← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 31471

أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم ودلالتها على الأحكام الشرعية

محمد سليمان الأشقر

Полный текст (761 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

محرمة بل مكروهة. وقال ابن حجر: "الأقرب أن النياحة كانت مباحة، ثم كرهت كراهة تنزيه، ثم حرّمت" (١). والأولى عندي أن يقال: إن بعض المكروهات ينتقل بالبيعة عليه إلى التحريم على المبايع. إذ لو كان الحكم قبل البيعة كالحكم بعدها لما أخرت البيعة إلى أن انقضت مهمتها. وقد ورد أن النبي ﷺ بايع بعض أصحابه: "أن لا يسألوا الناس شيئاً" فيصح قول من قال: النياحة مكروهة لغير المبايعات. وإنما يصح هذا على قول من يجيز الإقرار على المكروه. والله أعلم. كيفية معرفة حكم الفعل المقرّ عليه: إن ما أقرّ النبي ﷺ عليه غيره، يعيّن حكمه على الطريقة التي تقدمت في الأفعال الصريحة. فإن كان الفعل امتثالاً لإيجاب فأقرّه على صفة معينة، فإن الإقرار يدل على الإجزاء، على تلك الصفة، ومثاله: "أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه (٢) بعد انصراف الأحزاب: لا يصلينَّ أحد منكم العصر إلّا في بني قريظة. فأدرك بعضَهم العصرُ في الطريق. فقال بعضهم: لا نصلي حتي نأتيهم. وقال بعضهم بل نصلّي ولم يرد منا ذلك. فذكر ذلك للنبي ﷺ فلم يعنِّف واحداً منهم". فهو دليل على أن ما فعَلوا كان سائغاً لهم. وقد اختلف في علّة هذا التقرير. وقال السهيلي: "فيه دليل على أنه لا يعاب الأخذ بالظواهر، ولا على من استنبط من النصّ معنىً يخصصه" (٣). وإن كان الفعل امتثالًا لاستحباب، دلّ على الصحة كذلك. وإن لم يتبيّن فيه أنه امتثال نُظِر فيه، فإن كان على وجه التعبّد، دلّ على صحّة التعبّد بذلك الفعل، فإن التعبّد توقيفي، ولا يجوز التعبّد بما لم يشرع التعبّد

стр. 597

به، كالإختصاء مثلاً. قال سعد بن أبي وقاص: "ردَّ النبي ﷺ التبتّل على عثمان بن مظعون، ولو أذن له لاختصينا" (١) وكالقيام في الشمس لله، نهى النبي ﷺ (٢) عنه أبا إسرائيل. ولا يجوز حمل التعبّد المقَر عليه، من هذا النوع، على مرتبةٍ أعلى من الاستحباب. وإن لم يكن على وجه التقرب به لله، وجب حمل الفعل على الإباحة. ومن ذلك ما أقرّهم النبي ﷺ عليه من البيوع والإجارات والشركات والوكالات، والضرب في الأرض والصيد، والاحتشاش، وغير ذلك. وكأنواع المآكل التي رآهم يأكلونها. والملابس والهيئات التي كانوا يتخذونها، إلى غير ذلك. وقد قال الزركشي في البحر المحيط: "إذا تضمّن التقرير رفع الحرج فهل يحمل على الإباحة، أو لا يقضى بكونه مباحاً أو واجباً أو مندوباً بل يتوقف فيه؟ " (٣). قال: "ذهب القاضي (الباقلاني) إلى الثاني، وذهب ابن القشيري إلى الأول". والذي اخترناه فيما ليس على وجه القربة، هو القول الأول، وهو قول القشيري. أمّا الباقلاني فقد ذهب إلى الوقف كذلك في الفعل المجرّد، وقد سبق الردّ عليه فيه، فكذلك يُرَدّ عليه مذهبه في التقرير. ثم إذا تبيّن أن التقرير يدلّ على الجواز، فإن كان قد سُبِق بنهي عام. فإن التقرير يدل على نسخه أو تخصيصه، على ما يأتي في باب التعارض إن شاء الله. وقد يقال: إن هذه الأشياء على الإباحة، وهي الأصل، فلو لم يرد أنه ﷺ أقرّ عليها بأعيانها لحكمنا بإباحتها، فما فائدة التقرير؟. وقد ذكرنا الجواب عن مثل هذا السؤال في باب الأفعال الصريحة (٤)، فليرجع إليه.

стр. 598

الإقرار على ما كان في الجاهلية واستمر في أول الإسلام: إنه من المعلوم أن كثيراً من العادات الجاهلية لم تنكر من أول الإسلام، بل بدأ إلغاؤها بالتدريج، الأهمّ فالأهمّ، حتى أكمل الله دينه، وتمّ تحريم ما أراد الله تحريمه منها. ومن ذلك الخمر، والزيادة على أربع زوجات (١). وقد قال ابن أبي هريرة: "يشترط كون التقرير بعد ثبوت الشرع، وأما ما كان يقر عليه قبل استقرار الشرع حين كان داعياً إلى الإسلام فلا" (٢). ومبنى قوله هذا أن الإقرار يدل في الأمور العادية على الإباحة الشرعية. فإن قلنا بأنه يدل على الإباحة العقلية وأن المسألة خالية عن حكم شرعي بالتحريم أو الكراهة، فلا حاجة إلى هذا الشرط، وهو الصواب. والله أعلم. ٣ - الإقرار على الترك: يدل إقرار الترك لعبادة ما على عدم وجوبها، فإن أقرّ فرداً ما على تركها، دلّ ذلك أنها ليست واجباً عينيّاً، مع احتمال أنها فرض كفاية، كما لو أقر إنساناً على ترك صلاة العيد. وإن أقر جماعةَ بلدٍ أو قبيلة أو غير ذلك على ترك عبادة، دل على أنها ليست فرض عين ولا فرض كفاية. وقد أقر أهل البوادي على ترك إقامة الجمعات والأعياد، فدلّ ذلك عند العلماء على أنها غير واجبة عليهم. ومن باب الإقرار على الترك ما ذكر ابن تيمية في (القواعد النورانية) (٣) أن النبي ﷺ في حجة الوداع أمرهم بالإتمام، فقال: "يا أهل مكة أتِمُّوا صلاتكم فإنّا قومٌ سَفْر". وأما بمنى وعرفة ومزدلفة فلم ينقل أحد أنه أمرهم بذلك. قال ابن

стр. 599

تيمية: "لو كان المكيّون قد قاموا فأتموا الظُّهر أربعاً، وأتموا العصر والعشاء أربعاً أربعاً، لما أهمل الصحابة نقل هذا". اهـ. وهذا يدل عنده على أنهم قصروا، ولم ينكر النبي ﷺ عليهم، ورجّح بهذا مذهب أهل المدينة من أن للمكيين القصر بالمناسك بعذر النسك، على مذهب الشافعي وأحمد أنهم لا يقصرون. وعندي أن مذهب الشافعي وأحمد أصح، وذلك من حيث إن ترك النقل ليس نقلًا للترك، كما تقدم بيانه في فصل الترك. وأيضاً فإن الشرع كان قد استقرّ على أن غير المسافر لا يقصر، وأهل مكة بالنسبة إلى المناسك ليسوا في حال سفر. وأيضاً لما أمرهم بالإتمام أول مرة عُلِمَ الحكم، فلا يلزم تكرار البيان. والله أعلم. تنبيه: يجب أن يفرق بين دلالة التقرير على جواز الفعل وصحته من حيث الظاهر، وبين دلالته على ذلك من حيث باطن الأمر، فإن الأول لازم للتقرير دون الثاني. وقد ورد من حديث أسماء بنت أبي بكر، قالت: "أفطرنا على على عهد النبي ﷺ يوم غيم، ثم طلعت الشمس" (١). وتخاصم إليه رجلان في أرض فقال: "إنكم تختصمون إليّ، ولعلّ بعضكم أن يكون ألْحَنَ بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه ... " الحديث. ويشهد له أنه ﷺ قُرِّب إليه لحم الضب فأراد أن يأكل منه، فقيل له: إنه لحم ضبّ، فأمسك عنه. وتقدّم مثل هذا في بحث العصمة من باب الأفعال الصريحة. وقد قال أبو الحسين البصري: "نقل عن عبد الجبار: إذا أباح إنسان

стр. 600

النبي ﷺ أكل طعامه، فاستباح النبي ﷺ أكله، فإنه لا يدلّ على أنه مِلْكُه لا محالة، لأنه يكتفي في استباحة الأكل بظاهر اليد" (١). اهـ. تنبيه أخر: لو تحدَّث متحدث أمامه ﷺ ، عن إنسان فعَل فِعْلاً أو قال قولاً، وذلك الفاعل أو القائل ممن كان قد مات، أو كان كافراً عند فعله فأسلم، أو لا يزال كافراً، أو غير ذلك، ممن لا يؤثِّر الإنكار عليه تركاً للمعصية، فإن الإنكار والبيان لا يجب. وبالتالي لا يكون الإقرار عليه حجة. ومن هذا يتبيّن أن ما كان يَرِد في ما يحدّث الصحابة به رسول الله ﷺ ، أو يحدّث بعضهم بعضاً أمامه، عمّا حصل له في الجاهلية أو لغيرهم، فلا يكون حجة لحكم شرعي. ومن ذلك إخبار سلمان الفارسي بقصة تنصره وأسره ورقّه، وما حصَل له أثناء ذلك.

