← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 31471

أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم ودلالتها على الأحكام الشرعية

محمد سليمان الأشقر

Полный текст (761 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

الفصل الرابع الترك تمهيد في حقيقة الترك: الترك في اللغة: ودع الشيء وتخليته. هكذا في (لسان العرب). وفي المواقف وشرحه: "الترك في اللغة: عدم فعل المقدور، سواء قصد التارك أو لم يقصد، كما في النوم، وسواء تعرّض لضدِّه أو لم يتعرض. وأما عدم ما لا يقدر عليه فلا يسمّى تركاً. ولذا لا يقال: ترك فلان خلق الأجسام. وقيل إن الترك: عدم فعل المقدور قصداً، فلا يقال: ترك النائم الكتابة. ولذا لا يتعلق به المدح والذم. وقيل إن الترك: من أفعال القلوب، لأنه انصراف القلب عن الفعل، وكفّ النفس عن ارتياده. وقيل هو فعل الضد لأنه مقدور، وعدم الفعل مستمر. فلا يصلح أثراً للقدرة الحادثة" (١). اهـ. فبناء على أوسع الاصطلاحات مما ذكره، نقول: الترك نوعان: ترك غير مقصود وترك مقصود. فأما الترك غير المقصود فواضح أنه سلب محض. وهو ليس موضعاً للقدوة، ولا يستدلّ به على طريقة الاستدلال بالأفعال، فلا يدل على جوازٍ ولا كراهة ولا تحريم. ويقول ابن تيمية في سياق كلامه عن دخول الحمّامات:

стр. 527

"ليس لأحد أن يحتج على كراهة دخولها، أو عدم استحبابه، بكون النبي ﷺ لم يدخلها، ولا أبو بكر وعمر، فإن هذا إنما يكون حجة لو امتنعوا من دخول الحمامات، وقصدوا اجتنابها، أو أمكنهم دخولها فلم يدخلوها. وقد علم أنه لم يكن في بلادهم حينئذ حمام، فليس إضافة عدم الدخول إلى وجود مانع الكراهة أو عدم ما يقتضي الاستحباب بأولى من إضافته إلى فوات شرط الدخول وهو القدرة والإمكان. وهذا كما أن ما خلقه الله في سائر الأرض من القوت واللباس والمراكب والمساكن لم يكن كل نوع منه كان موجوداً بالحجاز. فلم يأكل النبي ﷺ من كل نوع من أنواع الطعام القوت والفاكهة، ولا لبس من كل نوع من أنواع اللباس. ثم إنّ من كان من المسلمين بأرض أخرى كالشام ومصر واليمن وخراسان وغير ذلك، عندهم أطعمة وثياب مجلوبة عندهم أو مجلوبة من مكان آخر، فليس لهم أن يظنوا ترك الانتفاع بذلك الطعام واللباس سنّة، لكون النبي ﷺ لم يأكل مثله ولم يلبس مثله، إذ عدم الفعل إنما هو عدم دليل واحد من الأدلة الشرعية. وهو أضعف من القول، باتفاق العلماء. وسائر الأدلة من أقواله كأمره ونهيه وإذنه، ومن قول الله تعالى، هي أقوى وأكبر. ولا يلزم من عدم دليل معيّن عدم سائر الأدلة الشرعية" (١). اهـ. وأما الترك المقصود، فهو الذي يعبّر عنه بالكفّ، أو الإمساك، أو الامتناع. هل الكفّ فعل من الأفعال ؟: يرى كثير من الأصوليين أن الكفّ فعل من الأفعال، وهو عندهم فعل نفسي (٢). ونُسِب إلى قوم، منهم أبو هاشم الجبائي، إن الكف انتفاء محضّ، فليس بفعل (٣).

стр. 528

والأول أولى، كما هو معلوم بالوجدان. وأيضاً نحن نجد في الكتاب والسنّة إشارات إلى أن الكفّ فعل، منها قوله تعالى: ﴿لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون﴾ (١) فسمّى الله تعالى ترك العُبّاد والعلماء للنهي عن المنكر صنعاً، والصنع فعل. ومنها قول النبي ﷺ : "عُرِضت عليّ أعمال أمتي حسنها وسيئها فوجدتُ في محاسن أعمالها إماطة الأذى عن الطريق، ووجدت في مساوئ أعمالها النخامة تكون في المسجد لا تدفن" (٢). فجعل ترك دفنها ممن يراها عملاً سيئاً. ومن أجل ما في فعليّة الكفّ من الخفاء، ولأجل التباسه بالترك العدميّ، أخرجناه من حيّز الأفعال الصريحة. وقد نعبّر فيما يأتي من هذه الرسالة عن الكفّ والإمساك بـ (الترك) وحيثما عبّرنا به فإنما نعني به الكف خاصة دون الترك غير المقصود، إذ قد تبيّن أن الترك غير المقصود خارج عن الفعلية أصلاً. تقسيمنا لمباحث الترك: الترك إما عدميّ: وهو أن النبي ﷺ أغفل الحكم في أمور لم تعرض له ولم تحدث في زمانه، فترك فعلها، وترك القول في شأنها، لعدم المقتضى لذلك القول والفعل. ويذكره الأصوليون في أبواب مختلفة، كباب القياس، والمصلحة المرسلة، وغير ذلك. ويتعرّض له الكاتبون في البدعة. وأما نحن فسوف نغفل الكلام فيه، لأنه خارج عن نطاق بحثنا، إذ بحثنا خاص بالأفعال النبويّة، وهذا النوع ليس فعلاً أصلاً. وإما وجوديّ: وهو الكفّ، وهو أن يقع الشيء، ويوجد المقتضي للفعل أو القول، فيترك الفعل والقول، ويمتنع عنهما.

стр. 529

وهذا القسم نوعان: الأول: ترك الفعل والإعراض عنه، ونذكره في بقية هذا الفصل. والثاني: ترك القول، وهو على منزلتين، لأنه إما سكوتٌ عن الجواب وغيره من أنواع القول ما عدا الإنكار. ونعقد له الفصل الخامس. وإما سكوت عن الإنكار خاصة، فيسمى التقرير، ونعقد له الفصل السادس. وقد جعلنا التقرير في فصل مستقل، لأهميته، ولأن كثيراً من الأصوليين يفردونه عن التروك.

стр. 530

المبحث الأوّل البيان بالترك الترك وسيلة لبيان الأحكام، كالفعل: كما أن النبي ﷺ كان يبيّن الأحكام بفعله المجرّد من القول، أو بالفعل الذي يساعده القول، كذلك كان يبيّن الأحكام بالترك المجرّد من القول، أو بالترك الذي يساعده القول. ما يحصل بالترك من أنواع البيان: قد قدّمنا أن الأحكام التي كانت تبيّن بالفعل هي الواجب والمندوب والمباح. فأما التروك فإن الذي يبيَّن بها هو المحرم والمكروه والمباح. وقد قدّمنا أيضاً أن المكروه كذلك كان يقع من النبي ﷺ بيانه بالفعل إذا ظنّ تحريمه. وكذلك هنا: قد يبيّن النبي ﷺ المستحب، بتركه، إذا ظُنَّ وجوبه. ويقول الشاطبي: "المطلوب تركه بيانه بالترك، أو القول الذي يساعده الترك إن كان حراماً. وإن كان مكروهاً فكذلك، إن كان مجهول الحكم. وإن كان مظنّة لاعتقاد التحريم وترجح بيانه بالفعل تعيّن الفعل على أقل ما يمكن وأقربه. وإن كان مظنّةً لاعتقاد الطلب، أو مظنّة لأن يثابر على فعله فبيانه بالترك جملة إن لم يكن له أصل، أو كان له أصل في الإباحة" (١).

стр. 531

ويقول: "إن كان الفعل المندوب مظنّة لاعتقاد الوجوب، فبيانه بالترك، أو بالقول الذي يجتمع إليه الترك". اهـ. وسواء أكانت هذه المظنّة المشار إليها ناشئة عن دليل آخر قوليّ أو فعلي يظن عمومه أو إطلاقه، أو عن غير دليل. وإذا ورد الأمر في القرآن أو السنة القولية، أو فهم الوجوب من الفعل النبويّ، ثم ترك ﷺ ذلك مطلقاً أو في حال ما أو لسبب ما، علم نسخ الأول أو تخصيصه، أو حمله على الاستحباب دون الوجوب، على ما سيأتي تفصيله في باب التعارض إن شاء الله. وإذا فرّق النبي ﷺ بين بعض العبادات وبعض، ففعل في نوع من أشياء واظب عليها، وترك تلك الأشياء في نوع آخر، فإنه يتبع في ذلك، ويكون الترك كالنص على أنه لا يفعل. ونضرب لذلك مثالين: الأول: أن النبي ﷺ كان يؤذن له للصلوات الخمس، ولكن لا يؤذّن لصلاة العيد، ولا لصلاة الخسوف، ولا لصلاة الاستسقاء. أما صلاة العيد، ففي حديث ابن عباس: "لم يكن يؤذَّن يوم الفطر، ولا يوم الأضحى" (١). وعن ابن عباس أيضاً: "أن رسول الله ﷺ صلّى العيد بغير أذان ولا إقامة" (٢). ومثله حديث جابر: "لا أذان يوم الفطر حين يخرج الإمام، ولا بعدما يخرج الإمام، ولا إقامة، ولا نداء، ولا شيء". فأجمع الفقهاء (٣) على أن صلاة العيد لا يؤذَّن لها ولا يقام. ويقول ابن تيمية: "ترك رسول الله للأذان في العيدين، مع وجود ما يعدّ مقتضياً، وزوال المانع، سنة، كما أن فعله سنة. قال: "فلما أمر بالأذان في الجمعة، وصلّى العيدين بلا أذان ولا إقامة، كان

