← Общие книги

Общие книги · id 31513

الخطابة - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (309 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

فقال زوجها على الفور: زهدتُ في فراشها وفي الحجل ... أني امرؤ أذهلني ما قد نزل في سورة النمل وفي السبع الطول ... وفي كتاب الله تخويف جلل فقال كعب: إن لها عليك حقًّا يا رجل ... تصيبها في أربع لمن عقل قضية من ربنا ... فأعطها ذاك ودَعْ عنك العلل فإن خير القاضيين من عدل ... وقد قضى بالحق جهرًا أو فصل ثم قال: إنّ الله قد أحلّ لك من النساء مثنى وثلاث ورباع؛ فلك ثلاث أيام ولياليهن تعبد فيها ربك، ولها يومٌ وليلة. فقال عمر لكعب: "والله ما أدري من أي أمريك أعجبُ؟ أفَمِن فهمك أمرهما، أم من حكمك بينهما؟! اذهب يا كعب، فقد وُليتك قضاءَ البصرة". فهذه الطُّرفة جَميلة تُدخل الفرح والسرور وترفه عن أحوال الناس والسامعين، تُناسب أن تذكر في حديث الداعية عن النكاح والحقوق الزوجية، وما يكون بين الزوجين. وعلى الداعية في حَدِيثِه أنْ يَتَرَفّع عن الغِلظة في القول والبذاءة في اللسان؛ فإذا كان الإسلامُ حَرّمَ على المُسلم أن يسب مسلمًا أو يحتقره، أو يتطاول عليه بلسانه؛ فالدّاعية هو أولى من غيره في اجتنابه تطاول اللسان، وبَذاءة الكلام، وغلاظة القول؛ لكونه المقتفي أثر النبوة في اللين، والمتأسي بسيرة السلف في الملاطفة، والمتحلي بمكارم الأخلاق في التعامل مع الناس. استمع أيها الخطيب الداعية إلى ما يقوله النبي ﷺ في النهي عن الإيذاء والتحذير من بذاءة اللسان، روى الشيخان عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال:

стр. 177

قال رسول الله ﷺ : ((المسلم مَن سلم المسلمون من لسانه ويده، والمُهَاجِرُ من هَجَر ما نهى الله عنه)). وروى الشيخان أيضًا عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((سِبابُ المُسلم فسوق وقتاله كفر)). وغَني عن التعريف أنّ الفُسوق هُنا ليس المراد به الخروج من الإيمان إلى الكفر؛ وإنّما هو الخروج من الطاعة إلى المعصية، كما أنّ الكُفْرَ المذكور في قوله ﷺ : ((وقتاله كفر)) ليس هو الكفر الأكبر المُخرج من الملة؛ بل هو الكفر الأصغر أو الكفر العملي؛ لأنّ الله ﵎ جعل قاتل المؤمن أخًا لولي المقتول فقال وقد فرض القصاص في القتل العمد، ثم قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ (البقرة: ١٧٨) فجعل ولي المقتول عمدًا أخًا للقاتل ومعناه أنه لم يكفر بقتله. كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الحجرات: ٩، ١٠) فسمى الله تعالى الطائفتين المتقاتلتين مؤمنين، ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ فلم يكفروا بالقتال، وجعلهم أخوة للمؤمنين قال: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ ولو كان الكفر في قوله ﷺ : ((وقتاله كفر)) هو المُخرج من الملة ما صحت هذه التسمية، ولا صحت هذه الأخوة. وإنما قال ﵊: ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)) من باب المبالغة في الزجر عن سب المسلم وقتله. ورَوى مُسْلِمٌ عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه وماله وعرضه)). وروى

стр. 178

الترمذي عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذيء)). فعلى الداعية إذًا حين يجلس في الناس ويتحدث إليهم، ويقوم على إصلاح أحوالهم وأوضاعهم، أن ينظر إلى من حوله بروح الناصح الشفيق، وبعطف الأب المخلص الرحيم؛ فإنْ لم يكن بهذه الأخلاق السمحة الرضية حين يتحدث أو يخطب أو يحاضر أو يدرس؛ فسُرعان ما ينفر الناس منه وينفضون عنه، ولو كان الذي يقوله حقًّا. وهذه النظرة التعاطفية التواضعية من الداعية في الاهتمام بالمدعو، وإرادة الخير له، وبذل أقصى الجهد في إصلاحه وهدايته واستشعاره روح المحبة والرحمة هي نظرة سيد الدعاة -صلوات الله وسلامه عليه- كما حكى لنا القرآن الكريم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (الأحزاب: ٦). أي: هو كما دلت عليه الآية أرأف بهم، وأعطف عليهم، وأحقُّ بهم من أنفسهم في كل شيء من أمور الدين والدنيا. وكما ذكر لنا القرآن في سورة أخرى أنه ﷺ كبير القدر، كريم الأصل، عظيم الشرف، يشق عليه جدًّا أنْ يرى الناس في عنت ومَشَقّة وحَرَج، بل هو الحريص على هداية البشر، بل هو الرءوف الرحيم بالمؤمنين جميعًا، قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (التوبة: ١٢٨). فعلى الداعية أن يتأسى بصاحب الخلق العظيم -صلوات الله وسلامه عليه- في حرصه واهتمامه، ورأفته ورحمته، وتواضعه وتياسره، وليأخذ ما أنزل الله عليه وعلى أمته في تعامل الناس بالرحمة وأخذهم باللين، ومقابلتهم بالعفو، والابتعاد عن كل ما يسوءهم من الكلمات الجارحة، والعبارات القارعة، قال

стр. 179

الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران: ١٥٩). فهذه ضوابط عامة تشمل القول والقائل وهو الداعية في درسه ومحاضرته ومناظرته وفي حديثه في كل مكان. الدرس وشروطه وفوائده والآن نتحدث عن الدرس وشروطه وفوائده: دَرْس الداعية غير درس الأستاذ في المعهد أو المدرسة؛ فالداعية لا تَعنيه مثلًا دروس الجغرافيا والكيمياء والنحو إلى آخر ذلك. وطَريقَةُ الدرس لدى كلٍّ منهما تختلف عن الأخرى، فدرس المدرسة يهتم له المدرس باستيعاب التفاصيل والجزئيات، وإلا عُدّ مُقصرًّا؛ لأن مهمته إفادة دقائق الباب. أما دَرْسُ الدّاعية فيهتم له بالرقائق والقواعد والمعاني العامة؛ فالدرس في الصيام مثلًا يَعْرِضُ له أستاذ المعهد من ناحية الأحكام الفقهية؛ فيتكلم عن تقرير وجوبه، وعلى مَن يَجِبُ وعلى رؤية الهلال، وعدم رؤيته وعلى النية، وما يفطر وما لا يفطر إلى آخر ذلك. أما الداعية فيعرض في درسه عن الصيام من ناحية أنه سر بين العبد وربه، يَسْتَعِينُ به العبد بمراقبة الله تعالى على إتمام صومه، وأثر ذلك في تنبيه مشاعر النفس لها أثرها في ترقية خصائص الإنسان، ويستطرد منه إلى معنى الأمانة في الصيام، وأثرها في ضبط سلوك الفرد وتصرفاته، وفي توثيق روابط المجتمع؛ فإن كلًّا من

стр. 180

السمع والبصر واللسان واليد أمانة، وعلى كل جارحة من هذه صيام معروف، ما هو؟ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: ٣٦). وقال بعض السلف: إذا صمتَ فليصم سمعك وبصرك ولسانُك وجوارحك، ولا تَجْعَل يوم صومك ويوم فطرك سواء. ويتعرض الداعية في حديثه عن الصيام إلى ذكر ما ورد في فضائله وآدابه، وما ينبغي أن يأخذ الصائم نفسه أثناء صيامه. والدرس في صناعة التدريس له عنوان أو ما يسمونه رأس الموضوع، أما درس الداعية فيدور عادةً حول آية كريمة، أو حديث نبوي. ومراعاةً للفارق السابق يجتنب الداعية الأسلوب الفني المختص بحجج الدرس، فلا إعراب ولا نظر للأسلوب التقليدي في التفسير، ولا استيعاب لما تتضمن الآية أو الحديث من أحكام ودقائق المعاني، بل يكون المعنى العام الآية أو للحديث محورًا تتجمع حوله خواطر الداعية المتصلة، ويَكُون هذا المعنى هو الطرف الذي يتناوله الداعية ليبدأ منه الحديث في هُوينة. فإذا ذكر أنه داعٍ إلى الله وأذاب قلبه في معنى الآية أو في الحديث، أحسّ حِكْمَة النّص القُدسي رحيقَ من العلم بين جنبيه، فاختار منه ما يعطيه لمن يستمع إليه في حديثه، وفي الحديث: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرأ ما نوى)). وعلى الداعية أن يراعي في الدرس الربط الدائم بين مادته -أعني: خواطره وعناصره- وبين واقع أحوال الناس وقضاياهم.