стр. 601

المبحث الخامس تعدية حكم التقرير لغير المقرر تبيّن مما تقدّم من هذا الفصل أن من أقرّه النبي ﷺ على فعل فإن تقريره دليل على ارتفاع الحرج بالنسبة إلى فاعل ذلك الفعل. وعلى ذلك اتفاق الأصوليين (١). فأما من سواه، فقد اختلف الأصوليون في تعدية ذلك الحكم إليهم. والبحث في هذا ينقسم قسمين، لأنه إما أن يسبق تحريمه، فيتعارض القول والتقرير. ونذكره في باب التعارض إن شاء الله. وإما أن لا يسبق تحريمه؛ فهذا القسم ذهب جمهور الأصوليين إلى أن حكمه يتعدّى. ووجهه قاعدة استواء الأمة في الأحكام. وقد ادّعى بعض الأصوليين الإجماع على هذه القاعدة، وليس الإجماع عليها ثابتاً. وأيضاً قد قال النبي ﷺ : "ما قولي لامرأة واحدة إلاّ كقولي لمائة امرأة" (٢). والسكوت عن الإنكار في حكم الخطاب، والخطاب يعمّ. ومما يؤيّد ذلك أن خطابه ﷺ للصحابة في عصره يتعدّى إلى سائر المسلمين بعد عصره إجماعاً. فكذلك تقريره.

стр. 602

وممن صرّح بتعدي حكم التقرير لغير المقرر أبو المعالي الجويني، وأبو نصر القشيري، والمازَري، وأبو شامة، والعلائي (١). ونقل عن القاضي أبي بكر الباقلاني (٢) أن الحكم يختصّ بالمقرّر ولا يتعدّى إلى غيره، ووجهه أن التقرير ليس له صيغة لتعمّ جميع المكلفين. والأولى أن يقال: إن شموله لغير المقرّر بضرب من القياس، وليس بطريق العموم اللفظيّ. وقد تقدّم آخر الفصل السابع من باب الأفعال الصريحة ما يغني، فليرجع إليه. تنبيه: تعدية حكم الفعل المقرّر عليه إلى سائر أفراد الأمة، أقوى من تعدية حكم فعله هو ﷺ ، إلى غيره. وقد ذكر الجويني (٣) أن الذين وقفوا في تعدية حكم الأفعال النبوية، وافقوا على تعدية أحكام الأفعال التي قرر عليها غيره. ووجه ذلك واضح، وهو أن ما فعله ﷺ يرد عليه احتمال الخصوصيّة وهو احتمال يضعف التعدية، أما التقرير، فإن حمله على الخصوصية ضعيف جداً لا يكاد يستحق الذكر، لضآلة ما ثبت تخصيص أفراد الأمة به من الأحكام، كتضحية أبي بردة بالعناق، وجعل شهادة خزيمة بشهادة رجلين. ولذلك كان احتمال المساواة بين فاعل الفعل المقَرّ عليه وسائر أفراد الأمة، هو أقوى من احتمال المساواة بين رسول الله ﷺ وسائر أفراد الأمة. ودلالة التقرير، لذلك، أقوى من دلالة الفعل النبوي، من جهة التعدية خاصة. وليس معنى ذلك تقديم التقرير على الفعل عند التعارض. فإن الفعل أقوى منه، لزيادته في الوضوح والكمال، ولأن التقرير يطرقه من الاحتمالات ما لا يطرق الفعل. ونذكر ذلك في باب التعارض إن شاء الله.

стр. 603

المبحث السادس في مسائل متفرقة المسألة الأولى: ذكر الأمر في أثناء القول هل يكون تقريراً: إذا ذكَر النبي ﷺ أمراً في أثناء قولٍ له، ثم لم يقترن بذلك مدح ولا ذمّ، ولا إشعار برضاه بذلك الأمر، ولا إشعار بإنكاره له، فهل يكون ذلك تقريراً له بحيث يدل على أنه لا حرج فيه شرعاً؟. وليست هذه الدلالة قولية. ومثاله ما قصّه النبي ﷺ من اغتسال موسى ﵇ عرياناً حتى ذهب الحجر بثوبه. وقصّ عن أيوب ﵇ أنه اغتسل عرياناً (١). وورد عن معاوية بن حيدة أنه ﷺ قال: " احفظ عورتك إلاّ عن زوجتك وما ملكت يمينك" فقيل له: فإذا كان أحدنا خالياً؟ قال: "الله أحقّ أن يُستحيا منه من الناس" (٢). وقد احتجّ البخاريّ بقصّة موسى ﵇ على جواز الاغتسال مع التعرّي في الخلوة. واحتجّ بها ابن قدامة أيضاً (٣)، وقال ابن حجر: يظهر أن وجه الدلالة منه أن النبي ﷺ قصّ القصتين، ولم يتعقب شيئاً منهما، فدلّ على موافقتهما لشرعنا، وإلاّ لو كان فيهما شيء غير موافق لبيّنه، فيجمع بين الحديثين بحمل حديث معاوية على الأفضل. ومثاله أيضاً: ما ورد في خبر أم زرع الذي رواه البخاري، وفيه أن أم زرع قالت: "وأناس من حَلْي أذنيّ" استدلّ به بعض الفقهاء على جواز تخريق آذان البنات لتعليق الحلي، من حيث إنه ﷺ لم يتعقّب ذكره لذلك بإنكار.

стр. 604

والظاهر عندي أن ما قصّه ﷺ عن الأنبياء، راجع إلى مسألة شرائع الأنبياء هل هي شرع لنا أم لا؟ ويُعلم بحثها في موضعها من كتب الأصول. وقد رجح الأكثر أن ما قصّه الله تعالى منها في كتابه دون إنكار، مما لم يخالفه شرعنا. أنه حجّة، فكذلك ينبغي أن يكون ما قصّه رسول الله ﷺ من ذلك حجة. وإنما حجّيته من كونه شريعة لنبيّ سابق، وقد أُمر محمد ﷺ أن يقتدي بهداهم. أما ما كان في ضمن حديثه ﷺ عن سائر الناس أنهم فعلوا كذا أو تركوا كذا فلا ينبغي أن يكون حجة على الجواز ما لم يقترن به دلالة على الرضا به من ثناء أو نحوه. وبهذا يتبيّن أننا لا نرتضي توجيه ابن حجر للاحتجاج بقصة أيوب وموسى ﵉، بل وجهه ما أشرنا إليه من كونه موافقاً لشريعتهما، وشريعتهما لنا شريعة. وأننا لا نرتضي الاستدلال المذكور على تخريق آذان البنات. نوع آخر: مما يلتحق بما تقدم، استعماله ﷺ بعض الألفاظ التي جرت عادة بعض الأقوام بإطلاقها من ألقاب أو تسميات. فمن ذلك أنه ﷺ كتب: "من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم". فوصفه بأنه عظيمهم. ومنها أنه قال في وصف الدجّال: "كأنه عبد العزّى بن قطن". فاستعمل هذا الاسم "عبد العزّى". فليس ذلك إقراراً لكون هرقل عظيم الروم. ولا بأنه وصل إلى ذلك بطريق مشروع. ولا إقراراً بجواز التسمية بـ "عبد العزّى" ونحوه. ويقول عبد الكريم زيدان: "إطلاق هذه العبارة على رئيس الروم من قبيل بيان واقعه، وهو أنه عظيم في نظر الروم، لرئاسته عليهم، وليس بياناً لاستحقاقه هذا الوصف" (١). اهـ. وقد قال ابن حجر في قوله: "عظيم الروم" عدول عن ذكره بالملك أو الإمْرَة لأنه معزول بحكم الإسلام. ومع ذلك لم يُخْلِه من شيء من الإكرام لمصلحة التألف.

стр. 605

وقول ابن حجر هذا، فيه نظر، فقد ذكر النبي ﷺ أناساً من أئمة الكفر كثيرين بألقاب الملك، وفي القرآن من ذلك أيضاً. فلم يكن ذلك اعترافاً لأحد منهم بشيء من الاستحقاق. فهي تعريفٌ لا اعتراف. وقوله ﷺ : "عظيم الروم" هو من هذا الباب. والله أعلم. ومع هذا، يستدلّ بمثل هذه الأحاديث من جهة أنها أفعال نبويّة يقتدى بها. فيجوز للمسلم المخاطبة بمثل هذه الألفاظ لأمثال هؤلاء. ولعل ذلك إنما يجوز حيث يتعيّن، ولا يكون هناك معرّف سواه، وذلك لما فيه من الإيهام. المسألة الثانية: السكوت على ما يوهمه القول الجائز: لو تكلّم متكلم بحضرة النبي ﷺ بكلام ليس كذباً ولا إثم فيه، ولكن يلزم منه إساءة فهم حكم شرعي، فهل يجب عليه ﷺ الإنكار، لئلا يسبق إلى الأذهان ما يخالف الحكم الشرعي؟. ويمثل لهذه القاعدة بقصة المتلاعنين، عويمر العجلاني وامرأته. وفيها أنه بعد تمام اللعان: "طلقها ثلاثاً قبل أن يأمره النبي ﷺ " (١). وسكت النبي ﷺ على قوله هذا. فاحتجّ بعض الفقهاء بسكوته على لازم القول، وهو أن اللعان لم تقع به الفرقة، إذ لو وقعت به الفرقة لما كان للطلاق بعدها معنى. وهو قول الحنفية ورواية عن أحمد. والرواية الأخرى عنه وقول المالكية والشافعية أن الفرقة وقعت باللعان (٢). ولعلّ جواب هؤلاء عن الحديث أنه لا يبعد أن يكون الأمر واضحاً للحاضرين والمتلاعنين أيضاً، أن الفرقة واقعة باللعان. ولذلك ترك الإنكار عليه. وقد أشار إلى هذا الجواب ابن دقيق العيد في شرح الإلمام (٣).

