← Общие книги

Общие книги · id 31513

الخطابة - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (309 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

كانت إما إفهام السنن والأحكام والشرائع، وإما الحث على الجهاد، وإما المشاورة وإبداء الرأي والنصيحة للإمام. وكل هذا يقتضي الوضوح والسهولة. وكان بمقتضى تعاليم الإسلام، أبعد الناس عن الإغراب والتوعر، والتفيهق والتشدق؛ فقد قال النبي ﷺ : ((أبغضكم إليّ الثرثارون المُتفيهقون)) لذلك كان المسلمون يَمِيلُون إلى التكلف في خطبهم بكلام يشبه الكلام العادي في سهولته، وعدم تكلفه لولا انسجام في التعبير، ولولا التحميد والبسملة والثناء على النبي ﷺ وغير ذلك من الأمور التي اختصت به الخطبة في الإسلام. أما معاني الخطابة في الإسلام: فإنّ المَعاني الخطابية سلكت مسلكًا يتفق مع الحياة الإسلامية في مظاهرها التي سبق بيانُها؛ إذ أنّ تلك الحياة هي التي وجَهّت الخطاب وجهتها، وهي التي استوحت الخطابة منها معانيها، وقد كانت المعاني دينية، فخطبهم في الحروب دعوة إلى مرضاة الله وإعلاء لكلمته ورفع لدينه، ونشر لدعوته. وخطبهم في الشورى صورة لفهمهم الدين كلٌ يدلي بالرأي، ويربط دعواه بالمبادئ الدينية. وخطبهم في الاجتماع والألفة أدلتهم فيها القرآن الكريم والسنة النبوية، والمبادئ الإسلامية المعروفة من الدين بالضرورة، وهكذا كل أغراضهم الخطابية الدين فيها قطب الرحى، وعليه يدور كلامهم وفيه يختلفون به يتفقون، وذلك لأنّ الدين قد تغلل في كل مظاهر حياتهم، وكان هو المسيطر على ضمائرهم، والقانون الخلقي الذي إليه يحتكمون، والشرع الذي على مقتضاه يسيرون؛ ولأنّ كِتَاب الله وسنة رسوله ﷺ كانا ينبوع المعرفة، الذي إليه يريدون وعنه يصدرون. فلم يكن لهم علم إلا علم الكتاب، ولا معرفة إلا من سنة الرسول ﵇ فلا عجب إذا صارت معالم الخطابة كلها دينية خالصة.

стр. 142

وقد كان الخطباء يسلكون في الاستدلال الخطابي الطريق المنطقي، والطريق الوجداني، وذلك لتأثرهم طريق القرآن الكريم في الاستدلال، وأخذهم من معانيه، ونيلهم من هديه؛ إذ كان المثال الذي يحتذونه والمنار الذي يهتدون به. واقرأ خطبة أبي بكر الصديق ﵁ في ثقيفة بني ساعدة ترى فيها الدّليل المَنْطقي قد التقى مع الدليل الوجداني، وأحكمت الأواصر بينهما من غير أن يطغى أحدهما على الآخر، واقرأ خطب الفاروق عمر ﵁ في شوراه، وخطب من يوافقونه، أو يردون عليه ترى الحقائق المنطقية قد صيغت في قالب دِيني يُثير الوجدان، ويوقد العاطفة، ويلهب الحمية، وهكذا في كل أغراضهم البيانية؛ لأنّ حماسة الدين تجتمع مع الحقيقة فتمُدّها بِحَرارة الإيمان ويقظة الوجدان، وقوة الإحساس. وكانَتْ المَعَاني لما سبق قوية التأثير فيمن يُخاطبون؛ إذا توفرت فيها شروطه وتكاملت أسبابه، وهُما الدِّقّة في الفكر والاستنباط، وإثارة العاطفة وإنهاض العزيمة، وكانت المعاني مسلسلة متصلة الأجزاء محكمة الأواصر، ولم تكن مفككة متناثرة كما كانت في العصر الجاهلي، ولعل السبب في ذلك اجتهادهم في صوغ كلامهم صياغة استدلالية؛ لينتج النتائج التي يريدونها، واتساع معلوماتهم بسبب ذلك الدين الجديد ووحدة الغرض الذي جعلوه هدفًا لكلامهم يصوبنه إليهم لينالوه. وإنك لتضع ذلك الإحكام وهذا التماسك واضحًا في أكثر خطب ذلك العصر، وخصوصًا خُطب الإمام علي ﵁ واقرأ خطبته عندما استشار الفاروق عمر الصحابة في غزوه فارس بنفسه، ترى التماسك بني أجزاء القول وأخذ بعضه بحجز بعض واضحًا كل الوضوح، وعَدَمُ المُبَالَاةِ والإغْرَاق واضح كل الوضوح

стр. 143

في الخطابة الإسلامية، ذلك لأنّ الخُطَباء الإسلاميين من عرب الذين امتازوا بالصراحة والصدق، وهما صفتان تتنافيان مع المبالغة والإغراق. ثم هم قد امتازوا باستقامة الفكر وسلامة النفس، والإغراق ليس إلا مظهرًا للشطط الفكري، ومُجاوزة حد الاعتدال البياني، وهو من نوع التفيهق الذي نهى عنه الدين، ولهذا باعدوه وتجافوا عنه؛ لأنّه لا يتفق مع الهدي القويم، والسُّنن المُستقيمة. أما أُسلوب الخطابة في عصر الإسلام؛ فإن الأسلوب الخطابي في العصر الإسلامي بلغ من الإحكام مبلغًا، سما أن عن أن يحاكيه عصر من عصور اللغة، أو ينهج إليه خطباء أي زمن سابق أو لاحق لذلك العصر، وأول ما يلاحظه القارئ لخُطَب ذلك العصر أنّ الخُطبة صارت مجزئة ومقسمة، كل قِسم يَلحق سَابقه. تبتدأ بمُقَدّمة فيها يحمد الخطيب الله ويثني عليه بما هو أهله، ويصلي على النبي ﷺ ثم يهجم على الموضوع فيقدم ما يراه دليلًا لدعواه، وبُرهانًا لما يراه، وبعد أن يتم القول فيه، ويوفي على الغرض يتوجه إلى الله يدعوه أن يوفقه إلى الرّشاد ويُلهمه السداد، ولبعض الخُطَباء صيغة دعاء يَختم بها قوله، قال ابن عبد ربه: كان آخر كلام أبي بكر الذي إذا تكلم به عُرف أنه قد فرغ من خطبته: "اللهم اجعل خير زماني آخره، وخير عملي خواتيمه، وخيرُ أيّامي يوم ألقاك"، وكان آخر كلام عمر الذي إذا تَكَلّم به عُرف أنه فرغ من خطبته: "اللهم لا تدعني في غمرة، ولا تجعلني من الغافلين". وقد أكثر الخطباء من الاقتباس من القرآن الكريم الاستشهاد به والاستدلال بالمأثور عن النبي ﷺ يعمدون إلى الحديث؛ فينهلون منه، ويتجهون إلى الآية

стр. 144

الكريمة ويرطبون كلامهم بها؛ فيكون فيها فصل الخطاب وقطع كل جواب واعتراض، وإذا علمت أن كل خطبهم دينية، عملت مقدار قوة الحديث الشّريف والقرآن الكريم في استدلالهم وفصلهم في خصوماتهم، ففيهما فيصل التفرقة بين الحق والباطل، وصحيح الآراء وسيقيمها. وفوق ذلك الكتاب الكريم والحديث النبوي الشريف؛ فيهما من البلاغة والفصاحة والروعة واللفظ الجزل، والأسلوب الرّائع والمُحكم من المعاني ما علمت؛ فاتجهوا إلى الاقتباس منهما؛ ليَكْسِبُوا كلامَهُم طلاوة، وليُعطوه حلاوة، وليَقتبسوا من القرآن الكريم والحديث الشريف قُوّة في التأثير، ورنينًا في الآذان، ورَهْبَة في القلوب، وجَمالًا في الأنفس، وبهجة في المشاعر. وقد تعلو الآية القرآنية بالخطبة فتجعلها من الذروة في البيان والقمة من التأثير وبلوغ المقصد من أقصر طريق، وأقرب منيع، ولذا أكثر الخطباء من الاستشهاد بالقرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف حتى صار ذلك عرفًا شائعًا. وقد قلّ السّجْعُ في ذلك العصر؛ لأنّ النّفس العَربية الأمية كانت تميل إلى عدم التكلف والصنعة، وزاد الخطباء ابتعادًا عن السجع نهي النبي ﷺ عن سجع الكهان. أما من حيثُ الطّول والقِصر في الخُطبة: فأكثر الخطب المروية في هذا العصر قصير لا طويل؛ فيه الإيجاز أظهر من الإطناب، ولعل هذا الموجز جزء من خطبة طويلة حفظ هذا الجزء، وتُبَعْثِر الباقي في الأسماع، أو لعل المُوجز من الخُطب هو الذي استَطَاعَ أن يحفظه الراوي لسهولة حفظه وجودته أكثر من سواه؛ لأنّ رِوايَة الخَطيب في هذا العصر كسابقه، كان المُعَوّل فيها على الرواية السّماعية لا على الكِتابة، إذ لم تكن الكتابة قد انتشرت، ولأنّ الخُطَباء لم يعمدوا إلى كتابة خطبهم. ولم يعمد الناس إلى كتابتها لعدم اعتاديهم ذلك.

