Полный текст (309 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
خامسًا: الرحمة:
وهي من الصفات الضرورية للداعية؛ وبها يُقبل الناس عليه، وبغلظته وفظاظته ينصرفون عنه، ولذلك كان رسل الله أرحم خلق الله بخلق الله، ولقد قال الله تعالى عن نبيه محمد ﷺ : ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيم﴾ (التوبة: ١٢٨) وامتن عليه بهذه الرحمة التي فطره عليها فقال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: ١٥٩).
فالداعية لا بُدّ أنْ يَكونَ ذا قلبٍ يَنْبِضُ بِالرّحمة والشفقة على الناس، وإرادة الخير لهم والنصح لهم، ومن شفقته عليهم دعوتهم إلى الإسلام، لأن في هذه الدعوة نجاتهم من النار، وفوزهم بالجنة.
إنّ الداعيةَ يُحِبّ للناس ما يحب لنفسه، وأعظم ما يحب لنفسه الإيمان والهدى؛ فهو يحبُ ذلك للناس أيضًا. إن الوالد من شفقته على أولاده يحرص على إبعادهم عن الهلكة، ويُتْعب نفسه في سبيل ذلك، وأي هَلكة أعظم من الضلال والتمرد على الله، والدّاعي بدعوته إنما يسعى لتخليص المُتمردين العُصاة من الهلاك المحقق والخسران المبين.
ومنْ أهَمّ الصفات النفسية للداعية: قوة الملاحظة؛ ليدرك أحوال السامعين عند إلقاء خطبته؛ أهم مقبلون عليه؟ فيسترسل في قوله، أم هم مُعرضون عنه فيَتّجه إلى ناحية أخرى، وحُضور البديهة لتُسعفه بالعلاج المطلوب، إنْ وَجَد مِنَ القَوْمِ إعراضًا، والدواء الشافي إن وجد منهم اعتراضًا، وقد يُلقي الخطيبُ خُطبته فيعقب بعض السامعين معترضًا أو طالبًا الإجابة عن
стр. 107
مسألة؛ فإذا لم تقدم البديهة الحاضرة كلامًا فيما يسد به الخلة، ويدفع به الزلة ضاعت الخطبة آثارها.
وطلاقة اللسان فاللسانُ أداة الخطيب الأولى؛ فلا بُد أن تكون الأداة سليمة كاملة؛ ليتسنى له استعمالها على أكمل وجه وأتمه، ورَباطة الجأش؛ فيَجِبُ أنْ يَقِفَ الخَطِيبُ مُطمئن النفس، غير مضطرب ولا وجل، وإلّا لم يستطع ملاحظة السامعين، وأثر كلامه فيهم، وهم إن أحسوا بضعفه واضطرابه صَغُر في نظرهم، وهان هو وكلامه في أعينهم.
آداب تتعلق بالخطيب أثناء خطبته
وهناك آداب تتعلق بالخطيب أثناء خطبته وهي: سداد الرأي، وصدق اللهجة، والتودد للسامعين؛ فعلى الخَطيبِ أنْ يُراعي أحوال الجمهور، وأن يَتودد إليهم، وأن يتقرب منهم، وأن يُخاطبهم على قدر عقولهم؛ وأن يُراعي أحوالهم، وآداب الخطيب مع الجمهور كثيرة؛ من أهمها:
أن يصرف من يريد إرشاده عن الرذيلة إلى الفضيلة بتلويح في المقال، وتعريض في الخطاب ما أمكن؛ فالتعريض في ذلك أبلغ من التصريح، فإنّ التّأمُّل فيه إذا أداه إلى الشعور بالمقصود منه، كان أوقع في نفسه، وأعظم تأثيرًا في قلبه، وأدعى إلى التنبيه للخطأ، مع ما فيه من مراعاة حُرمة المُخَاطَب بترك المُجاهرة بالتوبيخ؛ وأيضًا التعريض لا تنتهك به سجف الهيبة، ولا يرتفع معه ستر الحشمة.
أما صريح التوبيخ والتقريع الشديد العنيف؛ فقد يورث الجرأة على الهجوم بالخلاف، ويُهَيّجُ الحِرْصَ على الإصرار، والبقاء على ما هو عليه، ولا سيما
стр. 108
النفوس المُنطوية على الكِبْر، ألا ترى قول الله تعالى في شأن ذلك الرجل الغيور على دين الله والدعاة إليه: ﴿وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِين * اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُون * وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون * أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَ يُنقِذُون * إِنِّي إِذًا لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِين﴾ (يس: ٢٠ - ٢٤).
ألا ترى أنّ هذا الرجل قد وجه الإنكار إلى نفسه، في حين أنه يريد القول أنه لا يتّخِذُ من دون الله آلهة يعبدها، ويترك عبادة من يستحق العبادة، وهو الذي فطره مبينًا حال هذه الأصنام التي يَعْبُدها القوم من دون الله سبحانه، إنكارًا عليهم، وبيانًا لضلال عقولهم وقصور إدراكهم؛ ثُمّ يُبين أنه إذا فعل ذلك كان في ضلال مُبين.
ومن آداب الداعية مع السامعين: التلطف في القول، والرفق في المعاملة، مع تحري الإقناع. فلهذا شأنه في نجاح المرشد في مقام الدعوة إلى الخير، والقرآن الحكيم يرشد إلى ذلك في مواضع كثيرة؛ تأمل قوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: ١٢٥) أي: أحسن طُرق المُناظرة والمُجادلة من الرفق واللين؛ ليَسْكُن شَغبهم وتلين عريكتهم، وهذا بالنسبة للمعاندين المجادلين بالباطل.
وتأمل قول الله تعالى: ﴿قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُون﴾ (سبأ: ٢٥) وَهَذا أبلغُ في الإنصاف، وأبعد من الجدل والاعتساف، حيث أسند فيه الإجرام إلى أنفسهم، ومُطلق العمل إلى المخاطبين؛ مع أنّ أعْمَالَهُم أكْبَرُ الكبائر؛ فما بعد هذا التطلف طريق يُسار فيه، ولا وراء هذا الرفق غاية ينتهى إليها.
стр. 109
ومنها أن يذكر الداعية من يريد نصحه وتذكيره بخير، ويصفه بالجميل؛ كأن يُبَيّن له ما له من حسب، وما فيه من فضل؛ وما عليه من نعمة؛ ليَجْذِب قلبه إليه، ويعده بذلك لقبول الموعظة، ألا ترى إلى قول الله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِين * وَاتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُون﴾ (البقرة: ٤٧، ٤٨).
إعداد الخطيب علميًّا وثقافيًّا
خامسًا: إعداد الخطيب علميًّا وثقافيًّا:
من الصفات الهامة للخطيب التي يَجِبُ أن يَتحلّى بها، ونَعمل على إعداده من خلالها: أن يكون لديه القدر الكبير من العلم والثقافة الواسعة، التي تُدَعّم رسالتها، وتُكسبه وعيًا من مشكلات مجتمعه، وقضايا عصره، وبالواقع المحيط به من جميع نواحيه الجغرافية والتاريخية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
إذ بقدر سعة ثقافة الخطيب والداعية يكون نجاحه في تبليغ رسالة ربه، وتأدية أمانته، ويكون التأثير فيمن حوله أمرًا ملحوظًا؛ فهو إذا ناقشهم أقنعهم، وأثّر فيهم بسعة ثقافته ووعيه؛ وأجابَ على أسئلتهم، وعلى ما يَشْغَلُ بالهم إجابة الواعي الواسع في علمه واطلاعه، وإذا تكلم في أمر من أمور الدين تكلم بلغة العصر الذي يعيشه، وعن وعي بشمولية تعليم الدين ومرونتها، وقدرتها على الاستجابة لمقتضيات الزمان والمكان في كل عصر، وعن وعي بالواقع الذي يعيش فيه ومشكلات هذا الواقع.
من أجل هذا نادى المربون الذين لم يألوا جهدًا في الحث على طلب العلم، والتوسع فيه على مدى الحياة.
стр. 110
وفي بيان أنجح الوسائل والطرق لاستكمال التعليم وتوسيع الوعي والثقافة العامة، قال الله تعالى في أول ما أنزل على رسوله من القرآن: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَق * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَم * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَم * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم﴾ (العلق: ١ - ٥).
ولَقد أمَرَ اللهُ تَعالى رَسُوله ﷺ أن يطلب منه الزيادة من العلم فقال: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه: ١١٤) وقد استجاب ﷺ فكانَ إذا انصرف من صلاة الصبح قال: ((اللهم إني أسالك علمًا نافعًا وعملًا متقبلًا ورزقًا طيبًا)).
وأكثر ﷺ على أصحابه من الترغيب في طلب العلم وحضور مجالسه، من ذلك قوله ﷺ : ((من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا؛ سهل الله له طريقًا إلى الجنة)). ((نضر الله امرأ سمع منا شيئًا فبلغه كما سمعه؛ فرب مبلغ أوعى من سامع)). ((من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين)). ((وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله تعالى، ويتدارسونه فيما بينهم؛ إلّا نَزَلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده)).
من هذا المُنطَلق يَجِبُ أنْ نُعِدّ الخطيبَ علميًّا وثقافيًّا على أسس علمية رشيدة منها: أن يحفظ كتاب الله ؛ فإن حفظ القرآن الكريم أول خطوة في طريق طلب العلم، على هذا سار السلف حتى ذكر الخطيب البغدادي ﵀ وغيره من العلماء أن الطالب كان إذا أتى العالِم فقال: علمني. سأله: أحفظت القرآن؟ فإن قال: لا، رده وإن قال: نعم امتحنه.
ثانيًا: أن يحفظ الخطيب الداعية ما يمكنه حفظه من أحاديث رسول الله ﷺ وننصح بحفظ كتاب رياض الصالحين، واللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان.
стр. 111
ثالثًا: أن يَهْتَمّ بدراسة العقيدة، حتى يقدمها لجمهوره خالصة وننصح بدراسة هذه الكتب، كتاب (الشريعة) للآجري، (عقيدة السلف أصحاب الحديث) للصابوني، (العقيدة الواسطية) لابن تيمية، كتاب (التوحيد وإثبات صفات الرب لابن خزيمة، (شرح العقيدة الطحاوية)، (معارج القبول) للشيخ حافظ الحكمي.
رابعًا: أن يهتم الخطيب الداعية بدراسة علوم القرآن، وننصح بدراسة هذه الكتب (مقدمة أصول التفسير) لابن تيمية، (القواعد الحسان في تفسير القرآن) للسعدي، (مباحث في علوم القرآن) لمناع القطان، (تفسير الجزائري)، (تفسير السعدي)، (مختصر ابن كثير) للرفاعي.
