موضوع. . كله. . . ومآثر الجاهلية موضوعة» ، ثم أسس الرسول ﷺ مبدأ الحرية في الإسلام على أساس العبودية الخالصة لله تعالى الواحد الأحد فقال ﷺ «أيها الناس إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه، ولكنه قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرونه من أعمالكم» . هكذا أسس مبدأ الحرية على الخروج من مآثر الجاهلية، ومن قيد الشيطان والدخول في قيم الإسلام وقيد الرحمن، ومن هنا تكون حرية الإنسان المسلم وإرادته لما يصلح حياته في إطار هذه القيم الثابتة، والسير في ركاب هذا المفهوم يجعل حياة الإنسان في توافق وانسجام مع نواميس الكون وسنن الله في فطرة الوجود كله (١) .
وبعد تأسيس مبدأ الحرية العام في الإسلام جاء التأكيد في هذه الخطبة الجامعة على الحريات المتعلقة بخصوصية الإنسان قال ﷺ : «أيها الناس: إن لكم على نسائكم حقا، ولهن عليكم حق» ، وقال في رواية أخرى: «فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله. . .» .
وفي هذا تحديد للعلاقة بين الرجال والنساء في الإسلام وتأسيس لحرية المرأة المسلمة التي كفلها لها الإسلام.
٥ - إعلان مبدأ المسؤولية الإعلامية في الإسلام: في هذه الخطبة البليغة أعلن الرسول ﷺ عن مبدأ من أهم مبادئ الإعلام الإسلامي وهو مبدأ المسؤولية الإعلامية التي هي جزء من المسؤولية العامة في الإسلام بشتى أنواعها، المسؤولية الخلقية، والاجتماعية،
стр. 72
والإعلامية، التي يؤكد عليها الرسول ﷺ في هذه الخطبة؛ لارتباطها بحرية القول التي جعلها الإسلام حقا لكل إنسان بل تكون واجبا فيما يمس الأخلاق والصالح العام والدعوة إلى الله انطلاقا من قول الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] (١) وقال الرسول ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» (٢) ولذا حمل الرسول ﷺ جمهور خطبة حجة الوداع مسؤولية الإعلام بدين الله، وأداء واجب البلاغ المبين، وهم بدورهم حملوا هذه المسؤولية لكل أفراد الأمة، قال ﷺ في الرواية الثالثة:
«وقد بلغت، فمن كان عنده أمانة فليؤدها» ، وفي الرواية الرابعة قال: «وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء ويقلبها على الناس اللهم اشهد , اللهم اشهد، اللهم اشهد» ، وجاء في بعض الروايات: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ليبلغ الشاهد الغائب، فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه» (٣) .
قال ابن حجر العسقلاني ﵀:
(ليبلغ الشاهد الغائب أي الحاضر في المجلس الغائب عنه، والمراد
стр. 73
إما تبليغه القول المذكور في الحديث أو تبليغ جميع الأحكام. فرب مبلغ أوعى من سامع، أي عسى أن يكون بعض من لم يشهد أوعى لما أقول من بعض من شهد، ثم قال: وفي هذا الحديث من الفوائد: الحث على تبليغ العلم وجواز التحمل قبل كمال الأهلية، وأن الفهم ليس شرطا في الأداء، وأنه قد يأتي في الآخر من يكون أفهم ممن تقدم) (١) .
هكذا علم الرسول ﷺ أمته مبدأ المسؤولية الإعلامية، فقد أمره الله تعالى تبليغ رسالة ربه للناس جميعا، وأن يحاج المكذبين والكفار ويخاطب عقولهم، ولكن الله تعالى لم يترك لرسوله وهو النموذج الأول لرجل الاتصال حرية القول على الإطلاق بل حدد له منها حدا للقول وللاتصال، وأوجب عليه أن يعتمد في اتصاله بالناس على الحكمة والموعظة الحسنة، وأن يجادل الناس بالتي هي أحسن، وأن لا يسب الذين يدعون من دون الله , وأن يقول للناس حسنا، هذه الحدود لحرية القول وللمسؤولية الإعلامية علمها الرسول ﷺ صحابته وحملهم إياها كما علمهم الصلاة، وقال صلوا كما رأيتموني أصلي، وحج وقال خذوا عني مناسككم.
هذه المسؤولية الإعلامية لها أثرها في حياة الناس، فهي بلا شك تعود على الأفراد والأمم بالنفع العام , وتؤدي إلى الإخاء والحب والاحترام والتعاون بين الأفراد والهيئات داخل المجتمع الإسلامي وخارجه، وتجمع كلمة أولي الأمر على الحق، وتقضي على النعرات الشخصية والطائفية، وهذا كله ينقص النظام الإعلامي العالمي اليوم، إن المسؤولية الإعلامية في
стр. 74
الإسلام حصن لحماية الأخلاق والآداب والنظام من الاعتداء، واحترام لكل حق.
٦ - أساس الحق في الاتصال: لقد أعلن الرسول ﷺ في هذه الخطبة البليغة مبدأ تكافؤ الفرص والمساواة في أكمل صورها، مقررا أن الناس سواسية بحسب خلقهم وعناصرهم الأولى، قال ﷺ في الرواية الرابعة: «أيها الناس: إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي فضل على عجمي إلا بالتقوى، اللهم هل بلغت؟ اللهم اشهد» ، أي كلكم منحدرون من أب واحد، وأم واحدة، فلا فضل لأحدكم على الآخر بحسب عنصره وطبيعته، وإنما معيار التفاضل هو التقوى، وهي ثمرة العمل الصالح، وهكذا صان الإسلام مبدأ المساواة والعدل بين الجميع، ثم ترك الباب مفتوحا أمام كل فرد، للتفاضل بجهده ونتاج عمله وثمرة سعيه وخبرته، ولم يحصر التفاضل في الجوانب المادية فقط كما تزعم الحضارة الغربية المعاصرة، وتكرس ذلك في نظامها الإعلامي المعاصر، ولم يحصر المساواة في العامل الاقتصادي كما يزعم النظام الإعلامي الشيوعي (١) وإنما جعل للاتجاه الروحي دوره البارز في جمع الناس والمساواة بينهم، ولذا قال ﷺ في الرواية الثالثة: «أيها الناس: اسمعوا قولي واعقلوه، تعلمن أن المسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين إخوة» ، وهكذا يقرر الرسول ﷺ مبدأ المساواة على أساس العقيدة والمبدأ، ومن هنا كانت المساواة في الإسلام مؤكدة لدفع الأفراد نحو السعي والعمل، وسعي الإنسان وعمله كما يكون في مجال السلوك اتباعا لهدي النبي ﷺ يكون
стр. 75
أيضا في مجال المعرفة وفي المجالات الأخرى التي يسهم فيها الإنسان بنشاطه الفكري، وقدرته الإبداعية، وفي مقدمتها الاتصال بأشكاله المختلفة، فمن الثابت أن دراسات الاتصال تؤكد على هذا الحق المبني على مبدأ المساواة، فقد جاء في دراسة لليونسكو أن من أهم مقومات الحق العام في الاتصال ما يلي (١) .
١ - حق الكلام.
٢ - حق الإنسان في أن يستمع إليه.
٣ - الحق في الحصول على رد.
٤ - حق الرد.
٥ - حق الاستماع.
٦ - حق الإنسان في أن يرى.
٧ - حق الإنسان في أن ينظر إليه.
٨ - حق التعبير عن النفس كتابة أو طباعة.
٩ - الحق في التعبير عن النفس بشكل من أشكال الإبداع الفني.
١٠ - الحق في الخيار أي حق الامتناع عن الاتصال.