стр. 145

ومع هذا ففي المروي خطب طويلة، كخطبة حجة الوادع المنسوبة إلى النبي ﷺ وككثير من خطب الإمام علي ﵁ وكبَعض خُطب الشّهيد المَقتول ﵁ عثمان بن عفان ﵁ وكخطب الفاروق عمر ﵁ وكل هذا يثبت أن الخطب كانت في ذلك العصر فيها القصير وفيها الطويل، وقد كانوا يضعون الأمور في موضعها؛ فلا يُطيلون في غير موضع الطول، ولا يجوزون في غير موضع الإيجاز. وهم في الحقيقة أميل إلى الإيجاز أخذًا بأهداب الدين وتَمسُّكًا بأوامره، ولا يطيلون إلا عندما تطرهم الحاجة إلى الإطالة، ويحمله الموضوع والمقام على الإطناب فيطنبون غير مختالين، لأنهم كانوا يخشون أن يكون التطويل من باب احتياز المجالس، والتشادق والتفيهق والثرثرة المنهي عنها؛ ولأنّ الإنسان كلما كثر لغطه كثر سقطه، ويخافون السقط؛ لأنهم من ذوي القلوب النيرة والنفوس المطمئنة. يُروى أن عمار بن ياسر تكلم يومًا فأوجز؛ فقيل له: لو زدتنا؟ فقال: ((أمرنا رسول الله ﷺ بإطالة الصلاة وقصر الخُطبة)). وورد في وصية أبي بكر ليزيد بن أبي سفيان حين وجهه لبعث الشام قال: إذا وعظت جندك فأوجز؛ فإن كثير الكلام ينسي بعضه بعضًا. خطبة الرسول ﷺ في حجة الوداع، ونماذج أخرى والآن وقد عرفنا عوامل رقي الخطابة وازدهارها في صدر الإسلام، إليكم خطبة الرسول ﷺ في حجة الوداع: قال ابن إسحاق، وهو يسرد حجة النبي ﷺ : "ثم مضى رسول الله ﷺ على حَجّه، فأرى الناس مناسكهم، وأعلمهم سنن حجهم، وخطب الناس خطبته التي بين فيها ما بين فحَمِد الله وأثنى عليه، ثم

стр. 146

قال: ((أَيّهَا النّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنّي لَا أَدْرِي لَعَلّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا؛ أَيّهَا النّاسُ إنّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلّغْت، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنّ كُلّ رِبًا مَوْضُوعٌ وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللهُ أَنّهُ لَا رِبَا، وَإِنّ رِبَا عَبّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلّهُ وَأَنّ كُلّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيّةِ مَوْضُوعٌ وَإِنّ أَوّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيّةِ. أَمّا بَعْدُ: أَيّهَا النّاسُ، فَإِنّ الشّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ. أَيّهَا النّاسُ ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَي ُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ (التوبة: ٣٧)، ويحرموا ما أحل الله، وَإِنّ الزّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَإِنّ عِدّةَ الشّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ وَرَجَبُ مُضَرَ، الّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمّا بَعْدُ: أَيّهَا النّاسُ، فَإِنّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ وَعَلَيْهِنّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنّ اللهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنّ رِزْقُهُنّ وَكُسْوَتُهُنّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنّهُنّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنّ شَيْئًا، وَإِنّكُمْ إنّمَا أَخَذْتُمُوهُنّ بِأَمَانَةِ اللهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنّ بِكَلِمَاتِ اللهِ، فَاعْقِلُوا أَيّهَا النّاسُ قَوْلِي، فَإِنّي قَدْ بَلّغْت، وَقَدْ تَرَكْت فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيّنًا، كِتَابَ اللهِ وَسُنّةَ

стр. 147

نَبِيّهِ. أَيّهَا النّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلّمُنّ أَنّ كُلّ مُسْلِمٍ أَخٌ الْمُسْلِمِ وَأَنّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ فَلَا يَحِلّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ فَلَا تَظْلِمُنّ أَنَفْسَكُمْ اللهُمّ هَلْ بَلّغْت؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ ﷺ : اللهُمّ اشْهَدْ)). وهكذا وجه ﷺ هذه الخطبة في حجة الوداع، وحرص على افتتاحها بمقدمة وجيزة، "اسمعوا قولي فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد هذا أبدًا بهذا الموقف". ومن شأن هذه المقدمة أن تجمع انتباه الناس ليركزوا حول ما يسمعون من النبي ﷺ . ثم إنه لا يستدعي المؤمنون فحسب، لكنه يستدعي الناس جميعًا "أيها الناس" فما تحويل الخطبة من قواعد إنما يؤسس حياة الإنسان حيثما كان ذلك الإنسان، وتتأكد بذلك عالمية الدين القاضية بالتمسك بآدابه، بقدر ما ترفض استيراد المبادئ من هنا وهناك، من أُنَاسٍ هُم أساسًا مَدْعُوّن مِثْلُنا ليقيموا حياتهم على هذه المبادئ الشاملة الكاملة. ومسك الختام ذلك الإصرار منه ﷺ على أن يستشهدهم على أنفسهم أنه بلغهم رسالة ربهم "ألا هل بلغت" فيجيبون بملء قلوبهم نشهد أنك بلغت، وأديت ونصحت، ﵌. ثم إليكم بعدما سمعتم خطبة النبي ﷺ في حجة الوداع إليكم نماذج من الخطب في عصور الإسلام المختلفة: جاء في (البيان والتبيين) قال أبو الحسن المدائني عن مسلمة بن محارب، وعن أبي بكر الهزلي: "قدم زياد البصرة واليًا لمعاوية بن أبي سفيان، وضَمّ إليه خراسان، وسجستان، والفُسق بالبَصرة كثير فاش ظاهر، قالا: فخطب خطبة بتراء لم يحمد الله فيها. وقال غيرهما: بل قال: "الحمد الله على أفضاله وإحسانه، ونسأله المزيد من نعمة وإكرامه، اللهم كما زدتنا نعما فألهمنا شكرًا. أما بعد؛ فان الجهالة

стр. 148

الجهلاء والضلالة العمياء، والغي الموفي بأهله على النار، ما فيه سفهاؤكم، ويشتمل عليه حلماؤكم من الأمور العظام، ينبت فيها الصغير ولا يتحاشى عنها الكبير، كأنكم لم تقرءوا كتاب الله، ولم تسمعوا ما أعد الله من الثواب الكريم لأهل طاعته؛ والعَذَاب الأليم لأهل معصيته، في الزمن السرمدي الذي لا يزول، أتكونون كمن طرفت عينيه الدنيا، وسَدّت مسامعه الشهوات واختار الفانية على الباقية. ولا تذكرون أنكم أحدثتم في الإسلام الحدث الذي لم تسبقوا إليه، من ترككم الضعيف يقهر ويؤخذ ماله، هذه المواخير المنصوبة والضعيفة المسلوبة في النهار المبصر، والعدد غير قليل، ألم تكن منكم نهاة عن دلج الليل، قربتم القرابة وباعدتم الدين، تعتذرون بغير العذر، وتغضون عن المختلس؛ كل امرئ منكم يذب عن سفيه صنيع من لا يخاف عاقبة، ولا يرجو معادًا ما أنتم بالحُلَمَاء، ولقد اتبعتم السفهاء، فلم يزل بكم ما ترون من قيامكم دونهم، حتى انتهكوا حرم الإسلام ثم أطرقوا وراءكم كنوسًا في مكانس الرّيب، حَرامٌ عليّ الطّعام والشراب حتى أسويها بالأرض هدمًا وإحراقًا. إني رأيت آخر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله، لين في غير ضعف، وشدة في غير عنف، وإنّي أُقْسِم بالله لآخذن الولي بالمولى، والمقيم بالظاعن، والمُقْبِلَ بالمُدبر، والمطيع بالعاصي، والصحيح منكم في نفسه بالسقيم؛ حتى يلقى الرجل منكم أخاه؛ فيقول: انج سعد، فقد هلك سعيد، أو تستقيم قناتكم. إن كذبة المنبر بلقاء مشهورة، فإذا تعلقتم علي بكذبة فقد حلت لكم معصيتي، فإذا سمعتموها مني فاغتمزوها في، واعلموا إن عندي أمثالها من نقب منكم عليه فأنا ضامن لما ذهب منه؛ فإياي ودلج الليل فإني لا أوتى بمدلج إلا سفكت دمه. وقد أجلتكم في ذلك بمقدار ما يأتي الخبر الكُوفة، ويَرْجِع إليكم وإياي ودعوى الجاهلية؛ فاني لا أجد أحدًا دعا بها إلا قطعت لسانه، وقد أحدثتم أحداثًا لم

стр. 149

تكن، وقد أحدثنا لكل ذنب عقوبة؛ فمن غرق قومًا غرقناه ومن حرق قومًا حرقناه، ومن نقب بيتًا نقبنا عن قلبه، ومن نبش قبرًا دفناه حيًّا فيه، فكفوا عني أيديكم وألسنتكم أكفف عنكم يدي ولساني؛ ولا تظهر على أحد منكم ريبة بخلاف ما عليه عامتكم إلا ضربت عنقه. وقد كانت بيني وبين أقوام إحن فجعلت ذلك دبر أذني، وتحت قدمي، فمن كان منكم محسنًا فليزدد إحسانًا، ومن كان منكم مُسيئًا فلينزع من إساءته، إني والله لو علمت أن أحدكم قد قتله السل من بغضي لم اكشف له قناعًا، ولم أهتك له سترًا حتى يبدي لي صفحته. فإذا فعل ذلك لم أناظره فاستأنفوا أموركم، وأعينوا على أنفسكم؛ فرب مبتئس بقدومنا سيسر، ومسرور بقدومنا سييأس. أيها الناس، إنا أصبحنا لكم ساسة وعنكم زاد، نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا، ونذود عنكم بفيء الله الذي خوّلنا؛ فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أحببنا، ولكم علينا العدل فيما ولينا، فاستوجبوا عدلنا وفيئنا بمناصحتكم لنا، واعلموا أني مهما قصرت فلن أُقَصّر عن ثلاث: لست محتجبًا عن طالب حاجة منكم، ولو أتاني طارقًا بليل، ولا حابسًا عطاء ولا رزقًا عن إنائه ولا مجمرًا لكم بعثًا. فادعوا الله بالصلاح لأئمتكم، فإنهم ساستكم المؤدبون لكم وكهفكم الذي إليه تأوون، ومتى يصلحوا تصلحوا، ولا تشربوا قلوبكم بغضهم؛ فيشتد لذلك غيظكم ويطول له حزنكم، ولا تدركوا حاجتكم مع أنه لو استجيب لكم فيهم لكان شرًّا لكم، أسأل الله أن يعين كلًّا على كل، وإذا رأيتموني أنفذ فيكم الأمر فأنفذوه على إذلاله، وايم الله إن لي فيكم لصرعى، فليحذر كل امرئ منكم أن يكون من صرعاي". هذا، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 150

الدرس: ٩ نماذج من خطب الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة والتابعين .