خامسًا: أن يهتم بدراسة الفقه، وننصح بدراسة هذه الكتب (الوجيز في فقه السنة والكتاب العزيز)، (الروضة الندية شرح الدرر البهية) صديق حسن خان، (سبل السلام شرح بلوغ المرام) للصنعاني، (زاد المعاد) لابن القيم.
سادسًا: أن يهتم بدراسة هذه الكتب من أجل ثقافته العلمية الشرعية: (مختصر منهاج القاصدين)، (إغاثة اللهفان)، (مفتاح دار السعادة)، (اجتماع الجيوش الإسلامية)، (الإبداع في مضال الابتداع)، (هداية المرشدين)، (الاعتصام).
فإن نَحْنُ أخذنا أنفسنا بهذه الأسس والأصول في إعداد الداعية؛ وفّقنا بإذن الله لتخريج كم هائل من الدعاة المخلصين الذين تربوا على الكتاب والسنة، فنفعوا أنفسهم ونفع الله ﵎ بهم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 112
الدرس: ٧ الخطابة في الجاهلية والإسلام .
стр. 113
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس السابع
(الخطابة في الجاهلية والإسلام)
الخطابة في العصر الجاهلي
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:
أولًا: الخَطَابَةُ في العَصر الجَاهلي:
كل ظاهرة في الأمة ترجع إلى عاملين: عنصرها، والبيئة التي أظلتها، ولذلك يَجِبُ أنْ نُلِمّ إلمامَة مُوجزة في هذا المقام بمزاج العربي وبيئته؛ لنَعْرِفَ هل فيهما ما يدعو إلى الخطابة والبيان؟ فنقول: البلاد العربية كان أكثرها صحراء جرداء، يندر فيها النبات والماء، وتكثر الجبال والوهاد والرمال ورمضاؤها، ولذلك كان سكان هذه الصحراء في شظف من العيش، وقلة من الزاد، واكتفوا من الحياة بالكَفَاف، ورَضُوا بالقَنَاعة، واطمئنوا إلى الخشونة مع العزة.
ولعدم المواصلات في الصحراء، وتقطع أسباب الاتصال لم تكن عند سكانها جامعة تجمعهم تحت حكم دولة واحدة؛ بل كانت كل قبيلة كأنها أمة وحدها، تَخْضَعُ لزَعيمها، وتُقَدّم له الطاعة، وله فيها الكلمة النّافذة، وما كان اختيارهم زعيمًا لهم إلا تنفيذًا لقانون الانتخاب الطبيعي، إذ يرأس القبيلة أقواها عقلًا، أو أشدها في الهيجاء بطشًا، أو أكثرها تمرسًا بتجارب الحياة وفنونها.
وعَلاقة القبيلة بمن سواها من تنازع على مواقع المطر، ومواطن الكلأ أو احتكاك صغير قد يؤرث عداوة، ويَخْضِبُ الأرضَ بالدماء.
وأطراف الأرض العَربية كانت مَسْكُونة بقبائل عربية من الشام؛ فيها خَصْبٌ عَظيم، ولذا تكونت بها حكومات، ولكن هذه الحُكُومات قبيل الإسلام، كانت واقعة تحت سلطان فارس والروم، ولا بُدّ أن نتصور أن الخضوع للأجنبي ليس من طبع العربي، ولا يلائم فطرته؛ لذلك كان ألئك العرب الواقعون تحت سلطان الأجنبي في تململ راغبين في الانسلاخ من سلطانه.
стр. 114
ومكّة المُكرمة وما حولها للخصب القليل بها، ولِمَا كَانَ يَفِدُ به الحجيج عليها من خيرات وثمار، ولِوُقوعِهَا في الطريق الموصل بين اليمن والشام، وتُجّارِ قُريش؛ لهذا كُلّه كان بها ثروة وسلطان، وشِبه حكومة الرياسة فيها لأكبر بيت في قريش، وكان بمكة المكرمة دار ندوة يجتمع فيها زعماء العرب، وإقبالهم من كل نواحي البلاد. هذه إلمامة موجزة أشد الإيجاز لبيئة العرب وأحوالها.
أما العربي: فعَصَبِيُّ حاد يَثُور لأتْفَهِ الأسباب، ويَحْمِلُ السّيف عند أول نداء، إذا استولت على رأسه فكرة نفذها من غير تدبر لعواقب، أي لا يرضى ضيمًا، ولا يَسْكُن إلى ذل، جوادٌ كريم، يؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة وفقر، يرعى حرمة الجوار ويفي بعهده، قال فيه بعض الفرنجة: إنه نبيل بفطرته، وقد مكنته صحراؤه وضعف السلطان فيها من أن يعيش عيشة فروسية، اعتماده في الحماية على سيفه، لا على حكومة تحميه، ولا على دولة ترعاها.
ولقد كان فيه بعض المساوئ سببها له جهله وأميته، أو فقره وإدقاعه؛ كقتل الأولاد خشية الإملاق والحاجة. هذا هو العربي وتلك حياته وبيئته، وهي لعمري حافزة للخطابة مستثِيرة البيان الرائع.
وإذا علمت أنّ العرب كانت لهم دَار نَدْوة يَجْتَمِعون فيها ويتشاورون ويساجلون ويقررون ما يرون صالحًا، ولهم أسواق هي شبيهة بالمنتديات الأدبية؛ كانت منابر عامة تروج فيها بضاعة الكلام البليغ، وتُزْجَى فيها غَيْرُها كانت في العرب مساوئ -كما أسلفنا- وكانت بالغة الحد الأعلى من الشناعة، وقد نعاها القرآن الكريم عليهم، وكان بعضهم يستنكرها عليهم قُبيل الإسلام، لذلك تصدى هؤلاء للدعوة بخطب رائعة إلى الفضيلة والحث عليها، ونبذ العادات السيئة والخرافات الباطلة. وربما كان أظهر هؤلاء الدعاة أكثم بن صيفي، وقس بن ساعدة.
стр. 115
وقد كانت قوة إحساس العربي وشدة حميته واندفاعه، ومن عيشته في الصحراء صَافية السماء، ومن أعظم الدواعي للخطابة والاتجاه إليها؛ فإنّ قُوّة العَاطِفَة تَدْفَعُ ذا البيانِ إلى تبيانها.
وفي الجُملة: إنّ حَياةَ العَرَبيّ في الصّحَرَاء كانَتْ حَياة فرُوسِيّة وقوة شكيمة، دَفعته إلى البيان دفعًا، وكانت الخطابَةُ في الجاهلية لها موضوعاتها التي تعرض لها، من أهم هذه الموضوعات التي كان يَخطب بها الخطباء في الجاهلية: إثارة الحمية، وإيقاظ الحماسة، وتثبيت القلوب.
وفي الواقع أنّ العرب قد قاموا في هذا أبلغ كلامهم، وأصدق عبارات دالة على قوة شكيمتهم، وإقْبَالِهم على المَوتِ بنَفْسٍ قَويّة وبأس وحمية، وطَبَعي أن يكون الحث على القتال، والحض على اللقاء، أعظم أغراض القول في أمة تعمد القبيلة فيها السيف فيه الذود عن حياضها، والدفاع عن شرفها، ولا حاكم يَرْدَعُ المعتدي، ويَزْجُر الطّاغِي، بل طبعي أن يكون البأس فخار العربي، والشجاعة شَرَفُه، وأنْ يَكُونَ كُلّ قولٍ خِطابي يتعلق بالشجاعة والقتال أروع بيانهم؛ لأنّ البَدَوي أخَصُّ صفاته البأس والقوة والبطش؛ فلا غرابة في أن تكون أعظم موضوعاته بلاغته.
ثانيًا: الصلح: فكثيرًا ما كانت الحربُ تنتهي بالصلح بين المتحاربين؛ يَنْهَضُ به ذووا الرأي والحزم؛ فيحسمون الداء، ويقضون على العداوة التي كانت موجودة بين المُتقاتلين. ومن أعظم الخطباء الذين امتازوا في بالقول في هذا المقام: أكثم بن صيفي، فكثيرًا ما كانت ترد على لسانه في خطبه التي تُشْبِهُ الدُّرّ المَنْثُور مَضَارّ الحَرْبِ ومساوئها الوبيئة، ونفع الصلح وعواقبه المرئية.
стр. 116
ثالثًا: المُفَاخَرة والمُنَاثرة: قد يتَحَدّثُ رَجُلان في أمر صغير أو كبير؛ فيَتَلاحَيانِ ويَشْتَدُّ فخر كل منهما على صاحبه؛ فيَتَحَاكَمان إلى شخص أو جماعة، وكُلٌّ يَتَقَدَّمُ بفخره ومكان شرفه؛ فيُدلي به على مسمع من ذويه، ومن ارتضاه حكمًا، وتُسمى هذه منافرة، وقد كانت كثيرة لدى العرب، ومن ذلك منافرة علقمة بن علاثة، وعامر بن الطفيل، تحادثا ثم تهاجيا ثم تنافرا على مائة من الإبل، يعطيها للحكم أيهما نفر عليه صاحبه، وكانت منافرتهما إلى هرم بن قطبة؛ فألقى كل منهما من بليغ القول ما رأى فيه فخارًا له على ملئ من قومهما. وفي المنافرات كهذه المنافرة ميدان متسع للخطابة والبيان الرائع.
رابعًا: الدعوة إلى الفضيلة، ونبذ الخرافات: وقد كان هذا من ميادين القول؛ إذ وُجِدَ من العربِ مُصْلِحُون حُكَمَاء، رأوا ما عليه أقوامهم من انحدار في بعض الشروط، وامتلاء رءوسهم بالخرافات والأوهام الصادرة عن الجهل الموبق، وقد كانت دعوتهم تجري نفوسًا مصغية وقلوبًا صاغية، ومن هؤلاء قس بن ساعدة، وجمع من خطباء عبد القيس، وإياد، أكثم بن صيفي، وكعب بن لؤي جد النبي ﷺ ومكان هذه الدعوة الأسواق التي كانت تعد منتديات العرب الأدبية كما ذكرنا.
خامسًا: الدعوة إلى الوحدة العربية: وكثيرًا ما كان ذلك في دار الندوة، وفي وفود العرب على رؤساء القبائل وزعمائها، والملوك من العرب، ورُبّما كان يَقَعُ منها شيء في الأسواق، التي
стр. 117
كانت فُرصة اجتماع، تتلاقى القلوب المتنافرة، وقد اشتدت الدعوة إلى الوحدة العربية قبيل البعث النبوي، عندما اشتد طمع الأجنبي فيهم، وهاجَمَهُم في موضع تقديسهم.
