← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 31471

أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم ودلالتها على الأحكام الشرعية

محمد سليمان الأشقر

Полный текст (761 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

الفعل، لا إن تقدم الفعل، أو جهل الحال فإن تقدم الفعل وجب اعتقاد الفعل منسوخاً. وإن جهل الحال فالأشبه أن يكون الفعل متقدماً في الزمان ويكون منسوخاً. والصحيح ما اختاره الحافظ العلائي، لأن منصب النبي ﷺ منصب البيان والتشريع، وأفعاله ﷺ في ذلك هي موضع القدوة والأسوة، فيقتدى بها حيث أمكن. وإنما يمكن حملها على التخصيص إذا ظهر أنه ﷺ ، إنما خالف قوله لسبب معيّن، أو أمكن تعقّل معنى مناسب، يكون مناطاً لحكم الفعل. فإن لم يمكن ذلك وجب المصير إلى النسخ. ومن أمثلة التخصيص ما ورد من حثّه ﷺ على صيام يوم عرفة، وترغيبه فيه، ثم أفطر بعرفة لما كان واقفاً بها. وقد أفطر وهو على بعيره ليراه الناس فكان هذا الفعل مخصصاً لحثه وترغيبه في الصيام، بالنسبة إلى ذلك المكان لمعنى يخصّه لا يوجد في غيره، وهو التقوِّي بالفطر على الاستكثار من الدّعاء، وذكر الله تعالى في ذلك الموقف الشريف (١). فإن لم يمكن الجمع والتخصيص تعارض القول والفعل، ووجب المصير إلى إبطال أحد الدليلين، أو التوقف. ونبدأ بتحقيق الظروف التي لا يتحقق التعارض دون توفرها.

стр. 667

المبحث الثالث القول الذي يعارضه الفعل القول الذي يوهم معارضة الفعل له، يكون على ثلاثة أنواع: الأول: أن يكون عاماً له ﷺ وللأمة. والثاني أن يكون خاصاً به ﷺ . والثالث: أن يكون خاصّاً بالأمة -والمراد هنا أن لا يكون القول شاملاً له ﷺ . ونحن نفصل القول في كل من هذه الأحوال، بالترتيب، فنقول: الحالة الأولى: أن يكون القول عاماً لنا وله. بأن يقول: "حرِّم علينا كذا" أو "وجب علينا كذا". فإذا فعل ما يخالفه دار الأمر بين احتمالات: ١ - أن يُجعل حكم فعله خاصّاً به. فيدل على استثنائه هو وحده ﷺ من حكم العموم. وإنما يصلح هذا الوجه إن كان عموم القول له ﷺ بطريق الظهور، كما لو قال: حُرِّم علينا كذا. ثم فعله، كما مثلنا. فإن نصّ على نفسه، فقال: حُرِّم عليّ وعليكم كذا، مثلاً، امتنع هذا الوجه، وتعارض في حقه، ووجب المصير إلى النسخ (١). ويتعارض القول العام والفعل في حقه أيضاً إن تقدّم القول، وعمل النبي ﷺ بمقتضاه، ثم فعل ضده، فإن الفعل الثاني يكون ناسخاً، ولا يجوز الحمل على الخصوصية (٢).

стр. 668

٢ - أن يجعل فعله تخصيصاً لعموم قوله في حق الأمّة أيضاً، فيتبيّن بالفعل خروجه وخروج غيره، من حكم العام. ويكون ذلك إذا علم ارتباط فعله بالسبب، كما تقدم. فلا يتم التعارض. وفيه خلاف تقدم ذكره في مبحث التخصيص. وسواء بالنظر إلى هذين الاحتمالين، أن يتأخر الفعل عن القول أو يتقدم عليه. ٣ - أن يُعْتَقَد المتأخر من القول أو الفعل ناسخاً للآخر، إن علم التاريخ. ويجيز الفقهاء هذا النوع من النسخ، ويتوقف فيه بعض الأصوليين. ويقدمون عليه الحمل على الخصوصية في حقه ﷺ . الحالة الثانية: أن يكون القول خاصاً به ﷺ . بأن يقول: حرم عليّ كذا. ويثبت أنه فعله. أو: وجب عليَّ كذا، ثم يتركه. وقد قيل في هذه الحال، إنه لما لم يكن القول متناولاً للأمة فليس ثمة إلاَّ احتمال واحد في حقه، هو النسخ بالمتأخر من القول أو الفعل. وفي حق الأمة لا تعارض، لعدم توارد الدليلين على موضع واحد. تنبيه: إذا قال ﷺ : حرم علي كذا، أو وجب علي كذا، فهذا وإن كان خاصاً به من حيث اللفظ، إلاّ أنه ينبغي القول أن أمته ملحقة به، لما ورد من الأدلة القاضية بذلك. وقد تقدم بيان هذا في موضع سابق. ولا يمتنع إلحاق به إلاّ بدليل. فإن جاء الدليل على اختصاصه به حكمنا به. ومثاله أنه واصَلَ ونهاهم عن الوصال. فقالوا: إنك تواصل. فقال: "إني لست كهيئتكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني". ومن أجل ذلك تكون هذه الحالة الثانية قاصرة على ما دلّ الدليل فيه على الاختصاص. أما ورود مجرّد قوله: "أُمِرْتُ، ونُهيتُ، وحَرُم عليّ، ووجَب عليّ"، ونحو ذلك، فلا يمنع القول بالعموم، بل يكون من الحالة الأولى، وهي ما كان القول فيها عاماً لنا وله. لأن قوله: "أُمِرْتُ ونُهيتُ" بمنزلة قوله: "أُمِرنا ونُهينا".

стр. 669

فإن دلّ الدليل على اختصاصه ﷺ بمقتضى القول، فهي الحالة الثانية. فإن خالف الفعل مثل هذا النوع من القول، فلا تعارض في حق الأمة. وأما في حقه ﷺ فالمتأخر من القول أو الفعل ناسخ للمتقدم. الحالة الثالثة: أن يكون القول خاصاً بالأمة. مثل: "افعلوا أو اتركوا كذا، أو وجب أو حرم عليكم كذا". فإذا صدر مثل ذلك منه ﷺ ، وثبت أنه خالفه فقد قيل بعدم التعارض بين القول والفعل في حقه ﷺ . وقد وجّهه القائلون به بأنه لما لم يكن القول شاملاً له، فإنه لم يتوارد الدليلان عليه، بل ورد عليه أحدهما وهو الفعل. وهذا القول مبنيٌّ على قاعدة يذكرها الأصوليون في باب العموم حيث يرى بعضهم أن المتكلم لا يدخل في عموم متعلّق خطابه. ويرى الأكثرون دخوله، وهو الصواب، ما لم يكن دلّ على أن حكمه في ذلك ليس كحكمهم. فالحاصل فيما ورد من مثل: "افعلوا واتركوا وآمُرُكم وأنهاكم" أنه ﷺ ينبغي أن يكون داخلاً في ذلك، فتكون من الحالة الأولى أيضاً، إلا حيث يدل على خروجه عن العموم دليل خاص. فإن دلّ على خروجه عن ذلك دليل فهي الحالة الثالثة. وحينئذ إن فعل هو خلاف ما أمرهم به فلا تعارض في حقه ﷺ . وأما في حق الأمة فيحتمل التعارض. وسيأتي بيانه إن شاء الله. تكرر مقتضى القول: هل يشترط لحصول التعارض بين القول والفعل قيام الدليل على تكرر مقتضى القول؟ ذكر أبو الحسين البصري والغزالي ما يدل على اشتراط ذلك (١). ويفهم من كلام السبكي في جمع الجوامع أن ذلك شرط. وقد وجّهه الشربيني (٢) بأن القول له مدلول لغويٌّ وضع له، فعند إطلاقه يدل عليه، وهو الماهيّة المتحققة

стр. 670

بالمرة الواحدة. فإن تُرك الفعل بعد ذلك لم يكن معارضاً للقول. ولم يذكر هذا الشرط جمهور الأصوليين الذي ذكروا المسألة. ونحن نرى أن كلام السبكي هذا يصلح إن كان القول أمراً، على القول بأن الأمر المطلق لا يدل على التكرار، أما إن كان نهياً، فالنهي يقتضي دوام الترك، فيصدق على كل الزمان، فلا يشترط للتعارض حينئذٍ دليل خاص يدل على تكرر مدلوله. أما الأمر، فالدليل الدالّ على تكرر مقتضاه، قد يكون بتعليقه على متكرّر من شرط أو صفة، كقوله ﷺ : "إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحّي فلا يمس من شعره بشره شيئاً" (١). يعني بالعشر عشر ذي الحجة. وقد يكون غير ذلك مما يُدَل عليه بالقول.