стр. 532

ترك الأذان فيهما سنة، فليس لأحد أن يزيد في ذلك، بل الزيادة في ذلك كالزيادة في أعداد الصلاة، وأعداد الركعات، أو الحج". وأما النداء لها (الصلاة جامعة)، فقد قال الشافعي: "أحب أن يأمر الإمام المؤذن أن يقول: الصلاة جامعة" (١). وقال: قال الزهري: "كان النبي ﷺ يأمر في العيدين المؤذن أن يقول الصلاة جامعة". وابن قدامة اختار الترك، وقال: "سنة رسول الله ﷺ أحق أن تتبع" يعني ما ذكر في حديث جابر. وأما صلاة الكسوف، فلم يكن يؤذّن لها، وإنما كان ينادي لها (الصلاة جامعة) (٢) فهذه سنتها، ولا يكون لها أذان ولا إقامة، استدلالاً بالترك. وذلك مجمع عليه. وأما صلاة الاستسقاء، فكذلك ليس لها أذان ولا إقامة، لما روى أبو هريرة، قال: "خرج رسول الله ﷺ يستسقي، فصلّى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة" (٣). وقد قيل: ينادى لها (الصلاة جامعة) قياساً على صلاة الكسوف. المثال الثاني: أنه ترك الجهر في بعض الركعات في المغرب والعشاء، وجهر في الركعتين الأوليين دون ما بعدهما. وجهر في صلاة الليل، ولم يجهر في صلاة النهار. فهذا دليل اختصاص الجهر بما جهر فيه، ودليل ترك الجهر في ما لم يجهر فيه. المثال الثالث: أنه ﷺ كان يصلّي على موتى المسلمين، ولكنه لم يصلّ على شهداء أُحد.

стр. 533

فقال مالك والشافعي وأحمد في رواية: "الشهيد لا يصلّى عليه" (١). وقال أبو حنيفة وأحمد في رواية: يصلّى عليه، إلا أن الرواية عن أحمد أن الصلاة عليه على وجه الاستحباب. وحجة الأولين ما روى جابر: "أن النبي ﷺ أمر بدفن شهداء أحد في دمائهم، ولم يغسلوا، ولم يصلَّ عليهم" (٢). واحتجّ الحنفية بأحاديث وردت (٣) أنه ﷺ قد صلّى عليهم، منها مُرسَل عطاء، عند أبي داود، ومنها ما روى الحاكم عن جابر أنه صلى عليهم واحداً واحداً. ولفظه: "جيء بحمزة فصلّى عليه. ثم بالشهداء فيوضعون إلى جانب حمزة فيصلّي عليهم ثم يرفعون، ويترك حمزة، حتى صلّى على الشهداء كلهم".

стр. 534

المبحث الثاني أقسام الترك والأحكام التي تدل عليها إن تروك النبي ﷺ يمكن تقسيمها إلى أقسام موازية لأقسام أفعاله. والأقسام التي يظهر انقسام الترك إليها ما يلي: الأول: الترك لداعي الجبلة البشرية (١). وهذا لا يدل في حقنا على تحريم ولا كراهة. ومثاله ترك النبي ﷺ أكل لحم الضب. وقال: " إنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه". وكان يترك الطعام إن لم يكن مما يشتهي. ففي الحديث: "ما عاب النبي ﷺ طعاماً قط، إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه" (٢). ويظهر أن من هذا النوع ما روي أنه ﷺ اغتسل من الجنابة فأتته ميمونة بخرقة، فلم يُرِدْها، وجعل ينفض الماء بيده. فتركه التنشيف ظاهر أنه لغرض جبلي، ولعله يتعلق برغبته في إطالة برهة ترطّب البدن، أو غير ذلك. وقال ابن دقيق العيد: "ردّ المنديل واقعة حال يتطرّق إليها الاحتمال، فيجوز أن يكون لا لكراهة التنشيف، بل لأمر يتعلق بالخرقة، أو غير ذلك" (٣). ولا حاجة لهذا التكلُّف بل الأولى حمله على الرغبة الجبلية، والله أعلم. ونقل ابن قدامة أن عبد الرحمن بن مهدي وجماعة من أهل العلم كرهوا التنشيف لهذا الحديث. ثم قال: "وترك النبي ﷺ لا يدل على الكراهة، فإن النبي ﷺ قد يترك المباح كما يفعله" (٤).

стр. 535

الثاني: الترك الذي قام دليل اختصاصه به ﷺ . وهو تركه لما حرم عليه خاصة. كتركه أكل الصدقة. قال ﷺ : " إنّا معشر آل محمد لا تحلّ لنا الصدقة". ومثله ترك ما يشتبه أنه من الصدقة. ومنه أنه ﷺ وجد تمرة ملقاة، فقال: "لولا أني أخشى أن تكون من تمر الصدقة لأكلتها". ولا يجوز أن يحمل شيء من تروكه ﷺ على الخصوصية لمجرّد الاحتمال. بل لا بدّ من دليل، كما تقدم نظيره في الأفعال. وقد قال أبو شامة في الأفعال إنه يقتدي بالخصائص النبوية الواجبة، على سبيل الاستحباب. فقياس قوله هنا انه ينبغي أن يستفاد لحقّنا كراهية ما خُصَّ النبي ﷺ بتحريمه. فيكون أكل الصدقة، مثلاً، مكروهاً لنا. الثالث: الترك بياناً أو امتثالاً لمجمل معلوم الحكم، عام لنا وله. فيستفاد حكم الترك من الدليل المبيّن والممتثَل. ومثاله تركه ﷺ الإحلال من العمرة مع صحابته، وقال: "إني لبّدت رأسي وقلّدت هدي، فلا أحل حتى أنحر". وقال: لا يحل مني حرام حتى يبلغ الهدي مَحلّه" فقد امتثل النهي الذي في الآية، بترك التمتع، لما كان قد ساق الهدي. وتبيّن بذلك حكم من ساق الهدي. وتبيّن أيضاً أن المَحِلَّ الزمانيّ مراعىً. والحكم هنا -أعني حكم الحلق- هو التحريم، لظاهر النهي في الآية. ومن الترك الامتثالي تركه ﷺ الصلاة على المنافقين (١) لما نزل قوله تعالى: ﴿ولا تصلِّ على أحدٍ منهم مات أبداً﴾. الرابع: الترك المجرّد، وهو الذي ليس من الأقسام السابقة. وهو نوعان: الأول: ما علم حكمه في حقه بقوله ﷺ ، أو باستنباط. والثاني: ما لم يعلم حكمه.

стр. 536

فأما ما علمنا حكمه في حقه بدليل، فينبغي أن يكون حكمنا فيه كحكمه. أخذاً من قاعدة المساواة في الأحكام، وقد تقدم إثباتها. وأما ما لم نعلم حكمه في حقه ﷺ ، فما ظهر فيه أنه تركه تعبداً وتقرباً نحمله على الكراهة في حقه، ثم يكون الحكم في حقنا كذلك أخذاً من قاعدة المساواة، كتركه ردّ السلام على غير طهارة، حتى تيمّم (١). وما لم يظهر فيه ذلك، نحمله على أنه من ترك المباح، كتركه السير في ناحية من الطريق، أو الجلوس في جهة من المسجد. فعلى ما تقدم ذكره، لا فرق بين الفعل والترك في التأسيّ فيهما، وقد صرَّح الشوكانيّ بذلك فقال: "تركه ﷺ للشيء كفعله له في التأسّي به فيه" (٢). ويقول الجصّاص (٣)، وفيه تلخيص أحكام الترك "نقول في الترك كقولنا في الفعل. فمتى رأينا النبي ﷺ قد ترك فعل شيء، ولم ندر على أي وجه تركه، قلنا تركه على جهة الإباحة. وليس بواجب علينا إلا أن يثبت عندنا أنه تركه على جهة التأثُّم بفعله، فيجب علينا حينئذٍ تركه على ذلك الوجه حتى يقوم الدليل على أنه مخصص به دوننا". وفي هذا القول منه بعض النظر يعلم مما بيّناه في هذا المبحث. وقال ابن السمعاني: "إذا ترك ﷺ شيئاً وجب علينا متابعته فيه" (٤) ومقصوده بالمتابعة المساواة في حكم الترك، كما تقرّر عندنا أن ذلك مراده بهذه العبارة في بحث الأفعال. وليس مقصوده أنه يجب علينا أن نترك ما ترك في جميع الأحوال. فظاهر كلامهم التسوية بين الفعل والترك في مراتب التأسيّ. تفريق القاضي عبد الجبار في التأسيّ بين الترك والفعل ومناقشتنا له في ذلك: فرَّق القاضي عبد الجبار بين الترك وبين الفعل، في التأسّي بهما. فعنده أن

