له من الأجر ما كان يعمله وهو صحيح مقيم" (١). يصح الاستدلال به على إعطاء الموظّفين والعمّال مثل أجورهم إذا كان تعطّلهم لعذر صحيح.
ومن هذا النوع أيضاً ما ذكر الشاطبي (٢)، وهو عادة الله تعالى في إنزال القرآن، وخطاب الخلق به، ومعاملته بالرفق والحسنى، وأن استفادة ذلك راجع إلى الاقتداء بأفعاله تعالى، فعدّ الشاطبي من هذا عدم المؤاخذة قبل الإنذار، أخذه من قوله تعالى: ﴿وما كنّا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾ وعد من ذلك أيضاً ترك المؤاخذة بالذنب لأول مرة، والحلم عن تعجيل العذاب للمعاندين.
وكتدرجه تعالى في الأمر بالتكاليف الشاقة، والنهي عما ألفه الناس حتى صار كالطبع لهم.
ونحن نرى الأخذ من هذه الأنواع، مع الحذر والاحتياط، والتنبيه إلى أن الله ليس كمثله شيء، وأن ذلك يقتضي التمايز في الأفعال، فليس كل شيء يحسن منه تعالى هو حسناً منا. والله أعلم.
الأوجه الفعلية لقوله تعالى:
يصح استفادة الأحكام من الآداب البيانية القرآنية، على ما يذكره البلاغيون وقد ذكر الشاطبي لذلك أمثلة سبعة، نقتبسها باختصار تتميماً للفائدة.
١ - أن القرآن حين أتى بالنداء من الله للعباد، أتى بحرف النداء المقتضي للبعد، نحو قوله: ﴿يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾ (٣).
وحين أتى بالنداء من العباد لله، ترك حرف النداء، استشعاراً للقرب، فيحصل بالاقتداء بالتعبير القرآني تعلّم هذا الأدب.
٢ - أن نداء العبد لله جاء في القرآن بلفظ (الرب) في عامة الأمر، تنبيهاً
стр. 632
وتعليماً لأن يأتي العبد في دعائه بالاسم المقتضى للحال المدعوّ بها. ومثاله قوله تعالى: ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا﴾ (١) وقوله: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ (٢).
٣ - أتى بالكناية في الأمور التي يستحيا من التصريح بها، كقوله: ﴿من قبل أن تمسوهن﴾ ﴿فأتوهن﴾ ﴿كانا يأكلان الطعام﴾.
٤ - أتى بالالتفات الذي ينبىء في القرآن عن أدب الإقبال من الغيبة إلى الحضور إذا كان الحال يستدعي ذلك، نحو ﴿مالك يوم الدين * إياك نعبد﴾ ﴿عبس وتولى أن جاءه الأعمى * وما يدريك لعلّه يزَّكّى﴾.
٥ - الأدب في ترك التنصيص على نسبة الشر إلى الله تعالى، كقوله: ﴿بيدك الخير﴾ (٣) ولم يُرْدِفْه بقول: ﴿والشر﴾. ونحو قوله: ﴿والذي هو يطعمني ويسقين * وإذا مرضت فهو يشفين﴾ (٤) لم يقل ﴿وإذا أمرضني فهو يشفين﴾.
٦ - الأدب في المناظرة أن لا يفاجئ بالردّ كفاحاً، دون التقاضي بالمجاملة والمسامحة كقوله تعالى: ﴿وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين﴾ (٥). وقوله: ﴿قل إن افتريته فعليّ إجرامي﴾ (٦).
٧ - الأدب في إجراء الأمور على العادات في التسبّبات وتلقّي الأسباب منها، أخذاً من مساقات الترجيات العادية، كقوله تعالى: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاماً محمودا﴾ (٧) وقوله: ﴿لعلكم تتقون﴾ ﴿لعلكم تذكّرون﴾.
ثم قال الشاطبي بعد إيرادها: "إن هذه الأمثلة، وما جرى مجراها، لم يُسْتَفد الحكم فيها من جهة وضع الألفاظ للمعاني، وإنما استفيد من جهة أخرى، هي جهة الاقتداء بالأفعال" (٨).
стр. 633
المبحث السادس تقرير الله تعالى
ليس تقرير الله تعالى حجة، فإنه يملي للظالمين ويمهلهم إلى أجل لا ريب فيه، وقد يعفو ويغفر، فذلك حقه تعالى. وقال : ﴿ولو شاء الله ما فعلوه﴾ (١).
وقد احتجّ الكفرة بتقرير الله لهم على ما كانوا عليه من الشرك والافتراء، فرد الله عليهم حجتهم، قال: ﴿سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرّمنا من شيء كذلك كذّب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علمٍ فتخرجوه لنا إن تتبعون إلاّ الظنّ وإن أنتم إلاّ تخرُصون﴾ (٢).
ويتعيّن النظر في نوعين من تقريره تعالى، رأى بعض العلماء أنها حجة:
الئوع الأول: تقريره لما يذكره في كتابه من القضايا. فكل قضيّة ذكرت في القرآن ولم ينبه الله تعالى على بطلانها فهي قضية حق. وكل فعل أو أمر أو نهي صدر عن أحد في القرآن فهو حق إلاّ إذا نبّه على بطلانه.
والدليل لهذا النوع أمران:
١ - أنه باستقراء آيات الكتاب وجدت العادة أنه إذا حكى أمراً لا يرضاه أو ذكر شيئاً يوهم غير المراد، فإنه يشير إلى بطلانه، أو يأتي بما يدفع الوهم وينفي الاحتمال، ومثاله قوله تعالى: ﴿وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا﴾ -إلى قوله- ﴿ساء ما يحكمون﴾ (٣). وقوله: ﴿ففهّمناها سليمان وكلاً آتينا حُكماً وعلماً﴾ (٤) وقوله: ﴿إذا جاءك المنافقون قالوا
стр. 634
نشهد إنك لَرسول الله والله يعلم إنك لَرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون﴾ (١).
٢ - أن الله أنزل كتابه هداية وإرشاداً وتعليماً للناس، يبيّن لهم ما شرعه الله تعالى ويحكم على الأفعال البشرية، بما يريد الله تعالى أن يكون لهم شرعاً وديناً. وقد سمّى الله كتابه فرقاناً وهدىً وبرهاناً وبياناً وتبياناً لكل شيء. فلا يناسبه أن يذكر عن أحد من الناس ما هو باطل، ثم يسكت عن التنبيه على بطلانه، فإن ذلك يفهم منه رضاه به (٢).
والمقرّر عليه في القرآن قسمان:
الأول: ما كان شريعة سماوية لنبي سابق أو قولاً من أقواله أو فعلاً من أفعاله. ويدخل ذلك في مسألة شرائع من قبلنا هل هي شرع لنا؟ وهي مذكورة في كتب الأصول فلا نطيل بذكر الخلاف فيها. والذي رجحه البزدوي وغيره، أن ما كان شريعة لمن قبلنا، وثبت لنا بكتاب الله، أو ببيانٍ من رسول الله ﷺ ، يلزمنا العمل به على أنه شريعة لنا، ما لم يعلم عندنا نسخه في شريعتنا (٣). وإنما اشترط البزدوي أن يقص الله تعالى أو رسوله علينا ذلك من غير إنكار له، احتياطاً للدين، لما ثبت من تحريف أهل الكتاب (٤).
وقد احتجّ بعض الفقهاء كثيراً بأشياء من هذا النوع، فمنها المهايأة (٥): احتجّوا لصحتها بما في قصة هود: ﴿ونبئهم أن الماء قسمة بينهم﴾ (٦). والمهايأة: تَقَاسُم منافع الشيء المشترك بحسب الزمان أو غيره، بأن يستعمله كل من الشريكين سنةً أو شهراً مثلاً.
стр. 635
واستدلّ المالكية والشافعية والحنابلة (١) على جواز الجعالة بقول يوسف: ﴿ولمن جاء به حِمل بعيرٍ وأنا به زعيم﴾ (٢).
واستدلّ عبد الكريم زيدان (٣) بخروج موسى (خائف يترقب) على أخذ الداعي للحذر.
واستدلّ البعض (٤) على إباحة صناعة التماثيل بما في قصة سليمان: ﴿يعملون له ما يشاء من محاريبَ وتماثيلَ وجِفانٍ كالجوابِ وقُدورٍ راسيات﴾ (٥).
واستدلّ ابن عباس على السجود في سورة (ص) بفعل داود ﵇.
