١ - " التاريخ الكبير " للبخاري قال (٢ / ١ ٤٦٠) :
يتكلمون في حفظه
زاد فيه ابن عساكر في " التاريخ " (٧ / ٢١٥ - المصورة) و " التهذيب ": " وهو محتمل "
[٨٢]
стр. 107
٢ - الجرح والتعديل " لابن أبي حاتم فإذا رجعت إليه وجدت فيه:
أولا: عن ابن عيينة: " كان حافظا "
ثانيا: عن أبي زرعة الدمشقي قال: سألت دحيما: ما كان قول من أدركت في سعيد بن بشر؟ فقال:
يوثقونه وكان حافظا
ثالثا: قال أبي وأبو زرعة:
محله الصدق عندنا
رابعا: سمعت أبي ينكر على من أدخله في " كتاب الضعفاء " وقال: " يحول منه "
стр. 108
٣ - " الكامل " لابن عدي ختم ترجمته بقوله (٣ / ٣٧٦) :
ولا أرى بما يروي الوليد بن مسلم عنه بأسا ولعله يهم في الشيء بعد الشيء ويغلط والغالب على حديثه الاستقامة والغالب عليه الصدق
стр. 109
٤ - " الضعفاء " لابن الجوزي قال فيه (١ / ٣١٥) - بعد أن حكى أقوال مضعفيه -:
وقد وثقه شعبة ودحيم
[٨٣]
стр. 110
قلت: وهناك مصادر أخرى أشار إليها السندي بقوله: " وغيرها " منها:
стр. 111
٥ - " تهذيب التهذيب " قال فيه: قال البزار:
وهو عندنا صالح ليس به بأس
стр. 112
٦ - " الكاشف " للذهبي قال:
قال البخاري: يتكلمون في حفظه وهو محتمل وقال دحيم: ثقة كان مشيختنا يوثقونه
ولم يذكر الذهبي شيئا من أقوال من جرحه فهذا معناه أنه مقبول عنده ويؤيده أنه أورده في كتابه: " معرفة الرواة المتكلم فيهم بما لا يوجب الرد (ص ١١٢ - ١٤٤) :
وثقه شعبة وغيره وقال البخاري: يتكلمون في حفظه قال النسائي: ضعيف
قلت: فهذه النصوص من هؤلاء الأئمة - ومن المصادر التي أحال السندي القراء إليها - تؤكد بكل وضوح أنه كان يدلس على القراء لأنها لا تدل على أن سعيدا هذا ضعيف جدا لا يصلح للاستشهاد به بل هي إن لم تدل على أنه وسط يستدل بحديثه فهي على الأقل تدل على أنه يعتبر ويتقوى به وهذا ما صرح به الزيلعي فقال في " نصب الراية " (١ / ٧٤) - بعد أن ذكر بعض ما قيل فيه مما تقدم -:
وأقل أحوال مثل هذا أن يستشهد به
[٨٤]
стр. 113
قلت: وهذا مطابق تماما لما جرينا عليه في " الحجاب " من تقوية حديثه وأنه صالح للاستشهاد به فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
والخلاصة: أنني لا أريد مما سبق بيان ما فعله المشايخ - وبخاصة السندي منهم فضلا عمن قلدهم وألف في تضعيف الحديث - من كتمان الأقوال الموثقة لسعيد والمقوية لحاله وأنه صالح للاستشهاد به. والله الموفق
الثالث: أنهم جهلوا أو تجاهلوا أن سعيد بن بشير هذا لم يتفرد بمتن هذا الحديث بل قد تابعه عليه ثقة حافظ عند أبي داود في " المراسيل " (٣١٠ / ٤٣٧) بسنده الصحيح عن هشام عن قتادة: أن رسول الله ﷺ قال: فذكره نحوه
وهشام هذا هو ابن أبي عبد الله الدستوائي وهو ثقة ثبت من رجال الشيخين
قلت: فهذه متابعة قوية من هشام لسعيد تدل على أن سعيدا قد حفظ متن الحديث وأخطأ في إسناده إلى عائشة لمخالفة هشام إياه فإنه لم يجاوز به قتادة فيكون إسناده مرسلا صحيحا لأن قتادة تابعي جليل قال الحافظ في " التقريب ":
ثقة ثبت
[٨٥]
стр. 114
وحينئذ يجري فيه حكم الحديث المرسل إذا كان له شواهد وهذا ما سيأتي بيانه ومن جهل بعض المتعلقين بهذا العلم أنه بعد أن ضعف رواية سعيد بن بشير عن قتادة عن خالد بن دريك عن عائشة تضعيفا شديدا عاد يعتمد عليها ليضرب بها رواية قتادة هذه الصحيحة المرسلة فقال:
فإن قتادة قد روى الحديث عن خالد بن دريك عن عائشة فلا يمتنع أن يكون أسقط خالدا وعائشة فذكر الحديث مرسلا إذ أن قتادة مدلس
كذا قال العدوي في " حجابه " (ص ٧٢) وتبعه العنبري في كتيبه (ص ٢٥)
فتأمل كيف جزم برواية قتادة عن خالد. . . بعد أن ضعفها جدا وتأول بها رواية هشام عن قتادة الصحيحة؟ أليس هذا من قبيل اللعب على الحبلين أو الكيل بكيلين؟