وانظر إلى خُطْبَة عبد المُطّلب جَدُّ النّبي ﷺ أمام سيف بن ذي زين، عندما ذهب إليه في وفد من قريش بعد أن أجلى الحبشة عن بلاد العرب، انظر إلى هذه الخطبة ترى فيها دعوة جريئة للوحدة العربية، جاءت في ثنايا المدح والثناء.
سادسًا: الرثاء والعزاء:
لقَد كانَ العَربِيُّ حساسًا؛ يدْفَعُه ألمُ الفقد فينطق اللسان ببيان محامد من فقده، ومَوْضِع الآلام في نفسه، والرّثاء ميدان واسع للقول البليغ، يَكْشِفُ فيه اللسان عن ألم اللوعة، وحزها في النفس؛ إذ ينفتق بما انفطر به القلب، وانشقت المرائي، وقد يجيء العزاء بالسلوان وتصغير الدنيا وآلامها.
كما قال أكثم بن صيفي معزيًا عمرو ابن هند في أخيه: "أيها الملك، إنّ أهلَ هذه الدنيا سفر، لا يحلون عقد الترحال إلا في غيرها، وقد أتاك ما ليس بمردود عنك، ورحل عنك ما ليس براجع إليك، وأقام معك من سيظعن عنك ويدعك، إنّ الدنيا ثلاثة أيام: فأمس عظة وشاهد عبْل؛ فجعك بنفسه، وأبْقَى لك وعليك حُكْمَه، واليومُ غَنِيمَة، وصديق أتاك ولم تأته، طالت عليك غيبته، ومتسرع عنك رحلته. وغدًا لا تدري من أهله، وسيأتيك إنْ وُجِد، فما أحسن الشكر للمنعم، والتسليم للقادر، وقد مَضتْ لنا أصولٌ نحنُ فُروعُها، فما بقاء الفروع بعد أصولها، واعلم أنه أعظم من المصيبة سوء الخلف منها، وخير من الخير معطيه، وشر من الشر فاعله".
стр. 118
سابعًا: الوصايا: قد يُشارف العظم في قومه على الموت؛ فيحس بالمنية فيوصي بنيه وعشيرته، بما يجب أن يكونوا عليه، وقد يرى زعيم القبيلة أن الموت يدب في جسمه دبيبًا، فيجمع قومه وخاصته، ويُلقي إليهم بما يكون كعهد بينه وبينهم، وقد حفظت الآداب العربية للعصر الجاهلي كثيرًا من الخطب في الوصايا، بلغتْ قِمّة البَيان؛ من ذلك وصية ذي الأصبع العدواني لابنه وأوس بن حارثة، ووصية أكتم بن صيفي لقومه.
ثامنًا: خُطب الزواج: لقد تَعَوّد الأشْرَافُ عند زواج ذويهم، أن يتقدم ولي الزوج إلى وليها، بخطبة يطلب فيها يد موليته؛ ويُبين مزايا الزوج، ويرد عليه وليها بخطبة كذلك، ويُسمى هذا النوع من الخطب "خطب الأملاك" ومن ذلك خطبة أبي طالب عندما تقدم يطلب يد السيدة خديجة بنت خويلد للنبي ﷺ .
وهكذا كانت للخطابة في الجاهلية مواقف كثيرة، أهمها ما ذكرنا من اجتماع القوم للتشاور في أمر من أمورهم؛ كالقيام بحرب، أو الإصلاح بين متنازعين، ويأتي في هذه المواقف خطب ومحاورات، ويتبع ذلك الوصايا التي يقدمها رَئيسُ القوم أو حكيمهم لقومه أو لأولاده، وفي أسواقهم كانت تقوم بينهم منافرات والمفاخرات، ويتعالى كل شخص أو قبيلة على الآخر، وكانت هذه تتناول كل شيء، حتى إن الخنساء وهند بنت عتبة تنافرتا في المصائب، وكل ادعت أنها أصيبت أكثر من الأخرى.
стр. 119
خصائص ومميزات الخطابة في الجاهلية
تظهر قوة البديهة العربية، والقدرة البليغة على الارتجال، وأكثر ما تجد في هذه الخطب أو الوصايا: اتّسَامُها بقِصر الجُمل، وسَرْد الحِكم؛ حتى تَكاد تنقطع الصلة بين جملة وأخرى، وهي في جُملتها خُلاصة تجاربهم وخبرتهم بشئون الناس وأحداث الحياة، وليس في حكمهم بنايات فلسفية عميقة؛ لقلة ثقافتهم وعدم دراستهم، ولكن لهم نظرات صائبة، وآراء حكيمة، لا نزال نحتاج إليها، ونَسْتَعِينُ بها فيما يطرأ لنا من أحداث تُشبه ما طرأ لهم. وكثيرًا ما يأتي السجع في عباراتهم عفوًا؛ فإن لم تكن العبارة مسجوعة كانت الجمل مقسمة متوازنة.
وخطب الأعراب وأدعيتهم من أبلغ وأجمل ما في أساليب اللغة العربية، وخطب الجاهليين وأدعيتهم ومحاوراتهم ووصاياهم كلها مما يستعين به الخطيب الحديث، ويَجِدُ فيها مددًا واسعًا بالرأي والفكر؛ وبالتعبير والبلاغة، وعلى الراغبين أن يرجعوا إلى المصادر التي تضمنت تلك الخطب ليستفيدوا منها.
وأول ما يلاحظه القارئ للمأثور من خُطَبِ العَرَب في الجاهلية على ألفاظها: قوة وجزالة: تَصِلُ أحيانًا إلى الخشونة، ولعل السبب في ذلك: قُوّة نفوسهم، وشِدّة بأسهم، واندفاعهم في حماسة؛ فإن الكلمات صورة حية لنفس قائلها، تجيش صدورهم بالبأس؛ فتندفع ألسنتهم بكلمات هي الصورة لتلك القلوب القوية الجريئة، ومعيشتهم في الصحراء ببأسائها ولأوائها وشدتها؛ فأصبحوا لا يَرون إلا ما فيها من جبال وآكام ووهاد، فيكون كل ما يصدر عنهم مناسبًا لتلك المناظر؛ مأخوذًا من تلك المشاهد.
стр. 120
ومناسبة تلك الكلمات الجاسية الشديدة، من الموضوعات التي قيلت فيها؛ فأكثرها قيل في دعوة إلى قتال، أو في مُفاخرة بنزال، أو في وصف يوم كريه، أو نحو ذلك.
وأنْسَبُ الكلام لهذه الموضوعات ما كان شديدًا قوي الأسر؛ فخمًا ضخمًا؛ ليُقرع الحِسّ ويدفع النفوس إلى حيث تترخص الأرواح، وقد كان في كلماتهم الكلمات الحشوية الغريبة؛ ولعل هذه كانت من لغة حِمير، التي طغت عليها لغة قريش حتى أخذت في الاندثار، وبقي في الخطب والشعر منها كلمات نابية؛ لأنها تعيش في غير بيئتها منفردة عن أخواتها.
ونَجِدُ في خطبهم سوق الحقيقة قائمًا وسوق المجانة كاسدًا؛ فألفاظهم إلا قليلًا مُستعملة في ما وضعت له، وذلك لإحاطتهم الكاملة بلغتهم، وعلمهم علمًا صحيحًا بمَدْلُولات الألفاظ، ووجه دلالتها عليها؛ وقِلّة حاجاتهم إلى استعمال لفظهم في مدلول آخر؛ لعدم وجود طوائف من المعاني ليس في العربية ما يدل عليها، وهذا لا يمنع من أن يكون في كلامهم الكنايات الرائعة، والأمثال السائرة، والتشبيهات المُحكمة؛ فإنّ ذلك كان عندهم، ولكن لم يكن كثيرًا في خطبهم لإرسالهم القول ارتجالًا من غير تحضير وتهيئة.
أما معاني خُطب الجاهلية؛ فهي فطرية تنشأ عن اللمحة العارضة، والفِكْرَة الطّارِئة، وعفو الخاطِر من غير كدٍّ للفكر، ولا تَعَمّق في النظر، لأنهم لم يكونوا أهل علوم يسودهم التفكير المنظم، والتقسيم المستقري، والتّتبُع لكل أشتات الموضوع؛ ليَجْمَع شَمْلَها في خطبة، ويَضم مُتفرقها في بيان، ولِذَلك جاءت خُطبهم غير متماسكة الأجزاء، وغير مُسلسلة الأفكار؛ لا يَأخُذ المعنى بحجز الآخر في فكر رتيب؛ لتستوفي الموضوع كله.
стр. 121
وأصدق الخطب التي تدل على هذه الحال فيهم: خطب أكثم بن صيفي؛ فإنها حِكَمٌ مُتناثرة بل هي در منثور غير منتظم في عقد، ولكن إذا اتحد الغرض في الخطبة جاء التماسك في الجملة في أجزائها؛ وكثيرًا ما تكونُ الخُطب التي على هذه الشاكلة موجزة كل الإيجاز؛ كخطبة أبي طالب في زواج النبي ﷺ من السيدة خديجة ﵂.
وقد كانت عدم تماسك أفكارهم من دواعي كثرة الحكم والأمثال في خطبهم، حتى لقد رأيت أن أكثم -كما بينا- كانت خطبته كلها حكمًا، وقد يَسْتَشْهِدُ بَعْضُهم بحكمة عالية لغيره؛ أو بمَثَلٍ سَائِرٍ يضربه؛ ليقايس بين حال من يخاطبهم، وحالِ من قبل من قيل المثل فيهم؛ وأخص ما تمثل به المعاني الخطابية عند العرب صدقها، وعدم وجود الإغراق والمبالغة فيها، وذلك لما فيه من صراحة وحب للصدق والحقيقة.
وقد ترى في نصائحهم ووصاياهم معاني اجتماعية، وخُلُقية عالية؛ ولكنها في جملتها ليست مبنية على دراسة وبَحث؛ بل هي صورة لتجارب الحياة، تجيء على ألسنة من غير كد للذهن، ولا تعمق في الدرس.
أما أسلوب الخطابة في الجاهلية: فأول ما تلقاه في المأثور من الخطب العربية، أنك لا تجد الخطب قد لوحظ فيها حسن الافتتاح، وتنسيق الموضوع وتجزئته، ثُمّ حُسن اختتامه؛ فإنّ ذلك شأن الخطيب الذي يحبر خطبته، ويزور كلامه ويهيئه ويعده، ولم يكن أكثر خطباء الجاهلية كذلك، بل كانوا يرتجلون الكلام ارتجالًا؛ لذلك لم تكن خطبهم منسقة مجزأة؛ بل كانت في الجملة غير متماسكة لعدم تماسك معانيها.
