← Общие книги

Общие книги · id 31504

الجوانب الإعلامية في خطب الرسول صلى الله عليه وسلم

سعيد بن علي ثابت

Полный текст (168 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

[المقوم الرابع عالمية الإعلام الإسلامي] المقوم الرابع: عالمية الإعلام الإسلامي في الواقع المعاش نظام إعلامي دولي جديد في طور التكوين، وهو يختلف عن النظام الإعلامي العالمي القديم، الذي جاء بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، أي في أعقاب المناداة بحرية الإعلام كبديل لحرية البحار إبان عهد الاستعمار، وهو النظام الإعلامي العالمي الذي تنازعته الثنائية للنظامين الإعلاميين، النظام الليبرالي الغربي، وتمثله الولايات المتحدة الأمريكية ودول غرب أوربا واليابان وكندا وأستراليا، والنظام الاشتراكي الذي يمثله الاتحاد السوفيتي ودول شرق أوربا وكوبا والصين، أي أن النظام الجديد هو النظام الإعلامي الدولي الذي تبلور في أعقاب سقوط النظام الشيوعي عالميا، بعد إفلاس التجربة السوفيتية والصينية وغيرها، ولذا لم يبق في الساحة الإعلامية إلا النظام الليبرالي الغربي الذي يهيمن عليه النموذج الأمريكي، والحقيقة أن هذا النظام الإعلامي العالمي سواء أكان النظام الإعلامي الاستعماري أو نظام السيطرة الثنائية الذي هيمن بعد الحرب العالمية الثانية، أو نظام القطب الواحد السائد في الواقع المعاش، كل هذه النظم تنطلق عالميتها من خلال معيار القدرة على الهيمنة والانتشار، بينما أثبت التحليل الإعلامي لخطب النبي ﷺ أن في هدي النبي ﷺ في الاتصال معيارا لعالمية الإعلام غير معيار القدرة على الانتشار , ألا وهو معيار الاهتمام بالإنسانية جمعاء انطلاقا من عالمية الإسلام , فقد أمر النبي ﷺ بالنذير العام منذ بداية دعوته، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ - قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ١ - ٢] (١) لذلك بدأ الرسول ﷺ بالاتصال

стр. 107

على المستوى الدولي منذ أيام الدعوة الأولى في عهدها المكي، فخرج إلى الحبشة أناس لم يكونوا من المستضعفين الفارين بدينهم من أمثال جعفر بن عبد المطلب، وعثمان بن عفان ﵃، وإنما خرجوا للدعوة وللاتصال بالناس خارج الجزيرة العربية، وقد أثمر هذا الاتصال فأسلم نجاشي الحبشة، وجاء وفد الحبشة إلى مكة وهم قرابة عشرين رجلا، فلما فرغوا من مسألة الرسول ﷺ عما أرادوا دعاهم إلى الإسلام، وتلا عليهم القرآن، فلما سمعوا القرآن فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا لله وآمنوا به وصدقوه، فلما قاموا اعترضهم أبو جهل في نفر من قريش، فقالوا لهم: خيبكم الله من ركب، بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه فيما قال، ما نعلم ركبا أحمق منكم، فقالوا سلام عليكم لا نجاهلكم، لنا ما نحن عليه ولكم ما أنتم عليه (١) فأنزل الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] (٢) إلى قوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥] (٣) وفي خطبة حجة الوداع أسقط الرسول ﷺ النظام الإعلامي الجاهلي، وأحل مكانه النظام الإعلامي الإسلامي، الذي هو كما بين سابقا جزء من النظام العام في المجتمع الإسلامي، وعندما سار الرسول ﷺ لإزاحة النظام الجاهلي الروماني المهيمن على العالم في ذلك الوقت، بين الرسول في غزوة تبوك لجيشه الذي تجمع من جزيرة العرب المسلمة لأول مرة لحرب الروم , وكسر قيد النظام الجاهلي الروماني وهيمنته

стр. 108

على النظام الإعلامي الدولي في ذلك الوقت، وكذا فإن غزوة تبوك - وإن لم يكن فيها نزال أو طعان - إلا أنها كانت قوة إعلامية ضخمة، أفسحت المجال أمام الاتصال الإسلامي العالمي , حتى يسمعه الناس ولذلك نلاحظ دخول كثير من أهل الكتاب في أطراف الجزيرة في ذمة الدولة الإسلامية عندما وجدوا في الاتصال الإسلامي عملية الاهتمام بالإنسان في كل مكان، وعندما وجدوا فيه أيضا مخاطبة الإنسان وفق طبيعته التي فطره الله عليها، فهو إعلام واقعي يراعي واقع الإنسان وواقع الحياة. ولا يخفى على المهتمين بالإعلام عدا العاملين في حقله تأثر الإعلام بالنظام العالمي والواقع المعاصر، حيث تعاني دول العالم الثالث ومنها المجتمع الإسلامي من الغبن في حق الاتصال، فهي سوق استهلاكية للنظام الإعلامي العالمي، ولا تسوق شيئا في السوق حرة يهيمن عليها القادر على الانتشار لقوته وهيمنته السياسية وقدرته المالية الضخمة، كما تعاني أيضا من الظلم في حق الخصوصية حيث تطورت آلية الاتصال وارتبطت شبكات الاتصال بنظام المعلومات (١) وهو ما نلمسه واضحا في حياتنا اليومية من التواصل الإخباري بالفاكس إلى الاتصال بالأقمار الصناعية , وما نشاهده على شاشاتها من معلومات وأخبار لا تتسم بالأهمية للأمة، ولا بالإيجابية للبناء والتطور في مجتمعنا الإسلامي، ولا تقيم وزنا للقيم المرعية في المجتمع الإسلامي، ولا تعترف بخصوصية الثقافة الإسلامية والفكر الإسلامي ينعكس ذلك على قرارات ومواقف الرأي العام الذي سيأتي انعكاسا لهذه

стр. 109

الثقافة الوافدة. وتؤكد الدراسات الإعلامية أن مواد التغطية في أعداد مجلة " تايم" على مدى الأشهر الثلاثة الأولى من عام ١٩٩٠م تتناول في معظمها الأحداث والكوارث والجرائم والاضطرابات وعدم الاستقرار والفوضى وإبراز المظاهر السلبية والرشوة والفساد والقصور في التنمية والتطور مع تفجر العنف، وهذه التغطية مع التواضع الشديد في المساحة بالنسبة للمساحة الكلية التي تشغلها أحداث بقية العالم تعكس مشاعر غير ودية وصور زائفة تعزز العنصرية وعدم الثقة (١) . والبديل هو النظام الإعلامي الإسلامي القائم على هدي النبي ﷺ في اتصاله بالناس، والذي ظهرت دلالاته في التحليل الإعلامي لخطب الرسول ﷺ ، وهذا التطبيق ليس بالأمر العسير، فالمملكة العربية السعودية قدمت للناس في عالمنا الإسلامي أنموذجا للحكم بشريعة الإسلام وإقامة الحدود وعلاقة الدين بالدولة، وأثبتته عمليا، وبينما كان العالم كله يتجادله ولا يزال يتمارى حول إمكانية قيام نظام إعلامي عالمي جديد حسمت المملكة العربية السعودية هذا الجدال وأصدرت سياسة إعلامية جديدة، تصلح أن تكون أساسا متينا لنظام إعلامي عالمي جديد (٢) يعرف لله حقه، وللإنسان حده وقدره , انطلاقا من عالمية الإعلام الإسلامي وفلسفته الأخلاقية التي نستلهم أسسها من هدي النبي ﷺ في خطبته في فتح مكة يوم أعلن نهاية النظام الجاهلي بكل جزئياته، وخطبة حجة الوداع التي أرسى فيها دعائم النظام الإسلامي ودفن فيها إلى الأبد النظام الجاهلي.

