز العدم إلى حيّز الوجود هو فعل من الأفعال. وكذلك من حيث تأثيره في ما يؤثر فيه، وتعلّقه بما تعلّق به.
وأقوال النبي ﷺ يجري فيها على هذا الأسلوب. فهي أفعال من حيث إنه ﷺ أوقعها، فأخرجها إلى حيّز الوجود، ثم قد يكون قالها مرتبطةً بزمان أو مكان، كأذكار رؤية الهلال، ودخول المسجد الحرام، والوقوف بعرفة، وأذكار
стр. 517
الصلاة وغير ذلك ... فتكون من هذه الجهة أفعالاً، ويجري في الاستدلال بها في حقّنا على قانون الأفعال. فما علم أنه ﷺ قاله بياناً لواجب أو امتثالاً له وجب علينا أن نقول مثله، وما قاله بياناً لمستحب أو امتثالاً له فمثله منا مستحب. وإن قاله بياناً لمبيح أو تطبيقاً له فإيقاع مثله منا مباح. وإن لم يكن كذلك فهو فعل مجرّد، نستدل به كما نستدل بسائر الأفعال المجرّدة.
وأما ما تضمنته العبارة من إسناد الخبر إلى المبتدأ، أو الفعل إلى الفاعل، أو الطلب ونحوه، فهي الدلالة القولية. والحكم المستفاد من الجهة القولية إنما يستفاد من هذه الناحية لا غير. فالأمر يدل على الوجوب، والنهي يدل على التحريم وهكذا.
وكمثال على ذلك نذكر حديث صفية زوج النبي ﷺ قالت: "كان النبي ﷺ معتكفاً، فأتيت أزوره ليلاً. فحدثته، ثم قمت لأنقلب، فقام معي ليقلِبَني، فمرّ رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا. فقال النبي ﷺ على رِسْلِكما، إنها صفيةُ بنتُ حُيَيّ. فقالا: سبحان الله يا رسول الله! فقال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاً" (١) أو قال: "شرّاً".
فقوله: "على رسلكما" طلب للتمهل، ودلالته على ذلك دلالة قولية.
وقوله: "إنها صفية بنت حييّ" إخبار لهما عن المرأة التي معه، وأنها زوجته. فهذا خبر مفهوم من الجهة القولية أيضاً.
ودلالته على جواز زيارة المرأة لزوجها المعتكف دلالة قولية، من القياس بنفي الفارق.
أما دلالته على أنه يندب للإنسان أن يبيِّن في مثل هذا الموقف، إزاحة للتهمة عن نفسه، وانتشالاً لأخيه من مهواة الإثم بسوء الظن، فهي دلالة فعلية، تستفاد من القول من حيث هو فعل كسائر الأفعال، يُجْرى فيه على قانونها في الاستدلال.
стр. 518
وقد مثّل الشاطبي في باب الأفعال (١) بتقرير النبي ﷺ للزاني بصريح السؤال، حيث قال له: "أفعلت كذا؟ أفعلت كذا؟ " حتى قال له: "كما يدخل الرشاء في البئر؟ " إلى آخر ما قال ﷺ .
قال الشاطبي: والقول هنا فعل، لأنّه معنى تكليفيّ لا تعريفيّ. فالتعريفي هو المعدود في الأقوال، وهو الذي يؤتى به أمراً أو نهياً أو إخباراً بحكم شرعي، والتكليفي هو الذي لا يعرِّف الحكم بنفسه من حيث هو قول، كما أن الفعل كذلك. اهـ.
فهذا تفصيل جيد.
ولكنا لسنا نرتضي هذه التسمية (المعنى التكليفي) لأن التكليف متعلّق بالشرع، والمسألة لغويّة محضة. وهذا الاختلاف بين جهتي القول واقع في كل قول، سواء صدر من المنتسبين إلى الشرع أم غيرهم.
فما عبّرنا به من (الوجه الفعلي للقول) أوضح ممّا عبّر به الشاطبي ﵀.
