← Общие книги

Общие книги · id 31513

الخطابة - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (309 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

إن الخطاب الدعوي إذا كان مشتملًا على هذه الوصايا التي جاء بها القرآن الكريم، ومشتملًا علي غيرها مما لا يحصى من هدايا حكيمة، ومن أمثال بليغة، ومن أحكام قويمة، ومن آداب فاضلة، ومن قصص زاخرة بالعظات، ومن توجيهات سامية تحبب الناس في مكارم الأخلاق وتنفرهم من رذائلها، إذا كان الخطاب الدعوي مشتملًا على هذا الفيض القرآني الزاخر بكل ما يُسعد الناسَ في دنياهم وأخراهم، كان خطابًا له آثاره الطيبة، وله ثماره الحسنة التي تجعل أبناء الأمة يصلحون في الأرض ولا يفسدون، ويبنون ولا يهدمون، ويجمعون ولا يفرقون، ويتعاونون على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان. إن لله تعالى سننًا في خلقه لا تتغير ولا تتبدل قررها القرآن الكريم في مواطن كثيرة، منها قول ربنا سبحانه:﴾ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴿(الرعد: ١١)، ومنها قوله سبحانه:﴾ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ﴿(الكهف: ٣٠)، ومنها قوله :﴾ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴿(الزلزلة: ٧، ٨). فأول ضابط من ضوابط الخطاب الدعوي: أن يكون مشتملًا على كم هائل من كلام رب العالمين . كذلك من ضوابط الخطاب الديني الدعوي: اشتماله على الأحاديث النبوية الشريفة التي فيها ما فيها من التوجيهات القويمة، ومن الأحكام الجليلة، ومن الآداب الرفيعة، ومن الفضائل العظيمة التي يؤدي الالتزام بها إلى السعادة في الدنيا والآخرة؛ وذلك لأن السنة النبوية المطهرة هي المصدر الثاني بعد القرآن الكريم للشريعة الإسلامية، والسنة النبوية المطهرة هي ما صدَرَ عن الرسول ﷺ من قول أو فعل أو تقرير.

стр. 212

فأما القول: فمثل قوله ﷺ : ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)). وأما الفعل: فكأفعاله ﷺ في وضوئه وصلاته وفي حجه، وفي غير ذلك من العبادات. ومن الأفعال التي واظب عليها فأفادت وجوب اقتدائنا به، كقوله ﷺ : ((مَن توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدِّث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه)) وكقوله ﷺ : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) وقوله ﷺ حين أراد الحج: ((خذوا عني مناسككم)). وأما التقرير: فمعناه أن يفعل بعض الصحابة فعلًا، فيقرهم عليه النبي ﷺ ولا ينكره عليهم، ومن ذلك: إقراره في أعقاب غزوة الخندق لمن صلى العصر في الطريق قبل أن يصل إلى ديار بني قريظة، ولمن صلاها في ديارهم. ففي الحديث الصحيح عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال يوم الأحزاب: ((لا يصلين أحدًا العصر إلا في بني قريظة، فأدركهم العصرُ في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتي ديار بني قريظة، وقال بعضهم: بل نصلي؛ لأن الشمس أوشكت على الغروب، فذُكر ذلك للنبي ﷺ فأقر كل فريق على ما فعله)). ومن ذلك أيضًا: إقراره ﷺ لمعاذ بن جبل وقد سأله: ((بم تقضي يا معاذ إذا عرض لك قضاء؟ -وكان ذلك عند إرساله إلى اليمن - فقال معاذ: أقضي بكتاب الله، فقال ﷺ فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله ﷺ قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأي ولا آلو)) أي: لا أقصر في الاجتهاد. ومن المعلوم عند أولي العلم أن السنة وحي من الله تعالى كالقرآن، إلا أن القرآن وحي من الله تعالى بألفاظه ومعانيه، أما السنة النبوية فهي وحي من الله تعالى بمعناها، أما ألفاظه فبإلهام من الله تعالى لرسوله ﷺ .

стр. 213

والسنة النبوية المطهرة أصل من أصول الدين، وحجة على جميع المكلفين، متى نقلت إلينا بسند صحيح يفيد القطع أو الظن الراجح، وتأتي في المرتبة الثانية بعد القرآن الكريم في حجيتها وفي وجوب العمل بها، أي: أن الأحكام الواردة عن طريق السنة النبوية تكون مع الأحكام الواردة في القرآن الكريم واجبة الاتباع بالنسبة لكل مسلم أو مسلمة، ولا يخالف في ذلك مكلف عاقل. والآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تؤيد ذلك كثيرة ومتنوعة؛ أما الآيات القرآنية فمنها: قول الله تعالى:﴾ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴿(الحشر: ٧)، وقوله سبحانه:﴾ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ﴿(النساء: ٨٠)، وقوله :﴾ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿(آل عمران: ٣١). وأما الأحاديث النبوية؛ فمنها: ما جاء في (صحيح البخاري) ﵀: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبَى، قيل: يا رسول الله، ومَن يأبى؟ قال: مَن أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبَى)). وجاء في (سنن أبي داود) و (الترمذي): عن العِرباض بن سارية ﵁ قال: ((وعظنا رسول الله ﷺ موعظةً بليغةً، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع، فأوصِنا. فقال ﷺ : أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي، فإنه مَن يعِش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار)).

стр. 214

وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو ردٌّ)) أي: فهو مردود عليه، وليس مقبولًا منه عند الله تعالى. وفى (المسند) الإمام أحم د بن حنبل ﵀ عن المقدام بن معدي كرب أن رسول الله ﷺ قال: ((يوشك أن يقعد الرجل منكم على أريكته، يحدث بحديثي، فيقول: بيني وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالًا استحللناه وما وجدنا فيه حرامًا حرمناه، وإنما حرم رسول الله كما حرم الله)). فهذه النصوص المتعددة تدل دلالةً واضحةً على أن السنة النبوية كالقرآن الكريم في وجوب اتباع ما اشتملت عليه من أحكام، وأن مَن خالفها فقد خالف أمر الله تعالى وعصى شريعته. وللسنة النبوية المطهرة بالنسبة للقرآن الكريم وظائف متعددة من أهمها: أنها تارةً تكون مؤكدةً لما جاء في القرآن الكريم من أمر أو نهي أو غيرهما. ومن أمثلة ذلك: أن القرآن الكريم أمر بالتحلي بفضيلة الصدق، ونهى عن رذيلة الكذب، قال الله تعالى:﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴿(التوبة: ١١٩) وقال سبحانه:﴾ إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ ﴿(النحل: ١٠٥) فجاءت الأحاديث النبوية المطهرة فأكدت ذلك وقررته. ومنها: ما جاء في الصحيحين عن عبد الله المسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، وإياكم والكذبَ، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابًا)).

стр. 215

وبناءً على ذلك يكون الحكم الشرعي له دليلان؛ أحدهما: من القرآن الكريم، والثاني: من السنة النبوية. الأحكام الشرعية التي يتوفر فيها ذلك ما أكثرها، كالأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا، والتحلي بمكارم الأخلاق، وكالنهي عن التقصير في عبادة من العبادات، وعن ارتكاب ما نهى الله عنه من الفواحش ما ظهر منها وما بطن. وتارةً تكون السنة النبوية المطهرة منشئةً لحكم شرعي جديد سكت عنه القرآن الكريم دون أن يعارضه، فيكون هذا الحكم واجبَ الاتباع؛ لأن الرسول ﷺ نطق به، كتحريم الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها في الزواج، وتحريم لُبس الذهب أو الحرير بالنسبة للرجال، وبيان أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وغير ذلك من الأحكام الشرعية التي شُرِعت عن طريق ما نطق به الرسول ﷺ . وتارةً تأتي السنة النبوية المطهرة مفصلةً ومفسرةً لِمَا جاء مجملًا في القرآن الكريم من أحكام، فالقرآن الكريم حدثنا عن الصلاة، وعن الزكاة، وعن الصيام، وعن الحج، في كثير من آياته، إلا أنه بالنسبة للصلاة لم يبين لنا عدد ركعاتها أو كيفياتها أو أركانها، وبالنسبة للزكاة لم يبين لنا القرآن الكريم مقاديرها، وبالنسبة للصيام لم يفصل لنا القرآن الكريم جميعَ أحكامه، وبالنسبة للحج لم يبين لنا القرآن الكريم جميع مناسكه. وقال ﷺ : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) وقال: ((خذوا عني مناسككم)) وبين لنا الأصناف التي تجب فيها الزكاة، وقَدْر النصاب الذي لا تجب الزكاة حتي يبلغه المال، والقدر الواجب إخراجه من المال الذي بلغ النصاب، وتوفرت فيه سائر الشروط الأخرى كما هو معروف في كتب الفقه.