стр. 151

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس التاسع (نماذج من خطب الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة والتابعين) نماذج من خطب الخلفاء الراشدين الأربعة إنّ الحَمْدَ لله، نحْمده ونستَعينه ونستغفره، وأشهد أنّ لا إله الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، أما بعد: ف كان الخلفاء الراشدون الأربعة -أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ﵃ أجمعين- في الذروة من الفصاحة والبلاغة، إذ سرى في نفوسهم بيان القرآن بترغيبه وترهيبه، وبيان الرسول ﷺ بمواعظه وتشريعاته، وتَسَرّب هذا البيانُ إلى أجزاء نفوسهم، وأخذ بمجامع قلوبهم، وكان أبو بكر ﵁ أول من أسلم من الرجال وكان أحب رفيق إلى الرسول ﷺ وألصق أصحابه به، وقد نوه القرآن الكريم بذكره ﵁ قال الله ﵎: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ (الليل: ٥ - ٧). وفي أبي بكر ﵁ قال قال الله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (التوبة: ٤٠)، وفيه ﵁ قال الله ﵎: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (النور: ٢٢). وأبو بَكرٍ ﵁ كان خيرَ مَنْ يُمَثّل المُسلم بأخلاقه وفضائله، وحميته للدين وتأثره بهدي القرآن الكريم، ورسول الله ﷺ تأثرًا استحوذ على كل نفسه؛ فإذا لِسَانُه يتدفق تدفق السيل، بما اسْتَشْعَر من معاني الإسلام وقيمه الروحية، وقد أُثِرَت عنه ﵁ خطب كثيرة تدل دلالة واضحة على شدة شكيمته في الدين، ويقظته وصدق حسه، وأنه حقًّا كان أجدر أصحاب رسول الله ﷺ بخلافته. فمن ذلك أنه لما انتقل الرسول إلى الرفيق الأعلى اضطرب الناس وماجوا وقالوا وقال معهم عمر بن الخطاب ﵃ جميعًا-: إنّ الرسول لم يمت. أقبل أبو بكر ﵁-

стр. 152

فكشف عن وجه النبي ﷺ وعَلِمَ أنّه قد مات، فقَبّله وقال: "بأبي أنت وأمي يا رسول الله، طِبْتَ حَيًّا ومَيِّتًا"، ثم خَرَجَ فبَدر الصّحابة بخطبته المشهورة التي قال فيها: "من كان يعبد محمدًّا؛ فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت. ثم أخذ في بيان غلط من كذبوا موته محتجًّا عليهم بقول الله ﵎: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (الزمر: ٣٠). وقوله سبحانه: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ (آل عمران: ١٤٤) وقوله سبحانه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (آل عمران: ١٨٥) وقوله سبحانه: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَا لِكٌ إِلَّا وَجْهَه ُ﴾ (القصص: ٨٨). فثاب من كذبوا موته ﷺ ، ورضي الله عن أصحابه أجميع- إلى رُشدهم، بعدما سَمِعُوا من أبي بكر ﵁ وكأنّهم لم يسمعوا هذه الآيات قبل هذه الساعة. ولم يَلْبَث ﵁ أنْ عَرَف أنّ الأنصار قد اجتمعوا إلى سعد بن عبادة في ثقيفة بني ساعدة، يقولون: منا أمير ومن قريش أمير. فراعه ذلك وخشي على الأمة من الفرقة والطمع في الملك، فبادر إليهم قبل أن يستفحل الشر، وتبعه عمر وأبو عبيدة في نفر من المهاجرين، وهناك خطب في الأنصار، فأقنعهم أن يجتمعوا على رجل من قريش، وكان مما قاله في خطبته، بعد أن سَكت عمر عن الكلام، وكان عمر يريد أن يتكلم لأنه قد زور في نفسه كلامًا يخشى أن لا يبلغه أبو بكر، لكنه سكت لما سكته أبو بكر. ثم حمد الله وأثنى عليه، ثم قال ﵁: "أيها الناس، نحن المُهاجرون أوّلُ الناس إسلامًا، وأكرمهم أحسابًا، وأوسطّهم دارًا، وأحسنُهم وجوهًا، وأكثر الناس وِلادةً في العرب، وأمسّهم رَحِمًا برسول الله ﷺ ، أسلمنا قبلكم، وقُدِّمنا في

стр. 153

القرآن الكريم عليكم، فقال ﵎: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ (التوبة: ١٠٠). فنحنُ المهاجرون وأنتم الأنصار، إخواننا في الدًين، وشركاؤنا في الفَيْء، وأنصارُنا على العدوّ، آويتم وواسيتم، فجزاكم اللهّ خيرًا، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء، لا تَدِين العرب إلّا لهذا الحيّ من قُرَيش، فلا تنْفسوا على إخوانكم المهاجرين ما منحهم اللهّ من فضله". فلما اتفقوا على بيعته ﵁ قام فخطب في الناس؛ فحَمِدَ الله وأثنى عليه ثم قال: "أيها الناس، إني قد وُلِّيتُ عليكم، ولستُ بخيركم، فإن رأيتُموني على حق فأَعينوني، وإن رأيتُموني على باطل فسدِّدوني، أَطيعوني ما أطعتُ الله فيكم، فإذا عصيتُه لا طاعة لي عليكم، ألاَ إن أقواكم عندي الضَّعيفُ حتى آخذَ الحقَّ له، وأَضعفَكم عندي القوي حتى آخذَ الحق منه. أقول قولي هذا وأَستغفر الله لي ولكم". ولما ارتد مَن ارتد من العرب ومنع بعضهم الزكاة عزم ﵁ على قتالهم وراجعه عمر في ذلك فقال: "والله لو منعوني عناقًا كانوا يوأدونها رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه". وخطب الناس فقال: "أيها الناس، من كان يعبُد محمدًا؛ فإنّ مُحمّدًا قد مات، ومن كان يَعْبُد اللهَ؛ فإنّ الله حيُّ لا يموت، أيها الناس، أن كَثُر أعداؤكم، وقل عددكم، ركب الشيطان منكم هذا المركب، والله ليظهرن الله هذا الدين على الأديان كلها ولو كره المشركون قوله الحق ووعده الصدق: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ (الأنبياء: ١٨)، ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: ٢٤٩).

стр. 154

أيها الناس؛ والله لو أفردت من جمعكم، لجاهدتم في الله حق جهاده؛ حتى أبْلُغ من نفسي عذرًا، أو أقتل مقتلًا. أيها الناس؛ والله لو منعوني عقالًا لجاهدتم عليه، واستعنت بالله إنه خير معين". وإذا أخذنا نقرأ في خطبه ﵁ وجدنا جمهورها وعظًا يستمد مادته من القرآن الكريم وكلام الرسول ﷺ من ذلك قوله في خطبة له: "إنّ الله لا يَقْبَلُ من الأعمال إلّا ما أُريد به وجهه؛ فأريدوا الله بأعمالكم، واعلموا أنّ مَا أخْلَصْتُم لله من أعمالكم فطاعة أتيتموها وحظ ظفرتم به وضرائب أديتموها، وقدمتم من أيامكم الفانية لأخراكم الباقية، اعتبروا يا عباد الله بمن مات منكم، وتفكروا فيمن كان قبلكم؛ أين كانوا أمس؟ وأين هم اليوم؟ أين الجبارون؟ أين الذين بنوا المدائن وحصنوا بالحوائط، وجَعَلُوا فيها الأعاجيب قد تركوها لمن خلفهم، فتلك مَساكنهم خاوية، وهم في ظلمات القبور هل تحس منهم من أحد أو تسمع له ركزًا. ألَا إنّ اللهَ لا شريك له، ليس بنيه وبين أحد من خلقه سببٌ يُعطِيه به خيرًا، ولا يَصْرِفُ عنه سوءًا إلا بطاعته واتباع أمره، واعلموا أنكم عبيد مدينون، وأنّ ما عِنْدَه لا يُدرك إلا بطاعته، أمّا أنّه لا خَيْرَ بِخير بعده النار، ولا شَرّ بِشَرٍّ بعده الجنة". واستن بجانب مثل هذه الموعظة سنة الوصية للجيوش الفاتحة، وهو في وصاياه يصدر عن روح الإسلام السمحة، وتعاليمه السامية في معاملة المسلمين فيمن يغلبون عليهم؛ إذ يطلب إليهم ألا يخونوا ولا يغدروا، ولا يُمثلوا ولا يَقْتُلوا طفلًا صغيرًا ولا شيخًا كبيرًا ولا امرأة، ولا يفسد زرعًا، ولا يستحلُّوا مالًا، ولا يتعرضوا لرُهْبَان النّصارى. وتصور ذلك كله وصيته لجيشِ أسامة بن زيد حين سيره إلى مشارف الشام، وفيها يقول: "يأيّها الناس، قِفُوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عنّي: لا تخونوا ولا

стр. 155

تغلّوا ولا تغدروا ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلًا، ولا شيخًا كبيرًا، ولا امرأة، ولا تقطعوا نخلًا، ولا شجرةً مثمرةً، ولا تذبحوا شاةً ولا بقرةً ولا بعيرًا إلا لمأكل، وسوف تمرون بأقوامٍ قد فرغوا أنفسهم بالصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له". وواضِحٌ فيما تمثلنا من خطابة أبي بكر ﵁ أنه لم يكن يلهج بسجع، إنما كان يلهج بكلام فصيح جزل واضح الدلالة عما في نفسه، وكان يتخير لفظه؛ ورُبّما كان من الأدلة على ذلك ما يُروى من أنّه عرض لرجل معه ثوب؛ فقال له: أتبيعُ الثّوب؟ فأجابه: لا، عافاك الله. فتأذى أبو بكر بما يوهمه ظاهر اللفظ؛ إذا قد يُظَنُّ أنّ النفي مُسَلّط على الدعاء، فقال له: لقد عُلّمتم لو كنتم تعلمون، قل: لا وعافاك الله. وكان من صواب رأيه وصحة فراسته ﵁ اختياره عُمر خليفة من بعده، وكان على شاكلته نَفَاذُ بَصِيرة وصِدْقُ عَزم، وبلاغة لسان؛ كما كان صفي رسول الله ﷺ وقد أعز الله به الإسلام في مكة حين أعلن ولاءه لرسول الله ﷺ وما زال منقطعًا إليه، والرسول يقربه منه ويتخذه موضع مشورته؛ حتى تُوفي وخلفه أبو بكر ﵁ فكان له نعم الظهير والمعين. ولما أسندت إليه مقاليد الخلافة نهض بها في راجحة عقل، حتى إن أحدًا لم يرد عليه رأيًا واحدًا ولا عملًا واحدًا، وما زال يوطئ الأمر بسعة حلم وشدة عزم، مُجندًا الأجناد حتى فُتِحَتْ فارس، وتَمّ فتح الشام، وفتحت مصر وهو على ذلك كله نعم الكالئ والحافظ لرعيته. وكان بيانه في مِقْدَارِ عَقْلِه قوة وسداد، إذ كانَ في مَرتبة رفيعة من البلاغة والفصاحة؛ حتى قالوا: إنه كان يستطيع أن يخرج "الضاد" من أي شدقيه شاء،