стр. 110

[المقوم الخامس التلازم بين المعنى الحق والشكل الجميل] المقوم الخامس: التلازم بين المعنى الحق والشكل الجميل. إن التحليل الإعلامي لخطب النبي ﷺ يكشف لنا أهمية هذا المقوم كأصل من أصول الإعلام الإسلامي، فقد فطر الله الإنسان على الميل إلى الجمال وحب الجمال، واعتمد البلاغ النبوي على هذا الأساس الفطري في تبليغ حقائق الدعوة للناس، وقد كان صلوات ربي وسلامه عليه يقتفي في ذلك منهج القرآن الكريم، فهو حق كله ومع ذلك قدم للناس في شكل بلاغي جميل أعجز العرب وهم أهل الفصاحة والبيان قديما وحديثا، واعترفوا بأن ما خفي منه كان أكثر مما فطنوا له، وأن الذي وصفوه مما أدركوه أقل مما ضاقت به عباراتهم، ولم تقف به إشاراتهم (١) وهذا التلازم بين المعنى الحق والشكل الجميل توجبها وظيفة الاتصال الإقناعي، وتشهد لها خطب النبي ﷺ فيما تقدم من هذا الكتاب (فقد كان حسن الابتداء وبراعة الاستهلال من أهم دلالات خطب النبي ﷺ ، وكانت هذه الدلالة ظاهرة لم تخل منها خطبة من خطبه حيث كانت لإثارة الانتباه عند المتلقي ثم تقدم له الحقائق كاملة بعد ذلك، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فقد كان أسلوب حسن العرض وفن الصياغة ومخاطبة المتلقي بلغة مفهومة واضحة الدلالة قوية الحجة من الدلالات البارزة في خطب الرسول ﷺ موضوع الدراسة-، وقد أشير إلى هذه الدلالات عند تحليل كثير من الخطب) فقد كان الرسول ﷺ يريد أن يغير واقعا لا يرضى عنه وهو المجتمع العربي في الجاهلية، ونقطة البداية

стр. 111

هي النفس الإنسانية، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] (١) وتغير النفس يستوجب التعامل مع جميع ملكاتها وجوانبها الفكرية والوجدانية والإرادية، وألا نتجاهل أيا منها، ولذلك كانت خطب الرسول ﷺ تتسم بالأسلوب البلاغي الجميل، والمدخل الجمالي المناسب؛ لأن الكلام البليغ في جوهره هو الذي يبلغ به المتكلم ما يريد من نفس السامع بإصابة موضع الإقناع من العقل والإمتاع من الوجدان. وانطلاقا من ذلك كان الرسول ﷺ يشرح مبينا ومقنعا , أو ينذر مرهبا ومحذرا، أو يعظ مرغبا ومستميلا مستخدما في كل ذلك الحجة الكاشفة , والتصوير المؤثر، والتأكيد المثبت للمعاني إلى آخر الأساليب التي كشف عنها التحليل الإعلامي حتى يصل إلى هدفه ويحقق غايته. ورجل الاتصال الذي ينبغي له التأسي بالنبي ﷺ في تقديم الحقائق للناس في شكل جميل يستمد ذلك من المنطلقات التالية: ١ - الله تعالى جميل يحب الجمال، يقول جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠] (٢) وقال ﷺ : «إن الله جميل يحب الجمال» (٣) . وليس معنى ذلك وسامة الشكل والملامح فهذا تضييق للمضمون، لأن الجمال أوسع من ذلك. ٢ - القرآن الكريم عرض الحقائق في شكل جميل ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ - فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام: ٩٥ - ٩٦] (٤)

стр. 112

والقرآن العظيم منح اللفظ العربي قيمة حينما جعله حاملا لهذه الصورة الأنيقة؛ لأنه من المعروف عند علماء اللغة: أن دلالة الألفاظ تنحط وترقى بالاستعمال، ولذا فإن استعمال القرآن الكريم يمنح اللفظ العربي الذي كان ميتا رقيا لا يصل إليه إذا لم يستخدمه القرآن الكريم. ٣ - القرآن كله حق، وعرض ما فيه بشكل جميل غاية في الإحكام والتناسق الجميل قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] (١) . ٤ - دعوة القرآن الكريم للإنسان إلى ملاحظة وتدبر ما في الكون من التناسق والاتفاق الجميل، وما فيه من الزينة والبهجة، يقول الله تعالى: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك: ٣] (٢) ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] (٣) ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل: ٦٠] (٤) ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾ [الحجر: ١٦] (٥) . ٥ - خلق الإنسان في أحسن تقويم، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] (٦) وقال تعالى: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤] (٧) .

стр. 113

٦ - الدين الإسلامي دين الجمال، يقول الله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة: ١٣٨] (١) وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء: ١٢٥] (٢) . ٧ - الأمر بالتحلي بالخلق الجميل , يقول الله تعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ﴾ [يوسف: ١٨] (٣) وقال عز من قائل: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥] (٤) وقال تعالى: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: ١٠] (٥) . ٨ - وصور القرآن جماعة المسلمين في صورة ذهنية جميلة إقرارا للحق، يقول الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩] (٦) . وقال عنهم الله تعالى في الآخرة: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] (٧) . وقال عز من قائل: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ - ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨ - ٣٩] (٨) . ٩ - وأمرنا الله بالدعوة الجميلة والقول الحسن في كتابه العزيز، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣] (٩) .

стр. 114

فالداعي إلى الله حامل الحق ينبغي أن يقدمه للناس في صورة حسنة، قال الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣] (١) وقال عز من قائل: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] (٢) وقال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] (٣) . كل هذه المنطلقات تؤكد على أهمية التلازم بين المعنى الحق والشكل البلاغي الجميل الذي ظهر جليا في الخطاب الإعلامي النبوي , والذي لا بد لكل رجل اتصال وكل إعلامي مسلم أن يلتزمه في الطرح الإعلامي. ومما لا شك فيه أن العملية الاتصالية تتأثر بهذا المقوم، يقول الدكتور إبراهيم إمام: (نحن ننادي هنا بالتوصل إلى بلاغة خاصة بالتلفزيون حيث يصبح لكل قسمة من القسمات معنى، ولكل إيماءة دلالة، ولكل سياحة قدرة على إثارة التأمل في الصورة المتحركة) (٤) . والتلازم بين المعنى الحق والشكل الجميل في الإعلام الإسلامي إنما يكون لبيان الحق، وإعلاء الهمم، وشحذ الطاقات الإنسانية، فلا يهبط بالغرائز وإنما ينطلق بها إلى الأعلى، والعناية بالجمال في الإعلام الإسلامي هي التي لا تقود إلى الافتتان به، ولا ينبغي أن يصل حب الجمال إلى عبادة غير الله والتعلق به التعلق المطلق بحيث يكون شغل رجل الاتصال الشاغل كما

стр. 115

ينبغي عدم التكلف؛ لأن الله يكره البيان من الرجل الذي يتخلل بالكلام كما تتخلل البقر، فالتقعر يحول الكلام الجميل إلى قبيح. وقد اعوج في قضية الجمال فريقان: الأول: ينظر إلى الجمال ويتذوقه دون مقياس أو معايير شرعية تحكمه وتحكم عليه، وهذا الفريق أفرط حتى رأى الجمال في المعصية والعري والوثنية والفساد، وبعض هذا الفريق من يتصور الجمال في كل شيء قبيح، قد فسدت فطرته وفسد ذوقه، ومثال ذلك يظهر في بعض شباب الغرب الذين خرجوا عن إلف الفطرة فهم يريدون النوم في العراء ولبس الثياب الممزقة وعدم الغسل متأثرين بفلسفة الحرية المطلقة من كل قيد في الحضارة الغربية، والتي ترى قمة الإنسانية في الحرية المطلقة وقمة الحرية في الجمال، وطالما أن الحرية تؤدي إلى الجمال فأي وضع كانت عليه حريتك أو كنت عليه في ممارسة حريتك فهو قمة الجمال!!! ومثل هؤلاء المتصوفة الذين يقولون الكلب أخي والخنزير حبيبتي كما يزعم محي الدين بن عربي (١) . الثاني: فريق يرى أن هناك تعارضا بين الحق والجمال فأخذ يقلل منه؛ لأنه يتعارض مع الحق عنده، وهذا الفريق يلاحظ عليه قلة العلم والجهل بالدين، وقلة العلم بالقرآن والسنة وهدي النبي ﷺ , فهم يرون القرآن حقا ولا يحتاج إلى التجميل، وما يصح عن الرسول ﷺ حق، ونسوا أنه ﷺ مع ذلك قال: «زينوا القرآن بأصواتكم» (٢) وهكذا نلاحظ أن

стр. 116

الحق جميل في ذاته ومع ذلك لا بد له من الجمال، ورجل الإعلام الإسلامي ورجل الاتصال في المجتمع المسلم لا بد أن ينطلق من هذا التلازم بين المعنى الحق والشكل الجميل الذي يعد من أهم مقومات منهج الاتصال الإسلامي، وقد أبرز التحليل الإعلامي في الفصل الأول جوانب الظهور في طرح الخطاب النبوي نظرا لالتزامه ﷺ في هديه في الاتصال بهذا المقوم.