стр. 216

وقد تأتي السنة النبوية مقيدةً لما جاء مطلقًا في القرآن الكريم؛ فمثلًا: يقول الله تعالى:﴾ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴿(الحج: ٢٩) فالأمر بالطواف هنا مطلق، فجاءت السنة النبوية فقيدت ذلك بوجوب أن يكون الطواف على طهارة. وقد تأتي السنة النبوية مخصصةً لما جاء عامًّا في القرآن الكريم؛ فمثلًا: يقول الله تعالى:﴾ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ﴿(النساء: ١١) أي: أن الأولاد يرثون الآباء بهذه الطريقة التي بينها الله تعالى بهذا الحكم العام، فجاءت السنة النبوية فخصصت هذا الحكم العام بأن قصرت الميراثَ على الشخص الذي لم يعتدِ على مورثه بالقتل، وبينت أنه لا ميراث لقاتل. وهكذا، نرى أن للسنة النبوية وظائفَ متعددةً بالنسبة للقرآن الكريم، وأن تفصيل ما جاء مجملًا في القرآن يمثل معظم هذه الوظائف، وأن مَن يقول: لسنا في حاجة إلى السنة النبوية ويكفينا القرآن!! هو إنسان جاهل، لا يُلتفت إلى سفاهاته أو جهالته؛ إذ السنة النبوية لا غِنَى عنها في تفسير وتوضيح ما جاء مجملًا أو مطلقًا أو عامًّا في القرآن الكريم، وصدق الله العظيم إذ يقول لنبيه ﷺ :﴾ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴿(النحل: ٤٤) أي: وأنزلنا إليك يا نبينا القرآن الكريم؛ لتعرف الناس بحقائق وأسرار ما أنزل لهداياتهم في هذا القرآن من تشريعات، ومن آداب وأحكام، ولعلهم بهذا التعريف والتبيين يتفكرون فيما أرشدتهم إليه. فالآية الكريمة وضحت وصرحت بأن مِن وظيفة النبي ﷺ تفسير وشرح ما خفي معناه على الناس من آيات القرآن، ولقد سأل رجل عِمران بنَ الحصين ﵁ عن مسألة فأجابه عنها بما يؤيدها من السنة، فقال الرجل: حدِّثونا بكتاب الله ولا تحدثونا بغيره، فقال له عمران: "أنت رجل أحمق، أتجد في كتاب الله صلاة

стр. 217

الظهر أربع ركعات لا يجهر بها؟ أتجد في كتاب الله أن نِصاب الزكاة مقداره كذا؟ ". وبعد أن عدد له أنواعًا من العبادات التي جاءت مجملة في القرآن الكريم قال له: "كتاب الله قد أجمل ذلك، والسنة النبوية تفسيره". والخلاصة: أن الأحكام الشرعية التي وردت عن طريق السنة النبوية قد تكون مؤكدةً لما جاء في القرآن الكريم، وقد تكون منشأةً لأحكام سكت عنها القرآن الكريم، أو مفسرةً لما أجمله، أو مقيدةً لما أطلقه، أو مخصصةً لما عممه. وإن الخطاب الدعوي إذا كان زاخرًا بالأحاديث النبوية الشريفة ازداد قبولًا عند الناس، وازداد إقناعًا للعقول، وإرضاءً للمشاعر، وشرحًا للصدور؛ لأنها أحاديث مَن لا ينطق عن الهوى، وأحاديث مَن أعطاه الله تعالى جوامع الكلم ﷺ . ويكفيك -أيها الداعية- في تحري الحلال وفي الابتعاد عن الحرام، قول النبي ﷺ : ((الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، فمَن اتق الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه)) ويكفيك في شرف المقصد قوله ﷺ : ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)) ويكفيك في الابتعاد عن اللغو قوله ﷺ : ((من حسن إيمان المرء تركه ما لا يعنيه)) ويكفيك في الشعور بما هو بِر وما هو إثم وبما هو خير وبما هو شر قوله ﷺ : ((استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك)). ويكفيك في معرفة إجماع الخير قوله ﷺ : ((قل آمنت بالله، ثم استقم)) يكفيك في الحض على تعمير هذه الدنيا بما ينفع قوله ﷺ : ((إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة، فليغرسها)) يكفيك في بيان كثرة طرق الخير قوله ﷺ : ((الكلمة الطيبة صدقة، وإماطة الأذى عن الطريق صدقة)) يكفيك في معرفة رسالتك في هذه الحياة قوله ﷺ : ((إن لربك عليك حقًّا، وإن لنفسك عليك حقًّا، وإن لأهلك عليك حقًّا، فأعطِ كل ذي حق حقه)).

стр. 218

فعليك -أيها الداعية- أن تهتم اهتمامًا بأن يكون خطابك الدعوي زاخرًا بآيات القرآن الكريم وأحاديث النبي العظيم ﷺ فإن القرآن الكريم والحديث النبوي العظيم بركة ورحمة وشفاءٌ لما في الصدور، كلما أكثرتَ منهما كلما ملكت قلوب المدعوين وأثرت فيهم بفضل الله . كذلك من ضوابط الخطاب الدعوي، بل ومن أهم ما ينبغيأن يحفظه الداعية في خطابه: أن يكون الخطاب الدعوي مواكبًا للأحداث، ومتأثرًا بها، ومعلقًا عليها، ومؤيدًا لما هو حق منها، ونقصد بالأحداث تلك الأقوال والأفعال والقضايا والصراعات والمَسرات والأحزان التي تتعاقب بتعاقب الليل والنهار، والتي أشار إليها ربنا سبحانه في قوله:﴾ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴿(آل عمران: ١٤٠) ولفظ "القرح" يُطلق على الجرح الذي يصيب الإنسان، وعلى الآلام التي تترتب على ذلك، ولفظ: ﴿نُدَاوِلُها﴾ من المداولة، وهي نقل الشيء أو الحديث من شخص إلى آخر، يقال: هذا الشيء تداولته الأيدي، أو هذا الحديث تداولته الألسنة، أي: انتقل من يد إلى أخرى ومن لسان إلى آخر. ومعنى الآية: لا تجزعوا أيها المؤمنون لِمَا أصابكم من جراح وآلام في غزوة أُحد على أيدي المشركين أعدائكم، فهم قد أصيبوا منكم بمثل ذلك في غزوة بدر، وإن أيام الدنيا هي دول بين الناس بحيث لا يدوم سرورها ولا حزنها لأحد، فمَن سره زمن ساءته أزمان، ومن أمثال العرب: الحرب سِجال، أي: لا تدوم على حال واحدة، والأيام تتقلب؛ فهي تارةً لهؤلاء، وتارةً لأولئك. ومن ضوابط الخطاب الدعوي: أن يراعي الخطيب أحوال مستمعيه، فإذا كانوا في حالة سرور ونعمة ساق لهم من الآيات القرآنية ومن الأحاديث النبوية

стр. 219

ومن توجيهات الإسلام ما يجعلهم يحافظون على هذه النعم، ويشكرون الله خالقهم عليها؛ لكي يزيدهم منها، وإن نزلت بهم بعض المصائب والأحزان والمتاعب الاجتماعية أو الاقتصادية أو غيرها، ركَّزَ حديثه أو كتابته على ألوان العلاج الناجح، والدواء السليم، الذي من شأنه أن يعمل على تخفيف تلك المصائب أو إزالتها، فما من داء إلا وله دواء، وما من عسر إلا يعقبه يسر، ما دام هناك اعتماد على الله وعلى أداء تكاليفه، وعلى مباشرة الأسباب التي شرعها سبحانه للنجاح. ولقد وضح لنا الخالق سنةً من سننه التي لا تتخلف، فقال:﴾ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴿(الشرح: ٥، ٦) ففي هاتين الآيتين ما فيهما من التسلية لكل ذي عقل سليم؛ لأنه ما من شدة إلا ويعقبها الفرج، وما من هم أو غم إلا وينكشف، وتحل محله المسرة، وما من عسر إلا ويأتي بعده اليسر، متى توكل الإنسان على خالقه، وأدى ما أمره به، وابتعد عما نهى عنه، وصبر الصبر الجميل، وتسلح بالعزيمة القوية، وبالإيمان العميق بقضاء الله وقدره، وسلك المسالك التي تؤدي إلى النجاح في أقواله وفي أفعاله وفي تفكيره، وفي كل شأن من شئونه. لقد أكد الله هاتين الآيتين بأداة التأكيد، وهي حرف "إنَّ" ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ لأن هذه القضية قد تكون موضع شك خصوصًا بالنسبة لمن تكاثرت عليهم الهموم وألوان المتاعب، فأراد أن يؤكد للناس في كل زمان ومكان أن العسر اليسر لا محالةَ، وأن الفرج يأتي بعد الضيق لا شك في ذلك، فعليهم أن يقابلوا المصائب والنوازل بثبات لا اضطراب معه، وبأمل كبير في تيسير الله وفرجه ونصره.

стр. 220

وقد ساق الإمام ابن كثير ﵀ عند تفسيره لهاتين الآيتين بعض الآثار؛ منها: ما جاء عن أنس ﵁ قال: ((كان النبي ﷺ جالسًا وأمامه حفرة، فقال: لو جاء العسر فدخل هذه الحفرة، لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه)) وعن الحسن البصري ﵀ قال: " لا يغلب عسر واحد يسرين اثنين". ومعنى هذا: أن العسر معرف في الحالين فهو مفرد، وأن اليسر منكر فهو متعدد. والذي يتدبر القرآن الكريم يرى أن مئات الآيات قد نزلت في أعقاب أحداث معينة؛ لتبين حكم الله فيها، ولتحق منها ما هو حق، ولتثبت المؤمنين، ولتدفع الشبهات والتهم الكاذبة التي ألصقها الجاحدون بالنبي ﷺ وبأتباعه، ولترشيد المؤمنين إلى أخطائهم حتى لا يعودا إليها، ولتحكم في قضايا معينة التبس فيها الحق بالباطل، ولتساير الحوادث والطوارئ في تجددها وفي تفرقها، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى. ومنها: أن المشركين عندما وصفوا النبي ﷺ بالجنون وبغير ذلك من التهم الباطلة، نزَلَ القرآن الكريم؛ ليدحض هذه التهم، وليصف الرسول ﷺ بأسمى الصفات وأفضلها، قال الله تعالى:﴾ ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴿(القلم: ٤). ونزل القرآن الكريم ليؤكد أن البعث حق، وأن الحساب حق، وأن الجنة حق، وأن النار حق، قال الله تعالى:﴾ أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿(يس: ٧٧ - ٨٣).