أما نحن فقد رجحنا رواية قتادة هذه المرسلة لقوة إسنادها اتباعا لعلم الحديث وإن كنا نعتقد أن ذلك لا يوهن من حجتنا شيئا لأن كلا من الرواية المرسلة والمسندة تؤيد الأخرى متنا ويشهد لهما الحديث الثالث عن أسماء بنت عميس المذكور في الكتاب (ص ٥٨) ولقد صنع فيه العدوي ما صنع السندي في حديث عائشة فقد أعلن (ص ٧٠) أن ضعفه شديد ثم بين له ثلاثة علل ليس فيها ما يؤيد زعمه المذكور:
[٨٦]
стр. 115
الأولى: ابن لهيعة. وكنت ذكرتها في " الحجاب " وبينت أنه يستشهد به وهو الذي عليه العمل عند الحفاظ كابن تيمية ﵀ كما سيأتي (ص ٩٦)
الثانية: عياض بن عبد الله. فذكر اختلاف العلماء فيه وأن أكثرهم ضعفه وهذا كما ترى لا يعني أنه شديد الضعف بل هو كابن لهيعة كما يدل على ذلك قول الحافظ في " التقريب ": " فيه لين ". ولذلك تحاشاه العدوي
الثالثة: قول الراوي: " أظنه عن أسماء. . . ". قال: " وهذا يوهن السندي "
فأقول: كلا لأن المراد: الظن الراجح وهو مما يجب العمل به - كما هو مقرر في علم الأصول - على أن القول المذكور إنما جاء في رواية البيهقي فقط خلافا لرواية الطبراني في " المعجم الأوسط " والطريق واحدة وخلافا لروايته في " المعجم الكبير " من طريق أخرى عن ابن لهيعة
ثم هب أن هذا القول ثابت في الرواية فمن أين لك أنها تعني الضعف الشديد الذي زعمته؟ إذ المعنى المتبادر أنه يظن - أعني: الراوي - أن الحديث عن أسماء أو غيرها من الصحابة وأسوأ الاحتمالات أنه لا يدري هل هو مسند عن صحابي أو مرسل؟ فهل ذلك يجعل الإسناد ضعيفا جدا؟ أم هي الأهواء التي تعمي وتصم؟ ولعله مما يؤيد ما ذكرته من الظن الراجح أن عبيد بن رفاعة الراوي عن أسماء معروفة بروايته عنها
[٨٧]
стр. 116
من غير هذه الطريق في " السنن الأربعة " و " المسانيد " وغيرها وله فيها حديث كنت خرجته في " سلسلة الأحاديث الصحيحة " برقم (١٢٥٢) وغيره
ثم جاء من بعد العدوي من قلده في زعمه بشدة الضعف في العلتين الأوليين دون الثالثة وكأنه بدا له أنه لا قيمة لها وأنها ليست بعلة مطلقة ولكنه زعم علة أخرى هو فيها أبطل من مقلده فزعم أن عبيد بن رفاعة مجهول لم يوثقه غير ابن حبان والعجلي ذاك هو العنبري إذ قال في كتيبه (ص ١٦) :
ولا يخفى أن توثيقهما رخو لا يعتمد عليه
كذا قال أصلحه الله فإن الرخاوة التي زعمها ليست على الإطلاق وإنما في توثيق من لا يعرف إلا برواية الواحد والاثنين - كما حققته في غير هذا الموضع - وعبيد هذا كذلك فقد روى عنه جمع من الثقات كما ترى في " التهذيب " ووثقه الذهبي في " التلخيص " وصحح له الترمذي والحاكم ثم هو إلى ذلك تابعي ولد في عهد النبي ﷺ بل قيل بصحبته فالعجب من هؤلاء الناشئين المغرورين بأنفسهم وجرأتهم وتسرعهم في إصدار الأحكام على الرواة وغيرهم بما لم يسبقوا إليه من الحفاظ النقاد والأمر الذي يذكرنا بالمثل المعروف: " تزبب قبل أن يتحصرم ". على أنه لو سلمنا بجهالة عبيد هذا فذلك لا يمنع من الاستشهاد به كما سيأتي في كلام ابن تيمية (ص ٩٧ - ٩٨)
[٨٨]
стр. 117
ومن ذلك أن المومى إليه انتقد صاحبنا على الحلبي لأنه استشهد في تقوية حديث عائشة بقول الحافظ في " التلخيص ": " وله شاهد أخرجه البيهقي. . . " وذكر إسناده بحديث أسماء وسكوت الحافظ عليه فقال صاحبنا عقبه (ص ٣٩) :
كأنه يحسنه به كما هو معروف من منهجه رحمه الله تعالى إذا لا يورد المحدث شاهدا إلا لما ينجبر عنده وإلا فماذا يفيده الشاهد إذا كان غير نافعه؟
فانتقده المومى إليه بما خلاصته (ص ١٦) : أن المحدثين الأقدمين ومنهم المعاصرين ما زالوا يذكرون الحديث الضعيف أو الموضوع ويوردون شواهده التي لا تزيده إلا وهنا على وهن ولم يقل أحد: أنهم بذلك يحسنون الحديث ثم ذكر ستة أمثلة على ذلك: أحدها من " اللآلي " للسيوطي والأخرى من كتابي " الضعيفة " والإرواء " ثم أجاب عن سؤال طرحه هو خلاصته: أن إيراد المحدثين للطرق الضعيفة إنما هو من أجل التنبيه على ضعفها (١)