стр. 117

[الفصل الثالث أصول الإقناع في خطب الرسول ﷺ ] [الأصل الأول المصدر المقنع] الفصل الثالث أصول الإقناع في خطب الرسول ﷺ الأصل الأول: المصدر المقنع. الأصل الثاني: الهدف من الإقناع. الأصل الثالث: الرسالة المقنعة. الأصل الرابع: الوسيلة المناسبة. الأصل الخامس: مراعاة أحوال المخاطبين.

стр. 118

توطئة الفصل الثالث في هذا الفصل سنقف على الجانب الثالث من الجوانب الإعلامية في خطب النبي ﷺ ألا وهو أصول الإقناع في خطب النبي ﷺ التي جعلتها أكثر فاعلية في تبليغ رسالة الإسلام حتى قال الحق جل وعلا: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] (١) . وفي مقدمة هذه الأصول المصدر المقنع، فللقائم بالاتصال في الإعلام الإسلامي أهمية بالغة في نجاح العملية الإعلامية، وبقدر ما يكون صادقا وأمينا وثقة عند الناس بقدر ما تجد رسالته قبولا عند الناس، هذا بالإضافة إلى الرسالة المقنعة المحددة الهدف، والغاية والوسيلة المناسبة، والصياغة البليغة للرسالة الاتصالية، ومراعاة أحوال المخاطبين والمداخل النفسية المناسبة، كل هذه الأصول تعمل على نجاح القائم بالاتصال في الإقناع برسالته، والتزامه بهذه الأصول الإقناعية في اتصاله بالناس يؤدي بتوفيق من الله تعالى إلى نجاح الرسالة الإعلامية وظهورها.

стр. 119

الأصل الأول: المصدر المقنع للقائم بالاتصال أهمية بالغة في الإعلام الإسلامي، وهو المصدر الذي يعمل على إنتاج رسالة إعلامية محملة بالمعاني والأفكار، ويوجهها عبر وسيلة أو شكل من أشكال الاتصال التي تطورت من الاتصال المواجهي إلى الاتصال الفضائي عبر القنوات الفضائية إلى الجمهور المتلقي بغية تحقيق أهداف محددة مرحلية أو استراتيجية. وقد يكون القائم بالاتصال شخصية حقيقية بدءا من المراسل الصحفي أو الإخباري، ومرورا برئيس تحرير الصحيفة ومنسق البرامج في الإذاعة والتلفاز ,وانتهاء بمدير وكالة الأنباء , كما قد يكون ذا شخصية اعتبارية كالمؤسسات الإعلامية الصحفية والإذاعية والتي أصبحت في القرن العشرين مؤسسات صناعية ضخمة، ونظرا لأهمية القائم بالاتصال في العملية الإعلامية ظهر ما يعرف بنظرية حارس البوابة الإعلامية (١) التي ميزت دور وفاعلية القائم بالاتصال في العملية الإعلامية، وقد كشف التحليل الإعلامي لخطب الرسول ﷺ أهمية المصدر ودوره الفعال والمؤثر في عملية الاتصال خاصة إذا التزم بالشروط التالية ثم استخلاصها من الجوانب الإعلامية لخطب النبي ﷺ وهي: أولا: القدرة على بث الثقة في الجمهور المتلقي: وقد ظهر دلالة هذا في جميع خطب الرسول ﷺ موضع الدراسة، وتحقق للنبي ﷺ ذلك بعدة اعتبارات ومؤهلات في مقدمتها الصدق، فقد كان في مجتمعه معروفا

стр. 120

بالصدق والأمانة حتى قالوا في خطبة الصفا: (ما جربنا عليك كذبا) ، وكان ﷺ يتحلى بسجايا الحق ويقصده على علم ومعرفة بما يدعو إليه , وبما في مجتمعه من قيم وأفكار وتصورات فاسدة، وما له من عادات وأعراف حسنة , وما عندهم من أخلاق فاضلة أو سيئة، وهذه هي الدراية بما يدعو إليه وما عند الجمهور ,كما أن إدراك القائم بالاتصال وهو الرسول ﷺ لاتجاه النفس عند المستقبل نحوه فهو عندهم الصادق الأمين، لذا اهتبل هذه المناسبة والتوافق للإقناع برسالة ربه ليس ذلك فقط بل وما كان له عندهم من مكانة اجتماعية , فقادة الرأي لهم أهمية في فاعلية الإقناع بالأفكار في العملية الاتصالية ولذلك ظهر ما يعرف بالاتصال على مرحلتين في الدراسات الإعلامية (١) . كما أن من مؤهلات كسب ثقة المتلقي التألق في اتفاق مهارات الاتصال، وهي خمس مهارات أساسية اثنتان منها متعلقتان بصياغة الرسالة الإعلامية وهما الكتابة والحديث، واثنتان متعلقتان بفك رموز الرسالة وهما القراءة والاستماع , والخامسة القدرة على التفكير المنظم (٢) وقد أتقن المصطفى ﷺ وهو النموذج الأول لرجل البلاغ في الإعلام الإسلامي مهارات الاتصال , فقد كان من أفصح الناس حديثا وأعذبهم مقالة، من أحسن الناس وأرفقهم وأرحمهم بالناس، يستمع إلى الصغير والكبير، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] (٣) . ومن مؤهلات كسب ثقة الجمهور المتلقي أن يظهر المصدر حرصه

стр. 121

الشديد على مصلحة المتلقي ورعايته لاهتماماته، وقد ظهر ذلك في الأسلوب الحواري المفتوح في خطبة الصفا (١) وجاء أيضا في قول الرسول ﷺ ومكاشفته بالحقائق أقرب الناس إليه «يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم من الله ضرا ولا نفعا» (٢) وشارك الناس همومهم يوم فتح مكة فقد عظم في نفوسهم اقتحام الحرم المكي عنوة فقال ﷺ : «إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنها لم تحل لأحد كان قبلي، وإنها أحلت لي ساعة من نهار، وإنها لن تحل لأحد بعدي» (٣) . هذه حقيقة قيلت في سياق الاهتمام بهموم ومشكلات الجمهور المتلقي، وذلك كمدخل للإقناع بحقائق الإسلام العظيم ومسلماته من خلال البلاغ النبوي المبين. ومن الجدير بالذكر أن هذه المؤهلات لكسب ثقة الإنسان المتلقي التي أكدها التحليل الإعلامي لخطب النبي ﷺ تؤكدها الدراسات الإعلامية التي تعنى بفاعلية الإقناع في الاتصال (٤) .

стр. 122

ثانيا: سلامة المنهج وسداده: والمنهج في اللغة: من نهج الطريق نهجا ونهوجا أي وضح واستبان (١) . وفي التنزيل العزيز ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] (٢) . قال ابن عباس ﵄: الشرعة ما ورد به القرآن، المنهاج ما ورد به السنة (٣) . والمِنهاج: الطريق الواضح والخطة المرسومة ومنه مناهج التعليم ونحوها (٤) . والمنهج في الاصطلاح: هو الطريقة التي يتعين على الباحث أن يلتزم بها في بحثه حيث يتغير باتباع مجموعة من القواعد العامة التي تهيمن على سير البحث، ويسترشد بها الباحث في سبيل الوصول إلى الحلول الملائمة لمشكلات البحث (٥) . ويعرفه الدكتور محمد الصباغ: بأنه فن التنظيم الصحيح لسلسلة من الأفكار، إما من أجل الكشف عن الحقيقة حين نكون بها جاهلين، أو من أجل البرهنة عليها حين نكون بها عارفين (٦) .