стр. 181

وعلى الداعية أن يلاحظ في الدرس الدعوي العام الأمور التالية: أولًا: أنْ يَكُونَ تَحْضِيره للآية أو للحديث، أو لتقرير الموضوع أو لمعالجة المشكلة، تحضيرًا مُرَكّزًا ملموسًا؛ حتى يستشعر الحضور أنه فعلًا يرتقون روحًا، ويكتملون سلوكًا، ويزدادون ثقافةً معرفةً، وبهذا يكونون أكثر ملازمة للداعية وأعظم إقبالًا عليه وأقوى تعلقًا به. ثانيًا: أن يعتمد الداعية على الارتجال في إلقاء درسه، ولا بأسَ أن يصحب معه مذكرة تكونُ بجانبه يستعين بها في تسلسل الأفكار وضبط الآيات، واستحضار الشواهد إذا نسي شيئًا أو خانته الذاكرة. ولا شك أن الارتجال هو أدعى لثقة الحضور به ومحبتهم له وتفاعلهم معه، كما أنه من أعظم العوامل في استيعاب الداعية يقظة الحضور، وتقديره مدى الاستفادة منه والانتباه إليه. ثالثًا: أن يَهْتَمّ الداعية في درسه بالدقائق، وإصلاح آفات النفوس، وتقويم انحراف السلوك في كل ما يقرره وما يستنتجه، وما يعالجه؛ لأنّ مُهِمّة الداعية في الدرجة الأولى تهذيبية وتربوية قبل أن تكون ثقافية وتعليمية. رابعًا: أن لا يخوض الداعية كثيرًا في فلسفة التشريع، والتعليلات المنطقية لأحكام هذا الدين؛ لأن أكثر أولئك الذين يحضرون حلقة الدرس هم مَن حضروا عن رغبة واختيار بدافع من إيمانهم، ووحي من فِطرتهم، وبتالي هم على الأغلب ممن صلحت أحوالهم، وآمنوا بالإسلام على أنه نظام حكم، ومنهج حياة؛ فحاجتهم إلى الترقية في السلوك والاستزادة من المعرفة أكثر من حاجتهم إلى الإقناع العقلي والمنطق الفلسفي وأسرار التشريع. خامسًا: والدّرْسُ العَام في ذاته أكثر فائدةً دعوية، وأحسنُ وسيلة تكوينية وتربوية من المحاضرة والخُطبة، والحديثُ المُفَاجئ العادي؛ ذلك لأنه ميسور

стр. 182

متحقق في كل حين، فبِمُجَرّد أنْ يَجْلِسَ الدّاعية في النادي أو المسجد أو الجمعية يتحلق حوله مَن يريد العلم، ويرغب في التوجيه والتربية، وفي الوقت نفسه ينشئ بينه وبين مستمعيه صلاتٍ روحيةً، وروابطَ دعوية؛ وعلاقات أخوية، لقلة العدد وتَكرار الدرس وطواعية الحضور واستيعاب التعارف. وبالتالي يستطيع أن يكيف درسه لما يتفق مع حاجة الموجودين، ويتلاءم مع عقليتهم وثقافتهم، ويُحقق الخير والمصلحة لهم. وأُريد هنا أن أُنَبّه إلى أمر وهو أنّه لا يكفي الداعية أن يكون ذا يقظة تامة في تقرير درسه، وعرض أفكاره، وسرد شواهده، بل عليه أن يتنبه إلى يقظة سامعيه، هل هم مقبلون عليه؟ هل هم متفاعلون معه؟ فإذا عرَف أن اليقظة ضعيفة، والانتباه معدوم، والسأم مُخيم، فعليه أن يثير شعورهم بقصة، أو يذهب سأمهم بطرفة، أو يحرك اهتمامهم بمثل. وإليك هذا النموذج من سيد الدعاة ﷺ : حدّث سلمان الفارسي ﵁ قال: ((كنتُ مع رسول الله ﷺ تحت شجرة، فأخذ منها غصنًا يابسًا فهزه، حتى تحات ورقه -أي: سقط- فقال ﷺ : يا سَلمان، ألا تسألني لِمَ أفعل هذا؟ قلت: لم تفعله يا رسول الله؟ فقال ﷺ : إن المُسْلِمَ إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم صلى الصلوات الخمس، تحاتت خطاياه كما تحات هذا الورق)) ثم قرأ ﷺ قول الله : ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ (هود: ١١٤). بعد هذا الفعل من رسولِ الله ﷺ كانت نفس سلمان أكثر تنبهًا وتَقَبُّلًا، وأعظم حَيوية وانشراحًا بما مازجها من أنوار الآية، وحُسن توجيهها، ومن روعة التمثيل وجمال أدائه.

стр. 183

فعلى الدعاة أن يتأسوا بنبيهم ﷺ في إثارة الاهتمام، وتنبيه يقظة الشعور لدى الحضور؛ حتى لا يدركهم المَلل، ولا تنتابهم الغفلة، ولا تخمد في أعماقهم أحاسيس الشعور. ومما يثير الانتباه لدى السامعين، ويحرك فيهم كوامن اليقظة والاهتمام، تشويقهم إلى أمر مهم قد يجدون فيه عجبًا واستغرابًا بادئ ذي بدئ. وإليك أيها الداعية المدرس هذا النموذج المشوق العجيب: سأل أحد الدعاة سامعيه هذا السؤال: مَن منكم يحب أن يستوطن الجنة وهو في الدنيا؟ فكلهم استغربوا هذا السؤال، وعجبوا منه لعلمهم أن الجنة هي موعد المتقين في الآخرة، فكيف يستوطنها في الدنيا؟! ولما رأى الداعية عجبهم واستغرابهم، انتهزها فرصةً؛ ليوجههم إلى ما يريد؛ فمما قاله لهم: إنْ أرَدْتُم رياض الجنة والتنعم فيها في الدنيا، فعليكم بالتزام مجالس العلم، ثم استشهد بقول النبي ﷺ : ((إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: وما رياض الجنة يا رسول الله؟ قال: مجالس الذكر)). قال عطاء: مجالس الذكر هي حِلق العلم: كيف تتوضأ؟ كيف تصلي؟ كيف تصوم؟ كيف تحج؟ كيف تبيع؟ كيف تشتري؟ كيف تنكح؟ كيف تطلق؟ وقد ينقدح في ذهن الداعية الحصيف وسيلة أخرى من وسائل التشويق في إثارة انتباه السامعين، وتحريك كوامن استشرافهم ويقظتهم؛ فيؤديها خير أداء حين يجد الحاجة الماسة لها، ولفت أنظار السامعين إليها. والذي أخلص إليه بعدما قلته: أنّ الدّاعية لا يصلُ إلى قمة التوفيق وذِروة النجاح في دروسه الخاصة والعامة، إلّا أن يأخذ بأصول التدريس الدعوي، ومبادئ

стр. 184

الأسلوب التبليغي، إن أراد أن يكون له في الأمة أثر، وفي مجال الإصلاح تغيير، وفي إعداد الدعاة قدوة؛ فاحرص أخي الداعية المدرس على أن تسير على نهجها، وتأخذ بأحسنها، والله يتولى العاملين المخلصين؛ جعلنا الله ﵎ وإياكم جميعًا من العاملين المخلصين. الفرق بين الخطبة والدرس وأخيرًا ما الفرق بين الخطبة والدرس؟ والجواب: أنّ الحقيقة أن الدرس أصعب بكثير من الخُطبة، وذلك لأنّ الخُطبة منحصرة في موضوع واحد لا تتعداه، أو المفروض أن تكون الخطبة هكذا؛ وأدلة الخُطْبَةُ تُجمع وتُرتب وتنظم، وتُخْتَار بما يتناسب مع الخطبة، وما يؤيد وجهة النظر المرادة، ولا تتعدى الموضوع. أما الدرس فقد يتعدى موضوعه، فيستطرد المدرس بسبب ما يوجه إليه من أسئلة من هنا ومن هناك، حتى ينجح الدرس ويؤتي ثماره المرجوة. فلابد أن يكون المدرس قديرًا على إدارة الكلام، وتركيز الأدلة، وإيضاح المعنى بوسائل الإيضاح المختلفة. ثانيًا: فائدة الدرس للمستمع أكثر من فائدة الخطبة؛ حيث يستطيع مَن حضر الدرس أن يسأل المدرس ويستفسر عن كل ما يجول في خاطره، وبذلك تكون فائدة الدرس أعمق وأدق. ثالثًا: قد يَضّطر الناس لسماع خطبة الجمعة مرغمين، وهم غير راضين عن الخطيب، حيث حتمت عليهم فرضية الجمعة أن يصلوها ويستمعوا إلى هذا الخطيب،

стр. 185

أما الدرس فلا يُقبل عليه إلا الراغب فيه المتيقن من فائدته، وإن كنتُ أنصح عامة المسلمين بضرورة الاهتمام باختيار الخطباء الذين يستمعون إليهم في يوم الجمعة، ويُصلون معهم؛ فإنّ خُطبة الجمعة هي الوجبة الغذائية الدسمة التي يأخذونها كل أسبوع، فلا يليق بمسلم أن يغفل الاهتمام باختيار خطيبه الذي يستمع إليه في يوم الجمعة، ويصلي في أقرب مسجد له أو في أقرب زاوية لمجرد أن يؤدي الجمعة ويسقط الفريضة. فإن الخطبة لها مكانتها في الإسلام، حتى إن الله سماها ذكرًا، وأمر بالسعي إليها، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (الجمعة: ٩) والذكر هو الخطبة، كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: ((إذا كان يوم الجمعة قامت الملائكة على أبواب المسجد -أو المساجد- يكتبون الداخل الأول فالأول؛ حتى إذا خرج الخطيب طوت الملائكة صحفها، وجلسوا يستمعون الذكر)) أي: الخطبة. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 186

الدرس: ١١ المحاضرة والمناظرة، وآدابهما في الإسلام .