وقد ذكر أبو الحسين البصري (٢) في زيادات المعتمد، في قسم الأفعال، قضاءه ﷺ على الغير، ثم قال:
"ولقائل أن يقول: لم أدخلتم القضاء في جملة الأفعال، مع أنه قول؟ وأنتم إنما تتكلمون في أبواب الأفعال في الأفعال التي هي أفعال الجوارح؟ قال: والجواب: إنما تكلّمنا في القضاء هاهنا لأنه كأفعال الجوارح بالغير. ولم يجزْ ذكره في ما قبل، فذكرناه هاهنا لمشابهته للأفعال المتعلقة بالغير قال: وإذا أردنا حَسْم هذا الاعتراض قلنا في القسمة: إن ما يسند إلى النبي ﷺ في ما يتعلق بغيره أفعال وتروك. والأفعال ضربان: أفعال هي أقوال، وأفعال ليست أقوالاً".
ثم قال: "وإنما قسمْنا الأفعال إلى أقوال وإلى غير أقوال، لأنّ الفعل إذا أطلق أفاد كل ما يفعله الفاعل من قول وغير قول. وإذا جعل في مقابلة قول، لم يدخل القول تحت الفعل". اهـ.
стр. 519
وهذا بيان واضح يدل على بعض ما ذكرنا. والذي نقوله إن القول فعل، سواء تعلق بالغير أو لم يتعلق به.
وقول أبي الحسين هذا، كافٍ للردّ على استدلال ابن دقيق العيد على التباين بين (القول) و (الفعل) باستعمالها متقابلين في كلام الفصحاء، ووجه الردّ أن التباين عارض يعرض إذا استعملا متقابلين مجتمعين في كلامٍ واحد، أما إذا استعملا في كلامين فإن (القول) يدخل في (الفعل) من الوجه الذي ذكرناه.
ضابط للتفريق بين وجهي القول:
إن الضابط لذلك أنه حيث كان الاستدلال بالقول يقتضي أن نقول مثل ما قال ﷺ ، فهو استدلال بالوجه الفعلي للقول.
وحيث كان الاستدلال بالقول يقتضي أن نفهم ما قال ونمتثله، فهو استدلال بالوجه القولي.
وبهذا المعنى الذي أشرنا إليه يتضح لنا مبنى الخلاف في ما يختلف فيه من مثل (القضاء) و (البيع) وسائر العقود، و (الأمر) و (النهي) ونحوها.
فقد اختلف فيها هل هي أقوال أم أفعال. فمن قال: إنها أقوال، نظر إلى الصيغة، ومن قال: إنها أفعال، نظر إلى الإيقاع والتعلق.
فمن ذلك قضاء القاضي بين الخصمين، فإنه قول، لأنه عبارة عن قول القاضي "حَكَمْتُ بكذا". ولكن لأنه يتعلق بالخصمين، ويكون كفّاً لأحدهما عن الآخر وفصلاً بينهما، فهو من هذه الجهة فعل. وقد جعل الجصاص القضاء بين شخصين فعلاً دالاً على الوجوب. وقال ابن الهمام: "القضاء قولٌ يكون معه عموم وخصوص"، وقال أبو الحسين البصري: "إن القضاء قولٌ هو فعل" (١) وهو أوضح من كلام غيره.
стр. 520
ومثل القضاء البيع والهبة والتمليك وسائر العقود.
ما يدخل تحت هذه القاعدة:
يدخل تحت هذه القاعدة جملة كبيرة من أقواله ﷺ ، يستدل بها، على طريقة الاستدلال بالأفعال، ونحن نذكر من ذلك أصنافاً:
الأول: الأذكار والأدعية النبوية. سواء أكانت في العبادات المرسومة كالصلاة والزكاة والحج والصوم، أو المرتبطة بأسباب زمانيّة كأدعية الصباح والمساء ودخول الشهر، أو مكانية كأذكار دخول المنزل والخروج منه، أو بمناسبات أخرى كما كان ﷺ يقوله إذا استجدّ ثوباً، أو عاد مريضاً، أو قابل وفداً، أو غير ذلك.