стр. 123

ومنهج البحث الإسلامي هو: طريقة الإسلام في بحث الظواهر والمشكلات. والتعرف على الأساليب التي أدت إليها وتحليلها بدقة، ووضع الحل أو الحلول لها (١) . وهذه التعريفات تحدد الأطراف التي تحكم البحوث العلمية بشكل عام كما جاء عند الدكتور عبد الفتاح خضر، وفي مجال البحوث الإسلامية كما جاء في تعريف الدكتور علي عبد الواحد أخيرا. ولكن المنهج الإعلامي الذي تعد سلامته من مؤهلات الثقة بالقائم بالاتصال هو: مجموعة الأصول والقواعد العامة التي تحكم العملية الإعلامية في أبعادها المختلفة، وتحكم عليها في إطار المسلمات الشرعية وغيرها مما لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية بغية الوصول إلى أحكام البلاغ والإقناع بأهداف الإعلام الإسلامي أداء للأمانة ووفاء بالواجب. والسير في ركاب هذا المفهوم للمنهج الإعلامي الإسلامي يحقق للقائم بالاتصال ثقة المتلقي به وقناعته برسالته الإعلامية عندما يشعر المتلقي أن القائم بالاتصال يخاطبه من خلال مسلماته الفكرية والعقدية، ومن خلال فلسفته الشاملة وإطاره العام، ومن خلال نظرته للكون والحياة والإنسان والفكر، وقد ظهر هذا الالتزام بالمنهج في خطبة الرسول ﷺ من مبدأ البشارة والنذارة في خطبة الصفا إلى إعلان سقوط النظام الجاهلي في فتح مكة وحجة الوداع ودفنه إلى الأبد , وعندما محصت غزوة تبوك الصف الإسلامي وكشف تفاوت المستويات الإيمانية وظهرت حركة النفاق عمد الرسول ﷺ إلى تقوية الجبهة الداخلية والتذكير بالمسلمات الأساسية للأمة الإسلامية في خطبة تبوك؛ لأن هذه الغزوة تمثل الاتصال الحضاري وهو

стр. 124

يعني لقاء أمة بأمة، وحضارة بحضارة، ومنهج فكري بمنهج فكري، فلا يصح أن يكون هذا الاتصال والمناهج مضطربة والصفوف مختلفة؛ لأن هذا اللقاء يمثل معركة فكرية حضارية والنصر فيها لمنهج الحق وأهله شريطة أن يحسنوا حمله كما حمله الرسول ﷺ في حركته الدعوية، ويحسنوا فهم المسلمات الأساسية للمنهج وينطلقوا منها في تفاعلهم واتصالهم بالناس، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] (١) . إن الظهور الإعلامي الذي هو جزء من الظهور المطلق سيكون للمنهج الذي يتمثل في الدينونة لله الواحد الأحد، ولقد تحقق ذلك - كما تبين في الفصل الأول - لرسول الله ﷺ ، وتحقق لخلفائه من بعده، وللدولة الإسلامية في عهودها الزاهرة، وسيعود لمنهج الإعلام الإسلامي الظهور، ولفكره الظهور على كل فكر، ولدينه الظهور على كل دين، عندما يلتزم الإعلام الإسلامي بالهدي النبوي، وينطلق في الحركة الاتصالية من خلال مسلمات الأمة الإسلامية وإطارها العام والاتصال بالجماهير بالبيئة الفكرية والاجتماعية والثقافية للعملية الاتصالية (٢) ولقد تبين من خلال تحليل الجوانب الإعلامية لخطب الرسول ﷺ مراعاته لخصائص كل شكل من أشكال الاتصال، فالطرح الإسلامي في خطبة أول جمعة للنبي ﷺ في المدينة يختلف عن الطرح الإعلامي في الاتصال شبه الجماهيري في خطبته في حجة الوداع، والدراسات الإعلامية تؤكد على أهمية مراعاة خصائص كل وسيلة إعلامية وتحقيق أكبر قدر ممكن من الإقناع وذلك لأن المقدرة

стр. 125

الإقناعية تختلف باختلاف الوسيلة (١) . وخلاصة القول أن سلامة المنهج لا تقف عند حد إحكام الاتصال في إطار المسلمات العقدية والفكرية للأمة، ومراعاة البيئة العملية الاتصالية، وأشكال الاتصال وما يناسب كل شكل بل كل وسيلة من وسائل الإعلام، وإنما يضاف إلى ذلك كله الاستخدام الأمثل لأساليب الإقناع، وقد أظهر التحليل الإعلامي لخطب المصطفى ﷺ الاستخدام المتألق لجملة أساليب لعل من أهمها: ١ - براعة الاستهلال والبداية المثيرة للانتباه: إن من أهم أساليب الإقناع المدخل الاتصالي المناسب الذي يعمل على جذب الانتباه وإثارته، فهو مدخل إلى نفوس الناس ومفتاح لعقولهم وأفكارهم، ولكن كيف يثير القائم بالاتصال الانتباه؟! هذا السؤال هو موضع إجماع بين المهتمين والباحثين في حقل الإعلام (٢) . إن المتتبع للبدايات المثيرة للانتباه في خطب النبي ﷺ بدءا بخطبة الصفا حيث صعد الصفا ثم قال: " واصباحاه!!! "، وفي خطبة أول جمعة البدء بالحمد والثناء على الله بما هو أهله في أول خطاب يوجه لجماعة المسلمين التي قامت في المدينة أمة من دون الناس، ويوم فتح مكة بدأ الرسول ﷺ خطبته بقوله ﷺ : «إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين، إنها لم تحل لأحد كان قبلي , وإنها أحلت لي ساعة من نهار، وإنها لن تحل لأحد بعدي. . .» ، وفي خطبة حجة الوداع قال

стр. 126

صلى الله عليه وسلم: «أتدرون أي يوم هذا؟ وأي شهر هذا؟ وأي بلد هذا؟ ، قالوا: هذا بلد حرام وشهر حرام ويوم حرام. . .» . وهكذا يتبين بجلاء أن براعة الاستهلال والمدخل الاتصالي المناسب لا يخرج عن أمرين: أحدهما: مدخل الجاذبية والجمال: وذلك لأن الإحساس بالجمال أمر مغروز في فطرة الإنسان، وتحريك هذا الإحساس إنما يكون ببلاغة القول وحسن البيان الذي تقدم فيه الحقائق للناس في وعاء جميل وشكل جذاب، والإعلام الإسلامي يستمد عمق هذا المدخل من هدي النبي ﷺ الذي يسير في ظل الإعجاز البلاغي للقرآن الكريم، إذا العقل والفطرة الإنسانية لا يبلغان مبلغه في ضلعي البيان والمنطلق ما دام في لسان الدهر حرف من العربية (١) وقد جاءت جميع فواتح السور القرآنية على أحسن وجه وأبلغه وأكمله كالثناء على الله تعالى، وحروف الهجاء مثل: الم، المص، المر , كهيعص، طه، طس، ق، ن،) ص. . . إلخ. والنداء والجملة الخبرية والقسم والشرط والأمر والاستفهام والدعاء والتعليل (٢) وهي جميعها فيها من الإعجاز ما يثير الانتباه ويحفز على الترقب لما بعدها وما يحرك الإحساس الجمالي، وتدفع العقل إلى التفكير والتأمل. وثانيهما: مدخل الهم والمشكلة: لأن مشاركة الناس همومهم والتعاطف معهم مدخل للإقناع بالأفكار خاصة إذا كان المتلقي يشعر