стр. 187

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الحادي عشر (المحاضرة والمناظرة، وآدابهما في الإسلام) كيف يحضر المحاضر محاضرته ؟ إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد: فإن نتحدث عن المحاضرة والمناظرة. محاضرة أستاذ الدعوة غير محاضرة أستاذ الجامعة؛ من حيث إن الداعية لا تعنيه محاضرات الفلك والطب والاقتصاد ونحوها، وأستاذ الدعوة كأستاذ الجامعة لا بد له من الرجوع إلى المصادر العلمية؛ لجمع ما تفرق فيها من مادة موضوعه، لكنهما يفترقان بأن أستاذ الجامعة يهتم بالجزئيات والتفاصيل، أما الداعية فبعد الإحاطة بمادة الموضوع يكتفي بالقواعد والأحكام العامة؛ حرصًا على انتباه سامعيه واستمرار نشاطهم، ومن هنا قد ينتهي أستاذ الدعوة من موضوعه في محاضرة واحدة، وأستاذ الجامعة يحتاج للانتهاء منه إلى عدة محاضرات. يبتعد محاضر الدعوة عن الصبغة المدنية البحتة، كما يبتعد عن الأسلوب الأكاديمي، فلن يحمد له الناس أنه مدني الأسلوب، بل إنه يفجؤهم بغير ما يتوقعون وبغير ما يريدون، إلى أن ذلك يعتبر إخفاقًا له في مهمته، إذ هو داعية إلى الله عن طريق العلم، فإذا خلا أسلوبه من لون الدعوة فقد خرج من زمرة الدعاة، دون أن يلحقه ذلك بزمرة الجامعيين أو سواهم. فعلى أستاذ الدعوة أن يذكر دائمًا أنه يأمر بمعروف وينهى عن منكر، ومَن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فقد قام بما أوجب الله ﵎ عليه ورسوله ﷺ . والأمر بالمعروف هو في الحقيقة تعريف بالإسلام في شتى موضوعاته، والنهي عن المنكر هو نقد لبِق لسير المجتمع وعيوبه، وذلك كفيل بتحقيق الصبغة الربانية لمحاضرة الداعية ما دام يلتزم استمداد الكتاب والسنة، مشيرًا إلى وفائهما وغزارة وعمق حكمة الله فيهما، إلى أن ذلك يكفل له دوام انتباه السامع؛ لأنه سيكون معه دائم التنقل بين مثالية العلم ولمحات النقد لسير المجتمع، أو لخطئه في

стр. 188

التطبيق، ويتحقق له بذلك كله اقتناع السامع تلقائيًّا دون إملاء بسداد ما شرع الله، وتلك هي غاية غايات الداعية. والمحاضرة بالنسبة للداعية تفترق عن درسه في أن لموضوعها عنوانًا يدل عليه، والدرس موضوعه عادةً آية كريمة أو حديث نبوي، ذلك إلى أن الخط العلمي في المحاضرة أبين منه في الدرس، فإن المحاضر إذ يعود من شتى المصادر يجد نفسه مكلفًا بتصفية ما حصَّل من معلومات، وجمع ما استخلصه من قواعدَ وأحكام عامة، ثم يرتبه في نسق يربط المقدمات بالنتائج، ويؤلف من الأشباه والنظائر باقة منسقة المنطق. وقد يكون موضوعه اجتماعيًّا أو اقتصاديًّا أو سياسيًّا، كما قد يكون من شئون المعتقدات والعبادة، فيلتزم فيه هذا الخط العلمي الذي تنتظم فيه عناصر البحث وأحكامه العامة في منطق تتكامل فيه وحدة الموضوع. أما الدرس فالعناية به تتركز حول تجميع الخواطر على محور معنى الآية أو الحديث، واستدعاء الآيات والأحاديث ذات الصلة بهذا المحور، مع الإشارة إلى نماذج للسلوك الشعبي التي تتصل سلبًا أو إيجابًا بلب الدرس، ومن ثم يكون لكل من الدرس والمحاضرة طابعه كما أن لكل منهما مقامه. كيف يعد المحاضر محاضرته: على مَن أراد إلقاء المحاضرة أن يختار موضوعها من صميم ما تجري به الحياة، وهذا يقتضي الداعية أن يكون متصلًا بهذه الدنيا، منفعلًا بما يجري فيها من خير وشر، وحلو ومر، ومعروف ومنكر، فما كان من صالح رضي به وحمد الله عليه، وما كان من فاسد قام له وأخذ في علاجه وتغييره بوسائله الحكيمة، وموعظته الحسنة. ومعنى هذا: أن الداعية يختار موضوعه مما يعرض

стр. 189

له من قضايا الحياة، أو مما تمليه الحياة عليه، ومثل هذه الموضوعات يجعله أقرب إلى قلوب الناس، وأملك لزمام انتباههم وعواطفهم، فلا يجعل الموضوع يعرض نفسه عليه فيهرب منه، أو يقعد عن الاستجابة له، فالحياة في هذه الحال هي التي تختار له واختيارها أصدق اختيار؛ لأنه إلهام الله وصوت القضاء، وصدى ما جرى به القلم في أم الكتاب، ولأمر ما نزل القرآن الكريم منجمًا على حسب الحوادث ومقتضيات الأحوال. وطبيعي أن الموضوعات التي يوحيها محيط الزراع غير التي يوحيها محيط الطبقات المظلومة من العمال، وللطلاب آلام وآمال، تلهم موضوعات غير التي تجري في المحيطين السابقين، وللصغار الموظفين مشكلات وأزمات نفسية ومالية لا يتبينها إلا من يصغي إلى شكواهم، ويقف على أحوالهم، وفي علاقات الناس بعضهم ببعض، وفي المعاملات التي يلقاها بعض الطوائف من بعض، وفي طبيعة السلوك الاجتماعي الذي تجري عليه حياة بعض الطوائف أو الطبقات، وفي اختلال الموازين التي يزن بها الناس خلق الرجل وشخصيته ونجاحه، وفي نظام الدواوين والتعليم والمحيط التجاري والإداري والسياسي؛ في هذا وفي غيره موضوعاتٌ الداعية في غِنًى عن بيانها؛ لأنها شاخصة مستعلنة تفرض نفسها وحوادثها على المحاضر. ثانيًا: يجب أن يكون الموضوع مدروسًا دراسة وافية مستفيضة، محللًا إلى عناصر بارزة، وخطوات واضحة، مرتبة ترتيبًا طبيعيًّا ينتقل بالسامع من حلقة إلى حلقة، ويفضي في النهاية إلى خاتمة يحسن السكوت عليها، فإذا كنت أيها الداعية المحاضِر تريد التحدث إلى طائفة من الشباب المثقف -مثلًا- عن مقومات الإنسان الفاضل، الذي ينشدونه وينشده معه المسلمون، كان من السهل عليك أن

стр. 190

تفترض في هذا الإنسان وجوب وجود عنصر علوي باطن يمده بأسباب العزة، وكرائم القيم والمبادئ، أما الذليل التافه فليس لنا به حاجة، ثم يجب أن يكون لهذا الإنسان رسالة في الحياة يعمل جاهدًا لتحقيقها، أما الرجل الذي يعيش بلا غاية معينة ولا مبدأ معروف فهو من السوائم الهمل. وأخيرًا لا بد له بعد العزة والرسالة من العلم؛ ليكون من أمره على هدى وبصيرة، ومن لا علم له لا بصيرة له، فدعائم البناء إذًا عزة ورسالة وعلم، فإذا أوضحتَ ذلك أقنعت سامعيك بما تريد، أما الكلام المرسل بغير نظام فخيره غير متحقق. ثالثًا: عليك أن تستحضر لكل عنصر ما يؤكده ويوضحه مِن كتاب الله وسيرة رسوله ﷺ قولًا وعملًا، أو سيرة صحابته، أو عَبْر التاريخ، أو حوادث مما تسمع وتقرأ وتشاهد على نحو ما ذكرناك به. فإذا كنت بصدد شرح العزة في الموضوع السابق -مثلًا- وجدت طبيعة العنصر تلهمك أن العزة معناها ألا يذل المرء لمخلوق مثله، وهو يذل في هذه الحياة لغرض من اثنين: ليدرك منفعة شخصية أو ليدفع ما قد يؤذيه في رزقه أو نفسه، وحينئذٍ يزدحم حولك نصوص كثيرة من كتاب الله تعالى وأحاديث الرسول ﷺ تؤكد لسامعك أن الإسلام يغرس العزة في نفس المسلم، ويذهب بأصولها إلى أبعد الأعما. فهو من ناحية ابتغاء المنافع والخوف على الأرزاق قد علم أن رزقه في السماء، وما كان في السماء فهو مضمون مصون، بعيدٌ عن أن تتطاول إليه يد عابث من أهل الأرض، ويعلم كذلك أن الله قد فرغ من قسمة الأرزاق بين الناس قبل أن يخلقهم، وقد جفت الأقلام وطويت الصحف على ذلك، فليس للحوادث بعده أن تجري على خلافه.