وقد قال ابن قدامة في سياق بيان حكم تسليمه ﷺ من الصلاة: "أكثر أفعاله ﷺ في الصلاة مسنونة غير واجبة" (١).
الثاني: قضاؤه ﷺ .
فلو شهد عنده شاهد وحلّف المدعي، ثم قضى بذلك، لكان قضاؤه بالشاهد واليمين فعلاً من الأفعال.
وقد ذكر الجصّاص (٢) في أفعاله ﷺ الدالّة على الوجوب قضاءه بين اثنين.
الثالث: افتاؤه ﷺ ، وبيانه للأحكام الشرعية، وتعليمه أصحابه.
والوجه الفعلي لذلك يقتضي أن يُقْتدى به ﷺ في البيان، وتستخدم الطرق التي سلكها، وتراعى الأمور التي راعاها في ذلك.
ومثاله الحديث الذي في الصحيحين: عن عبد الله بن عمرو، قال: تخلّف عنا النبي ﷺ في سفرة سافرناها، فأدْركَنا وقد أرهقتنا الصلاة، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: "ويل للأعقاب من النار" مرتين أو ثلاثاً.
فالعبارة تدل على وجوب استيعاب الرجل بالغسل.
стр. 521
والوجه الفعلي يدل على أمور:
منها: ما بوّب عليه البخاري: باب من رفع صوته بالعلم (١).
ومنها: تكرير القول المبلِّغ للحكم ليستقرّ ويتأكد.
ومنها: تفقَّد الإمام للرعية في وضوئهم.
ومن هذا الصنف الثالث أيضاً ما يستدلّ به الأصوليون على إثبات بعض أصول الفقه، كاستدلالهم في باب القياس بأنه ﷺ قاس في مثل جوابه لمن سألته عن حجها عن أبيها: "أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت تقضينه عنه؟ " ثم قال: "اقضوا الله فالله أحق بالوفاء" فهذا النوع إنما هو استدلال بالأفعال.
الرابع: أنواع من كلامه ﷺ كمدحه بعض الناس، وذمه لآخرين، ومزاحه وتوريته، ونحو ذلك.
إلى غير ذلك من الأنواع.
بل كلّ شيء من أقواله ﷺ له وجه فعلي، ثم قد يحتاج إلى ذلك الوجه في الاستدلال، وقد لا يحتاج إليه لظهوره.
стр. 522
المبحث الثاني حصر الأوجه الفعليَّة للقول
تتعدّد الأوجه الفعلية للقول إذا نظر إليه من جهات مختلفة. ونحن سنحاول حَصْر تلك الجهات في ما يلي:
الجهة الأولى: إيقاع القول المعين منوطاً بزمان أو مكان أو مناسبة معيّنة، كما تقدم في الأذكار والأدعية. وقد يكون القول مطلقاً عن السبب، كسائر الأذكار والأدعية المطلقة، كقوله ﷺ : "استغفروا الله. إني أستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة" (١).
الجهة الثانية: درجة الصوت. ومثاله ما تقدم في حديث: "ويل للأعقاب من النار".
ومثاله أيضاً ما في حديث جابر، قال (٢): "كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرّت عيناه، وعلا صوته، واشتدّ غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: صبّحكُمْ ومسّاكُمْ".
الجهة الثالثة: استعمالاته اللّغوية.
ومن ذلك أنه ﷺ كان يتكلم بالعربية، ويخطب بها، ويتكلم أحياناً بلغة خاصة بقوم وفدوا عليه، ويكتب إليهم بها. كما قال لبنت سعيد بن العاص لما رجعت من الحبشة (٣): "يا أم خالد هذا سَنَاهْ" و (سَنَاهْ) بلغة الحبشة بمعنى (حسن)
стр. 523
ولعلّه ﷺ إنما قال لها ذلك لأنها وُلدت بأرض الحبشة، ونشأت بها، ولعلّها كانت تفهم بها أكثر مما كانت تفهم بالعربية،، فخاطبها بما تفهم.