стр. 606

المسألة الثالثة: الإقرار على الفعل الحادث، والفعل المستدام: الأفعال المحرمة، إما أن يحرم ابتداؤها ودوامها، أو يحرم ابتداؤها دون دوامها (١). فأما ما حرم ابتداؤه ودوامه فيلزم إنكاره على كل حال. كأكل الميتة، ولبس الذهب للرجال. والإفطار في رمضان. وأما ما حرّم ابتداؤه ولم يحرم دوامه، فمثل النكاح في حال الإحرام. ومن هنا، فإن التقرير إذا دلّ على ارتفاع الحرج، فإن ارتفاع الحرج يكون من جهة الدوام، مطلقاً. أما رفع الحرج عن الابتداء فقد لا يدلّ التقرير عليه. وعليه فلو أقرّ رجلاً عنده زوجة أمة وزوجة حرة، فلا يدلّ على جواز ابتداء زواج الأمة إذا كانت عنده حرة. وكذا لو أقرّ حرّاً تحته زوجة أمة وكان موسراً عند إقراره، لم يدلّ على جواز الابتداء. وقد ورد أن بعض نساء الصحابة كن يلبسن الأقراط، وذلك يعني خرق الأذن لأجل تعليق القرط. احتجّ ابن القيم (٢) -بأن رسول الله ﷺ رأى ذلك فلم ينكره- على جوازه. وليس هذا حجة، لاحتمال أن يكون التخريق قد حصل في الجاهليّة فأقرّ ﷺ دوامه. وروي في هذا الحديث أيضاً: "أن رجلاً قال للنبي ﷺ : إن عندي امرأة هي من أحبّ الناس إلي، وهي لا تمنع يد لامس، قال: طلقها إن شئت. وفي لفظ: غيِّرها. قال: إني أخاف أن تتبعها نفسي، وفي لفظ: لا أصبر عنها. قال: فاستمتع بها" (٣). فهذا الإقرار لا يدل على جواز ابتداء العقد على مثل هذه (٤).

стр. 607

وأما الدوام، فقال بعضهم: يحتمل جواز الدوام لمن حدث لها ذلك بعد الزواج. والراجح أن الحديث ضعيف لا يثبت. قال النسائي: "هذا الحديث ليس بثابت". وقال في موضع آخر: "هذا خطأ، والصواب مرسل". وإن قيل بثبوته كما ادّعاه السِّندي، فهو مؤوّل بأن اللامس طالب الصدقة، ومو ما حمله عليه الإمام أحمد، أو مردود لمعارضته ما هو أثبت منه، كحديث ابن عمر مرفوعاً: "ثلاثة لا يدخلون الجنة، ولا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق والديه، والمرأة المترجّلة المتشبهة بالرجال، والديّوث" (١). المسألة الرابعة: بين قاعدة الإقرار وقاعدة "لا ينسب للساكت قول ": قد نصّ الشافعي على أنه: "لا ينسب للساكت قول" (٢). وهي لا تتعارض مع قاعدة الإقرار. فإن الإقرار قد قامت الأدلة على حجّيّته كما تقدم، وما نصّ عليه الشافعي قاعدة عامة يستثنى منها ما قام الدليل على أن القول ينسب للساكت، كسكوت البكر إذا استؤذنت في إنكاحها، فهو منها بمنزلة الإذن الصريح، لورود الدليل الدالّ على ذلك، وهو قول النبي ﷺ : "البكر تستأذن، وإذنها صُمَاتها" (٣). فكذلك الإقرار مستثنى أيضاً. المسألة الخامسة: سعة دلالة التقرير: إن دلالة التقرير تنطبق على أفعال لا حصر لها. وذلك لكثرة ما كان يقع تحت ناظريّ رسول الله ﷺ من الأفعال، وما يطرق سمعه من الأقوال من أصحابه، في أثناء مباشرتهم لأمور حياتهم وعبادتهم ودراستهم ونقاشهم وجهادهم وسفرهم وإقامتهم. فلذلك شيء كثير لا حصر له. ومن هنا يتبيّن أن التقارير في الحقيقة هي

стр. 608

الجزء الأكثر من السنة. وما عداه بالنسبة إليه لا يساوي إلا قدراً ضئيلاً. ولكن ما نقل من التقارير إلينا قليل جداً نسبياً. والذي نقل من الأقوال والأفعال أكثر منه بكثير. وبالنسبة إلى الصحابة، كان التقرير نوعاً من التعليم الصامت للشريعة، فَعَل فِعْلة في توسيع مدارك صحابة رسول الله ﷺ في الحكم على الأفعال والأشياء، حتى لنعتقدُ أن المعلومات التي حصلت لديهم من هذا الباب، كانت أوسع من أن تنقل بالتنصيص عليها. وإنما يمكن أن تنقل بالأقوال العامّة. أو بتلمس العلماء في ما بعد عصر الصحابة، أحكامها، بالأقيسة وغيرها من الأدلة القوية والضعيفة. وهذا يكشف لنا عن جانب من جوانب قوة علم الصحابة بالشريعة، ويقوي قول من قال بأن أقوالهم في شؤون الدين حجّة لازمة. المسألة السادسة: ذكر ابن القيم في إعلام الموقعين أمثلة كثيرة للأفعال التي أقرّ النبي ﷺ أصحابه عليها. فمن ذلك إقراره لهم على تلقيح النخل، وعلى تجاراتهم التي كانوا يتّجرونها، من تجارة الضرب في الأرض، وتجارة الإدارة، وتجارة السَّلَم، وكإقراره لهم على صنائعهم المختلفة، من تجارة وخياطة وصياغة وفلاحة، وإنما حرّم عليهم فيها الغش والتوسل بها إلى المحرمات، وكإقرارهم على إنشاد الأشعار المباحة وذكر أيام الجاهلية والمسابقة على الأقدام، وكإقرارهم على المناهدة في السفر، وعلى الخيلاء في الحرب ولبس الحرير فيه، وعلى لبس ما صنعه الكفار من الثياب، وعلى إنفاق ما ضربوه من الدراهم، وربما كان عليها صور ملوكهم، وكإقراره لهم بحضرته على المزاح المباح، والنوم في المسجد، وشركة الأبدان. وكإقراره لهم على ما بأيديهم من الأموال التي اكتسبوها قبل الإسلام بربا أو بغيره، ولم يأمرهم بردها ... إلخ (١).

стр. 609

الفصل السابع الهمّ بالفعل إن الإنسان إذا أراد أن يفعل فعلاً ما، فإن ما يرد بباله من الفكر عن ذلك والإرادة له، ينشأ ضعيفاً، ثم يتقوّى حتى يحمل صاحبه على إخراج الفعل إلى حيّز الوجود. وقد يتوقف عند بعض المراحل. وقد بيّن السبكي الكبير (١) في الحلبيّات، انقسام ذلك إلى درجات خمس. ونحن نذكرها تبعاً له ونبيّنها كما يلي: ١ - الهاجس: وهو ما يُلقى في النفس دون قصد. والهاجس لا يستمرّ، بل إنما هو كومضة الضوء. وقد قال ابن سيدة: "هَجَس الأمر في نفسي: وقع في خلدي". وفي لسان العرب ما ينبئ عن قصر وقت الهاجس، وسرعة انقضائه، وخفاء مضمونه، وذلك أنه ذكر الهَجْس في الأصوات، فقال: الهجسة: النبأة تسمعها ولا تفهمها. ٢ - الخاطر: وهو أن يجري في النفس ويتردد فيها. وهو أطول من الهاجس زمناً، وأوضح منه. وأصله من قولهم: خطر البعير بذنبه، إذا رفعه مرة بعد أخرى. وقيل: إذا حركه يميناً وشمالاً. وخطر بالسيف إذا حرّكه كذلك (٢). ٣ - حديث النفس: وهو أن يقع في النفس الرغبة في أن يفعله، والرغبة في أن لا يفعل. فهو يتردد بين الأمرين لاشتبهاهما، ويحدّث نفسه كالمستشير.