стр. 191

والقرآن والسنة حافلان بما يشبع رغبتك في هذا الباب، ولا بد من الحملة طبعًا على أولئك الذين يذلون أنفسهم ويبذلون أخلاقهم وأعراضهم؛ زعمًا أن ذلك هو سبيلهم إلى ما يصبون إليه من جلب المنافع أو درء المفاسد. وما أحراك أن تفرد حملة خاصة على أولئك الذين يتعبدون بالمثل السائر: إن كان لك عند الكلب حاجة قل له: يا سيدي. أما الاستكانة إلى الذل تخوفًا على النفس مما يصيبها من أذى القتل أو الضرب أو السجن أو نحوه، فالمسلم قد ربي على قول الله : ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (الحديد: ٢٢) وإذا أقدم المسلم في جرأة وشجاعة، فلامه اللائمون من الجبناء، وحذره المحذرون من الضعفاء؛ ألقى الله على لسانه ردًّا حاسمًا: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ (آل عمران: ١٤٥) وإذا اعتراه في موقف من مواقف البأس ذبذبة أو تردد ناداه هاتف العقيدة من أعماق نفسه: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الأحزاب: ١٦). وسيجتمع عليك الكثير من نصوص القرآن والسنة، وكل منها يعرض نفسه عليك، فَسُقْ ما تختار منها مرتبًا واضحًا على قدر ما تراه وافيًا بأداء غرضك. ويجب أن يتحكم في الاختيار وفي ترتيب العناصر وفي جمع الشواهد وفي سوق الحديث، يجب أن تتحكم في ذلك كله العقلية العملية، ممثلةً في مظاهرها التي تقدمت في بيان مزاج الداعية، حتى لا تكون غامضًا ولا نظريًّا. واحذَرْ في تقسيم موضوعك أو بيان حقيقة عنصرك أن تنحو نحو التقسيمات الفلسفية، أو التعمق النظري. ففي موضوع مقومات الإنسان الفاضل الذي ننشده لم نذكر لك كل شيء، وقد يأتي غيرنا بغير ذلك؛ لأنه لم يكن من همنا الاستقصاء الفلسفي، الذي يغوص وراء الفروض والعلل، وإنما أخذنا ثلاث لمحات أضاءت لنا من محيط الفطرة في بساطة ووضوح، ولو أننا أردنا الاستقصاء

стр. 192

لما فرغنا من البحث إلا بعد عناء، بل ولا بعد العناء، فقط لا نخرج إلا بالخلافات التي يضرب بعضها بعضًا، والنظريات التي لم ينته أصحابها من التدليل على صحتها بعد. كان همنا حين الاختيار أن نسوق كلامًا تقبله فطرة السامع وعقله، وكفى، أما أنه جامع مانع فَلَا، ومع أننا نقصد أن يكون كذلك فهو في الحقيقة جامع؛ لأن الخير في الإسلام وإن تعددت صوره يرجع إلى معين واحد، فإذا نشَّأت طفلًا -مثلًا- على فضيلة ما ألفيت ذلك يعود بالتربية والتنمية على الفضائل الأخرى، وذلك من أسرار الله في شريعته. رابعًا: يجب على المحاضِر أن يعد في عناصر المحاضرة ما يفهم منه أن الناس يجنون في الدنيا -لا في الآخرة فحسب- ثمرَ ما يبذلون في سبيل الإصلاح من عمل صالح، وتضحيات لوجه الله وثبات على المبادئ الفاضلة، وصبر على مقاومة الفساد، يجب العناية بإبراز هذا المعنى، لا لأنه يشرح الصدور ويشحذ العزائم ويجدد الآمال والهمم فحسب، بل لأنه هو منطق الحياة، وقانون الوجود الذي لا يتخلف، فلكل شيء ثمن ولكل عمل أجر، ولكل جهد بدني ونفسي ثمر من جنسه في الدنيا والآخرة، وعاقبة كل أمر ليست إلا نيتك التي بدأته بها، وهو من قوانين الله التي لا تتخلف في حياة الأفراد ولا في حياة الجماعات والأمم، والكسل لا يهب إلا الحرمان، والفوضى لا تورث إلا الخيبة، والأنانية لا تعقب إلا التنازع والتفكك والفشل. خامسًا: يجب أن يكون غرض الداعية من كل ذلك إحياء المشاعر الإلهية، وبث خواطر الخير والتقوى في القلوب، فكل موضوع يجب أن يعالج على هذا الأساس، وبعبارة أخرى: يجب أن يكون للداعية في موقف المحاضرة هدفان

стр. 193

أساسيان؛ الأول: علاج موضوعه الخاص، والثاني: إحياء هذه المشاعر القلبية إحياءً ربانيًّا، على أن يكون الغرض الأول مقصودًا لذاته، ومقصودًا كوسيلة للغرض الثاني، ويجب لهذا أن يساق للسامع ما يشعره بأنه مسئول ومحاسب، وبأن عين الله ساهرة تطلع عليه، وتحيط بظاهره وخفي سريرته، وأن الإنسان قادر على أن يجعل ما يدور في هذه السرائر خيرًا محضًا، يرضي الله ويسعد العباد، والسعيد من جعل نفسه ذكية مطهرة. اجعل ذلك في عنصر واحد إن اقتضاه المقام، أو اجعله شائعًا في العناصر كلها إذا أوجبته المناسبة، أو اجعله في بعض العناصر دون بعض. اخضع في ذلك لذوق الموضوع وذوق عقليتك العملية. سادسًا: وأرى أن تحدث بينك وبين جمهورك تعارفًا عاطفيًّا قبل أن تبدأ في حديث محاضرتك، فإن مطالعة الجمهور بالموضوع مباشرة يفاجئ مشاعره بأمر لم يتهيأ له. إن المشاعر بيوت مغلقة، وقد نهانا القرآن عن أن ندخل بيوتًا غير بيوتنا حتى نستأنس ونسلم على أهلها، فلا بد من هذا الاستئناس أو التعارف العاطفي، ويكون هذا على صورة استفتاح سهل مبسط، يتناول أمرًا هينًا مما تدركه الأذهان في يسر، بل مما لا يحتاج في إدراكه إلى أقل جهد عقلي، كأن يذكر حادثة خاصة وقعت له، أو رآها وهو في طريقه، أو نبأً قرأه أو سمعه، أو ملاحظة لاحظها في الحفل أو في كلمة خطيب سابق إلى آخر ذلك. على أن يكون هذا كله ذا صلة بالحفل وبالدعوة التي تعمل لها صلة مباشرة أو غير مباشرة، ثم يعلق على استفتاحه تعليقًا يسيرًا ملونًا بلون المزاح إذا اقتضى المقام المزاح، بلون الاستبشار إذا أوجب المقام إزجاء البشرى، أو بلون آخر من ألوان العواطف والمشاعر التي يقتضيها الحال، فإذا أقبلتْ عليك القلوب

стр. 194

وتفتحت لك النفوس فقد تحول تيارها إليك، وألقت بأزمتها بين يديك، فبادر في الحال بالتقاطها وصل خيوطك بخيوطها، ثم اخلص إلى موضوعك بما لا يغير عليك أنس جمهورك بك، ولا تطالبني بضرب مثل؛ فإن هذا ليس من القواعد التي تعلم، بل من وحي الذوق وإلهام الطبع اليقظ ويكتفى فيه بالتنبيه إليه. وعلى الداعية -بعد الذي سردناه- أن لا يقتصر في محاضراته على الأسلوب العلمي الأكاديمي الموضوعي البحت؛ لكونه جافًّا في طبعه ومملًا في ذاته، وإنما عليه أن يمزج فيما يحاضر فيه بين الموضوعية والعاطفة، وأن يجمع بين قناعة الفكر واستثارة الوجدان، بل عليه على العموم أن يخاطب الروح والعقل في آن واحد، فبهذه المعاني وهاتيك المواصفات يكون الداعية محاضراً موفقًا ومتكلمًا ناجحًا بارعًا. وعلى الداعية حين يحاضر أن يرتبط موضوعه بهدف سام يحقق للجيل الحاضر هدايته، وللشباب المسلم إسلاميته، وللأمة المحمدية عزتها. وفي هذا المجال تظهر للعيان براعة المحاضر وحصافة الداعية في توجيه محاضرته نحو الهدف المنشود، وتصريف أفكارها نحو الغاية المرجوة، حتى المواضيع التي تعتبر من طرف الحياة، يستطيع الداعية الموفق أن يحولها بلباقته ونباهته إلى هدف نبيل يخدم هداية الإنسان، ويوضح مبادئ الإسلام ويأخذ بيد الشباب نحو العزة والكرامة. ولنضرب على ذلك مثلًا: قد يكلف الداعية من قبل هيئة ثقافية معينة أن يحاضر في موضوع، قد يراه الناس تافهًا لا وزن له، فليكن الموضوع الذي كلف فيه يدور حول الترفيه والفراغ، قد يتبادر للذهن من أول وهلة أن الموضوع تافه، وأنه من الترف الفكري، وأنه من المواضيع التي لا تستحق بحثًا ولا تستأهل محاضرة، ولكن لو تعمقنا في الأمر لرأينا المفهوم غير هذا، بل في استطاعة المحاضر

