← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 31471

أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم ودلالتها على الأحكام الشرعية

محمد سليمان الأشقر

Полный текст (761 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وإيضاحها أن يقال: إذا سئل النبي ﷺ عن حكم واقعة من الوقائع، وكانت الواقعة المسؤول عنها مما يحتمل أن تقع على صورتين فأكثر، فأجاب عنها دون استفصال عن الصورة الواقعة، فإن الحكم المذكور في الجواب النبويّ، يكون صادقاً على كلتا الصورتين. ولو أراد أن يكون حكمه صادقاً على إحداهما دون الأخرى وجب عليه إما أن يستفصل، ويحكم على المتحصّل بالاستفصال، وإما أن يقيد في كلامه فيقول: إن كان كذا فالحكم كذا. وهذه قاعدة في الإفتاء معروفة، ومثالها أن يقول المستفتي في الميراث: رجل ترك زوجة وأماً وأباً. فينبغي للمفتي أن يسال: هل ترك ولداً أو ولد ابن؟ لأن الحكم يختلف في حال وجوده عن حال عدمه. وكذلك يسأل: هل ترك من الإخوة اثنين فأكثر؟ ولكن لا حاجة إلى أن يسأل: هل ترك عمّاً أو خالاً، إذ أن ذلك لا يؤثر في قسمة التركة. ولإيضاح قاعدة التنزيل هذه بالمثال، نذكر حديث أم سلمة في المستحاضة: "أن امرأة كانت تهراق الدماءَ. فاستفتت أم سلمة لها رسول الله ﷺ . فقال: لتنظر إلى عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر، قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلفت ذلك فلتغتسل، ثم لتستثفرْ بثوب، ثم لتصلّ" (١). احتجّ به الحنفية على أن المستحاضة إن كان لها عادة معلومة فإنها تجلسها، وسواء أكان دمها متميّزاً أم لا، فلا اعتبار بالتمييز. ووجه إلغاء التمييز عندهم البناء على هذه القاعدة التي ذكرنا. فإن النبي ﷺ أفتاها بما ذكر في الحديث، ولم يستفصل منها، أمميزة هي أم لا، فدلّ ذلك أن الأمرين سواء، وأن المعتبر العادة. فنزلوا تركه ﷺ للاستفصال منزلة العموم في القول، فكأنه قال: لتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، في حال تمييزها إن كانت مميّزة، وفي غير تلك الحال إن لم تكن عليها.

стр. 562

والشافعية والمالكية والحنابلة المخالفون للحنفية في هذا الفرع، احتجّوا بحديث عائشة في استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش أن رسول الله ﷺ قال لها: "إن دم الحيض دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي" (١). استدلوا به على أن المستحاضة إن كانت مميزة فالمعتبر التمييز، ولا اعتبار حينئذٍ بالعادة. واستدلالهم مبني على القاعدة المذكورة نفسها. ووجه بنائها عليها لا يخفى (٢). هذا ولما كان من المحتمل أن يكون النبي ﷺ قد علم بالواقعة -ربما من مصدر آخر غير سؤال السائل- على أي الوجهين وقعت، فقد أنكر بعض العلماء صحة هذه القاعدة، لأن استفصاله عن ذلك يكون لغواً لا فائدة فيه. فبالنظر إلى هذا الاحتمال حرّر الأبياري (٣) هذه القاعدة كما يلي: أولاً: إن كان الاستفتاء عن أمر لم يقع أصلًا، وإنما يراد إيقاعه في المستقبل، فإن ترك الاستفصال ينزّل منزلة العموم، كما لو سألته امرأة غير مستحاضة عن الحكم لو استحيضت. أقول: ومثله ما لو سئل عن المسألة بصفة عامة، كما لو قيل له: ما تقول في امرأة استحيضت ... إلخ. ثانياً: أن يتبيّن لنا اطّلاعه ﷺ على صفة الحال، ونعلم بطريق ما، أن الخبر كان قد وصله، فلا ريب أن تركه الاستفصال لا يدل على العموم، لأن الاستفصال لا داعي إليه. ثالثاً: أن يثبت لنا، بطريق ما، أن القضية التي وقعت أفتى فيها ﷺ وهي

стр. 563

مبهمة عنده، لا يعلم على أي الحالين وقعت، فينزل تركه الاستفصال منزلة العموم، كما هو واضح. رابعاً: أن تكون الحادثة قد وقعت، والسؤال مطلق، ولم يثبّت أنه ﷺ كان عالماً بالواقع، ولا ثبت أنه كان غير عالم به. فهذه الصورة هي المختلف فيها. فاعتبار قيد الوقوع، يمنع القول بالتعميم، نظراً لاحتمال أن النبي ﷺ كان عالماً بالواقعة، على أي وجه وقعت. وهذا هو المذهب الأول في المسألة. واعتبار الإطلاق في السؤال، وأنه قد يكون من غرض المجيب التسوية بين الاحتمالات في الحكم، يقتضي القول بالتعميم، وهو المذهب الثاني. والمذهب الثالث: التوقف، للتردد بين الاحتمالين المذكورين. وهو منسوب إلى الجويني (١). رأينا في المسألة: الذي نراه أن احتمال علمه ﷺ من طريق آخر بالقضية، كيف وقعت، خلاف الأصل، إذ الأصل عدم العلم، والظاهر أن الجواب وارد على ما ذكر في السؤال فقط. فما أوردوه على القاعدة يمنع اليقين، ولكن لا يمنع الظهور. وهذا ما رجّحه ابن تيمية (٢) والزركشي وغيرهم. تنبيه: إنما قالوا: "ترك الاستفصال ينزل منزلة العموم" ولم يجعلوه عموماً، لأن العموم عندهم من عوارض الألفاظ، وليس الترك لفظاً حتى يقال هو عام. تنبيه آخر: ليس المراد بقيام الاحتمال، في القاعدة السابقة، الاحتمالات الضعيفة والمستبعدة الوقوع، إذ أنه قلما تخلو واقعة من احتمال يجيزه العقل، ومثاله في مسألة السؤال عن الميراث التي قدمنا ذكرها، احتمال أن تكون أم الميت حاملاً بتوأمين، فذلك أمر مستبعد، وليس على المفتي أن يهتمّ له، أو يعتني بالبحث عنه.

стр. 564

فمثل هذه الاحتمالات، ليست مرادة بهذه المسألة، ولا يقال إن الحكم يعمها، ومثال ذلك من السنة أن أنصارياً وطئ زوجته في رمضان، وأخبر النبي ﷺ بذلك، فأوجب عليه الكفارة. فجمهور الفقهاء جعلوا الكفارة على المتعمّد لذلك دون الناسي. قالوا وليس ترك الاستفصال هنا منزّلاً منزلة العموم في المقال "لأن حالة النسيان بالنسبة إلى الجماع، ومحاولة مقدماته، وطول زمانه، وعدم (اعتياده) في كل وقت، مما يبعد جريانه في حالة النسيان، فلا يحتاج إلى الاستفصال بناء على الظاهر" (١). وخالف في ذلك أحمد وبعض المالكية فقد تمسّكوا بالقاعدة حتى في هذه الحال (٢)، فأوجبوا الكفارة على المجامع ناسياً صومه. وبناء على ما تقدم ينبغي تحرير القاعدة كما يلي: "ترك النبي ﷺ الاستفصال، في وقائع الأحوال، مع قيام الاحتمال، ينزل منزلة العموم في المقال، إلا إذا تبيّن علمه بالحال، أو كان الاحتمال لندرته مما يعزب عن البال" والله أعلم. فروع تنبني على هذه القاعدة: الفرع الأول: من أسلم على أختين (٣): في الحديث عن فيروز قال: "أسلمت وعندي امرأتان أختان، فأمرني النبي ﷺ أن أطلق إحداهما" (٤). ذهب مالك والشافعي وأحمد إلى أن من أسلم ومعه أختان، وجب عليه أن يفارق واحدة منهما، ويمسكُ من اختارها. ومذهب أبي حنيفة، وهو قول للشافعي: إنه ليس مخيراً في ذلك، بل يجب عليه أن يفارق التي تأخّر عقدها منهما. فإن كان عقد عليهما معاً بطل. وأجاب من احتجّ لأبي حنيفة عن الاستدلال بالحديث المذكور، بأنه في واقعة حال؛ فيحتمل أن فيروز كان تزوجهما في عقد واحد، وأن النبي ﷺ قد علم بالواقعة.

стр. 565

واحتُجّ للأولين بالحديث المذكور، وقالوا: تخييره ﷺ لفيروز، مع تركه الاستفصال منه هل تزوجهما في عقدين أو عقد واحد، ينزل منزلة العموم. ويكون ذلك حكم من أسلم وتحته أختان سواء تزوجهما في عقد أو عقدين. وقالوا أيضاً: احتمال أن يكون ﷺ قد علم بالواقعة خلاف الأصل، فالظاهر عدم العلم. الفرع الثاني: قضاء رمضان عن الميت: في حديث ابن عباس: "أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ ، فقال يا رسول الله، إن أمي ماتت، وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ فقال: لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها؟ قال: نعم. قال: فدين الله أحق أن يقضى" (١). الحديث يدل على أنه لا يتخصص جواز النيابة بصوم النذر، وهو منصوص الشافعية، خلافاً لما قاله أحمد (٢) ويخرج على القاعدة التي ذكرناها، والله أعلم.