стр. 127

حقيقة بذلك، ويظهر هذا في بداية خطبة الفتح كما بينت سابقا، ومن الجدير بالذكر أن الدراسات الإعلامية تؤكد على أهمية إشباع حاجات الجمهور المتلقي؛ ولذا ظهرت نظرية تلبية الحاجات، وقامت عليها بحوث ودراسات لمعرفة مدى إسهام وسائل الإعلام في إشباع حاجات الجمهور المتلقي (١) . ويقول الركابي: الإعلام الروسي والصيني يشتق من المجاعات، والتفاوت الطبقي، والبؤس العام مادة يدندن حولها، والإعلام الأمريكي جعل فكرة الركض نحو السعادة المادية بمفهومها المالي والجنسي والترفيهي مساهمة لنشاطه، والإعلام التجاري استمد فلسفته من رغبة الناس في الاستهلاك وتلبية حاجات غرائزهم، ولا ينجح الإعلام الإسلامي إلا إذا جعل هذه الغرائز والحاجات والهموم إحدى مداخله إلى الناس (٢) وهكذا فإن ما انتهت إليه الدراسات الإعلامية قد سبق إليه هدي النبي ﷺ في الاتصال بالناس , والذي كشف عنه الدراسة التحليلية للجوانب الإعلامية لخطبه ﷺ الذي كان تبيانا للقرآن العظيم الذي وصل مشكلة دع اليتيم وعدم الحض على طعام المسكين بالتكذيب بيوم الدين، قال الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ - فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ - وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الماعون: ١ - ٣] (٣) وربط قضية الغبن في الأسواق التجارية وتطفيف الكيل وحركة السوق والمظالم التي تكتنفها بقضية القضايا في حياة الأمة الإسلامية وهي قضية الإيمان بالله تعالى قال عز

стр. 128

من قائل: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ - الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ - وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ - أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ - لِيَوْمٍ عَظِيمٍ - يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ١ - ٦] (١) . فلو كان عندهم مجرد ظن فقط لما صدر مثل ذلك. الصدع بالحقيقة في إبانها: لقد كانت مكاشفة مجتمع قريش بالبشارة والنذارة في خطبة الصفا وإعلان دفن النظام العربي الجاهلي في فتح مكة وخطبة حجة الوداع وإعلان الحرب على النظام العالمي الجاهلي في غزوة تبوك وإعلان حقوق الإنسان في حجة الوداع فمراعاة الوضع النفسي لمتلقي الرسالة الإعلامية وظروف الزمان والمكان المواتية مناخ إعلامي مناسب للإقناع بالأفكار , فرجل الإعلام المبدع هو الذي يتحرى الوقت للصدع بالحقيقة وهذا الأسلوب الإعلامي الفعال في عملية الإقناع يجد له سندا في هدي النبي ﷺ كما جاء في خطبه على سبيل المثال، كما يجد في أسباب نزول القرآن الكريم معناه وعمقه، ففي الوقت المناسب كان القرآن يتنزل منجما فيتصل بالأحداث التي تشكل اللحظة الرهينة فيقرر الحقائق ويعالج المشكلات ويجيب عن التساؤلات، والرسول ﷺ وهو الأسوة الحسنة لرجل البلاغ المبين كان خلقه القرآن , فعن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت «فإن خلق نبي الله ﷺ كان القرآن» (٢) . ٣ - أسلوب الحواري: إشراك الجمهور في العملية الاتصالية: إن إشراك الجمهور في العملية الاتصالية لا يعني احترام عقول الناس ولا إشراكهم في مسؤولية القرارات والحلول التي تتخذ للقضايا

стр. 129

والمشكلات بناء على هذه المساهمة فقط بل هو أسلوب إعلامي رفيع المستوى، فهو يجذب الانتباه ويجعل المتلقي يقبل بكليته على سماع الرسالة، وفيه استثارة للعقل والوجدان لتقرير الحقائق وفق طبيعة الإنسان وفطرته التي فطره الله عليها؛ ولذا تعد البرامج الحوارية من أنجح البرامج الإعلامية وذلك لأنه كلما كان عدد الأفراد المشاركين في الموقف الاتصالي كبيرا كلما زادت البدائل المطروحة لحل المشكلة أو المسألة المثارة , وبالتالي يرتفع المستوى الإشباعي ويوفر الوقت والطاقة اللازمة للوصول إلى الاتفاق (١) . ولقد كشف التحليل الإعلامي لخطب النبي ﷺ أن من أهم دلالات هذه الخطب استخدام الرسول ﷺ لأسلوب الحوار والإقناع المشترك في خطبة الصفا، يقول ﷺ : «أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟» (٢) واستخدم الرسول ﷺ هذا الأسلوب في خطبة غزوة بدر وفي فتح مكة وفي حجة الوداع، والجدير بالذكر أن هذا الأسلوب قد جاء في كتاب الله تعالى مشتملا على أنواع الحوار المختلفة، والذي يهمنا في هذا المقام هو الحوار المفتوح الذي يفجر خفايا الطاقات العقلية والإبداعية ويحقق التوازن والاتفاق والتآلف والانسجام بين أفراد المجتمع، فالحوار المفتوح تسمى فيه الأشياء بأسمائها، وتقال الحقيقة كاملة وتورد حجج الفريقين، لقد تعلم الرسول ﷺ هذا الأسلوب من القرآن الكريم وطبقه بفاعلية في حركة البلاغ المبين بالدعوة الإسلامية لبث الحقائق والمعلومات والآراء بين الناس، وهذا هو جوهر الإعلام (٣) .

стр. 130

وإذا تأملنا أسلوب الحوار المفتوح في الاتصال النبوي وجدناه يتحدد بناء على طبيعة الجمهور المتلقي، فالتساؤل في خطبة الصفا غيره في خطبة حجة الوداع مثلا، وذلك تبعا لطبيعة الجمهور والغرض من الاتصال. ٤ - التكرار: لقد احتفى الخطاب الإعلامي النبوي بأسلوب التكرير احتفاء عظيما، وأكثر الرسول ﷺ من استخدامه حتى صار سمة من سمات الخطاب الإعلامي النبوي في جميع نماذج خطبه ﷺ ، وذلك لما للتكرار من أثر في ترسيخ الأفكار والقيم في النفوس، والرسول ﷺ باستخدامه لهذا الأسلوب ينطلق في ذلك من هدي القرآن الكريم , فقد جاء القرآن بهذا الأسلوب لما جبلت عليه الفطرة الإنسانية من الانتفاع بما يكرر عليها قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الزمر: ٢٣] (١) . يقول صاحب الكشاف عند تفسير قوله تعالى: (مثاني) هذا بيان كونه متشابها لأن القصص المكررة لا تكون إلا متشابهة، والمثاني جمع مثنى بمعنى مردود ومكرر لما ثني من قصصه وأنبائه وأحكامه وأوامره ونواهيه ووعده

стр. 131

ووعيده ومواعظه ثم قال: فإن قلت ما فائدة التثنية والتكرير؟ قلت: النفوس أنفر شيء عن حديث الوعظ والنصيحة , فما لم يكرر عليها عودا على بدء لم يرسخ فيها ولم يعمل عمله، ومن ثم كانت عادة الرسول ﷺ أن يكرر عليهم ما كان يعظ به وينصح ثلاث مرات وسبعا يركزه في قلوبهم ويغرسه في صدورهم، (١) ولعل هذا هو سبب كثرة الروايات للخطبة الواحدة في خطب الدراسة. وقد ثبت في دراسات علم النفس الحديث أهمية التكرار في إقناع الناس بالآراء والأفكار المختلفة، كما أن تكرار المعلومات والحقائق يعمل على تثبيتها في العقول بدرجات متفاوتة تختلف حسب الفروق الفردية، وتكرار هذه المعلومات يعمل على تركيزها في الأذهان، وقد استخدم هذا الأسلوب في الإعلان لترويج السلع، وفي الدعاية السياسية لترويج الشعارات الخاصة بالمذاهب والأحزاب، وتنفق الأموال الطائلة في هذه الدعاية التي تعتمد أسلوب الاتجاه المرغوب فيه (٢) . ومن الجدير بالذكر في هذا المقام أن أسلوب التكرار في الإعلام الإسلامي وإن تساوى مع أسلوب التكرار والملاحقة الذي ترى الدراسات الإعلامية أنه من أنجح أساليب تغيير الرأي العام إلا أنه يختلف عنه من حيث سمو الهدف ونبل الغاية، فأسلوب التكرار في الإعلان والدعاية السياسية إنما يكون لترويج مصالح ذاتية أما في الإعلام الإسلامي فهدفه الإعلام بالحق وحمل الناس عليه ليس فقط للإقناع به وإنما لتحويله إلى سلوك وتطبيقات حية في حياتهم.