قلت: وهذا انتقاد باطل يدل على جهل بالغ بهذا العلم الشريف وأصوله فإن تقوية الحديث بكثرة الطرق - بشرط أن لا يشتد ضعفها - أمر معروف وسبيل مطروق عند علماء الحديث لا حاجة للاستدلال له (١)
стр. 118
وهو الحديث الحسن لغيره الذي يكثر الترمذي من ذكره في " سننه " وتحدث عنه في " العلل " الذي في آخره (١٠ / ٤٥٧) وكتبي طافحة بهذا النوع من الحديث والتذكير به ولا سيما " الصحيحة " منها وكذلك النقل عن كتب التراجم وتفريقهم بين الراوي الضعيف الذي يستشهد به وغيره ممن لا يستشهد به لشدة ضعفه والأمثلة التي ذكرها تختلف كل الاختلاف عن حديث أسماء الذي استشهد به الحافظ واستقوى به صاحبنا من ناحيتين:
إحداهما: أنها - أعني: الأمثلة - شديدة الضعف فلا تصلح للشهادة
والأخرى: أن الذين أوردوها أتبعوها ببيان شدة ضعفها فأين هذا من صنيع الحافظ رحمه الله تعالى الذي رده المومى إليه؟ فإن الحافظ لم يبين ضعفه ولو فعل لم يصح تشبيهه بتلك الأمثلة لأنه ليس شديد الضعف. وأما جوابه المذكور فهو مما يؤكد جهله بهذا العلم لأنه لم يبين سبب التنبيه على الضعف وثمرته والجواب يعرف بعضه على الأقل مما سبق وهو أنه إذا كان الضعف يسيرا وتعددت طرقه تقوي الحديث ووجب العمل به كحديثنا هذا وإلا كان غريبا لم يجز العمل به بل ولا روايته إلا ببيان ضعفه وهذا ما أخل به جماهير المؤلفين فإنهم يتساهلون برواية الأحاديث الضعيفة دون بيان ضعفها كما فعل التويجري في الأمثلة العشرة المتقدمة وتجاهل هو وغيره تقوية هذا الحديث بطرقه
[٩٠]
стр. 119
من جهة أخرى والسندي والعدوي وغيرهما يعرفون هذا جيدا ولذلك زعموا شدة ضعف طرقه وقلدهم في ذلك المومى إليه - كما تقدم - دون أن ينتبه إلى ما يرميان إليه من الزعم المذكور
ثم استدركت فقلت: بلى إنه قد تنبه لذلك وتابعهم عليه قصدا فإنه لما تكلم على إسناد حديث قتادة المرسل قال (ص ٢٣) :
الحق أن الإسناد إلى قتادة صحيح نظيف جدا وصواب أن المرسل إذا اعتضد بسند ضعيف فإنه يصير صحيحا محتجا به هذا حق لا جدال فيه ولكن فات أولئك الذين يعتمدون هذا الكلام أن مراسيل قتادة ضعيفة لا تقوم بها حجة أبدا
ثم سود أكثر من صفحة بالنقل عن بعض الأئمة أنه لا يحتج بمرسل قتادة وأنه بمنزلة الريح
فأقول - والله المستعان على نابتة هذا الزمان -:
عدم الاحتجاج بمرسل قتادة ليس موضع خلاف وإنما: هل يتقوى بالمسند الضعيف أم لا؟ هذا هو الموضوع فنحن نرى تبعا للبيهقي وغيره أنه يتقوى وهو صريح قول المومى إليه: " وصواب. . . " إلخ لكنه لحداثته لم يثبت عليه فنقضه بقوله: " ولكن فات أولئك. . . " ولذلك رد بقلة أدب وجهل بالغ على البيهقي تقويته لمرسل خالد بن دريك الذي كنت نقلته عنه في " الكتاب " (ص ٥٩) فقال هذا الحدث (ص ٢٥) :
[٩١]
стр. 120
" فليس قويا لأن المرسل ضعيف. . . "
فأقول: لم يفتنا - والحمد لله - ما زعمت فإننا لم نحتج بمرسل قتادة وإنما به وبما انضم إليه من الشواهد كما كنا ذكرنا في " الجلباب " (ص ٥٨ - ٥٩) وإنما أنت الذي فاتك " صوابك " الذي نقضته بآخر كلامك ثم تطاولت على الإمام البيهقي ثم الذهبي الذي قوى مرسل خالد بن دريك بقول الصحابة - يعني: ابن عباس وابن عمر وأبا هريرة وغيرهم كما تقدم (ص ٣٤ و ٤٩ - ٥١) و (ص ٥٩) من " الجلباب " - فلم ترفع إلى ذلك رأسا واستكبرت وقلت دون أدنى خجل: " وهو معارض بقول من مضى من الصحابة أيضا وقد سلف قول ابن مسعود رضي الله عن هـ "
فأقول: هذه المعارضة تدلنا على أنك متطفل في هذا العلم وأنك تهرف بما لا تعرف فمن هم الصحابة الذين تعارض بقولهم قول الصحابة الذين أشار إليهم البيهقي؟ إنهم لا وجود لهم إلا في مخيلتك فالمعارضة باطلة