واستدلّ غيره على جواز تولي العمل لدى الكفار، وعلى جواز طلب الوظائف الرئاسية، وإدلاء الطالب بما عنده من الصفات والخصائص والخبرات، بقول يوسف: ﴿اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم﴾ (٦).
واستُدِلّ (٧) بقصة الخضر في خرق السفينة -والراجح أنه نبي- على جواز تعييب ملك الغير لأجل إنقاذه من السرقة أو التلف.
ولا بدّ عند الاستدلال بمثل هذا من النظر في ما يعارضه، على الطريقة المعهودة في سائر الأدلة.
وعليه فلا يتم الاستدلال بقتل الخضر غلاماً، وإلقاء يونس في البحر عند
стр. 636
خوف غرق السفينة، على فعل مثل ذلك، ولا على جواز صناعة التماثيل، لتحريمها في شريعتنا بالسنة النبوية.
الثاني: أن يكون المقَرّ عليه ليس شريعة سماوية، ولا قولاً أو فعلاً لنبيّ. وسواء أكان المذكور خبره مؤمناً كذي القرنين ونحوه، أو لم يكن مؤمناً.
والإقرار على هذا النوع أضعف من الإقرار على سابقه، لأن الأول لما كان في الأصل شريعة لنبي، وكان لدينا من الأدلة أمره تعالى لنبينا بالاقتداء بهدي من قبله من الأنبياء، كان ذلك دليلاً خاصاً لحجيته، أما إن لم يكن نبياً فليس لدينا من الأدلة على حجيته إلاّ ذكره في القرآن من غير إنكار.
والذي نقوله إنه حجة ما لم يعارضه ما هو أصرح منه.
وله أمثلة كثيرة ونذكر منها:
١ - قول الذين غلبوا على جماعة أصحاب الكهف: ﴿لنتخذنّ عليهم مسجداً﴾ (١). وقد جاء في حقّ من فعل مثل ذلك الحديث: "أولئك قوم إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، وصوّروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله" (٢).
٢ - قصة مؤمن آل فرعون، وفيها: ﴿يكتم إيمانه﴾ (٣) يستدَلّ بها على جواز الكتمان عند الخوف على النفس، وأفضلية الإعلان بالدعوة والصدع بها، وخاصة حيث يخشى عليها عند الكتمان من التحريف أو الضياع. يؤخذ هذا من تنويه الله بشأن هذا المؤمن وتخليده، ما قاله بعد الإعلان.
٣ - قصة سليمان، وقول ملكة سبأ: ﴿إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزّة أهلها أذلّة﴾ (٤).
٤ - قصة شاهد يوسف حين قال: ﴿إن كان قميصه قُدَّ من قُبُلٍ
стр. 637
فصدقت ... ﴾ (١) الآيات يستدل بها على العمل بالقرائن.
٥ - قول أصحاب النار لما قيل لهم: ﴿ما سلككم في سقر * قالوا لم نَكُ من المصلين * ولم نَكُ نطعم المسكين * وكنا نخوض مع الخائضين﴾ (٢).
استدل به الأصوليون على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة.
النوع الثاني: تقريره تعالى لما كان الصحابة يفعلونه في عصر نزول الوحي وليس المراد كل ما يفعلونه حتى المعاصي التي ربما كان بعضهم يفعلها ويستخفي بها، وإنما المراد ما كانوا يفعلونه على أنه مما يأمر به الشرع أو يجيزه.
لقد ذكر هذا النوع ابن تيمية والتزم أنه حجة، وذلك في ما نقلناه عنه قريباً. يقول: "الأصل قول الله، وفعله، وتركه القول وتركه الفعل، وقول رسوله، وفعله، وتركه القول والفعل" قال هذا تثبيتاً لما ذكره عن أبي سعيد الخدري في شأن العزل إنه قال: "كنا نعزل والقرآن ينزل، لو كان شيئاً يُنهى عنه لنهى عنه القرآن". ثمّ قال ابن تيمية: "فهذا لا يحتاج إلى أن يبلغ النبيّ ﷺ ، لكن هذا المأخذ قد ذكره أبو سعيد ولم أر الأصوليين تعرضوا له" (٣).
رأينا في هذا الأصل:
تحقيقاً للمسألة نبيّن أن هذه اللفظة التي نسبت إلى أبي سعيد، وهي: "لو كان شيئاً يُنهى عنه لنهانا عنه القرآن" وردت في كلام بعض الفقهاء والأصوليين منسوبة إلى أبي سعيد الخدري، وإلى جابر بن عبد الله ﵄. أما رواية أبي سعيد في العزل فليس فيها هذه الجملة أصلاً في مجموع الروايات التي ذكرت في (جامع الأصول) وأنما الذي فيها: "أنهم سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: لا عليكم أن لا تفعلوا، فإنما هو القدر" (٤). ولم ترد في (كنز العمال) أيضاً. فالظاهر أنها لا أصل لها.
стр. 638
وأما رواية جابر، فقد رواها مسلم. قال: "حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم، قال إسحاق أخبرنا، وقال أبو بكر حدثنا، سفيان، عن عمرو، عن عطاء، عن جابر، قال: كنا نعزل والقرآن ينزل. زاد إسحاق قال سفيان: لو كان شيئاً يُنهى عنه لنهانا عنه القرآن". اهـ. رواية مسلم.
أقول: الظاهر في هذه الرواية أن هذه الجملة الأخيرة ليست من كلام جابر، بل هي من كلام سفيان. ويحتمل أن تكون من كلام جابر. ولكن قد أخرجه مسلم والبخاري أيضاً وغيرهما من روايات أخرى فلم يذكروها في كلام جابر. وإنما الذي فيه في بعض الروايات عند مسلم: "فبلغ ذلك النبي ﷺ فلم ينهنا".
فكلا الصحابيّين ذكرا أن هذا بلغ النبي ﷺ . ولم ينه عن ذلك، وليس في كلامهما الاحتجاج بتقرير الله تعالى، بل الاحتجاج بتقرير رسول الله ﷺ . ولعلّ الذي غرّ بعض أهل العلم، ما صنعه صاحب (العمدة) إذ اختصر حديث مسلم، وأدرج كلمة سفيان في الحديث (١)، ولم يكن له أن يفعله. وغفل ابن دقيق العيد فلم يشر إلى ذلك. وشرح الحديث على حاله، فقال: "استدلال جابر بتقرير الله تعالى غريب، وكان يحتمل أن يكون الاستدلال بتقرير الرسول. لكنه مشروط بعلمه بذلك، ولفظ الحديث لا يقتضي إلاّ الاستدلال بتقرير الله تعالى". اهـ.
ومن هنا كان الصواب في المسألة، أن تقرير الله في زمن الوحي يكون حجة بشرط أن يبلغ الفعل النبي ﷺ ، ولا يحتجّ بذلك على ما لم يبلغه. وكلام الشوكاني في ذلك محرر جيد، وذلك حيث يقول في نيل الأوطار، في شرح هذا الحديث: "فيه جواز الاستدلال بالتقرير من الله ورسوله على حكم من الأحكام، لأنه لو كان ذلك الشيء حراماً لم يقررا عليه، لكن بشرط أن يعلمه النبي ﷺ " (٢).
وبهذا يتبيّن ما في كلام ابن تيمية ﵀، السابق ذكره، من المؤاخذة. ويتبيّن أيضاً أن إعراض الأصوليين عن هذا النوع إنما هو لعدم استقلاله بالاحتجاج. والله أعلم.
стр. 639
المبحث السابع أفعال أهل الإجماع
قال صاحب مسلم الثبوت وشارحه: مسألة: لو اتّفق أهل الإجماع على فعل، بأن عمل الكلّ فعلاً، ولا قول هناك، فالمختار أنه كفعل الرسول ﷺ ، لأن العصمة ثابتة لإجماعهم، لعموم الدلائل التي مرّت، كثبوتها له ﷺ .
وإذا كان كفعله فتأتي المذاهب المذكورة سابقاً، أي في فعله ﷺ . قال: والإمام -لعله يعني الجويني- يحمل على الإباحة إلاّ بقرينة وهو الأظهر. وابن السمعاني قال: كل فعل لم يخرج مخرج الحكم والبيان لا ينعقد به الإجماع.
ومن اشترط الانقراض لعصر المجمعين في الإجماع القولي فالفعل أولى بالاشتراط، لقوة احتمال الرجوع فيه (١).