стр. 566

الفصل السادس التقرير - تمهيد في حقيقة التقرير. ١ - الإنكار وما يحصل به. ٢ - حجية التقرير. ٣ - شروط التقدير. ٤ - أنواع التقرير ودلالة كل منها. ٥ - تعدية حكم التقرير لغير المقرر. ٦ - مسائل متفرقة. أ- ذكر الأمر في أثناء القول هل يكون تقريراً؟. ب- السكوت على ما يوهمه القول الجائز. ج- الإقرار على الفعل الحادث والفعل المستدام. د- بين الإقرار وقاعدة: لا ينسب للساكت قول. هـ- سعة دلالة التقرير.

стр. 567

تمهيد الإقرار في اللغة مصدر أقرّ، ومادة (ق ر ر) تكون في اللغة للبرد ضد الحر، والمصدر القُرّ. وتكون بمعنى الثبات في المكان والسكون فيه وترك الحركة. والمصدر القَرار، والقُرّ أيضاً. وتكون بمعنى إخراج الصوت على دفعات ومنه قَرُّ الدجاجة (١) ومنه القارورة، لأنها (تقرقر) إذا صُبَّ منها الماء. وأقرَّ الشيءَ، وقرّره، ثبته في المكان، ويكون ذلك بأن يجده في مكان فيتركه على حاله فلا ينقله منه ولا يحرّكه، أو يجده في مكان فينقله إلى مكان آخر فيثبته فيه، أو يجده متحرّكاً فيسكنِّه. ويخرج الإقرار عن هذا الأمر الحسّيّ إلى أمور معنوية ترجع إلى ترك التغيير أو المنع منه. ويستعمل الفقهاء الإقرار بمعنى الاعتراف، لأن من اعترف بما نسب إليه أو اتهم به، فإنهم لم يغيّر ولم يدفع عن نفسه. والإقرار والتقرير من النبي ﷺ في عرف أهل السنن وأهل الأصول: "فإن يسكت النبي ﷺ عن إنكار قول قيل، أو فعلٍ فُعِل، بين يديه، أو في عصره وعلم به" (٢). والإقرار قد يكون نوعاً من السكوت، لأنه سكوت عن الإنكار، والسكوت كفّ عن القول.

стр. 568

وقد يكون الإقرار كفاً عن الفعل، لأن بعض الأفعال يمكن إنكارها بالفعل. ومن أجل ذلك فلا نرى من الصواب تعريف الإقرار بـ (السكوت عن الإنكار ... إلخ) لأنه ﷺ قد يسكت عن إنكار المنكر بلسانه ولكن يغيّره بيده، فلا يقال إنه قد أقرّه. وقد أزال ابنَ عباس عندما قام في الصلاة عن يساره فأقامه عن يمينه، ورأى رجلين يطوفان بالبيت وبينهما زمام فقطعه. والأولى أن يقال في تعريف الإقرار إنه (كف النبي ﷺ عن الإنكار على ما علم به من قول أو فعل). والتقرير على الشيء لا يرادف الرضا به. بل ما تضمّن الرضا والموافقة فهو تقرير يحتج به، وما لم يتضمنه فهو تقرير لا يحتج به. فالتقرير حجة إذا وجدت شروط الاحتجاج به وانتفت الموانع، وليس حجة في ما عدا ذلك. التقرير فعل من الأفعال: وذلك من حيث إنه كفّ عن الإنكار، والكفّ فعل كما تقدم، أما الترك العدمي فلا يكون تقريراً، وذلك كعدم نهيه ﷺ عن أشياء لم يعلم بها مما حدث في غير مكانه، أو بعد زمانه. والذين جعلوا التقرير قسيماً للأقوال والأفعال، فليست طريقتهم في ذلك مرضيّة. وإنما تجري على قول من أبى أن يعتبر الكفّ فعلاً من الأفعال. أهمية التقرير في البيان والتعليم: سبق أن أشرنا في أوائل الباب الأول إلى ميزة التقرير في البيان والتعليم. ونعيد شيئاً من ذلك هنا مع زيادة بيان. فنقول: إن البيان والتبليغ بالقول قد لا يحصل به التبيُّن الكامل، فيحتاج المبلّغ إلى أمثلة عمليّة مطابقة للوجه المشروع، فأرسل الله نبيه ﷺ عاملاً بكتاب الله، ليكون عمله أنموذجاً يحتذى. ثم إن السامع للبيان القولي، والمشاهِدَ للعمل النموذجيّ، قد يتخيّل في

стр. 569

بعض أجزاء العمل المشاهد أنها مطلوبة، أو أنها غير مطلوبة، ويكون ذلك مخالفاً للصواب. فإذا أريد له أن يكون تعلمه سليماً فينبغي أن يطلب منه تنفيذ العمل تحت إشرافٍ ومشاهدة ممن هو أعلى منه درجة في العلم والمعرفة. وتكون مهمة المشرف حينئذ إبطال الأجزاء الزائدة، والأمر بتكميل الأجزاء الناقصة، وتعديل المخالف في الصفة، حتى يتمّ التمرن على العمل على الوجه الصواب، ويصبح أداؤه على ذلك الوجه عادة للمتعلم، وبه يتم التعليم.

стр. 570

المبحث الأول الإنكار وما يحصل به أنواع الإنكار: لما كان التقرير هو عدم الإنكار، وجب أن يُعرف ما يكون إنكاراً من الأقوال والأفعال، لئلا يظن أنه ﷺ أقر شيئاً ويكون قد أنكره. قد قالت العرب في أمثالها: "الحرُّ يُلحى والعصا للعبد" وقال الشاعر: العبد يضرب بالعصا ... والحر تكفيه الإشارة فإنه لما كان الإنكار نوعاً من التعامل مع النفوس البشرية، وكان كثير منها حساساً يتأثر بأقل المؤثرات، وقد يضره القول الصريح، فإن الإنكار الخفي قد يكون أجدى فيه. وقد قال الله تعالى، لنبيه ﷺ : ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظّاً غليظ القلب لانفضُّوا من حولك فاعفُ عنهم واستغفر لهم﴾ (١) أمره تعالى بالعفو عنهم، يعني لما قد يصدر عنهم من الإساءات، وأن يستغفر لهم، ثم يكون ذلك الاستغفار لهم بعد الفعل نوعاً من الإنكار، لأنه مشعر لهم بأنهم قد فعلوا الإساءة. والإنكار على درجات: الأولى: وهي أعلاها: الإنكار باليد، بإيقاع القصاص أو الحد أو التعزير، فيما ورد فيه ذلك من الأفعال. ومثله أن يُهْدر المادّة التي عملت فيها المعصية، كما في قصة خيبر (٢)، أنهم

стр. 571

طبخوا لحوم الحمر، فأمر النبي ﷺ بالقدور فأُكفئت: و"شق دنان الخمر بسكين في يده" (١). الثانية: الإنكار بالقول الصريح، ومنه النهي عن الفعل، والإخبار بأنه ذنب أو معصية أو كبيرة أو صغيرة، ونحو ذلك من الصرائح، كقوله لعائشة لما نعتت صفية بالقصر: "لقد قلتِ كلمةً لو مُزِجَتْ بماء البحر لمزجته" (٢) وقوله للمسيء صلاته: "ارجع فصلّ فإنك لم تصلّ" الثالثة: التكلم بما هو من لوازم الذنب والمعصية، كالاستغفار للفاعل، والعفو عنه، والتنازل عن الحق المترتب على فعله، ونحو ذلك. الرابع: أن يتكلم بما يستلزم بطلان القول الذي سمعه. ومثال هذا النوع ما ورد في قصة سعد بن معاذ أنه قال: "لو رأيت مع امرأتي رجلاً لضربته بالسيف غير مصفح". فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: "تعجبون من غيرة سعد؟. والله لأنا أغير منه، والله أغير مني، ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن. ولا أحد أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين" (٣). فقد ظنّ البعض أن هذا إقرار على القول. وليس ذلك على إطلاقه، بل قد أقرّ الغيرة، وأنكر ما أوهمه القول من عدم الحاجة إلى البينة في ذلك. فإن قوله ﷺ : "لا أحد أحب إليه العذر من الله" إلزام بالبيّنة. ومنه أنه لما خلع نعليه في الصلاة خلوا نعالهم، فقال ﷺ : "لم خلعتم نعالكم؟ " اعتبره ابن حزم (٤) إنكاراً، واعتبره غيره استفساراً مجرّداً. ومنه ما روي أن النبي ﷺ احتجم، ثم أعطى عبد الله بن الزبير دم الحجامة ليريقه، فذهب فشرب الدم، فشعر بذلك النبي ﷺ فقال له: "ويل لك من الناس، وويل للناس منك" (٥). فهذا إنكار.