стр. 132

٥ - أسلوب تحويل الانتباه: وهذا الأسلوب يستخدم تبعا للظرف الاتصالي، ففي خطبة غزوة بدر حوَّل الرسول ﷺ انتباه جماعة المسلمين إلى القوة الحقيقية وهي قوة الإيمان لرفع الروح المعنوية للجندي المسلم، وفي خطبة غزوة تبوك حوَّل الرسول ﷺ انتباه الجيش من المعركة مع العدو إلى الانتصار على النفس وجهادها لتخليص الرأي العام من الجاذبية المادية وجاذبية الهوى وجاذبية الأعراف السائدة , وتقوية الجبهة الداخلية قبل الاتصال الحضاري بالأمم الأخرى. ٦ - أسلوب الإقناع بضرب الأمثال: وقد استخدم الرسول ﷺ هذا الأسلوب في خطبه تقريبا لما يجب أن تنفعل به النفوس من المعاني وتجسيدا للمعاني والأفكار في شكل محسوس حتى يزداد المتلقي أنسا بها، وقد جاء هذا الأسلوب في خطبة الرسول ﷺ في أول جمعة صلاها في المدينة، وهو يستمد هذا الأسلوب من منهج الخطاب في القرآن العظيم، فمن سنة الله تعالى في القرآن أن يستخدم ضرب الأمثال لبيان الحق وتقريبه إلى الأذهان (١) . وهكذا يؤكد القرآن الكريم وهدي النبي ﷺ على أهمية هذا الأسلوب في الإقناع. ٧ - استثارة الدوافع الإيمانية: وقد استخدم الرسول ﷺ هذا الأسلوب في خطبة أول جمعة في المدينة المنورة لتقرير الحقائق بشكل لا يقبل النقاش والجدال ولبناء المجتمع الإسلامي الفاضل المتكافل المتراحم على أساس من الأخوة الإيمانية والقيم الإسلامية.

стр. 133

٨ - أسلوب الإقناع والتبليغ: وقد ظهر هذا الأسلوب بوضوح في خطبة الرسول ﷺ في الجيش الإسلامي في غزوة تبوك الذي تجمع من الجزيرة العربية لقتال الروم، وكان بين أربعين (٤٠) وسبعين (٧٠) ألفا، ولذا كانت الخطبة نموذجا للاتصال شبه الجماهيري عندما لا ينظر للمتلقي على اعتبار أنه متلق فقط وإنما بمقتضى هذا الاتصال يصبح المتلقي مرسلا لحمل مسؤولية البلاغ المبين، وتكرر هذا الأسلوب في خطبة حجة الوداع حيث حمل الرسول ﷺ أهل الموقف يوم عرفات مسؤولية حمل قيم الإسلام وتعاليمه ومبادئه إلى الناس في كل مكان بل إلى الأجيال عبر الزمان كله. ٩ - أسلوب إحكام الاتصال والتزام بث الحقائق والبعد عن الهجاء الجاهلي: لقد كان مجتمع العرب قبل الإسلام هو مجتمع المفاخرة والمنافرة بالحق أو بالباطل، وكان الشعر فيه للمدح والهجاء أكثر من الأغراض الأخرى، وعندما جاء الإسلام علم الرسول ﷺ فن الاتصال بالناس، فبينما كانت المفاخرة والمنافرة في صفوف المشركين يوم بدر قد أخذت حيزا كبيرا من اتصالهم بالناس كان الرسول ﷺ أبعد الناس عن الهجاء السياسي وهو يقوم بالإعداد المعنوي لجند الإسلام في بدر، ويوم فتح مكة دخل الرسول ﷺ خاشعا لله حامدا شاكرا لنعم ربه عليه، هذا الأسلوب هو غاية ما يطمح إليه رجال الإعلام والاتصال بالجماهير , يقول الدكتور عبد الرحمن الشبيلي في معرض حديثه عن الإذاعات الدولية: (عهدنا بهذه الإذاعات منذ الحرب العالمية الثانية وقبيل قيامها وأثناء اشتعالها أنها كانت مرجا للشتائم وبث الكراهية والبغضاء وكان الأمل عند انتهاء الحرب أن

стр. 134

تتوقف تلك المظاهر غير الإنسانية ولكنها استمرت واتخذت بين المعسكرات المتنافسة وسميت بالحرب الباردة والحرب النفسية، وهي على أي حال لا تهدي إلى طريق السلام، وزاد الطين بلة أن بعض الإذاعات راحت تدعو إلى تخريب الحضارات القائمة على الدين والشرع، هكذا بدل أن تكون الإذاعات بحكم طبيعتها المناسبة المقربة أداة خير ووئام وسلام وتوجيهية أصبحت أداة حرب وتخريب وشر , نحن في العالم العربي هل سخرنا الإذاعات لنشر كلام الله وشرح تعاليم الدين وعرض صفحات التاريخ الإسلامي؟ إذا نظرنا إلى مجموع الإذاعات العربية ككل سنجد أن ذلك ليس إلا بمثابة القطرة في البحر) (١) . ولذا فإنه جدير برجال الإعلام أن يأخذوا بهذا الأسلوب الفعال في الخطاب الإعلامي النبوي الذي كشفت عنه الدراسة التحليلية لخطب النبي ﷺ وأكدت أهمية الدراسات الإعلامية المعاصرة وفاء بالواجب وأداء لأمانة البلاغ المبين وتأسيا بنبينا محمد ﷺ . ١٠ - أسلوب التعامل مع النفس البشرية بكل جوانبها: لقد كان هدف الخطاب النبوي هو الوصول بالدعوة إلى الإيمان بها إيمانا لا يقف عند حد التصديق والإقناع الفكري والوجداني بما يعرض من الأفكار بل يتعدى ذلك إلى الطمأنينة النفسية التي تحمل على العمل بمقتضى هذا الإيمان وأحكام العمل والحكم عليه بمقتضى هذا الإيمان وما جاءت به شريعة الإسلام من قيم ومثل وأحكام وإن خالف ذلك مقتضى الأهواء والشهوات والتقاليد والعادات.

стр. 135

لذلك كان الخطاب الإعلامي في الخطب النبوية يخاطب عقل الإنسان بما له من قوة الإدراك والتمييز بين الخير والشر، والحق والباطل، والمصلحة والمفسدة، ويخاطب الوجدان باعتباره وعاء الإحساس والمشاعر ويخاطب إرادة الإنسان الحرة باعتبار ما تتخذه من قرارات هو النتيجة النهائية للاستجابة التي يبني عليها قبول الخطاب أو رفضه. كما كان النبي ﷺ يحرص أشد الحرص على أن يكون الخطاب مناسبا للناس على تفاوت عقولهم وأفهامهم وجوارحهم وقلوبهم. وقد كان الرسول ﷺ يستلهم هذا الأسلوب البليغ الفعال في عملية الإقناع من هدي القرآن الكريم، إذا أسلوب التعامل مع النفس الإنسانية بكل جوانبها من أساليب القرآن الكريم. هذه نماذج من أساليب القائم بالاتصال في الإعلام الإسلامي المرتبطة بسداد المنهج، غير أن ما ينبغي إدراكه بوضوح هو أن الأسلوب يحدد بناء على ما يقتضيه الظرف الاتصالي وطبيعة الجمهور المستهدف وخصائصه. ثالثا: المسؤولية الأخلاقية: إن الأخلاق الفاضلة هي التي تحدد للإنسان سلوكه المستقيم، وترسم له طريقه إلى غايته، والرسول ﷺ وهو الأسوة الحسنة والنموذج الأول للقائم بالاتصال في الإعلام الإسلامي امتدحه ربه جل وعلا بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] (١) وقال ﷺ : «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق - وفي رواية البزار - مكارم الأخلاق» (٢) . وفي خطبة الصفا شهد المجتمع القرشي في مكة بصدق الرسول وأمانته مع شدة مخالفتهم له وحرصهم