стр. 640
الباب الثالث التعارض والترجيح
- مقدمة في الاختلاف بين الأدلة.
١ - التعارض بين الفعل والفعل.
٢ - تعارض الأفعال والأقوال.
٣ - تعارض الفعل والأدلة الأخرى.
٤ - اختلاف التقرير والقول، واختلاف التقرير والفعل.
- ملحق: الصور التفصيلية لاختلاف القول والفعل.
(قطعة من رسالة الحافظ العلائي).
стр. 641
مقدمة في الاختلاف بين الأدلة
إذا نظر المجتهد في المسألة، وعرف الأدلة الشرعية الواردة فيها، فقد تكون تلك الأدلة متفقة في الدلالة على الحكم فيقوّي بعضها بعضاً، ويتأكد حكم المسألة بذلك.
وإن كانت الأدلّة مختلفة، ينفي بعضها ما أثبته البعض الآخر، فإن كان بعضها قطعيّ الثبوت والدلالة، والآخر ظنّيّ الثبوت، أو ظنّي الدلالة أو ظنيهما، قدّم القطعيّ على الظنيّ، إذ إن الظن ينتفي بمخالفة أمر قاطع. ومثاله أن يخبرك مخبر أن فلاناً غائب عن البلد، ثم تنظر فترى ذلك الشخص بعينه أمامك، فإن خبر المخبر يتبيّن خطؤه، بثبوت نقيض مدّعاه قطعاً، فينتفي ظن غيبته أصلاً (١) وقد ردّت عائشة ﵂ حديث عمر وحديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "إن الميت يعذَّب ببكاء أهله عليه" (٢). ردّته بقول الله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾.
وأما أن يكون دليلان قاطعان ينفي أحدهما عين ما يثبته الآخر، فذلك بالنظر إلى الحقيقة والواقع أمر مستحيل. لأن الشريعة من عند الله، فلا تناقض فيها، إلاّ بأن يكون أحد الدليلين ناسخاً للآخر.
وأما تعارض ظني مع ظني فهذا أمر ممكن، وواقع.
стр. 642
والتعارض -المصطلح عليه- بين الدليلين، هو تقابلهما على وجه يمنع كل منهما مقتضى صاحبه (١).
العمل عند اختلاف الأدلة:
إذا اختلف مقتضى الأدلة في المسألة الواحدة عند المجتهد، على وجه يوهم التعارض، وكان كل منهما صحيحاً، فإنه يتخذ الخطوات التالية، بالترتيب، فلا يتعجل شيئاً منها قبل مكانه.
١ - الجمع بين الدليلين
٢ - اعتقاد النسخ
٣ - الترجيح بينهما
٤ - التوقف أو التخير، أو التساقط
الخطوة الأولى: الجمع بين الدليلين:
هو أولى من غيره لأن فيه العمل بالدليلين جميعاً. أما الخطوات التي بعد هذه ففيها إلغاء أحد الدليلين على الأقل، والإلغاء إبطال، فلا يجوز إبطال الدليل، إن أمكن إعماله. والجمع بين الدليلين يكون بفهم كل واحد منهما على وجه غير ما يفهم عليه الآخر بحيث يزول التعارض بين مدلوليهما.
ووجوه الجمع كثيرة.
فمن ذلك الجمع بين النصين بحمل المطلق على المقيد. وحمل العام على الخاص.
ومنه حمل أحدهما على الحقيقة والآخر على المجاز.
ومن طرق الجمع بين الدليلين المتعارضين حملهما على حالين، أو زمانين، أو مكانين. فمثال حملهما على حالين حديث أن النبي ﷺ استأذنه رجل في القبلة في رمضان فأذن له، واستأذنه آخر فلم يأذن له. قال الصحابي راوي الحديث: فنظرنا فإذا الذي أذن له شيخ والذي نهاه شاب. ولم يحملوه على النسخ ولا احتاجوا إلى ترجيح.
стр. 643
ومثال حمله على زمانين، أو مكانين، ما إذا نهى بعض المسلمين عن القتال وأذن لغيرهم، فكان النهي في شهر حرام، والإذن في غير شهر حرام، أو النهي في الحرم والأذن في الحلّ.
ومن طرق الجمع التخصيص، فإن كان أحد الدليلين أخصّ من الآخر مطلقاً قُدّم حكم الأخص في منطقة خصوصه، وبقي حكم العموم في بقية أفراد العامّ، كما يذكر ذلك في أبواب العموم والخصوص، من كتب الأصول.
الخطوة الثانية: النسخ:
لا يجوز المصير إلى النسخ إلا أن يعرف المتأخر من الدليلين بحجة صحيحة إذ لا يجوز أن يعتبر أحد الدليلين ناسخاً للآخر بمجرد الرأي، لاحتمال أن يكون العكس هو الصحيح.
ومن شروط النسخ أيضاً أن السنة الآحادية لا تنسخ القرآن عند جمهور العلماء. وقيل أيضاً: السنة المتواترة كذلك لا تنسخه.
وكذلك المتواتر من الحديث لا ينسخ بحديث الآحاد.
الخطوة الثالثة: الترجيح بين الدليلين:
والترجيح يكون من جهات مختلفة، يجمع بينها أن جهة الترجيح قوة في أحد الدليلين المتعارضين يتميّز بها عن الآخر، فيكون ظنّ دلالته على المطلوب أقوى من دلالة الآخر، فيعمل بالراجح، ويطرح الآخر فيهمل. وهذه الجهات مختلفة. منها:
١ - الثبوت: لأن رجحان أحد الدليلين من حيث الثبوت، يقوّي الظن بأن الآخر مكذوب، أو موهوم.
ومن هذه الجهة -جهة الثبوت- يقدّم المتواتر على الآحاد، ويرجّح الأكثر رواة على الأقل، ويرجّح ما سلم سنده على ما فيه اضطراب، وترجّح رواية
стр. 644
الأضبط والأوثق على رواية من هو أقل منه ضبطاً أو ثقة. ويرجّح ما له شواهد، على ما لا يشهد له في الشرع شيء.
٢ - ومنها: جهة جنس الدليل: وهي أن يكون جنس أحد الدليلين أقوى من جنس الدليل الآخر. فيقدّم القرآن على السنة والقياس. وتقدم السنن على الأقيسة. وأما الإجماع فقد قدّمه البعض على القرآن والسنة من جهة أنه لا يقبل النسخ. ورفض ذلك ابن تيمية (١) ومنكرو الإجماع كالشوكاني (٢).
٣ - ومنها: جهة الوضوح والصراحة: فيقدم القياس الجليّ على الخفيّ، ويقدم النصّ على الظاهر والمؤوّل، والحقيقة على المجاز. ويقدم ما ذُكرت علّته على ما لم تذكر علته، لأن ما ذكرت علته أوضح. ويقدم المنطوق على الإشارة والمفهوم.
٤ - ومنها: جهة تأكد المدلول ولزومه للمكلّف: فيقدم النهي على الأمر، لقول النبي ﷺ : "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم" (٣). ومثاله تقديم حديث النهي عن الصلاة بعد العصر، على الأمر بالصلاة عند دخول المسجد قبل الجلوس فيه، في حق من دخل بعد العصر. ويقدّم ما كان أقرب إلى الاحتياط.
والمرجحات كثيرة، إذ كل إمارة ثانويّة قد يرجّح بها إذا انقدح لدى المجتهد تغليبها لأحد الدليلين، على وجه صحيح مطابق للطرق الشرعية، والأصول المعتبرة.
الخطوة الرابعة: التوقف أو التخيير:
إذا عجز المجتهد عن الترجيح بوجه من الوجوه، فقد قيل: إنه يتوقف عن العمل بكلٍّ منهما. وقيل: يخيّر، فيفعل أي الوجهين شاء، لأن معه دليلاً على كلتا
стр. 645
الصورتين. وقيل: إن ذلك يدل على بطلان الدليلين، فيتساقطان، ويرجع المجتهد كمن ليس عنده دليل. والله أعلم.
التعارض في الأفعال: إن الدليل الفعليّ إما أن يعارضه دليل فعليّ آخر، أو دليل قوليّ، أو غير ذلك من الأدلة. فنعقد لكل من هذه الأحوال الثلاثة فصلاً.
ونتبعها بفصل في تعارض التقرير وغيره. والله المسؤول أن يسدّد القول. ويعيّن على التمام.