стр. 221

نزلت هذه الآيات لترد على واحد من المشركين أتى النبي ﷺ وفي يده قطعة من العظم قديمة بالية ضعيفة، فوضعها بين كفيه، ففركها، ثم ذرَّها في الهواء، ثم قال: يا محمد، تزعم أن ربك يحيي هذا العظم بعدما رم؟!! فقال ﷺ : ((نعم، ويبعثك ويدخلك جهنم)) فأنزل الله هذه الآيات. وعندما جاء بعض المشركين وقالوا للنبي ﷺ : يا محمد، أرِنا مَن يشهد لك أنك رسول الله، فإنَّا لا نرى أحدًا نصدقه، ولقد سألنا عنك أهل الكتاب، فقالوا: إنه ليس لك عندهم شيء في كتبهم، فأنزل الله تعالى في الرد عليهم قوله:﴾ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ﴿(الأنعام: ١٩). وعندما اندس بين المسلمين من قبيلتي الأوس والخزرج يهودي حاقد، وأخذ يذكرهم بالحروب التي كانت بينهم في الجاهلية، وأنشدهم بعضَ ما قالوه من أشعار خلال تلك الحروب، وكاد بعضهم أن يعرض القتال على غيره، بلغ ذلك النبي ﷺ فخرج إليهم مسرعًا ومعه بعض أصحابه، فكان مما قاله لهم: ((يا معشر المسلمين، اللهَ اللهَ!! أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله إلى إسلامه، وأكرمكم به، وقطع عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألَّف به بينكم، ترجعون إلى ما كنتم عليه في الجاهلية؟!!)) فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، وكيد من أعدائهم اليهود، فألقوا السلاح من أيديهم، وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضًا. وأنزل الله ﵎ في ذلك قوله:﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ

стр. 222

مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴿(آل عمران: ١٠٠ - ١٠٣). وعندما زعم اليهود عند مجادلتهم لرسول الله ﷺ لأصحابه أن الجنة لن يدخلها إلا مَن كان على مِلتهم، وأخذوا يتفاخرون بذلك، لقن الله تعالى نبيه ﷺ الجواب الذي يخرس به ألسنتهم، وأمره أن يتحداهم بأن ينطقوا أمامه بأنهم يتمنون الموت إن كانوا صادقين في دعواهم، قال الله تعالى:﴾ قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴿(البقرة: ٩٤ - ٩٦). وهكذا، نرى في عشرات المواطن من القرآن الكريم مئات الآيات القرآنية تواكب الأحداث التي صاحبت الدعوة الإسلامية في مدة تصل إلى ثلاث وعشرين سنةً، فتقصها بأمانة، وتحكم فيها بالحُكم العادل الحكيم، وتحكي شبهات المشركين وأقوال المنافقين، وتلقن النبي ﷺ أصحابه الرد الذي يخرس ألسنة المارقين، وترشد المؤمنين إلى الطريق المستقيم الذي يجب عليهم أن يسلكوه؛ حتى ينالوا رضا الله تعالى، ويظفروا بحسن العاقبة وبالنصر على الذين استحوذ عليهم الشيطان. وإن الخطاب الدعوي عندما يكون متأثرًا بالأحداث والقضايا والمشكلات والأحوال والهموم التي لا تخلو منها أمة، فيعلق عليها الداعية بأسلوبه الحكيم، ويعالجها

стр. 223

بالطريق القويم، ويأتي بالأدلة المتنوعة من شريعة الإسلام التي تهدي الأمةَ إلى ما ينشر فيها الأمن والرخاء، والتعاون على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان. إن الخطاب الدعوي عندما تتوفر فيه هذه الضوابط، ويلتزمها الداعية في خطابه، يكون له أثره العظيم في الإصلاح وفي رقي الأمة وسعادتها. وإن الخطاب الدعوي يجب أن يكون مستمدًّا من هدي القرآن الكريم ومن السنة النبوية المطهرة؛ لأنهما الأصلان اللذان تقوم عليهما شريعة الإسلام، كما يجب أن يكون مسيرًا للأحداث، ومتأثرًا فيها. فإنه أيضًا يجب أن يكون مبنيًّا على الصدق الذي لا تحوم حوله شبهة، ولا يقاربه ما يخالف الحقيقة، وذلك الصدق هو الإخبار بالحق، وهو لون من القوة التي هي على رأس الصفات التي يحبها الله تعالى؛ لأنها صفة من صفاته، واسم من أسمائه. هذه هي ضوابط الخطاب الدعوي. رسالة الخطاب الدعوي أما رسالة الخطاب الدعوي، فنقول فيها: للدعوة الإسلامية أهداف تدور حول ثلاثة محاور أو جوانب: الأول: جانب الصلة بالله تعالى، وهذا الجانب يتحقق بالعبادة الخالصة لله سبحانه عقيدةً وشريعةً وأخلاقًا؛ امتثالًا لقوله سبحانه:﴾ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿(البقرة: ٢١). الجانب الثاني: جانب الصلة بالنفس الإنسانية، ويتحقق هذا الجانب بالمحافظة على النفس وعدم تعريضها للمخاطر والمفاسد؛ امتثالًا لقول ربنا سبحانه:﴾ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴿(البقرة: ١٩٥) وقوله:﴾ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ﴿(النساء: ٢٩)﴾ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴿(الشمس: ٧ - ١٠).

стр. 224

الجانب الثالث: جانب الصلة بالناس، وهذا الجانب يتحقق بالتآخي والتعاون والتعاطف؛ امتثالًا لقول ربنا سبحانه:﴾ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴿(الحجرات: ١٠). وقد أشار النبي ﷺ إلى هذه الجوانب الثلاثة بقوله: ((اتقِ الله حيثما كنتَ، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن)). أهداف الجوانب الثلاثة للدعوة الإسلامية: تهدف هذه الجوانب الثلاثة إلى السمو بالإنسان، واحترام عقله وفكره، حينما تحقق الصلة بالله تعالى إيمانًا وإسلامًا وإحسانًا. ثانيًا: تطهير النفس وتزكيتها حينما تتحقق الصلة بالنفس محافظة عليها وصيانة لها. الثالث: استقامة السلوك الإنساني حينما تتحقق الصلة بالآخرين حبًّا وإخاءً. والنتيجة العامة لهذه الجوانب أهدافها تكمن أو تتحقق في الوصول إلى أسمى درجات الكمال الإنساني الممكنة في مجال العقل والخلق والسلوك، وهي جوانب وأهداف تسمو بالإنسان في تفكيره وسلوكه وأخلاقه وتعاونه، ولا ترمي إلى نفع ذاتي، ولا إلى مصلحة خاصة، وإنما هدفها الخير العام للناس جميعًا. هذه هي المحاور الثلاثة التي تهدف إليها الدعوة، وتعمل من أجلها، والتي يسعى الداعية بخطابه الدعوي إلى تحقيقها. وبالتأمل الدقيق في آية واحدة من كتاب ربنا وهي الآية التي سبقت الإشارة إليها من سورة "الإنعام":﴾ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُم عَلَيْكُمْْ ﴿إلى آخر الآيات. إن المتأمل في هذه الآيات يراها تدعو إلى:

стр. 225

إخلاص العبادة لله الواحد القهار؛ لأن الإشراك بالله هو أعظم المحرمات وأكبرها إفسادًا للفطرة، ولأنه الجريمةُ التي لا تقبل المغفرة من الله، بينما غيره قد يقبل المغفرة منه سبحانه كما قال :﴾ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ﴿(النساء: ٤٨). ثانيًا: إلى الإحسان إلى الوالدين؛ لأنهما هما السبب المباشر في وجود الإنسان في هذه الحياة. ثالثًا: إلى رعاية الأولاد والعطف عليهم؛ لأن الحياة حق لهؤلاء الصغار، كما أنها حق لغيرهم من الكبار. رابعًا: إلى عدم الاقتراب من الأقوال القبيحة والأفعال الذميمة سواء ما كان منها ظاهرًا وما كان منها خافيًا؛ لأن المجتمع الفاضل الطهور هو الذي يؤمن بأن هناك فضائلَ يجب أن تعتنق، وأن هناك رذائلَ يجب أن تجتنب، أما المجتمع الذي يسوي بين القبيح والحسن فلا بد أن يكون مصيره إلى التعاسة والضعف والخسران. خامسًا: إلى المحافظة على النفس الإنسانية، وعدم التعرض لها بالأذى أو بالقتل، إلا إذا ارتكبت ما يوجب عقابها أو قتلها. سادسًا: إلى عدم الاقتراب من مال اليتيم الذي فقد الأب الحاني إلا بالحق، ونهت عن التعرض لما هو من حقه إلا بالوجه الذي ينفعه في الحال، أو في المآل. سابعًا: إلى الوفاء في الكيل والوزن وسائر المعاملات، بحيث يعطَى صاحب الحق حقه دون نقصان أو بخس، ويأخذ صاحب الحق حقه دون زيادةٍ أو طمعٍ. ثامنًا: إلى العدل في القول كما قال تعالى:﴾ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ﴿(الأنعام: ١٥٢) أي: وإذا قلتم قولًا فاعدلوا فيه ولو كان المقول له أو