стр. 610

٤ - الهمّ: وهو أن يترجّح عنده قصد الفعل على قصد الترك. قال الحماسي: إذا همَّ ألقَى بين عينيه عزمه ... ونكبّ عن ذكر العواقب جانباً فالهمّ قبل العزم. ثم قد يعدل عما همّ به لخطور أمر آخر بباله يرجح الترك. وقد يعزم. ٥ - العزم: وهو قوة قصد الفعل وانعدام قصد الترك، وذلك بعد أن يكون التردد قد انتهى ولم يبق إلا الاستعداد وإمكان الفرصة. قال الله تعالى: ﴿وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكّل على الله﴾. وقال الليث: العزم ما عقد عليه قلبك من أمرٍ أنك فاعله. وقد بيّن في المواقف وشرحه العزم، بما يجعله هو والهمّ شيئاً واحداً، قال: "العزم هو جزم الإرادة، بعد التردّد الحاصل من الدواعي المختلفة المنبعثة من الآراء العقليّة، والشهوات والنفرات النفسانية. فإن لم يترجح أحد الطرفين حصل التحيّر، وإن ترجح حصل العزم". قال: "والعزم قد يكون سابقاً على الفعل" (١). ثم قد يعدل عن الفعل لطروء أمر خارجيّ لم يكن قد حسب حسابه، أو لأمر ذكره كان له ناسياً. وقد ينحلّ عزمه لا لشيء. تقول العرب: "فلان ما له عزمة ولا عزيمة". أي لا يثبت على أمر عزم عليه. وهذه الألفاظ الخمسة ليست في الاستعمال متباينة تمام التباين وقد يستعمل أهل اللغة بعضها في مكان بعض. ثم إن المرتبتين الأوليين، إذا وقعتا من النبي ﷺ ، فلا دلالة فيهما قط. لأنهما من قبيل الفعل الجبليّ غير الاختياري. فإنهما يردان على النفس دون قصد. وأما حديث النفس، فإنه لأجل ما فيه من التردّد بين الأمرين، وعدم الميل إلى أحدهما، لا يعتبر دليلاً شرعياً.

стр. 611

وإنما تكلّم الأصوليون في الهم والعزم منه ﷺ . ونحن نجعل القول فيهما واحداً لتقاربهما وعسر الانفصال بينهما، حتى إن بعض أهل اللغة قال: الهم هو العزم (١). وهذان النوعان هما فعلان نفسيان، ومن هنا دخلا في موضوع هذه الرسالة. هل الهمّ بالشيء حجة ؟: إذا همّ النبي ﷺ بالشيء ولم يفعله، ففي دلالته على مشروعية فعل ذلك الشيء قولان: الأول: أن ما همّ به حجة. وقد جعله الزركشي أحد أقسام السنة. قال: ولهذا استحبّ الشافعي في الجديد للخطيب في الاستسقاء مع تحويل الرداء تنكيسَه، بجعل أعلاه أسفلَه، محتجاً بـ "أن النبي ﷺ استسقى وعليه خميصة له سوداء، فأراد أن يأخذ أسفلها فيجعله أعلاها. فلما ثقلت عليه قلبها على عاتقه" (٢). قال الشافعي بعد أن ذكر الحديث: "وبهذا أقول، فنأمر الإمام أن ينكّس رداءَه فيجعل أعلاه أسفله، ويزيد مع تنكيسه فيجعل شقّه الذي على منكبه الأيمن على منكبه الأيسر، والذي على منكبه الأيسر على منكبه الأيمن، فيكون قد جاء بما أراد رسول الله من نكسه، وبما فعل من تحويله" (٣). اهـ. وقال الشوكاني: قال الشافعي ومن تابعه إنه يستحب الإتيان بما همّ به ﷺ . ولهذا جعل أصحاب الشافعي الهمّ من جملة أقسام السنة، وقالوا يقدم القول ثم الفعل ثم التقرير ثم الهمّ. الثاني: أن الهمّ ليس بحجة. وممن ذهب إلى ذلك الشوكاني. قال: "الحق أن الهمّ ليس من أقسام السنة" قال: "لأنه مجرّد خطور شيء على البال من دون تنجيز له. وليس ذلك مما آتانا الرسول، ولا مما أمر الله سبحانه بالتأسيّ به فيه" (٤)

стр. 612

ونحن نقول وبالله التوفيق: إن الهمّ بالشيء أمر نفسي لا يظهر لنا إلاّ بإحدى طريقتين" إما أن يخبرنا به النبي ﷺ ، وإما أن يقدم على الفعل فيحول بينه وبينه حائل فيتركه. الطريق الأولى: أن يخبرنا به النبي ﷺ . وحينئذٍ فلا يخلو من أحوال. ١ - إما أن يخبرنا به على سبيل الزجر عن عمل معين. فيدلّ على تحريم ذلك العلم أو كراهته، بدلالة القول، كقوله ﷺ : "لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام. ثم آمر رجلاً فيؤمّ الناس، ثم أخالف إلى رجال لا يشهدون الصلاة فأحرّق عليهم بيوتهم بالنار" (١). دلّ ذلك على وجوب حضورها، وتحريم التخلف عنها، وهي دلالة قولية، من حيث إنه بيّن بقوله ما يفيد أن ما فعلوه هو ذنب. وكذلك حديث: "إنه ﷺ رأى في بعض مغازيه امرأة مجخّاً على باب فسطاط. فقال: لعلّه يريد أن يلمّ بها؟ قالوا: نعم. قال: لقد هممت أن ألعنه لعناً يدخل معه قبره، كيف يستخدمه وهو لا يحلّ له، أم كيف يورثه وهو لا يحلّ له؟ ". أما المختلف فيه فهو أن يدل الهمّ على مثل ما يدل عليه الفعل لو فعله. فهل يجوز تحريق المتخلفين، ولعن من أراد أن يفعل كفعل صاحب تلك المرأة؟ هذا موضع الإشكال. وهذا النوع يلتحق من هذه الجهة بالهم المجرّد الآتي ذكره. ٢ - وأما أن يخبرنا بهمّه مبيّناً لنا أنه ترك ما همّ به وعدل عنه لأنه تبيّن له أن الداعي له غير صحيح، كقوله ﷺ : "لقد هممت أن أنهى عن الغيلة، حتى ذكر لي أن فارس والروم يغيلون فلا يضر ذلك أولادهم" (٢). والحكم في هذا النوع واضح. ٣ - وإما أن يخبرنا بأنه ترك الفعل اكتفاء بغيره من الدلالات. ولا شكّ في

стр. 613

حجية هذا النوع. ومنه حديث عائشة أنه ﷺ قال: "لقد هممت أن أرسل إلى أبي بكر فأعهد، أن يقول قائلون أو يتمنى المتمّون، ثم قلت: يأبى الله ويدفع المؤمنون" (١). ٤ - وإما أن يخبرنا بأنه همّ بالشيء ولم يفعله، دون زيادة. وهو الهمّ المجرّد. ومثاله حديث: "لقد هممت أن لا أتّهب هبة إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي" (٢). قولنا في ذلك: الظاهر أن الهمّ لا يدلّ على مثل ما يدل عليه الفعل لو فعله. فما قال الشوكاني من أن: "الهمّ ليس تنجيزاً للفعل" صحيح، وينبغي أن يعتمد. فهو ﷺ لم يُخْرِج ما همّ به إلى حيّز الوجود، فيحتمل أن تكون هناك موانع شرعية منعته من ذلك، أو أنه ﷺ وجَد السبب أقلّ من أن يكون كافياً لبناء الحكم عليه. فلا يتمّ القول بأن الهمّ المجرد أقسام من أقسم السنة. وعليه فإن استدلال البخاريّ وابن حجر وابن العربي بحديث الهمّ بتحريق المتخلفين على بعض الأحكام، فيه نظر، ومن ذلك ما بوّب عليه البخاريّ: (باب إخراج أهل الرَيب من البيوت بعد المعرفة) (٣) وما قال ابن حجر: "فيه من الفوائد جواز العقوبة بالمال ... وفيه جواز أخذ أهل الجرائم على غرة ... واستدل به ابن العربي وغيره على مشروعية قتل تارك الصلاة متهاوناً بها ... وفيه الرخصة للإمام أو نائبه في ترك الجماعة لأجل إخراج من يستخفي في بيته ويتركها، ولا بعد أن تلحقه في ذلك الجمعة ... واستدل به ابن العربي على جواز إعدام محل المعصية كما هو مذهب مالك" (٤). وأما تبويب البخاري على الحديث في موضع آخر: "باب وجوب صلاة

стр. 614

الجماعة" (١) فهو مأخوذ من الدلالة القولية. وهو استدلال صحيح، والنظر إنما هو في التعارض بينه وبين غيره من الأدلة. الطريق الثانية: إن يحول بينه وبين الفعل حائل جعله يترك الفعل بعد أن عالجه. وهذا النوع هو الذي قال فيه الشافعي ما قال، واعتبره حجة. ذكر ذلك في باب صلاة الاستسقاء من (الأم) كما تقدم. فجعل قلب الرداء أعلاه أسفله سنة. وقد أبى ذلك جمهور الفقهاء في هذا الفرع. منهم المالكية والحنابلة (٢). وانفصل ابن قدامة عن دلالة الحديث باحتمال خطأ الراوي. وأنه يبعد أن يكون النبي ﷺ ترك ذلك في جميع الأوقات لثقل الرداء. ومن أمثلته أيضاً حديث: " أنه ﷺ أُتِيَ بضبٍّ محنوذ فأهوى بيده ليأكل، فقيل: أخبِروا رسول الله ﷺ بما يريد أن يأكل. فقيل: ضب. فرفع يده" (٣). ففيه دلالة على جواز الإقدام على أكل ما لا يعرفه، إذا لم يظهر فيه علامة التحريم. قولنا في ذلك: إن هذا النوع عندنا أعلى من النوع الذي قبله، لأن المانع خارجيّ، والمباشرة قد وقعت. فالقول بأنه من أقسام السنة لا يستبعد. والتفريق بين النوعين واضح. فإن هذا النوع في حقيقته من أقسام العزم. والعزم أعلى أنواع الهمّ. وينبغي حمل كلام الشافعي على هذا النوع خاصة، خلافاً للزركشي الذي جعل مذهب الشافعي أن الهمّ مطلقاً من السنة. ولا يعني هذا أننا نأخذ بما قال الشافعي ﵁ من القول بتنكيس الرداء، وذلك لما قاله ابن قدامة، ولما ورد في الحديث: "فحوّل الناس أرديتهم". فإذا كان الصحابة ﵃، الحاضرون معه في تلك الصلاة تابعوه فتركوا ما هم به وتركه، فأولى أن يتابعه من بعدهم. ولعلّ هذا الفعل خاصة كان مطلوباً على الصفة التي فعلها هو ﷺ . والله أعلى وأعلم.