وفي نظري لا يمكن أن تتحقق هذه الحقوق في ظل نظم إعلامية لا تقر مبدأ المساواة في الجانب المادي والروحي كما جاء في الإسلام وكما قرره الرسول ﷺ في أروع العبارات وأبلغها في خطبة حجة الوداع،
стр. 76
وبهذا وضع أساسا متينا للاتصال الإنساني الذي تعددت أشكاله وأساليبه وفنونه ومضامينه وأهدافه تبعا لغاية القائم بالاتصال، لأنه ضرورة إنسانية للأفراد والمؤسسات والمجتمعات والشعوب على حد سواء.
٧ - النظام الإعلامي من الجاهلية إلى الإسلام: إن الإسلام نظام متكامل يقوم على أسس ثابتة ومبادئ محددة بوضوح يفهمها العامة، ويجد فيها المتخصصون مجالات للتعمق والتأمل، والإطار العام للأمة الإسلامية يتكون من عدة أجزاء، يمكن اعتبار كل جزء منه نظاما فرعيا في حد ذاته، وهو النظام العام للأمة الذي أعلن الرسول ﷺ استقلاليته عن النظام الجاهلي، حيث قال ﷺ في الرواية الأولى من هذه الخطبة: «ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع. . . دماء الجاهلية موضوعة. . . وربا الجاهلية موضوع» ، والمعنى الذي تتضمنه صيغة هذا القرار هو أن نظام الجاهلية وقيمها وتقاليدها التي تتمسك بها، وفوارق اللغة والأنساب والأحساب والنزعة العرقية واستعباد الإنسان أخاه بالإرهاب المادي أو الفكري قد بطل أمره ومات اعتباره، فهو جيفة منتنة غيبتها شريعة الإسلام في باطن الأرض، وأصبح مكانها من حياة المسلم تحت الأقدام؛ لأنها رجس ونجس ولى، وعماهة أدبرت، وغاشية بادت، فمن ذا الذي يرجع لينبش التراب عن جيفة منتنة، وأي عاقل يتقمم الأدران التي تخلص منها ليتمسح بها ثانية، وأي أبي يعمد إلى القيد الذي كسره البارحة وألقاه فيحاول إصلاحه ليعود يتقيد به اليوم بعد أن أنقذه الله منه.
لقد أعلن الرسول ﷺ للدنيا كلها وسجل على مسامع القرون والأجيال قيام النظام الإسلامي، الذي يشكل الإطار العام للأمة الإسلامية، وترتبط به كافة النظم، كالنظام الاقتصادي , والنظام الاجتماعي، والنظام السياسي الذي يعد النظام الإعلامي جزءا منه بكل مستوياته وأبعاده، فمن
стр. 77
الثابت أن كثيرا من الدراسات الإعلامية تؤكد هذا الارتباط الوثيق بين النظام الإعلامي والإطار العام للمجتمع (١) كما أن مقومات العملية الإعلامية الذاتية والموضوعية تؤثر على الظروف الاتصالية جملة، والمقومات الموضوعية هي البيئة الفكرية والثقافية والاجتماعية وكل القيم والعادات والتقاليد المرعية، التي تحكم العملية الإعلامية وتحكم عليها، ويظهر ذلك فيما يعرف بسياسات الإعلام ونظمه وتشريعاته التي ترتبط بأهداف وغايات النظام العام للمجتمع، ويقصد بها مجموعة المبادئ والقواعد الأساسية والأسس التي تشكل نسقا أو طريقة لتنظيم وإدارة وتوجيه النظام الاتصالي، وعادة ما تكون هذه الخطوط العريضة بعيدة المدى، وتتناول الأمور الأساسية، وتنبع من الأيدلوجيات الأساسية , والظروف الاجتماعية، والاقتصادية، والقيم الشائعة في المجتمع (٢) ومن هنا تظهر أهمية التأسي بهدي النبي ﷺ في هذه الخطبة الرائعة، وتخليص السياسات الإعلامية في عالمنا الإسلامي من الرؤى المرتبطة بالفلسفة المادية، والأفكار والتصورات الجاهلية الموضوعة، وصياغة سياسة إعلامية تنبثق من هدي الإسلام، وتلتزم به وتستمد معانيها من شريعته، وتستند في قوتها ومتانتها على الفكر الإسلامي الواعي، والضمير الإنساني الحي، والانتماء الوطني الصادق (٣) .
стр. 78
٨ - أسلوب التكرار: ويظهر هذا الأسلوب في خطبة الرسول ﷺ في اليوم التالي لخطبة حجة الوداع، فقد كرر ﷺ كثيرا من مضامين خطبة حجة الوداع في خطبة يوم النحر، حيث جاء فيها عن أبي بكرة عن أبيه ذكر «أن النبي ﷺ قعد على بعيره وأمسك إنسان بخطامه أو بزمامه، قال: أي يوم هذا؟ فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: أليس بذي الحجة؟ قلنا: بلى، قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ليبلغ الشاهد الغائب، فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه» (١) . ومن الثابت في الدراسات الإعلامية أهمية أسلوب التكرار في تغيير الرأي العام، وتعديل الاتجاهات (٢) .
وللتكرار أهمية بالغة في العملية الإعلامية باعتباره يحقق الأهداف التالية:
أ) - جذب انتباه المستقبل: للرسالة الإعلامية ليقبل بعقله وحواسه لتلقي الرسالة وليبتعد في نفس الوقت عن مختلف عوامل التشويش التي تؤثر على فاعلية العملية الإعلامية.
ب) - التأكيد على أهمية الرسالة: وقيمها وضرورة استيعابها وحفظها.
٩ - أسلوب الحوار والتساؤل: ويظهر هذا الأسلوب في خطبة حجة الوداع في صدر الرواية الثانية
стр. 79
لنص الخطبة: «أتدرون أي يوم هذا؟ وأي شهر هذا؟ وأي بلد هذا؟» ، وهذا الأسلوب الحواري له تأثيره في العملية الإعلامية لما يحدث من القرب النفسي بين القائم بالاتصال والمتلقي، ولما فيه من إشعار للجمهور المتلقي بأهميته في العملية الإعلامية، ودوره الفعال فيها، وذلك بإشراكه عن طريق الأسلوب الحواري أو التساؤل، هذا بالإضافة إلى أن التساؤل يكشف جوانب النقص في المعرفة لدى الجمهور المتلقي، ليعمل القائم بالاتصال على تعديل رسائله الإعلامية بما تقتضيه الحاجة.
١٠ - أسلوب الإخبار: من المعروف في العمل الإعلامي أهمية الخبر في التوجيه وبناء الرأي العام، وقد جاء هذا الأسلوب في الرواية الثانية لنص الخطبة «ألا وإني فرطكم على الحوض , وأكاثر بكم الأمم، فلا تسودوا وجهي. . .» ، وفي الرواية الرابعة: «إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السماوات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق الله السماوات والأرض منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات، وواحد فرد: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم , ورجب الذي بين جمادى وشعبان، ألا هل بلغت؟» ، ومن الثابت في الدراسات الإعلامية أن الوظيفة الإخبارية من أهم وظائف الإعلام والاتصال بالجماهير.
[الفصل الثاني مقومات منهج الخطاب الإعلامي في خطب الرسول صلى الله] عليه وسلم
стр. 80
[المقوم الأول الثقة بالمصدر]
الفصل الثاني
مقومات منهج الخطاب الإعلامي
في خطب الرسول ﷺ المقوم الأول: الثقة بالمصدر. المقوم الثاني: العلم. المقوم الثالث: التلازم بين الحرية والمسؤولية. المقوم الرابع: عالمية الإعلام الإسلامي. المقوم الخامس: التلازم بين المعنى الحق والشكل الجميل.
стр. 81
توطئة الفصل الثاني في هذا الفصل من هذه الدراسة يمكن إبراز الجانب التالي من الجوانب الإعلامية في خطب النبي ﷺ وهو معالم مقومات منهج الخطاب الإعلامي إذ إن التحليل الإعلامي للخطب المختارة لم يكشف عن دلالات ومعاني ومفاهيم الإعلام التي جاءت في الفصل الأول فقط بل كشف أيضا عن معالم لمقومات منهج الخطاب الإعلامي النبوي، وهي تؤكد على أن للإعلام الإسلامي أسسه وقواعده وأصوله الإعلامية السليمة التي تستند إلى فعل النبي ﷺ وأن للمسلمين خصوصيتهم المنهجية في الفلسفة الإعلامية.