стр. 195

النبيه الذكي الحاذق أن يلبي الدعوة، وأن يحول الموضوع مِن لا هدف إلى هدف، ومِن ترف فكري إلى نفع عام، ومن تسيب في المفاهيم إلى تقرير للمبادئ، وهذا لا يقدر عليه إلا مَن أوتي علمًا، ورزقه الله حصافةً ومَلَكةً وفهمًا. كيف يكون ذلك؟ يستطيع الداعية أن يبين لسامعيه قيمة الوقت وأهميته، وأن الإنسان ما خُلق في هذه الحياة عبثًا، وإنما خلق لأداء رسالة وتبليغ أمانة وتحقيق غاية، ثم يعرج إلى أن الإسلام دين الواقع والحياة، يعامل الناس على أنهم بشر لهم حظوظهم النفسية وأشواقهم القلبية وغرائزهم البشرية، فلم يفترض منهم أن يكون كل كلامهم ذكرًا وكل صمتهم فكرًا، وكل تأملاتهم عبرة وكل فراغهم عبادة، وإنما اعترف الإسلام بكل ما تتطلبه الفطرة البشرية؛ مِن سرور وفرح ولعب ومرح ومزاح ومداعبة، بشرط أن يكون ذلك في حدود ما شرعه الله وفي نطاق أدب الإسلام. وبعد هذا الدخول في الموضوع يسرد الداعية ألوانًا من الترفيه الحلال، واللهو المباح؛ كمسابقة العدو والمصارعة، واللعب بالسهام والحِراب، وكالسباحة والرمي وركوب الخيل والصيد، وبعد سرد هذه الألوان والاستشهاد بأدلتها يشرع الداعية في تبيان الهدف منها، ولماذا شرعها الإسلام، فلا يجد بُدًّا إلا أن يقول: إن الهدف من هذه الوسائل الترفيهية هو تكوين المسلم جسميًّا، وإعداده جهاديًّا، ليقوم في المستقبل بمسئوليته الكبرى في دحر أعداء الله، والدفاع عن أرض الإسلام، ونشر دين الله في مجاهل الأرض وأصقاع المعمورة، تنفيذًا لأمر الله سبحانه حيث قال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (الأنفال: ٦٠) واستجابةً لندائه حيث قال:

стр. 196

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (التوبة: ٣٨) إلى أن قال ربنا سبحانه: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (التوبة: ٤١). وبعد هذا الاستعراض يعرج الداعية إلى ذكر مخططات أعداء الإسلام في إفساد المجتمعات الإسلامية، عن طريق الإعلام والمسرح والسينما والبرامج الإذاعية والتلفزيونية، ودور الملاهي وأوكار الدعارة وصالات الرقص والفجور، وأن الهدف من هذا الإفساد انغماس جيل الإسلام في حمأة الميوعة والانحلال، وصرفه عن الجبهات المرسومة للكفاح الإسلامي والجهاد في سبيل الله. وبعد سرد هذه الحقائق يختم الداعية محاضرته في التركيز على النية الصالحة، وأنها -كما قرر العلماء- تقلب العادة إلى عبادة، فبمجرد أن ينوي المسلم حين يأكل أو يشرب وينام ويستيقظ، ويترفه ويتنزه، ويسبح ويصارع، ويسابق ويرمي، ويلعب بالحراب، ويصطاد، وسائر الحظوظ الحيوية والمتع الجسدية، بمجرد أن ينوي أنه يفعل ذلك بقصد الامتثال لأمر الله، أو التعفف عن الحرام وإعداد نفسه للجهاد والأخذ بأسباب القوة في الحياة؛ تنقلب هذه الأعمال الحيوية التي قام بها إلى عمل صالح يقربه إلى الله زلفى. ولذلك قال النبي ﷺ : ((إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعل في فِي امرأتك)) حتى اللقمة يضعها الرجل بيده في فم امرأته يداعبها فله بذلك أجر، بل أعظم من ذلك قول النبي ﵊: ((وفي بُضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر؟! قال: أرأيتم إذا وضعها في الحرام أيكون عليه وزر؟ قالوا: نعم، قال: فإذا وضعها في الحلال كان له أجره)).

стр. 197

هل عرفتَ أيها الداعية المحاضر كيف تربط محاضرتك بهدف الإسلام، وهداية الإنسان، ودفع طموحات الجمهور نحو العزة وصناعة الأمجاد؟ إذا عرفتَ ذلك فقم بواجب التطبيق، واحرص على التنفيذ ما استطعت إلى ذلك سبيلًا؛ لكونك صاحب رسالة، ورجلَ دعوة، والله يتولى العاملين المخلصين. وإذا كنا قد سبق أن بينا أن المدرس ينبغي أن يعتمد على الارتجال في درسه، فكذلك الأمر في المحاضرة، على المحاضر أن يعتمد كل الاعتماد على الارتجال؛ ليستطيع الإشراف بنظراته على السامعين، فيحرك اجتذابهم إليه، ويشد أنظارهم إليه، ويثير أشواقهم نحوه، ويقوي ثقتهم به، ويقطع دابر الملل والسأم من نفوسهم، ويستأصل ظاهرة الشرود وتوارد الأفكار من عقولهم، بل تكون شخصية المحاضر أقوى وتعلق الجمهور به أعظم، واستيعاب الحضور منه أشمل وأفضل. وإذا اضطر الداعية إلى أن يلقي المحاضرة مكتوبة على الورق لسبب من الأسباب، فعليه في هذه الحال أن لا يديم النظر في محاضرته على الورق طويلًا، بل عليه أثناء القراءة أن يبدأ بأول الجملة ونظره في القرطاس، وينتهي منها ونظره إلى السامعين، ويفعل هذا في كل جملة يلقيها. وإذا استطاع أن يأتي بتعبير من عنده في توضيح أو يعتمد على ذاكرته في إيراد شاهد فليفعل؛ من أجل أن يمنع من الجمهور سأمهم، ويحرك على الدوام انتباههم. فاحرص أيها المحاضر على أن تمارس الارتجال في جميع محاضراتك وخطبك وإرشاداتك؛ ليكون تأثيرك في الناس أقوى، واتصالك بالسامعين أفضلَ، وجذب الجمهور إليك أعظم، والله يتولاك محاضرًا وخطيبًا ومرشدًا ومدرسًا.

стр. 198

وعلى المحاضر أن يقلل من حركاته وإشاراته أثناء إلقاء المحاضرة، ولا يأتي بها إلا إذا دعت الحاجة إليها، كأن يشير بأصابعه على عدد معين في معرض تقسيم الأفكار، أو تعداد العناصر، أو يومئ بيده؛ لتوضيح فكرة يريد تثبيتها في ذهن الجمهور؛ لأن الإقلال من الحركات يدل على اتزان المحاضر ورجاحة عقله وقوة شخصيته، بل تكون المحاضرة أقرب إلى الكمال وأجدر بالاحترام والاهتمام. وكم يعيب الداعية حين يقف في الناس محاضرًا وقد أقام الدنيا وأقعدها بجهورية صوته، وقوة لهجته، وثورة انفعاله، وكثرة حركاته وإشاراته، وكم تسقط مهابة الداعية أمام الجمهور حين تكثر حركات جسمه ورأسه ويديه وهو على منبر المحاضرة، كأنه يمثل على خشبة مسرح، أو يعطي الأوامر في جبهة حرب. ألا فليحذر الداعية في محاضراته هذه الانفعالات والحماس، وهاتيك الحركات والإشارات التي تتنافَى مع طبيعة المحاضرة وأصولها؛ ليظهر أمام سامعيه أكثر هدوءًا وأكمل اتزانًا وأقوى شخصيةً، وفي هذا نجاحه وتوفيقه في مجال التبليغ والدعوة إلى الله، والله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. وعلى الداعية أن يكون غرضه من كل محاضرة يلقيها -أو موضوع يعالجه- إحياء المشاعر الإلهية في النفوس، وبث معاني الخير والتقوى في القلوب، بل يجب على الداعية أن يكون له في مواقف المحاضرة أو الخطبة أو الدرس أو في أي موقف تبليغي دعوي هدفان أساسيان؛ الأول: علاج الموضوع الذي هو بصدده علاجًا شاملًا مستوعبًا، والثاني: إحياء المشاعر الربانية في نفوس المستمعين، على أن يكون الهدف الأول هو الوسيلة والثاني هو المقصود والغاية. ولا شك أن الداعية حين يشعر السامع أن الله سبحانه معه ويراه ويعلم سره ونجواه، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وأنه مسئول أمام الله عن