стр. 572

وقد جعل القاضي عياض شربه الدم دليلاً على طهارة دمه ﷺ ، وجعل هذا القول منه ﷺ إقراراً. وفي ذلك ما فيه. وفي رواية الطبراني قال ﷺ : "من أمرك أن تشربه؟ ". الخامسة: إظهار الكراهة، والإعراض عن الفاعل. ومنه: "أن رسول الله ﷺ أتى بيت فاطمة ابنته فوجد على بابها ستراً موشياً، فلم يدخل" (١). وقال البخاري: باب هل يرجع إذا رأى منكراً في الدعوة؟ وذكر فيه حديث عائشة: "أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير، فلما رآها رسول الله ﷺ قام على الباب فلم يدخل، فعرفت في وجهه الكراهية فسألته ... " (٢) الحديث. وفي هذا النوع خلاف نذكره في المبحث الآتي في درجات التقرير. ومن هذا النوع أن يعيد الكلام الذي سمعه بهيئة المنكر له. ومن ذلك أن جابر بن عبد الله قال: "أتيت النبي ﷺ في أمر دين كان على أبي. فدققت الباب، فقال: من ذا؟ فقلت: أنا. فقال: أنا أنا!! كأنه يكرهه" (٣). الإنكار وخصائصه في بيان الأحكام: يلاحظ أن كثيراً من الشرائع الإسلامية ابتدئت شرعيتها بمناسبات وقتية. والقرآن نزل منجماً بحسب الحوادث. فكانت الحادثة إذا وقعت مخالفة لما أراد الله تعالى أن يشرعه لهذه الأمة، ينزل في ذلك القرآن آمراً وناهياً. ومثال ذلك آيات تحريم الخمر، نزلت في قصة سعد بن أبي وقاص. وآيات المواريث، في قصة ابنتي سعد بن الربيع إذ أراد عمهما أن يجتاح ما لهما. وكذلك السنة النبوية. فإن جزءاً كبيراً منها إنما صدر عن النبي ﷺ أثناء مشاهدته لأصحابه وهم يتعبّدون أو يتعلمون، أو هم يتصرفون في أعمالهم في

стр. 573

البيع والشراء والزراعة والصناعة والحرب، ومع أهليهم وأولادهم، وغير ذلك. فكان إذا رأى من أحدهم خروجاً عما تقتضيه الشريعة المطهرة لا يتركه على حاله، بل يبادر إلى ردّه إلى جادة الصواب. ويكون ذلك بياناً لحكم تلك المسألة، يتعلمه المنكَر عليه، ويتعلّمه غيره ممن حضره، أو سمع بذلك. وإنكار المنكر من أسباب تفضيل الله لهذه الأمة، قال الله تعالى: ﴿كنتم خير أمة أُخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾ (١) وهو من مقتضى الشهادة التي أكرم الله بها هذه الأمة. قال الله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً﴾ (٢) فإن من عمل المنكر قد يكون عمله عالماً بنكارته، وذلك معاند، وقد يكون فعله جاهلاً بنكارته. والواجب في كلتا الحالين على من حضره من أهل العلم الإنكار عليه والبيان له، حتى يحصل له التذكّر إن كان غافلاً، والعلم بحكم الله في ذلك الأمر إن كان جاهلاً. فإن أخبر بذلك أمكنه أن يشهد عليه يوم القيامة بأنه بلّغه. وقد قال الله تعالى، عن عيسى ابن مريم: ﴿وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم﴾ (٣). وقال عمر بن الخطاب ﵁ في ما نقله الأزهري: "ما لكم إذا رأيتم الرجل يخرق أعراض الناس أن لا تعزموا عليه؟ " قالوا: نخاف لسانه. قال: "ذلك أحرى أن لا تكونوا شهداء" (٤). وهذا المعنى هو الملاحظ في إطلاق (الشهيد) على القتيل في سبيل الله على بعض الأقوال. وينبغي أن يكون هو الراجح. فإن الشهيد من قتل في البلاغ. وقد قال النبي ﷺ : "خير الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر، فأمره ونهاه، فقلته".

стр. 574

المبحث الثّاني حجية التقرير اختلفت آراء الأصوليين في اعتبار الإقرار حجة. ١ - فأكثر الأصوليين يذكرونه قسماً من أقسام السنة النبوية. ونقل ابن حجر (١) الاتفاق على الاحتجاج به. ٢ - وقال بعضهم ليس التقرير من النبي ﷺ حجة في الشرع. قال البخاري شارح البزدوي: "ذهبت طائفة إلى أن تقريره ﷺ لا يدل على الجواز والنسخ" (٢). أدلة القول الأول: استدل القائلون بحجية التقرير بأدلة، منها: أولاً: أن الله تعالى أرسل نبيه بشيراً ونذيراً، يأمر المعروف وينهى عن المنكر. قال تعالى: ﴿الذين يتبعون الرسول النبيّ الأميّ ... يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر﴾ (٣) فلو سكت عما يفعل أمامه مما يخالف الشرع، لم يكن ناهياً عن المنكر (٤). ثائياً: العصمة. فإن النهي عن المنكر واجب، وتركه معصية، يتنزه عنها أهل التقى من أفراد الأمة، فأولى أن يتنزه عنها محمد ﷺ وهو أول المسلمين وأتقاهم ﷺ . ولو جاز له ترك إنكار المنكر لجاز ذلك لأمته (٥).

стр. 575

وقد قيل عن النبي ﷺ ، إنه قال: "الساكت عن الحق شيطان أخرس" (١). وقد اعترض على هذا الدليل، بناء على قول من يجوّز على النبي ﷺ الصغائر، بأنه إنما يلزم أن لو قدّر الفعل المقرّ عليه محرماً لكان كبيرة، أو لكان صغيرة وتكرر أمامه ﷺ ، فلم ينكره. ذكر الغزالي (٢): هذا الاعتراض عن قوم. وأجاب عنه، بالجزم بجواز التمسّك بالإقرار، حتى على قول من يجوز الصغيرة، محتجّاً بأن الصحابة كانوا يفهمون من التقرير الجواز، دون توقف. وقال الآمدي: "التقرير على غير الجائز، وإن كان من الصغائر الجائزة على النبي ﷺ عند قوم، إلا أنه في غاية البعد، لا سيما في ما يتعلق ببيان الأحكام الشرعية" (٣). أقول: وقد قدّمت في فصل حجية الأفعال من الباب الأول، أن احتمال الصغائر لا يمنع الاحتجاج بالأفعال، فليرجع إليه. وقد يقال أيضاً: إن إنكار المنكر باللسان غير واجب في جميع الأحوال، بل يجوز تركه في بعض الأحوال، مع الإنكار بالقلب. بدليل قوله ﷺ : "من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" (٤). فإذا كان كذلك فلِمَ لا يقال إن بعض ما ترك النبي ﷺ إنكاره يحتمل أنه تركه لعدم استطاعته تغييره، وقد أنكره بقلبه. ويجاب عن هذا السؤال، بأن الإقرار الذي نعتبره حجة، هو إقراره ﷺ لأتباعه من المسلمين، وهم منصاعون لأمره، والظاهر أن قوله يؤثر في المخطئ منهم حتى يترك خطأه. فلا يصدق عليه أنه في مثل هذه الحال غير مستطيع الإنكار

стр. 576

باليد أو باللسان، وخاصّة بعد أن نزل عليه قوله تعالى: ﴿والله يعصمك من الناس﴾. ثالثاً: أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز باتفاق، ومن فعل ما يخالف الشرع فإما أن يكون فعله جاهلاً بالمخالفة، أو عالماً بها. فإن كان جاهلاً بها وجب البيان له ليستدرك ما فات إن كان مما يستدرك، كالإنكار على المسيء صلاته في الحديث المشهور، ولئلا يعود إلى المخالفة في المستقبل. وإن كان عالماً فلئلا يتوهم نسخ الشرع المخالف، وثبوت عدم التحريم (١). رابعاً: ما علم من حال الصحابة في وقائع كثيرة، أنهم كانوا يحتجون بتقريره ﷺ على الجواز (٢). ونذكر من ذلك بعضها، على سبيل التمثيل لا الحصر. فمنها: "أن أنس بن مالك سئل وهو غاد إلى عرفة: كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله ﷺ ؟ فقال: كان يهلّ منا المهل فلا ينكر عليه، ويكبّر منا المكبر فلا ينكر عليه" (٣). ومنها: قول أبي بن كعب: "الصلاة في الثوب الواحد سنة، كنا نفعله على عهد النبي ﷺ ولا يعاب علينا" (٤). ومنها: قول ابن عباس: "أقبلت راكباً على حمار أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله ﷺ يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت وأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف، فلم ينكر ذلك علي أحد" (٥). ومنها: ما قال البخاري: "باب من رأى ترك النكير من النبي ﷺ حجة. وروى بسنده: "أن جابر بن عبد الله حلف بالله إن ابن صياد الدجال. فقال له:

стр. 577

تحلف بالله؟ قال: إني سمعت عمر يحلف على ذلك فلم ينكره النبي ﷺ " (١). خامساً: واحتجّ الجصّاص (٢): "بأن ترك النكير من علماء الأمة على العامّة في ما جرى بينهم من المعاملات التي استفاضت بينهم، هو حجّة على جوازه، كما قاله بعضهم في الاستصناع، ودخول الحمال من غير تعيين أجرة" (٣). وهذا الدليل إنما يلزم من قال إن الإجماع السكوتي حجة. أما من أبى ذلك فلا (٤). أدلة القول الثاني: استدلّ أصحاب القول الثاني بأمور: أولها: أن السكوت وعدم الإنكار محتمل، إذ من الجائز أنه ﷺ سكت لعلمه بأن فاعل الفعل لم يبلغه التحريم، فلم يكن الفعل عليه إذ ذاك محرماً. فلأجل هذا الاحتمال لا يصح التقرير دليلاً على الجواز. ويجاب عن ذلك بما ذكرناه آنفاً في الدليل الثاني للقول الأول. ثانيها: أنه من الجائز أنه سكت عنه لأنه أنكر عليه مرة فلم ينفع فيه الإنكار، وعلم أن إنكاره عليه ثانياً لا يفيد، فلم يعاود، وأقرّه عليه، كما أقرّ اليهود والنصارى على معتقداتهم. وإذا كان كذلك، لا يصلح دليلاً على الجواز. وهذا أقوى ما يحتجّ به لهذا القول. ويجاب عنه، بأنه يجوز ترك الإنكار على المصرّ الذي لم تنفع فيه التذكرة، لقوله تعالى: ﴿فذكر إن نفعت الذكرى﴾ على أحد القولين في تفسير الآية (٥). ولما

стр. 578

علم من حاله ﷺ ، إذ كان لا يكرّر على الكفار والمشركين الإنكار في كل يوم وكل حال. وإنما قد بيّن لهم ما حصل به البيان الكافي، القاطع للعذر، وقاتلهم حتى أعطوا الجزية وهم صاغرون، فلو تركهم بعد ذلك لم يُظَنَّ أنّ الحكم قد تغيّر. إلاّ أن هذا النوع خارج عن الإقرار الذي يحتجّ به. فإن شرطه أن يكون المَقرّ مسلماً ملتزماً، وفي المنافق خلاف. فكيف يَترك المسلمَ الملتزمَ المطيع المتّبع، يفعل المنكر، فلا ينهاه عنه. ولو سُلِّم أن الإقرار على مثل ذلك جائز في بعض الأحوال، لوجب افتراض أن ذلك نادر (١)، خاصة وأن أصحابه ﷺ أبرّ هذه الأمة قلوباً، وأسرعها امتثالاً لأمر نبيّها، الذين شهدوا برسالته، وبذلوا أنفسهم لله في طاعته. فإذا كان كذلك فالنادر لا حكم له، والحكم للأعمّ الأغلب. والله أعلم. درجات التقرير من حيث القوة: قد يقترن بالتقرير ما يقوّي دلالته على الموافقة والرضا. فيكون على درجات: ١ - فأعلاه أن يقترن به الثناء على الفعل، ومدح فاعله. كقوله: "إنّ الأشعريّين إذا أرملوا في الغزو، أو قلّ طعام عيالهم بالمدينة، جعلوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم" (٢). ولمّا قال معاذ: "أقضي بكتاب الله، ثم بسنة رسول الله، ثم أجتهد رأيي" (٣). قال ﷺ : "الحمد لله الذي وفّق رسول رسول الله". ٢ - ودون ذلك أن يساعد على العمل، ويقوم فيه بدور. ومثاله قيامه ﷺ مع عائشة لتنظر إلى الحبشة وهم (يزفنون) (٤) في المسجد يوم العيد. فقد قام لها، وخدّها على كتفه ليسترها ويمكّنها من رؤيتهم، والنظر إلى زفنهم.

стр. 579

ومثله أن يُفعل الفعلُ به هو ﷺ ، فيقر على ذلك. كتطييب عائشة له قبيل الإحرام، وترجيلها له وهو معتكف. وهذا النوع من التقرير، لقوته، قد يجعله البعض من الأفعال (الصريحة). ٣ - ومثل ذلك أن يستحل ما حصل من الفعل، كأكله ﷺ من حصيلة رقية بن مسعود. قال ﷺ : "أقسموا وأضربوا لي معكم بسهم" (١)، وصيد أبي قتادة إذ كان مع المحرمين، وصاد حمار وحش، وبقيت منه بقية فأكل منها رسول الله ﷺ (٢). وعنبر أبي عبيدة أكل منه ﷺ (٣). وكوطئه جاريته مارية التي أهداها له المقوقس، فهو إقرار يدل على صحة تملك الكفار لرقيقهم. ٤ - ودون ذلك: أن يسكت ﷺ مع الاستبشار، وإظهار علامات الرضا والقبول. فذلك حجة واضحة. لأن استبشاره لا يكون بما يخالف الشريعة. ومثاله حديث عبد الله بن مغفل قال: "أصبت جراباً من شحم يوم خيبر. قال: فالتزمته، فقلت: لا أعطي اليوم أحداً من هذا شيئاً. قال فالتفتُّ فإذا رسول الله ﷺ متبسماً" (٤). ومثله أيضاً تبسّمه لما اشتكت إليه امرأة رفاعة القرظي زوجها، وقالت: "وإنما معه مثل هدبة الثوب" (٥). فذلك إقرار يدل على جواز التصريح بمثل ذلك في معرض الدعوى. ومن هذا النوع عند الشافعية، ما ورد عن عائشة أنها قالت: "إن رسول الله ﷺ دخل عليّ مسروراً تبرق أسارير وجهه. فقال: ألم تري أن مُجَزِّزاً نظر آنفاً إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد، فقال: إن بعض هذه الأقدام لمن بعض؟ " (٦). وفي هذا المثال للحنفية بحث يأتي ذكره إن شاء الله.

стр. 580

وقد يظهر النبي ﷺ الاستبشار أحياناً مع من تبيّن إصرارهم على الفحش. ويكون ذلك منه نوعاً من السياسة، ولا يكون رضاً بما هم عليه من سوء الحال. ومثال هذا ما رواه الشيخان عن عائشة ﵂ أنها قالت: "استأذن رجل على النبي ﷺ ، فقال: ائذنوا له، بئس أخو العشيرة، فلما دخل ألان له الكلام -وفي رواية قالت عائشة: فلم أنشب أن سمعت ضحكه معه- قلت: يا رسول الله، قلتَ الذي قلتَ، ثم ألنت له الكلام؟ قال: أيْ عائشة، إن شر الناس من تركه الناس اتقاء فحشه". أما مع المسلم المنقاد للشرائع، فإن الاستبشار لا يكون بما يخالف ظاهره الحق. ٥ - ودون ذلك أن يسكت سكوتاً مجرداً، لا يظهر رضا ولا كراهة. وهذا النوع حجة أيضاً، لأنه الأصل في التقرير وقد بينا أدلة حجيته. ٦ - ودون ذلك أن يسكت مع إظهار الانزعاج، أو الضيق والتبرّم، وكل ما يدلّ على عدم الرضا. وفي هذا النوع يقع التعارض بين دلالة سكوته على الجواز وانتفاء الحرج، ودلالة انزعاجه وتبرّمه على الكراهة. فوقع فيه الخلاف أهو إقرار أم إنكار. وقد رأى السبكي دلالة السكوت على الجواز بعدم ظهور الاستبشار منه ﷺ . يقول السبكي: "سكوته ﷺ على الفعل، ولو غير مستبشر، دليل الجواز للفاعل" (١). وهذا منه شامل للحالتين الخامسة والسادسة. وعندي أن القول بأن إظهار الانزعاج والضيق دليل الكراهة، هو المستقيم. لأن البيان يتم بكل ما يحصل به التبيين، فإذا أظهر ﷺ الكراهة بإعراضه وإظهاره الانزعاج، كان ذلك بياناً، وحصل للمشاهدين تبيُّن غرضه ﷺ في ذلك. فلا يكون هذا النوع إقراراً، بل هو إنكار. والدليل على ذلك أمران:

стр. 581

الأول: ما تقدم ذكره في مبحث السكوت، أنه ﷺ كان يُسأل أحياناً، فيعرض عن السائل، ويسكت عنه، إنكاراً لسؤاله. ومن ذلك إعراضه عمن سأل عن الحج أفي كل عام هو؟ بدليل أنه لما أكثر عليه السائل صرح له بإنكاره للسؤال. فدلّ على أنه لما سكت معرضاً عنه أولاً، كان يريد بيان الكراهة. الثاني: ما قدمنا في مبحث الإشارة، من أن الإشارة تكون بياناً، إذا قصد بها إفهام المخاطب أمراً. فكذلك هنا. ومن ذلك عندي ما ورد عن ابن عمر أنه ﷺ سمع زمّارة راعٍ فوضع أصبعيه في أذنيه. يعني لئلا يسمعها. ومن قال إن ذلك لا يمنع القول بالإباحة، فهو خلاف الظاهر من فعله ﷺ . وقد قال تقي الدين النبهاني في قصّة الراعي: "هذا لا يعتبر إنكاراً على الراعي بل يعتبر سكوتاً عنه، وهو دليل على جواز الزمّارة، وجواز سماعها" (١). وهذا القول منه إن عنى بالجواز فيه ما يشمل المكروه، فإن الخلاف لفظي فلا نلتفت إليه في هذا الموضع. وإن عنى به المباح، فهو مردود، فإن وضع النبي ﷺ إصبعيه في أذنيه ليس لكراهة طبيعة، كأكل الضب، وإنما هي كراهة شرعيّة، وذلك ظاهر.