стр. 226

عليه صاحب قرابة منكم، إذ هذا هو أساس الحكم السليم: العدل في القول، والعدل في الحكم، والعدل في الشهادة، والعدل عند الإصلاح بين الناس، والعدل مع العدو، ومع الصديق، مع القريب، ومع البعيد. والقرآن عندما قال:﴾ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ﴿أراد أن يرتفع بالضمير الإنساني إلى مستوى سامق رفيع يتحرى فيه الإنسان العدالة في كل أحواله ولو إيذاء أقرب الأقربين إليه. تاسعًا: إلى الوفاء بالعهود كما قال تعالى:﴾ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ﴿(الأنعام: ١٥٢). عاشرًا: إلى اتباع الصراط المستقيم الذي يدعو المسلم خالقه في اليوم الواحد سبع عشر مرةً في صلاته المفروضة بالثبات عليه والزيادة منه:﴾ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴿(الفاتحة: ٦). هذه هي الوصايا العشر التي جاءت بها هذه الآيات الكريمة من سورة "الأنعام"، والمتدبر فيها يراها قد وضعت أساس العقيدة السليمة في إخلاص العبادة لله تعالى وحده، وبنت الأسرة الفاضلة على أساس الإحسان إلى الوالدين والرحمة بالأولاد، وصانت المجتمع من التصدع عن طريق تحريمها الانتهاك: الأنفس والأموال والأعراض، ونهت عن الاقتراب من مال اليتيم إلا في دائرة الأحسن والأنفع له، وحرضت على الوفاء بالعهود؛ لأن هذا الوفاء صفة من صفات الله، وصفة من صفات الأنبياء والمرسلين. هذه هي أهداف الخطاب الدعوي، وهذه هي الرسالة التي يريد الداعية أن يبلغها للمدعوين من خلال خطابه الدعوي. هذا، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 227

الدرس: ١٣ مثالب الخطاب الدعوي وطرق علاجها .

стр. 228

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثالث عشر مثالب الخطاب الدعوي وطرق علاجها إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد: فإذا عرفنا ضوابط الخطاب الدعوي، فإننا نستطيع أن نقول: إن عدم الالتزام بهذه الضوابط يعد من مثالب الخطاب الدعوي، ونستطيع القول: بأن من مثالب الخطاب الدعوي إهمال التحضير، عدم حسن الاختيار، خلو الخطاب من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وأقوال سلف الأمة، عدم حسن الإلقاء، الإخلال بقواعد اللغة العربية، التطويل الممل، التقصير المخل، عدم وحدة الموضوع، عدم التمييز بين الصحيح المقبول والضعيف المردود، الجري وراء الشواذ والغرائب والموضوعات والإسرائيليات؛ حرصًا على رضا الجمهور. فهذه بعض مثالب الخطاب الدعوي، وقد حذر منها العلماء، وأرشدوا إلى طرق علاجها. وإليك -أيها الداعية المجد الحريص على أن يهدي الله بك- بعض ما قاله العلماء في مثالب الخطاب الدعوي وطرق علاجها. يقول الدكتور حسن عبد الرءوف: لا شك أن الخطبة وسيلة قوية وفعَّالة في تبليغ الدعوة، وهي ليست عملية سهلة وليست مجرد كلام يقال دون ترتيب أو تبويب أو تنظيم، حيث إنه يتحتم على الخطيب حين يريد أن يخطب الاستعداد والإعداد لهذا الكلام الذي لا بد وأن يكون له معنى، وأن يقصد من ورائه إقناع الجمهور، واستمالتهم إلي مقولته، وأن يتصور الخطبة بوجدانه قبل أن يلقيها، وأن يفكر في عناصرها، وأن يقف على الأدلة والبراهين التي سيوردها خلال إلقائها، ويهيئ ويرتب أسلوبه وبيانه الذي سيحدث به المستمعين. ولكي تنجح الخطبة ويحقق الخطاب الدعوي الغرض منه لا بد أن يراعي الداعية الخطيب في خطابه الدعوي ما يلي:

стр. 229

أولًا: إعداد الخطبة إعدادًا علميًّا سليمًا: فلا بد للخطيب أن يبذل جهده ووقته في إعداد خطبته إذا أراد لها النجاح، فلا نجاحَ دون الأخذ بأسبابه، ومن أسباب نجاح الخطبة: أن تكون معدة ومحضرة ومهيأةً؛ حتى مع مَن يسهل عليه إلقاء الخطب، ولعل السبب في ضعف الخطبة وقصورها في هذا العصر هو هذا الإهمال من جانب الخطباء في إعداد وتهيئة الخطبة وعدم تحضيرها، ولن ينجح الدعاة في خطبهم إلا إذا أعدوها واهتموا بها، وتخيروا موضوعاتها بدقة. وإعداد الخطبة يمر بمراحل متعددة حتى تظهر بصورتها اللائقة بها، وهذا الإعداد يبدأ: أولًا: باختيار الموضوع وتحديده في العقل والاقتناع به. ثانيًا: تحليل الموضوع الذي وقع الاختيار عليه لعناصره الأساسية. ثالثًا: اختيار أدلته وتنسيق هذه الأدلة. رابعًا: صياغة المعاني في قالب بياني فصيح، وأسلوب بليغ يتناسب مع المستمعين. وهذه المراحل العلمية لإعداد الخطبة ضرورية، وجميعها يؤدي في النهاية إلى خطبة جميلة مؤثرة متماسكة ناجحة، يرضَى عنها صاحبها ويرضى عنها كل مَن يستمع إليها. ثانيًا: يجب أن يراعي الخطيب عند اختياره لموضوع الخطبة ما يلي: أولًا: عقلية المدعوين. ثانيًا: نفسياتهم.

стр. 230

ثالثًا: المناسبة. ثالثًا: الاستشهاد بالآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والتطبيقات العملية لها من قِبل الرسول ﷺ والرسل الكرام. فإن ذكر التطبيق يجعل معنى الآية والحديث مشهودًا محسوسًا. رابعًا: الاستعانة بالقصص الواردة في الكتاب والسنة، ولا بأس من تصوير المعاني بشكل قصصي، ولا بأس أيضًا بضرب الأمثال. خامسًا: ألا يطيل الخطبة، فعن عمار بن ياسر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن طول صلاة الرجل وقِصر خطبته مئمةٌ من فقهه، فأطيلوا الصلاة، وأقصروا الخطبة)). سادسًا: اختيار الأسلوب البسيط الواضح؛ لأن الذين يسمعونه ليسوا في مستوى واحد من العلم والقدرة على فهم الخطاب. سابعًا: اعتدال الصوت، وموافقته للأحوال، بحيث يجعله مطابقًا للمعاني التي يصدرها بالألفاظ ويمثلها بالصوت، ويكيف الصوت بكيفيات خاصة وانفعالاتٍ تتناسب مع المعني الذي يقصده. ثامنًا: على الخطيب أن يكون حاضر الذهن، سريعَ البديهة، بحيث إذا أحس بملل المستمعين أو بعضهم عرف كيف يغير الحديث، وينتقل إلى فكرة جديدة بحيث يدفع عنهم هذا الملل. تاسعًا: على الخطيب أن يكون ذا صدر رحب لا يضيق إذا هُوجم، وإذا استداره أحد من المستمعين لا يستولي عليه الغضب.

стр. 231

عاشرًا: الإلمام بالكثير من العلوم الإنسانية كالتاريخ والجغرافيا، وعلم النفس وعلم الاجتماع، وعلم الأخلاق، ومعرفة الملل والنحل، ومذاهب الأمم فيها، والعلم بلغات الأمم التي يراد دعوتها. حادي عشر: لا بد أن يظهر الخطيب بمظهر لائق به وبمركزه؛ لأن مظهر الخطيب من الأشياء التي يجب الاعتناء بها. ثاني عشر: أن لا يتعمد الخطيب تجريح الأشخاص أو الجماعات، فَلَمْ تُشرع خطبة الجمعة للسب والشتم. ثالث عشر: على الخطيب أن يعرف أن التركيز والتلخيص من أسباب نجاح خطبته، ويتم ذلك بعرض المعلومات التي يتناولها الموضوع، ثم يعيدها بشكل موجز مختصر. رابع عشر: إتقان تلاوة القرآن الكريم، والإلمام بمصطلح الحديث؛ وذلك ليتمكن الخطيب من تمييز الصحيح المقبول من الضعيف المردود. وهناك أمور أخرى يجب أن يراعيها الخطيب؛ حتى تؤدي خطبته دورها، ولكننا نكتفي بما ذكرناه. ويقول الشيخ عبد الله ناصح علوان: الداعية إلى الله لا يكون موفقًا في دعوته وتبليغه، مالكًا للب محدثه وجليسه، قائمًا بمسئولية إصلاحه وتقويمه، إلا أن يتأسى بسيد الدعاة ﷺ في تحدثه وحواره، ويأخذ بأصوله ومنهجه -صلوات الله وسلامه عليه- في تبليغ الناس ودعوتهم، والتحدث إليهم.