وأسلوبهم الكلامي لا تكلف فيه ولا صناعة، لعدم عنايتهم بتهيئة القول، ولذلك خلا من كل المحسنات اللفظية، كالجناس والتورية؛ وما إلى ذلك مما نص عليه في علم البديع، وكانوا أحيانًا يُسجعون في خطبهم؛ كما نرى في سجع
стр. 122
الكهان، وأحيانًا يأتون بجمل مزدوجة كما نرى في خطب الوفد العربي لدى كسرى، وأحيانًا يُرسلِونَ القَوْلَ أرسالًا، ولكن أيها كان أكثر وأشيع؟!
لقد اختلف الأدباء في الإجابة عن هذا السؤال، ففريق يقول: إن السجع والازدواج كان أكثر شيوعًا على ألسنة الخطباء من الأرسال؛ لأنّ المَروي من خطب الجاهلية أكثره مسجوع أو مزدوج، وإنك لا تقرأ ما رواه (الأمالي) و (العقد الفريد) وغيرهم من كتب الأدب منسوبًا إلى العصر الجاهلي؛ فترى أن أوضح ما يظهر في ديباجته السجع والازدواج، ولا يطعن في هذا بالشك في صحة النسبة، أو بالرواية بالمعنى؛ لأن من يقول قولًا على لسان غيره ولو كان كاذبًا يجتهد في أن يكون كلامه صورة قريبة مما يجري على ألسنة من ينحلهم قولًا.
فالرواة الذين نحلوا الجاهليين تلك الخُطب لا بد أن يأتوا بكلامهم على النحو الذي يعرفه الناس من العصر الجاهلي، فإذا أتوا بذلك الكلام مسجوعًا؛ فهو يَدُلّ على أنّ الناس في عصر الرواة ما كانوا يعرفون عن خطب العرب إلّا أنّ أكثرها مسجوع، وحَسْبُك هذا دليلًا على شيوع السجع عند الجاهليين.
ويَرى آخرون أنّ الأرسال هو الأكثر شيوعًا على ألسنة الخُطباء؛ لأنّه هو الذي يتفق مع الارتجال والقول على البديهة اللذين عُرِفَا في العرب؛ ولأنه هو الذي يساوق الفطرة، ولأنّ أكثر كلام النبي ﷺ الذي ثبتت صحته، وأكثر خطب الصحابة التي لا مجال للطعن في صدقها مرسل قليل السجع والازدواج، وأكثر أولئك أدرك العصر الجاهلي؛ فلو كان السجعُ طَريقًا خطابيًّا معروفًا مألوفًا لهم ما خالفوه، ولا نَعرف أنّ من أوامر الشّرع ما يَدْعُوهم إلى المخالفة والابتعاد عن أمر معروف عند الجاهليين أنهم من طرائق التأثير البياني.
ولأنه قد تواتر عن العرب: أنّ الكُهّان كان لهم كلام متمايز بدباجته يخالف مألوف العرب، وامتاز ذلك الكلام بالسّجع المُلتزم؛ فلو كان السجع أمرًا شائعًا
стр. 123
يَشْمَلُ الجزء الأكبر من خطب الخطباء، ما امتاز كلام الكهان عن سواه، وما صار له لون يغير بقية الكلام.
وقَبْلَ أن نختم الكلام في الأساليب العربية نتكلم على الإيجاز والإطناب في خطبهم فنقول:
لم نجد في المأثور عن العرب خطبة طويلة، بل كلها موجز، ولعل الذي بين أيدينا جزء من خطبة طويلة علق بالقلوب، وذهب أكثرها في ضلال نسيان الراوي، أو لخُطب قصار حفظها الرواة لقصرها، وعجزوا عن ضبط الطوال لطولها، وذلك لأنّ أخبار العلماء والأدباء والرواة، تَدُلّنا على أن العرب كانت لهم خطب طوال، وأخرى قصار، ولكل حال تقتضيه في نظرهم؛ ففي خطب النكاح مثلًا يُطيل خاطب ويقصر المجيب، وفي خُطَب الصُّلح كانوا يطيلون. وقد كانوا في إطالتهم وإيجازهم بلغاء أقوالهم محكمة.
وقد قال الحافظ في وصف الطوال منها: "ومن الطوال ما يكون مستويًا في الجودة، ومشاكلًا في استواء الصنعة، ومنها ذوات الفقر الحسان، والنُّتف الجياد". وقال في وصف العرب بشكل عام: "ولم أجد في خطب السلف الطيب، والأعراب الأقحاح ألفاظًا مسخوطة، ولا معاني مدخولة، ولا طبعًا رديًّا، ولا قولًا مُستكرهًا".
الخطابة في عصر الإسلام
ثانيًا: الخطابة في عصر الإسلام:
كانَ ظُهور الإسلام إيذانًا بتطور واسع في الخطابة؛ إذ اتخذها الرسول ﷺ أداة للدعوة إلى الدين الحنيف، طُوالَ مقامه بمكة قبل الهجرة؛ حيثُ ظَلّ ثلاثة عشر عامًا يعرضُ على قومه من قريش، وكُلّ من يلقاه في الأسواق آيات القرآن الكريم.
стр. 124
وهو في أثناء ذلك يخطب في الناس داعيًا إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة؛ محاولًا بكل طاقته أن يوقظ ضميرهم بما يصور لهم من قوة الكائن الأعلى، مُدبر الكون ومنظمه، الذي لم يخلقهم عبثًا، وإنما خلقهم ليعبدوه حق عبادته، وليستشعروا كل ما يمكن من الكمالات الروحية والاجتماعية والإنسانية؛ حتى تتم لهم السعادة في الدنيا والآخرة.
وهاجر الرسول ﷺ إلى المدينة فاتصلت خطابته، واتسعت جنباتها بما أخذ يشرع للمسلمين ويرسم لهم حدود دولتهم ونظم حياتهم؛ التِي يَنْبَغي أن تقوم على الإخاء والمساواة والتعاون في سبيل الحق والخير، وهو في تضاعيف ذلك يأخذهم بآداب رفيعة من السلوك السامي، مبينًا لهم مَعاني الإسلام الرُّوحية، التي تقوم على معرفة الله الواحد الأحد والصلة به، كما تقوم على معرفة العمل الصالح وأن وراء هذه الحياة حياة أخرى، يُحاسب فيها الإنسان على ما قدمت يداه، ولو كان مثقال ذرة.
وما يزال يعرض أوامر الدين ونواهيه، واضعًا الحُلول لكثير من المشاكل الدنيوية؛ كمشكلة الرقيق، ومشكلة توزيع الثروة، ومشكلة العلاقات بين الرجل والمرأة، وغير ذلك من مشاكل حُلّت بما يحقق سعادة الجنس البشري وهناءته.
وعلى هذا النحو كانت خطابة الرسول ﷺ متممة للذكر الحكيم، ومن ثم كانت فرضًا مكتوبًا في صلاة الجُمَع والأعياد، ثم في الحج. وتحتفظ كتب الحديث بما اتخذه فيها من سنن وتقاليد، ثبتت إلى اليوم؛ بينما كانت تسبق خطابة الصلاة في الجُمع كانت الصلاة تسبقها في الأعياد، وهي تتوزع على خطبتين يقف فيهما الخطيب على منبر، أو أرض عالية؛ وقد اعتمد على قوس أو عصا ويُقبل على الناس مسلمًا.
стр. 125
وتبدأ الخطبة الأولى في الجُمع بحمد الله تعالى، وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، ويُؤثر عن الرّسول أنّه كانَ يقولُ في فاتحة هذه الخطبة: "الحمد لله نحمده ونستعينه، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له".
وعادة يتلو الخطيب من الخطبة الأولى لصلاة الجمعة بعض آي القرآن الكريم؛ حتى يستلهمها في موعظته، وإذا انتهى منها جلس. ثم يقوم للخطبة الثانية، وفيها يكثر من الدعاء، ويقال: إنه كان آخر دعاء أبي بكر في الخطبة الثانية: "اللهم اجعل خير زماني آخره، وخير عملي خواتمه، وخير أيامي يوم لقائك".
وطبيعي أنْ تقضي هذه الخطابة على كل لون قديم من خطابة الجاهلية، لا يَتّفِقُ ورُوحَ الإسلام، ولا نَقْصِدُ سَجع الكُهّان، الذي كان يرتبط بدينهم الوثني فحسب، بل نقصد أيضًا خطابة المنافرات؛ فقد نهى الإسلام عن التكاثر بالآباء والأحساب والأنساب، وإن ظلت لذلك بقية في حياة الرسول ﷺ حين كانت تفد عليه وفود العرب.
وحتى نعرف ما طرأ للخطابة من تغيير في الدواعي والأغراض في عصر الإسلام يجبُ أن نعرف ما طرأ على النفس العربية؛ من تغيّر في مظاهرها وأحوالها الدينية والاجتماعية والسياسية:
أما أحوال العرب الدينية؛ فلقد كانوا يعبدون الأوثان، ويكاد يكون لكل قبيلة إله تعبده، فلما جاء الإسلام جمَعهم على عبادة الله وحده لا شريك له؛ فالإسْلَامُ -كما ترى- كلُّ فَضَائِلِه لتربية النّفس وتزكيتها، وجَعَل العربي وكل مسلم صالحًا للائتلاف مع غيره، وبعد أنْ كانت كل فضائله في الجاهلية
стр. 126
شخصية، وجّهَه الإسلام إلى الفضائل الاجتماعية، ليلتئم مع سواه. وبعد أن كانت الشجاعة في المبارزة والمناضلة للمفاخرة، صارت في الجهاد في سبيل الله لرفع كلمة الله.
تغلغل الدينُ في كل شيء في هذا العصر؛ فصاروا لا يَصدرون في عمل إلا عنه، وكانوا كُلّما جدّ شَأن أخذوا حُكْمَه من الدين.
أما الأحوال الاجتماعية؛ فقد قُلنا: إنّ الدّين كان يَسود في كل شيء، ولذلك ساد في أكثر نواحي الحياة الاجتماعية، وما لم يسده كان واقعًا تحت تأثير اجتماعي تقليدي؛ تنتقل فيه الأخلاق بالعدوى لا بالفكر والإرادة، ومهما يكن من شيء فقد امتازت الحياة الإسلامية الأولى في زمن النبي ﷺ وأكْثَر زمن الخلفاء الرائدين بمظاهر اجتماعية؛ منها محو العصبية، أو سترها إلى حين، وانتقال العرب من البداوة إلى الحضارة.