стр. 82
المقوم الأول: الثقة بالمصدر للقائم بالاتصال أهمية كبيرة في منهج الاتصال في الرؤية الإسلامية , فالمصدر سواء أكان شخصية حقيقية أم اعتبارية لا بد فيه من الثقة، وهي تأتي من وجهين:
الأول: ثقته بنفسه.
الثاني: ثقة مجتمعه به أي الجمهور المتلقي لرسائله الاتصالية، ويظهر الوجه الأول في قول الرسول ﷺ وهو النموذج الأول لرجل الاتصال في المجتمع الإسلامي-: «والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه ما تركته» (١) والظرف الذي قيلت فيه هذه المقولة المنهجية هو ظرف الكثرة العاتية التي تهجم بكل كيانها على النبي ﷺ ، فلو كانت ثقة الرسول ﷺ بنفسه ضعيفة لا تساوي في وزنها الاجتماعي ثقل المجتمع المتكتل عليه بقوة رجاله ورأيه السائد لما أمكنه أن يضع هذا المعيار الخالد الذي يصور المستوى السامي، في عزة النفس، والثقة بالله، وبما يدعو إليه، مما ينبغي أن يتسلح به رجل الاتصال الذي يتأسى بالنبي ﷺ ، كما ينبغي عليه أن يحذر من جاذبية الإغراء، ليرتفع إلى هذا المستوى السامي من عزة النفس، والثقة بما عنده من الحق.
أما الوجه الثاني: فثقة المجتمع والجمهور المتلقي بالقائم بالاتصال ومصدر الرسالة، ويظهر ذلك في قول الرسول ﷺ في خطبة الصفا: «أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقا» (٢) نعم لقد كان
стр. 83
عندهم الصادق الأمين والحكم العدل في مدلهمات الأمور , وقد أجمع مجتمع مكة على ذلك وهم شوكة العرب. والرسول ﷺ بهذا التساؤل يحدد مستوى الثقة برجل الاتصال الإسلامي الذي يضطلع بأعباء الإعلام إذ لا بد أن يكون على هذا المستوى من الثقة بالنفس ومن ثقة المجتمع به (١) إن القائم بالاتصال هو أس العملية الإعلامية، فهو الذي منه يصدر الإعلام , وفيه سماته التي تفيض بعلم الإعلام الإسلامي، إسلامي الروح، وإسلامي الوجه , وإسلامي الفاعلية في حياة الناس، وإسلامي أخلاقيات العمل الإعلامي. وهذا المصدر هو إسلامي الطموح، وإسلامي الانتماء، وإسلامي التوثيق، وإسلامي التعمق , وإسلامي الامتداد، وإسلامي الأشواق والأذواق، وإسلامي التوحد والتوقد، هذا المصدر هو الذي ينبغي أن تشع منه بتلقائية خصائص الإعلام الإسلامي الصادق الأمين، حتى نحقق للناس صدق الخبر، وسلامة المعلومة، وأمانة الكلمة، وصدق التوصية والإرشاد، وصدق الحكم، عندما يلتزم المصدر بهدي النبي ﷺ ويتأسى به فيكون صادقا وأمينا، سواء أكان المصدر شخصية حقيقية أم شخصية اعتبارية بدءا من المراسل والمندوب والمحرر الإعلامي، وانتهاء برئيس وكالة الأنباء أو مدير بنك المعلومات.
فالإعلام الإسلامي يتجه إلى الجمهور المتلقي , من أجل بناء مزيد من الثقة بالإسلام وقيمه ومبادئه، من أجل تعميم الانتماء إليه باعتباره نعمة تفضل الله بها على عباده، فالإعلام الإسلامي يتجه نحو الهداية لا التضليل لهذا كان الصدق أساسا في النظرة الإسلامية للإعلام، حيث يجب الالتزام به في صوره المختلفة (٢) حتى يتحقق للرسالة الإعلامية أسباب السلامة
стр. 84
وعوامل الثقة بها، وذلك عندما يصدق المصدر وعندما يكون حريصا على هداية الناس، يدرك ذلك من يتتبع خطب النبي ﷺ , فقد كان حريصا أشد الحرص على ما فيه مصلحتهم، ليس هذا في خطب الرسول ﷺ ، بل وفيما روي عنه من الأحاديث (١) .
وهذا الحرص يتفق مع هدي القرآن الكريم ويسير في ظله فقد ذم الله تعالى الذين التزموا فعل البر ثم انقطعوا عنه من الأمم السابقة، قال الله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧] (٢) .
والمصدر الراشد لا يكتفي بالحرص على المخاطبين فقط، بل لا بد من الرحمة بهم، تأسيا بالرسول ﷺ ، والله أعلم بما أودع في قلب رسوله ﷺ من حسن الخلق والرحمة؛ ليكون مسموعا ومطاعا، يقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] (٣) وقال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] (٤) ثم يوجه الله تعالى نبيه الأمين إلى الأركان الأساسية لنجاح كل اتصال وكل إعلام فيقول الله تعالى:
стр. 85
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥] (١) .
ومن الحكمة في الدعوة مراعاة أحوال المدعوين واختيار الأساليب المناسبة لهم، وقد ظهر ذلك جليا في التحليل الإعلامي لخطب الرسول ﷺ ، فأساليب إقناع المجتمع الجاهلي في خطبة الصفا شيء، وأساليب إقناع المسلمين في خطبة أول جمعة صلاها الرسول ﷺ بالمدينة شيء آخر، وكذلك خطب التشويق والترغيب في الجهاد والتضحية والبذل بالنفس والنفيس في سبيل الله غير خطب تعليم الناس قيم ومبادئ الإسلام ونظامه كما جاء في خطبة حجة الوداع، فقد كان النبي ﷺ يختار الأسلوب المناسب للظرف الاتصالي المناسب ومثال ذلك في البدايات المثيرة للانتباه في خطبة الصفا " واصباحاه!! "، وفي خطبة أول جمعة بالمدينة الحمد والثناء على الله بما هو أهل، وذلك ارتباطا بمسلمات الأمة الإسلامية.
وفي خطبة فتح مكة: «إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين , وإنها لم تحل لأحد كان قبلي، وإنها أحلت لي ساعة من نهار، وإنها لن تحل بعدي» . وفي هذا الأسلوب رعاية لهم الجمهور المتلقي - أهل مكة - في خطبة حجة الوداع قال رسول الله ﷺ : «أتدرون أي يوم هذا أو أي شهر هذا وأي بلد هذا؟» عندما كان يريد أن يعلمهم مواقيت الحج والأشهر الحرم وفق المبادئ الإسلامية الخالدة والمرتبطة بسنة الله تعالى.
هذا هو رجل الاتصال الصادق الأمين الرحيم الذي يعرف لكل
стр. 86
حقه ولكل مقام مقال؛ فموضوع الاتصال ينبغي أن يتناسب مع بيئة المستمعين الثقافية والاجتماعية حتى يحقق الاتصال أهدافه وغاياته المرجوة.
وهكذا تدرك بجلاء أهمية الثقة بالمصدر في تحقيق نجاح العملية الاتصالية وفاعليتها في الإقناع بالأفكار مهما كانت شدة المعارضة، فقد شهد عتبة بن ربيعة بعظمة دعوة الرسول ﷺ مع شدة معارضته؛ قال: (إني سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش: أطيعوني واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه , فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ عظيم) (١) .
هذه الشهادة لنجاح الخطاب الإعلامي النبوي جاءت من عدو، والعرب تقول: الحق ما شهدت به الأعداء.