стр. 156

فما هو إلا أن يقف بين الناس واعظًا، أو يقوم في الجنود ناصحًا؛ حتى يهدر بكلامه، وحتى تنصاع له القلوب انصياعًا. ومن خطبه ﵁ بعد أن ولي الخلافة، أنه قام في الناس خطيبًا فقال: "إن الله قد ولاني أمركم، وقد علمت أنفع ما بحضرتكم لكم، وإني أسأل الله أن يعينني عليه، وأن يحرسني عنده، كما حرسني عند غيره، وأن يُلهمني العَدْلَ في قَسْمِكُم كالذي أمرني به، وإني امرؤ مسلم وعبد ضعيف إلا ما أعان الله ولن يُغير الذي وليت خلافتكم من خلقي شيئًا إن شاء الله، إنما العظمة لله وليس للعباد منها شيء، فلا يقولن أحد منكم: إنّ عُمَرَ تَغَيّر منذ ولي، أعقل الحق من نفسي، وأتقدم وأُبَيّن لكم أمْرِي؛ فأيُّما رجل كانت له حاجة، أو ظُلم مظلمة، أو عتب علينا في خُلق فليؤذني، فإنما أنا رجل منكم. فعليكم بتقوى الله في سركم وعلانيتكم، وحرماتكم وأعراضكم، وأعطوا الحق من أنفسكم، ولا يحمل بعضكم بعضًا على أن تحاكموا إلي؛ فإنه ليس بيني وبين أحد من الناس هوادة، وأنا حبيبٌ إليّ صلاحُكُم، عزيز عليّ عنتكم، وأنْتُم أناسٌ عامّتكم حضر في بلاد الله، وأهل بلد لا زرع فيه ولا ضرع إلا ما جاء الله به إليه، وإن الله قد وعدكم كرامة كثيرة، وأنا مسئولٌ عن أمانتي، وما أنا فيه، ومُطّلعٌ على ما بحضرتي بنفسي إن شاء الله، لا أكله إلى أحد، ولا أستطيع ما بعد منه إلا بالأمناء وأهل النصح منكم للعامة، ولست أجعل أمانتي إلى أحد سواهم إن شاء الله تعالى". ومن مواعظه ﵁ أنه قال ذات يوم: "إنّ الله -سبحانه وبحمده- قد استوجب عليكم الشكر، واتخذ عليكم الحجج فيما آتاكم من كرامة الآخرة والدنيا من غير مسألة منكم له، ولا رغبة منكم فيه إليه؛ فخَلَقكم ﵎ ولم تكونوا

стр. 157

شيئًا؛ خَلَقَكُم لعِبَادَته، وسَخّر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعًا منه، وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة، وحملكم في البر والبحر ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون. ثم جعل لكم سمعًا وبصرًا. ومن نعم الله عليكم نعم عم بها بني آدم، ومنها نعم اختص بها أهل دينكم؛ ثم صارت تلك النعم خواصها وعوامها في دولتكم وزمانكم وطبقتكم، وليس من تلك النعم نعمة وصلت إلى امرئ خاصة إلّا لو قُسِمَ ما وصل إليه منها بين الناس كلهم، أتعبهم شُكْرُها، وفَدَحهم حَقُّهَا إلا بعون الله مع الإيمان بالله ورسوله. فأنتم مُسْتَخلفون في الأرض، قاهرون لأهلها، قد نصر الله دينكم والله المحمود مع الفتوح العظام في كل بلد؛ فنَسْأَلُ اللهَ الذي لا إله إلا هو الذي أبلانا هذا أن يرزقنا العمل بطاعته، والمسارعة إلى مرضاته". وسار عمر ﵁ في خلافته سيرة أبي بكر ﵁ في تشييع الجيوش بالخطابة محرضًا على الجهاد، حتى ينتشر الدين الحنيف في أقطار الأرض، وهو لا ينتشر إلّا بالقُوّة التي تُعِزّ الحَقّ وتعلي سلطانه، إنّها معركة الإسلام، معركة النفوس المؤمنة التي وعدها الله أن ترث الأرض ومن عليها. وما زال عُمرُ ﵁ يبرز هذه المعاني محاولًا أن يرتفع العرب في جهادهم عن ضعف المخلوق، ويصبحوا قوة من قوات الخالق يقول ﵁ في بعض هذه الخطب: "أين الفقراء المهاجرون عن موعود الله، سيروا في الأرض التي وعدكم الله في الكتاب أن يورثكموها؛ فإنّ اللهَ سُبحانه قال: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (التوبة: ٣٣)، والله مظهر دينه، ومعز ناصره، ومولى أهله مواريث الأمم، أين عباد الله الصالحون. ولما اجتمع الجيش أمّر عليه أول من أجابه حينئذ إلى الجهاد؛ وهو أبو عُبيد ابن مسعود، وقال له: اسمع من أصحاب رسول الله ﷺ وأشركهم في الأمر، ولا

стр. 158

تَجْتَهد مُسرعًا حتى تتبين؛ فإنّها الحرب، والحرب لا يُصلحها إلّا الرّجُل المكيث الذي يَعرف الفُرصة والكف". وتوفي عُمر ﵁ وخلفه عثمان ﵁ وكان يهبط درجة عنه، وعن أبي بكر في الفصاحة والبيان، ويروى أنه ﵁ ارتج عليه يومًا، وقد أراد الخطابة في الناس فقال: "إنّ أبا بكر وعمر كان يعدان لهذا المقام مقالًا، وأنتم إلى إمام عادل، أحوج منكم إلى إمام خطيب". وليس معنى ذلك أن عثمان ﵁ كان يرتج عليه دائمًا؛ فقط كان يخطب أحيانًا فيملأ النّفس بمواعظه، على شاكلة قوله حين بايعه أهل الشورى والناس: "إنّكم في دار قلعة، وفي بقية أعمار، فبادروا آجالكم بخير ما تقدرون عليه، فلقد أوتيتم صبحتم أو مسيتم ألا وإن الدنيا طويت على الغرور؛ فلا تَغُرّنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور، اعتبروا بمن مضى، ثم جدوا ولا تغفلوا؛ فإنه لا يغفل عنكم أين أبناء الدنيا وإخوانها الذين آثروها وعمروها، ومُتّعوا بها طويلًا ألم تلفظهم! ارموا بالدنيا حيث رمى الله بها، واطلبوا الآخرة فإن الله قد ضرب لها مثلًا فقال : ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا * الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ (الكهف: ٤٥، ٤٦). وامْتُحن عثمان ﵁ في آخر أيامه بالثّورة عليه؛ فلم تنحرف نفسه بل ظل صابرًا يتلو القرآن، ويدعو الناس إلى ألا يُحدثوا فتق هذه الفرقة، وهو في أثناء ذلك يعظهم ألا تبطرهم الدُّنيا، وأن يؤثروا ما بقي على ما يفنى؛ فيلزموا الجماعة، ولا يتخاذلوا فيصبحوا أحزابًا. وولي علي ﵁ الخلافة بعد عثمان، والفتنة تموج بالناس وطلحة والزبير وعائشة ﵃ جميعًا- يؤلبون عليه أهل البصرة، ومعاوية يؤلب أهل الشام، فاصطدم

стр. 159

بهم جميعًا، وانتقل إلى الكوفة يجمع الناس ويحاربهم، وانتصر على الثلاثة الأولين؛ ودَخَل مع معاوية في حروب صفين؛ ثم كانت خدعة التحكيم. وخرج عليه فريق من جيشه فاضطر إلى حربه، وهو في كل ذلك يخطب واعظًا حينًا وداعيًا إلى جهاد خصومه حينًا آخر، وكان علي ﵁ خطيبًا مفوهًا لا يُشَقُّ غباره. ومن مواعظه ﵁ قوله: "إنّ الدنيا قد أدبرت وآذنت بوَداع، وإن الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطلاع، وإن المضمار اليوم والسِّباق غدًا. ألا وِإنكم في أيام أمل، ومِن وراثة أجل، فمن أخْلَص في أيام أمله، قبل حُضور أجله، نفعه عملُه، ولم يَضره أملُه؛ ومن قَصر في أيام أمله، قبل حُضور أجله، خَسِر عملُه، وضَره أمله. ألا فاعملوا الله في الرغْبة، كما تَعملون له في الرَّهبة؛ ألا وإني لم أرَ كالجنَة نام طالبها، ولا كالنَار نام هاربها". وطبعي أن تكثر خطب عليه في حروب خصومه؛ فقد ظَلّ نحو أربع سنوات يجاهدهم، ويَخْطُب في أصحابه حاثًّا على الجهاد، ومن قوله في خطبة له بآخرة من أيامه وقد تقاعس بعض جنوده، وأخذ جنود معاوية تغير على أطراف العراق فقد خطب ﵁ فقال: "إنّ الجهاد باب من أبواب الجنة فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله ثوب الذل، وشمله البلاء ولزمه الصغار، وسيم الخسف ومنع النصف؛ ألَا وإني قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلًا ونهارًا وسرًّا وإعلانًا، وقلت لكم: اغزوهم قبل أن يغزوكم فوالله ما غُزي قوم قط في عقر دارهم إلا ذلوا. فتواكلتم وتخاذلتم وثقل عليكم قولي واتخذتموه وراءكم ظهريًّا حتى شنت عليكم الغارات، فيا عجبًا من جد هؤلاء القوم في باطلهم، وفشلكم عن حقكم! حتى صرتم غرضًا يُرمى، وفيئًا ينتهبْ يُغار عليكم ولا تغيرون وتغزون ولا تغزون، قد ملئتم صدري غيظًا وجرّعتموني الموت أنفاسًا، وأفسدتم عليّ رأيي بالعصيان والخذلان".