وقال له أبو موسى الأشعريّ (والأشعريون من اليمن): أمِنِ آمْبِرِّ آمْصوْمُ في آمْسَفَر؟ فقال ﷺ : "ليس من امبرّ امصوم في امسفر" (١). فلما كانت هذه لغتهم خاطبهم بها.
وكتب إلى بعض أقيال اليمن: "إلى الأقيال العباهلة، والأرواع المشابيب ... وفي التيْعةِ شاةٌ لا مقوَّرة الألْياطِ ولا ضَناك ... وأنطوا الثَّبِجَة. وفي السُّيوب الخُمس" (٢) إلخ. وهذا غريب على لغة قريش، ولكنه لغة من كتب إليهم.
الجهة الرابعة: تصرفاته ﷺ من جهة البديع والمعاني والبيان والصور التعبيرية وما أشبه ذلك. فقد كان يستعمل الإيجاز غالباً دون الإطناب والإسهاب مع الوفاء بالمقصود دون إخلال، ويأخذ بجوامع الكلم.
ولا يستعمل السجع والجناس. إلاّ أن يقع ذلك في الكلام دون تكلّف أو معاناة.
واستعماله المبالغة، في مثل قوله: "أما أبو جهم فلا يضعَ عصاه من عاتِقِه" (٣).
стр. 524
واستعماله بعض ألفاظ الدعاء التي لا يراد بها أصل موضوعها، كقوله لأم سليم: "تربت يداك" وقوله عن صفية: "عقرى حلقى".
وإجابته عما لم يسأل عنه، إذا علم من حال السائل أنه يجهل ما هو بحاجة إليه، كما سئل النبي ﷺ عن التوضّؤ بماء البحر، فقال: "البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته" (١).
ومنها إجماله قبل البيان توطئةً له وتثبيتاً، وتنبيهاً على قيمة ما سيقال، كقوله لأبيّ: "لأعلمنّك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد" (٢) ثم علّمه الفاتحة.
إلى غير ذلك مما استقرأه المتكلّمون في علم البلاغة، وفي البلاغة النبوية خاصة (٣).
الجهة الخامسة: العادات الكلامية كما قالت عائشة: "ما كان ﷺ يسرد كسردكم هذا. كان يتكلم كلاماً فصلاً لو عدّه العادّ لأحصاه. وكان إذا تكلّم الكلمةَ أعادها ثلاثاً لتحفظ عنه".
الجهة السادسة: إغلاظ القول ولينه. فقد كان ﷺ لأمته كالطبيب المعالج، يستعمل كل شيء في موضعه الذي يستحقه.
وكان ربما يُبْهِم إذا أراد الإنكار على معيّن، ويقول: "ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا؟ " ولا يسميهم.
الجهة السابعة: بيانه ﷺ للأحكام مقرونة بالتعليل والبرهنة المقنعة. كما في حديث أبي هريرة: "أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال يا رسول الله: ولد لي غلام
стр. 525
أسود. فقال: هل لك من إبل؟ قال: نعم. قال: ما ألوانها؟ قال: حُمْر. قال: هل فيها من أورق؟ قال: نعم. قال: فأنّى ذلك؟. قال: لعلّ نزعه عرق. قال: فلعلّ ابنك هذا نزعه عرق" (١).
فهو ﷺ لم يخبر السائل بالحكم الشرعي مجرداً، وهو لصوق النسب به، بل جاءه بمثال مقنع، ومن واقع حال السائل.
وقالت له عائشة: حسبك من صفية كذا وكذا، تعني: قصيرة، فقال ﷺ : "لقد قلتِ كلمة لو مزجتْ بماء البحر لمزَجتْهُ" (٢).