стр. 537

الفعل إذا وقع منه ﷺ يتأسّى به فيه على كل حال، لأنه، لا يخلو أن يكون من أحد الأقسام المعلوم حكمها أو من المجرّد، فإن كان مجرّداً فإما أن يظهر فيه قصد القربة، فيتأسى به على وجه الندب، أو لا يظهر فيه ذلك، فيتأسّى به فيه على وجه الإباحة، أما الترك فإن كان معلوم الحكم يتأسى به على أساس ذلك الحكم، لكن إن كان مجهول الحكم فالتأسي به عند عبد الجبار غير ممكن. يقول: "أما الفعل فقد ينقل الوجه الذي عليه وقع، فيصح معه التأسّي"، ثم قال: "فأما تركه فإنما يدل بمقدمة زائدة، نحو أن نعلمه تاركاً لما جعل علامة لوجوب الفعل، فنعلم أنه ليس بواجب، أو خروجه عن كونه واجباً إذا تعمّده وقصد إليه". ويقول في موضع آخر: "التأسّي به ﷺ في الفعل أولى من الترك، لأن الترك لا يقع إلاّ على الحد الأول الذي لا تقتضيه طريقة التأسّي، فهو بمنزلة الأكل والشرب وغير ذلك، إلا بأن يكون الترك واقعاً على وجه يعلم أنه من باب الشرع" (١). اهـ. وهو بهذا يشير إلى أن الترك يجوز أن يدل على التخصيص أو النسخ. فإن لم يكن كذلك وعلم حكمه من دليل خارجي صحّ التأسّي به. فإن لم يعلم حكمه فهو حينئذٍ من قبيل الترك الجبلي، ويكون بدرجة الفعل الجبلي الذي لا أسوة فيه، لأن حالة الترك هي الأصل بالنسبة إلى الأفعال الوجودية. ولا يجوز عند عبد الجبار إلحاق الترك بما ظهر فيه قصد القربة من الأفعال، حتى يدل على الكراهة. وتوجيه قوله أن الفعل يظهر فيه قصد القربة من كونه مخالفاً للمعتاد، كهيئة المصلي، أو الساجد، أو الملبّي، أو الطائف، أو الساعي، مع ما يظهر من الخشوع والتضرع، ونحو ذلك. أما الترك فهو أمر مجرَّد لا يظهر للتقرّب به وجه. والذي نرى أنه يحل الإشكال أن يقال: إن الترك إن كان عدميّاً صرفاً، فهو الذي بمنزلة الفعل الجبليّ غير الاختياري، لأنه ﷺ لغفلته عن الشيء الذي ليس بحضرته، ولا داعي يدعوه لفعله، فهو خارج عن نطاق التكليف. ولذلك فلا أسوة فيه. وهو الذي نعتقد أن القاضي عبد الجبار يريده بالترك الذي لا أسوة فيه.

стр. 538

وأما الكفّ عن الشيء والإمساك عنه، فهو أمر تكليفي مقصود، قد يظهر فيه قصد القربة، فيدلّ على كراهة الشيء، دون تحريمه. وقد لا يظهر فيه قصد القربة، فيحمل على أنه من ترك المباح. ويدل على الإباحة. ولذلك كان الصواب التسوية بين الفعل والترك في جميع المراتب. فكما أن من الأفعال أفعالاً جبليّة اضطرارية لا أسوة فيها، فكذلك التروك العدمية جبلية اضطرارية، ولا أسوة فيها. وكما أن من الأفعال ما هو معلوم الحكم فيتأسى به، فكذلك في التروك. وكما أن مجهول الحكم من الأفعال يحمل على الندب أو الإباحة ويتأسى به على ذلك الأساس، فكذلك الكفّ والإمساك، يحمل مجهول الحكم منه على الكراهة أو الإباحة، والله أعلم. تكرار الترك: إنه كما تقدم في الفعل أن تكراره والمواظبة عليه يقرِّب أنه ﷺ فعله على جهة التعبّد والقربة، فكذلك التروك، ترقى بها المواظبة حتى تقربها من باب ما ترك تعبّداً. ونضرب مثالاً على ذلك ما ورد في الصحيحين عن ابن عمر: "أن رسول الله ﷺ كان يسبّح على ظهر راحلته، حيث كان وجهه، يومئ برأسه". وفي رواية البخاري: "إلا الفرائض" ولمسلم: "غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة". فإنه تركه لصلاة الفريضة على الراحلة، لو كان تركه مرة أو مرتين، لا يدل على المنع منها. يقول ابن دقيق العيد: "قد يتمسّك بما في الحديث في أن صلاة الفرض لا تؤدى على الراحلة. وليس ذلك بقويٍّ في الاستدلال لأنه ليس فيه إلا ترك الفعل المخصوص. وليس الترك بدليل على الامتناع" (١). ثم قال: "وقد يقال إن دخول وقت الفريضة مما يكثر على المسافرين. فترك الصلاة لها دائماً، مع فعل النوافل على الراحلة، يشعر بالفرقان بينهما في الجواز وعدمه". وهذا الذي قاله أخيراً هو الذي نريده. وهو المعتمد عند الفقهاء في هذا الفرع.

стр. 539

المبحث الثالث الترك المطلق والترك لسبب إذا ترك النبي ﷺ أمراً ما، وعلمنا حكمه على الطريقة المذكورة آنفاً، فإما أن يكون الترك مطلقاً، وإما أن يكون منوطاً بسبب. ومقتضى الترك المطلق أن يكون حكمنا كحكمه ﷺ مطلقاً، أعني دون تقييد بسبب. ومثاله تركه ﷺ الأكل متكئاً، ظاهر فيه أنه على وجه التقرّب، فيحمل تركه الإتكاء أثناء الأكل على ترك المكروه، وفي حقنا كذلك، مطلقاً. ومثله أنه: "لم ينتقم لنفسه" (١) و"كان لا يصافح النساء في البيعة" (٢). ومقتضى تركه ﷺ لسبب أن يكون حكمنا كحكمه ﷺ حال وجود السبب، فإذا زال السبب زال الحكم، ورجع الأصل. وإيضاح ذلك بما يأتي: أسباب الترك: إن ما تركه ﷺ مما كان مظنّة أن يفعله كثيراً ما كان يتركه لسبب قائم لولاه لفعله. وترجع تلك الأسباب إلى أنواع، منها: النوع الأول: ترك الفعل المستحب خشية أن يفرض على الأمة. وفي حديث عائشة قالت: "إن كان ﷺ لَيَدَعُ العمل وهو يحب أن يعمل به، خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم". ومنه أنه ﷺ ترك قيام رمضان جماعة، بعد أن

стр. 540

قام بهم ليلتين أو ثلاثاً. ثم قال لهم: "إنه لم يخْفَ عليَّ مكانكم، ولكن خشيت أن تفرض عليكم". ولذلك لما زالت هذه الخشية بوفاته ﷺ وانقطاع الوحي، أعاد الصحابة ﵃ فعلها في المسجد في زمن عمر بن الخطاب ﵁. النوع الثاني: ترك العمل المستحب خشية أن يظن البعض أنه واجب. وترك المباح لئلا يظنّوا أنه مستحب أو واجب. وهذا نوع مشابه للنوع الأول وليس منه. ومنه أنه ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة، استحباباً. وقد ترك ذلك يوم فتح مكة، فصلّى الصلوات كلّها بوضوء واحد. فقال عمر: "يا رسول الله فعلت اليوم شيئاً لم تكن تفعله". فقال: "عمداً فعلته يا عمر". قال الطحاوي: "يحتمل أن ذلك كان واجباً عليه ثم نسخ يوم الفتح. ويحتمل أنه كان يفعله استحباباً ثم خشي أن يظنّ وجوبه فتركه لبيان الجواز". قال ابن حجر: "وهذا أقرب" (١). وُيسَن الاقتداء به ﷺ في هذا النوع من الترك ممن يقتدى به إذا ظنَّ توهم بعض الحاضرين شيئاً من ذلك. وقد وضَّح الشاطبي قاعدة ترك المندوبات أحياناً، ممن يقتدى به، فقال: "لا ينبغي لمن التزم عبادة من العبادات البدنية الندبيّة أن يواظب عليها مواظبةً يفهم الجاهل منها الوجوب، إذا كان منظوراً إليه مرموقاً، أو مظنّة لذلك، بل الذي ينبغي له أن يدعها في بعض الأوقات، حتى يُعلم أنها غير واجبة" (٢). اهـ. النوع الثالث: الترك لأجل المشقة التي تلحق الأمة في الاقتداء بالفعل، ولو استحباباً: ومنه تركه الرمل في الأشواط الأربعة الأخيرة من الطواف. ففي حديث ابن عباس قال: "ولم يمنعه أن يرمل الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم" (٣). وينبغي أن يلاحظ في هذا المثال خاصة أنه لا يستحب الرمل في الأشواط

стр. 541

الأربعة الأخيرة، وإن كان السبب زائلاً، لأن الشرع أثبت الطواف على هذه الصفة. كما تقدم إيضاحه. ومن هذا النوع عند بعض الفقهاء، ترك النبي ﷺ أن يحرم للحج من بيته بالمدينة، حتى أحرم من الميقات. فلا يدلُّ على أن الإحرام من الميقات أفضل، فهو أقل عملاً. وقد روي عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وغيرهما من الصحابة ﵃: "إتمام الحج أن تحرم به من دويرة أهلك" (١). والراجج أنه إنما ترك الإحرام من المنزل خشية المشقة. والمسألة خلافية (٢). ومن هذا النوع عندي أيضاً: تركه ﷺ أن يغطي ركبتيه عندما جلس ودلّى رجليه في الماء (٣). وذلك لما يلحق الأمة من التضييق إذا ألزموا بتغطية الفخذين حتى في حال ملابسة المياه وخوضها. ومن قال إن: "ذلك يدل على أن الفخذ ليست عورة" فليس إطلاقه هكذا مرضيّاً، بل هو في حال معينة اقتضت ذلك. بل الأولى أن يكون هذا الترك تخصيصاً لعموم الأدلة القاضية بأن "الفخذ عورة" (٤). النوع الرابع: ترك المطلوب خشية من حدوث مفسدة أعظم من بقائه. وهذا من السياسة الشرعية المقررة. ومثاله ما قاله ﷺ لعائشة: "لولا قومك حديث عهدهم بكفر، لنقضْتُ الكعبة، فجعلت لها بابين، باب يدخل منه الناس وباب يخرجون" (٥). وفي رواية عند مسلم: "لولا أن قومك حديث عهدهم بجاهلية لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله، ولجعلت بابها إلى الأرض، ولأدخلت فيها الحجر". وبوّب عليه البخاري: "باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس فيقعوا في أشدَّ منه". ولما زال ذلك السبب، واستقرّ الإسلام، نفّذ