стр. 160

وقد خلف علي ﵁ خطبًا كثيرة نجد منها أطرافًا في (البيان والتبيين) و (عيون الأخبار) والطبري على أنه ينبغي أن نقف موقفًا الحذر مما يُنسب إلى علي ﵁ من خطب في الكتب المتأخرة، وخاصة (نهج البلاغة) فإن كثرته وضعت عليه وضعًا، وقد تنبه إلى ذلك السابقون فنبهوا منه وحذروا. ومن خطبه ﵁ حين التقى جيشه بجيش معاوية في صفين خطب فقال: "الحمدُ لله الذي لا يُبرم ما نقض، ولا ينقض ما أبرم، لو شاء ما اختلف اثنان من هذه الأمة، ولا من خلقه، ولا تنازع البشر في شيء من أمره؛ ولا جحد المفضول ذا الفضل فضله، وقد ساقتنا وهؤلاء القوم الأقدار حتى لفت بيننا في هذا الموضع، ونحن من ربنا بمرأى ومسمع، ولو شاء لعجل النقمة ولو شاء لكان منه النصر، متى يكذب الله الظالم ويعلم المحق أين مصيره! ولكنه جعل الدنيا دار الأعمال والآخرة دار الجزاء والقرار: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ (النجم: ٣١). ألا إنكم لاقوا العدو غدًا إن شاء الله؛ فاطلبوا الليلة القيام، وأكثروا تلاوة القرآن واسألوا الله الصبر والنصر، والقوهم بالحد والحزم وكونوا صادقين". نماذج من خطب الصحابة والتابعين ومن خطبة عبد الله بن عباس ﵄ ينهى الحسين بن علي عن الخروج إلى العراق، قال ابن عباس ﵄ للحُسين: "يا ابن عم، إنّي أتصبر ولا أصبر، وإني أتخوف عليك من هذا الوجه الهلاك والاستئصال، إن أهل العراق قوم غدر، فلا تقربنهم أقم بهذا البلد فإنك سيد أهل الحجاز، فإن كان أهل العراق يريدونك كما زعموا فاكتب إليهم، فلينفوا عدوهم ثم أقدم عليهم. فإن أبيت إلّا أن تخرج فسر إلى اليمن؛ فإن بها حصونًا وشعابًا، وهي أرض عريضة طويلة، ولأبيك بها

стр. 161

شيعة، وأنت عن الناس في عزلة فتكتب إلى الناس وتُرسل، وتبث دعاتك، فإني أرجو أن يأتيك عند ذلك الذي تحب فى عافية". ومن خطبة ال ح سين ﵁ وقد أحس بغدر أهل العراق قال: "أيها الناس، إنّ رسول الله ﷺ قال: ((من رأى سلطانًا جائرًا مُستحلًّا لحُرم الله، ناكثًا لعهد الله، مُخالفًا لسُنّة رسول الله ﷺ يَعْمَلُ في عباد الله بالإثم والعدوان؛ فلم يغير عليه بفعل ولا قول كان حقًّا على الله أن يدخله مدخله)). ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود واستأثروا بالفيء وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله، وأنا أحق من غير وقد أتتني كتبكم؛ وقدمت على رسلكم ببيعتكم، أنكم لا تسلموني ولا تخذلوني؛ فإن تممتم علي بيعتكم تصيبوا رشدكم. وأنا الحسين بن علي، وابن فاطمة بنت رسول الله ﷺ نفسي مع أنفسكم، وأهلي مع أهليكم؛ فلكم في أسوة. وإن لم تفعلوا ونقضتم عهدكم وخلعتم بيعتي من أعناقكم؛ فلعمري ما هي لكم بنُكر لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمي، والمغرور من اغتر بِكم فحَظّكم أخطأتم ونصيبكم ضيعتم، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه وسيغني الله عنكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته". ومن خطبة المُسيب بن نجبة الفزاري يُعلن التوبة عن التقصير في نصرة الحسين، حَمِد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ﷺ ثم قال: "أما بعد؛ فإنّا قد ابْتُلينا بطول العُمر، والتعرض لأنواع الفتن، فنرغب إلى رَبّنا ألا يجعلنا ممن يقول له غدًا: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ (فاطر: ٣٧). فإنّ أمير المؤمنين قال: العمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة، وليس فينا رجل إلا وقد بلغه، وقد كنا مغرمين بتزكية أنفسنا، وتقريظ شيعتنا حتى بلا الله

стр. 162

أخيارنا؛ فوجدنا كاذبين في موطنين من مواطن ابن بنت النبي ﷺ وقد بلغتنا قبل ذلك كتبه. وقدمت علينا رسله، وأعذر إلينا يسألنا نصره؛ عودًا وبدءًا وعلانية وسرًّا. فبخلنا عنه بأنْفُسنا؛ حتى قُتل إلى جانبنا، لا نَحْنُ نصرناه بأيدينا، ولا جادلنا عنه بألسنتنا، ولا قَوّيناه بأموالنا، ولا طلبنا له النصرة إلى عشائرنا فما عُذْرُنا إلى رَبّنا، وعند لقاء نبينا ﷺ وقد قُتِلَ فينا ولده وحبيبه وذريته ونسله، لا والله لا عذر دون أن تقتلوا قاتله والموالين عليه، أو تقتلوا في طلب ذلك؛ فعسى ربنا أن يرضى عنا عند ذلك وما أنا بعد لقائه بعقوبته بآمن. أيها القوم، ولوا عليكم رجلًا منكم؛ فإنه لا بد لكم من أمير تفزعون إليه، وراية تحفون بها، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم". ومن خطبة لعمر بن عبد العزيز ﵁ خطب ﵁ الناس فقال: "أيها الناس، لا يطولن عليكم الأمد، ولا يبعدن عنكم يوم القيامة؛ فإنّ من وافته منيته فقد قامت قيامته، ولا يستعتب من سيئ، ولا يَزِيدُ في حُسن، ألا لا سلامة لامرئ في خلاف السنة، ولا طاعة لمخلوق في معصية الله، ألا وإنكم تعدون الهارب من ظلم إمامه عاصيًا، ألا وإن أولاهما بالمعصية الإمام الظالم. ألا وإني أعالج أمرًا لا يُعين عليه إلا الله؛ فقد فني عليه الكبير، وكبر عليه الصغير، وأفصح عليه الأعجمي، وهاجر عليه الأعرابي حتى حسبوه دينًا لا يرون الحق غيره؛ ثم قال: إنه لحبيب إليّ أن أوفر أموالكم وأعراضكم إلا بحقها، ولا قوة إلا بالله". ومن خُطبة لقطري بن الفجاءة قال: "أما بعد، فإني أحَذِّركم الدُّنيا، فإنها حُلوة خضِرة، حُفت بالشَّهوات، وراقت بالقليل، لا تَعْدو إذا هي تَنَاهت إلى أمنية أهل الرغْبة فيها والرِّضا عنها أن تكون كما قال الله : ﴿كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ (الكهف: ٤٥). مع أنَّ امرأً لم يكن منها في حَبْرة إلا أعْقبته بعدها عَبْرة،

стр. 163

ولم يَلْق من سَرِّائها بَطْنًا إلا مَنَحته من ضَرَائها ظَهْرًا، ولم تَطُلّه منها دِيمة رَخاء، إلّا هَطلت عليه مُزْنة بَلاء؛ وحَرِيّة إذا أصبحتْ له مُنتصرة أنْ تُمْسي له خاذلة مُتَنَكِّرة، وإنْ جانبٌ منها اعذوذب واحلولى، أمرّ عليه جانب فأوْبى، وإن لَبِس امرؤ من غَضَارتها ورفاهِيتها نِعمًا، أرْهَقَتْه من نوائبها غمًّا. ولم يُمْس امرؤ منها في جَناح أمْن، إلا أصْبح منها على قوادم خَوْف. غرارة عُرُور ما فيها، فانية فانٍ من عليها، لا خيْرَ في شيء من زادها إلاّ التّقوى، مَن أقلّ منها اسَتكثر مما يؤمّنه، ومن استكثر منها استكثر مما يُوبقه. كم واثق بها قد فَجَعَته، وذي طُمأنينة إليها قد صَرَعَته، وكم من مختال بها قد خَدَعَته، وكم ذي أبهة فيها قد صيَرَّته حَقيرًا، وذي نخْوَة فيها قد ردَّته ذليلًا، وذي تاجٍ قد كَبَّتْه لليدين والفم. سُلطانها دُوَل، وعيشها رَنْق، وعذْبُها أجَاج، وحُلْوًها مُرّ وغِذاؤها سِمَام، وأسبابها زحام، وقِطَافها سَلَع. حَيُّها بعَرَض مَوْت، وصَحيحها بعَرَض سُقْم، ومَنيعها بعَرَض اهتضام. مَلِيكها مَسْلوب، وعزيزها مَغْلوب وسَليمها مَنْكوب، وجامعُها مَحْروب، مع أنَ مِن وَرَاء ذلك سَكراتِ الموت وزَفَرَاته، وهَوْل المُطّلع، والوُقوف بين يَدَي الحَكَم العَدْل، ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ (النجم: ٣١). ألستُم في مساكن منْ كان منكم أطولَ أعمارًا، وأوْضَح آثارًا، وأعدَ عديدًا، وأكْثَفَ جُنُودًا، وأعمَد عَتَادًا، وأصول عِمَادًا! تعبدو تُعَبِّدُوها أيِّ تَعَبُّد، وآثروها أيَ إيثار، وظَعنوا عنها بالكُرْه والصَغار! فهل بَلَغكم أنَّ الدُّنيا سَمَحَتْ لهم نَفْسًا بِفِدْية، وأغنَتْ عنهم مما قد أملتهم به! بل أثقلتهم بالفَوَادح، وضعْضَعتهم بالنوائب، وعَفرتهم للمناخر، وأعانَت عليهم رَيْبَ المَنون. وقد رأيتم تنكُّرها لمن دانَ لها وآثرها وأَخْلَد إليها، حتى ظَعَنوا عنها لِفِراق الأبد، إلى آخِر الأمَد. هل زوَدَتهم إلا الشقاء، وأحلتهم إلا الضَّنْك، أو نوَّرَت لهم إلا بالظلمة، وأعْقَبتهم إلا النَّدامة! أفهذه تؤْثِرون، أو على هذه تَحْرصون، أو إليها

стр. 164

تَطْمَئِنّون! والله ﵎: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (هود: ١٥، ١٦). فبئست الدَّار لمن لم يتَهمْها، ولم يكن فيها على وَجَل منها. اعلموا، وأنتم تعلمون، أنكم تاركوها لا بُدَّ، فإنما هي كما نَعَتَ الله : ﴿لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ (الحديد: ٢٠) فاتَّعِظُوا فيها بالذين يبنون بكل رِيعٍ آيةً، وبالذين قالوا: مَنْ أشَدُّ مِنا قوة. واتعظوا بمن رأيتم من إخوانكم كيف حُمِلُوا إلى قُبورهم، فلا يُدْعون رُكْبانًا، وانْزلوا الأجداث فلا يُدْعون ضِيفانًا، وجُعِل لهم من الضريح أكنان، ومن التراب أكفان، ومن الرًّفات جِيران، فهم جيرة لا يُجيبون داعِيًا، ولا يمنعون ضَيمًا. يُزارون ولا يستزارون، حُلماء قد ذَهَبت أضغانهم، وجهلاء قد ماتت أحقادُهم، لا يُخْشى فَجْعهم، ولا يُرْجي دَفْعهم، وهم! كمن لم يكن. كما قال الله تعالى: ﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ (القصص: ٥٨). استبدلوا بظَهْر الأرْض بَطْنًا، وبالسَّعة ضيقًا، وبالآل غُرْبة، وبالنُّور ظُلْمة، فجاءوها حُفاةً عُراةً فرَادى، وظعنوا بأعمالهم إلى الحياة الدائمة، إلى خُلُود الأبد. يقول الله ﵎: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (الأنبياء: ١٠٤). فاحذروا ما حَذّرَكم الله، وانتفعوا بمواعظه، واعتصموا بِحَبْلِهِ، عَصَمنا الله وإياكم بطاعته، ورَزَقنا وإياكم أداء حقه". ومن خُطبة للمأمون في يوم الجمعة أنه قال: "الحمد لله مستخلص الحمد لنفسه، ومستوجبه على خلقه أحمده وأستعينه، أومن به وأتوكل عليه، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله ربه بالهُدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، أوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله وحده، والعمل لما عنده، والتنجز لوعده، والخوف لوعيده؛ فإنه لا