стр. 671

المبحث الرّابع الفعل الذي يصح معارضته للقول أما في حقه ﷺ فإن كل فعل من أفعاله يصح معارضته للقول الصادر عنه، إن كان القول خاصّاً به، أو شاملاً له. وأما في حق الأمة، إذا كان القول خاصاً بها أو شاملاً لها، فقد ذكر بعض الأصوليين في الفعل شروطاً لا يتم التعارض بدونها. وهي كما يلي: الشرط الأول: قيام دليل خاص على وجوب التأسّي بالفعل: فيجب أن يكون الفعل دالاً في حق الأمة، بأن لا يكون جبلياً، ولا خاصاً به ﷺ . ثم الفعل البياني والامتثالي يصح معارضته للقول كما هو واضح، لقيامه مقام القول. وأما الفعل المجرّد، فمن قال إنه ليس دليلاً في حق الأمة، كما قاله الكرخي، والواقفية: الباقلاني والغزالي ومن تبعهما، اشترط أن يقوم دليل خاص على وجوب تأسيّ الأمة بنبيها في ذلك الفعل بعينه. فإن لم يقم مثل ذلك الدليل فلا تعارض، لأن الفعل المجرّد لا يدل عندهم في حق الأمة على شيء. وأما من قال بأن الفعل المجرّد دليل في حق الأمة على الوجوب، أو الندب، أو الإباحة، فقد كان ينبغي أن لا يشترط لصحة التعارض قيام دليل خاص على التأسّي. وهذا هو الذي نختاره. بناء على ما تقدم إثباته في فصل الفعل المجرّد من الباب الأول. ويقول الشوكاني: "اعلم أنه لا يشترط وجود دليل خاص يدلّ على التأسّي، بل يكفي ما ورد في الكتاب العزيز من قوله تعالى: ﴿لقد كان لكم في

стр. 672

رسول الله أسوة حسنة﴾ ونحوه .. ومجرد فعله لذلك الفعل بحيث يطلع عليه غيره من أمته ينبغي أن يحمل على قصد التأسّي به، إذا لم يكن من الأفعال التي لا يتأسّى به فيها كأفعال الجبلة" (١). وقال القرافي مثل ذلك (٢). وكان غريباً من الآمدي (٣) والسبكي (٤) أن يقولا في الفعل المجرّد إنه بصفته العامة دليل في حق الأمة، لما ورد في ذلك من الآيات والأحاديث، ثم يشترطا لحصول التعارض قيام دليل خاص على التأسّي بالفعل. وقد وجه البناني ووافقه الشربيني (٥) اشتراط قيام دليل خاص على التأسّي بالفعل، ليتم التعارض، مع إثبات التأسّي بالفعل المجرّد، بأن الفعل المجرّد إذا لم يعارضه قول، يمكن التأسّي به، للأدلة العامة القاضية بوجوب التأسيّ، أما إذا نوقض فإنه يضعف بتلك المناقضة، فيحتاج إلى قيام دليل خاص يدل على التأسّي ليصح التعارض. فإن لم يقم ذلك الدليل الخاص وجب تقديم القول مطلقاً. وظاهر كلام العلائي (٦) أن أول من اشترط هذا الشرط الآمدي وابن الحاجب، ولم يذكره الرازي في محصوله (٧). وعندي أن كلام القرافي والشوكاني أسدّ وأصوب، لأنه وإن كانت دلالة الفعل تضعف بمناقضة القول له، فدلالة القول أيضاً تضعف بمناقضة الفعل، فيبقيان على ما كان عليه من التناسب في القوة. والذي نعتقده أن الفقه الإسلامي بُنِي على تجاهل هذا الشرط، فإنه بتتبع كلام الفقهاء في استدلالاهم بالأحاديث، نجد غالبهم لا يلاحظون هذا الشرط ولا يقيمون له وزناً، كما سننقله في الأمثلة التي في آخر هذا الفصل إن شاء الله.

стр. 673

الشرط الثاني: أن يدل دليل على وجوب تكرار الفعل. وهذا الشرط أيضاً ذكره الآمدي وابن الحاجب ومن بعدهم، ولم يذكره المتقدمون. ووجه اشتراطه أنه إذا لم يقم دليل على وجوب تكراره عليه ﷺ وقال قولاً مخالفاً له، فليس ذلك تعارضاً، لأنه لا عموم للفعل في الأزمان ومثاله ما لو صام يوم السبت، ثم قال بعد ذلك: صوم يوم السبت عليّ حرام. قال ابن الهمّام وشارحه في إيضاح ذلك: "قد أخذَتْ صفة الفعل مقتضاها منه بذلك الفعل الواحد، والقول الصادر بعد ذلك الفعل الواحد مسألة شرعية مستأنفة في حقه، لا ناسخ" (١). ولم يذكر السبكي في جمع الجوامع والمحلى هذا الشرط، وأشار إلى الردّ على من اشترطه بقوله: إن الفعل الصادر منه ﷺ يدل على الجواز المستمرّ. وممن ذكَرَ بطلان هذا الشرط العطّار (٢) والشربيني. ويقول الشربيني: "تقييد بعضهم بدلالة الدليل على تكرر مقتضى الفعل، هو تقييد لا حاجة إليه، لأن فعله ﷺ غير الجبلّيّ إنما يكون للتشريع، ومتى كان له، دام مقتضاه حتى يرفعه خلافه. وقد قالوا في الفعل المجهول الصفة إنه للوجوب، ولم يقل أحد إنه للوجوب مرة واحدة فقط" (٣). اهـ. وعندي أن الخلاف في ذلك راجع إلى مسألة ما يدل عليه الفعل، فإن دلّ على الجواز ثم جاء القول مانعاً، لم يكن القول نسخاً ولا معارضاً عند من يقول إن الجواز المستفاد من الفعل ليس حكماً شرعياً، وإنما هو عدم الحكم. والى هذا نظر ابن الهمّام. أما من قال بأن الجواز المستفاد من الفعل هو حكم شرعي، أو حيث فهم أن

стр. 674

الفعل وقع على وجه الوجوب أو الندب، فإن القول الواقع بعده يجوز أن يقال إنه ناسخ له. تنبيه: يقول أبو شامة إن فائدة قولنا: "دلّ الدليل على التكرار" فيما إذا تقدم الفعل، لتحصل المعارضة بينه وبن القول المتناول للرسول ﷺ . أما إذا تأخر الفعل فسواء دلّ على التكرار دليل أو لم يدل، لا أثر له فيما يرجع إلى تصوير المعارضة، اهـ. وقوله هذا سديد بيّن، لأنه ﷺ لو فعل الفعل مرة واحد وقد سبق تحريمه، ولم نقدر نسخ التحريم، لكان الفعل معصية.