стр. 582

المبحث الثالث شروط صحَّة دلالة التقرير الشرط الأول: أن يعلم النبي ﷺ بالفعل. وسواء سمعه أو رآه مباشرة، وهو الأكثر من الأقارير المحتجّ بها. أو حصل في غيبته ونقل إليه، كما نقل إليه خبر تأخيرهم لصلاة العصر حتى غربت الشمس يوم بني قريظة. أما إن لم يعلم به فليس حجة. وصنيع ابن حجر يدل على أنه يرى أن علمه ﷺ بالأمر ليس شرطاً. فقد ذكر أن الصحابي إذا أضاف الفعل إلى زمان النبي ﷺ يكون حكمه الرفع. قال: "لأنهم لا يقرون على فعل غير الجائز في زمان التشريع، وقد استدلّ جابر على إباحة العزل بكونهم كانوا يفعلونه والقرآن ينزل، ولو كان منهياً لنهى عنه القرآن" (١). اهـ. والذي عليه الجمهور أن اشتراط العلم معتبر. وهو الصواب. وما نسبه ابن حجر إلى جابر الراجح أنه لا يصح منه إلا لفظ: "كنا نعزل والقرآن ينزل" دون قوله: "لو كان شيئاً ينهى عنه لنهى عنه القرآن"، وبأنه قد صح عن جابر عند مسلم أن ذلك بلغ النبي ﷺ فلم ينههم عنه، كما ذكره ابن حجر نفسه في موضع آخر (٢). فكيف يحتجّ بما بلغه على ما لم يبلغه ولم يعلم به؟ وسيأتي لهذا توضيح أتم. وعلى المختار، إن نقل إلينا أن الفعل وقع أمامه ﷺ ، أو أنه أُخبر به، فهو حجة عند كل من رأى الإقرار حجة. وإن شككنا في علمه به فالأصل عدم العلم. فإن كان الفعل انتشر بين الصحابة وكثر فيهم وكان مما يستبعد عدم اطلاعه

стр. 583

عليه، غلب على الظن اطلاعه عليه، وعمل بمقتضى الإقرار (١). وكذا لو وجدت قرينة تدل على العلم. فمثال ما لم يعلم به بعض ما كان في بلاد أخرى من العادات والعبادات وغيرها. ومثال ما يشك في علمه به قول جابر: "كنا نعزل والقرآن ينزل". فإن العزل أمر يستسر به، ما لم يثبت بالنقل أنه بلغه. وقد ثبت ذلك في العزل كما ذكرناه آنفاً. ولو أخبر صحابي أنه فعل شيئاً على عهد النبي ﷺ فلا يكون إقراراً، لعدم القرينة الدالّة على علمه به. ومثال ما انتشر بينهم حتى يستبعد خفاؤه عليه، قول أبي سعيد: "كنا نخرج صدقة الفطر على عهد النبي ﷺ صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير أو صاعاً من برّ" (٢). وقول أنس: "إنهم كانوا ينتظرون العشاء، حتى تخفق رؤوسهم، ثم يصلون ولا يتوضأون" (٣). ورواه مسلم بلفظ: "كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون ثم يصلون ولا يتوضؤون" (٤). ومثال ما يغلب على الظن علمه به قول ابن عباس: "كانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك" (٥). ومثال ما وجدت القرينة على علمه به ﷺ قول أسماء بنت أبي بكر: "نحرنا على عهد النبي ﷺ فرساً فأكلناه". فهو إقرار يدل على أن لحم الخيل مباح. وقال الحنفية: هو حرام، وكرهه المالكية وغيرهم.

стр. 584

وقال الذين لم يأخذوا برواية أسماء، إنه ليس فيه أن النبي ﷺ علم بذلك وأقره. وأجاب من أخذوا بروايتها: إنه لا يُظَنّ بآل أبي بكر والزبير أنهم يقدمون على فعل شيء من مثل هذا، إلا وعندهم العلم بجوازه، لشدة اختلاطهم بالنبي ﷺ وآله، وعدم مفارقتهم له. وفي رواية الدارقطني لحديث أسماء: "فأكلنا نحن وأهل بيت رسول الله" (١). وقيل إن كل ما نقله الصحابي في معرض الاحتجاج من أفعالهم، فإنه يدل على أنه بلغه ﷺ فأقرّه (٢)، فيكون حجة. قاله بعض الحنابلة، والأول قول الحنفية (٣) وهو أصح، لاحتمال أن يكون العمل على ذلك اجتهاداً من الصحابي، بدليل أنه كانوا يفعلون أشياء باجتهادهم. فتحصّل في قول الصحابي: كنا نفعل وكانوا يفعلون على عهده ﷺ ثلاثة أقوال (٤): أولها: أنه حجة مطلقاً، لأن ذكره في معرض الحجة يدل على بلوغه. ثانيها: أنه ليس حجة ما لم ينقل أنه ﷺ علم به فأقره. ثالثها: التفصيل بين ما يستحيل خفاؤه عليه ﷺ أو يستبعد، فيكون حجة، وبين ما ليس كذلك فلا يكون حجة، وهو الذي رجحناه، والله أعلم. وهذا وقد يحتج بعض الفقهاء بالأمثلة التي ذكرناها من جهة أخرى، وهي أنها أفعال صحابة (٥)، وفعل الصحابي حجة. وهي مسألة خلافية خارجة عن موضوع هذه الرسالة. تنبيه: يتضمن هذا الشرط اشتراط عدم الغفلة عن الفعل. فإن الغافل غير عالم، وإن كان حاضراً.

стр. 585

الشرط الثاني: قال ابن الحاجب: أن يكون قادراً على الإنكار. ويستدل له بقوله ﷺ : "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه". فهو يدل على سقوط الإنكار باليد واللسان عند العجز عنه. ولرخصة الله تعالى في قوله: ﴿إلاّ من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ فرخّص في النطق بكلمة الكفر، فالسكوت أولى بالجواز. وقد قال الباقلاني وتابعه الزركشي، بأن وجوب إنكار المنكر لا يسقط عنه ﷺ بالخوف على نفسه، لدليلين: الأول: أن الله ضمن له النصر والظفر، وكفاه أعداءه بقوله: ﴿إنا كفيناك المستهزئين﴾. الثاني: أن تركه الإنكار خوفاً، يوهم الجواز ونسخ النهي. وقد سبق أن تكلمت في شأن عصمته ﷺ من أذى الناس، وذكرت أن آية العصمة متأخرة في العهد المدني، وأنه ﷺ كان يُحْرس قبل ذلك حتى نزلت. وأما كفاية المستهزئين فهي خاصة بهم وليست عامة في من يخاف منه. ولذلك يظهر لنا أن هذا الشرط معتبر في الإقرار في أوائل العهد المدني. أما في العهد المكّيّ فلم يتبعه ﷺ إلا خُلّص المؤمنين، فلا خشية منهم. وأما بعد نزول آية العصمة فلا. وأما في العهد المدني قبل نزولها فيمكن تحقق الخشية من جهة بعض من مردوا على النفاق من أهل المدينة. وإنما يعتبر هذا الشرط بقدره، وحيث يتحقق لخوفه ﷺ على نفسه وجه. والأصل عدم الخوف. والله أعلم. وأما استدلال الباقلاني بأن ترك الإنكار خوفاً يوهم الجواز، فإن الإمارات لا يخفى على الحاضرين، لو حصل شيء من ذلك. فلا يتحقق ما ذكر. والله أعلم. الشرط الثالث: أن يكون المقرّ منقاداً للشرع، بأن يكون مسلماً، سامعاً مطيعاً. أما إن كان كافراً، فإن تقريره لا يدلّ على رفع الحرج. وقد أقر النبي ﷺ اليهود والنصارى على بِيَعهم وكنائسهم وعلى عبداتهم ورتبهم الكنسية، وبعض

стр. 586

مراسيمهم في العقود والأقضية وغيرها. وأزال أشياء أخرى كإيذاء المسلمين. وأقرّ المجوس على معابدهم، مع ما يعمل فيها من الكفر بالله والشرك به. واعتمر عمرة القضية، فطاف بالكعبة وعليها الأصنام وفيها الصور. وطاف بين الصفة والمروة، وعليهما تمثالان لإساف ونائلة. فلم يكن ذلك حجة على صحة ذلك الوضع. ومن أجل هذا لا يكون سكوته عن الإنكار على فعل الكافر حجة على رفع الحرج. ولكن هو مع ذلك حجة على أنه يجوز للأئمة إقرار أهل الذمة على مثل ما أقرهم عليه النبي ﷺ . وهذا النوع هو من الاستدلال بالأفعال، لا من حيث إنه تقرير. وأما المنافق فقد اختلف فيه، لأنه من حيث هو كافر في الباطن، فهو ملحق بالكافر، وبهذا قال الجويني. ووافقه السبكي والشوكاني وغيرهم. أقول: وعندي في ذلك تفصيل، فأما من كان نفاقه خفياً لا يعلمه جمهور الصحابة، فهذا تجري عليه أحكام المسلمين، ويكون إقراره حجة. وذهب آخرون إلى أن المنافق ملحق بالمؤمنين، لأنه تجري عليه أحكام المؤمنين ظاهراً، فيكون إقراره حجة. وأما من كان نفاقه ظاهراً، وقد تمرّد وعتا وجاهر بنفاقه، فلا ينبغي أن يُشَكّ في أن إقراره ليس بحجة. وهذا كما رُوِي أن عبد الله بن أبيّ رجع بأصحابه عن مساعدة النبي ﷺ في غزوة أحد (١)، وكان له إماء: "يكرههن على البغاء (٢) يأكل من كسبهن السحت، وحالف اليهودَ خشية أن تصيبه الدوائر، فكل ذلك لا حجة فيه على جواز مثله من المسلمين. وقد قال ابن مسعود في شأن الصلاة: "لقد رأيتنا وما يتخلّف عنها إلا منافق معلوم النفاق" (٣). وقد قال ابن تيمية: "إقرار النبي ﷺ لعبد الله بن أبيّ وأمثاله من أئمة النفاق، لما لهم من أعوان. فإزالة منكره بنوع من عقابه مستلزمة إزالة معروف أكثر من ذلك، بغضب قومه وحميّتهم، وبنفور الناس إذا سمعوا أن محمداً يقتل أصحابه" (٤).