فليت شعري هل يتأسى المصدر في المؤسسات الإعلامية الإسلامية بهدي النبي ﷺ في الاتصال؛ فيحسن صلته بالناس، ويحب الخير لهم، ويكون ثقة عدلا عندهم، حتى يسمع صوته، وتقرأ كلمته، وينفع الله به الناس.
ويتحرى ويتثبت في رواية الأخبار حتى يكسب ثقة الناس فيه.
والخبر واحد الأخبار، وهو ما أتاك من نبأ عمن تستخبر، والخبر النبأ والجمع أخبار وجمع الجموع أخابير (٢) وقيل الخبر: ما ينقل ويحدث
стр. 87
به قولا أو كتابة وهو يحتمل الصدق والكذب لذاته وجمعه أخبار الجموع أخابير (١) ومنه قول الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤] (٢) .
والخبر في الاصطلاح الإعلامي: هو وصف موضوعي دقيق تطلع به الصحيفة أو المجلة قراءها في لغة سهلة وواضحة وعبارات قصيرة على الوقائع والتفاصيل والأسباب والنتائج المتاحة والمتتابعة لحدث حالي أو رأي أو موقف جديد أو متجدد لافت للنظر أو فكرة أو قضية وقعت غالبا أو مستمرة الوقوع أو تأكد أنها ستقع، تتصل جميعها بمجتمعهم وأفراده وما فيه أو بالمجتمعات الأخرى كما تساهم في توعيتهم وتثقيفهم وتسليتهم وتحقيق الربح المادي والمعنوي لهم (٣) .
والحقيقة أنه من المسلمات عند خبراء الإعلام والاتصال بالجماهير أن الخبر هو العمود الفقري للعملية الإعلامية وإن اختلف في مفهومه ومعايير انتقائه واختياره تأتي تبعا لاختلاف النظم الإعلامية المعاصرة، ونحن بحمد الله لنا في منهج الإعلام الإسلامي معاييرنا الواضحة التي تستند إلى أمور منها:
١ - هدي كامل في الوحي بشقيه، فليس لأمة من الأمم مثل ما للأمة الإسلامية من المعايير لاستقاء الأخبار وعرض الحقائق على الناس قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] (٤) . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] (٥)
стр. 88
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] (١) .
ب - وفي ظل هذا المنهج الإخباري صاغ أهل الحديث ضوابط نقد الرواية سندا ومتنا، واشترطوا في الرواة العدالة، ويعنون بها أن يكون الراوي مسلما بالغا عاقلا، سليما من أسباب الفسق وخوارم المروءة، واشترطوا الضبط ويعنون به أن يكون الراوي غير مخالف للثقات , ولا سيئ الحفظ، ولا فاحش الغلط، ولا مخطئ ولا كثير الأوهام (٢) .
وقسموا الخبر المقبول إلى الصحيح والحسن، والصحيح لغيره، والحسن لغيره , وهكذا سجل لعلماء المسلمين فخر السيادة والريادة في مجال ضبط رواية الأخبار , وليس هذا إلا لأهل الحديث الذين التزموا بضوابط صارمة في نقد الرواية؛ لأنه يقوم على روايتهم تشريع يحكم الحياة ويحكم عليها.
ج- أما أهل السيرة وكتاب التاريخ فقد تساهلوا قليلا لأن هدفهم تثقيفي للناس ولا يبنى على روايتهم أكثر من رأي أو موقف ولا يقوم عليها حكم شرعي، ولذلك روايتهم أقرب ما تكون إلى الرواية الإعلامية.
ومع ذلك فقد كان منهجهم في رواية الأخبار محددا، مثال ذلك واضح في مقدمة تاريخ الطبري التي حدد فيها منهجه في ضبط الرواية بالأمور التالية:
١ - أخذ المعلومات في استقاء الأخبار من مظانها.
стр. 89
٢ - إسناد الرواية إلى قائلها.
٣ - ترك الحكم على الرواية للقارئ.
حيث قال: (وليعلم الناظر في كتابنا أن اعتمادي في كل ما أحضرت ذكره منه، مما شرطت أني راسمه فيه إنما هو على ما رويت من الأخبار التي أنا ذاكرها فيه والآثار التي أنا مسندها إلى رواتها، دون ما أدرك بحجج العقول واستنبط بفكر النفوس، إلا اليسير القليل منه، إذ كان العلم بأخبار الماضين وما هو كائن من أنباء الحادثين غير واصل إلى من لم يشاهدهم ولم يدرك زمانهم إلا بأخبار المخبرين، ونقل الناقلين، دون الاستخراج بالعقول , والاستنباط بفكر النفوس، فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين , مما يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجها من الصحة ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا وإنما أتى بعض ناقليه إلينا وإنا إنما أدينا ذلك على نحو ما أدي إلينا (١) .
ثم جاء ابن خلدون ﵀ فأضاف إلى منهج أهل التاريخ في الرواية قواعد للحكم على الرواية الخبرية حيث جعل من جملة الثقة بالأخبار جملة أمور منها:
١ - دراسة أسباب الواقعة وظروفها المحيطة بالحدث ومن ثم دفع الترهات؛ ولذا فإن راوي الأخبار عنده لا بد أن يكون ناقدا بصيرا لديه الموهبة التي تمكنه من كشف الزيف في الرواية، ولا بد أن يكون عنده ميزان دقيق يرجع إليه عند نقد الروايات في إطار أحوالها التي ترجع إليها الأخبار وتحمل عليها الروايات.
стр. 90
٢ - الرواية في نظره تحتاج إلى العلم بقواعد السياسة وطبائع الموجودات واختلاف الأمم والبقاع والأعصار في السير والأخلاق وسائر الأحوال , والإحاطة بالحاضر من ذلك، ومماثلة ما بينه وبين الغائب من الوفاق أو بون ما بينهما من الخلاف، وتعليل المتفق منها والمختلف، والقيام على أصول الدول والملل ومبادئ ظهورها وأسباب حدوثها ودواعي كونها وأحوال القائمين عليها وأخبارهم حتى يكون مستوعبا لأسباب كل حادثة، واقفا على أصول كل خبر، وحينئذ يعرض الخبر المنقول على ما عنده من القواعد والأصول، فإن وافقها وجرى على مقتضاها فهو صحيح وإلا زيفه واستغنى عنه (١) ومن خلال هذا المنهج الراشد لرواية الأخبار القائم على نصوص الوحي بشقيه، وعلى ضوابط أهل الحديث، وقواعد أهل السير، ورواة التاريخ يمكن لرجل الإعلام الإسلامي أن يستقي أخباره إن لم يكن وفق منهج أهل الحديث فلا أقل من منهج رواة التاريخ.
وفي إطار هذه المحددات الأساسية، ومن خلال الدلالات الإعلامية لخطب النبي ﷺ يمكن إبراز عدة معايير يمكن انتقاء الأخبار في إطارها هي:
١ - معيار القرب الفكري والعقدي ودليل ذلك عمل السلف من الصحابة في عهد الرسول ﷺ عن نيار بن مكرم الأسلمي قال: لما نزلت ﴿الم - غُلِبَتِ الرُّومُ - فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ - فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ١ - ٤] (٢) فكانت فارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين للروم، وكان المسلمون يحبون ظهور الروم عليهم؛ لأنهم وإياهم أهل كتاب وذلك قول
стр. 91
الله تعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ - بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الروم: ٤ - ٥] فكانت قريش تحب ظهور فارس لأنهم وإياهم ليسوا بأهل كتاب ولا إيمان ببعث فلما أنزل الله تعالى هذه الآية خرج أبو بكر الصديق ﵁ يصيح في نواحي مكة: ﴿الم - غُلِبَتِ الرُّومُ - فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ - فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ١ - ٤] قال ناس من قريش لأبي بكر الصديق فذلك بيننا وبينكم زعم صاحبكم (١) أن الروم ستغلب فارسا في بضع سنين أفلا نراهنك على ذلك. . . إلخ.