стр. 199

جميع تصرفاته وأعماله، وأنه خلق في الحياة من أجل غاية العبودية لله، والانقياد له والاستعانة به والإنابة إليه والتسليم بجنابه، وأنه مكلف في هذه الدنيا من أجل أن يبلغ رسالة، ويؤدي أمانة، ويجاهد في الله حق جهاده، وأن الله خلق الموت والحياة ليبلوا عباده أيهم أحسن عملًا، وأنه سبحانه لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصًا وابتغي به وجهه، وأنه ﷻ يدخل النار من طغى ويدخل الجنة مَن اهتدَى. إن الداعية حين يشعر السامع -من خلال المحاضرة التي يلقيها- كل هذا، ويربطه بالعقيدة روحًا وفكرًا، ويصله بالإسلام منهاجًا وتشريعًا، ويركز في ذهنه أمجاد الجدود وعظمة التاريخ، فيكون قد أحيا في نفسه مشاعرَ الربانية، وفجر في قلبه ينابيعَ التقوى، وأشبع طموحه بروح البطولة والجهاد. ولا بد أن يهتف في نهاية المطاف بهذه المعاني ويقول: نحن أمة الإسلام، لم ندخل التاريخ بأبي جهل وأبي لهب وأُبي بن خلف، ولكن دخلناه بالرسول العربي ﷺ وأبي بكر وعمر، ولم نفتح الفتوح بحرب السوس وداحس والغبراء، ولكن فتحناها ببدر والقادسية واليرموك، ولم نحكم الدنيا بالمعلقات السبع، ولكن حكمناها بالقرآن المجيد، ولم نحمل إلى الناس رسالة اللات والعزى، ولكن حملنا إليهم رسالة الإسلام، ولا بد أن يقول للطواغيت في كل مكان: ابتعثنا الله لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جَوْر الأديان إلى عدل الإسلام. فاجتهد أيها المحاضر أن يكون الغرض من محاضراتك كلها إحياء المشاعر الربانية في نفوس سامعيك، وتفجير طاقات الجهاد والعمل في بؤرة شعورهم، عسى أن يتحقق على يديك تكوين المجتمع الفاضل، القائم على الإسلام والمرتكز على التقوى، وما ذلك على الله بعزيز.

стр. 200

فهل عرفتَ أخي الداعية الخطوات العملية التي تجعل منك محاضرًا موفقًا؛ بحسن اختيارك للموضوع، تتفهم أحوال الناس وتعالج مشاكلهم، وبإحكامك تحضير المحاضرة تنفع الجمهور وترجو الخير لهم، وباستحضارك شواهد الأفكار يتفاعل سامعوك وتحرك مشاعرهم، وبمزجك بين الموضوعية والعاطفة في المحاضرة تشبع في الحضور عقولهم وأرواحهم، وبربطك الموضوع بالهدف الإسلامي تؤثر في الحاضرين وتصلحهم، وباعتمادك في المواقف على الارتجال تتعرف على أحوال المسلمين وتجذبهم، وبإقلالك من الحركات والإشارات تحظى باحترام الموجودين وتكسب ثقتهم، وبإحيائك المشاعر الربانية في أبناء الجيل تضمن تقواهم وانطلاقتهم. فاحرص أخي الداعية على أن تخطو في محاضراتك كلها هذه الخطوات، وتتروض على هذه المراحل؛ لتكون بإذن الله الداعية الناجح والمحاضر الموفق، والله سبحانه يتولاك محاضرًا وخطيبًا وداعيةً، ويحقق مجد الإسلام على يديك، ويقيم عز المسلمين على ساعديك إنه خير مسئول وبالإجابة جدير. الفرق بين المحاضرة والخطبة: نستطيع أن نلمح فروقًا اصطلاحية بين المحاضرة والخطبة فيما يأتي: أولًا: يغلب على المحاضرة صبغة تقرير الحقائق وتثبيت المعاني، أما الخطبة فيغلب عليها صبغة إثارة العواطف والمشاعر والوعظ. ثانيًا: عناصر المحاضرة أشبه بالقواعد والأصول والأحكام، أما عناصر الخطبة فأشبه بالخواطر العارضة والمعاني الطارئة. ثالثًا: تحتاج عناصر المحاضرة إلى الشرح والاستشهاد، أما الخطبة فشأنها الاسترسال مع ما يحضر من الخواطر والمعاني.

стр. 201

الحديث عن المناظرة والمجادلة والمناقشة، وآدابها في الإسلام ننتقل إلى الحديث عن المناظرة والمجادلة والمناقشة وآدابها في الإسلام. جاء النبي ﷺ بدين يخالف كل الأديان، التي كانت في البلاد العربية، في عقائده وعباداته وشرائعه الاجتماعية وآدابه الخلقية، من بعد أن كان يسود البلاد العربية عبادة الأوثان، جاءهم محمد ﷺ بعبادة إله واحد، هو الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، ولكل إنسان أن يدعو الله فيجيبه من غير وساطة كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (غافر: ٦٠) وأن يفهم الدين كتابًا وسنةً من غير توسيط أحد، فليس لأحد كائنًا مَن كان سلطة على الناس في عقائدهم، وبذلك خالف دين محمد ﷺ اليهود والنصارى، الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله. وقد آمَن النبي ﷺ وتَابعوه كما أمرهم بذلك الدين الحنيف، آمنوا بالأنبياء السابقين فخالفوا بذلك اليهود والنصارى أيضًا، الذين يريدون أن لا يعترفوا بغير اليهودية أو النصرانية، قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * فَإِنْ آمَنُوا﴾ يعني: أهل الكتاب من اليهود والنصارى والمشركين ﴿بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (البقرة: ١٣٥ - ١٣٧). دعا ذلك الدين الجديد إلى الإيمان بحياة أخرى، فيها يجزى الإنسان بالخير خيرًا وبالشر شرًّا: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة: ٧، ٨)، وبذلك خالف ما كان عليه بعض

стр. 202

المشركين من إنكار البعث والنشور، فقد قالوا: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ (ق: ٣) خالف ذلك الدين الذي جاء به محمد ﷺ في آدابه وشرائعه كثيرًا مما كان عليه المشركون في الجاهلية، وحرم الدعوة إلى العصبية الجاهلية فقال النبي ﷺ : ((ليس منا من دعا عصبية، أو قاتل على عصبية)). وإن شئتَ أن تعرف خلاصة ما جاء به ذلك الدين مخالفًا ما كان عليه العرب في جاهليتهم، فاستمع إلى ما روي عن جعفر بن أبي طالب، إذ قال مخاطبًا النجاشي ملك الحبشة: "أيها الملك، كنا قومًا أهلَ جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا، نعرف نسبه وصدقه، وأمانته وعفته، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة، وصلة الرحم وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات الغافلات، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، فصدقناه وآمنا به، فعَدَى علينا قومُنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا؛ ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى أرضك". جاء محمد ﷺ فخالف العرب قاطبةً في كل ما كانت عليه من عبادة، فكان طبيعيًّا أن تحدث دعوته هذه حركة فكرية جدلية واسعة النطاق، وأن تكون شاغلًا للذهن العربي حقبةً طويلةً من الزمان، بل إن الإنسان لا يعدو الحقيقة إذا قال: إن النبي ﷺ بمجرد أن دوى صوته الرهيب في الجزيرة العربية، مناديًا العرب

стр. 203

عامة وقريش خاصة قائلًا: ((إن الرائد لا يكذب أهله، والله لو كذبت الناس ما كذبتكم، ولو غررت الناس ما غررتكم، والله الذي لا إله إلا هو إني لرسول الله إليكم خاصة، وإلى الناس كافة، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتجزون بالإحسان إحسانًا، وبالشر شرًّا، وإنها لجنة أبدًا، أو لنار أبدًا، وإنكم لأول مَن أنذِر بين يدي عذاب شديد)). بمجرد أن نادَى النبي ﷺ ذلك النداء صارت الجزيرة العربية كلها تتحدث في شأنه، وتتجادل في أمره بين حائر مضطرب، بين قديم قد ألفه، وجديد قد عرفه، ومنكر صلاح؛ لأنه رأى في الجديد ما يناقض غاياته ومآربه، وميال إلى ما قال الرسول ﷺ لأنه رأى فيه وضح الحق المبين، بل إن الجدل في شأن النبي ﷺ تجاوز في عصره ربوع البلاد العربية إلى الروم والفرس والحبشة، كما رأيت من كلام جعفر بن أبي طالب السابق للنجاشي. ولأجل أن نحصر الجدل في عصر النبي ﷺ نقول: إن الجدل في عصره ﷺ كان من نواح ثلاث: الأولى: جدل النبي ﷺ مع المشركين. والثانية: جدله ﷺ مع اليهود والنصارى. والثالثة: جدل العرب والروم والحبشة مع بعض القرشيين. أما جدل النبي ﷺ مع المشركين فقد قال ابن جرير الطبري في تاريخه: صدع رسول الله ﷺ بأمر الله ونادى قومه بالإسلام، فلما فعل ذلك لم يبعد منه قومه ولم يردوا عليه بعض الرد فيما بلغني، حتى ذكر آلهتهم وعابها، فلما فعل ذلك ناكروه وأجمعوا على خلافه وعداوته إلا من عصم الله منهم بالإسلام، وهم قليل مستخفون.