стр. 675

المبحث الخامس نسخ حكم الفعل بالقول وعكسُه إذا اختلف القول والفعل، ولم يمكن تخصيص القول بالفعل، ولا ظهر وجه للجمع بينهما، وتم التعارض، فإنه يتطلب التاريخ، فيكون آخرهما وروداً ناسخاً لأولها. وقد نقل الماوردي منع الشافعي لنسخ الفعل بالقول. ووافقه ابن عقيل الحنبلي (١). وهذا القول مردود عند جمهور العلماء، ولعل مراد الشافعي أن الفعل يستدلّ به على تقدّم قول ناسخ للقول الأول. أما إن جهل التاريخ فسنذكره في المبحث التالي. ثم قد يكون التعارض والنسخ في حقه ﷺ وحده، أو في حق الأمة دونه، أو في حقهما جميعاً بحسب موضع التقابل بين الدليلين. وإنما يجوز المصير إلى النسخ إذا تحصل أمران: الأول: أن تتحق الشروط العامة، التي تذكر في باب النسخ من مباحث علم الأصول. ومنها ما يلي: ١ - أن يتراخى المتأخر من الدليلين عن المتقدم منهما، فإن تعقبه بحيث لم يمكن لأحد من الأمة تنفيذ مقتضاه، فلا يجوز النسخ. كأن يرد الدليل الثاني قبل دخول الوقت، أو دخل ولم يمض ما يتسع لتنفيذ الأول. وهذا الشرط ذكره بعض أصوليي المعتزلة (٢) في باب النسخ. وذكروه في باب

стр. 676

تعارض الأفعال وذكره كذلك الرازي في محصوله (١) قائلاً به. وأما غيره من الأصوليين، فليس هذا عندهم شرطاً، لأن النسخ عندهم يجوز قبل التمكن من الامتثال. واستدلوا بوقوعه، فقد نسخ الله تعالى عن إبراهيم أمره بذبح ابنه قبل أن يتمكن من الامتثال. ونسخ الله تعالى ليلة الإسراء عن هذه الأمة خمسين صلاة بخمس صلوات، قبل أن يعلموا بالمنسوخ. وهذا القول أصح. وعلى القول باشتراط التراخي إن تعقّب أحد الدليلين الآخر، وتم التعارض، لم يمكن القول بالنسخ، ووجب الحمل على الخصوصية إن أمكن. ٢ - أن يعلم الترتيب الزمني بين الدليلين المتعارضين، فيكون آخرهما ناسخاً لأولهما ولا يجوز المصير إلى اعتبار أحدهما ناسخاً قبل تحقيق هذا الشرط. الأمر الثاني: أن تتحقق في كل من القول والفعل شروط التعارض التي تقدم ذكرها. فمن اعتبر في حصول التعارض شرطاً، لم يجز عنده النسخ قبل حصول ذلك الشرط.

стр. 677

المبحث السادس العمل عند التعارض مع الجهل بالترتيب الزّمني إذا تحقق التعارض وجهل التاريخ امتنع القول بالنسخ كما تقدم، وقد اختلف الأصوليون في ما على المجتهد أن يصنعه حيال ذلك، على مذاهب: الأول: أنه يقدم القول، لأنه الأصل في البيان، ولأنه أقوى في البيان من الفعل. قال العضد: "ولأن العمل بالقول يبطل مقتضى الفعل في حق الأمة فقط، ويبقى في حقه ﷺ ، والعمل بالفعل يبطل مقتضى القول جملة" (١). وإنما يرد دليله هذا إذا كان القول خاصاً بالأمة، أما إن كان القول عاماً لنا وله فلا. وإلى هذا القول ذهب الجصاص (٢) والشيرازي والرازي والآمدي وابن حزم وأبو شامة والعلائي وغيرهم. الثاني: أنه يقدم الفعل، لأنه أقوى في البيان عند من قال به. ولم ينسب هذا القول إلى قائل معين. ونسبه أبو الخطاب في التمهيد (٣) إلى بعض الشافعية. وقد تقدم لنا في الباب الأول ذكر مسألة الوازنة في القوة، بين القول والفعل، وبيّنّا هناك ما استدلّ به كل من الفريقين. الثالث: الوقف عن الترجيح، وذلك لأن لكل من الطرفين جهة يترجح بها، فيتعادلان. وإليه ذهب الباقلاني والغزالي وابن القشيري (٤).

стр. 678

الرابع: التفريق بين أن يكون التقابل في حقه ﷺ ، فيترجح الوقف، وبين أن يكون التقابل في حق الأمة فيترجح العمل بالقول. وإلى هذا ذهب ابن الحاجب والسبكي في جمع الجوامع (١). ووجّه شارحه المحلى هذا التفريق: "بأننا متعبّدون فيما يتعلق بنا بالعلم بحكمه، لنعمل معه، بخلاف ما يتعلق بالنبي ﷺ إذ لا ضرورة إلى الترجيح فيه". وهذا المذهب الرابع هو ما نميل إليه، من حيث إن القول هو الأصل في البيان والتبليغ، ولأنه يدل بنفسه على المطلوب، والفعل لا يدل إلاّ بغيره، ولأن القول متفق على دلالته بخلاف الفعل، وإنما اختلف فيه لأنه أضعف دلالة من القول. هذا إن كان التقابل في حق الأمة فيرجّح لأجل العمل. أما إن كان التقابل في حق النبي ﷺ فلا حاجة إلى الاجتهاد في ذلك، إذ لا عمل ينبنى عليه، فهي مسألة خارجة عن موضوع علم الفقه، وتدخل في المسائل الاعتقادية، فيما كان يجوز للنبي ﷺ أو يجب عليه أو يمتنع. والله أعلى وأعلم.

стр. 679

المبحث السَّابع الصَّور التفصيلية لاختلاف القول والفِعل إن القواعد السابق بيانها في هذا الفصل تحدّد، بالإجمال، الطرق التي ينبغي للمجتهد أن يسلكها في كل حالة تعرض له من حالات اختلاف القول والفعل. ولكن الأصوليين، حرصاً منهم على أن يسنوا للمجتهدين مسالك واضحة يسلكونها عند التصرف في هذا المجال، لم يكتفوا بإجمال القول في العوامل المؤثرة في اختلاف الحكم، بل ذكروا الصور التفصيلية المحتملة، وبيّنوا الحكم في كل صورة كيف يكون. وما على المجتهد إلاّ أن يحقق في الاختلاف الذي ينظر فيه، من أي صورة هو، فيلحقه بها، فيحكم عليه بما يذكره الأصوليون لتلك الصورة. وتوضيحاً لذلك نذكر أولاً العوامل المؤثرة في هذه المسألة، في الجدول الآتي في الصفحة التالية: جدول الصور التفصيلية لاختلاف القول والفعل التسلسل ............... بيان العامل .......... عدد الحالات ............. بيانها العامل الأول: .......... الترتيب الزمني ........... (٣) ......... تقدم القول. تقدم الفعل. مجهول العامل الثاني: ......... الفترة بين القول والفعل ... (٢) ......... تعقب. تراخي العامل الثالث: ........ نوع القول ................ (٣) ....... عام لنا وله ﷺ . خاص به. خاص بنا العامل الرابع: ......... تكرر الفعل ............... (٢) ......... قيام الدليل عليه. عدم قيام عليه الدليل الخامس: ....... التأسيّ بالفعل ........... (٢) ......... قيام الدليل عليه. عدم قيام عليه العامل السادس: ....... تكرر مقتضى القول ...... (٢) ......... قيام الدليل عليه. عدم قيام عليه