стр. 646
الفصل الأوّل التعارض بين الفعل والفعل (ويدخل فيه التعارض بين الفعل والترك)
إذا ورد عن النبي ﷺ فعلان مختلفان بأن يفعل الشيء مرة ويتركه أو يفعل ضده، كأن يصوم يوم اثنين ويفطر في يوم اثنين آخر أو يقوم عند رؤية جنازة، ثم يقعد عند رؤية جنازة أخرى، فما موقف المجتهد إزاء ذلك؟.
إن أمام المجتهد طريقين في هذه المسألة، وقد ذهب إلى كل منهما بعض الأصوليين:
الأول: أن يقال: إن ورودهما جميعاً ليس من التعارض في شيء. فينبني عليه أن كلاً من الفعلين جائز، فيتخيّر بينهما. ووجه أن الفعل يدل على الجواز، فلا تعارض.
والثاني: أن يقال إنهما يتعارضان إذا لم يمكن الجمع بينهما، فإن علم التاريخ فإن الفعل الثاني منهما يكون ناسخاً للأول. وإن لم يعلم يرجح بينهما، وإلا تساقطا. أو يتخيّر المجتهد بينهما أو يتوقف، على ما تقدم في التعارض.
ويستدل لهذا القول بما ورد في حديث ابن عباس: "إنهم -يعني صحابة النبي ﷺ - كانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمره ﷺ " (١).
مذاهب الأصوليين في ذلك:
١ - ذهب القاضي الباقلاني إلى القول الأول. فرأى أن الفعلين لا يتعارضان، وأن التعارض فيهما محال. يقول في كتابه التقريب: "دخول التعارض
стр. 647
في الفعلين محال، لأنه إن وقعا من شخصين، أو من شخص واحد في وقتين، أو على وجهين مختلفين، لم يكن بينهما تعارض، لأن الفعل يكون من أحد الفاعلين قربة، ويكون من الآخر معصية، ويكون من الشخص الواحد في وقت قربة، وفي وقت آخر حراماً" (١). اهـ.
وممن قال بامتناع التعارض بين الفعلين أبو الحسين البصري والقشيري، والغزالي في المستصفى، وابن الهمّام وغيرهم (٢). والظاهر من كلام الجويني في البرهان إنه يميل إلى هذا القول. وقال العلائي: "هذا القول هو الذي أطبق عليه جمهور أئمة الأصول".
٢ - وذهب جمع آخر من العلماء إلى القول الثاني:
ونسبه الجويني في البرهان إلى "كثير من العلماء" قال: "وللشافعي صغو إلى ذلك" (٣) يشير إلى مسلك الشافعي في اختلاف الروايات عن النبي ﷺ في صفة صلاة الخوف. وسوف نستعرض ما قاله ﵁ في موضع آخر من هذا الفصل. وقال به أبو إسحاق الشيرازي (٤) ونسب الشوكاني هذا القول إلى ابن رشد. ونسبه المازري (٥) إلى الجمهور. ولعلّه يعني جمهور الفقهاء، لا جمهور الأصوليين. فإن هذا المسلك أغلب على كلام الفقهاء، كما يأتي.
ووجه هذا القول، أن الأفعال لما كانت دالّة على الأحكام، كالأقوال، فإذا دلّ الفعل الأول على الوجوب مثلاً، ثم كان منه ﷺ الترك، فإنه يدل على نسخ الوجوب. وكذا لو ترك على صفة يعلم منها التحريم، ثم فعل، فإنه يدل على نسخ التحريم.
стр. 648
تحرير محل النزاع:
١ - لا نزاع في أن الفعلين لا يتعارضان بالنظر إلى حقيقتهما، لأن كل فعل منهما يقع في زمان خاص، وشرط التعارض التساوي في الزمن بين المتضادين، فإذا فعل في وقت ثم ترك في وقت آخر، لم يكن ذلك تعارضاً.
وكما أن الذوات لا تتعارض، فكذلك الأفعال، لأنها أكوان وجودية. ويقول أبو الحسين البصري: "الأفعال إنما تتنافى إذا كانت متضادة، وكان محلها واحداً ووقتها واحداً. ويستحيل أن يوجد الفعل وضده في وقت واحد، في محل واحد، فإذن يستحيل وجود أفعال متعارضة. أما الفعلان الضدّان في وقتين فليسا متعارضين بأنفسهما" (١).
٢ - ولا نزاع أيضاً في أن الفعل إن كان بياناً لمجمل، أنه يحلّ محلّ القول. فإذا فعل بعد ذلك ما يعارضه، يحتمل أن يكون الفعل الثاني ناسخاً للأول، وذلك إن لم يكن الجمع بينهما.
ويقول الشوكاني: "إن وقعت الأفعال بيانات للأقوال فقد تتعارض في الصورة، ولكن التعارض في الحقيقة راجع إلى المبيّنات من الأقوال، لا إلى بيانها من الأفعال، وذلك كقوله ﷺ : "صلّوا كما رأيتموني أصلي" فإن آخر الفعلين ينسخ الأول كآخر القولين" (٢). اهـ.
ومما يمكن التمثيل به للأفعال البيانية المتعارضية صور صلاة الخوف. فقد وردت روايات تقتضي أن النبي ﷺ صلاها على أربع وعشرين صفة، يثبت منها بحسب علم الاصطلاح ستة عشرة صفة (٣). وقد مال الشافعي إلى الأخذ بالمتأخر منها، وهذا يحمل على معنى نسخ المتقدم منها بالمتأخر. ووجهه أن فعله ﷺ في صلاة الخوف بيان لما في القرآن.
٣ - ولا نزاع أيضاً أن الفعل إذا دلّ دليل خاص على أن المراد دوامه وتكراره
стр. 649
في المستقبل في حقه ﷺ ، ودلّ دليل خاص على أن المراد تأسي الأمة به في ذلك الفعل، أنه يجري فيه التعارض أيضاً لتنزّله منزلة القول. ويقول الباقلاني: "لا يمتنع أن يُستدَلّ بفعله ﷺ على نسخ حكم ثبت، وهو أن يعلم بدليلٍ أن ما وقع من فعله ﷺ المراد دوام فعله، فيحل ذلك محل القول الذي يقتضي دوام التعبّد بالفعل في المستقبل. فكما يصحّ دخول النسخ في حكم قولٍ هذه حاله، فكذلك يصح نسخ حكم فعل حلّ محله" (١).
ويعلم أن المراد دوام الفعل وتكرره في المستقبل إذا علم ارتباطه بسبب متكررٍ (٢)، كصوم الاثنين مثلاً، وصلاة الضحى.
٤ - وواضح أيضاً أنه ليس من قبيل تعارض الفعلين اختلاف النقلة في الفعل الواحد إذا نقلوه على وجهين فأكثر. فإن هذا خارج عن مسألتنا، بل هو من قبيل التعارض في الرواية، فيجري الترجيح بين الرواة بالثقة والضبط، وغيرها، أو بالترجيح بين الصور المرويّة أنفسها.
ومثاله صلاة الخسوف، فإن مسلماً روى فيها، في كل ركعة ثلاثة ركوعات، ورُوي كذلك في كل ركعة أربعة ركوعات. وقال ابن تيمية:
"هذا ضعّفه حذّاق أهل العلم، وقالوا: إن النبي ﷺ لم يصلّ الكسوف إلاّ مرة، يوم مات ابنه ابراهيم، وقد تواتر أنه إنما ركع ركوعين" (٣). اهـ.
وقد عقد الغزالي في المنخول (٤) لاختلاف النقلة في الفعل الواحد مسألة. ونقل فيها عن الشافعي أنه يُتلقّى من نقلهم للصورتين جواز الآمرين. واختار الغزالي أن ذلك من تعارض النقلة، فيجري الترجيح، ولا يدلّ اختلافهم على جواز الأمرين. وبيّن أن ما نقل عن الشافعي إنما قاله في صلاة الخوف وكان ذلك منه ترجيحاً لإحدى الروايتين لقربها من أبّهة الصلاة.
стр. 650
٥ - ولا نزاع أيضاً أن ما كان من الأفعال لا دلالة له على الأحكام أصلاً، فإنه لا يقع فيه التعارض كالأفعال الجبليّة الاضطرارية، كالتنفس، وأصل الأكل والشرب. وكذلك الأفعال التي ثبت اختصاصه بها ﷺ ، لا تتعارض في حقنا، وقد تتعارض في حقه ﷺ .