стр. 204

ويفهم من هذا أن المشركين عندما ناداهم رسول الله ﷺ بالدعوة أعرضوا ونفروا، ولكن لم يُظهروا له عداوة، ويظهر أن النبي ﷺ لاحظ ذلك الإعراض، فأراد أن يجذبهم إلى مناقشة، والمناقشة بين الأكفاء محك الصواب وإخبار الحقيقة، فذكر آلهتهم وبين بطلان عبادتها، فأقبلوا مجادلين، ولكن الجدل باللسان أعجزهم وهم القوم الخصمون، فعمدوا إلى الاستهزاء والسخرية وأغروا السفهاء به ﷺ ثم انتقل الأمر من جدل ومقارعة بالحجة إلى اضطهاد ومقاطعة للنبي ﷺ كما تدل عليه الأخبار الواردة في سيرته ﷺ . وهنا نذكر لك شيئًا من جدلهم له ﵊ يصور لك حالهم، ويبين مآلهم: جاء في (سيرة ابن هشام) أن المشركين عندما ضاقوا بالنبي ﷺ وذهبت معه كل حيلة لهم، وبعثوا إليه ليكلموه ويخاصموه، فأجاء إليهم ﵊ فقالوا له: يا محمد، إنا قد بعثنا إليك لنكلمك، وإنا والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه مثل ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء وعبت الدين وشتمت الآلهة وسفهت الأحلام وفرقت الجماعة، فما بقي أمر قبيح إلا جئته فيما بيننا وبينك، فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالًا جمعنا لك من أموالنا، حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا فنحن نسودك علينا، وإن كنت تريد به مُلكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيًا تراه فقد غلب عليك بذلنا لك أموالنا في طلب الطب لك، حتى نبرئك منه أو نعذر فيك. فقال لهم رسول الله ﷺ : ((ما بي ما تقولون، ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا للشرف فيكم، ولا للملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولًا، وأنزل عليَّ كتابًا، وأمرني أن أكون لكم بشيرًا ونذيرًا، فبلغتكم رسالات ربي، ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظُّكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليَّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم)).

стр. 205

فقالوا: يا محمد، فإن كنتَ غير قابل منا شيئًا مما عرضنا عليك، فإنك قد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلدًا ولا أقل مالًا ولا أشد عيشًا مِنَّا، فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به، فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا، وليفجر لنا فيها أنهارًا كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب فإنه كان شيخ صدق، فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل؟ فإن صدقوك صدقناك وعرفنا به منزلتك من الله، وأنه بعثك رسولًا كما تقول. فقال لهم ﷺ : ((ما بهذا بعثت إليكم، إنما جئتكم من الله بما بعثني به، وقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه أصبر لأمر الله تعالى حتى يحكم الله بيني وبينكم)). قالوا: فإذا لم تفعل فسل ربك أن يبعث معك ملكًا يصدقك بما تقول، ويراجعنا عنك، وسله فليجعل لك جنانًا وقصورًا وكنوزًا من ذهب وفضة؛ يعينك بها عما نراك تبتغي، فإنك تقوم في الأسواق كما نقوم، وتلتمس المعاش كما نلمسه، حتى نعرف فضلك ومنزلتك عند ربك إن كنت رسولًا كما تزعم، فقال لهم ﷺ : ((ما أنا بفاعل، وما أنا بالذي يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله بعثني بشيرًا ونذيرًا، فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليَّ أصبر حتى يحكم الله بيني وبينكم)). هذا ما ذكره ابن هشام، وقد رأينا في القرآن الكريم ردًّا على كل ما قالوه، وقد كانوا يتلوه بين ظهرانيهم صباح مساء ويعلمهم آيةً آيةً، ويبين لهم الرد على ما سألوا في سور مختلفة. ونحن نرى من هذا النقاش والحوار والمناظرة التي كانت بين الرسول ﷺ وبين قومه أن النبي ﷺ اعتصم في مجادلة قومه ومناظرتهم بالحلم والصبر،

стр. 206

وخفض الجناح، والرفق وحسن المعاملة، كما أمره ربه سبحانه ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: ١٢٥). وكما جادل ﷺ قومه من مشركي العرب بالتي هي أحسن، كذلك جادل اليهود والنصارى كما أمره الله حيث قال: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (العنكبوت: ٤٦). هذه هي المناقشة والمجادلة والمناظرة وآدابها في الإسلام، فتحلوا بهذه الآداب، وتخلقوا بأخلاق النبي ﷺ في المناظرة والمناقشة والمحاورة والمجادلة، وإذا جادلتم فأصر الطرف الآخر على ما هو عليه من الباطل، فاتركوه وما هو عليه؛ فإن النبي ﷺ قال: ((أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًّا)) أو كما قال ﷺ . هذا، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 207

الدرس: ١٢ ضوابط الخطاب الدعوي، ورسالة الخطاب الدعوي المعاصر .

стр. 208

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثاني عشر (ضوابط الخطاب الدعوي ، ورسالة الخطاب الدعوي المعاصر) ضوابط الخطاب الدعوي إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ أما بعد: فإن الدعوة الإسلامية دعوة إلى الله ﵎ وإلى العمل بدينه الحنيف، كما أن هذه الدعوة هي العملُ الأساسي للنبي ﷺ ولكل أتباعه في كل زمان ومكان، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (يوسف: ١٠٨) هذا بالإضافة إلى أن هذه الدعوة الإسلامية هي أحسن ما يقوم به المسلم في كل زمان ومكان كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت: ٣٣). ومدام هذا هو شأن الدعوة الإسلامية فيجب أن تكون هذه الدعوة منطلقة من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة في كل ما يتعلق بها من قريب أو من بعيد، من حيث أصولها ومناهجها وأساليبها ووسائلها ... إلى آخر ذلك. وذلك لأن الإسلام لا يفصل في أحكامه بين الأصول والمناهج والأساليب والوسائل والغايات، كما أن الإسلام لا يقر بأن الغاية تبرر الوسيلة كما يقولون. فالوسائل لها حكم الغايات، والغايات لها حكم الوسائل، ويشرف كل منهما بشرف الآخر ويدنو بدونه، يضاف إلى ذلك أن أي جهل أو تجاهل لحكم الإسلام فيما يتعلق بأصول الدعوة أو مناهجها أو أساليبها أو وسائلها يعتبر انحرافًا بالدعوة عن مسارها الحقيقي التي كانت عليه في عهد النبي ﷺ وخروجًا بها عن مصادرها الأساسية في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة. إذًا، نحن ندرس هذه الضوابط؛ لنكون على بينةٍ وبصيرةٍ بهدي ديننا الإسلامي الحنيف وتنظيماته لكل شئوننا القولية والفعلية، الدينية والدنيوية، النظرية والتطبيقية.

стр. 209

ونحن ندرس هذه الضوابط لغموضها وخفائها عن بعض الدعاة، حتى خرج بعضهم أو أكثرهم عن هذه الضوابط، فلم تؤتِ دعوتهم ثمارها. لذا كانت دراستنا للضوابط الشرعية للخطاب الدعوي ضرورية لدفع هذا الغموض وما يترتب عليه من إفراط وتفريط. إن الخطاب الديني هو أشرف خطاب يتبادله الناس فيما بينهم؛ لأنه خطاب الأنبياء والرسل الكرام مع أقوامهم في مختلف الأزمنة والأمكنة، ولأنه خطاب المصلحين مع غيرهم؛ ولأنه خطاب العقلاء الأخيار فيما بينهم. إن الخطاب الدعوي هو الخطاب الذي مَدَح الله تعالى مَن يتعاملون به، فقال تعالى: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ ﴿(الحج: ٢٤) أي: وهدى الله تعالى عباده الصادقين في إيمانهم إلى القول الطيب وإلى المنطق القويم، كما هداهم سبحانه كذلك إلى الطريق المحمود الذي يؤدي بهم إلى السعادة في دنياهم وآخرتهم؛ لأنهم عمروا دنياهم بالإيمان الخالص، وبالعمل الصالح، وبالسلوك الحميد. والخطاب الدعوي له مقوماته السامية وضوابطه العظيمة وآثاره العميقة في النفوس، ومكانته الراسخة في القلوب، ومنزلته التي تهز المشاعر وتحرك العواطف نحو الخير. إن هذا الخطاب الديني إنما تتحقق له هذه المقومات وهذه الآثار متى كان مستمدًّا من القرآن الكريم ومستشهدًا بهداياته وبتشريعاته وبأحكامه وبآدابه؛ وذلك لأن القرآن الكريم هو الكتاب الذي أنزله الله تعالى على رسوله محمد ﷺ لإخراج الناس من الظلمات إلى النور كما قال سبحانه:﴾ الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴿(إبراهيم: ١).

стр. 210

والقرآن الكريم هو الكتاب الذي حدد للناس ما يجب عليهم نحو خالقهم وما يجب نحو أنفسهم، وما يجب عليهم نحو غيرهم، وهو الذي نظم علاقات الأفراد والجماعات والأمم تنظيمًا حكيمًا، وبيّن للجميع ما هو حلال وما هو حرام، وما هو خير وما هو شر، وما هو حق وما هو باطل. ومن الآيات القرآنية التي جمعت كل هذه الحقائق وكل هذه التوجيهات قول ربنا :﴾ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿(الأنعام: ١٥١ - ١٥٣). والمتأمل في هذه الآيات الكريمة يراها قد رسمت للإنسان علاقة بربه ينال بها السعادة والثواب، ورسمت له علاقته بأسرته التي تقوم على المودة والرحمة، ورسمت له علاقته بغير أسرته التي تقوم على التعاون على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان، وسدت في وجهه أبواب الشر التي تؤدي إلى انتهاك حرمات الأنفس والأموال والأعراض. هذه الآيات عندما سمعها بعض زعماء العرب من النبي ﷺ قالوا له: دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق وإلى محاسن الأعمال، وقد أفِك قوم كذبوك وظاهروا عليك، ووالله ما هذا الذي سمعناه منك من كلام أهل الأرض، ولو كان من كلامهم لعرفناه.