ومثله قوله: "لا تجمعوا بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها، إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم".
стр. 526
الفصل الرابع الترك
تمهيد في حقيقة الترك:
الترك في اللغة: ودع الشيء وتخليته. هكذا في (لسان العرب).
وفي المواقف وشرحه: "الترك في اللغة: عدم فعل المقدور، سواء قصد التارك أو لم يقصد، كما في النوم، وسواء تعرّض لضدِّه أو لم يتعرض. وأما عدم ما لا يقدر عليه فلا يسمّى تركاً. ولذا لا يقال: ترك فلان خلق الأجسام.
وقيل إن الترك: عدم فعل المقدور قصداً، فلا يقال: ترك النائم الكتابة. ولذا لا يتعلق به المدح والذم.
وقيل إن الترك: من أفعال القلوب، لأنه انصراف القلب عن الفعل، وكفّ النفس عن ارتياده. وقيل هو فعل الضد لأنه مقدور، وعدم الفعل مستمر. فلا يصلح أثراً للقدرة الحادثة" (١). اهـ.
فبناء على أوسع الاصطلاحات مما ذكره، نقول: الترك نوعان: ترك غير مقصود وترك مقصود.
فأما الترك غير المقصود فواضح أنه سلب محض. وهو ليس موضعاً للقدوة، ولا يستدلّ به على طريقة الاستدلال بالأفعال، فلا يدل على جوازٍ ولا كراهة ولا تحريم. ويقول ابن تيمية في سياق كلامه عن دخول الحمّامات:
стр. 527
"ليس لأحد أن يحتج على كراهة دخولها، أو عدم استحبابه، بكون النبي ﷺ لم يدخلها، ولا أبو بكر وعمر، فإن هذا إنما يكون حجة لو امتنعوا من دخول الحمامات، وقصدوا اجتنابها، أو أمكنهم دخولها فلم يدخلوها. وقد علم أنه لم يكن في بلادهم حينئذ حمام، فليس إضافة عدم الدخول إلى وجود مانع الكراهة أو عدم ما يقتضي الاستحباب بأولى من إضافته إلى فوات شرط الدخول وهو القدرة والإمكان.
وهذا كما أن ما خلقه الله في سائر الأرض من القوت واللباس والمراكب والمساكن لم يكن كل نوع منه كان موجوداً بالحجاز. فلم يأكل النبي ﷺ من كل نوع من أنواع الطعام القوت والفاكهة، ولا لبس من كل نوع من أنواع اللباس. ثم إنّ من كان من المسلمين بأرض أخرى كالشام ومصر واليمن وخراسان وغير ذلك، عندهم أطعمة وثياب مجلوبة عندهم أو مجلوبة من مكان آخر، فليس لهم أن يظنوا ترك الانتفاع بذلك الطعام واللباس سنّة، لكون النبي ﷺ لم يأكل مثله ولم يلبس مثله، إذ عدم الفعل إنما هو عدم دليل واحد من الأدلة الشرعية. وهو أضعف من القول، باتفاق العلماء. وسائر الأدلة من أقواله كأمره ونهيه وإذنه، ومن قول الله تعالى، هي أقوى وأكبر. ولا يلزم من عدم دليل معيّن عدم سائر الأدلة الشرعية" (١). اهـ.
وأما الترك المقصود، فهو الذي يعبّر عنه بالكفّ، أو الإمساك، أو الامتناع.
هل الكفّ فعل من الأفعال ؟:
يرى كثير من الأصوليين أن الكفّ فعل من الأفعال، وهو عندهم فعل نفسي (٢). ونُسِب إلى قوم، منهم أبو هاشم الجبائي، إن الكف انتفاء محضّ، فليس بفعل (٣).
стр. 528
والأول أولى، كما هو معلوم بالوجدان.