стр. 542

ابن الزبير في خلافته ما تركه النبي ﷺ من البنيان، ولما جاء الحجاج أعادها إلى ما كانت عليه. ومثال آخر: تركه ﷺ قتل المنافقين مع عظم فسادهم، وقولهم كلمة الكفر، وإرجافهم، "خشية أن يقول الناس: "أن محمداً يقتل أصحابه". إذ هم في الظاهر مؤمنون، فيكون قتلهم صادّاً للناس عن الدخول في الإسلام. النوع الخامس: الترك على سبيل العقوبة، كتركه الصلاة على المَدِين (١) وقد نسخ هذا بقوله ﷺ : "من ترك ديناً أو ضياعاً فإليّ". و"لم يصل على ماعز بن مالك ولم ينه عن الصلاة عليه" (٢). وفي حديث أبي هريرة: "أن رسول الله ﷺ كان يؤتى بالرجل المتوفى، عليه الدين، فإن حُدِّث أنه ترك وفاءً صلّى عليه، وإلاّ قال للمسلمين: صلّوا على صاحبكم. فلما فتح الله على رسوله كان يصلّي ولا يسأل عن الدين" (٣). النوع السادس: الترك لمانع شرعيّ: ومثاله قصة نومه ﷺ ومن معه عن صلاة الفجر. فما استيقظوا إلاّ بعد طلوع الشمس، وقال ﷺ : "من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها" (٤). ومع هذا لم يبادر إلى الصلاة، بل اقتادوا رواحلهم حتى خرجوا من الوادي، وصلّوا. فيحتمل أن الترك كان لكون الشمس في أول طلوعها وذلك مانع من فعل الصلاة. ويحتمل أن يكون لأن الواديَ به شيطان. فعلى هذين الاحتمالين تجب المبادرة إلى الصلاة إن لم يكن مانع. أما إن قدرنا أن التأخير لم يكن لشيء من ذلك، فالحديث يدل على جواز التأخير مطلقاً (٥)، في حدود عدم المبالغة في التأخير.

стр. 543

المبحث الرّابع نقل الترك الذي يعرف به أن النبي ﷺ ترك الفعل أمران. الأول: ذكر الصحابي ذلك، وهو الأكثر، بقوله: ترك ﷺ كذا، أو: لم يفعل كذا. ومن أمثلته ما تقدم في شهداء أحد: "لم يغسلوا ولم يصلِّ عليهم". وقول ابن عباس في صلاة العيد: "لم يكن يؤذَّن يوم الفطر ولا يوم الأضحى" (١). وقول جابر: "صلّى بنا رسول الله ﷺ العيد بلا أذان ولا إقامة". وقول أنس: "قنت رسول الله ﷺ شهراً يدعو على أحياءٍ من أحياء العرب، ثمّ تركه" (٢). وقول عمر بن الخطاب في شأن تعيين الخليفة من بعده: "إن أترككم فقد ترككم من هو خير مني" (٣). يعني أن رسول الله ﷺ لم يستخلف عليهم أحداً. وقول أنس بن مالك: "صليت خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فلم أسمع أحداً منهم يقرأ: "بسم الله الرحمن الرحيم" (٤). وفي هذه المسألة بحث، وهو أن الفعل أمر وجوديّ، والناقل له يخبر عما شاهده. فقلما يقع فيه الخطأ من هذه الجهة. أما نقل الترك فهو نفي للفعل. ونفي الفعل صيغة تعمّ، فيحتاج أن يكون الناقل قد اطّلع على أحواله ﷺ كلها، حتى يصح له النفي جزماً، وقد ينفي بناء على ما اطّلع عليه من غالب أحوال النبي ﷺ ، فيكون النفي على سبيل غلبة الظن، وهذا هو الأغلب في نقل الترك. فأما النوع الأول، وهو النفي القاطع، فمثل ما قالت عائشة: "ما اعتمر

стр. 544

رسول الله ﷺ في رجب قط". فهذا على سبيل الجزم، فإن اعتمار النبي ﷺ أمر لا يخفى، وعُمرُهُ التي فعلها محصورة. وأما النوع الثاني، فمثل ما قالت عائشة أيضاً: "ما بالَ رسول الله ﷺ قائماً منذ أنزل عليه القرآن" (١). وقالت: "من حدثكم أن رسول الله ﷺ بال قائماً فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعداً" (٢). فإنها لم تشاهده في كل أحواله. ومن هنا إذا تعارض نقل الترك مع نقل الفعل، فإن كان نقل الترك من النوع الأول، لم يترجّح أحدهما على الآخر من هذا الوجه. وينبغي الترجيح بوجه آخر، وقد يقدم نقل الترك. وقد قدموا نقل عائشة للترك على نقل ابن عمر للفعل، في قضية عمرة رجب. وأما النوع الثاني من نقل الترك، وهو المنقول على غلبة الظنّ. فإنه إذا تعارض مع نقل الفعل يقدم نقل الفعل. لأن ناقل الفعل جازم وناقل الترك يتكلم على غلبة الظن (٣). ومن هنا قدموا رواية حذيفة: "أن النبي ﷺ أتى سباطة قوم فبال قائماً" (٤) على رواية عائشة التي تنفي ذلك، كما تقدم. الثاني: قال ابن القيم: "عدم نقلهم لما لو فعله لتوفّرت هممهم ودواعيهم على نقله، (هو نقل لتركه)، فحيث لم ينقله واحد منهم ألبتة، ولا حدّث به، علم أنه لم يكن" (٥). اهـ. وجعل ابن القيم منه: ترك التلفظ بالنية عند دخوله في الصلاة. وترك رفع يديه كل يوم في صلاة الصبح بعد رفع رأسه من ركوع الركعة الثانية، وقوله كل يوم: اللهم اهدني في من هديت ... ويقول المأمومون خلفه بصوت مرتفع: "آمين".

стр. 545

قال: "ومن الممتنع أن يفعل ذلك ولا ينقله عنه أحد". وقد قال بهذه النظرية أيضاً: ابن دقيق العيد. فقد ذكر حديث أبي هريرة في سجود السهو، وفيه أن النبي ﷺ : "سجد للسهو ثم سلّم". قال ابن دقيق العيد: "لم يذكر التشهّد بعد سجود السهو. وفيه خلاف عند أصحاب مالك في السجود الذي بعد السلام. وقد يستدل بتركه في الحديث على عدمه في الحكم، كما فعلوا في مثله كثيراً، من حيث إنه لو كان لذكر ظاهراً" (١). وذهب إلى ذلك ابن رشد أيضاً. فقد نقل إنكار مالك لشرعية سجود الشكر، بأنه لم يسمع أن النبي ﷺ فعله. ثم قال ابن رشد: "استدلاله على أن رسول الله ﷺ لم يفعل ذلك ولا المسلمون بعده بأن ذلك لو كان لنقل، استدلال صحيح، إذ لا يصحّ أن تتوفر دواعي المسلمين على ترك نقل شريعة من شرائع الدين، وقد أمروا بالتبليغ" (٢). قال: "وهذا أصل من الأصول، وعليه يأتي إسقاط الزكاة من الخضر والبقول مع وجوب الزكاة فيها بعموم قول النبي ﷺ : "فيما سقت السماء والعيون، والبعل، العشر، وفي ما سقي بالنضح نصف العشر". لأنا نزّلنا ترك نقل أخذ النبي ﷺ الزكاة منها كالسنة القائمة، في أن لا زكاة فيها، فكذلك يُنزَّل ترك نقل السجود عن النبي ﷺ في الشكر كالسنّة القائمة في أن لا سجود فيه". اهـ. والحاصل أنّ من نقلنا عنهم -ابن القيم، وابن دقيق العيد، وابن رشد- وغيرهم كالشاطبي، يثبتون هذه القاعدة، وهي أن (ترك النقل هو نقل للترك) بدليل أنه ﷺ لو فعل الفعل الشرعي لتوفّرت هممهم ودواعيهم على نقله، لأنهم أُمروا بالتبليغ. لقد ذكر ابن القيم اعتراض من اعترض على هذا التلازم بقوله: "إن قيل: من أين لكم أنه لم يفعله، وعدم النقل لا يستلزم نقل العدم؟ " (٣).

стр. 546

قال: "فهذا سؤال بعيد جداً عن معرفة هديه وسنته وما كان عليه، ولو صحّ هذا السؤال وقُبِل، لاستَحَبَّ لنا مستحب الأذان للتروايح، وقال: من أين لكم أنه لم ينقل؟ واستحبَّ لنا مستحبٌّ آخر الغسل لكل صلاة، وقال: من أين لكم أنه لم ينقل ...... وانفتح باب البدعة، وقال كل من دعا إلى بدعة: من أين لكم أن هذا لم ينقل؟ ومن هذا تركه أخذ الزكاة من الخضراوات والمباطخ، وهم يزرعونها بجواره بالمدينة كل سنة فلا يطالبهم بالزكاة، ولا هم يؤدونها إليه". ونحن نرى أن هذه مسألة مهمة، فإن إثبات هذه القاعدة على إطلاقها، يقتضي أن كل ما لم ينقل فعل النبي ﷺ له، فقد تركه، ويكون ذلك حينئذٍ بمنزلة النص على حكمه، وذلك يقتضي منع إجراء العموم على وجهه ليشمل ما لم يرد أن النبي ﷺ فعله، وكذلك يقتضي منع القياس في ذلك أيضاً. ومقتضى هذا ألا يعمل بعموم قرآن أو حديث حتى ينقل لنا أن النبي ﷺ فعله. ونحن سنناقش هذه القاعدة الأصولية من خلال تتبعنا لخلاف العلماء في هذا الفرع الفقهي، وهو أصناف الخارج من الأرض التي تؤخذ منها الزكاة. وإنما اخترنا هذا الفرع، لأن كل الذين أثبتوا هذه القاعدة، ممن تقدّم ذكرهم، مثلوا به. وقد استقرأنا الأحاديث الفعليّة في قضية المعشرات من الخارج من الأرض، فوجدنا أن أصناف الخارج من الأرض التي نقل إلينا أن النبي ﷺ أخذ الزكاة منها أربعة أصناف لا غير، وهي التمر، والزبيب، والشعير، والقمح. ولم ينقل عنه أنه أخذ الزكاة مما سوى هذه الأصناف. ولا نصّ على شيء غيرها في حديث قوليّ. واستقرأنا مذاهب الفقهاء (١) فوجدناهما كما يلي: ١ - منهم من يقتصر على هذه الأصناف ما عدا الزبيب. ومن هؤلاء أحمد في رواية وجميع الظاهرية ما عدا ابن حزم.