وهكذا نرى أن الاهتمام بالحدث كان على أساس معيار القرب الفكري والعقدي بالنسبة للفئة المؤمنة والفئة الكافرة.
٢ - الولاء والبراء على أساس عقيدة التوحيد , وقد ظهر ذلك واضحا في خطبة الصفا عندما جمع الرسول ﷺ قريشا فخص وعم فقال: «يا معشر قريش: أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم من الله ضرا ولا نفعا، يا معشر بني عبد مناف: أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضرا ولا نفعا، يا معشر بني قصي: أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضرا ولا نفعا، يا معشر بني عبد المطلب: أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضرا ولا نفعا، يا فاطمة بنت محمد: أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لك ضرا ولا نفعا» (٢) .
٣ - الاهتمام بالإنسان عامة انطلاقا من مبدأ عالمية الإعلام الإسلامي، ويمكن إبراز هذا المعيار في المقوم المتصل بعالمية الإعلام الإسلامي.
٤ - الاهتمام بالمصلحة العامة الضرورية للأمة انطلاقا من الكليات
стр. 92
الخمس فالمصلحة المعتبرة الراجحة لجماعة المسلمين.
٥ - إذاعة الحقيقة في إبانها وفاء بواجب البلاغ.
وقد أثبت التحليل الإعلامي لخطب الرسول ﷺ أن للإعلام الإسلامي هديا كاملا في خطب الرسول ﷺ ، فقد صعد النبي ﷺ الصفا، وأعلن مفاصلة قومه على مبدأ عقيدة التوحيد انطلاقا من قول الله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤] (١) .
وفي خطبة أول جمعة صلاها النبي ﷺ في المدينة بين رسول الله ﷺ بعض القيم التي تتصل بحياة الجماعة الإسلامية، وما ينبغي أن تكون عليه من التقوى، واستثار الدوافع الإيمانية لبناء المجتمع الفاضل والرأي العام المستنير المتألف المتراحم المتآخي في الله تعالى، وفي خطبة فتح مكة؛ حيث كان دخولها عنوة هم المجتمع القرشي الأول، فاتخذ من هذا الهم مدخلا لتثبيت حرمة مكة في أذهان الناس وإخلاص العبادة لله الواحد الأحد.
ولا يقف مقوم الثقة بالمصدر عند حد ثقة الجمهور به وثبت روايته وحسن اختياره لما يقدم للجمهور المتلقي، وإنما يعد تفسير الأحداث من أهم عوامل الثقة بالمصدر , وللإعلام الإسلامي منهجه الراشد في تفسير الأحداث وربطها بسنن الله في الكون والحياة وآياته في الوحي بشقيه، وهذا المنهج يستمد بعده من منهج القرآن الكريم؛ ولذا فإن رجل الاتصال في الإعلام الإسلامي يفسر الأحداث على أساس هذه السنن التي تحكم الحياة الاجتماعية كما تحكم القوانين الطبيعية للكون، وقد سلك الرسول ﷺ ذلك عندما فسر لجمهور خطبة الفتح حادثة فتح مكة، حيث حمد الله وأثنى عليه ثم قال: «إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليه رسوله
стр. 93
والمؤمنين، وإنها لم تحل لأحد كان قبلي، وإنها أحلت لي ساعة من نهار، وإنها لن تحل لأحد بعدي» (١) .
وقال ﷺ في خطبة حجة الوداع مفسرا المواقيت الزمانية منه للحج: «أيها الناس إن النسيء زيادة في الكفر يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض , وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ثلاثة متواليات وواحد فرد: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم. ورجب الذي بين جمادى وشعبان، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد» (٢) .
وهكذا فإن القائم بالاتصال لا بد أن يفسر الأحداث على أساس ربطها بالآيات والسنن ومسلمات الأمة، بالإضافة إلى ربط القضايا بأصولها الفكرية عند التحليل والتفسير ثم استخلاص العظات والعبر، وتجليتها وتقديمها للناس، لتزكية أنفسهم , وتزويدهم بالأخبار الصحيحة والمعلومات السليمة والتصورات الثابتة حتى ينعكس كل ذلك على آرائهم ومواقفهم في الحياة.
стр. 94
[المقوم الثاني العلم]
المقوم الثاني: العلم العلم في اللغة: إدراك الشيء بحقيقته (١) .
والعلم في الاصطلاح الشرعي:
١ - عرفه ابن قيم الجوزية - رحمه الله تعالى - بقوله: (العلم ما قام بدليل ورفع الجهالة) .
ثم بين ذلك بقوله: إن للعلم علامة قبله وعلامة بعده.
فعلامته قبله: ما قام به الدليل، وعلامته بعده رفعه الجهالة (٢) .
٢ - وقال ابن تيمية ﵀ العلم نوعان:
أحدهما: العلم العملي: وهو ما كان شرطا في حصول المعلوم كتصور أحدنا لما يريد أن يفعله، فالمعلوم هنا متوقف على العلم به محتاج إليه.
والثاني: العلم الخبري النظري: وهو ما كان المعلوم غير مفتقر في وجوده إلى العلم به كعلمنا بوحدانية الله تعالى وأسمائه وصفاته وصدق رسله وبملائكته وكتبه وغير ذلك، فإن هذه العلوم ثابتة سواء علمناها أو لم نعلمها فهي مستغنية عن علمنا بها، والشرع مع العقل، هو من هذا الباب، فإن الشرع المنزل من عند الله ثابت في نفسه سواء علمناه بعقولنا أو لم نعلمه فهو مستغن في نفسه عن علمنا وعقولنا، ولكن نحن محتاجون إليه وإلى أن نعلمه بعقولنا، فإن العقل إذا علم ما هو عليه الشرع في نفسه صار عالما به وبما تضمنه من الأمور التي يحتاج إليها في دنياه وآخرته وانتفع بعلمه به، وأعطاه ذلك صفة لم تكن له من قبل ولو لم يعلمه لكان جاهلا ناقصا) (٣) .
стр. 95
٣ - وقال ابن حجر العسقلاني - عند تعليقه على بدء الإمام البخاري ﵀ كتاب العلم بقول الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١] (١) قال القاضي أبو بكر بن العربي: (بدأ المصنف بالنظر في فضل العلم قبل النظر في حقيقته؛ وذلك لاعتقاده أنه في نهاية الوضوح فلا يحتاج إلى تعريف أو لأن النظر في حقائق الأشياء ليس من فن الكتاب، وكل من القدرين ظاهر لأن البخاري لم يضع كتابه لحدود الحقائق وتصورها بل هو جار على أساليب العرب القديمة، فإنهم يبدءون بفضل المطلوب للتشويق إذا كانت حقيقته مكشوفة معلومة) (٢) .
٤ - وقال أيضا في نزهة النظر: (الفرق بين العلم الضروري والعلم النظري أن الضروري يفيد العلم بلا استدلال، والنظري يفيده لكن مع الاستدلال على الإفادة، وأن الضروري يحصل لكل سامع، والنظري لا يحصل إلا لمن فيه أهلية النظر) (٣) .
وهكذا فإن العلم في الاصطلاح حده ابن قيم الجوزية كما تبين في التعريف الأول وبين ابن تيمية ﵀ أقسامه، أما القاضي أبو بكر بن العربي فقال إنه أبين من أن يحد، وقسمه ابن حجر العسقلاني إلى ضروري ونظري كما تقدم.