وأما قول ابن مسعود فقد سبق الجواب عنه في " الكتاب " (ص ٥٢ - ٥٦) ثم هو فرد خالفه جماعة فإن صحت المعارضة به فلا بد من مرجح وهو الحديث الذي عمل به مخالفوه فبه يترجح قولهم على قول ابن مسعود وتسقط المعارضة به ويسلم قول البيهقي ومن تابعه وهم جمهور الصحابة والأئمة كما تقدم بيانه بما لا تجده في مكان آخر
وتقوية المرسل بالشواهد أمر معروف لدى العلماء ولو كان من النوع
[٩٢]
стр. 121
الذي لا يحتج به كما قال أحمد: " ليس في المرسلات شيء أضعف من مرسلات الحسن وعطاء بن أبي رباح " - كما في " جامع التحصيل " للعلائي (ص ١٠٢) - فالحسن في هذا كقتادة ومع ذلك فقد قوى الإمام الشافعي مرسل الحسن: " لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل " ببعض ما قوينا نحن به حديث قتادة فقال في كتابه: " أحكام القرآن " عقب هذا المرسل:
وهذا وإن كان منقطعا (يعني: مرسلا) فإن أكثر أهل العلم يقول به ويقول: الفرق بين النكاح والسفاح الشهود وهو ثابت عن ابن عباس وغيره من أصحاب النبي ﷺ
(١)
قال البيهقي:
أكد الشافعي رضي الله عن هـ مرسل الحسن بشيئين:
أحدهما: أن أكثر أهل العلم يقول به
والثاني: أنه ثابت عن ابن عباس من قوله
(٢)
قلت: وهذا الذي به قوى الإمام الشافعي حديث الحسن المرسل يصدق تماما على مرسل قتادة فإنه قد عمل به أكثر العلماء - ومنهم الإمام
стр. 122
أحمد في رواية كما تقدم - وهو في الوقت نفسه ثابت عن ابن عباس من قوله من طرق عنه صحيحة كما تقدم هنا وفي " الكتاب " أيضا وأكدته في " البحث الخامس " وانظر (ص ٤٩ - ٥١) من " البحث السابع "
وهناك مقو ثالث لحديثنا هذا يزداد به قوة على قوة وهو أن له شاهدين مسندين من حديث عائشة وأسماء بنت عميس كما تقدم
ومقو رابع وهو قول أو عمل رواته به وهم: عائشة وأسماء بنت عميس وقتادة
стр. 123
١ - أما عائشة فقد صح عنها أنها قالت في المحرمة:
(صحيح) " تسدل الثوب على وجهها إن شاءت "
وتقدم تخريجه (ص ٣٧) وبه قال الأئمة الأربعة وغيرهم
стр. 124
٢ - وأما أسماء فقد صح: أن قيس بن أبي حازم دخل مع أبيه على أبي بكر رضي الله عن هـ وعنده أسماء فرأيناها امرأة بيضاء موشومة اليدين كما تراه في الطبعة الجديدة ل " الجلباب "
وقد عارض هذا الأثر بعض من لا علم عنده من المقلدة بآية (الضرب بالخمر) زاعما بأنها تعني تغطية الوجه وقد سبق إبطال ذلك بما لا مزيد عليه
كما زعم أن كشف يديها كان للذب بها عن أبي بكر وهذه ضرورة
[٩٤]
стр. 125
كذا قال المسكين كأنه لا يعلم أنها لم تكن محرمة يحرم عليها القفازان وأن الذب المذكور يمكن أن يكون باليد الواحدة فأين الضرورة المجوزة للكشف عن اليدين كلتيهما والضرورة - لو كانت - فهي تقدر بقدرها كما يقول العلماء لقد ورث هذا وأمثاله من مقلديهم تسليط سيف التعطيل على النصوص وإبطال دلالاتها الصريحة دفاعا عن معاني مزعومة لا حقيقة لها فهل من معتبر؟
стр. 126
٣ - وأما قتادة فقد قال في تفسير آية: (يدنين عليهن من جلابيبهن) :
أخذ الله عليهن أن يقنعن على الحواجب
والمعنى: يشددن جلابيبهن على جباههن وليس على وجوههن كما فسره الإمام ابن جرير وتقدم بيان ذلك. فأقول: هذه الحقائق لهذا الحديث قد تجاهلها أولئك المشايخ ومقلدوهم فخالفوا بذلك جماهير العلماء من السلف والخلف تفريعا في قولهم وعملهم بنص الحديث وخالفوا علماء الحديث تأصيلا وهو تقوية الحديث بالطرق والشواهد فإن هذا من أصولهم التي تفرع منها تقوية بعض الأحاديث التي ليس لها سند صحيح يحتج به فمن كان جاهلا بهذا الأصل وبطرق الحديث والشواهد وقع فيما وقع فيه هؤلاء من تضعيف هذا الحديث الصحيح قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في " مجموع الفتاوى " (١٨ / ٢٥ - ٢٦) :
[٩٥]
стр. 127
" والضعيف عندهم نوعان:
ضعيف لا يمتنع العمل به وهو يشبه الحسن في اصطلاح الترمذي وضعيف ضعفا يوجب تركه وهو الواهي