стр. 680

مسالك الأصوليين في تعدد الصور التفصيلية: قد ذكرنا في الجدول المبيّن جميع العوامل التي قال الأصوليون بتأثيرها في نتيجة الاختلاف بين القول والفعل، سواء ما اتفقوا على تأثيره أو اختلفوا فيه. والصور تحتمل كما يتبيّن من الجدول، ١٤٤ (مئة وأربع وأربعون) صورة، ناتجة من ضرب عدد الحالات بعضها ببعض. وهناك عوامل أخرى يحتاج إلى النظر فيها أيضاً، كأن يكون القول الدالّ على التحريم أو الإيجاب نصاً أو ظاهراً، وكون العموم في العامل الرابع شاملاً للنبي ﷺ نصاً أو ظاهراً. فهذه أربعة تضرب في الحالات السابقة. إلاّ أن بعض هذه الصور لا تعقل، وبعضها لا فائدة في تفصيله، وبعضها لا يعرف له أمثلة في السنة. ثم إن من ألغى تأثير عامل من هذه العوامل الستة التي ذكرناها في الجدول. فإنه لا يدخله في الضرب، وينقص عدد الصور عنده بحسب ذلك. فمن أول من وجد له حصر لعدد هذه الصور، الرازي في محصوله (١)، وقد اعتبر العوامل الثلاثة الأولى فقط، وهي: الترتيب الزمني (٣)، التعقُّب أو التراخي (٢)، أنواع القول (٣)، تكون الصور عنده (١٨) صورة، إلاّ أنه أسقط سدس هذا العدد وهي صور ثلاث، لما كان التعقُّب أو التراخي حال الجهل بالتاريخ، لا أثر له. فانحصرت الصور عنده في (١٥) صورة، ذكرها بالتفصيل واحدة واحدة، ثم بيّن الحكم في كل منها. وأما الآمدي فإنه أغفل عاملين من الستة، هما: الثاني (التعقُّب أو التراخي) السادس وهو تكرر مقتضى القول، واعتبر الأول (٣)، والثالث (٣) والرابع (٢) والخامس (٢) فانحصرت الصور عنده في (٣٦) صورة ذكرها بالتفصيل وبين الحكم في كل منها. والسبكي اعتبر العامل الأول، وهو الترتيب الزمني (٣)، والثالث وهو أنواع

стр. 681

القول (٣)، والسادس، وهو تكرّر مقتضى القول (٢)، فانحصرت عنده الصور في (١٨) صورة (١)، وذكر عامل التأسّي بالفعل في بعض الصور. وأما أبو شامة (٢) فقد أربى على شيخه الآمدي باعتبار عامل التعقُّب والتراخي أيضاً، فكانت الصور عنده اثنتين وسبعين (٧٢)، أسقط منها سدسها وهو (١٢) صورة، لأن عامل التعقُّب والتراخي لا أثر له في حالة الجهل بالتاريخ، كما تقدم. فانحصرت الصور عنده في (٦٠) ستين صورة، اكتفى بأن ذكر أنها ستون، وصوّرها بعبارات تدل على كل منها. ولم يبين الحكم في كل منها، وإنما ذكر القوانين الإجمالية التي ينبغي اتباعها عند تحديد الحكم في كل صورة. وقد تلقّف المسألة عنه الحافظ العلائي، وأخذ على عاتقه تفصيل هذه الصور الستن، وبيان الحكم في كل منها، واحدة واحدة. ثم مثّل بأمثلة كثيرة لتكون تطبيقاً وتدريباً ومزيد بيان. وسمّى رسالته (تفصيل الإجمال في تعارض الأقوال والأفعال) دلالة على ما صنعه في ذلك، إلا أنه لم يشر إلى أنه استمدّ مما صنع أبو شامة. وجاء الشوكاني (٣) بعد ذلك فذكر العوامل عينها التي اعتبرها أبو شامة والعلائي، ولكنه أخطأ في الحساب، فجعلها (٤٨) صورة، وقال ان ما ذكره أولى. ثم فصل القول في (١٤) صورة منها فقط، لأنه رأى أن أكثر الصور غير موجود في السنة. ونحن قد بيّنا في المطالب السابقة أن الأصح في بعض هذه العوامل الستة عدم تأثيره، ولذلك سنسقطه من الحساب. والعوامل التي نسقطها هي العامل الثاني، وهو عامل التعقُّب أو التراخي، والثالث وهو تكرر الفعل، والرابع وهو ثبوت الدليل على تأسّي الأمة بالفعل الخاص.

стр. 682

فالعوامل التي نراها مؤثرة ثلاثة لا غير، وقد فصلت في الجدول التالي: العامل الأول: .......... الترتيب الزمني ............ (٣) .......... تقدم القول. تقدم الفعل. الجهل بالتاريخ العامل الثالث: .......... أنواع القول ............... (٣) .......... عامّ لنا وله. خاص به. خاص بنا العامل السادس: ....... تكرّر مقتضى القول ....... (٣) .......... قيام الدليل عليه. عدم قيام الدليل عليه فتنحصر الصور عندنا في (١٨) صورة. وهي التي تفهم من كلام السبكي. هذا هو الذي يترجح عندنا في عدد صور اختلاف القول والفعل. ولكننا سنعمد إلى ذكر الصور التي ذكرها أبو شامة، وفصّلها العلائي، وذلك بأن نضع كلام العلائي بنصّه ملحقاً بآخر هذا البحث. وقصدنا بذلك إيضاح خلاف العلماء في هذه الأصول، وبيان مآخذهم، ولعلّ الله أن يوفق لنشر رسالته كاملة في المستقبل. وسنكتفي بذكر كلام العلائي عن أن نفصّل القول في الصور الستين، مع أننا قد قدّمنا رأينا في كل عامل من العوامل المؤثرة في اختلاف الصور المذكورة. أمثلة تعين على إيضاح ما تقدم المثال الأول: حديث ابن عباس قال: "احتجم النبي ﷺ وهو محرم واحتجم وهو صائم" (١) وحديث شداد بن أوس، ورافع بن خديج وثوبان وغيرهم: أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يحتجم، فقال: "أفطر الحاجم والمحجوم". ١ - التاريخ: ورد أن الحديث الأول، وهو احتجام النبي ﷺ ، كان في حجة الوداع. ذكره الشافعي. وأما قوله ﷺ : "أفطر الحاجم والمحجوم" فقد كان قبل ذلك لأن شداد بن أوس قال في حديثه (٢): "أن رسول الله ﷺ أتى رجلاً بالبقيع وهو يحتجم، وهو آخذ

стр. 683

بيدي، لثمان عشرة ليلة خلت من رمضان، فقال: "أفطر الحاجم والمحجوم" ومعلوم أنه ﷺ لم يدرك رمضان بعد حجة الوداع، فلا بدّ أن يكون قوله قبل فعله. ٢ - نوع القول: القول عام لنا وله. على سبيل الظهور. ٣ - قام الدليل على تكرر مقتضى القول، لأنه معلق بالصفة. فعلى هذا ينبغي أن يبقى حكم القول في حق الأمة، ويكون الإفطار خصوصية له. لكن يمنع القول بالخصوصية أنه لم يخص في باب القرب بشيء من الرخص. ولذلك يحصل التعارض، ويحكم بالنسخ في حقه ﷺ وحق الأمة. وقد سلك الشوكاني مسلك الجمع، فحمل القول على الكراهة، وفيه نظر، فإنه ليس نهياً حتى يصح حمله على الكراهة وإنما هو حكم بالإفطار. المثال الثاني: حديث أنس، وخلاصته: أن رهطاً من العرنيين غدروا براعي النبي ﷺ فقتلوه واستاقوا النعم، فبعث في آثارهم، فجيء بهم فسمل أعينهم، وتركهم في الحرة يستسقون فلا يسقون حتى ماتوا. مع حديث أنس والمغيرة: أنه ﷺ نهى عن المثلة (١). ١ - التاريخ: في رواية أنس أنه قال بعد أن ذكر حديث العرنيين: ثم نهى النبي ﷺ عن المثلة، فالفعل متقدم على القول. ٢ - القول وإن كان يبدو أنه خاص بنا، إلاّ أنه يشمله ﷺ ، على القول بأن المتكلم يدخل في عموم متعلق خطابه. ٣ - الدليل قائم على تكرر مقتضى القول، لأنه نهي، والنهي يقتضي دوام الترك. فظاهر هذا أنه يكون الحكم في حقنا وحقه ﷺ نسخ حكم الفعل المتقدم بالقول. والمعتمد عند الجمهور تحريم المثلة.