وأيضاً نحن نجد في الكتاب والسنّة إشارات إلى أن الكفّ فعل، منها قوله تعالى: ﴿لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون﴾ (١) فسمّى الله تعالى ترك العُبّاد والعلماء للنهي عن المنكر صنعاً، والصنع فعل. ومنها قول النبي ﷺ : "عُرِضت عليّ أعمال أمتي حسنها وسيئها فوجدتُ في محاسن أعمالها إماطة الأذى عن الطريق، ووجدت في مساوئ أعمالها النخامة تكون في المسجد لا تدفن" (٢). فجعل ترك دفنها ممن يراها عملاً سيئاً.
ومن أجل ما في فعليّة الكفّ من الخفاء، ولأجل التباسه بالترك العدميّ، أخرجناه من حيّز الأفعال الصريحة.
وقد نعبّر فيما يأتي من هذه الرسالة عن الكفّ والإمساك بـ (الترك) وحيثما عبّرنا به فإنما نعني به الكف خاصة دون الترك غير المقصود، إذ قد تبيّن أن الترك غير المقصود خارج عن الفعلية أصلاً.
تقسيمنا لمباحث الترك:
الترك إما عدميّ: وهو أن النبي ﷺ أغفل الحكم في أمور لم تعرض له ولم تحدث في زمانه، فترك فعلها، وترك القول في شأنها، لعدم المقتضى لذلك القول والفعل. ويذكره الأصوليون في أبواب مختلفة، كباب القياس، والمصلحة المرسلة، وغير ذلك. ويتعرّض له الكاتبون في البدعة.
وأما نحن فسوف نغفل الكلام فيه، لأنه خارج عن نطاق بحثنا، إذ بحثنا خاص بالأفعال النبويّة، وهذا النوع ليس فعلاً أصلاً.
وإما وجوديّ: وهو الكفّ، وهو أن يقع الشيء، ويوجد المقتضي للفعل أو القول، فيترك الفعل والقول، ويمتنع عنهما.
стр. 529
وهذا القسم نوعان:
الأول: ترك الفعل والإعراض عنه، ونذكره في بقية هذا الفصل.
والثاني: ترك القول، وهو على منزلتين، لأنه إما سكوتٌ عن الجواب وغيره من أنواع القول ما عدا الإنكار. ونعقد له الفصل الخامس.
وإما سكوت عن الإنكار خاصة، فيسمى التقرير، ونعقد له الفصل السادس. وقد جعلنا التقرير في فصل مستقل، لأهميته، ولأن كثيراً من الأصوليين يفردونه عن التروك.
стр. 530
المبحث الأوّل البيان بالترك
الترك وسيلة لبيان الأحكام، كالفعل:
كما أن النبي ﷺ كان يبيّن الأحكام بفعله المجرّد من القول، أو بالفعل الذي يساعده القول، كذلك كان يبيّن الأحكام بالترك المجرّد من القول، أو بالترك الذي يساعده القول.
ما يحصل بالترك من أنواع البيان:
قد قدّمنا أن الأحكام التي كانت تبيّن بالفعل هي الواجب والمندوب والمباح. فأما التروك فإن الذي يبيَّن بها هو المحرم والمكروه والمباح.
وقد قدّمنا أيضاً أن المكروه كذلك كان يقع من النبي ﷺ بيانه بالفعل إذا ظنّ تحريمه.
وكذلك هنا: قد يبيّن النبي ﷺ المستحب، بتركه، إذا ظُنَّ وجوبه. ويقول الشاطبي: "المطلوب تركه بيانه بالترك، أو القول الذي يساعده الترك إن كان حراماً.
وإن كان مكروهاً فكذلك، إن كان مجهول الحكم. وإن كان مظنّة لاعتقاد التحريم وترجح بيانه بالفعل تعيّن الفعل على أقل ما يمكن وأقربه. وإن كان مظنّةً لاعتقاد الطلب، أو مظنّة لأن يثابر على فعله فبيانه بالترك جملة إن لم يكن له أصل، أو كان له أصل في الإباحة" (١).