فالذي فيه اختلاف ونزاع، إنما هو الأفعال المجرّدة المطلقة، وهي التي سبق أن عقدنا لها فصلاً في الباب الأول.
وقد حكى أبو نصر القشيري عن الباقلاني، تحديدَ ما فيه الخلاف، فقال: "أما الأفعال المطلقة، التي لم تقع موقع البيان من الرسول، وهي التي يتوقف فيها الواقفية، فلا يتحقق فيها تعارض، فإن الأفعال لا صيغ لها" (١). اهـ.
فهذا موضع النزاع.
وقد بيّن المازَري موضع النزاع، وذكر ما يجري فيه الخلاف، وذلك حيث يقول:
"إن قدّرنا تعدّي حكمه ﷺ إلينا، صار من ناحية تعدّي الحكم إلينا، إما وجوباً أو ندباً، على الخلاف في ذلك، يتصوّر فيه التعارض، وينزل الفعل منزلة القول المشتمل على المعاني. فإذا نقل عنه ﷺ فعلان متعارضان، ولم يتصوّر فيهما طَرْقُ التأويل (يعني الجمع) فإن أحدهما يكون ناسخاً للآخر، فيُتَطَلّب التاريخ، حتى يعلم الآخِر، فيكون هو الناسخ. هذا مذهب الجمهور. ورأى القاضي (الباقلاني) أن النسخ هنا لم تدْعُ ضرورة إليه، كما دعت في الأقوال. لأن الفعل مقصور على فاعله ولا يتعداه. وليس كالصيغ المشتملة على معان متضادة. فإذا وجدنا فعلين متعارضين، حملناهما على التجويز والإباحة، وقلنا: القصد بيان جواز كل واحد من الفعلين" (٢).
стр. 651
قال: "وهذا الذي قاله القاضي فيه نظر عندي، إلاّ على رأي الذاهبين إلى أن فعله ﷺ يقتضي الإباحة. وليس القاضي من القائلين بذلك، بل مذهبه الوقف". اهـ.
وقال العلائي في مفتتح كلامه في مسألة تعارض الفعلين: "اعلم أن الكلام في ذلك مبني على مسألة فعله ﷺ ماذا يدل عليه في حق الأمة، والكلام في تلك المسألة مشهور طويل".
قولنا في المسألة:
لقد نقلت كلام المازري بتمامه لأني رأيته حدّد سبب الخلاف، وركّز عليه الضوء، فإن من قال بأن الفعل المجرّد يدل على الوجوب في حقنا، فإن الفعل يكون عنده شبيهاً بالقول، ولا حاجة إلى ورود دليل خاص يدل على التكرار في حقّه ﷺ ولا على وجوب التأسّي.
وأيضاً على قول المساواة، يتصوّر استفادة الوجوب في حقنا إن علمنا أنه ﷺ فعل الفعل على سبيل الوجوب.
أما على قول الاستحباب، فيحتمل القول بالتعارض، لأن الاستحباب حكم شرعي يتصوّر نسخه، بأن نعلم أنه ﷺ ترك ذلك الفعل على سبيل استباحة الترك، فيدلّ ذلك على زوال الاستحباب السابق. ويحتمل أن يقال: الترك للمستحب لا حرج فيه، فلا يدل على عدم الاستحباب.
أما على القول بأن الفعل المجرّد لا يدلّ على أكثر من الإباحة فيتأتى القول بالتخيير بين الفعلين، وعدم التعارض بينهما.
وأما ما استشكله المازَري من قول الباقلاني بالوقف في الأفعال المجرّدة، وقوله هنا باستفادة جواز الأمرين، فلم نر لفظ الباقلاني بحروفه لنعلم هل صرح بدلالته على الجواز في حقنا، فإن قال بذلك تناقض. ولعله إنما قال بالجواز في حقه ﷺ خاصة. أما الغزالي، من القائلين بالوقف، فقد صرّح بامتناع
стр. 652
التعارض بين الفعلين، ولكن ذكر أنه لا يستفاد من كلا الفعلين حكم بالنسبة إلينا.
فالحاصل إننا لا نذهب إلى أيٍّ من القولين بكماله، بل نذهب إلى التفصيل. فبناء على ما تقدم اختياره من قول المساواة في الفعل المجرّد، وأن الفعل المجرّد قد يدل على الوجوب أو الاستحباب نقول: إن الذي نختاره عند اختلاف الفعلين ما يلي، ولم نجد أحداً فضله كما نذكر هنا، وبالله التوفيق:
أولاً: إن كان الفعل بياناً أو امتثالًا لدالٍّ على الوجوب فعارضه فعل آخر، ولم يمكن الجمع بينهما، يعدّ الثاني ناسخاً للأول في حق الجميع (١) إن علم التاريخ، وإلاّ صير إلى الترجيح بينهما.
ثانياً: وكذلك في الفعل المجرّد، إن قامت قرينة على أن الفعل الأول يدل على الوجوب في حقنا.
ثالثاً: فإن حكمنا على الفعل الأول أنه للاستحباب، فالظاهر أن الترك له لا يعارض فعله ولا يبطل حكمه، ما لم يعلم أن الترك كان على سبيل ترك المباح، أو يتبين أنه ﷺ أراد إحداث طريقة جديدة في المسألة غير ما كان عليه أولاً.
رابعاً: فإن لم يكن كذلك، وحكمنا بأن الفعل الأول دالّ على الإباحة، فإن الفعل الثاني لا يعارضه، بل يتخيّر بينهما، ما لم يعلم بقرينة أن الفعل الثاني وقع على سبيل الوجوب أو الاستحباب فيعمل به وتترك دلالة الأول.
فالأمر في هذه المسألة، كما ترى، مبني على حكمنا على الفعل ماذا يدل عليه لو لم يعارضه الفعل الآخر، وعلى حكمنا على الفعل الثاني ماذا يدل عليه لو لم يعارض الفعل الأول، فإذا علم ذلك، جرى بينهما القانون السابق بيانه.
ونحن نضرب أمثلة يتبيّن منها المقصود.
стр. 653
المثال الأول: مسألة سجود السهو أهو قبل السلام أم بعده؟ (١).
فيه حديث عبد الله بن بُحَيْنَة: ومعناه أن رسول الله ﷺ نسي التشهد فسجد قبل السلام (٢).
وروي عن الزهري: آخر الأمرين من النبي ﷺ السجود قبل السلام.
وحديث عبد الله بن مسعود: ومعناه أنه ﷺ صلى خمساً فسجد بعدما سلم (٣).
وحديث ذي اليدين وفيه: أنه ﷺ سجد بعد السلام.
مذهب الشافعي أن سجود السهو كله قبل السلام.
ومدهب أبي حنيفة: سجود السهو كله بعد السلام، ويجوز قبل السلام.
ومذهب مالك: ما كان من نقصٍ فقبل السلام. وما كان من زيادة فبعد السلام.
ومذهب أحمد: السجود كله قبل السلام، إلا أن يكون ورد في مثله عن السلام.
قول الشافعي مبني على قاعدة التعارض، وإن المتأخر ناسخ للمتقدم. والمتأخر هو السجود قبل السلام، بدلالة قول الزهري.
وقول الحنفية مبني على أحاديث قولية في صحتها نظر.
وقول مالك ذهب فيه مذهب الجمع بين الفعلين.
وكذلك مذهب أحمد، أما جعله الأصل السجود قبل السلام، فمن جهة الترجيح، فإنه رجح بكون السجود من شأن الصلاة وإنه تتميم لها، فكأنه جزء من أجزائها.
стр. 654
ولم ينقل ابن حجر، على كثرة ما نقل من كلام العلماء وخلافهم، قولاً بالتخيير، إلاّ عن البيهقي.
فظاهر من هذا أن بعض هؤلاء الفقهاء ذهبوا إلى الطريقة الثانية في الأفعال المجردة المختلفة، وهي طريقة التعارض، ويجوز أن يحمل مسلكهم هذا على أن سجود السهو فعل بياني، فيتأتى فيه التعارض على كلا المذهبين الأصوليين في المسألة.
المثال الثاني: القيام للجنازة (١):
فيه حديث علي: "قام رسول الله ﷺ للجنازة، ثم قعد" (٢).
الظاهر أن قيامه أولاً للاستحباب، لمخالفته العادة، ولتعبير الصحابي بلام التعليل. وفيه احتمال أنه قام لسبب.
ليس هذا الفعل بيانيّاً، ولا دلّ على قصد الدوام عليه في المستقبل دليل.