стр. 615

الفصل الثامن الملحقات بالأفعال النبوية ينتسب إلى محمد ﷺ أمور سوى الأقوال والأفعال المنتمية إلى منصب النبوة، فيحسن النظر فيها من حيث دلالتها على الأحكام، ليكون البحث مستوفى. والأمور التي نعنيها هنا، هي أفعاله ﷺ قبل البعثة، وشمائله النفسية، وفعله في المنام برؤياه هو أو برؤيا غيره. وما فعل به ﷺ بعد الوفاة. فنعقد لكل من ذلك مبحثاً، ونتبعها بمبحث في أفعال الله . ومبحث في تقريره.

стр. 616

المبحث الأوّل أفعاله ﷺ قبل البعثة كانت بعثته ﷺ حداً فاصلاً بين عهدين: عهد كان فيه بشراً كسائر البشر غير متميّز عنهم بشيء، ولم يطالَب أحد من معاصريه بأن يقتدي بشيء من قوله أو من فعله، فهو يسير بينهم واحداً منهم؛ وعهدٍ آخر كان فيه رسولاً من الله للعالمين. وقد اختلف الأصوليون هل كان ﷺ في العهد الأول متعبّداً بشرع سماويّ؟. فمنهم من أثبت ذلك، ونسب القرافي هذا المذهب إلى الإمام مالك (١). ومنهم من نفاه، ونسبه ابن الهمّام إلى المالكية والمتكلّمين، فمنعته المعتزلة، وقال الباقلاني يجوز ولم يقع (٢). وهي مسألة يتداولها الأصوليون. ولكن قال القرافي: "قال المازري وإمام الحرمين: هذه المسألة لا تظهر لها ثمرة في الأصول ولا في الفروع ألبتة، بل تجري مجرى التواريخ. ولا ينبني عليها حكم في الشريعة" (٣). وقد نقل أصحاب السِّيَر وأصحاب السنن كثيراً من أفعاله وأحواله ﷺ قبل البعثة. وليس المراد بنقولهم هذه أن تكون موضعاً لاستنباط الأحكام الشرعية. والاقتداء بما قال أو فعل. وإنما كان مرادهم أن ينقلوا ما يستدلّ به على أحواله التي

стр. 617

تنفع في المعرفة بنبوّته وصدقه. قال ابن تيمية: "فهذه الأمور ينتفع بها في دلائل. النبوّة كثيراً. ولذلك يُذكَر مثل ذلك في كتب سيرته، كما يذكر فيها نسبه وأقاربه، وغير ذلك مما يعلم به أحواله" (١). ومثال ذلك ما ذكرته خديجة حين قالت (٢): "كلاّ والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلّ، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم وتعيّن على نوائب الحق". ولهذا كان أعلم الناس به ﷺ أسرعهم إلى تصديقه، لما يعلمون من صدقه وأمانته. ثم ذكر ابن تيمية أن كتب الحديث أخصّ بما بعد النبوّة، وقد تذكر أشياء مما حدث قبل النبوة، ولكنها "لا تؤخذ لتشرع ... بل قد أجمع المسلمون على أن الذي فرض (الله) على عباده الإيمان به والعمل هو ما جاء به بعد النبوة. ولهذا كان من ترك الجماعة وتخلّى في الغيران والجبال، حيث لا جمعة ولا جماعة، وزعم أنه يقتدي بالنبي ﷺ ، لكونه متحنّثاً في غار حراء قبل النبوة، في ترك ما شرع من العبادات الشرعية التي أمر الله بها رسوله، كان مخطئاً. فإنه بعد أن كرمه الله بالنبوّة لم يكن يفعل ما فعله قبل ذلك من التحنث". وهذا الكلام الذي ذكره ابن تيمية حق. إلاّ أنه يعرض النظر في أن الله تعالى، وإن لم يكن قد كلّف محمداً ﷺ بأعباء الرسالة، لكنه قد صنعه على عينه، وجده يتيماً فآواه، وعائلاً فأغناه، وأدّبه فأحسن تأديبه. وهذا يقتضي أن بعض العادات التي تميّز بها، وأُثرت عنه في ذلك العهد، يمكن أن تكون موضع قدوة. وهذا إنما يكون في ما يظهر حسنه ولا يخالف شرعاً. وقد وجدنا البخاري قال في صحيحه: باب كراهة التعرّي في الصلاة وغيرها. ولم يذكر فيه إلا حديث جابر: "إن رسول الله ﷺ كان ينقل معهم الحجارة للكعبة وعليه إزاره، فقال له عمه العباس: يا ابن أخي، لو حلّلت إزارك فجعلته على منكبيك دون الحجارة". قال: "فحلّه فجعله على منكبيه، فسقط مغشياً عليه. فما رؤي بعد ذلك عرياناً" (٣).

стр. 618

ويحتمل أن البخاري احتجّ به من جهة ما في قوله: "فما رؤي بعد ذلك عرياناً"، فإنها تشمل ما بعد النبوّة. ولكن قال ابن حجر: "فيه أنه ﷺ كان مصوناً عما يستقبح قبل النبوّة وبعدها". وروى أبو داود في كتاب الأدب من سننه قول السائب لرسول الله ﷺ : "كنت شريكي فنعم الشريك، كنت لا تداري ولا تماري" (١).

стр. 619

المبحث الثاني الشمائل النفسيّة (الأخلاق) الخلق ملكة تصدر عنها الأفعال بلا رويّة (١). والأخلاق التي كان عليها النبي ﷺ جَبَله الله تعالى عليها، ولذلك لم تكن محلاً للتكليف، لأن التكليف بالمقدور، والجبليّ ليس مقدوراً. ويقول ابن عبد السلام: "كل صفة جبلية لا كسب للمرء فيها كحسن الصور، واعتدال القامات، وحسن الأخلاق، والشجاعة، والجود، والحياء والغيرة، والنخوة، وشدة البطش، ونفوذ الحواس، ووفور العقل، فهذا لا ثواب عليه، مع فضله وشرفه، لأنه ليس بكسب لمن اتّصف به. وإنما الثواب والعقاب على ثمراته المكتسبة" (٢). فالأفعال الصادرة عن هذه الصفات، يمكن أن تكون موضع قدوة. وقد بيّنا ما يقتدي به من ذلك في هذه الرسالة. لكن المقصود هنا البحث في أن صفاته ﷺ نفسها. هل تكون موضع قدوة؟. ومقصودنا بذلك: هل نحن مكلّفون بتحصيل أمثال تلك الأخلاق العالية التي كان عليها ﷺ ؟. إن ما تقدم نقله عن عز الدين بن عبد السلام، يفهم منه أن التكليف لا يتعلق بتلك الصفات أصلاً. ولكن الذي أثبته علم النفس وعُرف بالتجارب، أن كثيراً من الصفات

стр. 620

النفسية يمكن تحصيلها بالدُّربة والتعلم والتخلّق. فالجود والشجاعة والحياء والغيرة والنخوة وشدة البطش واللطف والعنف، ونحو ذلك، وإن كان بعضها جبلياً، كما يلاحظ في الفروق بين الأطفال، إلا أن المران والتعليم والتدريب العملي، كافية لإحيائها في النفوس، أو تعديلها إن كانت موجودة على وضع منحرف. والنفوس بطبعها مجبولة على تقبّل ذلك التعليم. وكما هو ملاحظ في التدريب البدنيّ العضليّ أنه يكسب العضلات قوة ومتانة، ويعطيها استعداداً لمواجهة الأمور الحيويّة بكفاءة أكثر، فكذلك القوى النفسية، هي مهيأة لذلك. فإن اعتنُي بها نبتت ونمت، وإلاّ ضعفت وماتت. وفي حديث أبي سعيد: "أن النبي ﷺ قال لأشَجّ عبد القيس: إن فيك خصلتين يحبّهما الله: الحلم والأناة. قال: يا رسول الله، أنا أتخلق بهما أم الله جبلني عليهما؟ قال: بل الله جبلك عليهما" (١). فإن جواب النبي ﷺ يفهم منه أن هاتين الخصلتين يمكن أن يتخلق الإنسان بهما. وربما كان مقصود ابن عبد السلام ما ذكره الشاطبي من أن الصفة، كالعلم، وإن لم تكن مكتسبة، إلا أن مقدماتها التي تنتجها، كالنظر والبحث يمكن أن تكون مكتسبة. فهذا يمكن أن يسلّم. ونبني عليه فنقول: إن أخلاقه ﷺ قد أثنى الله تعالى عليها بقوله: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ (٢)، وكثير منها لم يكن سعى لتحصيله، بل جبله الله تعالى عليه. فالاقتداء به ليس من قبيل الاقتداء بالفعل، وهو مع ذلك مطلوب بأن يتخلق المسلم بما كان خلقاً لرسول الله ﷺ ، كالجود والحياء والشجاعة. ودليل طلبها، ما ذكرته من ثناء الله تعالى على خلقه، فهو تنبيه على التخلق بمثله. ومن أدلته أيضاً قوله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ فإنها في كل شؤونه ﷺ ، لا في أفعاله خاصة.