стр. 547

٢ - ومنهم من يجعل الزكاة في كل ما خرج من الأرض، دون استثناء، وهو قول ابن حزم. ٣ - وأبو حنيفة يرى وجوب الزكاة في كل خارج من الأرض قصد به النماء، فتجب في كل الحبوب والثمار والنوار حتى الورد والسوسن والنرجس، ما عدا ثلاثة أشياء: الحطب، والقصب، والحشيش. وصاحباه استثنيا أيضاً الخضر والفواكه. ٤ - وقول الشافعي: كل ما عمل منه خبز أو عصيدة ففيه الزكاة، وما لم يؤكل إلاّ تفكهاً فلا زكاة فيه. ٥ - وقول مالك: أن الزكاة تجب في القمح والشعير والسلت وسائر ما يقتات من الحبوب ولا تؤخذ من الثمار إلا من التمر والزبيب. ٦ - وعن أحمد: أنها تجب في كل خارج من الأرض ييبس، ويبقى، ويكال. ولا زكاة عنده في سائر الفواكه ولا في الخضر. وقد رجّح الباحث الفاضل الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه القيم (فقه الزكاة) (١) قول أبي حنيفة وأخذ بالعمومات القرآنية وعمومات الأحاديث القولية. فلو كان ترك النقل عن النبي ﷺ نقلاً للترك لصحّ قول الظاهرية ولكان الواجب الأخذ به، وانتفت الزكاة في ما عدا الأصناف الأربعة، لكونها لم ينقل أن النبي ﷺ أخذ الزكاة منها. لكن الجمهور أخذوا بالعموم. فأبو حنيفة أخذ بعموم: الآيات وعموم "في ما سقت السماء العشر". والثلاثة عمّموا الحكم بالقياس على المنصوص. قال ابن قدامة: تجب الزكاة في ما جمع (الكيل، والبقاء، واليبس) من الحبوب والثمار مما ينبته الآدميون، سواء أكان قوتاً أو من القطنيات. ولا تجب في سائر الفواكه ولا في الخضر، لأنه لا نصّ فيها ولا إجماع، ولا هي في معنى المنصوص عليه، فتبقى على الأصل.

стр. 548

فقد جعل المانع من إيجاب الزكاة في الخضار والفواكه بقاءها على الأصل. وهو شيء آخر غير إدعاء أن ترك النقل نقل للترك. فنرى أن جمهرة الفقهاء لم يأخذوا بهذه القاعدة في هذه المسألة. وأن المعتمد إما البقاء على الأصل، وإما الخروج عنه بدلالة. وأما ما قاله ابن القيم من أنه يلزم من عدم القول بهذه القاعدة جواز البدع وفتح بابها، فهو مردود، لأننا إذا ثبتنا على الأصل حتى ينقلنا عنه ناقل صحيح لم يلزم ما قال. فإنّ ما مثّل به لم يرد فيه عموم قولي. والذي نؤكّده أن النصّ التشريعي إذا كان عاماً فينبغي حمله على عمومه، ما لم يخصَّص بمخصص صحيح، ولا يكفي في التخصيص أن ينقل أنه ﷺ فعل بعض أفراد ذلك العموم، بدعوى أن ترك النقل نقل للترك في ما سوى ذلك الذي نقل إلينا من فعله. أما لو نقل أنه ترك بعض أفراد العموم فذلك صالح للتخصيص بلا شك. ولو كان ترك النقل نقلاً للترك لكان القائلون بإيجاب الزكاة في سائر ما يقتات ويدّخر، عاملين على خلاف (المنقول) عن رسول الله ﷺ . وذلك قول مردود على مدّعيه. وقد وجدنا ابن العربي المالكي ذهب إلى هذا الذي قلناه، فقد قال في كتابه أحكام القرآن (١) عند قوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ ما يلي: "فإن قيل: فلم لم ينقل عن النبي ﷺ أنه أخذ الزكاة من خضر المدينة ولا خيبر؟. قلنا كذلك قال علماؤنا، وتحقيقه أنه عدم دليل، لا وجود دليل. فإن قيل: لو أخذها لنقل. قلنا: وأيُّ حاجة إلى نقله والقرآن يكفي فيه؟ ". اهـ. فقوله: (والقرآن يكفي فيه) هو ما قلنا من إعمال عموم القرآن. ولا يتوقف على ما نقل الأخذ منه فعلاً.

стр. 549

وأما ما قاله ابن رشد من حمله كلام مالك على مقتضى هذه القاعدة، فغير مسلّم. فإنّ مالكاً قال: "قد فتح الله على رسوله ﷺ وعلى المسلمين بعده، أفسمعت أن أحداً منهم فعل ذلك؟ -يعني سجود الشكر- إذا جاءك مثل هذا مما قد كان للناس، وجرى على أيديهم، لا يسمع عنهم فيه شيء، فعليك بذلك، لأنه لو كان لذكر، لأنه من أمر الناس الذي قد كان فيهم فهل سمعت أن أحداً منهم سجد؟ " (١). فقوله: (لو كان لذكر) فلعله إنما يعني: لذكر قولًا أو فعلاً. إذ لو لم يذكر أصلًا لكان شيئاً من الدين قد ذهب وضاع. فلما لم يرد فيه نصّ قوليّ ولا فعليّ، ولا قياس نصّ، فلا يجوز إثباته بمجرد الهوى، لأن العبادات توقيفية. فليس قول مالك منصّباً على ما وردت فيه عمومات قولية، أو ما يمكن أخذ حكمه بطريق القياس أو غيره. وشبيه بقول مالك في هذا، ما قاله الشافعي في الخارج من غير السبيلين: "إنه ليس من الأحداث، لأن الأحداث مستقصاة في الكتاب والسنة، فلو كان من قبيل الأحداث لذكر في الكتاب أو السنة" (٢) والله تعالى أعلى وأعلم. والذي نراه في قضية ترك النقل، انقسامها إلى أقسام: الأول: أن يدل على المتروك نقله نصّاً يأمر بالفعل من الكتاب أو السنة، أو يدل على حكمه الإجماع أو القياس. فلا يكون ترك النقل نقلًا للترك. وإن قلنا هو نقل للترك، فينبغي جعله مرجوحاً، وتقدم عليه الأدلة الأربعة المعارضة له. الثاني: أن يكون المتروك نقله باقياً على حكم الأصل، والأصل عدم المشروعية في العبادة، فترك النقل يؤكّد الأصل ويثبّته. الثالث: أن يروي الصحابي تفاصيل حادثةً وقعت، مما يتعلق به شرع، ويذكر ذلك على سبيل الاستقصاء، فيظهر أنه لم يغادر من تفاصيلها الرئيسية شيئاً.

стр. 550

ومثّل له السمعاني بنقل قصة رجم ماعز، فقد نقلها الراوي من أولها إلى آخرها، ولم ينقل أنه جَلَدَه، والجَلْد له وزنه في الخبر لو أنه وقع. فترك ذكره دليل على ترك فعله، إذ لو كان لذكر. قال: وقد يردّ المعترض بأن الجَلّد مع الرجم لا يُتّشَوَّف إلى نقله مع نقل الرجم، فإنه غير محتفَل به. يعني لحقارة شأنه بالإضافة إلى الرجم. وهذا الردّ اعتراف بصحة القاعدة، وليس إبطالاً لها، وإنما الخلاف في المثال. ومن هذا النوع عندي ما استدلّ به ابن تيمية من عدم زيارته ﷺ في حجة الوداع لموضع تحنثه في الجاهلية في غار حراء، ولا لغار ثور، لأنه لو فعله لكان ظاهراً، ولرافقوه إليه ونقلوا إلينا ذلك. وكذلك ما استدلَّ به الفقهاء من تركه ﷺ لتكرار العمرة قبل خروجه إلى عرفات، وبعد أيام التشريق، وفي عمرة القضاء. الرابع: أن ينقل الراوي الواقعة، ويسكت عن تفصيلٍ يجعل الصورة نادرة، فسكوته يكون حجة على عدم ذلك التفصيل (١). ومثاله ما روي أنه ﷺ أقاد مسلماً بكافر، وقال: "أنا أحقّ من وفى ذمته" (٢)، قال المانعون لقتل المسلم بالكافر: لعلّ قاتلاً قتل كافراً ثم أسلم القاتل، فهذا نادر، وتتشوّف الطباع لنقله، فسكوت الراوي عنه يدل على أنه لم يكن. وبهذا يتبيّن أن ترك النقل لتفصيل معتادٍ غير نادر، أو ضعيف الأهمية، أو موافق للنصوص المعلومة، لا يدل على نفي وقوعه. ولا أثر لترك نقله في الأحكام. والله أعلم.