وقد ذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة إلى أن استحباب القيام منسوخ بفعله ﷺ . ووجه النسخ أنهما متعارضان، ويرجع إلى ما قلناه في قسم المستحب من أنه ﷺ قد يقصد أن يكون الترك مزيلاً لحكم السنة السابقة. ويتأيّد بفعلِ عليٍّ، إذ أمر الذين قاموا للجنازة أن يقعدوا، وذكر هذا الحديث.
وذهب أحمد إلى أن فعله ﷺ لبيان الجواز، قال: إن قام لم أعِبْهُ، وإن جلس فلا بأس. وهذا أقرب إلى طريقة الأصوليين.
ونحن إنما نتعرّض للمسألة الفرعيّة من حيث التمثيل بها للمسألة الأصولية. ونحيل بباقي الكلام فيها إلى كتب الفروع، وشروح الأحاديث. والله أعلم.
المثال الثالث: حديث الصحيحين أن النبي ﷺ : "كان يعزل لأهله نفقة سنتهم من أموال بني النضير" (٣).
стр. 655
مع حديث الترمذي: "أنه ﷺ كان لا يدّخر شيئاً لغد" (١).
هذا من التعارض في النقل. ويقدّم حديث الصحيحين، ويسقط حديث الترمذي، لأن المثبِتَ مقدّم على النافي، ولأن حديث الصحيحين أقوى.
تنبيه: الحديث الذي احتجّ به القائلون بالتعارض، وهو ما قال ابن عباس: "يؤخذ بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله ﷺ ليس نصّاً في أنه يجب المصير إلى الفعل الثاني في جميع فروع المسألة، واعتبار الأول منسوخاً، بل ربما كان في بعض الصور على سبيل تقديم الثاني تقديم أولوية وأفضلية، لا تقديم ناسخ على منسوخ. وهذا واضح في حديث ابن عباس، فإنه قال ذلك في شأن إفطار النبي ﷺ في السفر في غزوة الفتح، فجواز الإفطار في السفر قائم باتفاق. ولكن الاختلاف في الأفضلية، فعليها ينصب استدلال ابن عباس.
وإنما يتعيّن المصير إلى النسخ حيث يتم التعارض وتوجد شروطه. والله أعلم.
مسألة اختلاف الفعلين قلة وكثرة:
هذه مسألة مهمة ذكرها الشاطبي (٢). وهي كالتقييد لما أطلقه غيره من الأصوليين.
وحاصلها أن النبي ﷺ قد يكون فِعْلُه في عبادة ما، مستمراً على طريقة معينة، ولكنه يؤثر أحياناً فعلاً مخالفاً للأول، إما على قلة، وإما في وقت من الأوقات، أو حال من الأحوال.
فالذي ينبغي إزاء هذا، أن تقسم المسألة إلى قسمين:
الأول: أن يكون للقلة سبب معلوم، من أجله خالف الأمر المستمرّ، ومثاله أنه ﷺ كان يصلي الصلوات لأوائل أوقاتها، هذه عادته المستمرة، ولكنه أخّر أحياناً لعارض، كما قد أخّر الصلاة إلى آخر وقتها لكي يبيّن آخر الوقت لمن سأله عن
стр. 656
وقت الصلاة، ثم عاد إلى الصلاة في أول الوقت. وكإبراده بالظهر، وتأخيره لأجل الجمع في السفر.
وحكم هذا النوع أن يتّبع السبب.
وهذا النوع يتصوّر في الواجبات، بأن يترك الواجب لسبب، كتركه الجمعة من أجل السفر، وتركه القيام في الفريضة لأجل المرض. ويتصوّر أيضاً في المستحبات كما في الأمثلة المتقدمة.
النوع الثاني: أن لا يتبيّن للقلة سبب، كقيام الرجل للرجل تعظيماً له، وكتقبيل اليد. فالأمر المستمرّ منه ﷺ لم يكن يقوم لأحد أو يقوم له أحد، ثم قد قام لجعفر بن أبي طالب لمّا قدم من الحبشة، وكان الأمر المستمرّ أن الصحابة لا يقبّلون يده، ثم قد قبّل يده ابن عمر مرة إن صحت الرواية، وقبّل يده بعض اليهود. والذي ينبغي في هذا النوع ترك القليل والتمسّك بالأمر المستمرّ. أو فعل القليل، ولكن على سبيل الندرة والقلّة، وينبغي أن لا يتمسّك بالقليل حتى يكون هو الطريقة العامة، والعادة التي يدرج عليها المسلمون، وخاصّة أهل العلم منهم.
وهذا النوع لا يتصوّر في الواجبات، لأنها لا تترك لغير سبب. وإنما يتصوّر في المستحبات، فإنْ تُرِك الواجب لغير سبب كان ذلك نسخاً.
مثال فرعي: الصلاة على الغائب في الصحيحين: "أن النبي ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه وخرج بهم إلى المصلّى، فصفّ بهم، وكبّر عليه أربع تكبيرات" (١). فإن كثيراً من المسلمين كانوا يموتون في أطراف الأرض، ولم ينقل أن النبي ﷺ كان يصلّي عليهم، وذلك فعله المستمرّ وقد صلّى على النجاشي.
فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد في رواية: لا يصلّى على غائب.
وقال الشافعي وأحمد في رواية: تجوز الصلاة على الغائب.
فأما الأولون فمحمل الفعل عندهم على الخصوصية، ويتأيد بما في صحيح ابن حبان من حديث عمران بن حصين: "فقاموا فصفوا خلفه، وهم لا يظنون إلاّ أن الجنازة بين يديه" وبما ورد أن الأعراض زويت له ﷺ .
стр. 657
وأما القائلون بالجواز، فإن قولهم بالجواز هو نوع من الجمع بين الفعل والترك، فتكون صلاته على النجاشي عندهم من النوع الثاني، وهو غير المحمول على سبب خاص.
وقد ذهب جمع من المحقّقين إلى أنه من النوع الأول الذي علم فيه سبب القلة، فقالوا إن النجاشيّ كان مسلماً بأرض الشرك، لم يصلّ عليه أحد، فيصلّى على الغائب إن كان كذلك. ذهب إلى هذا أبو داود في سننه والخطابي وابن تيمية (١). والله أعلم.
стр. 658
الفصل الثاني تعارض الأقوال والأفعال
- تمهيد.
١ - أسباب الاختلاف بين القول والفعل.
٢ - الجمع بين القول والفعل إذا اختلفا.
٣ - القول الذي يعارضه الفعل.
٤ - الفعل الذي يصح معارضته للقول.
٥ - نسخ حكم الفعل بالقول. وعكسه.
٦ - العمل عند التعارض مع الجهل بالترتيب الزمني.
٧ - الصور التفصيلية لاختلاف القول والفعل.
- أمثلة تعين على إيضاح ما تقدم.
стр. 659
تعارض الأقوال والأفعال
هذه مسألة مهمة ينبني عليها كثير من الاختلاف الفقهي، في الفروع التي خالف فيها فعل النبي ﷺ قولَه.
والأغلب أن النبي ﷺ كان إذا أمر بفعل أو نهى عن فعل، يكون أول العاملين بمقتضى قوله، لقوله تعالى: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أُمرت وأنا أول المسلمين﴾. ولأن اتفاق القول والفعل يؤكّد البيان ويقوّيه ويثبّته، كما تقدّم في أوائل هذه الرسالة.
ويستثنى من هذا الأصل ما كان من خصائصه ﷺ ، فقد يترك ما أَمَر به، أو يفعل ما نهَى عنه، إن كان له في ذلك حكم خاصّ، كما تقدم في فصل الخصائص.
فالغالب اتفاق قوله وفعله ﷺ .
ولكن قد وردت مواضع كثيرة في السنة النبوية يخالف فيها القولُ الفعلَ. ولما كان قوله في الأصل دليلاً شرعياً، وكان فعله دليلاً شرعياً كما تقدم إثباته، فإن الاختلاف بينهما له أثره القوي في باب الاستدلال على الأحكام الشرعية.