стр. 684

ورأى ابن الجوزي عدم التعارض، وأن ما فعله ﷺ بهم من سَمْلِ الأعين ليس من المثلة، بل كان من باب القصاص، لأنهم فعلوا ذلك بالراعي. ففي رواية لمسلم وغيره عن أنس أنه قال: "إنما سمل النبي ﷺ أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاة". وقول ابن الجوزي هذا حسن، وهو من باب الجمع بين الحديثين بحمل كل منهما على حال. فالمثلة المنهي عنها ما كان على سبيل التشفّي، بأن نفعل بالقاتل ما لم يفعله بالمقتول. أما إن فعل بالمقتول شيئاً كقلع العين أو قطع الأذن أو غير ذلك مما فيه القصاص، جاز أن يفعل به مثله، لقوله تعالى: ﴿والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ (١). المثال الثالث: حديث الفضل بن عباس أنه ﷺ قال: من أصبح جنباً فلا صوم له. وحديث عائشة وأم سلمة أنه ﷺ كان يصبح جنباً من جماع غير احتلام ثم يغتسل ويصوم. ١ - التاريخ مجهول. ٢ - القول عام لنا وله ﷺ ظاهراً. ٣ - الدليل قائم على تكرر مقتضى القول، لأن الحكم معلق بشرط. فظاهر ما تقدم حمل فعله ﷺ على الخصوصية، ويعمل في حق الأمة بالقول. وقد ذهب إلى هذا قوم. وينبغي أن يردّ ذلك، لأن النبي ﷺ لا يرخص له في باب القرب بشيء مما يقتضيه التعظيم، بل هو أولى بتعظيم شعائر الله، كما تقدم في فصل الخصائص من الباب الأول. فقد حصل التعارض، والذي ينبغي حسب القانون السابق تقديم القول. ولكن الذي ذهب إليه جمهور الفقهاء تقديم الفعل وهو يجري على أحد وجهين:

стр. 685

إما على سبيل ترجيح الفعل بموافقته لإشارة الآية: ﴿حتى يتبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ فإن إباحة الجماع إلى هذه الغاية يلزم منه جواز تأخير الغسل إلى ما بعدها. وهي الطريقة التى سلكها الشافعي. وإما على سبيل نسخ القول بالفعل، وقد مال إليه الخطابي. وقواه ابن دقيق العيد (١) بدلالة الآية، فإنها تدل على إباحة إصابة الجنابة إلى آخر الليل، بعد أن كان ذلك ممنوعاً. فيظهر أن قوله: ("من أصبح جنباً فلا صوم له" كان قبل نزول الرخصة. والله أعلم. المثال الرابع: الوضوء مما مست النار، ورد فيه حديث أبي هريرة وعائشة عند مسلم (٢) أن النبي ﷺ قال: "توضأوا مما مست النار" وعند مسلم أيضاً أنه ﷺ أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ. وقال جابر: "كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ عدم الوضوء مما مست النار" (٣). ١ - ذهب بعض الفقهاء إلى عدم التعارض بين الفعل والقول في هذه المسألة. والوجه في ذلك أن القول خاص بالأمة، لقوله ﷺ (توضأوا) وهو (أمر) والمخاطب لا يدخل في عموم خطابه. فعليه يكون الوضوء مما مست النار واجباً في حق الأمة لم ينسخ، وترك الوضوء مما مست النار، لأنه فعل مجرّد، يكون خاصاً بالنبي ﷺ . وممن ذهب إلى وجوب الوضوء مما مست النار عمر بن عبد العزيز، والحسن البصري والزهري وأبو قلابة وأبو مجلز، والشوكاني نقل هذا عنهم (٤) وأرجعه إلى القاعدة الأصولية، على اعتبار أن القول لم يشمله ﷺ ، وأن فعله ﷺ حمله على الخصوصية به.

стр. 686

٢ - وذهب بعض الصحابة منهم الخلفاء الراشدون، والأئمة الأربعة، إلى أنه لا يجب الوضوء مما مست النار. وقد احتجّ لهؤلاء بحديث جابر المتقدم: "كان آخر الأمرين منه ﷺ ترك الوضوء مما مسته النار". وهذا يدل على أنهم يرون فعله ﷺ في ذلك معارضاً لقوله، ولكونه متأخراً عنه، يكون ناسخاً له. وهذه الطريقة أصحّ مما ذهب إليه الشوكاني، فإن القول وإن كان موجّهاً إلى الأمة فإنه يشمل النبي ﷺ ، لأن المخاطب يدخل في عموم متعلق خطابه على الأرجح، ما لم يمنع من ذلك قرينة، ولا قرينة هنا، ولأن الفعل المجرّد دالّ في حق الأمة على ما اخترناه من قول المساواة، فيثبت بذلك النسخ. وهو المعتمد. والله أعلم.

стр. 687

الفصل الثالث تعارض الفعل والأدلة الأخرى أولاً - القرآن: إذا اختلف القول من القرآن العظيم مع الفعل من النبي ﷺ جاز الجمع بينهما، بوجه صحيح، كأن يحمل فعله ﷺ على الخصوصية به إذا دلّ عليها دليل، أو على أنه مخصص لدلالة القرآن في حقه ﷺ وحق الأمة. ومثاله: أمره تعالى في القرآن بغسل الوجه، فمع كثرة ما نقلوا في صفة وضوئه ﷺ ، وما فضلوه من ذلك، لم ينقل أحد منهم أنه كان يغسل داخل عينيه، فكان هذا دلالة على أنه مستثنى من عموم غسل الوجه (١). ومثال الحمل على الخصوصية أن الله تعالى قال: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ (٢) وقد جمع ﷺ أكثر من ذلك العدد، ودليل الخصوصية أنه منع من ذلك غيره، بل أمر غيلان بفراق ما زاد على أربعة، مع إقامته هو على الزيادة. ومثال التخصيص في حق الأمة أيضاً أنه تعالى قال: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة﴾ (٣) ورجم النبي ﷺ ماعزاً ولم يجلده. فدلّ على خروج الثيب من ذلك الحكم (٤). فإن لم يظهر للتخصيص وجه، لم يجز نسخ القرآن بالفعل النبوي، عند من

стр. 688

لا يجيز نسخ القرآن بالسنة النبوية (١). وهو الذي اخترناه. وقد تقدم إيضاحه. وأما من أجازه فهو يجيز نسخه بالفعل النبويّ، إلا أنه يشترط التواتر في ثبوت الفعل عند الأكثرين، لئلا يلزم نسخ المقطوع بالمظنون. ولا يجوز كذلك نصب المعارضة بين القول القرآني والفعل النبوي عند جهل التاريخ. بل القرآن مقدم على كل حال. وينبغي حمل الفعل على أنه صدر قبل نزول القرآن المعارض له. ثانياً- الإجماع: إذا خالف الإجماع الفعل النبويّ، فإن الإجماع مقدم عند كل من أثبت حجيّة الإجماع. وليس الإجماع هو الناسخ، وإنما يدل الإجماع على نص ناسخٍ لم ينقل إلينا. وأما من خالف في كون الإجماع حجة -كالشوكاني- فإن السنة الفعلية عنده مقدمة عليه. ثالثاً- القياس: إذا خالف الفعل القياس، فهو مبني على مسألة مخالفة القياس للسنة، وفيها قولان مشهوران: القول الأول: أن القياس إذا خالف السنة سقط، فلا ينسخها إن وَرَد بعدها، وإن جهل التاريخ فلا يقدم عليها. وهذا قول الجمهور من الفقهاء والأصوليين. ووجهه أن القياس إنما يستعمل مع عدم النص، فلا يجوز أن ينسخ النص، إذا الواجب اتباع النصوص، وكل قياس خالف النصوص فهو فاسد الوضع (٢). فعلى هذا القول ينبغي أن ينظر: هل تكون مخالفة القياس للفعل النبويّ بدرجة مخالفته للقول النبوي تماماً، فيردّ إذا خالف الفعل كما يرد إذا خالف القول؟.