стр. 587

الشرط الرابع: أن لا يكون قد عُلِم من حاله ﷺ إنكاره لذلك الفعل قبل وقوعه وبعد وقوعه، حتى استقرّ ذلك شرعاً ثابتاً، وحكماً راسخاً لا يحتمل التغيير ولا النسخ. فلو خالفه مخالف فسكت عليه، لم يؤخذ بسكوته حجة، ووجب حمله على غفلة عنه، أو عدم علم به، أو عذر خاصّ علمه من الفاعل، أو اكتفاء بالبيان المتقدم، أو حال لم نطّلع عليه، أو غير ذلك مما يمنع تعدية الحكم إلى غير الفاعل. وذلك كعبادة غير الله، ونكاح المحارم، وشرب الخمر إذا أقرّ على ذلك أهل الذمّة. وجعل الحنفية (١) والباقلاني والغزالي من هذا النوع ما ورد أن رسول الله ﷺ دخل على عائشة مسروراً تبرق أسارير وجهه، فقال: "ألم تَرَيْ أن مُجزّزاً المدلجي نظر آنفاً إلى أسامة وزيد وقد غطّيا رؤوسهما وبدت أقدامهما فقال: إن بعض هذه الأقدام لمن بعض" (٢). وهو الحديث الذي احتجّ به الشافعي وغيره على إثبات النسب بقول القائف. قال الباقلاني: "هذا فيه نظر، فإن قول مجزز كان موافقاً لظاهر الحق، وكان المنافقون يبدون غميزة في نسب زيد وأسامة، قاصدين بذلك إيذاء رسول الله ﷺ . وكان الشرع حاكماً بالتحاق أسامة بزيد. فجرى قول مجزز منطبقاً على وفق الشرع والظاهر والأمر المستفيض الشائع" (٣). وقال الغزالي في المنخول: "إنما سرّ ﷺ بكلمة صدق. صدرت ممن هو مقبول القول فيما بين الكفار، على مناقضة قولهم لما قدحوا في نسب أسامة، إذ كان رسول الله ﷺ قد تأذّى به" (٤). والصواب أن الحديث دليل صحة العمل بالقيافة، حيث لا تخالف ما ثبت بطريق شرعي. وقد قال الشافعي في المسألة: "إن الرسول لا يسره إلا الحق، فإذْ سرّه قوله تبيّن أنه من مسالك الحق" (٥). والأمر الذي ادّعوا ظهوره غير ظاهر. الشرط الخامس: أن لا يكون المقرّ ممن يزيده الإنكار سوءاً، ويغريه بشرٍ مما هو فيه.

стр. 588

فإن المعصية لها من حيث تأثير الإنكار فيها درجات. الأولى: أن تزول بالإنكار ويخلفها الطاعة. الثانية: أن تقلّ وإن لم تزل بجملتها. الثالثة: أن يخلفها ما هو مثلها. الرابعة: أن يخلفها ما هو شرّ منها. فالإنكار في الأولى والثانية مشروع، وفي الثالثة موضع اجتهاد، وفي الرابعة محرم (١)، كفاسق باغ، لو ترك شرب الخمر واللعب بالقمار لانصرف إلى القتل، فلا يجوز نهيه. وهذا واضح في حق إنكار غير النبي ﷺ . أما في حقه هو، فقد اختلف العلماء على قولين: أولها: أنه كغيره فلا يجب عليه الإنكار، وهو قول المعتزلة، نسبه إليهم السمعاني في (القواطع) (٢)، فلا يكون إقراره حجة، إذا علم من حال المقَرّ أنه يغريه الإنكار. ثانيهما: أنه يجب عليه الإنكار، ولو علم ذلك، ليزول بالإنكار توهم الإباحة. ومن هذا الوجه يكون الرسول ﷺ مخالفاً لغيره، وقال به الباقلاني (٣) ورجحه السبكي والبناني (٤) ونسب إلى الأشعرية. الشرط السادس: اختلف في أن تكليف المقَرّ شرط أم لا. وقال البناني: "لا يقر النبي ﷺ أحداً على باطل. والظاهر دخول غير المكلف. لأن الباطل قبيح شرعاً. وإن صدر من غير المكلف، ولا يجوز تمكين غير المكلف منه وإن لم يأثم به، ولأنه يوهم من جهل حكم ذلك الفعل جوازه" (٥).

стр. 589

وتوقف فيه ابن أبي شريف، مع ميله إلى الاحتجاج به، يقول: "عِظَم منصبه ﷺ مع كونه وليّ كل مسلم، وأولى بكل مسلم من نفسه وأهله، الذين منهم الأب والجد، يقتضي أن لا يقِرّ الصبي المميّز على باطلٍ" (١). ثم قال: "والقلب إلى هذا أميل. ولعلّ الله أن يفتح بما يرفع التوقف أصلاً". الشرط السابع: أن لا يمنع من الإنكار مانع سوى ما تقدم. فإن وجد مانع صحيح أمكن إحالة الإقرار عليه، فلا يكون حجة. ودليل هذا الشرط تركه ﷺ نقض الكعبة، للمانع الذي ذكره كما تقدم. ويستدل له أيضاً بما ورد (٢) عن طفيل بن سخبرة أخي عائشة لأمها، "أنه رأى في ما يرى النائم كأنه مرّ برهط من اليهود، فقال من أنتم؟ قالوا: اليهود. قال: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تزعمون أن عزيراً ابن الله. فقالت اليهود: وأنتم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد. ثم مرّ برهط من النصارى فقال: من أنتم؟ قالوا: النصارى. قال: إنكم أنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله. قالوا: وإنكم أنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وما شاء محمد. فلما أصبح أخبر بها من أخبر. ثم أتى النبي ﷺ فأخبره. فقال: هل أخبرت بها أحداً؟ قال: نعم. فلما صلّوا خطبهم، ثم قال: إن طفيلاً رأى رؤيا، فأخبر بها من أخبر منكم. إنكم كنتم تقولون كلمة كان يمنعني الحياء منكم أن أنهاكم عنها. قال: لا تقولوا ما شاء الله وما شاء محمد". هذه رواية أحمد. وفي رواية ابن ماجه، قال: "أما والله إن كنت لأعرفها لكم، قولوا: ما شاء الله ثم شاء محمد". فأخبر أنه كان قد أقرّهم عليها، والظاهر أنه لم يكن نزل فيها شيء من الوحي صريح. وذكر الحياء في الحديث اختلفت فيه الروايات، فلا يؤخذ مسلماً.

стр. 590

ومن هذه الموانع أن يسكت ﷺ في انتظار الوحي، ويعلم ذلك من حاله، فلا يكون سكوته قبل البيان حجة على انتفاء الحرج في الفعل. وجعل القشيري من هذا النوع (١) أن لا يكون ﷺ مشتغلاً ببيان حكم من الأحكام، مستغرقاً فيه. فلو كان كذلك فرأى إنساناً على أمر ولم يتعرّض له، فلا يكون إقراره حجة، إذ لا يمكنه بيان جميع الأحكام دفعة واحدة. ونحن نقول: إن ما استدل به من عدم إمكان بيان جميع الأحكام دفعة واحدة حق. ولكن يمكن بيان الحكم بعد انتهائه مما هو بصدده، بل قد قطع ﷺ خطبته يوم الجمعة ليقول لأحد القادمين: "اجلس فقد آذيت وآنيت" (٢). ولكن لكلام ابن القشيري وجه من جهة أخرى. وهي أنه لو رأى النبي ﷺ إنساناً من الناس على حال سيئة وقد جمع من الجهل والمعاصي صنوفاً، فهل ينكرها عليه جميعاً أم يعتني بنهيه عن أكبرها ويتجاهل أصغرها فلا ينهى عنه، كما هو مقتضى الحكمة، وكما يشهد له تنزل الأوامر والنواهي الشرعية بالتدريج، حتى إن تحريم الربا والخمر، تأخر إلى أواخر العهد المدني؟ والظاهر أن الطريقة الثانية هي التي كان يسير عليها النبي ﷺ . وقد أقر أهل الطائف على إسلامهم مع ترك الزكاة والجهاد (٣)، فلم يكن ذلك حجة في جواز ترك الزكاة والجهاد. وخلاصة هذه الشروط ما قال أبو شامة: "حاصل ضبط هذا الباب أن نقول: كلّ فعل أقَرَّ عليه، ولا مانع من الإنكار، أفاد جوازه، إلاّ في ما علم من دينِه إنكاره أبداً، كأديان الكفرة، فإن سكوت لا أثر له" (٤).