ولا يخفى على الدارسين في حقل الإعلام أهمية هذا المقوم لرجل
стр. 96
الإعلام الإسلامي، وقد بين الله تعالى لنبيه محمد ﷺ فقال تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠] (١) وقال الله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٤٥] (٢) وقال عز من قائل: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤] (٣) عند ذلك بدأ الرسول ﷺ هذا الاتصال الخطابي القائم أساسا على العلم بحقيقة الألوهية وحقيقة الربوبية وحقيقة الإنسان وعلاقته بالله وبالكون من حوله، وقد صدع بهذه الحقائق في خطبة الصفا، وكاشف بها مجتمع قريش الجاهلي، وهكذا بدأ هدي النبي ﷺ في الاتصال بالناس على أساس من العلم، وقد تبين من التحليل الإعلامي لخطب المصطفى ﷺ أن مضمون الخطاب الإعلامي فيها لا يخرج عن مرتكزات ثلاثة:
القيم , والمبادئ الفكرية والثقافية التي تطرح لتشكل العقلية الإسلامية، وبناء الإنسان المسلم بالمعلومات السليمة، وخلخلة الرأي العام الجاهلي الفاسد.
رواية الأحداث والأخبار ومعروف أهمية الأخبار في حياة الناس وتأثر قراراتهم ومواقفهم وأحكامهم بها فلا بد أن تؤسس على مقوم العلم.
الأشخاص من حيث التعريف بهم والحكم عليهم وكل ذلك يحتاج إلى العلم (٤) .
стр. 97
وغني عن البيان تأثر الاتصال بأشكاله المختلفة بمفهوم العلم والإعلام، وهو شكل من أشكال الاتصال وثيق الصلة بالعلم (فأعلمته وعلمته في الأصل واحد إلا أن الإعلام اختص بما كان بإخبار سريع، والتعليم اختص بما يكون بتكرير وتكثير حتى يحصل منه أثر في نفس المتعلم (١) .
والخطاب الإعلامي يخاطب العقول، وقد تبين من تعريف العلم في الاصطلاح الشرعي علاقته بالعقل، ولذلك فإنه يحتاج إلى العلم، لتنوير العقول.
وخلاصة القول إن العملية الاتصالية بكل مقوماتها تتأثر بمقوم العلم، فالعلم من أهم سمات القائم بالاتصال، وقد شهد الله تعالى لرسوله محمد ﷺ ، وهو النموذج الأول للقائم بالاتصال في الإعلام الإسلامي بالعلم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤] (٢) وقال الله تعالى لكل قائل: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] (٣) . قال القرطبي: (ولا تقف) [أي لا تتبع ما لا تعلم ولا يعنيك] ، قال قتادة: لا تقل رأيت وأنت لم تر، وسمعت وأنت لم تسمع , وعلمت وأنت لم تعلم، قال مجاهد: لا تذم أحدا بما ليس لك به علم , وقال ابن عباس ﵄ قال محمد ابن الحنفية: هي شهادة الزور، وقال القتي: المعنى لا تتبع الحدس والظنون , وكلها متقاربة وأصل القفو البهت بالباطل) (٤) .
стр. 98
وقال ﷺ : «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث» (١) وقال ﷺ في خطبة غزوة تبوك: «من أعظم الخطايا اللسان الكذوب، وخير الغنى غنى النفس، وخير الزاد التقوى , ورأس الحكمة مخافة الله ، وخير ما وقر في القلوب اليقين» . . . - إلى أن قال - «وشر الروايا روايا الكذب» (٢) .
وهكذا تضافرت الآيات والأحاديث على تقرير أهمية العلم لرجل الاتصالات وأهميته كمقوم من مقومات منهج الاتصال الإسلامي، فحيث لا يكتفي بالعقل في التثبيت والاستقرار، وإنما يصل ذلك التخرج بالقلب في خواطره ومشاعره وأحكامه، فلا يقول الرجل الإعلامي الكلمة، ولا يروي حادثة، ولا ينقل رواية، ولا يحكم حكما، ولا يبرم أمرا، إلا وقد تثبت من كل جزئية ومن كل ملابسات ومن كل نتيجة , فلا يبقى هناك شك ولا شبهة في صحة ما يقول، حتى يكون منهجيا في قوله وحكمه وتقريره.
كما أن العلم ضروري لمضمون الرسالة الإعلامية الذي يوجه الرأي العام يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: الأمر والنهي. . . مشروط بالممكن من العلم والقدرة (٣) إذا فالقيام بواجب البلاغ لا يجب على الجاهل، كما أن كلمة صحافة مثلا تفتح آفاقا جديدة لمنهجية الصحفي في الاطلاع على الأحداث والحقائق في منابعها ثم تقديمها للناس يحتاج إلى العلم حتى يكون
стр. 99
الصحفي بارا بمجتمعه كريما مع أبنائه وإلا فهو مصحف (١) .
وخلاصة القول أن البعد الفكري في العملية الاتصالية قائم أساسا على العلم، ولا بد أن يكون أثر العلم واضحا فيه، كما أن الحكم على الرسالة الإعلامية لا يمكن أن نصل إليه إلا بالعلم.
البعد الآلي في العملية الإعلامية أيضا يحتاج إلى العلم والمهارات الفنية حتى يمكن تحقيق أكبر أثر للرسالة الإعلامية , والوسيلة لها حكم الغاية والمقصد من استخدامها، والمقاصد الحسنة والغايات السامية تتطلب التألق في استخدام الوسائل المناسبة، والدليل على ذلك أن الرسول ﷺ صعد الصفا لتبليغ خطبة الصفا حتى يخاطب أكبر عدد من الناس ويوسع دائرة الاتصال.
وقد تعددت وسائل الاتصال وكثرت وأصبحت تحتاج إلى العلم المتخصص لمعرفة خصائص كل وسيلة؛ لأن المقدرة الإقناعية تختلف من وسيلة إلى أخرى، حيث تدل نسبة من الأبحاث الإعلامية أن لكل وسيلة اتصال مقدرة على الإقناع تزيد أو تقل عن غيرها من الوسائل الأخرى، وتشير غالبية الأبحاث إلى أن الإمكانات النسبية لمختلف وسائل الإعلام تختلف بشكل واضح في فاعلية الإقناع حسب الموضوع والجمهور الذي توجه إليه الرسالة، كما أظهرت التجارب المعملية والميدانية أن الاتصال المواجهي الطبيعي أو التلقائي أكثر مقدرة على الإقناع من أشكال الاتصال الأخرى (٢) .
стр. 100
وهكذا تؤكد الدراسات الإعلامية الحديثة فاعلية الاتصال الخطابي الذي استخدمه الرسول ﷺ في تبليغ رسالات ربه، واستخدمته الحضارة الإسلامية في الإعلام، ومع ذلك فالوسيلة تحتاج إلى مقوم العلم من المنبر إلى أحدث وسائل الاتصال، إذ لا بد للقائم بالاتصال من معرفة خصائصها، حتى يستخدمها بفاعليتها كما استخدم الرسول ﷺ وسيلة الاتصال الخطابي بفاعلية الأساليب الفنية والمداخل النفسية للجمهور المتلقي تحتاج أيضا إلى العلم، وقد أثبت التحليل الإعلامي لخطب الرسول ﷺ ومراعاته الأسس الفنية لصياغة الرسالة أو الخطبة في شكل بليغ مقنع، مراعيا فيه نفسية الإنسان العربي، فجمعت الخطب بين فصاحة اللفظ وجودة المعنى وحسن الأداء، وبلغت من البلاغة ذروتها ووصلت من الروعة إلى القمة؛ إنها من جوامع كلمه ﷺ ، فيها أخذ من القرآن أو وحي إليه من الرحمن: قال الجاحظ (١) في وصف كلامه ﷺ : وهو الكلام الذي قل عدد حروفه، وكثر عدد معانيه، وجل عن الصنعة، ونزه عن التكليف، وكان كما قال الله ﵎: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] (٢) .
وفي مداخل الخطب النفسية ودلالات الأساليب الفنية مثل: فن التوقيت للصدع برسالته وتبليغ الناس بها والبدايات المثيرة لانتباه السامع، ومدخل الهمة والمشكلة لتحويل الانتباه والأسلوب الحواري ومبدأ البشارة والنذارة كل ذلك كان مبنيا على معرفة حال الجمهور المستهدف بالاتصال، وما يناسب حاله من الأساليب النفسية والمداخل الفنية، حتى يصل بالسامع من مرحلة الأنس بالفكرة إلى الاقتناع بها.