وقد يكون الرجل عندهم ضعيفا لكثرة الغلط في حديثه ويكون الغالب عليه الصحة [فيروون حديثه] لأجل الاعتبار به والاعتضاد به (١) فإن تعدد الطرق وكثرتها يقوى بعضها بعضا حتى قد يحصل العلم بها ولو كان الناقلون فجارا فساقا فكيف إذا كانوا علماء عدولا ولكن كثر في حديثهم الغلط وهذا مثل (٢) عبد الله بن لهيعة فإنه من أكابر علماء المسلمين وكان قاضيا بمصر كثير الحديث لكن احترقت كتبه فصار يحدث من حفظه فوقع في حديثه غلط كثير مع أن الغالب على حديثه الصحة قال أحمد: قد اكتب حديث الرجل للاعتبار به مثل ابن لهيعة "
ولقد أبان ابن تيمية ﵀ في كلمة أخرى عن السبب في تقوية الحديث الضعيف بالطرق والشرط في ذلك ووجوب التمسك بهذه القاعدة فقال (١٣ / ٣٤٧) :
стр. 128
" والمراسيل إذا تعددت طرقها وخلت عن المواطأة قصدا أو [كان] الاتفاق بغير قصد كانت صحيحة قطعا النقل إما أن يكون صدقا مطابقا للخبر وإما أن يكون كذبا تعمد صاحبه الكذب أو أخطأ فيه فمتى سلم من الكذب العمد والخطأ كان صدقا بلا ريب
وإذا كان الحديث جاء من جهتين أو جهات (قلت: كحديث هذا) وقد علم أن المخبرين لم يتواطآ على اختلافه وعلم أن مثل ذلك لا تقع الموافقة فيه اتفاقا بلا قصد علم أنه صحيح مثل شخص يحدث عن واقعة جرت ويذكر تفاصيل ما فيها من الأقوال والأفعال ويأتي شخص قد علم أنه لم يواطئ الأول فيذكر ما ذكره الأول من تفاصيل الأقوال والأفعال فيعلم قطعا أن تلك الواقعة حق في الجملة فإنه لو كان كل منهما كذبها عمدا أو خطأ لم يتفق في العادة أن يأتي كل منهما بتلك التفاصيل التي تمنع العادة اتفاق الاثنين عليها بلا مواطأة من أحدهما لصاحبه. (قال:) وبهذه الطريق يعلم عامة ما تتعدد جهالته المختلفة على هذا الوجه من المنقولات وإن لم يكن أحدهما كافيا إما لإرساله وإما لضعف ناقله ". (قال:)
وهذا الأصل ينبغي أن يعرف فإنه نافع في الجزم بكثير من المنقولات في الحديث والتفسير والمغازي وما ينقل من أقوال الناس وأفعالهم وغير ذلك
[٩٧]
ولهذا إذا روي الحديث الذي يأتي فيه ذلك عن النبي ﷺ من وجهين مع العلم بأن أحدهما لم يأخذه عن الآخر جزم بأنه حق لا سيما إذا علم أن نقلته ليسوا ممن يتعمد الكذب وإنما يخاف على أحدهما النسيان والغلط
وذكر نحو هذا المقطع الأخير من كلامه ﵀ الحافظ العلائي في " جامع التحصيل " (ص ٣٨) وزاد:
فإنه يرتقي بمجموعهما إلى درجة الحسن لأنه يزول عنه حينئذ ما يخاف من سوء حفظ الرواة ويعتضد كل منهما بالآخر
ونحوه في " مقدمة ابن الصلاح " " ومختصرها " لابن كثير ثم قال ابن تيمية رحمه الله تعالى (ص ٣٥٢) :
وفي مثل هذا ينتفع برواية المجهول والسيئ الحفظ وبالحديث المرسل (١) ونحو ذلك ولهذا كان أهل العلم يكتبون مثل هذه الأحاديث ويقولون: إنه يصلح للشواهد والاعتبار ما لا يصلح لغيره
ثم ذكر قول أبي أحمد: " قد أكتب حديث الرجل لأعتبره " وضرب عليه مثلا ابن لهيعة كما تقدم في كلامه السابق (ص ٩٦)
стр. 129
ثم ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية مثالا للمرسل الذي تقوى بجريان العمل به وهو حديث الحسن بن محمد ابن الحنفية قال:
كتب رسول الله ﷺ إلى مجوس هجر يعرض عليهم الإسلام فمن أسلم قبل منه ومن أبي ضربت عليه الجزية على أن لا تؤكل لهم ذبيحة ولا تنكح لهم امرأة
أخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة والطحاوي في " المشكل " (٢ / ٤١٥ - ٤١٦) والبيهقي (٩ / ١٩٢ و ٢٨٤ - ٢٨٥) وقال:
هذا مرسل وإجماع المسلمين عليه يؤكده
وقال ابن تيمية (٣٢ / ١٨٨ - ١٨٩) :
وقد عمل بهذا المرسل عوام أهل العلم والمرسل في أحد قولي العلماء حجة: كمذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه وفي الآخر: هو حجة إذا عضده قول جمهور أهل العلم وظاهر القرآن أو أرسل من وجه آخر (١) . وهذا قول الشافعي فمثل هذا المرسل حجة باتفاق العلماء