أمثلة على اختلاف القول والفعل:
الأمثلة على ذلك في الشريعة كثيرة، منها أنه ﷺ نهى عن استقبال القبلة واستدبارها بالبول أو الغائط، واستدبرها هو. ومنها أنه نهى أن يصلوا خلف الإمام قياماً وهو جالس، ثم صلّى بهم كذلك. ومنها أنه أمر بعض الآكلين معه أن يأكل مما يليه، وتتبّع هو الدبّاء من نواحي القصعة. ومنها أنه أمر أن يوتر المتهجِّد
стр. 660
بواحدة، وكان هو يوتر بسبعٍ أو تسع. ومنها أنه نهى عن الوصال في الصوم، وواصل هو. ومنها أنه أمر من نسي صلاةً، أو نام عنها، أن يصليها إذا ذكرها، ونام هو عن الصلاة، فلم يبادر إليها، بل انتقل بالذين معه إلى مكان آخر ثم صلّوا.
إلى غير ذلك مما لا يكاد يحصى كثرة. وقد كانت المسائل التي وردت فيها هذه الأدلة موضع اختلاف صغير أو كبير، كما يعلم من تتبّع مراجع الفقه المقارن.
стр. 661
المبحث الأوّل أسبابُ الاختلاف بين القول والفعل
أسباب هذا الاختلاف بين القول والفعل في حقيقة الأمر وواقعه، ترجع إلى واحد أو أكثر من الوجوه التالية:
الأول: أن يكون ذلك من اختلاف النّقَلة، فيكون بعضهم قد وهم، أو كذب، أو صحّف، أو غير ذلك من وجوه اختلاف الحديث. ولا بدّ لتمحيص ذلك من الرجوع إلى الروايات المختلفة للأحاديث، ونقدها وتمحيصها والترجيح بينها، بحسب القواعد التي تذكر في أبواب الترجيح بين الأخبار في علم أصول الفقه، حتى تعرف أصدق الروايات في ذلك. والمرجع في مثل هذا إلى أهل الحديث ونقاده. ومن أجل ذلك فلن نتعرض له في هذا البحث.
الثاني: النسخ، بأن يكون أحد الدليلين متأخراً عن الآخر، وقد قُصِد به إزالة حكم الأول.
الثالث: الحمل على اختلاف الأسباب والدواعي فيكون ﷺ قد فعل الفعل، أو تركه، لسبب لم ينقل إلينا، فيظن التعارض.
الرابع: أن يكون الفعل خاصاً به، أو مما لا يحتج به على الأمة.
الخامس: أن يكون القول على خلاف ظاهره.
العمل عند اختلاف مقتضى الفعل والقول:
الطريقة المتبعة هنا هي من حيث الجملة، الطريقة العامّة المتّبعة عند اختلاف الدليلين، بخطواتها الأربع المرتبة التي بيّناها في أول هذا الباب، وهي:
стр. 662
١ - الجمع
٢ - اعتقاد النسخ
٣ - الترجيح بمرجح خارجي
٤ - التوقّف أو التخيير أو التساقط
وفي كل من هذه الخطوات، بالنسبة إلى هذا المبحث، تفصيل نذكره في ما يلي.
стр. 663
المبحث الثاني الجمع بين القول والفعل إذا اختلفا
هذا أول المراتب وأولاها أن يعمل به إذا ظهر اختلاف بين القول والفعل، لأن الجمع بين الدليلين أولى من إلغاء أحدهما. وسواء عُلِم تأخّر الفعل، أو تقدمه، أو جهل.
فإن كان القول أمراً بفعل فتركه، بحمل الأمر على الاستحباب لا على الوجوب، كما أمر بأن يوتر المتهجّد بواحدة، وأوتر هو ﷺ بسبع أو تسع.
وإن كان نهياً عن فعل ففعله أمكن أن يحمل النهي على الكراهة، كما نَهَى عن الشرب قائماً وشرِب قائماً، ونهى عن استدبار القبلة بالبول أو الغائط واستقبالها، ثم استدبرها. ذَكَر هذه الطريقة ابن حزم الزركشي في البحر (١) وترد في كلام الفقهاء كثيراً.
وربما أُورد على هذه الطريقة، أن حمل الأمر على الندب، وحمل النهي على الكراهة، هو إخراج لهما عن الحقيقة التي هي الأصل، إلى المجاز وهو خلاف الأصل. أما القول بخصوصيته ﷺ بحكم الفعل فإنه يبقى الأمر والنهي معه على حقيقتهما، فيكون أولى.
وقد أجاب الحافظ العلائي (٢) عن هذا الاعتراض بأن الذي اختصّ به النبي ﷺ عن الأمة شيء نزر يسير جداً، بالنسبة إلى باقي الأحكام، فالتزام المجاز أولى من التزام الخصوصية.
стр. 664
تخصيص العموم بفعله ﷺ -:
إذا ورد فعله ﷺ مخالفاً في الحكم لمقتضى قول عام، كما نهى عن استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة، وثبت أنه فعل ذلك، فإن إمكان خروجه هو ﷺ من حكم العام لا إشكال فيه. وأما بالنسبة إلى الأمة، فهل يصحّ أن يكون ذلك تخصيصاً في حقهم؟ كأن يقال في المثال المتقدّم بجواز الاستقبال والاستدبار في البنيان دون الصحراء، استدلالاً بالفعل.
هذه المسألة تنبني على حجية الفعل في حق الأمة:
فمن قال إن الفعل لا يدل في حق الأمة على شيء، منع التخصيص به في مخالفة العموم. وقد نقل نفي جواز التخصيص بالفعل عن الكرخي وبعض الشافعية. واشترط الكرخي للجواز تكرر الفعل، لأنه إذا فعله مرة واحدة احتمل أن يكون من خصائصه ﷺ (١).
واشترط الغزالي أن يَدُلّ بالقول على أن الفعل بيان (٢).
ومن توقف في ذلك، توقف في التخصيص به.
وأما الذين قالوا في غير حال مخالفة العموم إن الفعل دليل في حق الأمة، وهو القول المختار، فلم يتفقوا على جواز التخصيص بالفعل في مخالفة العموم، بل ساروا في اتجاهين:
الاتجاه الأول: امتناع التخصيص بالفعل، ذهب إلى ذلك الآمدي، واختار الوقف (٣)، ووجه ذلك عنده أن عموم الأمر باتباع الأفعال والتأسّي بها، عارضه عموم القول المتقدم، وليس إبطال أحد العمومين عنده أولى من إبطال الآخر.
ونُقِل مثل هذا القول عن القاضي عبد الجبار (٤). وقال به أبو الحسين
стр. 665
البصري في باب (الأفعال) (١) من كتابه، وأجاز التخصيص بالفعل في باب (العموم) (٢) منه.
وابن الحاجب (٣) يرى أنه إن كان ثمة دليل خاص يوجب التأسّي بالفعل يكون نسخاً للقول إذا علم تأخره. وإن لم يكن دليل خاص، بل الدليل العام لوجوب الاتباع، فإن الدليل العام لوجوب الاتباع يكون مخصصاً بالقول المتقدم، فيبقى عليهم حكم القول المتقدم، ويمتنع اقتداؤهم به في الفعل.
الاتجاه الثاني: وعليه عمل جمهور الفقهاء وتصرّفاتهم في الفروع؛ فإنها تدل على أنهم يجيزون التخصيص بالأفعال. ونسب الآمدي (٤) القول بذلك إلى الشافعية والحنفية والحنابلة. وإليه ذهب أبو إسحاق الشيرازي (٥)، والقاضي أبو يعلى (٦)، والسمعاني (٧) وغيرهم، واختاره الحافظ العلائي (٨). فالفعل يكون عندهم مخصّصاً للقول العام في حق الأمّة أيضاً. وسواء تقدّم الفعل أو تأخّر، أو جهل التاريخ، على القول الراجح في تقديم الخاصّ على العام.
قال العلائي: "والحجة لذلك أن القول بتخصيص فعله به ﷺ ، موجبٌ إبطال الدليل الدالّ على التأسّي به في ذلك الفعل، والقول بتخصيص القول بإحدى حالاته وتعميم حكم الفعل في حقه وحق الأمة إعمال للدليلين، وإعمال الدليلين أولى من ابطال أحدهما".
قال: "ويتأيّد هذا بأن الأصل مشاركة الأمة له في الأحكام، إلاّ ما دلّ دليل على تخصيصه به ﷺ ".
وأما ابن حزم (٩) فيرى أنه يجوز تخصيص عموم القول بالفعل إن تأخّر
стр. 666
الفعل، لا إن تقدم الفعل، أو جهل الحال فإن تقدم الفعل وجب اعتقاد الفعل منسوخاً. وإن جهل الحال فالأشبه أن يكون الفعل متقدماً في الزمان ويكون منسوخاً.