стр. 211

إن الخطاب الدعوي إذا كان مشتملًا على هذه الوصايا التي جاء بها القرآن الكريم، ومشتملًا علي غيرها مما لا يحصى من هدايا حكيمة، ومن أمثال بليغة، ومن أحكام قويمة، ومن آداب فاضلة، ومن قصص زاخرة بالعظات، ومن توجيهات سامية تحبب الناس في مكارم الأخلاق وتنفرهم من رذائلها، إذا كان الخطاب الدعوي مشتملًا على هذا الفيض القرآني الزاخر بكل ما يُسعد الناسَ في دنياهم وأخراهم، كان خطابًا له آثاره الطيبة، وله ثماره الحسنة التي تجعل أبناء الأمة يصلحون في الأرض ولا يفسدون، ويبنون ولا يهدمون، ويجمعون ولا يفرقون، ويتعاونون على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان. إن لله تعالى سننًا في خلقه لا تتغير ولا تتبدل قررها القرآن الكريم في مواطن كثيرة، منها قول ربنا سبحانه:﴾ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴿(الرعد: ١١)، ومنها قوله سبحانه:﴾ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ﴿(الكهف: ٣٠)، ومنها قوله :﴾ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴿(الزلزلة: ٧، ٨). فأول ضابط من ضوابط الخطاب الدعوي: أن يكون مشتملًا على كم هائل من كلام رب العالمين . كذلك من ضوابط الخطاب الديني الدعوي: اشتماله على الأحاديث النبوية الشريفة التي فيها ما فيها من التوجيهات القويمة، ومن الأحكام الجليلة، ومن الآداب الرفيعة، ومن الفضائل العظيمة التي يؤدي الالتزام بها إلى السعادة في الدنيا والآخرة؛ وذلك لأن السنة النبوية المطهرة هي المصدر الثاني بعد القرآن الكريم للشريعة الإسلامية، والسنة النبوية المطهرة هي ما صدَرَ عن الرسول ﷺ من قول أو فعل أو تقرير.

стр. 212

فأما القول: فمثل قوله ﷺ : ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)). وأما الفعل: فكأفعاله ﷺ في وضوئه وصلاته وفي حجه، وفي غير ذلك من العبادات. ومن الأفعال التي واظب عليها فأفادت وجوب اقتدائنا به، كقوله ﷺ : ((مَن توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدِّث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه)) وكقوله ﷺ : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) وقوله ﷺ حين أراد الحج: ((خذوا عني مناسككم)). وأما التقرير: فمعناه أن يفعل بعض الصحابة فعلًا، فيقرهم عليه النبي ﷺ ولا ينكره عليهم، ومن ذلك: إقراره في أعقاب غزوة الخندق لمن صلى العصر في الطريق قبل أن يصل إلى ديار بني قريظة، ولمن صلاها في ديارهم. ففي الحديث الصحيح عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال يوم الأحزاب: ((لا يصلين أحدًا العصر إلا في بني قريظة، فأدركهم العصرُ في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتي ديار بني قريظة، وقال بعضهم: بل نصلي؛ لأن الشمس أوشكت على الغروب، فذُكر ذلك للنبي ﷺ فأقر كل فريق على ما فعله)). ومن ذلك أيضًا: إقراره ﷺ لمعاذ بن جبل وقد سأله: ((بم تقضي يا معاذ إذا عرض لك قضاء؟ -وكان ذلك عند إرساله إلى اليمن - فقال معاذ: أقضي بكتاب الله، فقال ﷺ فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله ﷺ قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأي ولا آلو)) أي: لا أقصر في الاجتهاد. ومن المعلوم عند أولي العلم أن السنة وحي من الله تعالى كالقرآن، إلا أن القرآن وحي من الله تعالى بألفاظه ومعانيه، أما السنة النبوية فهي وحي من الله تعالى بمعناها، أما ألفاظه فبإلهام من الله تعالى لرسوله ﷺ .

стр. 213

والسنة النبوية المطهرة أصل من أصول الدين، وحجة على جميع المكلفين، متى نقلت إلينا بسند صحيح يفيد القطع أو الظن الراجح، وتأتي في المرتبة الثانية بعد القرآن الكريم في حجيتها وفي وجوب العمل بها، أي: أن الأحكام الواردة عن طريق السنة النبوية تكون مع الأحكام الواردة في القرآن الكريم واجبة الاتباع بالنسبة لكل مسلم أو مسلمة، ولا يخالف في ذلك مكلف عاقل. والآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تؤيد ذلك كثيرة ومتنوعة؛ أما الآيات القرآنية فمنها: قول الله تعالى:﴾ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴿(الحشر: ٧)، وقوله سبحانه:﴾ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ﴿(النساء: ٨٠)، وقوله :﴾ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿(آل عمران: ٣١). وأما الأحاديث النبوية؛ فمنها: ما جاء في (صحيح البخاري) ﵀: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبَى، قيل: يا رسول الله، ومَن يأبى؟ قال: مَن أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبَى)). وجاء في (سنن أبي داود) و (الترمذي): عن العِرباض بن سارية ﵁ قال: ((وعظنا رسول الله ﷺ موعظةً بليغةً، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع، فأوصِنا. فقال ﷺ : أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي، فإنه مَن يعِش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار)).

стр. 214

وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو ردٌّ)) أي: فهو مردود عليه، وليس مقبولًا منه عند الله تعالى. وفى (المسند) الإمام أحم د بن حنبل ﵀ عن المقدام بن معدي كرب أن رسول الله ﷺ قال: ((يوشك أن يقعد الرجل منكم على أريكته، يحدث بحديثي، فيقول: بيني وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالًا استحللناه وما وجدنا فيه حرامًا حرمناه، وإنما حرم رسول الله كما حرم الله)). فهذه النصوص المتعددة تدل دلالةً واضحةً على أن السنة النبوية كالقرآن الكريم في وجوب اتباع ما اشتملت عليه من أحكام، وأن مَن خالفها فقد خالف أمر الله تعالى وعصى شريعته. وللسنة النبوية المطهرة بالنسبة للقرآن الكريم وظائف متعددة من أهمها: أنها تارةً تكون مؤكدةً لما جاء في القرآن الكريم من أمر أو نهي أو غيرهما. ومن أمثلة ذلك: أن القرآن الكريم أمر بالتحلي بفضيلة الصدق، ونهى عن رذيلة الكذب، قال الله تعالى:﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴿(التوبة: ١١٩) وقال سبحانه:﴾ إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ ﴿(النحل: ١٠٥) فجاءت الأحاديث النبوية المطهرة فأكدت ذلك وقررته. ومنها: ما جاء في الصحيحين عن عبد الله المسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، وإياكم والكذبَ، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابًا)).

стр. 215

وبناءً على ذلك يكون الحكم الشرعي له دليلان؛ أحدهما: من القرآن الكريم، والثاني: من السنة النبوية. الأحكام الشرعية التي يتوفر فيها ذلك ما أكثرها، كالأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا، والتحلي بمكارم الأخلاق، وكالنهي عن التقصير في عبادة من العبادات، وعن ارتكاب ما نهى الله عنه من الفواحش ما ظهر منها وما بطن. وتارةً تكون السنة النبوية المطهرة منشئةً لحكم شرعي جديد سكت عنه القرآن الكريم دون أن يعارضه، فيكون هذا الحكم واجبَ الاتباع؛ لأن الرسول ﷺ نطق به، كتحريم الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها في الزواج، وتحريم لُبس الذهب أو الحرير بالنسبة للرجال، وبيان أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وغير ذلك من الأحكام الشرعية التي شُرِعت عن طريق ما نطق به الرسول ﷺ . وتارةً تأتي السنة النبوية المطهرة مفصلةً ومفسرةً لِمَا جاء مجملًا في القرآن الكريم من أحكام، فالقرآن الكريم حدثنا عن الصلاة، وعن الزكاة، وعن الصيام، وعن الحج، في كثير من آياته، إلا أنه بالنسبة للصلاة لم يبين لنا عدد ركعاتها أو كيفياتها أو أركانها، وبالنسبة للزكاة لم يبين لنا القرآن الكريم مقاديرها، وبالنسبة للصيام لم يفصل لنا القرآن الكريم جميعَ أحكامه، وبالنسبة للحج لم يبين لنا القرآن الكريم جميع مناسكه. وقال ﷺ : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) وقال: ((خذوا عني مناسككم)) وبين لنا الأصناف التي تجب فيها الزكاة، وقَدْر النصاب الذي لا تجب الزكاة حتي يبلغه المال، والقدر الواجب إخراجه من المال الذي بلغ النصاب، وتوفرت فيه سائر الشروط الأخرى كما هو معروف في كتب الفقه.
следующие страницы →