стр. 136

على معارضته فهو عندهم الصادق الأمين لذا قالوا: (ما جربنا عليك إلا صدقا) ، وفي الرواية الثانية: (ما جربنا عليك كذبا) . لقد كان الرسول ﷺ على الخلق الذي أراد له ربه أن يكون عليه، فكانت أخلاقه هي أخلاق الإسلام يمثلها، فكان كما روت أم المؤمنين عائشة ﵂: «فإن خلق النبي ﷺ كان القرآن» (١) وصبغ بهذا الخلق الرفيع صحبه الكرام فكانوا أحسن الناس أخلاقا في اتصالهم بالناس , كما تعلموا من الرسول ﷺ في مواقفه الاتصالية وغيرها. فقد كان الرسول ﷺ صادقا، عدلا في قوله للقريب والبعيد، للصديق والعدو، رفيقا رحيما حتى مع الكفار الذين كتبت عليهم الشقاوة، يدعوهم بأحب الأسماء إليهم في خطبة الصفا، ويحترمهم مع أنهم أحقر شأنا لأنه بعث رحمة للعالمين، وهو في هذا ينطلق من هدي القرآن الكريم، ويطبق أخلاقه، فهو المصدر الفذ المعصوم الذي يعرف منه حسن الخلق من قبيحه، والذي يربط الإنسان بمثل أعلى يرنو إليه ويعمل له، وهو الذي يحد من أنانية الفرد ويكف من طغيان غرائزه وسيطرة عاداته، ويربي فيه الضمير الحي الذي على أساسه يرتفع صرح الأخلاق التي تقيم العدل فيما يصدر عن القائم بالاتصال من أحكام، أو تحفظ أمانة الكلمة وتصونها وترعى أخلاقيات العمل الإعلامي، لا الفلسفة المادية للأخلاق في الحضارة الغربية التي لا يمكن أن توجه الرأي العام، فأي فلسفة أخلاقية تلك التي ينبغي أن يتبعها القائم بالاتصال ولكل فيلسوف مذهب وكل مذهب له مقاييسه ومعاييره , أيأخذ بفلسفة المنفعة التي نادى بها وليم جمس وغيره، أم فلسفة اللذة التي نادى بها (أريستيت) و (أبيقور) ، أم فلسفة القوة التي نادى بها

стр. 137

(نيتشه) أن فلسفة الواجب التي نادى بها (كانت) ؟ . ثم ما الجزاء الذي يناله المرء على استمساكه بفضائل الأخلاق؟ أهو جزاء يقنع العقل ويرضي النفس أم هو سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا؟ (١) . لذا أفلست أخلاقيات الإعلام في النظام العالمي المعاصر، فقد جاء في مبادئ جمعية الصحف الأمريكية ما نصه: (إن صحفنا تنشر الأخبار بغض النظر عن مصلحتنا الخاصة، إننا لا نقدم معالجة مواتية للأخبار المتعلقة بالمعلنين عندنا مجاملة لهم، ولا نجامل أيضا جماعات الاهتمامات الخاصة كما أننا نغطي الأمور المتعلقة بنا وبموظفينا وعائلاتهم بنفس المعايير التي نطبقها على المؤسسات الأخرى وعلى الأفراد الآخرين، إننا نقوم بتعريف أنفسنا ومؤسساتنا لهؤلاء الذين نحصل منهم على المعلومات لنشرها , ونحن لا ننقل أبدا عمل أي شخص آخر وننتحل شخصيته في عملنا (٢) . ولكن واقع العمل الإعلامي شيء آخر تماما غير هذه المبادئ؛ وذلك لأن وسائل الإعلام وسائل محايدة لا توجه، وإنما الذي يوجه هو الإنسان فهو الذي يحملها ما يريد من القيم والأفكار والاتجاهات، وقد أثبتت الدراسات العلمية أن الأشخاص في الولايات المتحدة يكذبون، وأن نسبة الكذب بينهم ٩١% من الذين سجلتهم الدراسة , والنتيجة أن كل فرد من أفراد الشعب الأمريكي يكذب بنسب متفاوتة، يكذبون في كل صغيرة

стр. 138

وكبيرة وأسباب هذا الكذب تافهة ولا مبرر لها (١) . وكان من نتائج المؤتمر الذي نظمه مجلس الشؤون العالمية في شمال كاليفورنيا موضوعه وسائل الإعلام والرأي العام: أن وسائل الإعلام تستخدم قوتها الضخمة لخدمة مصالح ملاكها الذين يروجون لوجهات النظر المعارضة أو يقللون من شأنها، كما أن وسائل الإعلام تهدد الأخلاق العامة بالخطر (٢) . وعلى الرغم من النجاح المهني الذي حققه كل من (ليرنستاين) و (ووداورد) في كشف فضيحة (ووترجيت) فإنهما اتبعا العديد من الخطوات غير الأخلاقية في سبيل تحقيق هذه النتيجة، ومن هذه الخطوات غير الأخلاقية الكشف عن سرية أحد المصادر الرئيسية المباشرة من أجل التأكد من دقة المعلومات، والبحث عن معلومات من المحلفين، وهذا غير جائز قانونا، واستخدام العديد من أساليب التحايل لتجنب التعرف عليها، أو الإمساك بهما أي أنهما استخدما أساليب غير أخلاقية (٣) . ثم أين الحيدة في الإعلام الليبرالي الأمريكي الذي زعمها في مبادئه الأخلاقية إذا كانت الحكومة الفيدرالية الأمريكية تسيطر على النشر مساحة نحو ١٣٢٠٠٠ مم، يعمل تحت سقفه ٦٢٠٠ موظف، ويتبع له حوالي ١٠٠

стр. 139

مطبعة، وله أيضا ٣٠٠ منشأة طباعية في وكالات حكومية أخرى وهذا التنوع المدهش للمطبوعات والطاقة التي تعرفها الحكومة؛ ترويجها وتوجيهها للفكر يمثل نقطتين خطيرتين، الأولى أن كل صغيرة وكبيرة في حياة المواطن الأمريكي تعتبر الحكومة الفيدرالية طرفا فيها لأنها أصبحت كلية للمعرفة، والنقطة الثانية أن الحكومة الفيدرالية أصبحت المصدر الرئيسي للمعلومات حول أي موضوع يمكن تخيله , وهذا يعني التحكم في الموقف والسيطرة عليها بما يعرف بالتسلط الديموقراطي (١) . وبعرض هذه الأخلاقيات الإعلامية على المسؤولية الأخلاقية للقائم بالاتصال في الإعلام الإسلامي نجد أن المسؤولية الأخلاقية في واقع الإعلام المعاصر مجرد طموحات وآمال ليس لها شواهد في واقع الممارسة العملية، أما أخلاقيات الإعلام الإسلامي فإنه يؤكدها الخطاب الإعلامي في خطب الرسول ﷺ ، وتطبيق هذه الأخلاقيات في عهد الخلافة الراشدة والعهود الإسلامية بعد ذلك. رابعا: أن يكون القائم بالاتصال عاملا بما يدعو إليه: لا يكفي للمصدر المقنع أن يكون صادقا وأمينا في قوله وبيانه، قادرا على كسب ثقة الجمهور المتلقي، سديد المنهج بارعا في استخدام الأساليب الفنية للإقناع بالرسالة الإعلامية في إطار معرفته بالظرف الاتصالي وما

стр. 140

يناسبه , ملتزما بالمسؤولية الأخلاقية للقائم بالاتصال في الرؤية الإسلامية، وإنما لا بد أن يجمع مع ذلك كله أن يكون القائم بالاتصال عاملا بما يدعو الناس إليه من معتقدات وأفكار وآراء، ففاقد الشيء لا يعطيه، وقد كشفت الدراسة التحليلية للجوانب الإعلامية في خطب الرسول ﷺ وخاصة في خطبة حجة الوداع أن الرسول ﷺ كان أول مطبق لما كان يدعو إليه من مبادئ سياسية واقتصادية، فقد أعلن الرسول ﷺ في خطبة حجة الوداع هدر دماء الجاهلية، فقال ﷺ : «ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، وربا الجاهلية موضوع، وإن أول ربا أبدأ به ربا عمي العباس بن عبد المطلب، وإن دماء الجاهلية موضوعة، وأول دم أبدأ به دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب» (١) . وهذا الشرط للمصدر المقنع تؤكده الدراسات العلمية للإقناع (٢) وهناك العديد من الشروط الأخرى التي يختلف تأكيدها لعملية الإقناع من مجال إلى آخر تبعا للظرف الاتصالي، وإنما هذه أهم الشروط في الجملة.