والصحيح ما اختاره الحافظ العلائي، لأن منصب النبي ﷺ منصب البيان والتشريع، وأفعاله ﷺ في ذلك هي موضع القدوة والأسوة، فيقتدى بها حيث أمكن.
وإنما يمكن حملها على التخصيص إذا ظهر أنه ﷺ ، إنما خالف قوله لسبب معيّن، أو أمكن تعقّل معنى مناسب، يكون مناطاً لحكم الفعل. فإن لم يمكن ذلك وجب المصير إلى النسخ.
ومن أمثلة التخصيص ما ورد من حثّه ﷺ على صيام يوم عرفة، وترغيبه فيه، ثم أفطر بعرفة لما كان واقفاً بها. وقد أفطر وهو على بعيره ليراه الناس فكان هذا الفعل مخصصاً لحثه وترغيبه في الصيام، بالنسبة إلى ذلك المكان لمعنى يخصّه لا يوجد في غيره، وهو التقوِّي بالفطر على الاستكثار من الدّعاء، وذكر الله تعالى في ذلك الموقف الشريف (١).
فإن لم يمكن الجمع والتخصيص تعارض القول والفعل، ووجب المصير إلى إبطال أحد الدليلين، أو التوقف.
ونبدأ بتحقيق الظروف التي لا يتحقق التعارض دون توفرها.
стр. 667
المبحث الثالث القول الذي يعارضه الفعل
القول الذي يوهم معارضة الفعل له، يكون على ثلاثة أنواع:
الأول: أن يكون عاماً له ﷺ وللأمة. والثاني أن يكون خاصاً به ﷺ .
والثالث: أن يكون خاصّاً بالأمة -والمراد هنا أن لا يكون القول شاملاً له ﷺ .
ونحن نفصل القول في كل من هذه الأحوال، بالترتيب، فنقول:
الحالة الأولى: أن يكون القول عاماً لنا وله. بأن يقول: "حرِّم علينا كذا" أو "وجب علينا كذا".
فإذا فعل ما يخالفه دار الأمر بين احتمالات:
١ - أن يُجعل حكم فعله خاصّاً به. فيدل على استثنائه هو وحده ﷺ من حكم العموم.
وإنما يصلح هذا الوجه إن كان عموم القول له ﷺ بطريق الظهور، كما لو قال: حُرِّم علينا كذا. ثم فعله، كما مثلنا. فإن نصّ على نفسه، فقال: حُرِّم عليّ وعليكم كذا، مثلاً، امتنع هذا الوجه، وتعارض في حقه، ووجب المصير إلى النسخ (١).
ويتعارض القول العام والفعل في حقه أيضاً إن تقدّم القول، وعمل النبي ﷺ بمقتضاه، ثم فعل ضده، فإن الفعل الثاني يكون ناسخاً، ولا يجوز الحمل على الخصوصية (٢).
стр. 668
٢ - أن يجعل فعله تخصيصاً لعموم قوله في حق الأمّة أيضاً، فيتبيّن بالفعل خروجه وخروج غيره، من حكم العام. ويكون ذلك إذا علم ارتباط فعله بالسبب، كما تقدم. فلا يتم التعارض. وفيه خلاف تقدم ذكره في مبحث التخصيص.
وسواء بالنظر إلى هذين الاحتمالين، أن يتأخر الفعل عن القول أو يتقدم عليه.
٣ - أن يُعْتَقَد المتأخر من القول أو الفعل ناسخاً للآخر، إن علم التاريخ. ويجيز الفقهاء هذا النوع من النسخ، ويتوقف فيه بعض الأصوليين. ويقدمون عليه الحمل على الخصوصية في حقه ﷺ .
الحالة الثانية: أن يكون القول خاصاً به ﷺ . بأن يقول: حرم عليّ كذا. ويثبت أنه فعله. أو: وجب عليَّ كذا، ثم يتركه.
وقد قيل في هذه الحال، إنه لما لم يكن القول متناولاً للأمة فليس ثمة إلاَّ احتمال واحد في حقه، هو النسخ بالمتأخر من القول أو الفعل. وفي حق الأمة لا تعارض، لعدم توارد الدليلين على موضع واحد.
تنبيه: إذا قال ﷺ : حرم علي كذا، أو وجب علي كذا، فهذا وإن كان خاصاً به من حيث اللفظ، إلاّ أنه ينبغي القول أن أمته ملحقة به، لما ورد من الأدلة القاضية بذلك. وقد تقدم بيان هذا في موضع سابق. ولا يمتنع إلحاق به إلاّ بدليل. فإن جاء الدليل على اختصاصه به حكمنا به. ومثاله أنه واصَلَ ونهاهم عن الوصال. فقالوا: إنك تواصل. فقال: "إني لست كهيئتكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني".
ومن أجل ذلك تكون هذه الحالة الثانية قاصرة على ما دلّ الدليل فيه على الاختصاص. أما ورود مجرّد قوله: "أُمِرْتُ، ونُهيتُ، وحَرُم عليّ، ووجَب عليّ"، ونحو ذلك، فلا يمنع القول بالعموم، بل يكون من الحالة الأولى، وهي ما كان القول فيها عاماً لنا وله. لأن قوله: "أُمِرْتُ ونُهيتُ" بمنزلة قوله: "أُمِرنا ونُهينا".
стр. 669
فإن دلّ الدليل على اختصاصه ﷺ بمقتضى القول، فهي الحالة الثانية. فإن خالف الفعل مثل هذا النوع من القول، فلا تعارض في حق الأمة. وأما في حقه ﷺ فالمتأخر من القول أو الفعل ناسخ للمتقدم.
الحالة الثالثة: أن يكون القول خاصاً بالأمة. مثل: "افعلوا أو اتركوا كذا، أو وجب أو حرم عليكم كذا". فإذا صدر مثل ذلك منه ﷺ ، وثبت أنه خالفه فقد قيل بعدم التعارض بين القول والفعل في حقه ﷺ . وقد وجّهه القائلون به بأنه لما لم يكن القول شاملاً له، فإنه لم يتوارد الدليلان عليه، بل ورد عليه أحدهما وهو الفعل.
وهذا القول مبنيٌّ على قاعدة يذكرها الأصوليون في باب العموم حيث يرى بعضهم أن المتكلم لا يدخل في عموم متعلّق خطابه. ويرى الأكثرون دخوله، وهو الصواب، ما لم يكن دلّ على أن حكمه في ذلك ليس كحكمهم.
فالحاصل فيما ورد من مثل: "افعلوا واتركوا وآمُرُكم وأنهاكم" أنه ﷺ ينبغي أن يكون داخلاً في ذلك، فتكون من الحالة الأولى أيضاً، إلا حيث يدل على خروجه عن العموم دليل خاص. فإن دلّ على خروجه عن ذلك دليل فهي الحالة الثالثة. وحينئذ إن فعل هو خلاف ما أمرهم به فلا تعارض في حقه ﷺ . وأما في حق الأمة فيحتمل التعارض. وسيأتي بيانه إن شاء الله.
تكرر مقتضى القول:
هل يشترط لحصول التعارض بين القول والفعل قيام الدليل على تكرر مقتضى القول؟ ذكر أبو الحسين البصري والغزالي ما يدل على اشتراط ذلك (١). ويفهم من كلام السبكي في جمع الجوامع أن ذلك شرط. وقد وجّهه الشربيني (٢) بأن القول له مدلول لغويٌّ وضع له، فعند إطلاقه يدل عليه، وهو الماهيّة المتحققة
стр. 670
بالمرة الواحدة. فإن تُرك الفعل بعد ذلك لم يكن معارضاً للقول. ولم يذكر هذا الشرط جمهور الأصوليين الذي ذكروا المسألة.
ونحن نرى أن كلام السبكي هذا يصلح إن كان القول أمراً، على القول بأن الأمر المطلق لا يدل على التكرار، أما إن كان نهياً، فالنهي يقتضي دوام الترك، فيصدق على كل الزمان، فلا يشترط للتعارض حينئذٍ دليل خاص يدل على تكرر مدلوله.
أما الأمر، فالدليل الدالّ على تكرر مقتضاه، قد يكون بتعليقه على متكرّر من شرط أو صفة، كقوله ﷺ : "إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحّي فلا يمس من شعره بشره شيئاً" (١). يعني بالعشر عشر ذي الحجة.
وقد يكون غير ذلك مما يُدَل عليه بالقول.