стр. 232

أصول ومنهج وأساليب الرسول ﷺ في حديثه وحواره وإليك أهم أصول منهجه ﷺ في التحدث والحوار: أولًا: التحدث باللغة التي يفهمها المخاطبون: تحقيقًا للمبدأ الذي ذكره رب العالمين حيث قال:﴾ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ﴿(إبراهيم: ٤) ولا يمكن للداعية أن يؤثر في البيئة التي وجد فيها حتى يكون متقنًا للغة أهلها، فاهمًا للهجات قبائلها، عالمًا بما يخاطب به عوامها أو مثقفيها، فإن لم يكن الداعية الخطيب على هذا المستوى من إتقان اللغة وفَهم اللهجات والعلم بحقيقة المخاطبين، فتأثيره في الناس يكون ضعيفًا، والإقبال عليه يكون ضئيلًا، وربما يخفق في تبليغه ويفشل في دعوته دون أن يصل في القوم إلى فائدة أو جدوى. نعم، في حال جهل الداعية بلغة البلد يمكن أن يغني عنها الترجمة، ولكن هذه الترجمة لا تغني عن اللغة الأصلية في إيصال فكر الداعية إلى الجمهور مهما كانت الترجمة دقيقة، ولا يمكن للجمهور أن يتفاعل مع الداعية مهما كان المترجم لهم فصيحًا بليغًا، فالتخاطب على أساس لغة البلد إذًا هو عامل كبير من عوامل نجاح الداعية، ومن مقومات تأثيره في البيئة التي يدعو إلى الله فيها، ألا فليعلم الداعية هذه الحقيقة إن أراد أن يحدث في الأمة تأثيرًا، وفي المجتمعات الإنسانية تغييرًا. ثم ماذا عن التكلم باللغة العربية الفصحى في بلد يتكلم أهله بالعربية؟

стр. 233

الأصل في الداعية المسلم -بغض النظر عن لونه أو جنسه أو لغته- أن يتكلم باللغة العربية الفصحى، باعتبار أن هذه اللغة هي شِعار الإسلام، ولغةُ القرآن، وباعتبار أن النبي ﷺ عربي، وكلام أهل الجنة عربي، والأمة التي حملت إلى الدنيا رسالة الإسلام في الصدر الأول كانت تتكلم العربية. وقد قال معاذ بن جبل أو قد ألمح إلى ذلك الحافظ ابن عساكر عن مالك حيث قال: "يا أيها الناس، إن الرب واحد، وإن الأب واحد، وإن الدين واحد، وليست العربية من أحدكم بأب ولا أم، وإنما هي اللسان، فمَن تكلم بالعربية فهو عربي". فإذا كان الأمر كذلك، فعلى الداعية المسلم إذا وُجِد بين قوم يحسنون اللغة العربية ويفهمونها فهمًا تامًّا، أن يتكلم اللغة العربية الفصحى، وعليه ألا يعدل عنها إلى لغة أخرى ولو كان القوم الذين يدعوهم يتكلمون بلغة غير العربية؛ لأن اللغة العربية -كما أشرنا- هي شعار الإسلام ولغة القرآن، فلا يجوز أن يتخذ الداعية غيرها بديلًا في غير ضرورة. فمن الجحود للغة القرآن أن يعدل القادر على النطق بها إلى لغة أخرى، أو يتكلم مَن يحسن الفصحى بلغة عامية محلية لا تمت إلى العربية الأصلية بصلة ولا نسب، وزينة المسلم فصاحة لسانه، وجماله حلاوة منطقه، ولا تتأتى هذه الفصاحة وهذا الجمال إلا بهذه اللغة الأصيلة الخالدة التي اختارها الله لأمة الإسلام، وحملة القرن. فعلى الخطيب أن يحرص على لغته، وسلامة منطقه، وأن يبتعد عن اللحن، وأن يعلم أن كثيرًا من جمهوره ينقدونه في أخطائه اللغوية وإن كانوا لا يعرفون القواعد، فقد قالوا: الأذن مجاجة. وعلى الخطيب أن يتذكر أن جمهوره لا يخلو وإن قل من أساتذة في اللغة يضيقون ذرعًا بلحن الخطيب وهو يخطب وهم جالسون.

стр. 234

ولكن ماذا يصنع الداعية إذا كان في بيئة لا تعرف التفاهم بالفصحى، ولا تفهم التخاطب بالعربية الأصيلة؟ نقول: إذا استطاع الداعية أن يبسط حديثه ويوضح أسلوبه بشكل يعي الناس منه ويفهموا عنه فليفعل، وإن لم يستطع فيجد نفسه مضطرًّا إلى أن يتكلم بالأسلوب الذي يناسبهم واللغة التي يفهمونها واللهجة التي يدركون مغزاها، فلا بأسَ، فهذا من باب: أمرنا أن نحدث الناس على قدر عقولهم. ثانيًا: التمهل بالكلام أثناء الحديث: من أدب الداعية حين يريد التحدث أن يتحدث بتؤدة وتمهل حتى يفهم الناس عنه، ويعقلوا ما سمعوا منه، وهذا ما كان يفعله الداعية الأكبر -صلوات الله وسلامه عليه- تعليمًا للدعاة، وإرشادًا لمن يتصدون لتعليم الناس. روى الشيخان عن عائشة ﵂ قالت: ((ما كان رسول الله ﷺ يسرد الحديث كسردكم هذا، يحدث حديثًا لو عده العادُ لأحصاه)) ولكن هناك فرق كبير بين تحدث رسول الله ﷺ وبين تحدث الداعية، والفرق ملحوظ في أمرين هامين: أحدهما: الرسول ﷺ قد أوتي جوامع الكلم، وأكثر أحاديثه كلمات معدودات، والداعية مهما كان بليغًا على خلاف ذلك تمامًا. ثانيهما: النبي ﷺ لا ينطق عن الهوى، بل كل أقواله وأحاديثه تشريع لأمة الإسلام، والداعية مهما كان حكيمًا ليس كذلك. وإذا كان هذا هو الفرق فبِود الداعية أن يطنب في كلامه، وأن يتعجل في حديثه، ولا سيما في المواقف التي فيها تفاعل وإطناب، كالحث على الجهاد، أو التحدث في مناسبات الشدائد والأزمات، ولكن على الداعية أن لا يسرع كثيرًا في خطبته

стр. 235

أو حديثه؛ حتى لا يأكل الكلام بعضه بعضًا، وحتى لا تختلط على المستمعين الحقائق والأفهام. ثالثًا: النهي عن التكلف في الفصاحة: فمن أدب الداعية في التحدث أن يبتعد عن التنطع في الكلام، والتكلف في الفصاحة، والتشدق بالحديث، والثرثرة باللسان. فقد روى أبو داود والترمذي بسند جيد عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة بلسانها)) وإذا تحقق الداعية بهذا الأدب فيكون قد تأسَّى بسيد الدعاة ﷺ فقد روى الشيخان عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ : ((كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا حتى تفهم عنه، وإذا أتى على قوم سلَّم عليهم، وكان ﷺ يتكلم بكلام الفصل، لا هزر ولا نزغ، ويكره الثرثرة في الكلام، والتشدق به)) أي: التكلف. وكم يكون الداعية محجوبًا لدى سامعيه حين يتحدث عليه أمرات التشدق وظواهر الثرثرة، وكأنه يقول للناس: هل عرفتم من حديثي كم أنا خطيب؟!! هل عرفتم من كلامي كم أنا بليغ؟!! هل عرفتم من أسلوبي كم أنا فصيح؟!! فإذا لم يكن هذا رياء، فما هو الرياء؟ نعوذ بالله. ألا فليحذر الدعاة من مزالق الشيطان ودبيب الرياء، وليتركوا الحديث ينطلق من ألسنتهم على سجيته وطبيعته بدون تنطع ولا تكلف إن أرادوا أن يكونوا في أعمالهم من المخلصين، وفي أحاديثهم من المقبولين المؤثرين. رابعًا: التحدث بالحديث الذي ليس بالطويل ولا بالقصير: فمن أدب الداعية في التحدث أن يكون في حديثه مقتصدًا معتدلًا بحيث لا يصل الأمر في التحدث إلى الاختصار المخل، ولا إلى التطوال الممل؛ ليكون الحديث

стр. 236

أوقعَ في نفوس السامعين، وأشوقَ إلى قلوبهم، وأحب إلى أسماعهم. ولو تأملنا مواقف النبي ﷺ ومواقف أصحابه مع الجمهور الذين يستمعون إليهم ويستفيدون منهم، لرأيناها مقتصدة معتدلة ليتأسى الدعاة بهم، وليأخذوا عنهم. روى مسلم عن جابر بن سمرة ﵁ قال: ((كنت أصلي مع النبي ﷺ فكانت صلاته قصدًا وخطبته قصدًا)) أي: وسطًا. وروى الإمام أحمد وأبو داود من حديث حكيم بن حزام ﵁ قال: ((شهدت مع رسول الله ﷺ الجمعة فكان متوكئًا على عصا، فحمِد الله وأثنى عليه، فكانت كلمات خفيفات، طيبات مباركات)). وفي الصحيحين: كان ابن مسعود يذكرنا في كل خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، لوددت أنك ذكَّرتنا كل يوم، فقال: ((أَمَا أنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملكم، وإني أتخولكم -أي: أتعهدكم- بموعظة كما كان رسول الله ﷺ يتخولنا مخافةَ السآمة علينا)). ولا شك أن الداعية إذا ابتعد عن الثرثرة اللسانية، وتجنب الحشو في الكلام، ولم يلجأ في شواهده وأفكاره إلي التكرار، وتكلم في لُب الموضوع دون مقدمات طويلة مملة، وجاء حديثه مقتصدًا معتدلًا مقبولًا لدى مستمعيه، بل أعطى المثل الأعلى في وسطية أحاديثه، واقتصاد مواعظه، اللهم إلا في بعض الحالات الخاصة وجد من المصلحة أن يطنب في الحديث، ويكرر في الكلام، ويؤكد بالشواهد. كأن يكون مثلًا في بيئة عامية جاهلة، يشرف على توجيهها ويقوم على تعليمها، فلا بأس من الإطناب والتكرار على أن لا يطيل كثيرًا حتى لا ينفر الناس منه ويعرضوا عنه.