стр. 551

الفَصل الخامس السُّكوت مرادنا بالسكوت في هذا الفصل الكفّ عن القول. فإن لم يكن هناك ما يستدعي القول، فإن السكوت لا دلالة له، لأن ترك القول هو الغالب على حال البشر. أما إن كان هناك ما يستدعيه، ثم سكت، فإنه قد يدل على حكم. ثم إن كان الذي يستدعي القول فعلاً حدث أمام النبي ﷺ ، أو قولاً قيل أمامه، فسكت عن الإنكار عليه، فذلك هو التقرير. وسيأتي ذكره في الفصل الذي بعد هذا إن شاء الله. وإن كان الذي يستدعيه حادثة وقعت تستدعي بيان حكم، أو سؤالاً يتطلب جواباً منه ﷺ ، فسكت عن الجواب، فلسكوته دلالة. وهذا النوع من السكوت هو المراد في هذا الفصل. ويقول عبد الجبار الهمداني: "إن سكوته ﷺ لا يدل على أن لا حكم، إلا عند المسألة والطلب، لأنه على حكم الابتداء" (١). أنواع السكوت: السكوت من النبي ﷺ على قسمين: الأول: أن يسكت لعدم وجود حكم شرعي في المسألة.

стр. 552

والثاني: أن يسكت مع وجود الحكم في المسألة. ولكن يمنعه من الإجابة مانع. لنعقد لكل من القسمين مطلباً. المطلب الأول السكوت لعدم وجود حكم في المسألة كان ﷺ إذا سئل عن حادثة ليس فيها حكم، يسكت منتظراً للوحي. أما إن كان فيها حكم، ولم يمنع من الجواب مانع، فقد كان ﷺ مأموراً بالجواب. لقوله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لِتُبَيِّن للناس ما نزّل إليهم﴾ (١) فلو سكت لم يكن مبيّناً. ومن هنا، فإذا سكت، مع عدم وجود المانع، علم أنه ليس في المسألة حكم (٢). ثم إذا لم يأت بيان بعد ذلك بقي أمر تلك الحادثة على حكم الأصل. وقد مثل لذلك القاضي عبد الجبار (٣) بأنه ﷺ لو سئل عن قول القائل لزوجته: أنتِ ألبتة، وحبلكِ على غاربكِ، إلى غير ذلك من الكنايات، والحادثة واقعة، فسكت، من غير تنبيه، لوجب أن يدل ذلك على أن الكنايات لا تؤثر كتأثير الطلاق الصريح. فمّما ورد في السنة من هذا النوع من السكوت، ما روى جابر: "أن امرأة سعد بن الربيع قالت: يا رسول الله، إن سعداً هلك، وترك بنتين وأخاه، فعمد أخوه فقبض ما ترك سعد، وإنما تنكح النساء على أموالهن. فلم يجبها في مجلسها ذلك. ثم جاءته فقالت: يا رسول الله، ابنتا سعد؟ فقال ادع [هكذا بالأصل] لي أخاه، فجاء، فقال له: ادفع إلى ابنتيه الثلثين، وإلى امرأته الثمن، ولك ما بقي" (٤). وفي رواية الترمذي: فنزلت آية المواريث.

стр. 553

ومنه أيضاً ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه: "أن مرثد بن أبي مرثد كان يحمل الأسارى بمكة. وكانت بمكة بغيّ يقال لها عَنَاق، وكانت صديقته. قال: فجئت النبي ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، أنكِحُ عناق؟ قال: فسكت عني، فنزلت ﴿والزانية لا ينكحها إلا زانٍ أو مشرك﴾ فدعاني فقرأها عليّ، وقال: لا تنكحها" (١). السكوت عن بعض الأحكام مع بيان بعض آخر: قد يسأل النبي ﷺ عن حكم واقعة، أو تحدث الواقعة أمامه، فيبيّن لها حكماً أو أحكاماً، ثم لا يذكر حكماً آخر، فهل يدل سكوته عنه على انتفائه؟. إن الأمر في هذا ينقسم قسمين: القسم الأول: أن يكون المسكوت عنه قد تبيّن حكمه بدليل صحيح. وفي تلك الحال لا يكون سكوت عما سكت عنه حجة على انتفائه، بل يكون إحالة منه ﷺ على الدليل. قال السمعاني: "يشترط أن يكون المسكوت عنه لم تشمله أدلة الشرع، فلو كان ذكر فيها، كما لو أُتي بزانٍ فأمر بالجلد ولم يذكر المهر والعدة ونحوه، فذاك مما لا يحتج به، لأن ذلك يحال به على البيان في غير [الـ] موضع". القسم الثاني: أن يكون مما يتوهّم ثبوته، أو يتردّد فيه، لتعارض الأدلة. فينبغي أن يكون السكوت عنه دليل انتفائه. ولنضرب لهذه المسألة مثالين: المثال الأول: ما في حديث يعلى بن أمية: "أن رجلاً سأل النبي ﷺ وهو بالجعرانة: كيف ترى في رجل أحرم بعمرة، في جبة، بعدما تضمخ بطيب؟ فنظر إليه النبي ﷺ ساعة، ثم سكت. فجاءه الوحي .. فقال: أين السائل عن العمرة؟ أما الطيب الذي بك فاغسله، وأما الجبة فانزعها، وما كنت صانعاً في

стр. 554

حجك فاصنعه في عمرتك" (١). فقد أمره بنزع الطيب واللباس، لكنه ﷺ سكت عن أمره بالفدية لما مضى قبل السؤال من استعماله بعض محظورات الإحرام، وهو الطيب واللباس، وكان المظنون أن يأمره بذلك، قياساً على حلق الشعر الذي تجب فيه الفدية بالنصّ القرآني. ولو كان عالماً لوجبت عليه الفدية. فقد يدل ذلك على سقوط الفدية عمن لبس أو تطيب جاهلاً بالتحريم. المثال الثاني: ما في حديث أبي هريرة في قصة الأنصاري الذي وطئ في نهار رمضان فأمره النبي ﷺ بالتكفير، وسكت عن بيان حكم المرأة. فاستدل بذلك بعض الفقهاء على أن المرأة لا يجب عليها لذلك كفارة. وقد قال السمعاني: "مجرّد السكوت لا يدل عندنا على سقوط ما عدا المذكور، كما يدل عند من يذهب إلى أن الأصل في الأشياء الإباحة. وإنما هو بحسب الحال، وقيام الدليل عليه. ثم قال: ومراتب الاستدلال بالسكوت -يعني عند من استدل به- تختلف، فأقوى ما تكون دلالة السكوت على سقوط ما عدا المذكور، إذا كان صاحب الحادثة -يعني المستفتي- جاهلاً بأصل الحكم في الشيء، ولم يكن من أهل الاستدلال" (٢). اهـ. وجعل السمعاني من ذلك المثال الأول. فإن ذاك الأعرابيّ الذي يجهل أنّ لبس الجبة واستعمال الطيب، على المحرم، حرام، لحري أن يكون جاهلاً بحكم الفدية لو كان عليه فدية، فإن من جهل تحريم اللبس فهو بالفدية أجهل. فلما لم يذكرها ﷺ له، دلّ على أنه لا فدية عليه أصلاً. وقد عهد من النبي ﷺ أنه إن عرف من حال السائل أنه يجهل بعض الأحكام التي يحتاج إليها أنه يذكرها له وإن لم يسأل عنها. فمن ذلك أن قوماً سألوه: "أنتوضأ بماء البحر؟ " فقال: "البحر هو الطهور ماؤه، الحل ميتته" فأفادهم

стр. 555

حكماً لم يسألوا عنه، وهو حكم الميتة، لما أن جهلهم جواز الطهارة بمائه يدل بالأولى على جهلهم إباحة ميتته، وهم يحتاجون إلى معرفة ذلك. فإن كان السائل ممن له حظ من العلم، وكان له بصر بالأدلة والأحكام، فيمكن أن يكون النبي ﷺ سكت عما سكت عنه، لا لانتفائه، وإنما تركه ثقة بفهم السائل، فهو يجيبه عما يخفى عليه، ويترك إجابته عما يثق بفهمه له. وعلى هذا يحمل سكوته عن ذكر الكفارة في شأن امرأة الأنصاري الذي وطئ في نهار رمضان. فإن كونه من الأنصار، يقتضي حرصه على تعلّم الدين، ولا يخفى عليه أن أحكام الرجال والنساء سواء في ما يتعلق بالمفطرات. وقد ذهب الأكثرون إلى أن الكفارة تجب في هذه المسألة على المرأة كما تجب على الرجل، فهو قول مالك وأبي حنيفة ورواية عن أحمد. والرواية الأخرى عنه أنه لا كفارة على المرأة. قال ابن قدامة: "ووجه ذلك أنه ﷺ لم يأمر المرأة بذلك مع علمه بوقوعه منها" (١). أما في مسألة من لَبِس ما يحرم عليه في إحرامه جاهلاً، فقد ذهب عطاء والثوري وإسحاق وابن المنذر إلى أنه لا فدية عليه. وهو المشهور في مذهب أحمد. وذهب مالك والليث والثوري وأبو حنيفة إلى أن عليه الفدية بكل حال (٢). المطلب الثاني السكوت لمانع قدمنا في المطلب السابق أن النبي ﷺ قد يسكت عن الإجابة عن الحكم الشرعي في المسألة لعدم وجود ذلك الحكم. فأما إن كان الحكم ثابتاً فالأصل أن يجيب عن السؤال، لأن ذلك من البيان الذي أرسل به.