стр. 591

المبحث الرّابع أنواع التقرير ودلالة كُلٍّ منها أنواع التقرير: التقرير على أنواع: أ- الإقرار على الأقوال، ومنه ما روى أحمد في قصة ماعز: أنه اعترف بالزنا أمام النبي ﷺ ثلاثاً، كل ذلك يرده رسول الله ﷺ . فقال له أبو بكر: "إنك إن اعترفت الرابعة رجمك رسول الله ﷺ " (١). احتج به الحنفية والحنابلة على أن العدد معتبر به في الإقرار بالزنا، من جهتين: الأول: أن ذلك مما علمه أبو بكر من حال رسول الله ﷺ . والثانية: أن النبي ﷺ أقرّ ذلك، ولم يُخَطِّئ قائله. ب- الإقرار على الأفعال. ومثاله، إقراره خالد بن الوليد على أكل لحم الضب. ومن الإقرار على الفعل الإقرار على الترك، كما نقل (٢) أن عمرو بن العاص تيمّم من الجنابة في ليلة باردة وصلّى بأصحابه، فلما أخبر النبي ﷺ بذلك قال له: "صليت بأصحابك وأنت جنب؟ " قال: ذكرت قول الله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً﴾ فتيممت ثم صليت، "فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئاً". فلم يأمره بالإعادة، فكان ذلك إقراراً منه على ترك الإعادة.

стр. 592

الأحكام التي تدل عليها التقارير: ١ - الإقرار على الأقوال: إن إقراره ﷺ أحداً على قول ما، ينقسم، بحسب المقَرّ عليه، قسمين: أولهما: ما يتعلق بشؤون الدين أصوله أو فروعه، وما ينبني عليه تشريع. فتقريره عليه يدل على صحته. وقيل لا يدل، لاحتمال الاكتفاء ببيان سبق. وهذا مردود، لأن سكوته عليه يوهم صحته وتغيير الحكم السابق. ثم إن كان القول إخباراً عن الشرع، دلّ على أن الشرع كذلك، كما تقدم من حديث أبي بكر الصديق ﵁ في قوله: "إن أقررت أربعاً رجمك رسول الله ﷺ ". وإن كان القول مظنة أن ينهى عنه فلم يفعل، أوأن يحكم فيه بحكم معيّن كإيجاب الحدّ أو التعزير فلم يحكم به، دلّ على جوازه، أعني جواز القول وانتفاء ذلك الحكم في حقه. ومن هذا إقراره ﷺ شعراءه على الغزل والتغني بذكر النساء (١)، كقول حسان: كان سبيئةً من بيتَ رأسٍ ... يكون مزاجَها عسلٌ وماءُ على أنيابها أو طعم غضٍ ... من التفّاح هَصّرَه اجتناءُ وذكر فيها الخمر أيضاً، فقال: ونشربها فتتركنا ملوكاً ... وأُسْداً ما يُنَهْنِهُهَا اللقاء وقول كعب بن زهير: وما سعادُ غداةَ البين إذ رحلُوا ... ألا أغَنُّ غضيضُ الطرفِ مكحولُ

стр. 593

يرى ابن القيم أنه ﷺ أقرّ ذلك منهم، لكونه جرياً على عادة الشعراء في مطالعِ قصائدهم مما يذكرونه لجلب انتباه السامعين واستثارة نشاطهم ليتوصل الشاعر إلى إلقاء ما يريده إليهم، وتحصيل الأثر النفسي المطلوب لديهم. ولا يتمّ هذا القول، في شأن الخمر خاصة، ما لم يثبت أن قول حسان المذكور كان بعد نزول آية تحريم الخمر. والثاني: ما كان قولاً في شؤون الدنيا، والأمور المغيبة عنه ﷺ . والتقرير عليه لا يدل على صدق الخبر وثبوت مدلوله. بل قد يَطّلع الله ورسوله على كذب ذلك القائل، كما أطلعه على كذب المنافقين في قولهم: ﴿نشهد إنك لرسول الله﴾ وقول كبيرهم: ﴿لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل﴾ وقد لا يطلعه عليه. وهذا قول الآمدي وابن الحاجب وكثير من المتأخرين. وقيل إن التقرير عليه يدل على صدقه لا محالة (١) وأنه لا بدّ أن يُطلع الله رسوله على كذب المخبِر، عصمةً له أن يقرّ أحداً على الكذب. وبه قال السبكي في جمع الجوامع. والقول الأول أصح، لأن إدعاء العصمة عن هذا عريٌّ عن البرهان، إذ لا يستلزم نقصاً بعد أن أمر الله تعالى نبيه أن يعلنها صريحة ﴿ولا أعلم الغيب﴾ ولأنه قد ثبت أنه ﷺ كان يقر على النبي ثم يتبين أنه مخالف للواقع، كإفطارهم في رمضان ثم طلعت الشمس. وينبغي أن يحمل على هذا (٢) النوع إقراره ﷺ عمر على حلفه عن ابن صياد إنه الدجّال، ثم تبيّن أنه ليس إياه. وقد قال ابن دقيق العيد في (الإمام) (٣): "الأقرب عندي أن سكوته ﷺ لا

стр. 594

يدلّ على المطابقة، لأن مأخذ المسألة ومناطها، أعني كون التقرير حجة، هو العصمة من التقرير على باطل، وذلك يتوقف على تحقق البطلان، ولا يكفي فيه عدم تحقق الصحة" (١). اهـ. ٢ - الإقرار على الأفعال: إن تقرير النبي ﷺ أحداً على فعل، يدلّ على أن لا حرج في ذلك الفعل. وذلك يصح في الفعل إذا انتفى أن يكون حراماً. فإن الحرام هو الذي يأثم فاعله ويعصي به، وهو المنكر الذي أمر ﷺ بإنكاره. فما أقرّ عليه إما أن يكون واجباً، أو مندوباً، أو مباحاً. وأما المكروه، فالمشهور عند الأصوليين أنه ﷺ لا يُقِر عليه. وذلك مشكل. ووجه إشكاله أن المكروه ليس معصية، بل يؤجر من تركه لله، وأما من فَعَله فلا إثم عليه. فليس هو معصية حتى يلزم النبي ﷺ إنكاره. هذا ما يبدو بادي الرأي. ولكن لما كان المكروه مطلوب الترك، وهو منهي عنه، فهو منكر من هذه الناحية. فلا يترك النبي ﷺ إنكاره وإن لم يكن معصية. وإنما يرفع الحرج عن فاعله بعد أن يقع، أما قبل وقوعه فهو يستحق النهي عنه كالمحرمات. والحاصل أن المنكر الذي يستحق الإنكار، أعمّ من المعصية. ويقول الشاطبي: "المكروه غير داخل تحت ما لا حرج فيه، لأن المراد بما لا حرج فيه هنا ما قبل الوقوع. ولا شك أن فاعل المكروه مصادم للنهي بحتاً كما هو مصادم في الفعل المحرم، ولكن خفة شأن المكروه، وقلة مفسدته، صيرته -بعدما وقع- في حكم ما لا حرج فيه، استدراكاً له من رفق الشارع بالمكلف. ومما يتقدمه من فعل الطاعات، تشبيهاً له بالصغيرة التي يكفّرها كثير من الطاعات" (٢).

стр. 595

هذا وقد أثبت الشاطبي (١) نوعاً من الإقرار لا يدل على الإباحة الصرفة. وهو أن يقر أحداً على شيء ثم يتنزه عنه هو، كإقراره عائشة على بيان بعض شأن الحيض للمرأة السائلة وتركه هو ﷺ . وكإقراره بعض شأن الليل والغناء مع إعراضه عن سماعه. والذي يظهر من كلام ابن حزم أنه يرى جواز الإقرار على المكروه، فإنه يقول: "الشيء إذا تركه ﷺ ولم ينهَ عنه ولا أمر به، فهو عندنا مباح أو مكروه، من تركه أُجِر، ومن فعله لم يأثم ولو يؤجر، كمن أكل متكئاً، ومن استمع زمارة الراعي. فلو كان ذلك حراماً ما أباحه لغيره، ولو كان مستحباً لفعله، فلما تركه كارهاً له كرهناه ولم نحرمه" (٢). ويقول أيضاً: "إن كان قد تقدم في ذلك الشيء نهي فقط ثم رآه ﷺ أو علمه فأقره، فإنما ذلك بيان أن ذلك النهي على سبيل الكراهة فقط" (٣). وجعل منه إقراره ﷺ لصحابته على الصلاة خلفه وهم قيام وهو جالس، وكان قد نهاهم عن ذلك. هذا وإن من مشكل التقارير ما روى البخاري، واللفظ له، ومسلم، عن أم عطية، قالت: بايعْنا رسول الله ﷺ ، فقرأ علينا: ﴿أن لا يشركن بالله شيئاً﴾ ونهانا عن النياحة. فقبضت امرأة يدها، فقالت: أسعدَتْني فلانة، فأريد أن أجزيها، فما قال لها النبي شيئاً -وفي رواية مسلم قالت: إلاّ آل فلان فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية، فلا بدّ لي أن أسعدهم. قال: إلاّ آل فلان- فانطلقت ورجعت، فبايَعَها. فظاهره أنه أذن لها في المحرم. وقد اختلف تخريج العلماء له، فمنهم من تخلّص بأنه خاص بتلك المرأة. ومنهم من قال: أذن لها في البكاء دون صوت. ومنهم من قال: ليست النياحة