стр. 237

خامسًا: المخاطبة على قدر الفهم: فمن أدب الداعية في حديثه أن يحدث جليسه بما يتناسب مع عقليته وثقافته، وبما يتفق مع عمره وفهمه، فقد أمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم، وكم يعيب الداعية أن يحدث قومًا عن الذَّرة وأسرارها، والكواكب وأبراجها، والأرض ودورانها، والعلوم ومعارفها، والقوم الذين يجالسهم لا يقرءون ولا يكتبون، وفي غَمرات الجهالة سادرون. وكم يكون الداعية فاشلًا حين يكون في بيئة لا تؤمن بدوران الأرض ولا بحركتها، بل تعتبر مَن يقول هذا كافرًا خارجًا عن ملة الإسلام. كم يكون فاشلًا حين يسفه رأي أهلها، ويرميهم بالجهل المطبق، والضلال المبين. من أجل هذا أمر نبي الإسلام -صلوات الله وسلامه عليه- الدعاة والعلماء والمرشدين في كل زمان ومكان، أن يحدثوا الناس بما تحمله عقولهم؛ حتى لا يقعوا في الفتنة. في مقدمة (صحيح ومسلم): عن ابن مسعود ﵁ قال: "ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة". وكم يكون الداعية غير موفق حين يجلس مع القوم من الملاحدة الماديين ويحدثهم عن الروح، وسؤال الملكين، والبعث والحساب، والجنة والنار، وهم لا يؤمنون أصلًا إلا بما تراه حواسهم، ولا يعتقدون إلا ما كان خاضعًا للتجربة والحس، وداخلًا في نطاق المشاهدة والواقع. فمن الطبيعي أن يهزءوا به ويستهتروا به ويتولوا عنه. وكم يكون الداعية غير مسدد حين يجلس مع طبقة من المثقفين الذين لم يخالط الإيمان بَشاشة قلوبهم، وذهب يحدثهم عن كرامات الأولياء، وعن وظائف الملائكة، وعن أخبار الجن، وهم ليسوا من الوعي الناضج، والإيمان المكين،

стр. 238

والثقافة الإسلامية الشاملة، حتى يسلموا بما يحدثهم، ويصدقوا أخبار الوحي فيها. ومن أجل هذا أمر نبي الإسلام ﷺ كل مَن يتصدى للتعليم والدعوة والإرشاد أن يحدث الناس بما يعرفون ويفهمون حتى لا يكذب الله ورسوله. روى البخاري في صحيحه عن علي ﵁ موقوفًا: "حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ ". فما على الداعية الموفق إلا أن يأخذ بهذا المبدأ العظيم: "أمرنا أن نحدث الناس على قدر عقولهم" إن أراد ذلك الداعية أن يكون من الدعاة المرموقين، ومن رجال الدعوة المعدودين، ومن يؤتَى الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا. ومن أهم ما يجب على الداعية أن يراعيه في خطابه الدعوي: البدء بالأهم قبل المهم إن الداعية لا ينجح في دع وته ولا يكون موفقًا في تبليغه، حتى يعرف مَن يدعوهم، وكيف يدعوهم؟ وماذا يقدم معهم؟ وماذا يؤخر؟ وما القضايا التي يعطيها أهميةً وأولويةً قبل غيرها؟ وما الأفكار الضرورية التي يطرحها ويبدأ بها؟ هذه الطريقة في الدعوة -طريقة البدء بالأهم قبل المهم- هي طريقةُ الرسول ﷺ والذين اتبعوه بإحسان، فلقد مكَثَ ﷺ في مكة ثلاث عشرة سنة يدعو الناس إلى "لا إله إلا الله" وحينما هاجر إلى المدينة وأخذ في إيفاد رسله إلى الدول والبلاد المجاورة للدعوة، أمرهم كذلك أن يبدءوا بما بدأ به. أخرج الشيخان وغيرهما عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذًا إلى اليمن، قال له: ((إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله تعالى افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك،

стр. 239

فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة، تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم، فإذا أطاعوك بها فخذ منهم، وتوقَّ كرائمَ أموالهم، واتقِ دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)). من هذا الحديث يتبين لنا: أن على الداعية أن يبدأ بالأهم ثم المهم، أن يبدأ في الدعوة بالعقيدة قبل العبادة، وبالعبادة قبل مناهج الحياة، وبالكليات قبل الجزئيات، وبالتكوين الفردي قبل الخوض في الأمور العامة. ومما يؤكد هذه الأهمية دعوة النبي ﷺ إلى ما هو أهم عما هو مهم في الفترة المكية، ففي هذه الفترة بالذات كان ﷺ يركز في الدعوة إلى الله على الإيمان بالله ووحدانيته، والتعرف على الله عن طريق الظواهر والآثار، ويركز أيضًا في الرد على مزاعم الدهريين، وإقامة الحجة عليهم، ومنكري البعث، ودحض مفترياتهم، ويركز كذلك على إثبات الرسالة، وإظهار خصائصها، وفضح الجاهلية، وتجسيد عوارها ومفاسدها. ولو لم يكن النبي ﷺ عالمًا بمعتقدات القوم، بصيرًا بأحوال الجاهلية، خبيرًا بعادات البيئة، لَمَا بدأ معهم بإصلاح العقيدة التي هي في نظره الأهم، ولَمَا ركز في دعوته على هذه القضايا التي تصل بالإيمان بالله ووحدانية الخالق، وترتبط بالاعتقاد بالمغيبات، حتى إذا دخل القوم حظيرة الإسلام وخالط الإيمان بشاشة قلوبهم، جاءت مرحلة المهم، ألا وهي التزام القوم الإسلام على أنه أصول معاملة، ومبادئ حكم، ومناهج حياة. فهذا ما ركز عليه ﷺ في الفترة المدنية حين أقام معالم المجتمع الفاضل في المدينة المنورة بعد أن صلحت عقيدة الأمة، وترسَّخ في أبنائها الإيمان بالمغيبات. ويخطئ الداعية حين يكون في مجتمع يدين أهله بالشيوعية، ويذهب يحدثهم عن العبادة أو مناهج الحياة، أو أخلاق الإسلام، يحدثهم بهذا وقد ترك التحدث

стр. 240

بالأهم، ألا وهو التكلم عن الآثار والظواهر التي تدل على الله، والتحدث عن البراهين العقلية والأدلة العملية التي توصل الإنسان إلى معرفة الله ووحدانيته، ويمكن أن يستقرئها الداعية من آيات الكون الباهرة، وظواهر الحياة المبدعة، ومعالم التكوين الدقيق في خلق الإنسان، وما أكثرها في العالم السفلي والعالم العلوي وعالم الحياة. ورحم الله أبا العتاهية حين قال: وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه الواحد ويخطئ الداعية حين يكون في بيئة يدين أهلها بالإسلام ولكن يغلب عليهم الطابع الأمي، والمظهر الفطري، والاتجاه السليم، ويذهب يحدثهم عن الفلسفات الفكرية العالمية ونقدها، والنظريات العلمية الحديثة، وموقف الإسلام منها، والمذاهب الاجتماعية الحاضرة وتناقضها مع بعضها، يذهب يحدثهم بهذا وقد ترك التحدث بالأهم، ألا وهو العلم والتعلم، والأخلاق والتخلق، والإيمان وأثره، والعبادة ومفهومها، والمعاملة وحقيقتها. وبود الداعية أن يصنف المواضيع التي يطرحها في بيئة كهذه على حسب أهميتها؛ ليتناول واحدةً بعد واحدةٍ في الوقت المناسب حتى ينتهي منها. ويخطئ الداعية حين يكون بين طبقة مثقفة آمنت بإسلام عظيم عقيدةً ونظامًا، وتحققت به سلوكًا ومعاملةً، وحملته إلى الناس تبليغًا ودعوةً، وذهب يحدثهم عن أبسط مبادئ الإسلام وأظهر أركان الإيمان، كالإيمان بالله والرسل، والاهتمام بالصلاة والصيام، وهذه الأمور من المسلمات، بل من البديهيات المعلومة من الدين بالضرورة، يذهب يحدثهم بهذا وقد ترك التحدث إليهم بالأهم، ألا وهو مسئولية الشباب في حمل رسالة الإسلام، والشباب وأثرهم في