стр. 101
ومن هنا فإن العملية الإعلامية في أبعادها المختلفة تتأثر بمقوم العلم، كما أننا نحتاج إلى العلم للظرف الاتصالي جملة، حتى يمكن أن نصل إلى الإعلام المهتدي بهدي النبي ﷺ .
стр. 102
[المقوم الثالث التلازم بين الحرية والمسؤولية]
المقوم الثالث: التلازم بين الحرية والمسؤولية في الإعلام الإسلامي إن القدرة على التعبير عما في الضمير من خصائص الإنسان الكبرى , قال الله تعالى: ﴿خَلَقَ الإِنْسَانَ - عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ٣ - ٤] (١) .
قال البيضاوي: (البيان هو التعبير عما في الضمير، وإفهام الغير لما أدركه لتلقي الوحي، وتعرف الحق وتعلم الشرع) (٢) .
والحرية في اللغة: قيل من الحر خلاف العبد، وقيل: الحرية من حرَّ يحِرُّ حَرًّا أي بمعنى السخونة والشدة والمعاناة، وقيل: الحرية بمعنى الشرف والطيب الكريم الأصل، فالحر من الناس أخيارهم وأفضلهم ومن الأشياء أفضلها، والحقيقة أن هذه المعاني الثلاثة متقاربة، فهي في الأول تعني رفع القيد الذي يمنع الإنسان من الوصول إلى غايته , كما تعني الخلوص من الصفات الدخيلة على الفطرة السوية، والخلوص من قيد عبودية غير الله ومن الذل، والإنسان يحتاج إلى معاناة حقيقية، حتى يحقق كرامته وعزته وسعادته في الدارين من خلال حرية الإرادة والاختيار اللذين ينسجمان مع أصل فطرته وكينونته، ومع نواميس الكون من حوله عندما يعبّد نفسه في حركته في هذه الحياة لله تعالى حتى يكون حرا وطيبا وكريما.
في الاصطلاح الإعلامي تقترب كثيرا من معناها في اللغة، (فهي إرادة الإنسان وقدرته على الاختيار والانتفاع بحرية الاتصال المحكم بشتى وسائل الإعلام وهو عطاء إلهي فطر الإنسان عليه حتى يكون عبدا لله بالحرية والاختيار، كما هو عبد له بالفطرة والاضطرار وفق الممكن من العلم
стр. 103
والقدرة على ممارسة هذا الحق انطلاقا من مسؤولية التكريم والاستخلاف وواجب البلاغ المبين، وطلبا للاستجابة والإقناع بالحق والتفاهم والتعاون على الخير في إطار عقيدة الإيمان بالله الواحد الأحد لتحقيق غايته الحقيقية) (١) .
وهذا التعريف يبين مدى التلازم بين الحرية في الرؤية الإسلامية وبين المسؤولية الإعلامية، إذ الحرية في الإسلام ليست إلزامية قسرية من خارج الذات الإنسانية، وإنما هي تنبع من ضمير الإنسان المؤمن، كما أن ضوابط المسؤولية لا تكون أمام سلطة خارجية أو قانون وإنما تكون أمام الخالق سبحانه، قال الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] (٢) . كما أن الحوار الفكري والنقد والتقويم البناء ينبغي أن يلتزم الخطاب الإعلامي فيه بالمعيار الإسلامي انطلاقا من قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] (٣) . ومن هنا فإنه لا رأي في قضايا الأمة الكلية لفاسق ولا باغ ولا فاجر ولا مرتد.
كما أنه لا حرية لغير المسلمين في نقد النظام الإداري والسياسي أو الإعلامي الإسلامي وتقويمه، ولا حرية لهم في الدعوة إلى تعدد الأديان في المجتمع الإسلامي باسم حرية القول؛ لأن هذه الحرية المزعومة مرفوضة في الشريعة الإسلامية (٤) .
стр. 104
إن الحرية مرتبطة بالمسؤولية، والمسؤوليات مهما تنوعت وتعددت منه في النهاية تصب في نهر المسؤولية الدينية التي تمنع رجل الإعلام الإسلامي من مجرد السباق المحموم من أجل السبق في الأخبار بغض النظر عن صحتها وأهميتها للمجتمع (١) كما تعطيه القوة والمنعة ليشق طريقه في الإقناع العقلي والأشياء الوجدانية السامية بعيدا عن الإثارة بهدف الإثارة فقط، ويظهر لنا ذلك جليا في خطب الرسول ﷺ عندما كانت بداية خطبه تبدأ بالاستهلال والبداية المثيرة للانتباه، ولكن بعد هذه الاستمالة يقول الحق كاملا للناس في إطار المسؤولية التي يحملها وهي مسؤولية البلاغ المبين، وقد صرح بذلك في خطبة الصفا فحق دلالتها مبدأ البشارة والنذارة، حيث قال ﷺ : «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» ، وفي النص الآخر: «أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضرا ولا نفعا» (٢) .
وظهر ذلك أيضا ضمنا في نماذج خطبة النبي ﷺ الأخرى , وغني عن البيان تأثر الإعلام بالحرية المسؤولة حيث ترتبط نظريات الإعلام والاتصال بالجماهير وبناء الرأي العام بمفهوم الحرية والمسؤولية، فليس هناك نظريات محايدة ولا نظم محايدة، وإنما هناك حرية مرتبطة بمسؤولية، وكلما كانت الضوابط التي تصونها حقيقية ومنسجمة مع طبيعة الإنسان والفكر والحياة كلما أثمرت في حياة الناس، وأصبحت حقا لكل إنسان، وليست حرية القوي فقط أو الغني فقط، أو حرية الفوضوية التي لا تقيم وزنا لقيمة، فينعدم الأمن، فالحرية الحقة مرتبطة بكينونة الإنسان وفطرته ومسؤوليته في هذه الحياة، وهي إحدى الكرامات التي أكرم الله بها الإنسان، وهي
стр. 105
خلوص القلب من كل رق ومن كل عبودية إلا عبودية الله الواحد الأحد.
ولا يمكن لها أن تثمر في حياة الناس إلا في إطار هداية الوحي بشقيه والتأسي بالرسول ﷺ .