стр. 689

إنه كما تقدم إيضاحه، قد اختلف في الفعل هل يقوى على نسخ القول أم هو أضعف من أن ينسخه؟ والذي ينبغي أن يقال: إن من أجاز نسخ القول بالفعل يلزمه إجازة نسخ القياس بالفعل، ومن أجاز نسخ القول بفعل من نوع خاص -كالفعل البياني- مثلاً- دون ما عداه، يلزمه إجازة نسخ القياس بذلك النوع. ومن عزل الفعل كله -أو نوعاً منه كالمجرد- عن الدلالة، يلزمه عدم إجازة نسخ القياس به. القول الثاني: إن القياس يعمل به إذا عارض السنة، فتنسخ به السنة المتواترة وغيرها. وقيل تنسخ به السنة الآحادية فقط، وقيل إن كانت علته منصوصة لا مستنبطة. وقال الصفي الهندي: محلّ الخلاف في حياة النبي ﷺ وأما بعده فلا ينسخ به باتفاق. فعلى هذا القول ينبغي أن يجوز نسخ حكم الفعل النبوي بالقياس من باب أولى. قولنا في المسألة: إننا بناء على قول الجمهور، من امتناع نسخ السنة بالقياس، نرى ما يلي: ١ - القياس الجلي -ونعني به القياس بنفي الفارق- إن عارض الفعل البياني، يقدم الفعل البياني مطلقاً، كتقديم القول على القياس. ٢ - أما القياس الجلي إن عارض الفعل المجرد، فلا ينبغي أن يشك في جواز نسخه لحكم الفعل المجرد، لأن حكم الفعل المجرد يتعدى إلينا بطريق القياس الجلي. كما تقدم إيضاحه. فيتعارض قياسان من نوع واحد، فينسح آخرهما أولهما. ٣ - أما قياس العلة إذا خالف الفعل البياني، فعلى الخلاف المذكور في نسخ القول بالقياس. لأن الفعل البياني بدرجة القول ولا فرق بينهما، والذي ينبغي أن يقدم الفعل البياني على القياس. ٤ - وأما قياس العلة إذا خالف الفعل المجرّد فإنه لضعف دلالته محل النظر،

стр. 690

والأولى أن يجري فيه مذهب الجمهور في تقديم السنن على الأقيسة. فينسخ القياس بالفعل المجرّد ويمتنع نسخ القياس له. والحاصل أننا نرى تقديم الفعل البياني على القياس بجميع أنواعه. أما الفعل المجرّد فنفرق بين مخالفته للقياس الجلي فنجعلهما بدرجة واحدة فيتعارضان، ويقدم المتأخر منهما إن علم وإلا فيرجح بينهما، فإن لم يمكن فالوقف. وبُيّن مخالفته لقياس العلة فنرى تقديم الفعل.

стр. 691

الفصل الرابع اختلاف التقرير والقَول أو الفِعْل تقدم في الباب الثاني ذكر التقرير، وأنه يدل على عدم تحريم الفعل على ذلك الفاعل، وأن مبنى حجيته أنه لو علم النبي ﷺ في الفعل دليلاً يحرّمه لوجب عليه إنكاره. فلما أقرّه علم أنه لا حرج فيه ولا يمنعه دليل شرعيّ. وتقدم أن حكم الفعل المقرر عليه يتعدّى إلى سائر الأمة على الصحيح. ثم يحتمل أنه قبل ذلك الإقرار لم يكن دليل يمنع من الفعل أصلاً. ويحتمل أن ثمة دليلاً ولكن أراد النبي ﷺ تبديله بذلك الإقرار. ودلالة التقرير على عدم الحرج في صورة عدم تقدم دليل محرم أقوى منها في صورة تقدم مثل ذلك الدليل. أما بالنسبة إلينا، فإذا جاءنا الإقرار، فلم نره يعارض دليلاً شرعياً، فالوجه فيه ما تقدم بيانه. وأما إن خالف دليلاً شرعياً، فإما أن يخالف السنة القولية أو الفعلية. وعلى كل ذلك فالعمل عند الاختلاف كما يلي:

стр. 692

المبحث الأوّل اختلاف التقرير والقول إذا اختلف القول والتقرير فإما أن يعلم تقدم التقرير على القول، أو يجهل المتقدم منهما، أو يعلم تأخر التقرير. فإن علم تقدم التقرير فلا عبرة به، ويقدم القول عليه، لأن التقرير قبل ورود الشروع لا يدلّ على حكم شرعي، إذ النبي ﷺ كان لا ينكر أمراً لم يرد فيه شرع. وإن جهل المتقدّم منهما فيحتمل أن يكون الحكم كذلك، لأن القول أقوى منه. ويحتمل أن يجري فيه التعارض. أما إن تقدم القول، وجاء التقرير بعده مخالفاً له، فإنه يجب التخلُّص بواحد من الأوجه التالية بالترتيب: الأول: الجمع، بحمل القول إن كان نهياً على الكراهه، وإن كان أمراً على الاستحباب. وهذا أولى الوجوه وأيسرها، لأن فيه عملاً بكلا الدليلين. وقد قال ابن حزم: "إن كان تقدم في ذلك الشيء نهي فقط ثم رآه ﷺ أو علمه فأقرّه، فإنما ذلك بيان أن النهي على سبيل الكراهة فقط، لأنه لا يحل لأحد أن يقول في شيء من الأوامر: إن هذا منسوخ، إلا ببرهان جلي. ومن قال في شيء من أوامر الله تعالى أو أوامر رسوله: هذا منسوخ أو مخصوص أو ليس عليه العمل، فقد قال: دعوا ما أمركم به ربكم ونبيكم ولا تعملوا به، وخذوا قولي وأطيعوني في خلاف ما أمرتم به" (١).

стр. 693

الثاني: الحمل على الخصوصية: بأن يقال إن التقرير هذا خاص بمن قرر وحده، ولا يلتحق به غيره. وهو مقتضى ما ذهب إليه الباقلاني وسائر من قال إن حكم التقرير لا يعدى إلى غير المقرر. وقد تقدّم الرد عليه. فلما قام الدليل على أن الناس في أحكام الشرع سواء، لم يجز الحمل على الخصوصية إلاّ أن يأتي دليل يدل على ذلك، كتخصيص أبي بردة بالتضحية بعناق، وتخصيص خزيمة بقبول شهادته وحده. فهذا الوجه وإن قال به البعض، مردود من أساسه ما لم يأت الدليل المذكور. وقد اختار ابن الحاجب (١) وغيره الخصوصية في ما إذا لم يتبيّن معنى يقتضي إلحاق غير المقرّر بالمقرّر. وسيأتي قريباً. ثم حيث قيل بالخصوصية للمقرر، فهي إما على وجه التخصيص من حكم العام (أعني بيان أنه لم يرد دخوله في العامِّ أصلاً)، وإما على وجه النسخ في حقه، والأول أولى حيث أمكن، وإلاّ فيتعين النسخ. ويتعيّن في أحوال؛ منها: أن يكون القول خاصاً بالمقرر، أو يكون المقرر قد علم دخوله في حكم العام بدليل. الثالث: التخصيص في حق الأمة: وذلك بأن يعلم معنى خاص في المقرر لأجله حصل الإقرار، فمن وجد فيه ذلك المعنى استثنى أيضاً من حكم العام قياساً على المقرر، بمقتضى العلة، وبدلالة الإجماع على أن الأمة في أحكام الشرع سواء (٢).