стр. 165

يسلم إلا من اتقاه ورجاه، وعمل له وأرضاه. فاتقوا الله وبادروا آجالكم بأعمالكم، وابتاعوا ما يبقى بما يزول ويفنى، وترحلوا عن الدنيا، فقد جُدّ بكم، واستعدوا للموت فقد أظلكم، وكونوا كقوم صيح فيهم فانتبهوا، وعلموا أن الدنيا ليست لهم بدار فاستبدلوا فانٍ، فإن الله لم يخلقكم عبثًا، ولم يَتْرُككم سُدى، وما بين أحدكم وبين الجنة والنار إلّا المَوْت أنْ يَنْزِلَ به؛ وإنّ غَاية تنقصها اللحظة، وتهدمها الساعة الواحدة، بقصر المدة. وإن غائبًا يحدوه الجديدان الليل والنهار؛ لجَديرٌ بسرعة الأوبة، وإن قادمًا يحل بالفوز أو بالشقوة لمستحق لأفضل العدة. فاتقى عبد ربه، ونصح نفسه، وقدم توبته، وغلب شهوته؛ فإنّ أجله مستور عنه، وأمله خادع له، والشيطان موكل به، يزين له المعصية ليركبها، ويمنيه التوبة ليسوقها؛ حتى تهجم عليه منيته، أغفل ما يكون عنها. فيا لها حسرة على كل ذي غفلة، أن يكون عمره عليه حجة، أو تؤديه منيته إلى شقوة. نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم لا تبطره نعمة، ولا تقصر به عن طاعة ربه غفلة، ولا يحصل به بعد الموت فزعة، إنه سميع الدعاء، بيده الخير وهو على كل شيء قدير". ومن خُطبة للمأمون في عيد الأضحى قال بعد افتتح خطبته بالتكبير: "إن يومكم هذا يوم أبان الله فضله، وأوجب تشريفه، وعظم حرمته، ووفق له من خلقه صفوته، وابتلى فيه خليله. وفدى فيه بالذبح العظيم نبيه، وجعله خاتم الأيام المعلومات من العشر، ومقدم الأيام المعدودات من النفر، يوم حرام، من أيام عظام، في شهر حرام، يوم الحج الأكبر، يوم دعا الله فيه إلى مشهده، ونزل القرآن العظيم بتعظيمه، قال الله : ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (الحج: ٢٧). فتقربوا إلى الله في هذا اليوم

стр. 166

بذبائحكم، وعظموا شعائر الله، واجعلوها من طيب أموالكم، ومن تقوى قلوبكم، فإن الله ﵎ قال: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ (الحج: ٣٧). الله الله، فوالله إنه الجد لا اللعب، والحق لا الكذب، وما هو إلا الموت والبعث والميزان والحساب والصراط والقصاص والثواب والعقاب. فمن نجا يومئذ فقد فاز، ومن هوى يومئذ فقد خاب، الخير كله في الجنة. والشر كله في النار". ومن خطبة للحسن البصري ﵀: خرج الحسن البصري يومًا على أصحابه وهم مجتمعون فقال: "والله لو أن رجلًا مِنْكُم أدرك من أدركت من القرن الأول، ورأى من رأيت من السلف الصالح؛ لأصبحَ مَهْمُومًا، وأمسى مغمومًا، وعلم أن المجد منكم كاللاعب، والمجتهد كالتارك ولو كنت راضيًا عن نفسي لوعظتكم، ولكنّ الله يعلم أني غير راضٍ عنها؛ ولذا أبغضتها وأبغضتكم. أيها الناس، إنّ للناس عبادًا قلوبهم محزونة، وشرورهم مأمونة وأنفسهم عفيفة، صَبّروا الأيام القلائل لما رجوه في الدهور الأطاول، أما الليل فقائمون على أقدامهم، يتضرعون إلى ربهم؛ ويَسْعَونَ في فكاك رقابهم، تجري من الخشية دموعهم، وتخفق من الخوف قلوبهم. وأما النهار فحلماء أتقياء أخفياء يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، تخالهم من الخشية مرضى وما بهم من مرض، ولكنهم اختصوا بذكر النار وأهوالها، لقد كانوا فيما أحل لهم أزهد منكم فيما حرم عليكم، وكانوا أبصر بقلوبهم لدينهم منكم لدنياكم بأبصاركم، ولهم كانوا لحسناتهم أن ترد عليهم أخوف منكم أن تعذبوا على سيئاتكم أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون". وصلى الله وسلم وبارك على نبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 167

الدرس: ١٠ الدرس الديني: شروطه، فوائده، الفرق بينه وبين الخطبة .

стр. 168

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس العاشر (الدرس الديني: شروطه، فوائده، الفرق بينه وبين الخطبة) الدعوة أو التبليغ بالقول، وضوابطه، وآدابه إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد: فتبليغ الدعوة إلى الله تعالى يكون بالقول وبالعمل، وبسيرة الدّاعي التي تجعله قدوة حسنة لغيره؛ فتَجْذِبَهم إلى الإسلام. وسنَتَكَلّمُ -إن شاء الله تعالى- عن الوسيلة الأولى وهي الدعوة بالقول أو التبليغ بالقول. القول: هو الأصل في تبليغ الدعوة إلى الله، فالقرآن الكريم وفيه معاني الدعوة إلى الله هو: "قول رب العالمين، نزل به الروح الأمين، على قلب محمد ﷺ ليكون به التبليغ" كما أمره الله أن يقول: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (الأنعام: ١٩) وقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَه﴾ (التوبة: ٦). وكان تبليغ رسول الله ﷺ لرسالة ربه للناس بالقول، قال الله تعالى مخاطبًا رسوله ﷺ وآمرًا له أن يقول للناس: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (يونس: ١٠٨) ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (الأعراف: ١٥٨) وكذلك أمر اللهُ رُسلَه أجمعين بتبليغ أقوامهم رسالة ربهم بالقول المُبين، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْم اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (المؤمنون: ٢٣). فلا يجوز للداعي أن يُغفل مكانة القول في تبليغ الدعوة، ولا أثر الكلمة الطبية في النفوس؛ فالقول إذًا هو الوَسِيلَةُ الأصيلة في إيصال الحقِّ للناس. والقول في مجال التبليغ أنواع؛ منها: الخُطْبَةُ، والدرس، والمحاضرة، والمناظرة، والتحديث أمرًا بمعروف أو نهيًّا عن منكر، والكتابة فإنها أيضًا من القول

стр. 169

باعتبارها أداة من أدوات التبليغ، وتُؤدي ما يؤدي إليه القول بالنسبة لمَن لا يمكن للداعي مشافهتهم. ويَحْسُن قبل أن أخوض في تفصيلات هذه المواقف التعبيرية، أنْ نُبَيّن ما يَجِبُ عَلَى الدّاعِيةِ أنْ يَلتَزِمَ به في قوله سواء كان مدرسًا أو محدثًا، محاضرًا أو خطيبًا، مناقشًا أو واعظًا؛ باعتبارها أساسيات وضوابطَ يجبُ أنْ يتقيّد بها، ويَسير في جميع أقواله عليها. فنقول: من الضوابط العامة التي يجب على الداعية أن يتلزم بها في قوله أن يكون القول واضحًا بينًا، لا غموضَ فيه ولا إبهام، مفهومًا عند السامع؛ لأنّ الغَرَض من الكلام إيصال المعاني المطلوبة إلى مَن يكلمه الداعي؛ فيَجِبُ أنْ يَكون الكلامُ واضحًا غايةَ الوضوح، ولهذا أرسل الله رسله بألسنة أقوامهم؛ حتى يفهموا ما يدعونهم إليه ويستطيعون بيانه إليهم. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (إبراهيم: ٤) وجعل الله تعالى وظيفة الرسل الكرام التبليغ المبين الواضح، لتقوم الحُجّةُ على المُخاطبين، قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (النور: ٥٤) ومِقْيَاسُ الوُضوح ليسَ نَفْسَ الدّاعي وفهمه؛ فقد يكون الكلام واضحًا بالنِّسبة له غامضًا بالنسبة إليهم، وكذلك ليس مقياس وضوح القول بذاته؛ فقد يكون الكلام واضحًا بنفسه، ولكنه غير واضح بالنسبة إليهم. فالمِقْيَاسُ إذًا هو أن يكون الكلام واضحًا عند المدعوين، وهذا هو الذي يشير إليه قوله رب العالمين سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ فالبيان للمدعوين لا للداعي، ولا للكلام بذاته، وفي الحديث عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: "كان كلام رسول الله ﷺ كلاما فصلًا" أي: بينًا ظاهرًا "يفهمه كل مَن يسمعه".