стр. 241

الإصلاح والتغيير، كيف يتكون الدعاة؟ مؤامرات الأعداء على الإسلام وأهله، هل للداعية أن يرتبط بجماعة إسلامية؟ وما مواصفات الجماعة التي يرتبط بها الداعية؟ ما العقبات التي تواجه الدعاة؟ وبإمكان الداعية أن يصنف هذه المواضيع الهامة ليتناولها واحدةً بعد واحدةٍ في الوقت المناسب، وهكذا حتى ينتهي منها، ويطمئن أنه قد أدى رسالته، وأن دعوته قد آتت أكلها بفضل الله ثم بفضل التزامه بضوابط الخطاب الدعوي، وابتعاده عن مثالب الخطاب الدعوي. ضرورة توافر النطق الجيد لدى الخطيب، وحسن الصوته وتمرينه أما الإمام محمد أبو زهرة ﵀ فقد حدثنا عن مثالب الدعوة أو مثالب الخطاب الدعوي وطرق علاجها، فقال ﵀ عما يجب على الداعية أن يلتزمه أثناء خطابه، قال: النطق الحسن هو الدعامة الأولى للإلقاء الجيد، وإذا اعترى النطق ما يفسده ضاع الإلقاء، فضاعت معه الخطبة وأثرها، وفقد الخطيب ما يسمو إليه من وراء البيان، ولا شيء يذهب بالمعنى الجيد أكثر من النطق الرديء، وكثيرًا ما يفهم المعنى على غير وجهه؛ لأن النطق قلبه، ولم يصوره تصويرًا صادقًا. والنطق الجيد يحتاج إلى عناصر أربعة لا بد من توافرها، فإذا فقد أحدها ذهب أحد أركانه فاختل بنيانه، وها هي: أولًا: تجويد النطق: بأن يخرج الحروف من مخارجها الصحيحة، فلا ينطق بالثاء سينًا، ولا بالذال زايًا، ولا بالجيم كما ينطق العامة "جيمًا" وهكذا كل مخارج الحروف.

стр. 242

فيجب أن يهتم الخطيب بأن يكون الحرف خارجًا من ينبوعه، صادرًا عن مخرجه الذي عُرِف عن العربي النطق به منه، وإن العناية بنطق الحروف نطقًا صحيحًا وإخراجها من مخارجها، ليس معناها أن يتشادق الإنسان ذلك التشادق الذي يقع فيه بعض المتكلمين أو الخطباء، فيكسو النطق تكلفًا يثير سخريةَ السامعينِ، أو يثقل القول عليهم، بل معناه أن ينطق بالحرف من مخرجه من غير تكلف ولا تشادق ولا توعر، بل في يسر ورفق وسهولة؛ لأن ذلك التشادق يوقع أولئك المتكلمين في نقيض ما يرغبون، فينطقون بالحروف من غير مخارجها الصحيحة، كبعض الخطباء الذين يدفعهم غلوهم إلى النطق بالجيم بما يقرب من الشين؛ فرارًا من نطق العامة، فيدفعهم فرارهم هذا من نطق العامة إلى عيب آخر، لا يقل عن الأول خروجًا عن جادة الفصحى. وقد قال بعد الأدباء: إن التشادق من غير أهل البادية عيب؛ لأن أهل البادية في الزمن الأول كان نطقهم هو الصورة الصحيحة للنطق العربي القويم. ثانيًا: مجانبة اللحن وتحري عدم الوقوع فيه: يجب على الخطيب أن يهتم بتصحيح الكلام الذي ينطق به، وأن يلاحظ ذلك في مفرداته وعباراته، أن يلاحظ بنية الكلمات ملاحظةً تامةً، فلا ينطق مثلًا بكلمة "سَوَقَ" بفتحتين كبعض الخطباء، فيذهب ذلك بروعة القول وبهائه، ولا ينطق بغير ما توجبه قواعد النحو في آخر الكلمات، فإن ذلك يفسد المعنى وقد يقلبه. فعلى الداعية أن يهتم بقواعد النحو اهتمامًا، وأن يراعي أن في جمهوره مَن قد يكون أعلمَ بقواعد اللغة منه، فعليه أن ينتبه إليهم وهم يستمعون إليه وينظرون إليه، وعليه أن يتفحص نظراتهم؛ ليرى ما وراء هذه النظرة، فينتبه إلى أنه قد لحن، أو وقع في خطأ لغوي أثناء خطابه الدعوي.

стр. 243

ثالثًا: تصوير النطق للمعاني تصويرًا صادقًا: بأن يعطي الخطيب كل كلمة وكل عبارة حقها، ويظهرها بشكل تتميز به عن سواها، فالجملة المؤكِّدة -أو الجملة المؤكَّدة- ينطقها بشكل يدل على التوكيد في النغم كما دل، والجمل الاستفهامية ينطق بها بشكل يتبين منه الاستفهام، والمراد منه في طريق النطق كما دل عليه بالأداة الدالة على الاستفهام. رابعًا: التمهل في الإلقاء: وهو ألزم الأمور للخطيب، وليس بصحيح ما يزعمه بعض الناس من أن الخطيب اللبق هو من يتدفق بيانه تدفقًا، وتنحدر عباراته في سرعة ومن غير تمهل، فإن ذلك -فيما أرى- عيب يجب التخلي عنه والاحتراز منه، إذ النطق السريع المتعجل حيث تجب الأناة ينتج منه تشويه المخارج، وخَلْط الحروف بعضها ببعض؛ لأن عضلات الفم واللسان لا تأخذ الوقت الكافي للانتقال من لفظ إلى لفظ، والإسراع المفرط يجعل الخطيب يهمل الوقوف عند المقاطع الحسنة، والمقاطع لها الأثر الحسن كما علمتَ فيما مضى. والخطيب السريع في نطقه لا يعطي السامع الفرصة الكافية لفهم ما يسمع، وتذوق ما فيه من صقل اللفظ وجودة المعنى وحسن الخيال، فإذا قرعت أذنه عبارة قبل أن يتذوق ما في الأولى من جمال، يَعْرُه التعب، ويسكن قلبه السأم، وينصرف عن الإصغاء. والتمهل فوق ذلك يجعل الصوت يسري إلى السامعين جميعًا بأيسر مجهود متناسب مع المكان والعدد، بينما الإسراع يجعل الكلمات تحتاج إلى مجهود صوتي أكبر؛ ليصل الكلام إلى الآذان.

стр. 244

وقد كان النقاد الأقدمون يعدون بحق من أمارات رباطة جأش الخطيب التمهل في النطق، فقد قال أبو هلال العسكري في (الصناعتين): وعلامة سكون الخطيب ورباطة جأشه، هدوؤه في كلامه وتمهله في منطقه. قال ثُمامة: كان جعفر بن يحيي أنطق، قد جمع الهدوء والتمهل، والجزالة والحلاوة، ولو كان في الأرض ناطق يستغني عن الإشارة لكان. وقبل أن نترك الكلام في هذا المقام نشير إلى نقطتين: إحداهما: أن الكلام يجب أن يسوده التمهل في الجملة؛ لما بينا، ولكن يصح أن يتفاوت في الجمل بعضها عن بعض، فالجمل الدالة على الفرح والسرور يستحسن أن ينطق بها الخطيب بسرعة نسبية، وكذلك الجمل الدالة على على الغضب؛ ليكون النطق مصورًا للمعنى الروحي لهاتين الحالتين تمام التصوير. ثانيهما: أن لا يظن ظان أن التمهل معناه أن يكون النطق هادئًا هدوءًا تامًّا، فتعدم الخطبة الحياة والقوة، بل يجب أن يكون في نغمات الصوت ورنانه، وملامح الخطيب ونظراته، والتغيير النسبي في التمهل والسرعة، ما يعطي الخطبة الحرارة والقوة والحياة. أما الصوت فمن الناس مَن يسمع الإنسان صوته محدثًا أو قارئًا أو خطيبًا، فيشعر بنغماته تثير ارتياحه، وبرنينه يهز إحساسه، وبعمقه يصل إلى أبعد غور في نفسه، وبأشكال مختلفة يتضح المعنى، وينكشف المبهم. ومن الناس مَن تُسمع منه أجمل العبارات وأجودُ الألفاظ الدالة على المعاني، فترى العبارات قد فَقدت جزءًا كبيرًا من بهجتها، وذهب من المعاني أكثر روعتها، فدل ذلك على أن للأصوات أثرًا كبيرًا في حسن وقوع الكلام أو قبحه، وليس المرجع في ذلك جمالها وقبحها، ولكن عمقها وركوزها ورياضتها

стр. 245

على تصوير المعاني، وجودة نقل الخواطر، فإن الألفاظ والأصوات تتعاون في الدلالة على المعاني النفسية، فألفاظ التألم والحزن والغم مثلًا إذا سمعتَها مجردةً ما أثارت في نفسك شيئًا، فإذا سمعتها من متألم واشترك صوت متأثر بالآلام مع اللفظ، أثارت في نفسك خواطر الأسى، ومواضع الحزن، وأحسست بالألم العميق تشترك فيه مع مَن حكى لك آلام نفسه في نغمات صوته. لذلك يجب على الخطيب أن يروض نفسه على تصوير المعاني، وأن يجعل من نغمات صوته وارتفاعه وانخفاضه دلالات أخرى فوق دلالة الألفاظ، وليعمل على أن يكون صوته ناقلًا صادقَ النقل لمشاعر نفسه، وليمرنه التمرين الكافي على أن يكون حاكيًا صادقَ الحكاية لمعاني الوجدان، وخواطر الجنان، وليعلم أنه لا شيء كالصوت يعطي الألفاظ قوة حياة، وأنه إذا أحسن استخدامه خلق به جوًّا عاطفيًّا، يظل السامعين وبه يستولي عليهم. وإذا كان لنا أن نوصي مريد الخطابة بشي فإنا نوصيه بهذين الأمرين: أولهما: أن يجعل صوته مناسبًا لسعة المكان ولعدد السامعين، فلا ينخفض حتى يصير في آذانهم همسًا، ولا يعلو حتى يكون صياحًا، بل يكون بين هذا وذاك، وبين المرتبتين متسع لفنون القول ودرجات الكلام وأنواعه وغاياته، وعند الابتداء يبتدئ منخفضًا، ثم يعلو شيئًا فشيئًا، فإن العلو بعد الانخفاض سهل، وَوَقْعُه على السامعين مقبول، أما الخفض بعد الارتفاع فلا يحسن وقعه. ولذا يجب على الخطيب أن يوازن بين طاقته وبين الزمن الذي تستغرقه خطبته والمجهود الصوتي الذي يجب بذله، وليجعل هاذين على قدر تلك، وإلا أصابه الإعياء قبل الوصول إلى الغاية، فكان كالمنبت لا أرضَا قطَعَ ولا ظهرَا أبقَى. ثانيهما: أن لا يجعل صوته نمطيًّا يسير على وتيرة واحدة وبشكل واحد لا تغير فيه ولا تبديل، فإن ذلك يلقي في نفس السامع سآمةً وملالًا، ووراءهما النفور والانصراف.