قلت: ومرسل قتادة هذا - الذي نحن في صدد الكلام على بيان صحته - قد توفرت فيه هذه الشروط كلها وزيادة - كما تقدم بيانه - فينبغي أن يكون
стр. 130
حجة باتفاق لا خلاف فيه لولا العصبية المذهبية والأهواء الشخصية والجهل بهذا الأصل العظيم الذي أشاد به شيخ الإسلام ابن تيمية وعلماء الحديث وحفاظه وأنقذوا به مئات الأحاديث من الضعف الذي يقتضيه مفردات أسانيدهم ومن أمثلة ذلك " حديث صلاة التسابيح " فإنه قد تبين بعد تتبع طرقه أنه ليس له إسناد ثابت ولكنه صحيح بمجموع طرقه وقد صححه - أو على الأقل حسنه - جمع من الحفاظ: كالآجري وابن منده والخطيب وأبي بكر السمعاني والمنذري وابن الصلاح والنووي والسبكي وغيرهم ومنهم البيهقي فقد ساقه في " شعب الإيمان " (١ / ٢٤٧) بإسناد ضعيف من حديث أبي رافع ثم قال:
وكان عبد الله بن المبارك يفعلها وتداولها الصالحون بعضهم من بعض وفيه تقوية للحديث المرفوع. وبالله التوفيق
وسبقه إلى هذا الحاكم فقال في " المستدرك " (١ / ٣١٩) :
ومما يستدل به على صحة هذا الحديث استعمال الأئمة من أتباع التابعين إلى عصرنا هذا إياه ومواظبتهم عليه وتعليمه للناس ومنهم عبد الله بن المبارك. . . "
ثم ساق إسناده بذلك إلى ابن المبارك وقال عقبه:
رواته عن ابن المبارك ثقات ولا يتهم عبد الله أن يعلم ما لم يصح عنده
[١٠٠]
стр. 131
ووافقه الذهبي
وقلت: ومن كلام هؤلاء الأئمة الأعلام في إثبات هذا الأصل العظيم - ألا وهو تقوية الحديث بالطرق والشواهد - وتطبيقهم إياه في النماذج المذكورة فهو أكبر دليل على جهل هؤلاء المضعفين لهذا الحديث فكأنهم لا يعلمون - ما يعرف عند العلماء بالحديث الحسن أو الصحيح لغيره وما مثلهم في ذلك - كما قال بعضهم - إلا كمثل قاض رفعت إليه قضية تحتاج إلى شهادة رجل وامرأتين فشهدت امرأة فردها لأن شهادتها على النصف من شهادة الرجل فجاءت أخرى فشهدت بمثل شهادة الأولى فردها أيضا بنفس التعليل هذا هو مثل هؤلاء. والله المستعان
هذه آفة أكثر الكتاب اليوم الذين استسهلوا هذا العلم فانطلقوا يصححون ويضعفون دون أن يعرفوا أصوله وقواعده فقد رأيت أحدهم جاء إلى قوله ﷺ : " ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول ". فضعفه من طرقه الأربعة وهو يعلم أن الحافظ ابن حجر وغيره قد قواه كما يعلم أن عمل الخلفاء الراشدين عليه فلم يعبأ بذلك كله مع أنه قد فاته طريق صحيح لم يتعرض لذكره كنت أشرت إليه في تخريج الحديث في " الإرواء " (٣ / ٢٥٤ / ٧٦٧) وهو في " صحيح أبي داود " (١٤٠٣) فكان عليه أن يبحث عنه وإلا سلم لأهل العلم والاختصاص بحثهم وعلمهم
[١٠١]
стр. 132
ومن الغريب أن هذا وأمثاله من المعاصرين ينقمون أشد النقمة على بعض الطلبة حين يجتهدون في بعض المسائل الفقهية - وليسوا أهلا للاجتهاد - ثم ينسى هؤلاء الناقمون أنفسهم حين يقعون في مثل الذي أنكروا بتصحيحهم وتضعيفهم للأحاديث وهم ليسوا من أهل الاجتهاد فيه (يا أيها الذين أمنوا لم تقولون ما لا تفعلون. كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) [الصف: ٢ و ٣]
البحث التاسع: تفسير آية الزينة: (. . . إلا ما ظهر منها)
بعد أن أثبتنا صحة هذا الحديث على منهج أهل الحديث وقواعد علمائه أولا وبتصريح بعضهم بقوته ثانيا ودون مخالف لهم يذكر ثالثا أريد أن أبين لقرائنا الكرام أنه يصلح حينئذ أن يكون مبينا لقوله تعالى: (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) فقوله ﷺ فيه: " لم يصلح أن يرى منها " بيان لقوله تعالى: (ولا يبدين زينتهن) أي: مواضع الزينة من أبدانهن وليس ثيابهن كما سبق وقوله ﷺ فيه: " إلا وجهها وكفيها " بيان لقوله تعالى: (إلا ما ظهر) أي: وجهها وكفيها فالمنهي في الآية هو المنهي في الحديث والمستثنى فيها هو المستثنى في الحديث وصدق الله العظيم القائل: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) [النحل: ٤٤] ومن هنا يظهر دقة فهم ترجمان القرآن ومن معه من الصحابة الكرام حين فسروا الاستثناء فيها بالوجه والكفين