كذلك الأحوال السياسية قد تغيرت في الإسلام عنها في الجاهلية؛ فقد اجتمع العرب تحت لواء واحد، لا يُسَيطر عليهم إلا الدين، وذهبوا إلى الممالك واستولوا عليها، وورثوا سلطان الفرس وسلطان الروم في الشرق، وصاروا حُكّام هذه الأمم، يتضافرون في إدارة شئونها، ويتآزرون في هدايتها؛ فوَحّدوا أمرهم، وجمعوا أشتاتهم، وجعلوا الحكم ليس مظهرًا عصبيًّا، ولكن مظهر لوحدة دينية.
أما موضوعات الخطابة في الإسلام:
فلقد كان الإسلام نهضة عامة شاملة لم يعهد لها من قبل في العالم مثيل؛ وكانت الخطابة ولون من الشعر أخذ طابعها، ونحا منحاها عماد هذه النهضة؛ وأداة فعالة من أدواتها، لقد كانَتْ هَذه النّهضة دينية في رُوحها وأساسها،
стр. 127
والدين فيض من النور الإلهي والرحمة الربانية، يمتدُّ من السماء إلى الأرض ليضيء ظُلُمَاتِها، ويُبَدّد غياهب الجهالة فيها، ويؤدي رسالة الأولى في إصلاح المجتمع البشري، وتحقيق أسباب السعادة له.
فكانت هُناك الخُطَبُ المُتنوعة في الإسلام، كانت هناك خطب في الجهاد والحض على القتال، ولئن كان العربُ عَرفوا هذا النوع من الخطابة في الجاهلية، إلا أنه كان قتال ظلم وعدوان، أما في الإسلام فقد كان الجهاد والقتال لنشر الدعوة الإسلامية؛ لتكون كلمة الله هي العليا، ولإخراج الناس من عبادة العباد إلى عباة رب العباد، كذلك كانت في الإسلام خُطب الأملاك، وهي خطبُ النّكاح، وخطب المَحَافل والوفود.
وكان في الإسلام الخطب الدينية في الجُمعة والأعياد وغيرها، وامتازت الخطابة في عصر الإسلام عن عصر الجاهلية بعدة أمور، أهمها ما يلي: الأعياد والحَجّ وغير ذلك أخذها وجهة دينية في مثل خطب الجمع، واتباعها خطة سياسية تعمل على رأب الصدع وجمع الشمل، وتوحيد الكلمة، والتحريض على الجهاد لإعلاء كلمة الله تعالى، وتأسيس الملك بحالة تغاير ما كانت عليه العرب في الجاهلية.
صفاء ألفاظها وسهولة عباراتها، ومتانة أساليبها، وتجنبها سجعَ الكُهّان. قوة تأثيرها ووصولها إلى سويداء القلوب، وامتلاكها الوجدان والشعور بما يرقق القلوب القاسية، ويسيل الأعين الجامدة.
مُحاكاتها أسلوب القرآن الحكيم في الإقناع، واستمدادها من آياته، حتى اشترط بعض الأئمة اشتمال الخطبة على شيء من القرآن، بداءتها بحمد الله والثناء عليه -سبحانه- والصلاة والسلام على النبي وآله وصحبه.
ولم يخرج الخطباء في عهد الإسلام في مألوفهم فيها قبل الإسلام؛ من الاعتماد على العصا ونحوها، والوقوف في أثناء الخطبة إلى غير ذلك.
стр. 128
مقارنة بين الخطابة في الجاهلية، والخطابة في الإسلام
وإذا عرفنا موضوعات الخطابة في الجاهلية وموضوعاتها في الإسلام، ومميزات الخطابة في الجاهلية ومميزاتها في الإسلام. إليك هذه المقارنة بين الخطابة في الجاهلية، والخطابة في الإسلام، كيف حرر الإسلام الخطابة من حمية الجاهلية؟
نقول: تعبير الإنسان خط بارزٌ من خُطوط شخصيته، والعالمون بطبيعة الإنسان يقررون أن العقل المنضبط في تصوراته يستتبع بالضرورة انضباط اللسان في أدائه، ولكي يصل المتكلم إلى ما يريد، لا بد من الأمرين معًا: عقل سليم، وتعبير سليم. ولا بد من الوعي بهذه الحقيقة، هذا الوعي الذي يفرض علينا وزن الكلمة قبل استعمالها من حيث كانت دليلًا علينا.
والأديب والخطيب أحد صناعي الأمة، والمُعبرون عن آمالها وآلامها، وإذ تمضي الأحداث وتنصرم الأيام؛ فإن قلم الأديب ولسان الخطيب يستبقيها ويجليها، وكلاهما مرآة تنعكس عليها أحداث الحياة، وتبقى ماثلة في ضمير الأمة، ما دام فيها خطيب وأديب، ولكن لن تكون للكلمة وصناعتها تلك القيمة إلا إذا ارتبطت بهدف سام، وخلق نبيل، وعبرت عن الفضائل، بل وحَشرت ملكات النفوس؛ للتّعلق بها، والاستشهاد في سبيلها، وكذلك كان الإسلام في مجال الخطابة التي حررها من حمية الجاهلية؛ لتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتسير بالحياة والأحياء في الاتجاه الصحيح. وتلك هي نقطة الخلاف بين الإسلام والاتجاهات المُلحدة قديمًا وحديثًا.
وقد عقد "جولد زيهر" فصلًا بعنوان "الدين المروءة" وهو يتلخص في: "إن الإسلام رسم للحياة مثلًا أعلى غير المثل الأعلى للحياة في الجاهلية، وهذان
стр. 129
المَثَلان لا يتشابهان، وكثيرًا ما يتناقضان؛ فالشَّجاعة الشخصية، والشّهَامَةُ التي لا حد لها، والجَزم إلى حد الإسراف، والإخلاص التام للقبيلة، والقسوة في الانتقام، والأخذ بالثأر ممن اعتدى عليه أو على قريب أو على قبيلة، بقول أو فعل؛ هذه هي أصول الفضائل عن العرب الوثنين في الجاهلية.
أما في الإسلام فالخضوع لله والانقياد لأمره والصبر وإخضاع منافع الشخص ومنافع قبيلته لأوامر الدين، والقناعة وعدم التفاخر والتكاثر وتجنب الكبر، والعظمة هي المثل الأعلى للإنسان في الحياة.
وقد كانت الخطابة أصدق معبر عن هذا المثل الأعلى، وكان لها دورها البارز في تعميق هذه المفاهيم، في ضمائر المؤمنين؛ وإليك هذا المثل:
"قدم وفد تَميم على الرسول ﷺ فنادوه من رواء الحُجرات أن اخرج إلينا يا محمد، فلما خرج قالوا: يا محمد، قد جئنا نفاخرك، فائذن لشاعرنا وخطيبنا، قال: ((قد أذنت لخطيبكم فليقل)) فقام فقال: الحمد لله الذي له علينا الفضل وهو أهله، الذي جعلنا ملوكًا ووهب لنا أموالًا عظامًا نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعز أهل المشرق وأكثره عددًا وأيسره عدة، فمن مثلنا في الناس! ألسنا برءوس الناس وأولي فضلهم؟ فمن يفاخرنا فليعدد مثل ما عددنا، وإنا لو نشاء لأكثرنا من الكلام، ولكنا نحيا من الإكثار فيما أعطانا، وإنا نعرف بذلك أقول هذا الآن لتأتونا بمثل قولنا، وأمر أفضل من أمرنا".
إنّ هذا الخطيب يُمَثّل وجهة نظر الجاهلية المدفوعة بعامل التفاخر، والمكاثرة بالمال؛ هذا التفاخر الذي وصل به إلى مرتبة تحدى الناس جميعًا أن يكونوا مثلهم في قوله منكرًا: "فمن مثلنا في الناس".
стр. 130
فلمّا انتهى هذا الخطيب من خطبته، أمر النبي ﷺ ثابت بن قيس، أن يجيب الرجل؛ فقام ثابت فقال: الحمد لله الذي السموات والأرض خلقه، قضى فيها أمره، ووسع كرسيه عمله، ولم يكن شيء قط إلّا من فضله، ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكًا، واصطفى من خير خلقه رسولًا، أكرمهم نسبًا وأصدقهم حديثًا، وأفضله حسبًا؛ فأنزل عليه كتابه، وائتمنه على خلقه؛ فكان خيرة الله من العالمين، ثم دعا النّاس إلى الإيمان، فآمن برسول الله المهاجرون من قومه وذوي رحمه، أكرم الناس أناسبًا، وأحسن الناس وجوهًا، وخير الناس فعالًا، ثم كان أول الخلق استجابة لله حين دعا رسول الله ﷺ نحن، فنحن أنصار الله وزراء رسوله، فقاتل الناس حتى يؤمنوا بالله؛ فمن آمن بالله ورسوله منع ماله ودمه، ومن كفر جاهرناه في الله أبدًا، وكان قتله علينا يسيرًا، أقول قولي هذا وأستغفر الله للمؤمنين والمؤمنات، والسلام عليكم".
والفرق واضح جدًّا بين خُطبة خطيب ذلك الوفد، وبين خطبة خطيب رسول الله ﷺ .
دواعي الخطاب في عصر الإسلام
وأخيرًا إليك دواعي الخطاب في عصر الإسلام:
كانت دواعي الخطابة في ذلك العصر تتفق مع ما عرض لهم، وما سادهم من الحياة، وما طرأ عليهم من أحوال وشئون سياسية واجتماعية، وكان بدهيًّا أنْ تَكُون أولى الدواعي للخطابة هي الدعوة المحمدية، والرّدّ عليها؛ فقد جاء محمد ﷺ بذلك الدين الجديد، في قوم القول صناعتهم، والبَلاغة جل عنايتهم؛ فناداهم بأبلغ القول، وخاطبهم بأروع الكلام، وخطب في مجامعهم مؤيدًا رسالته، ناشرًا دعايته، حتى ضاقت صدورهم عن سماع قوله، بعد أن عجزوا مجادلته ومقارعته الحُجّة بالحجة، فامتشقوا الحسام، وتكلموا بالسنان بدل اللسان.
فالخطابة كانت الأداة الأولى للدعوة المحمدية، وكانت السلاح الذي يرفعه خصومه في الرد عليه؛ فكانت تلك الدعوة سببًا في انتشار الخطابة، ورفع درجة البيان.
стр. 131
كان النبي ﷺ يَلقى الناس في مواسم الحج، وفي المجامع وفي المنتديات، ويدعوهم إلى الإسلام، ويأتي في ذلك بأبلغ الكلام. انظر إلى خطبته الموجزة يوم صدع بأمر ربه وأنذر عشيرته الأقربين، إذ قال ﷺ : ((إنّ الرائد لا يكذب أهله، والله لو كذبت الناس جميعًا ما كذبتكم، ولو غررت الناس جميعًا ما غررتكم، والله الذي لا إله إلا هو إني لرسول الله إليكم خاصة، وإلى الناس كافة، والله لتُموتن كما تنامون، ولتُبعَثُنّ كما تستيقظون، ولتُجْزَونّ بالإحسان إحسانًا، وبالسوء سوءًا، وإنها لجنة أبدًا، أو لنار أبدًا، وإنكم لأول من أنذر بين يدي عذاب شديد)).