стр. 621

المبحث الثالث فعله ﷺ في الرؤيا إذا رأى النبي ﷺ نفسَه في المنام يفعل فعلاً، أو رآه غيره من معاصريه أو ممن بعدَه يفعل فعلاً، فهل ذلك الفعل محل قدوة، كغيره من الأفعال المقتدى بها؟. واضحٌ انقسام المسألة إلى قسمين، فنعقد لكل منهما مطلباً. المطلب الأوّل إذا رأى النبي ﷺ نفسه، يفعل فعلاً، فرؤيا الأنبياء حق . وقد نقل القرطبي أن ابن عباس قال: "رؤيا الأنبياء وحي". واستدلّ بقوله تعالى عن إبراهيم: ﴿قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر﴾ (١) فهل كان رأى أنه يذبح ابنه وكان ذلك أمراً؟ هذا هو الظاهر، وعليه اقتصر الأسنوي (٢). واحتجّ من الآية بثلاثة أوجه: قول إسماعيل: ﴿افعل ما تؤمر﴾، وقوله تعالى: ﴿إن هذا لهو البلاء﴾ وقوله: ﴿وفديناه﴾. ويحتمل أنه رأى آمراً يأمره أن يذبح ولده (٣).

стр. 622

فعلى الأول تكون رؤيا النبي ﷺ أنه يفعل فعلاً: أمراً له بالوحي، أن يفعل ذلك الشيء. وقد يكون وعداً بتحقيق ذلك وبشارةً به. فمثال ما هو أمر ما في حديث أبي موسى أن النبي ﷺ قال: "رأيت في المنام أني أهاجر إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر فإذا هي يثرب" (١). ومثال الرؤيا التي هي وعد وبشرى: ما روى الطبري عن ابن عباس في تفسيره قوله تعالى: ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلاّ فتنة للناس﴾ (٢) قال: "يقال: إن النبي ﷺ أُري أنه دخل مكة هو وأصحابه وهو يومئذٍ بالمدينة. فعجل رسول الله ﷺ السير إلى مكة قبل الأجل، فردّه المشركون. فقال أناس: قد رُدّ رسول الله ﷺ وقد كان حدّثنا أنه سيدخلها. فكانت رجعته فتنتهم" (٣). اهـ. ثم كان تأويل رؤياه تلك، عمرة القضاء في السنة التالية. وقد تكون رؤياه خبراً عن حكم شرعي، كرؤيته ﷺ ليلة القدر أنها في إحدى العشر الأواخر من رمضان ثم أنسيها. المطلب الثاني من رأى في المنام النبي ﷺ يفعل عقد البخاري في كتاب التعبير من صحيحه، باباً بعنوان (من رأى النبي ﷺ في المنام) فذكر فيه حديثاً بألفاظ مختلفة. منها رواية أنس ﵁، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثّل بي". ورواية أبي سعيد: "من رآني فقد رأى الحقّ، فإن الشيطان لا يتكوّنني".

стр. 623

وذكر ابن حجر في تفسير هذا الحديث أقوالاً مختلفة، ثم قال: "قال القرطبي والصحيح في تأويله أن مقصوده أن رؤيته في كل حال ليست باطلة، ولا أضغاثاً، بل هي حق في نفسها. ولو رؤي على غير صورته، فتصوُّرُ تلك الصورة ليس من الشيطان، بل هو من قبل الله، وقال: هذا قول القاضي أبي بكر" (١). اهـ. ثم قد قال ابن أبي جمرة: "قيل: معناه أن الشيطان لا يتصوّر بصورته أصلاً، فمن رآه في صورة حسنة، فذلك حسن في دين الرائي، وإن كان في جارحة من جوارحه شين أو نقص فذلك خلل في الرائي من جهة الدين. قال: وهذا هو الحق. فعلى قول القرطبي وابن أبي جمرة، كل رؤية له ﷺ المنام فهي حق" (٢). أما القرافي فقد قال: "إنما تصح رؤية النبي ﷺ لأحد رجلين" (٣): ١ - صحابي رآه فعلم صفته، فانطبع في نفسه مثاله، فإذا رآه جزم بأنه رأى مثاله المعصوم من الشيطان، فينتفي عنه اللبس والشك في رؤيته ﷺ . ٢ - ورجل تكرّر عليه بسماع صفاته ﷺ المنقولة في الكتب حتى انطبعت في نفسه صفته ﷺ ومثاله المعصوم. فإذا رآه جزم برؤية مثاله، كما يجزم به من رآه، فينتفي عنه اللبس والشك في رؤيته ﷺ . وأما غير هذين فلا يحصل له الجزم. بل يجوز أن يكون رآه بمثاله، ويحتمل أن يكون من تخييل الشيطان. ولا يفيد قول المرئي لمن رآه: أنا رسول الله، ولا قول من يحضر معه: هذا رسول الله. لأن الشيطان يكذب لنفسه ويكذب لغيره، فلا يحصل الجزم". اهـ. وهذا التحقيق موافق لما روي عن ابن سيرين: "أنه كان إذا قصّ عليه رجل أنه رأى النبي ﷺ قال: صف لي الذي رأيته. فإن وصف له صفة لا يعرفها، قال له: لم تره" (٤).

стр. 624

فعلى هذا القول: ليس كل من رأى شخصاً قيل له إنه رسول الله، قد رآه حقّاً. أخذ الأحكام الشرعية من فعله ﷺ في الرؤيا: ظاهر قوله ﷺ : "إن الشيطان لا يتمثّل بي" أن قوله وفعله في المنام بدرجة قوله وفعله في اليقظة، بل أقوى، لقلة الوسائط، وخاصّة بالنسبة إلى الرائي نفسه. ولكن لو كان كذلك، وجب تقديم ذلك على ما نقل إلينا من الشريعة. وقد نقل الشوكاني عن أبي إسحاق: "أن رؤيته ﷺ في المنام حجة" (١). وقد أبى جمهور العلماء هذه الطريقة، واتفقوا على أن أي شيء مما ينتج عن الرؤيا إذا خالف الشريعة مردود، وإن وافقها، فهو أمارة يؤتنس بها. وإن لم يوافقها ولم يخالفها جاز العمل بها، كما يعمل بأنواع الخواطر السانحة والإلهامات. فلا بدّ من عرضها على الشريعة على كل حال. وأجابوا عن الحديث بأجوبة: منها: ما ذهب إليه النووي: أن الرائي وإن كانت رؤياه حقاً، ولكن لا يجوز إثبات حكم شرعي بما جاء فيها، قال: "لأن حالة النوم ليست حالة ضبط وتحقيق لما يسمعه الرائي. وقد اتفقوا على أن من شروط من تقبل روايته وشهادته أن يكون متيقظاً لا مغفّلاً ولا كثير الخطأ، ولا مختلّ الضبط. والنائم ليس بهذه الصفة" (٢). ومنها: ما ذهب إليه ابن الحاجّ: "أن الله لم يكلّف عباده بشيء مما يقع لهم في منامهم لقوله ﷺ : رفع القلم عن ثلاثة ... عدّ منهم "النائم حتى يستيقظ" لأنه إذا كان نائماً فليس من أهل التكليف، فلا يعمل بشيء يراه في نومه" (٣).

стр. 625

ومنها: ما قال ابن الحاجّ أيضاً: "أن الشرع حثّ على التمسّك بالكتاب والسنة، فإن خالفتهما الرؤيا علم أنها غير حق، وأن ما فيها من الكلام ألقاه الشيطان له في ذهنه، والنفس الأمّارة". وحاصل هذا الوجه أن الحديث دلّ على صحة رؤية مثاله ﷺ ، ولم يدلّ على صحة الكلام الذي يسمع منه. وهذا الجواب لا يتأتى في الأفعال. ومنها: ما قال ابن رشد وحاصله يرجع إلى أن المرئي قد يكون غير النبي ﷺ وإن اعتقد الرائي أنه هو. ومعنى الحديث عنده: "من رآني على صورتي التي خلقني الله عليها، فقد رآني، إذ لا يتمثل الشيطان بي" (١). ومنها: ما قال الشوكاني: "إن الشرع الذي شرعه الله لنا قد كمّله الله ، وقال: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ ... ولم يبق بعد ذلك حاجة للأمة في أمر دينها، وقد انقطعت البعثة لتبليغ الشرائع وتبيينها بالموت ... وبهذا تعلم أنا لو قدرنا ضبط النائم لم يكن ما رآه من قوله ﷺ أو فعله حجة عليه ولا على غيره من الأمة" (٢). اهـ. وهذا عندي هو الوجه المعتمد في الجواب، وأما ما تقدمه من الأجوبة ففيها نظر. فالخلاصة ما قال الشاطبي: "على الجملة فلا يستدل بالرؤيا في الأحكام إلا ضعيف المنّة. نعم يأتي المرئيّ تأنيساً وبشارة ونذارة خاصة، بحيث لا يقطعون بمقتضاها حكماً، ولا يبنون عليها أصلًا. وهو الاعتدال في أخذها حسب ما فهم من الشرع فيها" (٣).