стр. 556

وقد يمنع من الإجابة مانع. والموانع مختلفة (١). ١ - منها: أن يقف عن الجواب لمهلة النظر. فقد كان له حق الاجتهاد في القضايا والنوازل، كما تقدم اختياره وإثباته، في موضعه. والمجتهد يحتاج أحياناً إلى وقت للنظر والتدبر. ٢ - ومنها: أن يكون السائل قد سأل عما لم يقع. فيترك جوابه لعدم الحاجة إلى البيان حينئذٍ، ولإشعار السائل بتكلّفه وتعمّقه، وفي ذلك من الكراهة ما فيه. ٣ - ومنها: أن يخاف غائلة الفتوى، من ترتب شرٍّ أعظم من الإمساك عنها، فيترك الجواب ترجيحاً لدفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما. ويمكن أن يحتجّ لهذا النوع، بتركه ﷺ الأمر بنقض الكعبة لحداث عهد قومه بالكفر. ٤ - ومنها: أن يكون عقل السائل، أو عقل بعض السامعين، لا يحتمل الجواب، فيسكت عن جوابه لئلا يكون الجواب فتنة له. قال البخاري: "باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس فيقعوا في أشد منه". ثم روى حديث عائشة في تركه ﷺ نقض الكعبة. ولعلّ من هذا ما ورد عن ابن عباس: "أن رجلاً أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني أرى الليلة في المنام ظُلّةً تنطف السمن والعسل، فأرى الناس يتكففون منها بأيديهم، فالمستكثر والمستقلّ. وأرى سبباً واصلاً من السماء إلى الأرض، فأراك أخذت به فعلوت، ثم أخذ به رجل آخر بعدك فعلا، ثم أخذ به رجل آخر فعلا، ثم أخذ به رجل آخر فانقطع به، ثم وصل له فعلاً. قال أبو بكر: "يا رسول الله بأبي أنت والله لتَدَعَنِّي فَلأعْبُرَنّها". قال رسول الله ﷺ : "اعبرها". فعبرها أبو بكر، ثم قال: "أخبرني يا رسول الله، بأبي أنتَ، أصبتُ أم أخطأتُ؟ "، قال رسول الله ﷺ : "أصبت بعضاً وأخطأت بعضاً"، قال: "فوالله يا رسول الله لتحدثَنِّي ما الذي أخطأت؟ "، قال: "لا تقسم" (٢).

стр. 557

ووجه كونه من هذا الباب أنه لو حدَّث الحاضرين بما يكون من شأن عثمان ﵁، وهو الرجل الثالث في الرؤيا، لربما كان لبعض السامعين فتنة، وحصل من ذلك مفسدة. قال ابن حجر في الفتح قال النووي: "لعل المفسدة في ذل ما علمه من سبب انقطاع السبب بعثمان، وهو قتله وتلك الحروب والفتن المرتبة عليه، فكره ذكرها خوف شيوعها" (١). ٥ - ومنها: أن يترك الكلام أصلاً مع شخص ما، عقوبةً له على فعلٍ فعَله. فقد نهى عن كلام الثلاثة الذين خُلّفوا، حتى قال أحدهم، وهو كعب بن مالك: "كنت أشَبَّ القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله ﷺ فأسلِّم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرّك شفتيه يردّ السلام؟ " (٢). ٦ - ومنها: أن يعدل في الجواب إلى ما هو أنفع للسائل مما سأل عنه. ونظير ذلك في القرآن قوله تعالى: ﴿يسئلونك عن الأهلّة قل هي مواقيت للناس والحج﴾ (٣) سألوا ما بال الهلال يبدو صغيراً ثم يكبر تم يعود كما كان فأجيبوا ببيان المصلحة في ذلك. ٧ - ومنها: أن يسأله السائل عمّا ليس من شأن النبوة والرسالة، فيترك جوابه إشعاراً له بما ينبغي له أن يسأل عنه. ويمكن حمل سكوته عن الإجابة عن سؤالهم على هذا الوجه، فإن تعليم الفلَك ليس من شأن الرسالة. ٨ - ومنها: أن يكون السائل متلبّسا بمعصية ظاهرة هي أكبر من التي يسأل عنها وأهم منها. فمن ذلك أن يكون السائل كافراً معانداً، أو منافقاً فاجراً. وقد قال الله تعالى لنبيه: ﴿فأعرض عمّن تولّى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا﴾ (٤). ٩ - ومنها: سكوته على سبيل الإنكار للسؤال نفسه، لأنه مما لا ينبغي. فالله

стр. 558

تعالى قد نهى عن السؤال عن الأمور التي عفا عنها، قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تُبْدَ لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها﴾ (١) ونهى النبي ﷺ عن كثرة السؤال. ومن هذا النوع من السكوت سكوته ﷺ عن الأقرع بن حابس، فقد تلا عليهم النبي ﷺ قول الله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت ... ﴾ الآية، فقام الأقرع فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ فأعرض عنه، حتى سأله ثلاثاً. فقال ﷺ : "والذي نفسي بيده لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم". ١٠ - ويكون السكوت أحياناً جواباً. فمن استأذن في فعل شيء، فسكت عن الإذن له، دلّ على عدم الإذن. ومن ذلك ما روى أبو هريرة، قال: "قلت يا رسول الله إني رجل شابّ، وأنا أخاف على نفسي العَنَت، ولا أجد ما أتزوج به النساء" (٢). زاد في رواية (٣) فأذْن لي أن أختصي- فسكت عني. ثم قلت مثل ذلك، فسكت عني. ثم قلت مثل ذلك، فسكت عني. ثم قلت مثل ذلك، فقال النبي ﷺ : "يا أبا هريرة، جفّ القلم بما أنت لاقٍ، فاختصِ على ذلك أو ذرْ". قال ابن حجر: فيه (من الزوائد) جواز السكوت عن الجواب لمن يُظَنّ أنه يفهم المراد من مجرد السكوت. المطلب الثالث ترك الحكم في حادثة هل يوجب ترك الحكم في نظيرها ؟ إذا ترك النبي ﷺ الحكم في حادثة، فهل لنا أن نحكم في نظيرها؟. نقل الزركشي (٤) عن بعض المتكلمين أن تركه ﷺ يوجب علينا ترك الحكم في نظيرها. وقالوا: هذا كرجل شجّ رجلاً شجة، فلم يحكم فيها رسول الله ﷺ بحكم، فيعلم بتركه لذلك أن لا حكم لهذه الشجّة في الشريعة.

стр. 559

وقال بعضهم: يحتمل التوقف. وقال القاضي أبو يعلى الحنبلي: "يجوز لنا أن نحكم في نظيرها". وقد بيّن ابن عقيل (١) وجه تجويز القاضي لذلك، وحاصله أنه ﷺ ربما يكون قد سكت محيلاً لنا على بيان آخر، بأن يكون قد حكم في مسألة أخرى مشابهة، ويكون سكوته من تفويضه إلى الحاضرين استخراج الحكم بالاجتهاد. ووافق ابن عقيل على ذلك في حالة واحدة، هي عنده جائزة، وهي أن يكون له ﷺ حكم في نظيرها يصحّ استخراجه من معنى نطقه. واشترط أن يكون ذلك قياساً جلياً "في قوة ألفاظ النصوص". فإن لم يكن كذلك فلا وجه عنده لطلبنا الحكم مع إمساكه ﷺ عنه. واستدلّ بأن الحكم الذي نطلبه بالقياس أو غيره من الأدلة الاجتهادية لتلك الواقعة، إما أن يكون ﷺ قد علمه، وتركه، وذلك ممتنع، لأنه من تأخير البيان عن وقت الحاجة، وإما أن يكون غير عالم به. وذلك غير جائز، "إذ لو أراد الله بيانه لما طواه عن نبيه وأوقع الأمة عليه من غير طريقه"، فلا يبقى إلا أنه لا حكم في المسألة شرعيّاً، وذلك يمنع من طلب حكم شرعي لنظائر تلك الحادثة. وعندي أن كلام القاضي أصوب. فقد ذكرنا قبل هذا أن النبي ﷺ قد يترك الحكم في أمر من الأمور لمانع شرعي. وقد ذكرنا تلك الموانع. فإذا علمنا ذلك المانع، وعرفنا زواله، جاز أن نحكم فيه. ومثالها نقض الكعبة وإعادة بنائها على قواعد إبراهيم. تركه النبي ﷺ لحداثة عهدهم بالإسلام، فلمّا زال ذلك السبب، جاز أن يُفعل ذلك. ومثاله أيضاً تركه الاستخلاف، وتركه تحديد قوم للشورى، لما حصل عنده من التنازع، فاستخلف أبو بكر عمر. وجعل عمر الأمر بعده في أهل الشورى. وكذلك ترك النبي ﷺ الحكم على المعترف بالزنا لأول مرة، والثانية، والثالثة. يقول الشافعية والمالكية: بأن الاعتراف بالزنا مرة واحدة موجب للحد.

стр. 560

وإنما أخذوا ذلك من أدلة أخرى غير تلك الواقعة. وحملوا ردّه ﷺ لماعزٍ في المرة الأولى والثانية والثالثة على محامل مختلفة، ككونه لزيادة التثبّت. فلم يجعلوا تركه للحكم في تلك الواقعة مانعاً من الحكم في نظائرها من الوقائع (١). وقال الحنفية والحنابلة: إن ردّه ﷺ لماعز قبل الرابعة دليل أن الرابعة هي الموجبة، ولا حكم في ما قبلها. إذ لو كان فيها حكم لما جاز تركه. أما إن حملنا كلام ابن عقيل في التناظر بين الواقعتين على ما يشمل التساوي في المانع من الحكم، بالإضافة إلى التساوي في أصل الحادثة، فإن كلامه يكون صواباً. وتطبيق هذا على المسائل الفرعية الثلاث التي ذكرناها واضح. وقد أمر مالك الخليفة المنصور بترك نقض الكعبة لئلا يتخذه الملوك لعبة. وذلك مانع مشابه للمانع الذي لأجله تركها النبي ﷺ على حالها. والله أعلم. والحاصل أن الوقائع التي يمكن أن يترك ﷺ الحكم فيها أحياناً نوعان: ١ - ما سبق النص عليه، أو يمكن تبين حكمه بقياس جليّ. ٢ - ما منع من الحكم فيه مانع يتضمن مفسدة أعظم من ترك بيان الحكم فيه. فإن لم يكن كذلك فإن ترك الحكم فيه ممتنع. ويمتنع علينا الحكم فيه. وهذا كما هو بيّن، قيد في قياس العلة، فلا يجوز أن يكون فرع القياس مما كان حادثاً في زمنه ﷺ وترك ذلك الحكم فيه. والله أعلم. المطلب الرابع ترك الاستفصال عند الإفتاء ومدى دلالته على عموم الحكم عبّر الشافعي عن هذه المسألة بقوله: "ترك الاستفصال، في مقام الاحتمال، ينزل منزلة العموم في المقال" (٢). وهو أول من ذكر هذه القاعدة في ما نعلم.