كذلك الأحكام الشرعية؛ فلما دخل الناس في هذا الدين أفواجًا أفواجًا كان النبي ﷺ يُبين لهم أحكام دينهم، ويعرفهم ذلك الشرع الشريف، وذلك الهدي القويم، ويُبين تفصيل ما أجمل القرآن الكريم، كما قال الله تعالى له: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِم﴾ (النحل: ٤٤) ويُوَضّح لهم ما أشكل عليهم فهمه، أو ما التبس من أمر هذا الدين.
وذلك البيان كان بأقوال محكمة، فيها وحي النبوة وقبس من نور الرحمن؛ كما قال رب العالمين في حق النبي الأمين: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: ٣، ٤).
وانظر إلى خطبته ﷺ التي مطلعها ((أيها الناس، إن لكم معالم؛ فانتهوا إلى معالمكم)) وخطبته ﷺ التي مطلعها: ((كأن الموت فيها على غيرها قد كتب)) وخُطبته ﷺ في حجة الوداع، انظر إلى تلك الخطب، ترى فيها الترغيب مع الترهيب، والموعظة الحسنة والإيجاز الذي وفى وجمع فأوعى؛ فكانت بعثة النبي ﷺ والشرع الحكيم الذي جاء به من عند رب العالمين، من أكبر دواعي نهوض الخطابة في صدر الإسلام.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 132
الدرس: ٨ عوامل رقي الكتابة وازدهارها في صدر الإسلام .
стр. 133
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثامن
(عوامل رقي الكتابة وازدهارها في صدر الإسلام)
العوامل التي أدت إلى نمو الكتابة وازدهارها في صدر الإسلام
إنّ الحَمْدَ لله، نَحْمَدُه ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن ألا إله الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، أما بعد:
فلقد اتّضح من كُلِّ ما قَدّمنا كيفَ نمت الخطابة، في صدر الإسلام نموًّا سريعًا بتأثير إسلامي من جهة، وبتكاثر الأحداث وتتابعها من جهة ثانية، وليس هذا كُلُّه ما يُلاحظ فيها؛ فقد دارت حول معاني القرآن الكريم، وخطابة الرسول ﷺ وأحاديثه، وهي معان جديدة لم يكن للعربية بها عهد؛ معاني هذا الدين الحنيف، الذي بعثَ لُغتنا ونشرها بعثًا جديد، والذي مرنها ودَلّلها لكي يَحُلّ قبسًا من هذه التعاليم والمواعظ، يستضيء بها في كل ما يخاطب به الناس، ابتغاء التأثير عليهم وبلوغ ما يريد من أداء الخطبة الدينية الخالصة في أيام الجمع والأعياد ومواسم الحج. والخطب التي تدعو إلى الجهاد وتحض على القتال.
ولعله من أجل ذلك أصبح التّحميد سنة في كل خطبة، حتى الخطبة السياسية؛ وكانوا يسمون كل خطبة تخلو من الحمد "الخطبة البتراء" كما كانوا يُسمون كل خطبة تخلو من اقتباس آي القرآن الكريم والصلاة على الرسول ﷺ "شوهاء".
وهُناك أخبار كثيرة تدُلّ على أنّ الخُطَباء كانوا يُزَوّرون كلامهم، ويُعِدّونهم على أنفسهم إعدادًا طويلًا، ثُمّ يُلْقُونه على الناس؛ حتّى لقد رُوي عن عمر بن الخطاب أنه قال ذلك، وكان الخطيب يستشهد أحيانًا ببعض الأمثال، أو ببعض أبيات من الشعر؛ تُؤَكّد المعنى الذي يُريد أن يَصُبّه في نفوس سامعيه صبًّا، على نحو ما نجد في خطبة لأبي بكر في الأنصار.
وإذا كنا قد لاحظنا من تاريخ الأدب العربي غلبة السجع على خطباء الجاهلية؛ فإننا نلاحظ في عصر الإسلام أنه كاد ينحسر تمامًا من الخطابة، إلا بقايا ضلت في خطابة الوفود، حين كانت تقدم على الخلفاء.
стр. 134
ونستطيع أن نقول: إن السّجع في خطابة هذا العصر كان شيئًا عارضًا؛ إذ كان الرسول ﷺ لا يستعمله في خطابته، وكان ينفرُ منه حين يلهج به أحد محدثيه، كراهية للتشبه بالكهان في سجعهم، وعلى ذلك صار الخلفاء الراشدون والصحابة من بعدهم.
وأخرى تُلاحظ على الخطابة في عصر الإسلام، بالقياس إلى الخطابة في الجاهلية؛ فإنّ الخَطَابةَ في الجَاهلية لم تكن ذات موضوع مُحدد، ومن ثَمّ كانت تأخذ شكل أقوال متنافرة، لا رابط بينها، أما في الإسلام فقد أصبح للخطابة موضوع واحد، يجول فيه الخطيب ويَصُول، إذا يُحَدّث الناس واعظًا، أو يعرض عليهم حدثًا محدد من أحداث الإسلام، بحيث نستطيع أن نقول: إن الخُطبة أصبحت ذات موضوع، تلم بأطرافه وتفاصيله.
وبذلك كله نهضت الخطابة، ونهض معها النثر نهضة واسعة، فقد أخذ الخطباء يوسعون طاقته بما يحملون من معاني الإسلام، وما يبسطون في هذه المعاني ويولدون ويفرِّعون.
وإذا كانت الخطابة تستمد قوتها من النفس فلا بُدّ أن نذكر الأمور التي كانت في تلك الحياة، وغذت النفوس غذاء نمت به الخطابة وازدهرت وقويت ونهضت، وأعظم تلك الأمور شأنًا وأجَلُّها في حياة العرب خطرًا وفي الخطابة أثرًا "القرآن الكريم".
لقد جاء القرآن الكريم فهزّ النّفْسَ العَربية وأصاب شِغَافَها، وقد تَحَدّى أعَاظِمَ البُلَغَاءِ فيهم أن يأتوا بسورة منه، أو مثله، أو من مثله؛ فعجزوا عن ذلك كله، وقد قال الجاحظ في إعجازه: "بعث الله محمدًا ﷺ في زمن أكثر ما كانت العرب شاعرًا وخطيبًا، وأحكم ما كانت لغة، وأشد ما كانت عدة. فدعا أقصاها وأدناها إلى توحيد الله، وتصديق رسالاته فدعاهم بالحُجّة.
стр. 135
فلمّا قطَعَ العُذْرَ وأزال الشبهة، وصار الذي يمنعهم من الإقرار الهوى والحمية دون الجهل والحِيرة، حملهم على حضهم بالسيف، فنصب لهم الحرب، ونصبوا له، وقتل من عليتهم وأعمامهم وبني أعمامهم وفي ذلك يحتج عليهم بالقرآن الكريم، ويدعوهم صباحًا ومساءً إلى معارضته إن كان كاذبًا بسورة واحدة، أو بآيات يسيرة؛ فكُلّما ازداد تحديًّا لهم بها، وتقريعًا بعجزهم عنها قالوا: أن تعرف من أخبار الأمم ما لنا نعرف؛ فلذلك يمكنك ما لا يمكننا، قال: فهاتوا ولو مفتريات، فلم يقصد ذلك خطيبًا منهم، ولا طمع فيه شاعر ولو تكلفه لظهر ذلك، ولو ظهر لوجد من يستجديه ويحامي عليه، ويكابر فيه، ويزعم أن قد عارض وناقض؛ ف دل ذلك العاقل على عجز القوم مع كثرة كلامهم، وسهولة ذلك عليهم. وكثرة شعرائهم، وكثرة من هجَاهُ مِنهم، وعارض الشُّعراء من أصحابه، والخُطَباء من أمته؛ لأنّ سورة واحدة وآيات يسيرة كانت أنقض لقوله، وأبلغ في تكذيبه، وأسرع في تفريق أتباعه من بذل النفوس، والخروج عن الأوطان، وإنفاق الأموال.
وهذا من جليل التدبير الذي لا يخفى على من هو دون قريش والعرب في الرأي والفضل بطبقات، ولهم القَصيد العجيب، والرجز الفاخر، والخطب الطوال البليغة، والقصار الموجزة. ولهم الأسجاع واللفظ المنثور، ثم يتحدى به أقصاهم، بعد أن ظهر عجز أدناهم، ومُحَالٌ أنْ يَجْتَمِع هؤلاء كلهم على الغلط في الأمر الظاهر، والخِطَابِ المَكْشُوف البين مع التقريع بالتقصير، والتوقيف على العجز.
وهم أشد الخَلْقِ أنفَة وأكثرهم مُفاخرة، والكلام سيد أعمالهم، وقد احتاجوا إليه، والحاجة تبعث على الحيلة في الأمر الغامض؛ فكيف بالظّاهر الجليل
стр. 136
المنفعة، وكما أنّهم مُحالٌ أن يُطيقوه ثلاثًا وعشرين سنة على الغلط في الأمر كما تعرف، فكذلك مُحَالٌ أن يتركوه وهم يعرفونه ويجدون السبيل، وهم يبذلون أكثر منه.
وإذا كان أثرُ القُرآن الكريم في مناوئيه، وهم قوم خصوم، وما علمت من تحير ودهشة وعجز، بل إعجاب يخفيه الغرض، ومرض النفس بالشرك والعناد والمخالفة؛ فيكيف يكون أثره بالآخذين بهديه المقتبسين من نوره؟.
لقد أثر القرآن الكريم فيهم أبلغ تأثير، وأفادت الخطابة أعظم فائدة، وجنت منه أكبر الثمرات، وقد كانت استِفَادة الخطابة من القرآن الكريم من ناحتين:
إحداهما: مما اكتسبه اللغة من القرآن الكريم: لقد أكسبها سعة في المعنى، إذ قد أتى بمعانٍ لم يَتوارد العرب من قبل مواردها، كانوا قومًا حسيين، ولُغَتهم حِسّية؛ فجاء القرآنُ الكَريم وحدث عن النفوس، ووصفها فأحسن وصفها، حَلّل نفس الضال، وعلة ضلالة، ونفس المهتدي وعريض اهتدائه. صور تقلبات القلوب وخلجات النفوس، وما يؤثر في المشاعر؛ فدعا ذلك المسلمين إلى الاغتراف من منهله العذب، وشاعت بينهم الأقوال في الأمور المعنوية، وسمت اللغة العربية إلى مستوى ما كان يتهيأ لها بغير القرآن الكريم.