стр. 626

المبحث الرّابع ما فعل به ﷺ بعد موته جعل ابن حبان الأحاديث الواردة في هذا المعنى باباً في قسم الأفعال من صحيحه (١). وليس ذلك من فعل النبي ﷺ في الحقيقة. ويذكر المحدثون والفقهاء (٢) أشياء من ذلك. منها: أنه: "كُفِّن في ثلاثة أثواب بيض سَحُولِيّةٍ من كرسف ليس فيها قميص ولا عمامة" (٣). ومنها: "أنه غُسل وعليه ثيابه". ومنها: "أن الصحابة صلّوا عليه فرادى" (٤). ومنها: أنّه: "لما توفي كان رجل يلحَدُ والآخر يَضْرَحُ، فقالوا نستخير ربنا ونبعث إليهما، فأيهما سبق تركناه. فأرسل إليهما، فسبق صاحب اللّحد فلَحَدوا له" (٥). وقال عمرو بن العاص عند وفاته: "الحدوا لي لحداً، وانصبوا علي اللبن نصباً، كما فعل برسول الله ﷺ " (٦).

стр. 627

ومنها: "أنه دفن حيث مات، في بيت عائشة رضى الله عنها، وتولّى دفنه فيه علي بن أبي طالب ﵁". ومنها: "أن قبره كان مسنماً (١). ولم يكن مشرفاً ولا لاطئاً (٢) ". وجه الاحتجاج بذلك: إنما يحتجّ بما فعل به ﷺ عند الدفن من وجهين: الأول: أن الله تعالى لم يكن ليختار لرسوله ﷺ إلا الأفضل. واقتصر على هذا الوجه ابن حجر (٣) في قضية نوع ثياب الكفن وعددها. وأشار إليه بعض الصحابة في قضية اللحد والشق، فإنهم لما أرسلوا إلى الذي يلحد والذي يشق، قالوا: "نستخير ربنا". وفي هذا الوجه عندي نظر، إذ ليس بمتعيّن أن الله تعالى يختار لرسوله أفضل الأشياء، فإن القبر منزل من المنازل، وكما كان الله تعالى ييسر لرسوله ﷺ أنواعاً من المآكل والمشارب والمنازل والمراكب، فلا تُدَّعى أفضلية شيء منها على شيء، أو على ما عداها، فكذلك هذا النوع. الوجه الثاني: أنه فعل من أفعال الصحابة أو قول من أقوالهم. وهذا عندي أولى. فإن قيل بهذا الوجه، كان مؤخراً عما ورد من قول النبي ﷺ وفعله وتقريره عند التعارض وهو الصواب. وإن قيل بالوجه الأول كان مقدماً على قوله ﷺ وفعله وتقريره.

стр. 628

المبحث الخامس أفعال الله تعالى هذا نوع من أصول الأحكام قلّ من ذكره من الأصوليين. وقد قال ابن تيمية: "الأصل قول الله تعالى، وفعله، وتركه القول، وتركه الفعل، وقول رسول الله ﷺ ، وفعله، وتركه القول، وتركه الفعل. وإن كانت جَرَت عادة عامة الأصوليين أنهم لا يذكرون من جهة الله إلا قوله الذي هو كتابه، ومن جهة رسول الله ﷺ ... قوله وفعله وإقراره" (١). اهـ. وقد تعرّض الرازي لبيان الله تعالى فصرّح باستحالته بالإشارة. ورأى القرافي (٢) أن ذلك تنبيه من الرازي على استحالة بيانه تعالى بالفعل والكتابة أيضاً، وبيّن القرافي أن ذلك من الرازي تناقض. لتصريحه بجواز البيان بالقول، ولا فرق بين الأمرين. وقال السمعاني: "يقع البيان من الله تعالى بالقول والفعل والكتابة والتنبيه على العلة، ولا يقع بالإشارة" (٣). اهـ. ويمثّل للاستدلال بفعله تعالى: بعذابه للمنذَرين، فإنه دليل على تحريم ما فعلوه، ووجوب ما أُمروا به. فهذا في الاستدلال بطريق اللزوم. وأما الاستدلال على أن نعمل مثل ما عمل، فقد قال الحنابلة ومالك والشافعي في أحد قوليه برجم اللائط بكراً كان أو ثيباً. واحتجّ بعضهم لذلك: "بأن الله تعالى عذّب قوم لوط بالرجم، فينبغي أن يُعاقَب من فعل مثل فعلهم بمثل

стр. 629

عقوبتهم" (١). وروى ابن عباس: "ينظر أعلى بناء في القرية فيرمى به منكّساً ويتبع الحجارة" (٢) وأيّد الشوكاني هذه الطريقة في الاستدلال، فقال: "حقيقٌ بمن أتى بفاحشة قوم ما سبقهم بها أحد من العالمين أن يصلى من العقوبة بما يكون في الشدة والشناعة كعقوبتهم". وقيل إنه كالزنا سواء. وقيل لا حدّ عليه لأنه ليس بزنا، وهو قول أبي حنيفة. وفي الحديث عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ ، قال: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر". قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسنة. قال: "إن الله جميل يحب الجمال. الكبر بطر الحق وغمط الناس" (٣). فاستدلّ بكونه تعالى جميلاً يحب الجمال على جواز محبة الجمال ومشروعيته. قولنا في ذلك: أما الطريقة الأولى، وهي الاستدلال بالفعل على لازمه، فهي طريق سالكة، لا عوج فيها، وكل ما ذكره الله تعالى في القرآن من قصص الأمم مع أنبيائها، وما فعله الله تعالى بأعداء الأنبياء، فإنما ذكره لنعتبر، فنعلم حرمة ما عاقبهم الله تعالى عليه ونخاف من أن يوقع الله تعالى مثله بنا إن نحن فعلنا مثل فعلهم، لقوله تعالى: ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾ (٤). وأما الطريقة الثانية، وهي أن نفعل مثل فعله، كأن نعاقب اللائط بمثل ما عاقبه تعالى به، فهو باب واسع، لو كان حجّة للزم تتبع جزاءاته تعالى للمحسنين في الدنيا والآخرة، والعمل على نمطها. وكذلك عقوباته للعاصين. وللزم مثل ذلك، سواء ذكر في القرآن، أو شاهده الناس عياناً، أو علم بطريق ما. وذلك

стр. 630

شيء لا ينضبط. وقد نهى النبي ﷺ عن التعذيب بالنار. وقال: "لا تعذّبوا بعذاب الله" (١). فهذا نهي مصادم لهذا النوع من الاستدلال. ومثله فرار الحجر بثوب موسى حتى رؤي عرياناً، فلا يجوز أن يستدل به على جواز تعرية الرجل لتبرئته مما يُنْبَزُ به. والله تعالى يفعل ما يشاء. فالذي نراه أن هذا النوع من الاستدلال باطل. ونستثني من ذلك أموراً: الأول: أن نحب ما أحب الله تعالى، وأن نكره ما يكره. فإنه تعالى لا يحب إلّا ما هو خير وحق، ولا يكره إلا ما هو باطل وإثم. وإنما يحصل لنا العلم بما يحبه الله ويكرهه بالشرع من الكتاب أو السنة. وفي الحديث، ينادي جبريل: "إن الله يحب فلاناً فأحبوه" (٢). وفي الحديث الآخر: "نحب بحبّك من أحبك، ونعادي بعداوتك من عاداك" (٣). الثاني: بعض ما يتردد بين الحسن والقبح إذا ورد أنه تعالى يفعله، يعلم أنه حسن وإن كان يتوهم فيه النقص، ويكون فعله تعالى دليلاً على أنه لا نقص فيه، وذلك كقوله تعالى: ﴿والله لا يستحيي من الحق﴾ (٤) يدل على جواز مباشرة العمل إذا كان حقاً ولا يمنع الحياء من ذلك. وكاستدراجه لأعدائه، ومكره بالماكرين، وكيده للكائدين (٥) ولعنه للكافرين، فكل ذلك جائز بدلالة فعله تعالى. الثالث: ما ظهر لنا حسنه ولم يعارضه دليل شرعي، كقوله تعالى؛ ﴿ويؤتِ كلَّ ذي فضل فضله﴾ يصحّ الاحتجاج به على استحباب إنزال أهل الكفاءات في منازلهم، والإكثار من الخير للناس بقدر أعمالهم، ونقض طريقة المساواة بين الناس مع تفاوت فضائلهم وأفعالهم. وكقول النبي ﷺ : "إذا مرض العبد أو سافر كُتب