стр. 694

وهذا الوجه أيضاً مقدم على النسخ في حق الأمة، لأن فيه عملاً بدلالة التقرير في حيّز المعنى المشترك، وعملاً بدلالة القول في ما خرج عن ذلك. ومن التخصيص أيضاً أن يكون القول عاماً في جنس من الأشياء، ويكون التقرير على خلاف العموم في نوع من ذلك الجنس، فيخصص العموم بالتقرير ومثاله: الأمر بأخذ الزكاة من الأموال، ثم أقرهم على ترك أخذ الزكاة من الدور والأثاث والخيل وغيرها. الرابع: نسخ القول بالتقرير: وسواء أكان القول في حق المقرر وحده أو كان عاماً له ولغيره، لأن حكم التقرير عام كما تقدم. فينسخ عموم القول. ولم يرتض هذا الوجه الآمدي (١) وابن الحاجب (٢) وغيرهما. ورأيا أنه إذا لم يتبيّن علة تقتضي إلحاق غير المقرر بالمقرر، أن الواجب حمل التقرير على الخصوصية بالمقرر وحده. ونقل الزركشي (٣) والعلائي: "أن كثيراً من أئمة الأصول صرحوا بأن الفعل إذا سبق تحريمه، فيتضمن تقريره نسخ ذلك التحريم" (٤) قال الزركشي: "وقد نص الشافعي أن تقرير النبي ﷺ للصلاة قياماً خلفه، وهو جالس، ناسخ لأمره السابق بالقعود" وممن صرح بنسخ الأمر بالتقرير ابن حزم (٥). وهو ظاهر صنع الغزالي (٦). وقد وجّه ابن الحاجب قوله، بأنه لما انتفت العلّة الجامعة امتنع قياس العلة، ولا يجوز هنا الإلحاق بنفي الفارق لأنه إنما يصح إذا علم انتفاء الفارق، لأن الاختلاف في الأحكام ثابت قطعاً، كالطاهر والحائض، والمقيم وللسافر، وهنا لم يعلم انتفاء الفارق فلا يجوز الإلحاق.

стр. 695

ونحن نرى أن القول بجواز نسخ القول بالتقرير، أصحّ من القول بامتناعه، وذلك من أوجه: الأول: أنه قد يعلم انتفاء الفارق في بعض الصور، كالمثال الذي نقلنا قول الشافعي فيه. الثاني: ما نقل من الإجماع على أن الأمة في أحكام الشرع سواء. ويشهد له في هذا المقام ما ورد عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: "ردّ النبي ﷺ التبتل على عثمان بن مظعون، ولو أذن له لاختصينا" (١) إذ أن قوله هذا يدل على أنهم كانوا يرون التقرير لواحد على خلاف العموم، هو تقريره لغيره. الثالث: أنه لو كان الإقرار على خلاف مقتضى العموم خاصاً بالمقرر لوجب على النبي ﷺ بيان الخصوصية، لئلا يكون ذلك تلبيساً على من علم بذلك الإقرار. وقد قال الغزالي: "لو كان (الفعل القرر عليه) من خاصيته -أي المقرر- لوجب على النبي ﷺ أن يبيّن اختصاصه، بعد أن عرّف أمته أن حكمه في الواحد كحكمه في الجماعة، فيدلّ من هذا الوجه على النسخ المطلق" (٢). صور اختلاف التقرير والقول: إذا أقرّ النبيّ ﷺ إنساناً مؤمناً متبعاً على فعلٍ سبق النهي عنه، أو على ترك فعل سبق الأمر به، فتقريره حجة كما تقدم. وفي المسألة عوامل ثلاثة تؤثّر في حكمها: العامل الأول: (وله حلاّن) لأن القول إما أن يكون خاصاً بالمقرر، أو عاماً له ولغيره. فإذا كان القول خاصاً به، لم يحتمل أن يكون التقرير تخصيصاً، واحتمل أن يؤول القول إن أمكن، وإلاّ فالنسخ.

стр. 696

أما إن كان القول عاماً للمقرر وغيره فإما أن يؤول القول، أو يكون التقرير تخصيصاً إذا ظهر المعنى، وإلاّ فالنسخ. العامل الثاني: (وله ثلاثة أحوال) أن يكون القول نصّاً في الإلزام كلفظ الوجوب والفرض، والتحريم، والحظر، أو يكون ظاهراً في الإلزام كلفظ الأمر والنهي. أو لا يكون للإلزام أصلاً، كألفاظ الترغيب والإباحة. فإن كان القول نصّاً في الإلزام، لم يحتمل الجمع بينه وبين التقرير بحمل القول على الاستحباب أو الكراهة. ولكن يجب المصير إلى التخصيص إن صح، وإلاّ فالنسخ. وإن كان القول ظاهراً في الإلزام، أمكن الجمع بحمله على خلاف ظاهره، فيكون للاستحباب أو الكراهة. وإن كان القول للاستحباب أو الكراهة فلا تعارض. تنبيه: في الإقرار على فعل المكروه بحث، وينظر في فصل الإقرار من الباب الثاني. العامل الثالث: (وله حالان) أن يقوم دليل على تكرار مقتضى القول، أو لا يقوم عليه دليل. ومثال ما قام الدليل على تكراره النهي، فإنه يقتضي الدوام. وكذلك الأمر إن علّق بسبب أو وصفٍ متكررين. فإن أقرّ على خلافه وجب المصير إلى الجمع إن أمكن، وإلا فالتخصيص وإلاّ فالنسخ. أما إن لم يقم الدليل على وجوب تكراره فلا تعارض أصلاً إذا كان المقَرُّ قد فعله مرة واحدة. فإن كان لم يفعله ألبتة، وأقره على تركه، فهو كما لو قام الدليل على تكرر مقتضى القول. ففي المسألة اثنتا عشرة صورة، تنشأ من ضرب عدد أحوال العوامل بعضها في بعض.

стр. 697

وفي ما ذكرناه من هذا القول المجمل كفاية، ولا حاجة إلى ذكر الصور التفصيلية. ونزيد المسألة بذكر عدة أمثلة تعين على توضيح المقصود. وبالله التوفيق. أمثلة على اختلاف القول والتقرير: المثال الأول (١): حديث جابر أنه ﷺ قال في الإمام: "إن صلّى قاعداً فصلّوا قعوداً أجمعون" (٢) ثم ثبت أنه صلّى في مرض موته بأصحابه جالساً وهم قيام. فهذا التقرير متأخّر. والقول وإن كان أمراً يُظَنُّ إمكان حمله على الاستحباب كما فعل ابن حزم (٣) في هذا المثال، لكن لما كان في شأن متابعة الإمام، فمتابعته واجبة، كما هو ظاهر من سياق الحديث بتمامه. وكون الأمر معلقاً بالشرط يبين أنه للتكرار. واجتماع هذه الأمور يعين النسخ. وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: الأول: أن يقدم القول. فيمتنع القيام خلف الإمام الجالس للضرورة، إذا كان المأموم قادراً. وإليه ذهب الحنابلة، وابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان من الشافعية، قالوا: وهذا إن ابتدأ الإمام الصلاة قاعداً، فإن ابتدأها قائماً ثم عرض له العذر فجلس، استمروا قياماً، أخذاً من ابتداء أبي بكر الصلاة قائما ثم جاء النبي ﷺ فصلّى بهم جالساً. وهذا نوع من الجمع بين القول والتقرير بحمل كل من الحديثين على حالة خاصة.

стр. 698

والثاني: وهو قول الشافعي والحنفية. أنهم يصلون قياماً والإمام قاعد. ووجهه أن التقرير ناسخ للقول المتقدم. فيزول وجوب الجلوس خلف القاعد. وإذا زال تعيّن القيام، على الأصل من أن القيام ركن في الفرض في حق القادر عليه. والثالث: مذهب مالك ومحمد بن الحسن، أن اقتداء القادر على القيام، بالقاعد، لا يصحّ أصلاً، سواء صلّى المأموم قاعداً أو قائماً. ووجهه أيضاً نسخ القول بالتقرير، فيزول وجوب القعود خلف الإمام القاعد. ثم نسخت إمامة القاعد جملة بحديث: "لا يؤمّنَّ أحد بعدي جالساً" (١). وهو حديث ضعيف. المثال الثاني: قوله ﷺ للذي نشد الضالة في المسجد: "لا وجدتّ، إنما بنيت الساجد لما بنيت له" (٢). وورد أنه ﷺ أقرّ الحبشة يوم العيد على اللعب بالحراب في المسجد. واضح أن هذا من جنس التخصيص، فإن هذا النوع من اللعب تمرين على الجهاد وتنشيط له. ولأن إظهار الفرح والسرور مشروع ليوم العيد. المثال الثالث: أنه ﷺ حرّم التصوير ولعن المصوّر (٣). وورد أن عائشة اتخذت وسادتين فيهما صور، وأنها كانت تلعب بالبنات - وهي اللعب الصغار- وأقرّ النبي ﷺ ذلك. فمن العلماء من أخذ بالقول، واعتبر التقرير سابقاً في التاريخ على القول، فلم يأخذ به.