стр. 106
[المقوم الرابع عالمية الإعلام الإسلامي]
المقوم الرابع: عالمية الإعلام الإسلامي في الواقع المعاش نظام إعلامي دولي جديد في طور التكوين، وهو يختلف عن النظام الإعلامي العالمي القديم، الذي جاء بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، أي في أعقاب المناداة بحرية الإعلام كبديل لحرية البحار إبان عهد الاستعمار، وهو النظام الإعلامي العالمي الذي تنازعته الثنائية للنظامين الإعلاميين، النظام الليبرالي الغربي، وتمثله الولايات المتحدة الأمريكية ودول غرب أوربا واليابان وكندا وأستراليا، والنظام الاشتراكي الذي يمثله الاتحاد السوفيتي ودول شرق أوربا وكوبا والصين، أي أن النظام الجديد هو النظام الإعلامي الدولي الذي تبلور في أعقاب سقوط النظام الشيوعي عالميا، بعد إفلاس التجربة السوفيتية والصينية وغيرها، ولذا لم يبق في الساحة الإعلامية إلا النظام الليبرالي الغربي الذي يهيمن عليه النموذج الأمريكي، والحقيقة أن هذا النظام الإعلامي العالمي سواء أكان النظام الإعلامي الاستعماري أو نظام السيطرة الثنائية الذي هيمن بعد الحرب العالمية الثانية، أو نظام القطب الواحد السائد في الواقع المعاش، كل هذه النظم تنطلق عالميتها من خلال معيار القدرة على الهيمنة والانتشار، بينما أثبت التحليل الإعلامي لخطب النبي ﷺ أن في هدي النبي ﷺ في الاتصال معيارا لعالمية الإعلام غير معيار القدرة على الانتشار , ألا وهو معيار الاهتمام بالإنسانية جمعاء انطلاقا من عالمية الإسلام , فقد أمر النبي ﷺ بالنذير العام منذ بداية دعوته، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ - قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ١ - ٢] (١) لذلك بدأ الرسول ﷺ بالاتصال
стр. 107
على المستوى الدولي منذ أيام الدعوة الأولى في عهدها المكي، فخرج إلى الحبشة أناس لم يكونوا من المستضعفين الفارين بدينهم من أمثال جعفر بن عبد المطلب، وعثمان بن عفان ﵃، وإنما خرجوا للدعوة وللاتصال بالناس خارج الجزيرة العربية، وقد أثمر هذا الاتصال فأسلم نجاشي الحبشة، وجاء وفد الحبشة إلى مكة وهم قرابة عشرين رجلا، فلما فرغوا من مسألة الرسول ﷺ عما أرادوا دعاهم إلى الإسلام، وتلا عليهم القرآن، فلما سمعوا القرآن فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا لله وآمنوا به وصدقوه، فلما قاموا اعترضهم أبو جهل في نفر من قريش، فقالوا لهم: خيبكم الله من ركب، بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه فيما قال، ما نعلم ركبا أحمق منكم، فقالوا سلام عليكم لا نجاهلكم، لنا ما نحن عليه ولكم ما أنتم عليه (١) فأنزل الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] (٢) إلى قوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥] (٣) وفي خطبة حجة الوداع أسقط الرسول ﷺ النظام الإعلامي الجاهلي، وأحل مكانه النظام الإعلامي الإسلامي، الذي هو كما بين سابقا جزء من النظام العام في المجتمع الإسلامي، وعندما سار الرسول ﷺ لإزاحة النظام الجاهلي الروماني المهيمن على العالم في ذلك الوقت، بين الرسول في غزوة تبوك لجيشه الذي تجمع من جزيرة العرب المسلمة لأول مرة لحرب الروم , وكسر قيد النظام الجاهلي الروماني وهيمنته
стр. 108
على النظام الإعلامي الدولي في ذلك الوقت، وكذا فإن غزوة تبوك - وإن لم يكن فيها نزال أو طعان - إلا أنها كانت قوة إعلامية ضخمة، أفسحت المجال أمام الاتصال الإسلامي العالمي , حتى يسمعه الناس ولذلك نلاحظ دخول كثير من أهل الكتاب في أطراف الجزيرة في ذمة الدولة الإسلامية عندما وجدوا في الاتصال الإسلامي عملية الاهتمام بالإنسان في كل مكان، وعندما وجدوا فيه أيضا مخاطبة الإنسان وفق طبيعته التي فطره الله عليها، فهو إعلام واقعي يراعي واقع الإنسان وواقع الحياة.
ولا يخفى على المهتمين بالإعلام عدا العاملين في حقله تأثر الإعلام بالنظام العالمي والواقع المعاصر، حيث تعاني دول العالم الثالث ومنها المجتمع الإسلامي من الغبن في حق الاتصال، فهي سوق استهلاكية للنظام الإعلامي العالمي، ولا تسوق شيئا في السوق حرة يهيمن عليها القادر على الانتشار لقوته وهيمنته السياسية وقدرته المالية الضخمة، كما تعاني أيضا من الظلم في حق الخصوصية حيث تطورت آلية الاتصال وارتبطت شبكات الاتصال بنظام المعلومات (١) وهو ما نلمسه واضحا في حياتنا اليومية من التواصل الإخباري بالفاكس إلى الاتصال بالأقمار الصناعية , وما نشاهده على شاشاتها من معلومات وأخبار لا تتسم بالأهمية للأمة، ولا بالإيجابية للبناء والتطور في مجتمعنا الإسلامي، ولا تقيم وزنا للقيم المرعية في المجتمع الإسلامي، ولا تعترف بخصوصية الثقافة الإسلامية والفكر الإسلامي ينعكس ذلك على قرارات ومواقف الرأي العام الذي سيأتي انعكاسا لهذه
стр. 109
الثقافة الوافدة.
وتؤكد الدراسات الإعلامية أن مواد التغطية في أعداد مجلة " تايم" على مدى الأشهر الثلاثة الأولى من عام ١٩٩٠م تتناول في معظمها الأحداث والكوارث والجرائم والاضطرابات وعدم الاستقرار والفوضى وإبراز المظاهر السلبية والرشوة والفساد والقصور في التنمية والتطور مع تفجر العنف، وهذه التغطية مع التواضع الشديد في المساحة بالنسبة للمساحة الكلية التي تشغلها أحداث بقية العالم تعكس مشاعر غير ودية وصور زائفة تعزز العنصرية وعدم الثقة (١) .
والبديل هو النظام الإعلامي الإسلامي القائم على هدي النبي ﷺ في اتصاله بالناس، والذي ظهرت دلالاته في التحليل الإعلامي لخطب الرسول ﷺ ، وهذا التطبيق ليس بالأمر العسير، فالمملكة العربية السعودية قدمت للناس في عالمنا الإسلامي أنموذجا للحكم بشريعة الإسلام وإقامة الحدود وعلاقة الدين بالدولة، وأثبتته عمليا، وبينما كان العالم كله يتجادله ولا يزال يتمارى حول إمكانية قيام نظام إعلامي عالمي جديد حسمت المملكة العربية السعودية هذا الجدال وأصدرت سياسة إعلامية جديدة، تصلح أن تكون أساسا متينا لنظام إعلامي عالمي جديد (٢) يعرف لله حقه، وللإنسان حده وقدره , انطلاقا من عالمية الإعلام الإسلامي وفلسفته الأخلاقية التي نستلهم أسسها من هدي النبي ﷺ في خطبته في فتح مكة يوم أعلن نهاية النظام الجاهلي بكل جزئياته، وخطبة حجة الوداع التي أرسى فيها دعائم النظام الإسلامي ودفن فيها إلى الأبد النظام الجاهلي.
стр. 110
[المقوم الخامس التلازم بين المعنى الحق والشكل الجميل]
المقوم الخامس: التلازم بين المعنى الحق والشكل الجميل. إن التحليل الإعلامي لخطب النبي ﷺ يكشف لنا أهمية هذا المقوم كأصل من أصول الإعلام الإسلامي، فقد فطر الله الإنسان على الميل إلى الجمال وحب الجمال، واعتمد البلاغ النبوي على هذا الأساس الفطري في تبليغ حقائق الدعوة للناس، وقد كان صلوات ربي وسلامه عليه يقتفي في ذلك منهج القرآن الكريم، فهو حق كله ومع ذلك قدم للناس في شكل بلاغي جميل أعجز العرب وهم أهل الفصاحة والبيان قديما وحديثا، واعترفوا بأن ما خفي منه كان أكثر مما فطنوا له، وأن الذي وصفوه مما أدركوه أقل مما ضاقت به عباراتهم، ولم تقف به إشاراتهم (١) وهذا التلازم بين المعنى الحق والشكل الجميل توجبها وظيفة الاتصال الإقناعي، وتشهد لها خطب النبي ﷺ فيما تقدم من هذا الكتاب (فقد كان حسن الابتداء وبراعة الاستهلال من أهم دلالات خطب النبي ﷺ ، وكانت هذه الدلالة ظاهرة لم تخل منها خطبة من خطبه حيث كانت لإثارة الانتباه عند المتلقي ثم تقدم له الحقائق كاملة بعد ذلك، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فقد كان أسلوب حسن العرض وفن الصياغة ومخاطبة المتلقي بلغة مفهومة واضحة الدلالة قوية الحجة من الدلالات البارزة في خطب الرسول ﷺ موضوع الدراسة-، وقد أشير إلى هذه الدلالات عند تحليل كثير من الخطب) فقد كان الرسول ﷺ يريد أن يغير واقعا لا يرضى عنه وهو المجتمع العربي في الجاهلية، ونقطة البداية