стр. 141

[الأصل الثاني الهدف من الإقناع] الأصل الثاني: الهدف من الإقناع إن بداية أي نشاط اتصالي هو تحديد الأهداف وترتيب الأولويات في ضوء الموازنة بين الإمكانيات والواجبات. والهدف في اللغة: الغرض توجه إليه السهام ونحوها، والمطلب يوجه إليه القصد (١) . الأهداف في الاصطلاح: هي: الحالات المرغوبة والتي تسعى المنظمة إلى تحقيقها (٢) . إذا فالأهداف هي النتائج المرغوب فيها والمطلوب تحقيقها سواء كانت مادية أم معنوية. ويمكن تقسيم الأهداف إلى استراتيجية عامة وكلية وأهداف مرحلية وجزئية (٣) . والمتتبع لخطب النبي ﷺ بدءا بخطبة الصفا وحتى خطبة حجة الوداع يجد أن الرسول ﷺ كان يتصل وفق أهداف محددة، فلقد كانت أهدافه في خطبة الصفا مجملة إذ لم يطلب من الناس سوى إنقاذ أنفسهم من النار بعبادة الله وحده لا شريك له وترك عبادة الأصنام والأوثان. أما أهداف خطبة فتح مكة وخطبة حجة الوداع فقد كانت

стр. 142

الأهداف فيها أكثر تفصيلا في مقدمتها: ١ - إخلاص العبودية لله الواحد الأحد. ٢ - إحقاق الحق وإبطال الباطل. ٣ - إنقاذ الناس من الضلالة إلى الهدى ومن الظلمات إلى النور. ٤ - التأكيد على حرمة بيت الله العتيق. ٥ - إعلان مبدأ المساواة في أكمل صورة. ٦ - بناء الشخصية المسلمة والمجتمع الإسلامي الفاضل. وفي خطبة حجة الوداع كانت الأهداف التفصيلية أكثر، والرسول ﷺ وهو يضع الخطوط العريضة للاتصال بالناس في إطار أهداف محددة كان يستلهم ذلك كلية من المنهج القرآني الكريم، فعن أم المؤمنين عائشة بنت الصديق ﵂ قالت: (إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل لا تزنوا لقالوا لا ندع الزنا أبدا) (١) . وقال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ - مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ - إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨] (٢) هذا هدف عام ثم جاءت الأهداف المفصلة فيما بعد بفريضة الصلاة والزكاة والصوم والحج، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. . . إلخ أركان الدين وواجباته. إن تحديد الأهداف من مؤهلات الإقناع بالرسالة، كما أنه من الضرورة بمكان أن يرتبط الهدف بالرسالة الموجهة ارتباطا وثيقا، فليس من

стр. 143

المعقول أن يكون موضوع الرسالة شيئا والهدف الذي يتجه إليه الاتصال شيئا آخر، أو لا تصل العملية الإعلامية إليه إلا بشكل غامض أو مشوش فلا تتحقق الأهداف، وقد ثبت في الدراسات الاتصالية أن الأهداف تتنوع بتنوع موضوع الرسالة، ويرى بعض الباحثين أنه ليس بالضرورة إعلان كل الأهداف التفصيلية فقد يزيد ذلك من تربص الأعداء ومكرهم؛ ولذا فإن في التصريح بالأهداف العامة المجملة والاكتفاء بها مندوحة عنه (١) هذا من ناحية , ومن ناحية أخرى فإن المتلقي عندما يدرك عزم المصدر على إقناعه ويكشف عن أهدافه كلها وبالتالي يشعر بأنه يملي عليه شيئا ما فيرفض الرسالة (٢) . وعلى كل حال فإنه لا بد من تحديد الأهداف الكلية والتفصيلية للعمل الإعلامي تأسيا بهدي النبي ﷺ ، ولا بد من إقناع العاملين في حقل الاتصال الإعلامي بهذه الأهداف والتأكد من وضوحها في أذهانهم بل ورغبتهم وقناعتهم بها إذ إن الأهداف المرغوبة أو المقبولة من جانب المنفذين يكون احتمال بلوغها كبيرا. كما يجب أن يكون الأهداف مرنة تستوعب المتغيرات التي قد تطرأ على العملية الإعلامية، وتتمشى مع الإمكانات المتاحة كما ينبغي أن تكون

стр. 144

متوازنة ومتكاملة مع غيرها من الأهداف كأهداف التربية والتعليم وأهداف المسجد وغير ذلك من المؤسسات التي تعنى بالاتصال والتنشئة الفكرية والثقافية بحيث تتناسق لتحقيق الأهداف الكلية للمجتمع (١) الإسلامي المتمثلة في: ١ - ترسيخ عقيدة الإيمان بالله الواحد الأحد. ٢ - تحقيق السيادة لشرع الله تعالى. ٣ - إعلاء كلمة الله في الأرض. ٤ - الوصول إلى مجتمع الطهر والنقاء. كما ينبغي أن تكون الأهداف المرحلية متسلسلة بحيث يؤدي بلوغها وأحد الأهداف إلى تحقيق الآخر حتى يتم الوصول إلى الهدف الأكبر، فقد بدأ الرسول ﷺ بترسيخ عقيدة التوحيد، ثم إقامة المجتمع الفاضل في المدينة وتطبيق شريعة الإسلام، ثم جهاد الباطل وهدم النظام الجاهلي في الجزيرة العربية , ثم إحلال نظام الإسلام مكان النظام العالمي الفاسد؛ وذلك بإرساله ﷺ الرسل إلى ملوك الأرض وخروجه لحرب الروم في غزوة تبوك.

стр. 145

[الأصل الثالث الرسالة المقنعة] الأصل الثالث: الرسالة المقنعة لقد بعث الله رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، فأخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور ومن الضلال إلى الهدى، وتلا عليهم آيات ربه، وعلمهم الكتاب والحكمة وزكاهم وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين، ففتح الله به قلوبا غلفا وآذانا صما وأعينا عميا، وأنار به السبيل، وأقام به الحجة؛ ولذا فإن أي رسالة لا تداني رسالة المعصوم ﷺ ، يقول الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤] (١) . فكلما كانت الرسالة الاتصالية قريبة إلى الحق في مضمونها ملتزمة به في شواهدها كلما كانت ملبية لحاجات الناس المادية والمعنوية، فالثابت في الدراسات الإعلامية أن الإعلام فكرة ومنهاج , وأن الرسالة هي العمود الفقري للعملية الإعلامية، وتزداد أهميتها كلما كان مضمونها على الحقائق الثابتة والأخبار الصحيحة والمعلومات السليمة والأحكام السديدة، والمتتبع هدي النبي ﷺ في خطابه الاتصالي بالناس في خطبه كلها يدرك بجلاء ظهور هذه السمات في مضمونها وبلاغة صياغتها، والدراسات الإعلامية تؤكد فاعلية الرسالة متى توفر فيها شرطان أساسيان: الأول: مضمون الرسالة: أي المعاني والأفكار التي تطرحها (٢) - القائم على الحق والحجة والرهبة. والثاني: صياغة الرسالة: ونعني بذلك وضعها في (كود معين)
следующие страницы →