стр. 170

ويجبُ أن يَكونَ الكَلامُ خاليًا من الألفاظ المستحدثة التي تحتمل حقًّا وباطلًا، وخطأً وصوابًا، وعلى الدّاعي أن يَحْرِصَ على استعمال الألفاظ الشرعية المستعملة في القرآن والسُّنة، وعند علماء المسلمين؛ لأنّ هذه الألفاظ تكون مُحَدّدة المعنى، واضحة المفهوم؛ خالية من أي معنى باطل، قد يَعْلق في ذهن المدعو. وقد أشار القرآن الكريم إلى ضرورة هذا النهج في الكلام، فقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ (البقرة: ١٠٤) لأن في كلمة: ﴿رَاعِنَا﴾ في لسان اليهود معنى باطلًا كانوا يقصدونه عند مخاطبتهم رسول الله ﷺ بهذه الكلمة؛ فأمر الله تعالى المسلمين أن يتركوها ويستعملوا مكانها: ﴿انْظُرْنَا﴾ بدلًا من: ﴿رَاعِنَا﴾ حتى لا يتحجج اليهود بهم فيستعملوا كلمة: ﴿رَاعِنَا﴾ يريدون بها الشتيمة والتنقيص. وإذا اضطر الداعي إلى استعمال بعض الألفاظ المُستحدثة؛ فعليه أن يبين مقصوده منها، حتى لا يتبادر إلى الأذهان المَعَاني البَاطِلَةُ التي تحملها هذه الألفاظ، أو التي يفهمها الناس منها. ويجبُ على الداعية أن يكون كلامه باللغة العربية الفصحى؛ لأنها لغة القرآن، وشِعَارُ الإسلام وهذا ما أكده النبي ﷺ فيما رواه ابن كثير عن معاذ بن جبل ﵁: ((ألا إن العربية اللسان، ألا إن العربية اللسان)). فإذا كان الأمر كذلك؛ فعلى الداعية إذا وُجِدَ بينَ قومٍ يُحسنون فهم اللغة العربية، ألا يعدل إلى لغة أخرى، أو لغة عامية محلية؛ لا تَمتُّ إلى العربية الأصلية بصلة ولا نسب. ولكن ماذا يصنع الداعية إذا كان في بيئة لا تعرف التفاهم بالفصحى؟

стр. 171

نقول في جواب هذا السؤال: إذا استطاع الداعية أن يبسط حديثه بشكل يفهمُ النّاسُ عنه فليفعل؛ وإنْ لَم يستطع، قد يجد نفسه مضطرًّا أن يتكلم معهم باللهجة أو باللغة التي يفهمونها؛ فلا بأس، فهذا من باب: ((أُمرت أن خاطب الناس على قدر عقولهم)). وعلى الداعية في قوله أن يتأنَّى في الكلام؛ فلا يُسرع بل يتمهل حتى يستوعبَ السامع كلامه ويفهمَه؛ فقد جاء في الحديث الذي رواه البخاري: ((أنّ النبي ﷺ كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا، حتى تفهم عنه)). وعلى الداعية أن يبتعد عن التفاصح والتعاظم والتكلف في نطقه، فقد جاء في الحديث الشريف عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((هلك المتنطعون)) قالها ثلاثًا. والتنطع في الكلام التفاصح فيه والتعمق. وفي حديث آخر قال ﷺ : ((إن أبغضكم إليَّ وأبعدكم مني يوم القيامة؛ الثرثارون والمتشدقون والمُتَفَيهقون)) والمُتفيهق هو الذي يملئ فمه بالكلام، ويَتوسُّع فيه ويُغَرّب به؛ تكبرًا وارتفاعًا وإظهارًا للفضيلة على غيره. وعلى الدّاعية أن يبتعد عن روح الاستعلاء على المدعو واحتقاره، وتحديه وإظهار فضله عليه، وإنّما عليه أن يكلمه بروح الناصح الشفيق الملخص المتواضع، الذي يَدل غيره على ما ينفعه ويعرفه به، على الداعي أن يُكَلّمه كمبلغ له معاني رسالة الله، لا أن يكلمه كمبلغ له فضله وعلمه. إنّ ملاحظة هذه الأمور ضرورية جدًّا للداعي، وإذا لم يراعها انقطع ما بين قوله وبين قلب المدعو؛ فلا يتأثر بشيء مما يسمع، بل ينفر المدعو ولا يطيق سماع قول الداعي وإن كان حقًّا.

стр. 172

وعلى الداعية أن يتلطف بالقول؛ فيَسْتَعملَ في كلامه وخطابه ما يُثِيرُ رغبة المدعو إلى السماع، ويُقمع فيه نوازع الجهل والنُّفور، وفي القرآن الكريم كثير من الآيات التي تشير إلى هذا التلطف المفيد، قال الله تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ (مريم: ٤١، ٤٢) فذكر إبراهيم ﵇ في خطابه لأبيه رابطة الأبوة التي من شأنها أن تجعل الابن حريصًا على مصلحة الأب، وتجعل الأب جديرًا بأن يُصغي إلى خطاب ابنه. وقال الله تعالى عن هود ﵇: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْم اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (الأعراف: ٦٥) فهود ﵇ خاطبهم بكلمة: ﴿يَا قَوْم﴾ لأنّ هذا الخطاب أدعَى إلى استجابتهم وإلى تحسيسهم بأنّ من يُخاطبهم هو منهم في النسب، وأنّه يُريدُ الخَيرَ لهم. وفي السُّنة النّبوية ما يَدُلّ أيضًا على ما قلناه، وقد ذكر ابن هشام في سيرته: أن النبي ﷺ أتى إلى بطن من بطون كلب في منازلهم، يقال لهم: بنو عبد الله، فدعاهم إلى الله، وعَرَض عليهم نفسه؛ حتى أنه كان يقول لهم: ((يا بني عبد الله إن الله قد أحسن اسم أبيكم)) أي: فأحسنوا الإجابة، واقبلوا الدعوة؛ وآمنوا بالله ورسوله. وعلى هذا؛ يجوز للداعية أن يستثير في خطابه همم المدعوين بما يذكرهم به من طيب أصلهم، وكرم عائلتهم وشرف نسبهم، وأن ذلك لا يتفق وجريهم مع العصاة، وانغماسهم في الرذائل والشهوات، وأنّ اللائق بهم أن يكون مع الأخيار المطيعين لله؛ فهذا ونحوه سائغ -إن شاء الله تعالى- لا نرى فيه شيئًا، على أن لا يُسرف فيه الداعي، وأن يكون قصده منه التشويق والحمل على

стр. 173

الطاعة، لا المُدَاهنة والنِّفاق: ((وإنّما الأعمال بالنيات))، والتلطف في القول لا يعني المداهنة والنفاق، ولا إخفاء الحق أو تحسين الباطل أو الرضا به، وإنما هو تشويق للمدعو لقبول الحق وإعانته على هذا القبول، وليس فيه إخفاء مرض المدعو، فإن الداعي كالطبيب، فكما أن الطبيب لا يخفي على المريض علته وضرورة العلاج له فكذلك الداعي. قال الله تعالى حكايةً عن بعض رسله: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ (هود: ٥٢) وقال تعالى عن صالح ﵇: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ (الشعراء: ١٥٠ - ١٥٢). وعلى الداعية أن يكون مقتصدًا في حديثه، معتدلًا في خُطبه ومواعظه؛ ليكونَ كلامُه دائمًا أوقعَ في نفوس مستمعيه، وأشوقَ إلى قلوبهم وأسماعهم؛ فقد روى الإمام أحمد وأبو داود من حديث حكيم بن حِزام ﵁ قال: ((شهدت مع رسول الله ﷺ الجمعة، فقام متوكئًا على عصا، فكانت كلمات خفيفات مباركات)). ويقول ابن مسعود ﵁ كما جاء في الصحيحين: ((إني أتخولكم بالموعظة -أي: أتعهدكم- كما كان رسول الله ﷺ يتخولنا بها؛ مخافةَ السآمة علينا)). نعم، قد يحتاج الداعية إلى التطوال، وأن يُكثر من الشواهد ويكرر في الأفكار، كأن يُلقي الدّاعِيةُ مُحاضرة ثقافية عامة، أو يكون في بيئة عامية جاهلة؛ فلا بأسَ في التطوال في المحاضرة لتعارف الناس على طولها، ولا بأسَ بالإطناب والتكرار، وكثرة الشواهد في البيئة الجاهلة؛ من أجل تثقيفها وتعليمها، على أن لا يطيل كثيرًا حتى لا ينفر الناس منه وينفضوا عنه.

стр. 174

وخيرٌ للداعية أنْ ينتهي حديثه والناس في شوق إليه، وحرص على أن يزيد في حديثه، وأنْ يُطيل في وقته، هذا خير له من أن يطيل فيملوه ويتمنوا أن ينهي حديثه. وعلى الدّاعية حين يتكلم أن يكون حديثه لمستمعيه بما يتناسب مع عقليتهم وثقافتهم، وما يتفق مع أعمارهم ولهجاتهم؛ لما روى الديلمي عن النبي ﷺ أنه قال: ((أُمرنا معاشر الأنبياء أن نحدث الناس على قدر عقولهم)). وقد يكونُ الدّاعِيةُ غيرَ مُسَدّد حين يكون في بيئة لا يؤمن أهْلُها بكروية الأرض مثلًا، وكم يكون فاشلًا حين يُسَفّه رأي أهلها ويَرْمِهم بالجهل المُطبق والضلال المبين؛ بل عليه في مثل هذه الحالة أن يتحدث فيما هو أهم كقضايا التوحيد ومكارم الأخلاق وأحكام العبادات، ثم بعد هذا يتدرج مع أهلها شيئًا فشيئًا؛ حتى يصل معهم في نهاية الشوط إلى الإقرار بحقائق العلم، وأنها لا تتعارض مع نصوص القرآن الكريم، وكيف يكون التعارض والمنظمُ للكون واحد والمنزل للقرآن واحد وهو الله ؟! من أجل هذا أمر النبي ﷺ أن يكون التحدث للناس بما تتحمله عقولهم؛ حتى لا يكون لبعضهم فتنة، ففي مقدمة (صحيح مسلم) عن ابن مسعود ﵁ قال: ((ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة)). ومن أدب الداعية: أن يُقبل في أحاديث على جلسائه جميعًا في كل شيء؛ في النظرات، في توجيه الأسئلة، في الإجابة عليها، في البشر والابتسامة، حيث يشعر كل واحدٍ منَ الحَاضِرين أنه يعنيه، ويَخُصّه ويقبل عليه. وبهذا الخلق يستطيع أن يَمْلِك قلوبهم، ويتفاعل معهم، ويُعمق آصرة المحبة والثقة بينه وبينهم، ويكون في