[١٠٢]
стр. 133
ولقد كان هذا خافيا علينا حين ألفنا الكتاب ثم تبينا ذلك في الطبعة الجديدة (ص ٥١ - ٥٦) وههنا. فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
وبهذه المناسبة لا بد لي من سرد أسماء الصحابة المشار إليهم مع ذكر بعض مخرجيها ومن صحح بعضها ليعلم القراء جهل من خالفها أو أنكر شيئا منها أو ضلل من تمسك بها
стр. 134
١ - عائشة رضي الله عن ها. عبد الرزاق وابن أبي حاتم " الدر المنثور " وابن أبي شيبة والبيهقي وصححه ابن حزم
стр. 135
٢ - عبد الله بن عباس رضي الله عن هـ. ابن أبي شيبة والطحاوي والبيهقي وصححه ابن حزم أيضا وله عنه كما سبق (ص ٤٩ - ٥١) سبعة طرق (١)
стр. 136
٣ - عبد الله بن عمر رضي الله عن هـ. ابن أبي شيبة وصححه ابن حزم
стр. 137
٤ - أنس بن مالك رضي الله عن هـ. وصله ابن المنذر وعلقه البيهقي
стр. 138
٥ - أبو هريرة رضي الله عن هـ. ابن عبد البر في " التمهيد "
стр. 139
٦ - المسور بن مخرمة رضي الله عن هـ. ابن جرير الطبري
[١٠٤]
стр. 140
شبهات وجوابها:
وتتميما للفائدة لا بد لي من حكاية شبهات المخالفين حول هذا الحديث الصحيح وبيان وهنها - بل بطلانها - فأقول:
الشبهة الأولى:
استبعد أحد الفضلاء - ثم قلده من لا علم عنده - أن تدخل أسماء بنت أبي بكر رضي الله عن هما على النبي ﷺ وعليها ثياب رقاق وزاد على ذلك أحد أولئك المتعالمين المتهافتين على الكتابة فيما لا يحسنون فسود سبع صفحات من كتيبه في بيان غيرة زوج أسماء - وهو الزبير ابن العوام - وحيائها هي من رسول الله ﷺ ومراعاتها لحق زوجها مما لا علاقة له بالموضوع أصلا سوى التمويه والمغالطة المقرونة بالمبالغة في رفع غير المعصوم إلى مرتبة العصمة وبعد هذا نقول:
والجواب من وجهين:
الأول: أن الاستبعاد المذكور ليس له علاقة بمتن الحديث الذي هو من قوله ﷺ وثبت عنه بمجموع طرقه وشواهده وجريان العمل به من الصحابة ومن بعدهم كما تقدم فلا يضره ولا يوهن من صحته أن يأتي في بعض طرقه ما يستبعد أو يستنكر وسنده ضعيف كما كنت بينته في كتابي " الحجاب " سابقا وهنا أيضا فيترك هذا منه ويستشهد بما فيه مما وافق الطرق الأخرى والشواهد وقد أشار ابن تيمية ﵀ إلى هذه
[١٠٥]
стр. 141
الحقيقة التي غفل عنها المنكرون بقوله في كلمته الرائعة المتقدمة (ص ٩٧) :
فيعلم قطعا أن تلك الواقعة حق في الجملة
يعني: ليس في التفاصيل التي لم تتفق الطرق عليها فالمستبعد من هذا القبيل كما هو ظاهر لكل ذي بصيرة
ومن هذا المنطلق كنت قلت في " الإرواء " (٦ / ٢٠٣) :
فالحديث بمجموع الطريقين حسب ما كان منه من كلامه ﷺ وأما السبب فضعيف لاختلاف لفظه في الطريقين كما ذكرت "
والوجه الآخر: استبعاد ذلك مكابرة مكشوفة طالما رأينا منهم أمثالها ذلك لأنه ليس في الشرع - ولا في العقل - وما يمنع من وقوع ذلك من أسماء أو غيرها لانتفاء العصمة كما ذكرت آنفا كيف وقد استجاز النبي ﷺ أن يقع من عائشة الصديقة المطهرة أخت أسماء ما يهون ذكر ما استعبده هؤلاء عن أسماء ألا وهو قوله ﷺ لعائشة في قصة الإفك:
(صحيح) " إن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه. . . " الحديث؟
رواه الشيخان وغيرهما وهو مخرج في " الصحيحة " (١٢٠٨)
أضف إلى ما تقدم أنه ليس في حديث أسماء أنها لبست الثياب الرقاق تبرجا ومخالفة للشرع فلو أنه صح ذلك عنها - ولم يصح كما علمت - لوجب حمله على أنه كان منها عن غفلة أو لغير علم فقد وقع
[١٠٦]
стр. 142
نحوه لحفصة بنت أخيها عبد الرحمن فقالت أم علقمة بن أبي علقمة:
دخلت حفصة بنت عبد الرحمن على عائشة زوج النبي ﷺ وعلى حفصة خمار رقيق فشقته عائشة وكستها خمارا كثيفا