стр. 699

ومنهم من قال بالتخصيص، فيجوز اتخاذ الصور الممتهنة، في البسط والفرش ونحوها دون ما سواها. ويجوز أيضاً اتخاذ اللعب لصغار النساء تدريباً لهن على العناية بالأطفال. المثال الرابع: نهيه ﷺ عن الغلول، وإحراقه رحل الغال (١)، يدل على تحريمه. وورد عن عبد الله بن مغفّل أنه أصاب جراب شحم يوم خيبر. قال: "فالتزمته فقلت: لا أعطى اليوم أحداً من هذا شيئاً. فالتفتُّ فإذا رسول الله ﷺ متبسماً". اتفق العلماء (٢) على أن هذا الحديث مخصّص للنهي عن الغلول، وأنه يجوز الأكل من طعام أهل الحرب ما دام المسلمون في دار الحرب، فيأكلون منه قدر حاجتهم.

стр. 700

المبحث الثاني اختلاف التقرير والفعل إذا اتفق الفعل والتقرير، فذلك يزيد في قوة دلالة الفعل، لأنه يقطع احتمال الخصوصية بالنبي ﷺ . أما إذا خالف التقرير الفعل فإنه يقدح في دلالته ويضعفها (١). واختلاف التقرير والفعل أن يفعل النبي ﷺ شيئاً، ويقر أحداً على تركه، أو بتركه شيئاً ويقر أحداً على فعله. فإن كان ذلك في الأفعال الجبلية أو نحوها مما لا دلالة له على تشريع فلا أثر له. وكذلك الأفعال الدالة على الإباحة. وإن كان الفعل خاصاً بالنبي ﷺ ، فإقراره على خلافه واضح أنه من باب التقرير الابتدائي. وأما إذا كان فعله بيانياً، أو امتثالياً، فأقر على خلافه أو دل الدليل على أن فعله المجرّد للوجوب فأقر على خلافه، فهو موضع للنظر. والذي يظهر أنه إن أمكن الجمع وجب المصير إليه، وإلا فالتخصيص. فإن لم يكن وكان الفعل متأخراً فهو المعتبر، وإن كان متقدماً اعتبر حكمه منسوخاً بالتقرير، وإن جهل الحال يقدم الفعل (٢) على التقرير لأنه أدل منه، ولأن التقرير يطرقه من الاحتمالات ما لا يطرق الفعل.

стр. 701

أمثلة على اختلاف الفعل والتقرير: من أمثلة اختلاف الفعل والتقرير ما في حديث جابر في صفة الحج أن النبي ﷺ : "أهل التوحيد: لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك لبيك. إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك" ولبى الناس، والناس يزيدون "لبَّيْكَ ذا المعارج" والنبي ﷺ يسمع فلم يقل شيئاً" (١). اهـ. فما كان يقوله النبي ﷺ في تلبيته فعل بياني. وتقريره يدل على أن الاقتصار على ذلك اللفظ غير متعين بل يجوز زيادة ما بمعناه من اللفظ. ثم قد قيل إن الاقتصار على اللفظ النبوي أولى. وفيه نظر، إذ إن لكل ما زاد من الذكر أجره. مثال ثان: تركه ﷺ أكل الضب. وقد أكل على مائدته. لا تعارض هنا، لأنه تركه على وجه العيافة له، وذلك أمر جبلّيّ. ختام الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. اللهم كما أرسلت إلينا رسولاً من أنفسنا من يعلمنا الكتاب والحكمة، ويعلمنا ما كنا به جاهلين، اللهم كما بدأتنا بنعمتك قبل استحقاقها، وأدمتها علينا مع الإعراض منا والغفلة والتقصير، اللهم وكما وجهت همتي إلى خدمة سنة رسولك العظيم، وتيسير العمل بها للعاملين، اللهم وكما أعنت على التمام، ويسَّرت الوصول إلى المرام، وأزحت عن البدن علله، وعن النفس عوائقها،

стр. 702

اللهم فإني أرفع إليك ثمرة الجهد الضئيل لولا عونك، فاجعل فيها من بركاتك، فإن القليل بنعمتك كثير، والحقير بها كبير. ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم. ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير.

стр. 703

ملحق الصور التفصيلية لاختلاف القول والفعل مع بيان الحكم في كل منهما قطعة من رسالة الحافظ العلائي المسمَّاة تفصيل الإجمال في تعارض الأقوال والأفعال المخطوط رقم (١٣٥ مجاميع بدار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة)

стр. 704

الحافظ العلائي (١): تفصيل حكم هذه الصور يتضح بجعلها على أربعة أقطاب، بحسب تكرر الفعل أو التأسّي به [أو عدم أحدهما]، أو عدمهما. القُطبُ الأوَّل أن لا يدل دليل على وجوب تكرار الفعل في حقه ﷺ ، ولا على وجوب تأسّي الأمة به فيه. ويتضمن خمس عشرة صورة: لأنه إما أن يكون القول خاصّاً به، أو خاصاً بنا، أو عامّاً لنا وله. وعلى الأقسام الثلاثة: إما أن يعلم تقدم الفعل، أو تقدم القول، أو يجهل التاريخ. وفي حالتي التقدم: إما أن يتعقّب الآخر أو يتراخى. ١ - الصورة الأولى: أن يتقدم الفعل. ويكون القول خاصاً به، متصلاً بالفعل، من غير تراخ. ٢ - والثانية: أن يكون كذلك، إلاّ أنه متراخ عن الفعل. ومثاله في الصورتين: أن يفعل ﷺ فعلاً، ثم يقول: إما على الفور أو على التراخي: لا يجوز لي مثل هذا الفعل في مثل ذلك الوقت. ففي هاتين الصورتين لا تعارض بين القول والفعل أصلاً لا في حقه، ولا في

стр. 705

حق الأمة، أما في حقه ﷺ فلأن القول لم يرفع حكم ما تقدم من الفعل في الماضي ولا في المستقبل. لأن الماضي لا يرتفع، والفرض أن الفعل غير مقتضٍ للتكرار بالنسبة إليه. وأما في حق الأمة فظاهر، لأنه ليس لأحد من القول والفعل تعلّق بهم. ٣، ٤ الصورتان الثالثة الرابعة: أن يتقدم هذا الفعل ويكون القول (١) خاصاً بالأمة إما متعقباً، أو على التراخي. مثل أن يفعل ﷺ فعلاً، ثم يقول: لا يجوز لكم هذا الفعل. ففي هاتين الصورتين أيضاً لا تعارض بينهما، لأن الفعل لم يقم دليل خاص على تأسي الأمة به فيه. فكان مختصاً به. والقول خاص بالأمة، فلا تعارض. هكذا صرح به جماعة منهم الآمدي وابن الحاجب. فإن قيل: لا يلزم عن عدم قيام الدليل على التأسّي به في هذا الفعل الخاص أن يكون مختصاً به، بل يكتفى بالأدلة العامة على التأسّي به مطلقاً. قلت: لو اعتبر ذلك لزم منه النسخ، والتخصيص أولى منه. فلذلك قلنا أن الفعل يكون خاصاً به ﷺ . ٥، ٦ الصورتان الخامسة والسادسة: أن يتقدم الفعل، ويكون القول بعده، عاماً له وللأمة إما متعقباً، أو على التراخي. فقال الآمدي وغيره لا معارضة بينهما أيضاً: أما بالنسبة إليه ﷺ فلما تقدم فيما إذا كان القول خاصاً به. وأما بالنسبة إلينا فلأن فعله غير متعلق بنا على ما وقع به الفرض. وفصل ابن الحاجب بين أن يكون العموم بطريق التنصيص أو بطريق الظهور. فإن كان على وجه النصوصية، مثل أن يفعل فعلاً، ثم يقول: حرم علي وعلى أمتي هذا الفعل في مثل ذلك الوقت، فلا تعارض أصلاً، لا في حقه ولا في
следующие страницы →