стр. 175

الوقت نفسه قد تأسَّى بصاحب الخلق العظيم ﷺ في إقباله بوجه وحديثه على كل مَن يجتمع بهم، ويتحدث إليهم، حتى إن الرجل كان يظن نفسه في المجلس أنه خير القوم. ولذلك قال عمرو بن العاص ﵁: ((إن رسول الله ﷺ كان يُقبل بوجهه وحديثه على شرّ القَوم يتألفه بذلك)). وهذا أدب كريم في الدعاة، عليهم أن يتنبهوا له، ويقوموا على تنفيذه؛ لجذب الناس وتأليفهم وشدهم إلى الإسلام. ومن أدب الداعية في حديثه: مُلاطفة الجُلساء في المجلس، وإدخال السرور عليهم؛ حَتّى لا يشعروا بالسأم، ولا يُداخلهم المَلل، ولا ينتابهم الفتور، وكم يُسَرّ الجُلساء حين يروا داعيتهم إلى الخير لا تفارق الابتسامة ثغه، ولا تجافي الملاطفة حديثه، وكم يتشوقون للحضور والاستماع حين يرونه يمزج الحديث بالطرائف، ويطعم المواعظ بالملائح. روى الإمام الحافظ ابن الجوزي في كتابه (الأذكياء) عن محمد بن معين الغفاري، قال: أتت امرأةٌ عمرَ بن الخطاب ﵁ فقالت: يا أمير المؤمنين، إنّ زوجي يصومُ النهار ويقوم الليل، وأنا أكره أن أشكوه هو يعمل بطاعة الله، فقال لها عمر: "نِعم الزوج زوجك". فجعلت تكرر عليه القول وهو يكرر عليها الجواب، فقال له كعب الأسدي: يا أمير المؤمنين، هذه المرأة تشكو زوجها في مباعدته إياها على الفراش؛ فقال عمر: "كما فهمتَ كلامها، فاقضِ بينهما". فقال كعب: عليّ بزوجها، فأُتي به، فقال له: إن امرأتك هذه تشكوك قال: أفي طعام أو شراب؟ قال: لا، فأنشدت المرأة هذه الأبيات: يا أيها القاضي الحكيم رشده ... ألهَى خليلي عن فراشي مسجده نهاره وليله ما يرقده ... ولست في أمر النساء أحمده زهدني في مضجعه تعبده ... فاقض القضايا كعب لا تردده

стр. 176

فقال زوجها على الفور: زهدتُ في فراشها وفي الحجل ... أني امرؤ أذهلني ما قد نزل في سورة النمل وفي السبع الطول ... وفي كتاب الله تخويف جلل فقال كعب: إن لها عليك حقًّا يا رجل ... تصيبها في أربع لمن عقل قضية من ربنا ... فأعطها ذاك ودَعْ عنك العلل فإن خير القاضيين من عدل ... وقد قضى بالحق جهرًا أو فصل ثم قال: إنّ الله قد أحلّ لك من النساء مثنى وثلاث ورباع؛ فلك ثلاث أيام ولياليهن تعبد فيها ربك، ولها يومٌ وليلة. فقال عمر لكعب: "والله ما أدري من أي أمريك أعجبُ؟ أفَمِن فهمك أمرهما، أم من حكمك بينهما؟! اذهب يا كعب، فقد وُليتك قضاءَ البصرة". فهذه الطُّرفة جَميلة تُدخل الفرح والسرور وترفه عن أحوال الناس والسامعين، تُناسب أن تذكر في حديث الداعية عن النكاح والحقوق الزوجية، وما يكون بين الزوجين. وعلى الداعية في حَدِيثِه أنْ يَتَرَفّع عن الغِلظة في القول والبذاءة في اللسان؛ فإذا كان الإسلامُ حَرّمَ على المُسلم أن يسب مسلمًا أو يحتقره، أو يتطاول عليه بلسانه؛ فالدّاعية هو أولى من غيره في اجتنابه تطاول اللسان، وبَذاءة الكلام، وغلاظة القول؛ لكونه المقتفي أثر النبوة في اللين، والمتأسي بسيرة السلف في الملاطفة، والمتحلي بمكارم الأخلاق في التعامل مع الناس. استمع أيها الخطيب الداعية إلى ما يقوله النبي ﷺ في النهي عن الإيذاء والتحذير من بذاءة اللسان، روى الشيخان عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال:

стр. 177

قال رسول الله ﷺ : ((المسلم مَن سلم المسلمون من لسانه ويده، والمُهَاجِرُ من هَجَر ما نهى الله عنه)). وروى الشيخان أيضًا عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((سِبابُ المُسلم فسوق وقتاله كفر)). وغَني عن التعريف أنّ الفُسوق هُنا ليس المراد به الخروج من الإيمان إلى الكفر؛ وإنّما هو الخروج من الطاعة إلى المعصية، كما أنّ الكُفْرَ المذكور في قوله ﷺ : ((وقتاله كفر)) ليس هو الكفر الأكبر المُخرج من الملة؛ بل هو الكفر الأصغر أو الكفر العملي؛ لأنّ الله ﵎ جعل قاتل المؤمن أخًا لولي المقتول فقال وقد فرض القصاص في القتل العمد، ثم قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ (البقرة: ١٧٨) فجعل ولي المقتول عمدًا أخًا للقاتل ومعناه أنه لم يكفر بقتله. كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الحجرات: ٩، ١٠) فسمى الله تعالى الطائفتين المتقاتلتين مؤمنين، ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ فلم يكفروا بالقتال، وجعلهم أخوة للمؤمنين قال: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ ولو كان الكفر في قوله ﷺ : ((وقتاله كفر)) هو المُخرج من الملة ما صحت هذه التسمية، ولا صحت هذه الأخوة. وإنما قال ﵊: ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)) من باب المبالغة في الزجر عن سب المسلم وقتله. ورَوى مُسْلِمٌ عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه وماله وعرضه)). وروى

стр. 178

الترمذي عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذيء)). فعلى الداعية إذًا حين يجلس في الناس ويتحدث إليهم، ويقوم على إصلاح أحوالهم وأوضاعهم، أن ينظر إلى من حوله بروح الناصح الشفيق، وبعطف الأب المخلص الرحيم؛ فإنْ لم يكن بهذه الأخلاق السمحة الرضية حين يتحدث أو يخطب أو يحاضر أو يدرس؛ فسُرعان ما ينفر الناس منه وينفضون عنه، ولو كان الذي يقوله حقًّا. وهذه النظرة التعاطفية التواضعية من الداعية في الاهتمام بالمدعو، وإرادة الخير له، وبذل أقصى الجهد في إصلاحه وهدايته واستشعاره روح المحبة والرحمة هي نظرة سيد الدعاة -صلوات الله وسلامه عليه- كما حكى لنا القرآن الكريم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (الأحزاب: ٦). أي: هو كما دلت عليه الآية أرأف بهم، وأعطف عليهم، وأحقُّ بهم من أنفسهم في كل شيء من أمور الدين والدنيا. وكما ذكر لنا القرآن في سورة أخرى أنه ﷺ كبير القدر، كريم الأصل، عظيم الشرف، يشق عليه جدًّا أنْ يرى الناس في عنت ومَشَقّة وحَرَج، بل هو الحريص على هداية البشر، بل هو الرءوف الرحيم بالمؤمنين جميعًا، قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (التوبة: ١٢٨). فعلى الداعية أن يتأسى بصاحب الخلق العظيم -صلوات الله وسلامه عليه- في حرصه واهتمامه، ورأفته ورحمته، وتواضعه وتياسره، وليأخذ ما أنزل الله عليه وعلى أمته في تعامل الناس بالرحمة وأخذهم باللين، ومقابلتهم بالعفو، والابتعاد عن كل ما يسوءهم من الكلمات الجارحة، والعبارات القارعة، قال

стр. 179

الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران: ١٥٩). فهذه ضوابط عامة تشمل القول والقائل وهو الداعية في درسه ومحاضرته ومناظرته وفي حديثه في كل مكان. الدرس وشروطه وفوائده والآن نتحدث عن الدرس وشروطه وفوائده: دَرْس الداعية غير درس الأستاذ في المعهد أو المدرسة؛ فالداعية لا تَعنيه مثلًا دروس الجغرافيا والكيمياء والنحو إلى آخر ذلك. وطَريقَةُ الدرس لدى كلٍّ منهما تختلف عن الأخرى، فدرس المدرسة يهتم له المدرس باستيعاب التفاصيل والجزئيات، وإلا عُدّ مُقصرًّا؛ لأن مهمته إفادة دقائق الباب. أما دَرْسُ الدّاعية فيهتم له بالرقائق والقواعد والمعاني العامة؛ فالدرس في الصيام مثلًا يَعْرِضُ له أستاذ المعهد من ناحية الأحكام الفقهية؛ فيتكلم عن تقرير وجوبه، وعلى مَن يَجِبُ وعلى رؤية الهلال، وعدم رؤيته وعلى النية، وما يفطر وما لا يفطر إلى آخر ذلك. أما الداعية فيعرض في درسه عن الصيام من ناحية أنه سر بين العبد وربه، يَسْتَعِينُ به العبد بمراقبة الله تعالى على إتمام صومه، وأثر ذلك في تنبيه مشاعر النفس لها أثرها في ترقية خصائص الإنسان، ويستطرد منه إلى معنى الأمانة في الصيام، وأثرها في ضبط سلوك الفرد وتصرفاته، وفي توثيق روابط المجتمع؛ فإن كلًّا من

стр. 180

السمع والبصر واللسان واليد أمانة، وعلى كل جارحة من هذه صيام معروف، ما هو؟ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: ٣٦). وقال بعض السلف: إذا صمتَ فليصم سمعك وبصرك ولسانُك وجوارحك، ولا تَجْعَل يوم صومك ويوم فطرك سواء. ويتعرض الداعية في حديثه عن الصيام إلى ذكر ما ورد في فضائله وآدابه، وما ينبغي أن يأخذ الصائم نفسه أثناء صيامه. والدرس في صناعة التدريس له عنوان أو ما يسمونه رأس الموضوع، أما درس الداعية فيدور عادةً حول آية كريمة، أو حديث نبوي. ومراعاةً للفارق السابق يجتنب الداعية الأسلوب الفني المختص بحجج الدرس، فلا إعراب ولا نظر للأسلوب التقليدي في التفسير، ولا استيعاب لما تتضمن الآية أو الحديث من أحكام ودقائق المعاني، بل يكون المعنى العام الآية أو للحديث محورًا تتجمع حوله خواطر الداعية المتصلة، ويَكُون هذا المعنى هو الطرف الذي يتناوله الداعية ليبدأ منه الحديث في هُوينة. فإذا ذكر أنه داعٍ إلى الله وأذاب قلبه في معنى الآية أو في الحديث، أحسّ حِكْمَة النّص القُدسي رحيقَ من العلم بين جنبيه، فاختار منه ما يعطيه لمن يستمع إليه في حديثه، وفي الحديث: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرأ ما نوى)). وعلى الداعية أن يراعي في الدرس الربط الدائم بين مادته -أعني: خواطره وعناصره- وبين واقع أحوال الناس وقضاياهم.
следующие страницы →