стр. 561

وإيضاحها أن يقال: إذا سئل النبي ﷺ عن حكم واقعة من الوقائع، وكانت الواقعة المسؤول عنها مما يحتمل أن تقع على صورتين فأكثر، فأجاب عنها دون استفصال عن الصورة الواقعة، فإن الحكم المذكور في الجواب النبويّ، يكون صادقاً على كلتا الصورتين. ولو أراد أن يكون حكمه صادقاً على إحداهما دون الأخرى وجب عليه إما أن يستفصل، ويحكم على المتحصّل بالاستفصال، وإما أن يقيد في كلامه فيقول: إن كان كذا فالحكم كذا. وهذه قاعدة في الإفتاء معروفة، ومثالها أن يقول المستفتي في الميراث: رجل ترك زوجة وأماً وأباً. فينبغي للمفتي أن يسال: هل ترك ولداً أو ولد ابن؟ لأن الحكم يختلف في حال وجوده عن حال عدمه. وكذلك يسأل: هل ترك من الإخوة اثنين فأكثر؟ ولكن لا حاجة إلى أن يسأل: هل ترك عمّاً أو خالاً، إذ أن ذلك لا يؤثر في قسمة التركة. ولإيضاح قاعدة التنزيل هذه بالمثال، نذكر حديث أم سلمة في المستحاضة: "أن امرأة كانت تهراق الدماءَ. فاستفتت أم سلمة لها رسول الله ﷺ . فقال: لتنظر إلى عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر، قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلفت ذلك فلتغتسل، ثم لتستثفرْ بثوب، ثم لتصلّ" (١). احتجّ به الحنفية على أن المستحاضة إن كان لها عادة معلومة فإنها تجلسها، وسواء أكان دمها متميّزاً أم لا، فلا اعتبار بالتمييز. ووجه إلغاء التمييز عندهم البناء على هذه القاعدة التي ذكرنا. فإن النبي ﷺ أفتاها بما ذكر في الحديث، ولم يستفصل منها، أمميزة هي أم لا، فدلّ ذلك أن الأمرين سواء، وأن المعتبر العادة. فنزلوا تركه ﷺ للاستفصال منزلة العموم في القول، فكأنه قال: لتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، في حال تمييزها إن كانت مميّزة، وفي غير تلك الحال إن لم تكن عليها.

стр. 562

والشافعية والمالكية والحنابلة المخالفون للحنفية في هذا الفرع، احتجّوا بحديث عائشة في استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش أن رسول الله ﷺ قال لها: "إن دم الحيض دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي" (١). استدلوا به على أن المستحاضة إن كانت مميزة فالمعتبر التمييز، ولا اعتبار حينئذٍ بالعادة. واستدلالهم مبني على القاعدة المذكورة نفسها. ووجه بنائها عليها لا يخفى (٢). هذا ولما كان من المحتمل أن يكون النبي ﷺ قد علم بالواقعة -ربما من مصدر آخر غير سؤال السائل- على أي الوجهين وقعت، فقد أنكر بعض العلماء صحة هذه القاعدة، لأن استفصاله عن ذلك يكون لغواً لا فائدة فيه. فبالنظر إلى هذا الاحتمال حرّر الأبياري (٣) هذه القاعدة كما يلي: أولاً: إن كان الاستفتاء عن أمر لم يقع أصلًا، وإنما يراد إيقاعه في المستقبل، فإن ترك الاستفصال ينزّل منزلة العموم، كما لو سألته امرأة غير مستحاضة عن الحكم لو استحيضت. أقول: ومثله ما لو سئل عن المسألة بصفة عامة، كما لو قيل له: ما تقول في امرأة استحيضت ... إلخ. ثانياً: أن يتبيّن لنا اطّلاعه ﷺ على صفة الحال، ونعلم بطريق ما، أن الخبر كان قد وصله، فلا ريب أن تركه الاستفصال لا يدل على العموم، لأن الاستفصال لا داعي إليه. ثالثاً: أن يثبت لنا، بطريق ما، أن القضية التي وقعت أفتى فيها ﷺ وهي

стр. 563

مبهمة عنده، لا يعلم على أي الحالين وقعت، فينزل تركه الاستفصال منزلة العموم، كما هو واضح. رابعاً: أن تكون الحادثة قد وقعت، والسؤال مطلق، ولم يثبّت أنه ﷺ كان عالماً بالواقع، ولا ثبت أنه كان غير عالم به. فهذه الصورة هي المختلف فيها. فاعتبار قيد الوقوع، يمنع القول بالتعميم، نظراً لاحتمال أن النبي ﷺ كان عالماً بالواقعة، على أي وجه وقعت. وهذا هو المذهب الأول في المسألة. واعتبار الإطلاق في السؤال، وأنه قد يكون من غرض المجيب التسوية بين الاحتمالات في الحكم، يقتضي القول بالتعميم، وهو المذهب الثاني. والمذهب الثالث: التوقف، للتردد بين الاحتمالين المذكورين. وهو منسوب إلى الجويني (١). رأينا في المسألة: الذي نراه أن احتمال علمه ﷺ من طريق آخر بالقضية، كيف وقعت، خلاف الأصل، إذ الأصل عدم العلم، والظاهر أن الجواب وارد على ما ذكر في السؤال فقط. فما أوردوه على القاعدة يمنع اليقين، ولكن لا يمنع الظهور. وهذا ما رجّحه ابن تيمية (٢) والزركشي وغيرهم. تنبيه: إنما قالوا: "ترك الاستفصال ينزل منزلة العموم" ولم يجعلوه عموماً، لأن العموم عندهم من عوارض الألفاظ، وليس الترك لفظاً حتى يقال هو عام. تنبيه آخر: ليس المراد بقيام الاحتمال، في القاعدة السابقة، الاحتمالات الضعيفة والمستبعدة الوقوع، إذ أنه قلما تخلو واقعة من احتمال يجيزه العقل، ومثاله في مسألة السؤال عن الميراث التي قدمنا ذكرها، احتمال أن تكون أم الميت حاملاً بتوأمين، فذلك أمر مستبعد، وليس على المفتي أن يهتمّ له، أو يعتني بالبحث عنه.

стр. 564

فمثل هذه الاحتمالات، ليست مرادة بهذه المسألة، ولا يقال إن الحكم يعمها، ومثال ذلك من السنة أن أنصارياً وطئ زوجته في رمضان، وأخبر النبي ﷺ بذلك، فأوجب عليه الكفارة. فجمهور الفقهاء جعلوا الكفارة على المتعمّد لذلك دون الناسي. قالوا وليس ترك الاستفصال هنا منزّلاً منزلة العموم في المقال "لأن حالة النسيان بالنسبة إلى الجماع، ومحاولة مقدماته، وطول زمانه، وعدم (اعتياده) في كل وقت، مما يبعد جريانه في حالة النسيان، فلا يحتاج إلى الاستفصال بناء على الظاهر" (١). وخالف في ذلك أحمد وبعض المالكية فقد تمسّكوا بالقاعدة حتى في هذه الحال (٢)، فأوجبوا الكفارة على المجامع ناسياً صومه. وبناء على ما تقدم ينبغي تحرير القاعدة كما يلي: "ترك النبي ﷺ الاستفصال، في وقائع الأحوال، مع قيام الاحتمال، ينزل منزلة العموم في المقال، إلا إذا تبيّن علمه بالحال، أو كان الاحتمال لندرته مما يعزب عن البال" والله أعلم. فروع تنبني على هذه القاعدة: الفرع الأول: من أسلم على أختين (٣): في الحديث عن فيروز قال: "أسلمت وعندي امرأتان أختان، فأمرني النبي ﷺ أن أطلق إحداهما" (٤). ذهب مالك والشافعي وأحمد إلى أن من أسلم ومعه أختان، وجب عليه أن يفارق واحدة منهما، ويمسكُ من اختارها. ومذهب أبي حنيفة، وهو قول للشافعي: إنه ليس مخيراً في ذلك، بل يجب عليه أن يفارق التي تأخّر عقدها منهما. فإن كان عقد عليهما معاً بطل. وأجاب من احتجّ لأبي حنيفة عن الاستدلال بالحديث المذكور، بأنه في واقعة حال؛ فيحتمل أن فيروز كان تزوجهما في عقد واحد، وأن النبي ﷺ قد علم بالواقعة.

стр. 565

واحتُجّ للأولين بالحديث المذكور، وقالوا: تخييره ﷺ لفيروز، مع تركه الاستفصال منه هل تزوجهما في عقدين أو عقد واحد، ينزل منزلة العموم. ويكون ذلك حكم من أسلم وتحته أختان سواء تزوجهما في عقد أو عقدين. وقالوا أيضاً: احتمال أن يكون ﷺ قد علم بالواقعة خلاف الأصل، فالظاهر عدم العلم. الفرع الثاني: قضاء رمضان عن الميت: في حديث ابن عباس: "أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ ، فقال يا رسول الله، إن أمي ماتت، وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ فقال: لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها؟ قال: نعم. قال: فدين الله أحق أن يقضى" (١). الحديث يدل على أنه لا يتخصص جواز النيابة بصوم النذر، وهو منصوص الشافعية، خلافاً لما قاله أحمد (٢) ويخرج على القاعدة التي ذكرناها، والله أعلم.
следующие страницы →