أخرجه مالك في " الموطأ " (٣ / ١٠٣)
فثبت من هذا البيان أن ما استبعدوه غير مستبعد شرعا ولا عقلا على أنه لم يثبت وأنه لو ثبت لم يخدش في متن الحديث. والله ولي التوفيق
وإن تعجب فعجب من هؤلاء كيف يتعلقون بما لا يصح رواية ودراية إذا كان عليهم؟ فإذا كان لهم قبلوه وأوهموا ثبوته وهو بالاستبعاد أولى فقد ذكر الشيخ التويجري في كتابه (ص ١٨١) من رواية عائشة أنها تنقبت لتنظر إلى صفية لما قدم بها النبي ﷺ المدينة فسأل ﷺ عائشة:
(ضعيف) " كيف رأيت؟ ". فقالت:
يهودية وسط يهوديات
فهذا القول في صفية ومن معها من نساء الأنصار غير مستبعد عندهم لماذا؟ لأن في الحديث ذكر انتقاب عائشة مع أن في الأحاديث الصحيحة ما يغني عن هذا الحديث المنكر (١) ألا يدل هذا أن القوم لا ينطلقون من
стр. 143
علم وإنما عن هوى وعن القاعدة الجاهلية: الغاية تبرر الوسيلة؟
ومثله احتجاج التويجري (ص ١٨٢) - وتبعه ظله محمد بن إسماعيل (٣ / ٣٢٩) وغيره - بحديث ابن عمرو:
(ضعيف) " قبرنا مع رسول الله ﷺ رجلا فلما رجعنا إذا هو بامرأة لا نظنه عرفها فقال: يا فاطمة. . . " الحديث وفيه: " لو بلغت معهم الكدى ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك "
وهذا كالذي قبله أورده مستدلا به على تستر النساء في زمنه ﷺ وليس هذا موضع خلاف لو فرض أنه نص في ستر الوجه لأنه مشروع ولكن لا يدل على الوجوب هذا لو صح وليس كذلك كيف وقد ضعفه مخرجه النسائي بربيعة بن سيف فقال: " ضعيف "؟ وكتم التويجري هذا وظله واغتر بمن صححه من المتساهلين أو الواهمين كما بينته في " ضعيف أبي داود " (٥٦٠)
الشبهة الثانية:
ذكرها العنبري الذي سبقت الإشارة إليه في " كتيبه " فأعله أيضا (ص ٣٢ - ٣٣) باختلاف الرواة في ضبط متن الحديث
كذا قال وهو يعني سبب ورود الحديث وجوابه يعلم مما ذكرته في الجواب الأول عن الشبهة الأولى فإنه لا علاقة له بمتن الحديث الذي هو
[١٠٨]
стр. 144
قوله ﷺ وقد اتفقت الطرق الثلاثة عليه فلا داعي للإعادة
نعم لقد شغب العنبري على المتن من ناحية واحدة فقال:
نرى الرسول ﷺ في الطريق الأولى يشير إلى الوجه والكفين وفي الطريق الثانية لم يبد إلا أصابعه
فأقول: نعم ولكن ما بالك كتمت اتفاق الطريق الثالثة الصحيحة إلى قتادة باعترافك مع الطريق الأولى؟ أليس هذا مما يرجح لفظ " الكفين " على " الأصابع "
ثم ماذا يفيد هذا الشغب في هذا الاختلاف المرجوح مع اتفاق الطرق الثلاثة على ذكر الوجه وهو الجانب الأهم من الاختلاف الذي خالفتم فيه السلف والأئمة؟
الشبهة الثالثة:
زعموا أن الحديث لو كان صحيحا لما خالفته أسماء بنت أبي بكر التي وجه الحديث إليها فقد كانت تغطي وجهها من الرجال وهي محرمة
فنقول:
أولا: لم تتفق الطرق على ذكر أسماء في الحديث كما اتفقت على متنه فإن ثبت ذلك من أن النبي ﷺ وجه الحديث إليها فالجواب:
ثانيا: قد قررنا مرارا أن تغطية المرأة وجهها هو الأفضل خلافا لما افتراه
[١٠٩]
стр. 145
الأفاكون علينا (١) فأسماء رضي الله عن ها قد أخذت بالأفضل وتركت ما هو جائز لها فلا إشكال وإنما كان من الممكن أن يصح زعمهم لو كان يدل الحديث على وجوب كشف المرأة عن وجهها وهذا مما لا يخطر في بال أحد إلا أن يكون أعجميا لا يفقه من العربية شيئا كما فعل بعضهم حينما نسبني إلى مخالفة فتواي تقواي - على حد تعبيره - كما كنت شرحت ذلك في المقدمة الثانية لكتابي " الحجاب " فراجعها إن شئت فالظاهر أن الزعم المذكور على مثل هذه العجمة وإلا لما قال قائلهم: " فما لأسماء لم تعمل بحديث السفور " (٢)
ومن العجيب أن هذا القائل ينتسب إلى بني تميم فما مثل هذا إلا كما لو قال قائل: ما بال بلال رضي الله عن هـ لم يعمل بالاستثناء في قوله تعالى: (إلا أن تتقوا منهم تقاة) [آل عمران: ٢٨] وقوله: (إلا من أكره