وأثر القول في الأمور المعنوية وحسن تصويرها في الخطابة جلي لا يحتاج إلى بيان، وقد جاء القرآن القرآن الكريم بلفظ سهل متين خالٍ من الألفاظ الخشنة الجافة، يصل إلى الأغراض من أسهل مسالكها، فأعجب بذلك قارئوه وسامعوه؛ فحاكوه في نهجه، وإن لم يُساموه في قدره، وتَهَذّبت به اللغة أتم تهذيب، فسَهُلت عباراتها، ورَقّت أسَالِيبُها، واستأنست ألفاظها، إذ سن لها نوعًا من التعبير لم تنتهجه، فكان فتحًا جديدًا بألفاظه وأساليبه، كما كان فتحًا
стр. 137
جديدًا في العالم كله بهديه وتقويمه وتأديبه، وأثر ذلك في ألفاظ الخطابة واضح غير خفي.
ثاني الناحتين: أنّ الخُطباء قد أخذوا ينتهجون منهج القرآن الكريم في الاستلال؛ إذ وَجَدوا فيه أبلغ طرق الإقناع الخطابي، لقد اجتمع في أدلة القرآن الكريم ما لا يُمكن أن يجتمع في أدلة سواها، إذ تَجِدُ فيها استقامة المعنى، إذا قسته بمقياس المنطق فتجد المقدمات قد تلاءمت مع نتائجها، وتوافرت فيها شروط الإنتاج كما تجد فيها جمال اللفظ وجودة الأسلوب، ومخاطبة الإحساس وإثارة الرغبة، اقرأ قول الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (الأنبياء: ٢٢).
تَجِدُ الدقة المنطقية، وجمال اللفظ ومخاطبة الوجدان قد اجتمعت مع حسن الإيجاز فتعالت كلمات الله .
وجد الخطباء في القرآن الكريم ذلك، فوجدوا فيه معلمًا لطريق الإقناع والاستدلال، لا يُقاضيهم أجرًا؛ فتأثروا بطريقته، واقتبسوا من عبارته، وشاع بينهم الاقتباس منه، حتى كان من مزايا الخطبة أن تكون مشتملة على شيء من القرآن الكريم.
أما الحديث النبوي الشريف فهو كلام النبي ﷺ يلي منزلة القرآن الكريم في الاحترام والإجلال، وقد اجتمعت فيه أيضًا فصاحة اللفظ، وجودة المعنى وحسن الأداء. وبلغ من البلاغة الذروة ووصل من الروعة إلى القِمّة، هو جوامع الكلم، وفيه روائع الحكم، هو القول الفصل لا فضول فيه ولا تزيد، أخذ من القرآن الكريم وأوحى إليه به الرحمن لكلامه جلال لا تجده في سواه، وتحيط به هالة روحية تحس منها بشعاع النبوة، ولو أنّ كلامه عرض عليك منسوبًا لغيره؛ لأنكرت النسبة ورددت الحق إلى نصابه.
стр. 138
وقد أثار ذلك روح العُجب والإعجاب في أصحابه، حتى قال له أبو بكر ﵁: لقد طُفت في العرب وسمعت فصحاءهم، فما سمعت أفصح منك، فمن أدبك؟ فقال ﷺ : ((أدبني ربي فأحسن تأديبي)).
وقد كان للحديث أثران في الخطابة:
أحدهما: من ناحية تأثيره في اللغة؛ لأنّ الحَدِيثَ أضاف إلى اللغة ثروة من المعاني، وثَروة من الأساليب التي كانت تُعد من النبي ﷺ ابتداعًا وابتكارًا، مثل قوله: ((حمي الوطيس)). ومثله قوله ﷺ : ((الضعيف أمير الركب)) وقوله: ((مات حتف أنفه)) وقوله: ((هدنة على دخن)) وقوله: ((لا ينتطح فيه عنزان)) وقوله لمن ساق إبل بعنف وعليها نساء: ((رويدك رفقك بالقوارير)) ولأن الحديث هذب اللغة تذهيبًا قريبًا من تهذيب القرآن الكريم، إذ سهل ألفاظها، ورَقّق أساليبها، وذهب بالغريب منها؛ فكان لكل هذا أثره في الكتابة؛ لأنّها شُعبة الأدب الأولى في هذا العصر بل أعظم شعبه وأظهر مظاهره.
ثانيهما: أنّ كثيرًا من الخُطباء كان يرطب لسانه في خطبه بشيء مما أُثر عَن الرَّسول ﷺ تيمنًا بقوله، واسترواحًا للسامعين، وليكسبوا كلامهم روعة وليستشهدوا بكَلام الرّسُول ﷺ على صِحّة ما يَدْعُونَ، وإذا عَلمت أنّ أكْثَر الخُطب في ذلك العصر كانت تدور على مبادئ الدّين قوامها، عَلمت مقدار عنايتهم برواية أحاديث الرسول ﷺ والاستشهاد بها في خطبهم.
ثالثًا: الحَضارة: أخذت الحضارة تغزو نفوس أولئك البدو، ولكنها لم تستول عليهم استيلاء تامًّا كما علمت، فاجتمعت فيهم قوة البدوي ونخوته، وبعض دماثة الحضري ورقته، ولقد علمت أسباب ذلك فيما بيناه من شرح أحوالهم
стр. 139
الاجتماعية، وبقي أن تعرف أثر ذلك في خُطَبهم، أكسبتهم تلك الحضارة سهولة في التعبير لم تكن فيهم؛ إذ هَذّبت من طباعهم، وقَلّلت من جفوتهم وخشونتهم، فلانت من غير ضعف، وابتذال عبارتهم كما أكسبتهم سعة الخيال وغزارة في المعاني وعِرْفَانًا تامًّا بما تقضيه الأحوال.
وقد أكبسهم اختلاطهم بالأمم، وهم ذووا الذكاء الفطري والفراسة، معرفة كثيرة بأحوال النفوس؛ فاستخدموا كل ذلك في خطبهم، وبدت غزيرة المعاني، متنوعة الموضوعات وافية فيما يقصد إليه الخطيب من غرض، وما يتجه من هدف ومرمى.
رابعًا: تَكْوينُ حكومة نظامية: كان تكوين الحكومة الإسلامية عاملًا عظيمًا من عوامل اتساع موضوعات الخطابة، فقد كانت هي أداة اتصال الحاكمين بالمحكومين، بها اتصل الحُكماء بالشعب في خُطبهم العامة، وبها اتصل الولاة بالأقاليم بمن يحكمونهم، ويُبين هؤلاء وأولئك ما يُريدون أن يكون المَحْكومون عليه من طاعة في الحق، وإرشاد للحاكم من غير تمرد أو عصيان.
وكذلك الوعظ الديني كان له الشأن الأول؛ لأنّ الدين كان أساس وحدتهم، وجامع كلمتهم، ومُكَوّن دولتهم، ولذلك كان له الاعتبار الأول، وقد حَثّ الإسلامُ على الأمر بالمعروف، والنّهي عن المُنكر، وجعله قوام هذه الأمة، ومَنَاط عِزّها، وطريق ارتقائها، قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: ١١٠).
وقد كانت الخُطبة فرضًا في الجُمعة لذلك الغرض، فكان للخطابة من ذلك المبدأ الديني السامي، مبدأ التواصي بالحق والتناهي عن الشر، رقي -أي رقي- وسمو عظيم، إذ جُعِلَت من شَعَائر الدين ومظاهر القوية.
стр. 140
أما ألْفَاظُ الخَطَابَة وأساليبها ومعانيها في صدر الإسلام: فقد صفت ألفاظ الخطابة وسهلت، ورقت وعذبت، وذلك لتأثر الخطباء بالقرآن الكريم، واقتفائهم طريقه وسلوكهم سبيله، إذ رأوه المثل الأعلى للكلام فحاكوه وإن لم يتساموا إليه، ولأنّ نُفوسهم هُذِّبَت، وألان الإسلامُ من جفوتها، وأرَقّ من شِدّتها، وبدلها مكان القسوة رحمة، ومكان العنف رفقًا حتى إن الرجل الذي كان يئد ابنته فلا ينشق قلبه لها بعطف، أصبح بالإسلام يسمع كلمة الحق؛ فتنحدر عبرته وتذوب نفسه حسرات.
وإذا رقت النفس وسهلت لا يصدر عنها إلا العذب السهل من الألفاظ؛ فإن الكلمات صورة حية للنفس التي تجيش بها، ولأنّ الله سبحانه أورثهم ملك كسرى وقيصر، فجاءتهم الغنائم وأصبحوا فاكهين في نعيم، بعد أن كانوا في شظف من العيش، وخُشونة من الحَياة.
ولقد قال خليفة رسول الله ﷺ متنبأ بما يكون: "واللهِ لتَألَمَنّ النوم على الصوف الأزربي كما يألم أحدكم النوم على حسك السعدان". وقد كان أن نال العرب من نعيم الحياة أشرًا بعد أن ذاقوا من الشقوة بؤسًا، وتلك الحال التي تنبأ بها الإمام العظيم لو لم تتم في ذلك العصر وإن أخذت خطواتها فيه.
وإذا كان العربي قد ذاق هذا النعيم ورأى مناظر الطرف وعاش في مظاهره، فلا بُدّ أنّ تلين ألفاظه، وتَسْهُل عِبَاراته لأنّ الألفاظ صورة لما يألفه القائل، ويعرفه المُتكلم.
ولقد ذهب من الألفاظ الكثير من الحشو؛ لاجتماع العرب على لغة واحدة هي لغة قريش، وذهاب اللغات الأُخرى؛ فلم يبقَ مِنها إلا النادر من الألفاظ والأساليب؛ ولأنّ الخطَابة كان عمادها في الإسلام المألوف المكشوف، لأن الغاية
стр. 141
كانت إما إفهام السنن والأحكام والشرائع، وإما الحث على الجهاد، وإما المشاورة وإبداء الرأي والنصيحة للإمام. وكل هذا يقتضي الوضوح والسهولة.
وكان بمقتضى تعاليم الإسلام، أبعد الناس عن الإغراب والتوعر، والتفيهق والتشدق؛ فقد قال النبي ﷺ : ((أبغضكم إليّ الثرثارون المُتفيهقون)) لذلك كان المسلمون يَمِيلُون إلى التكلف في خطبهم بكلام يشبه الكلام العادي في سهولته، وعدم تكلفه لولا انسجام في التعبير، ولولا التحميد والبسملة والثناء على النبي ﷺ وغير ذلك من الأمور التي اختصت به الخطبة في الإسلام.