стр. 246

إن الخطيب المتصرف المجيد لا يضل في تمييز هذه الأصو ات إذا جعل دليله ما يشعر به من هذه المعاني، وما ير اه من الناس في محادثاتهم المعتادة في رفع أصواتهم أو خفضها، فإن المحادثات المعتادة هي الحاكية الصادقة الحكاية للأمر المألوف والذوق المعروف، فليكن في تغيير صوته صورة مكبرة، مزينة، مجملة بجيد التعابير لما يجري بين الناس، فإنه إن فعل ذلك كان صادرًا في نغماته عن إحساسهم ومشاعرهم وذوقهم العام. ضرورة الابتعاد عن الإسرائيليات والموضوعات والمنكرات، والضعيف أما الدكتور عبد المنعم أبو شعيشع فقد حدثنا وحذَّرنا عن الإسرائيليات والموضوعات والمنكرات التي ابتُلي بها كثيرٌ من الخطباء في خطابهم الدعوي، فقال: ينبغي أن تكون الموعظة ثابتة الأصول، باسقة الفروع، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، وسبيل ذلك التمسك بالصحيح، وترك الأحاديث الواهية والمنكرة والموضوعة والروايات الضعيفة، ففي مجال التفسير يجب على الداعية أن يعرض عن الإسرائيليات. يقول الدكتور: لما عجز اليهود عن مقاومة الإسلام عسكريًّا لجئوا إلى الغزو الثقافي، ودس الإسرائيليات المنكرة في كتب التفسير حتى امتلأت بها، وذلك -أي: تحريف الكلم- من أخلاقهم السيئة كما وصفهم الله تعالى. والذي دعا المسلمين عن الأخذ عن بني إسرائيل ما فهموه من حديث البخاري عن عبد الله بن عمر مرفوعًا: ((بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار)).

стр. 247

قال الدكتور يوسف القرضاوي: وإن رسول الله ﷺ إذ أذن بالتحدث عنهم أمرنا أن لا نصدقهم ولا نكذبهم، فأي تصديق لرواياتهم وأقاويلهم أقوى من أن نقرنها بكتاب الله، ونضعها منه موضع التفسير أو البيان؟ اللهم غفرانك. ولابن كثير ﵀ في تفسيره تعقيبات كثيرة من هذا النوع على الإسرائيليات تتضمن إنكاره عليها ورفضه لها وإن كان يذكرها تبعًا لمن قبله، وفي بعض الأحيان يرفض ذكرها بالكلية مبقيًا القرآن على إجماله دون الخوض في تفصيلات لم يأتِ بها حديث ثابت عن المعصوم ﷺ . كذلك مما يجب على الخطيب أن يحذره ويحذر الوقوع فيه في خطابه الدعوي الأحاديث الضعيفة والأحاديث الموضوعة. يقول الدكتور يوسف القرضاوي: سواء من ذلك ما كان مرفوعًا إلى النبي ﷺ وما كان موقوفًا على بعض الصحابة مثل علي وابن عباس وغيرهما، وما كان منسوبًا إلى بعض التابعين مثل مجاهد وعكرمة والحسن وغيرهم، أو منسوبًا إلى مَن بعدهم من أهل العلم. يجب على الخطيب أن يتفحص الروايات التي يرويها، والأحاديث التي يستشهد بها، وعليه أن يبذل جهده في محاولة تحقيق الحديث الذي يرويه؛ حتى لا يقع في عموم قول النبي ﷺ : ((من كذَب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار)). لقد حذَّر علماء الحديث من رواية الحديث الموضوع في مقام الأحكام والقصص والترغيب وغيرها، إلا مع التنبيه عليه، وبيان أنه حديث موضوع؛ وذلك ليحذر منه القارئ والمستمع. لذا ينبغي على الخطيب الداعية أن لا يأخذ الحديث النبوي الشريف من كتب الوعظ والإرشاد والتصوف والتربية والتاريخ والتفسير ونحوها؛ وذلك لأنها

стр. 248

ليست من كتب السنة المعتمدة، ولا تعنَى بانتقاء الأحاديث التي توردها وغربلتها، ولا تعزوها إلى مَن خرَّجها من أصحاب الكتب الحديثية حتى لو كان مؤلفه من حفاظ الحديث. يقول الدكتور يوسف القرضاوي: حتى حفاظ الحديث الناقدون، إذا ألفوا في الوعظ وما يتعلق به تلخصوا وتساهلوا إلى حد التفريط فيما يروونه في بعض الأحيان، حتى وجدنا الإمام ابن الجوزي صاحب (الموضوعات) و (العلل المتناهية) وغيرها يرخي لنفسه العنان في كتاب (ذم الهوى) وغلبت فيه عاطفة الواعظ على عقلية الناقد الحافظ، وكذلك الحافظ الذهبي رأيناه يتساهل في كتابه (الكبائر). واليوم يشهد العالم الإسلامي نهضة كبرى في تحقيق وتخريج وتبويب كتب الحديث، وتم تسجيلها على شاشات الكمبيوتر، ومن هنا سَهُل على كل خطيب أن يعرف درجة الحديث الذي يريد أن يستشهد به في خطبته، هل هو حديث صحيح مقبول يصلح للاحتجاج به؟ أو هو ضعيف مردود لا ينتهض الاحتجاج به؟ أو هو حديث موضوع مكذوب يجب تركه، بل يجب التحذير منه؟ هكذا، أرشدنا العلماء إلى مثالب الخطاب الدعوي وحذرونا منها، وأرشدونا إلى طرق علاجها، فعلى الخطيب الداعية أن يحرص على اجتناب هذه المثالب، وأن يحذرها، وأن يحذر الوقوع فيها؛ لأنها تصرف الناس عنه، وتجعل جهده لا يؤتي ثماره، ولا يصل إلى غايته. هذا، والحمد لله رب العالمين، وصلى اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 249

الدرس: ١٤ الندوة والمؤتمر، وخصائص كل منهما، وفوائده .

стр. 250

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الرابع عشر (الندوة والمؤتمر، وخصائص كل منهما، وفوائده) الندوة إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ أما بعد: فالندوة لغةً: الجماعة، ونادَى الرجل: جالسه في النادي، وتنادوا أي: تجالسوا في النادي، ويقال: ندوت القوم أندوهم: إذا جمعتهم في النادي، وبه سُميت "دار الندوة" بمكة التي بناها قصي، سميت بذلك؛ لاجتماعهم فيها. قال الجوهري: الندي: مجلس القوم ومتحدثهم، وكذلك الندوة والنادي والمنتدَى. وقد جاء في القرآن الكريم قول رب العالمين سبحانه عن قوم لوط ﵇:﴾ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ ﴿(العنكبوت: ٢٩) قيل: كانوا يحذفون الناس في مجالسهم، فأعلم الله سبحانه أن فعلهم هذا من المنكر، وأنه لا ينبغي أن يتعاشر الناس عليه ولا يجتمعوا علي الهزؤ والتلهي، وأن لا يجتمعوا إلا فيما قرب من الله ورضوانه، وباعد من سخطه وعذابه. وجاء في القرآن الكريم أيضًا قول ربنا :﴾ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ ﴿(العلق: ١٧) يريد عشيرته، وإنما هم أهل النادي، والنادي مكانه ومجلسه، فسماه به. أما الندوة في اصطلاح العلماء: فهي اجتماع مجموعة من المتخصصين أو المهتمين بأمر معين في مكان محدد وزمان محدد؛ لمناقشة موضوع محدد سلفًا، يتناوله كل واحد من المجتمعين من زاوية معينة من زواياه، ويبين كل منهم رأيه وما يعود على الناس من الخير في هذا الموضوع، وقد يُفتح بعد ذلك باب التعليق والمناقشة والسؤال من جانب جمهور المستمعين. والندوة أسلوب من أساليب الدعوة له أهميته، وذلك أن هذا النوع من الوسائل -وسائل الدعوة، وهو الندوة- أقرب إلى النفوس، والندوة لها أهمية كبرى في
следующие страницы →