стр. 631

له من الأجر ما كان يعمله وهو صحيح مقيم" (١). يصح الاستدلال به على إعطاء الموظّفين والعمّال مثل أجورهم إذا كان تعطّلهم لعذر صحيح. ومن هذا النوع أيضاً ما ذكر الشاطبي (٢)، وهو عادة الله تعالى في إنزال القرآن، وخطاب الخلق به، ومعاملته بالرفق والحسنى، وأن استفادة ذلك راجع إلى الاقتداء بأفعاله تعالى، فعدّ الشاطبي من هذا عدم المؤاخذة قبل الإنذار، أخذه من قوله تعالى: ﴿وما كنّا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾ وعد من ذلك أيضاً ترك المؤاخذة بالذنب لأول مرة، والحلم عن تعجيل العذاب للمعاندين. وكتدرجه تعالى في الأمر بالتكاليف الشاقة، والنهي عما ألفه الناس حتى صار كالطبع لهم. ونحن نرى الأخذ من هذه الأنواع، مع الحذر والاحتياط، والتنبيه إلى أن الله ليس كمثله شيء، وأن ذلك يقتضي التمايز في الأفعال، فليس كل شيء يحسن منه تعالى هو حسناً منا. والله أعلم. الأوجه الفعلية لقوله تعالى: يصح استفادة الأحكام من الآداب البيانية القرآنية، على ما يذكره البلاغيون وقد ذكر الشاطبي لذلك أمثلة سبعة، نقتبسها باختصار تتميماً للفائدة. ١ - أن القرآن حين أتى بالنداء من الله للعباد، أتى بحرف النداء المقتضي للبعد، نحو قوله: ﴿يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾ (٣). وحين أتى بالنداء من العباد لله، ترك حرف النداء، استشعاراً للقرب، فيحصل بالاقتداء بالتعبير القرآني تعلّم هذا الأدب. ٢ - أن نداء العبد لله جاء في القرآن بلفظ (الرب) في عامة الأمر، تنبيهاً

стр. 632

وتعليماً لأن يأتي العبد في دعائه بالاسم المقتضى للحال المدعوّ بها. ومثاله قوله تعالى: ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا﴾ (١) وقوله: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ (٢). ٣ - أتى بالكناية في الأمور التي يستحيا من التصريح بها، كقوله: ﴿من قبل أن تمسوهن﴾ ﴿فأتوهن﴾ ﴿كانا يأكلان الطعام﴾. ٤ - أتى بالالتفات الذي ينبىء في القرآن عن أدب الإقبال من الغيبة إلى الحضور إذا كان الحال يستدعي ذلك، نحو ﴿مالك يوم الدين * إياك نعبد﴾ ﴿عبس وتولى أن جاءه الأعمى * وما يدريك لعلّه يزَّكّى﴾. ٥ - الأدب في ترك التنصيص على نسبة الشر إلى الله تعالى، كقوله: ﴿بيدك الخير﴾ (٣) ولم يُرْدِفْه بقول: ﴿والشر﴾. ونحو قوله: ﴿والذي هو يطعمني ويسقين * وإذا مرضت فهو يشفين﴾ (٤) لم يقل ﴿وإذا أمرضني فهو يشفين﴾. ٦ - الأدب في المناظرة أن لا يفاجئ بالردّ كفاحاً، دون التقاضي بالمجاملة والمسامحة كقوله تعالى: ﴿وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين﴾ (٥). وقوله: ﴿قل إن افتريته فعليّ إجرامي﴾ (٦). ٧ - الأدب في إجراء الأمور على العادات في التسبّبات وتلقّي الأسباب منها، أخذاً من مساقات الترجيات العادية، كقوله تعالى: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاماً محمودا﴾ (٧) وقوله: ﴿لعلكم تتقون﴾ ﴿لعلكم تذكّرون﴾. ثم قال الشاطبي بعد إيرادها: "إن هذه الأمثلة، وما جرى مجراها، لم يُسْتَفد الحكم فيها من جهة وضع الألفاظ للمعاني، وإنما استفيد من جهة أخرى، هي جهة الاقتداء بالأفعال" (٨).

стр. 633

المبحث السادس تقرير الله تعالى ليس تقرير الله تعالى حجة، فإنه يملي للظالمين ويمهلهم إلى أجل لا ريب فيه، وقد يعفو ويغفر، فذلك حقه تعالى. وقال : ﴿ولو شاء الله ما فعلوه﴾ (١). وقد احتجّ الكفرة بتقرير الله لهم على ما كانوا عليه من الشرك والافتراء، فرد الله عليهم حجتهم، قال: ﴿سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرّمنا من شيء كذلك كذّب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علمٍ فتخرجوه لنا إن تتبعون إلاّ الظنّ وإن أنتم إلاّ تخرُصون﴾ (٢). ويتعيّن النظر في نوعين من تقريره تعالى، رأى بعض العلماء أنها حجة: الئوع الأول: تقريره لما يذكره في كتابه من القضايا. فكل قضيّة ذكرت في القرآن ولم ينبه الله تعالى على بطلانها فهي قضية حق. وكل فعل أو أمر أو نهي صدر عن أحد في القرآن فهو حق إلاّ إذا نبّه على بطلانه. والدليل لهذا النوع أمران: ١ - أنه باستقراء آيات الكتاب وجدت العادة أنه إذا حكى أمراً لا يرضاه أو ذكر شيئاً يوهم غير المراد، فإنه يشير إلى بطلانه، أو يأتي بما يدفع الوهم وينفي الاحتمال، ومثاله قوله تعالى: ﴿وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا﴾ -إلى قوله- ﴿ساء ما يحكمون﴾ (٣). وقوله: ﴿ففهّمناها سليمان وكلاً آتينا حُكماً وعلماً﴾ (٤) وقوله: ﴿إذا جاءك المنافقون قالوا

стр. 634

نشهد إنك لَرسول الله والله يعلم إنك لَرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون﴾ (١). ٢ - أن الله أنزل كتابه هداية وإرشاداً وتعليماً للناس، يبيّن لهم ما شرعه الله تعالى ويحكم على الأفعال البشرية، بما يريد الله تعالى أن يكون لهم شرعاً وديناً. وقد سمّى الله كتابه فرقاناً وهدىً وبرهاناً وبياناً وتبياناً لكل شيء. فلا يناسبه أن يذكر عن أحد من الناس ما هو باطل، ثم يسكت عن التنبيه على بطلانه، فإن ذلك يفهم منه رضاه به (٢). والمقرّر عليه في القرآن قسمان: الأول: ما كان شريعة سماوية لنبي سابق أو قولاً من أقواله أو فعلاً من أفعاله. ويدخل ذلك في مسألة شرائع من قبلنا هل هي شرع لنا؟ وهي مذكورة في كتب الأصول فلا نطيل بذكر الخلاف فيها. والذي رجحه البزدوي وغيره، أن ما كان شريعة لمن قبلنا، وثبت لنا بكتاب الله، أو ببيانٍ من رسول الله ﷺ ، يلزمنا العمل به على أنه شريعة لنا، ما لم يعلم عندنا نسخه في شريعتنا (٣). وإنما اشترط البزدوي أن يقص الله تعالى أو رسوله علينا ذلك من غير إنكار له، احتياطاً للدين، لما ثبت من تحريف أهل الكتاب (٤). وقد احتجّ بعض الفقهاء كثيراً بأشياء من هذا النوع، فمنها المهايأة (٥): احتجّوا لصحتها بما في قصة هود: ﴿ونبئهم أن الماء قسمة بينهم﴾ (٦). والمهايأة: تَقَاسُم منافع الشيء المشترك بحسب الزمان أو غيره، بأن يستعمله كل من الشريكين سنةً أو شهراً مثلاً.

стр. 635

واستدلّ المالكية والشافعية والحنابلة (١) على جواز الجعالة بقول يوسف: ﴿ولمن جاء به حِمل بعيرٍ وأنا به زعيم﴾ (٢). واستدلّ عبد الكريم زيدان (٣) بخروج موسى (خائف يترقب) على أخذ الداعي للحذر. واستدلّ البعض (٤) على إباحة صناعة التماثيل بما في قصة سليمان: ﴿يعملون له ما يشاء من محاريبَ وتماثيلَ وجِفانٍ كالجوابِ وقُدورٍ راسيات﴾ (٥). واستدلّ ابن عباس على السجود في سورة (ص) بفعل داود ﵇. واستدلّ غيره على جواز تولي العمل لدى الكفار، وعلى جواز طلب الوظائف الرئاسية، وإدلاء الطالب بما عنده من الصفات والخصائص والخبرات، بقول يوسف: ﴿اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم﴾ (٦). واستُدِلّ (٧) بقصة الخضر في خرق السفينة -والراجح أنه نبي- على جواز تعييب ملك الغير لأجل إنقاذه من السرقة أو التلف. ولا بدّ عند الاستدلال بمثل هذا من النظر في ما يعارضه، على الطريقة المعهودة في سائر الأدلة. وعليه فلا يتم الاستدلال بقتل الخضر غلاماً، وإلقاء يونس في البحر عند
следующие страницы →