أما معاني الخطابة في الإسلام: فإنّ المَعاني الخطابية سلكت مسلكًا يتفق مع الحياة الإسلامية في مظاهرها التي سبق بيانُها؛ إذ أنّ تلك الحياة هي التي وجَهّت الخطاب وجهتها، وهي التي استوحت الخطابة منها معانيها، وقد كانت المعاني دينية، فخطبهم في الحروب دعوة إلى مرضاة الله وإعلاء لكلمته ورفع لدينه، ونشر لدعوته. وخطبهم في الشورى صورة لفهمهم الدين كلٌ يدلي بالرأي، ويربط دعواه بالمبادئ الدينية.
وخطبهم في الاجتماع والألفة أدلتهم فيها القرآن الكريم والسنة النبوية، والمبادئ الإسلامية المعروفة من الدين بالضرورة، وهكذا كل أغراضهم الخطابية الدين فيها قطب الرحى، وعليه يدور كلامهم وفيه يختلفون به يتفقون، وذلك لأنّ الدين قد تغلل في كل مظاهر حياتهم، وكان هو المسيطر على ضمائرهم، والقانون الخلقي الذي إليه يحتكمون، والشرع الذي على مقتضاه يسيرون؛ ولأنّ كِتَاب الله وسنة رسوله ﷺ كانا ينبوع المعرفة، الذي إليه يريدون وعنه يصدرون. فلم يكن لهم علم إلا علم الكتاب، ولا معرفة إلا من سنة الرسول ﵇ فلا عجب إذا صارت معالم الخطابة كلها دينية خالصة.
стр. 142
وقد كان الخطباء يسلكون في الاستدلال الخطابي الطريق المنطقي، والطريق الوجداني، وذلك لتأثرهم طريق القرآن الكريم في الاستدلال، وأخذهم من معانيه، ونيلهم من هديه؛ إذ كان المثال الذي يحتذونه والمنار الذي يهتدون به.
واقرأ خطبة أبي بكر الصديق ﵁ في ثقيفة بني ساعدة ترى فيها الدّليل المَنْطقي قد التقى مع الدليل الوجداني، وأحكمت الأواصر بينهما من غير أن يطغى أحدهما على الآخر، واقرأ خطب الفاروق عمر ﵁ في شوراه، وخطب من يوافقونه، أو يردون عليه ترى الحقائق المنطقية قد صيغت في قالب دِيني يُثير الوجدان، ويوقد العاطفة، ويلهب الحمية، وهكذا في كل أغراضهم البيانية؛ لأنّ حماسة الدين تجتمع مع الحقيقة فتمُدّها بِحَرارة الإيمان ويقظة الوجدان، وقوة الإحساس.
وكانَتْ المَعَاني لما سبق قوية التأثير فيمن يُخاطبون؛ إذا توفرت فيها شروطه وتكاملت أسبابه، وهُما الدِّقّة في الفكر والاستنباط، وإثارة العاطفة وإنهاض العزيمة، وكانت المعاني مسلسلة متصلة الأجزاء محكمة الأواصر، ولم تكن مفككة متناثرة كما كانت في العصر الجاهلي، ولعل السبب في ذلك اجتهادهم في صوغ كلامهم صياغة استدلالية؛ لينتج النتائج التي يريدونها، واتساع معلوماتهم بسبب ذلك الدين الجديد ووحدة الغرض الذي جعلوه هدفًا لكلامهم يصوبنه إليهم لينالوه.
وإنك لتضع ذلك الإحكام وهذا التماسك واضحًا في أكثر خطب ذلك العصر، وخصوصًا خُطب الإمام علي ﵁ واقرأ خطبته عندما استشار الفاروق عمر الصحابة في غزوه فارس بنفسه، ترى التماسك بني أجزاء القول وأخذ بعضه بحجز بعض واضحًا كل الوضوح، وعَدَمُ المُبَالَاةِ والإغْرَاق واضح كل الوضوح
стр. 143
في الخطابة الإسلامية، ذلك لأنّ الخُطَباء الإسلاميين من عرب الذين امتازوا بالصراحة والصدق، وهما صفتان تتنافيان مع المبالغة والإغراق.
ثم هم قد امتازوا باستقامة الفكر وسلامة النفس، والإغراق ليس إلا مظهرًا للشطط الفكري، ومُجاوزة حد الاعتدال البياني، وهو من نوع التفيهق الذي نهى عنه الدين، ولهذا باعدوه وتجافوا عنه؛ لأنّه لا يتفق مع الهدي القويم، والسُّنن المُستقيمة.
أما أُسلوب الخطابة في عصر الإسلام؛ فإن الأسلوب الخطابي في العصر الإسلامي بلغ من الإحكام مبلغًا، سما أن عن أن يحاكيه عصر من عصور اللغة، أو ينهج إليه خطباء أي زمن سابق أو لاحق لذلك العصر، وأول ما يلاحظه القارئ لخُطَب ذلك العصر أنّ الخُطبة صارت مجزئة ومقسمة، كل قِسم يَلحق سَابقه.
تبتدأ بمُقَدّمة فيها يحمد الخطيب الله ويثني عليه بما هو أهله، ويصلي على النبي ﷺ ثم يهجم على الموضوع فيقدم ما يراه دليلًا لدعواه، وبُرهانًا لما يراه، وبعد أن يتم القول فيه، ويوفي على الغرض يتوجه إلى الله يدعوه أن يوفقه إلى الرّشاد ويُلهمه السداد، ولبعض الخُطَباء صيغة دعاء يَختم بها قوله، قال ابن عبد ربه: كان آخر كلام أبي بكر الذي إذا تكلم به عُرف أنه قد فرغ من خطبته: "اللهم اجعل خير زماني آخره، وخير عملي خواتيمه، وخيرُ أيّامي يوم ألقاك"، وكان آخر كلام عمر الذي إذا تَكَلّم به عُرف أنه فرغ من خطبته: "اللهم لا تدعني في غمرة، ولا تجعلني من الغافلين".
وقد أكثر الخطباء من الاقتباس من القرآن الكريم الاستشهاد به والاستدلال بالمأثور عن النبي ﷺ يعمدون إلى الحديث؛ فينهلون منه، ويتجهون إلى الآية
стр. 144
الكريمة ويرطبون كلامهم بها؛ فيكون فيها فصل الخطاب وقطع كل جواب واعتراض، وإذا علمت أن كل خطبهم دينية، عملت مقدار قوة الحديث الشّريف والقرآن الكريم في استدلالهم وفصلهم في خصوماتهم، ففيهما فيصل التفرقة بين الحق والباطل، وصحيح الآراء وسيقيمها.
وفوق ذلك الكتاب الكريم والحديث النبوي الشريف؛ فيهما من البلاغة والفصاحة والروعة واللفظ الجزل، والأسلوب الرّائع والمُحكم من المعاني ما علمت؛ فاتجهوا إلى الاقتباس منهما؛ ليَكْسِبُوا كلامَهُم طلاوة، وليُعطوه حلاوة، وليَقتبسوا من القرآن الكريم والحديث الشريف قُوّة في التأثير، ورنينًا في الآذان، ورَهْبَة في القلوب، وجَمالًا في الأنفس، وبهجة في المشاعر.
وقد تعلو الآية القرآنية بالخطبة فتجعلها من الذروة في البيان والقمة من التأثير وبلوغ المقصد من أقصر طريق، وأقرب منيع، ولذا أكثر الخطباء من الاستشهاد بالقرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف حتى صار ذلك عرفًا شائعًا.
وقد قلّ السّجْعُ في ذلك العصر؛ لأنّ النّفس العَربية الأمية كانت تميل إلى عدم التكلف والصنعة، وزاد الخطباء ابتعادًا عن السجع نهي النبي ﷺ عن سجع الكهان.
أما من حيثُ الطّول والقِصر في الخُطبة: فأكثر الخطب المروية في هذا العصر قصير لا طويل؛ فيه الإيجاز أظهر من الإطناب، ولعل هذا الموجز جزء من خطبة طويلة حفظ هذا الجزء، وتُبَعْثِر الباقي في الأسماع، أو لعل المُوجز من الخُطب هو الذي استَطَاعَ أن يحفظه الراوي لسهولة حفظه وجودته أكثر من سواه؛ لأنّ رِوايَة الخَطيب في هذا العصر كسابقه، كان المُعَوّل فيها على الرواية السّماعية لا على الكِتابة، إذ لم تكن الكتابة قد انتشرت، ولأنّ الخُطَباء لم يعمدوا إلى كتابة خطبهم. ولم يعمد الناس إلى كتابتها لعدم اعتاديهم ذلك.
стр. 145
ومع هذا ففي المروي خطب طويلة، كخطبة حجة الوادع المنسوبة إلى النبي ﷺ وككثير من خطب الإمام علي ﵁ وكبَعض خُطب الشّهيد المَقتول ﵁ عثمان بن عفان ﵁ وكخطب الفاروق عمر ﵁ وكل هذا يثبت أن الخطب كانت في ذلك العصر فيها القصير وفيها الطويل، وقد كانوا يضعون الأمور في موضعها؛ فلا يُطيلون في غير موضع الطول، ولا يجوزون في غير موضع الإيجاز.
وهم في الحقيقة أميل إلى الإيجاز أخذًا بأهداب الدين وتَمسُّكًا بأوامره، ولا يطيلون إلا عندما تطرهم الحاجة إلى الإطالة، ويحمله الموضوع والمقام على الإطناب فيطنبون غير مختالين، لأنهم كانوا يخشون أن يكون التطويل من باب احتياز المجالس، والتشادق والتفيهق والثرثرة المنهي عنها؛ ولأنّ الإنسان كلما كثر لغطه كثر سقطه، ويخافون السقط؛ لأنهم من ذوي القلوب النيرة والنفوس المطمئنة.
يُروى أن عمار بن ياسر تكلم يومًا فأوجز؛ فقيل له: لو زدتنا؟ فقال: ((أمرنا رسول الله ﷺ بإطالة الصلاة وقصر الخُطبة)). وورد في وصية أبي بكر ليزيد بن أبي سفيان حين وجهه لبعث الشام قال: إذا وعظت جندك فأوجز؛ فإن كثير الكلام ينسي بعضه بعضًا.
خطبة الرسول ﷺ في حجة الوداع، ونماذج أخرى
والآن وقد عرفنا عوامل رقي الخطابة وازدهارها في صدر الإسلام، إليكم خطبة الرسول ﷺ في حجة الوداع: قال ابن إسحاق، وهو يسرد حجة النبي ﷺ : "ثم مضى رسول الله ﷺ على حَجّه، فأرى الناس مناسكهم، وأعلمهم سنن حجهم، وخطب الناس خطبته التي بين فيها ما بين فحَمِد الله وأثنى عليه، ثم
следующие страницы →