стр. 596

محرمة بل مكروهة. وقال ابن حجر: "الأقرب أن النياحة كانت مباحة، ثم كرهت كراهة تنزيه، ثم حرّمت" (١). والأولى عندي أن يقال: إن بعض المكروهات ينتقل بالبيعة عليه إلى التحريم على المبايع. إذ لو كان الحكم قبل البيعة كالحكم بعدها لما أخرت البيعة إلى أن انقضت مهمتها. وقد ورد أن النبي ﷺ بايع بعض أصحابه: "أن لا يسألوا الناس شيئاً" فيصح قول من قال: النياحة مكروهة لغير المبايعات. وإنما يصح هذا على قول من يجيز الإقرار على المكروه. والله أعلم. كيفية معرفة حكم الفعل المقرّ عليه: إن ما أقرّ النبي ﷺ عليه غيره، يعيّن حكمه على الطريقة التي تقدمت في الأفعال الصريحة. فإن كان الفعل امتثالاً لإيجاب فأقرّه على صفة معينة، فإن الإقرار يدل على الإجزاء، على تلك الصفة، ومثاله: "أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه (٢) بعد انصراف الأحزاب: لا يصلينَّ أحد منكم العصر إلّا في بني قريظة. فأدرك بعضَهم العصرُ في الطريق. فقال بعضهم: لا نصلي حتي نأتيهم. وقال بعضهم بل نصلّي ولم يرد منا ذلك. فذكر ذلك للنبي ﷺ فلم يعنِّف واحداً منهم". فهو دليل على أن ما فعَلوا كان سائغاً لهم. وقد اختلف في علّة هذا التقرير. وقال السهيلي: "فيه دليل على أنه لا يعاب الأخذ بالظواهر، ولا على من استنبط من النصّ معنىً يخصصه" (٣). وإن كان الفعل امتثالًا لاستحباب، دلّ على الصحة كذلك. وإن لم يتبيّن فيه أنه امتثال نُظِر فيه، فإن كان على وجه التعبّد، دلّ على صحّة التعبّد بذلك الفعل، فإن التعبّد توقيفي، ولا يجوز التعبّد بما لم يشرع التعبّد

стр. 597

به، كالإختصاء مثلاً. قال سعد بن أبي وقاص: "ردَّ النبي ﷺ التبتّل على عثمان بن مظعون، ولو أذن له لاختصينا" (١) وكالقيام في الشمس لله، نهى النبي ﷺ (٢) عنه أبا إسرائيل. ولا يجوز حمل التعبّد المقَر عليه، من هذا النوع، على مرتبةٍ أعلى من الاستحباب. وإن لم يكن على وجه التقرب به لله، وجب حمل الفعل على الإباحة. ومن ذلك ما أقرّهم النبي ﷺ عليه من البيوع والإجارات والشركات والوكالات، والضرب في الأرض والصيد، والاحتشاش، وغير ذلك. وكأنواع المآكل التي رآهم يأكلونها. والملابس والهيئات التي كانوا يتخذونها، إلى غير ذلك. وقد قال الزركشي في البحر المحيط: "إذا تضمّن التقرير رفع الحرج فهل يحمل على الإباحة، أو لا يقضى بكونه مباحاً أو واجباً أو مندوباً بل يتوقف فيه؟ " (٣). قال: "ذهب القاضي (الباقلاني) إلى الثاني، وذهب ابن القشيري إلى الأول". والذي اخترناه فيما ليس على وجه القربة، هو القول الأول، وهو قول القشيري. أمّا الباقلاني فقد ذهب إلى الوقف كذلك في الفعل المجرّد، وقد سبق الردّ عليه فيه، فكذلك يُرَدّ عليه مذهبه في التقرير. ثم إذا تبيّن أن التقرير يدلّ على الجواز، فإن كان قد سُبِق بنهي عام. فإن التقرير يدل على نسخه أو تخصيصه، على ما يأتي في باب التعارض إن شاء الله. وقد يقال: إن هذه الأشياء على الإباحة، وهي الأصل، فلو لم يرد أنه ﷺ أقرّ عليها بأعيانها لحكمنا بإباحتها، فما فائدة التقرير؟. وقد ذكرنا الجواب عن مثل هذا السؤال في باب الأفعال الصريحة (٤)، فليرجع إليه.

стр. 598

الإقرار على ما كان في الجاهلية واستمر في أول الإسلام: إنه من المعلوم أن كثيراً من العادات الجاهلية لم تنكر من أول الإسلام، بل بدأ إلغاؤها بالتدريج، الأهمّ فالأهمّ، حتى أكمل الله دينه، وتمّ تحريم ما أراد الله تحريمه منها. ومن ذلك الخمر، والزيادة على أربع زوجات (١). وقد قال ابن أبي هريرة: "يشترط كون التقرير بعد ثبوت الشرع، وأما ما كان يقر عليه قبل استقرار الشرع حين كان داعياً إلى الإسلام فلا" (٢). ومبنى قوله هذا أن الإقرار يدل في الأمور العادية على الإباحة الشرعية. فإن قلنا بأنه يدل على الإباحة العقلية وأن المسألة خالية عن حكم شرعي بالتحريم أو الكراهة، فلا حاجة إلى هذا الشرط، وهو الصواب. والله أعلم. ٣ - الإقرار على الترك: يدل إقرار الترك لعبادة ما على عدم وجوبها، فإن أقرّ فرداً ما على تركها، دلّ ذلك أنها ليست واجباً عينيّاً، مع احتمال أنها فرض كفاية، كما لو أقر إنساناً على ترك صلاة العيد. وإن أقر جماعةَ بلدٍ أو قبيلة أو غير ذلك على ترك عبادة، دل على أنها ليست فرض عين ولا فرض كفاية. وقد أقر أهل البوادي على ترك إقامة الجمعات والأعياد، فدلّ ذلك عند العلماء على أنها غير واجبة عليهم. ومن باب الإقرار على الترك ما ذكر ابن تيمية في (القواعد النورانية) (٣) أن النبي ﷺ في حجة الوداع أمرهم بالإتمام، فقال: "يا أهل مكة أتِمُّوا صلاتكم فإنّا قومٌ سَفْر". وأما بمنى وعرفة ومزدلفة فلم ينقل أحد أنه أمرهم بذلك. قال ابن

стр. 599

تيمية: "لو كان المكيّون قد قاموا فأتموا الظُّهر أربعاً، وأتموا العصر والعشاء أربعاً أربعاً، لما أهمل الصحابة نقل هذا". اهـ. وهذا يدل عنده على أنهم قصروا، ولم ينكر النبي ﷺ عليهم، ورجّح بهذا مذهب أهل المدينة من أن للمكيين القصر بالمناسك بعذر النسك، على مذهب الشافعي وأحمد أنهم لا يقصرون. وعندي أن مذهب الشافعي وأحمد أصح، وذلك من حيث إن ترك النقل ليس نقلًا للترك، كما تقدم بيانه في فصل الترك. وأيضاً فإن الشرع كان قد استقرّ على أن غير المسافر لا يقصر، وأهل مكة بالنسبة إلى المناسك ليسوا في حال سفر. وأيضاً لما أمرهم بالإتمام أول مرة عُلِمَ الحكم، فلا يلزم تكرار البيان. والله أعلم. تنبيه: يجب أن يفرق بين دلالة التقرير على جواز الفعل وصحته من حيث الظاهر، وبين دلالته على ذلك من حيث باطن الأمر، فإن الأول لازم للتقرير دون الثاني. وقد ورد من حديث أسماء بنت أبي بكر، قالت: "أفطرنا على على عهد النبي ﷺ يوم غيم، ثم طلعت الشمس" (١). وتخاصم إليه رجلان في أرض فقال: "إنكم تختصمون إليّ، ولعلّ بعضكم أن يكون ألْحَنَ بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه ... " الحديث. ويشهد له أنه ﷺ قُرِّب إليه لحم الضب فأراد أن يأكل منه، فقيل له: إنه لحم ضبّ، فأمسك عنه. وتقدّم مثل هذا في بحث العصمة من باب الأفعال الصريحة. وقد قال أبو الحسين البصري: "نقل عن عبد الجبار: إذا أباح إنسان

стр. 600

النبي ﷺ أكل طعامه، فاستباح النبي ﷺ أكله، فإنه لا يدلّ على أنه مِلْكُه لا محالة، لأنه يكتفي في استباحة الأكل بظاهر اليد" (١). اهـ. تنبيه أخر: لو تحدَّث متحدث أمامه ﷺ ، عن إنسان فعَل فِعْلاً أو قال قولاً، وذلك الفاعل أو القائل ممن كان قد مات، أو كان كافراً عند فعله فأسلم، أو لا يزال كافراً، أو غير ذلك، ممن لا يؤثِّر الإنكار عليه تركاً للمعصية، فإن الإنكار والبيان لا يجب. وبالتالي لا يكون الإقرار عليه حجة. ومن هذا يتبيّن أن ما كان يَرِد في ما يحدّث الصحابة به رسول الله ﷺ ، أو يحدّث بعضهم بعضاً أمامه، عمّا حصل له في الجاهلية أو لغيرهم، فلا يكون حجة لحكم شرعي. ومن ذلك إخبار سلمان الفارسي بقصة تنصره وأسره ورقّه، وما حصَل له أثناء ذلك.
следующие страницы →