← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 316

نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر - ت القاسم

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (197 стр.). Показаны 100–139 · переход к 105.

стр. 100

عَنْهُ، (أَوْ) يَكُونُ (خَفِيّاً) فَلَا يُدْرِكُهُ إِلَّا الأَئِمَّةُ الحُذَّاقُ المُطَّلِعُونَ عَلَى طُرُقِ الحَدِيثِ وَعِلَلِ (١) الأَسَانِيدِ. (فَالأَوَّلُ): - وَهُوَ الوَاضِحُ - (يُدْرَكُ بِعَدَمِ التَّلَاقِي) بَيْنَ الرَّاوِي وَشَيْخِهِ؛ بِكَوْنِهِ (٢) لَمْ يُدْرِكْ عَصْرَهُ، أَوْ أَدْرَكَهُ لَكِنْ لَمْ يَجْتَمِعَا وَلَيْسَتْ (٣) لَهُ مِنْهُ إِجَازَةٌ وَلَا وِجَادَةٌ. (وَمِنْ ثَمَّ (٤) احْتِيجَ إِلَى التَّارِيخِ) لِتَضَمُّنِهِ تَحْرِيرَ مَوَالِيدِ الرُّوَاةِ وَوَفَيَاتِهِمْ، وَأَوْقَاتِ طَلَبِهِمْ وَارْتِحَالِهِمْ. وَقَدِ افْتَضَحَ أَقْوَامٌ (٥) ادَّعَوُا الرِّوَايَةَ عَنْ شُيُوخٍ (٦)؛ ظَهَرَ بِالتَّارِيخِ كَذِبُ دَعْوَاهُمْ (٧). [المدلس] (وَ) القِسْمُ (الثَّانِي): وَهُوَ الخَفِيُّ (المُدَلَّسُ (٨) بِفَتْحِ اللَّامِ؛ سُمِّيَ بِذَلِكَ: لِكَوْنِ الرَّاوِي لَمْ يُسَمِّ (٩) مَنْ حَدَّثَهُ، وَأَوْهَمَ سَمَاعَهُ لِلْحَدِيثِ مِمَّنْ لَمْ يُحَدِّثْهُ بِهِ.

стр. 101

وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ الدَّلَسِ (١) - بِالتَّحْرِيكِ (٢) -؛ وَهُوَ: اخْتِلَاطُ الظَّلَامِ (٣)؛ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الخَفَاءِ. (وَيَرِدُ (٤) المُدَلَّسُ (بِصِيغَةٍ) مِنْ صِيَغِ الأَدَاءِ (تَحْتَمِلُ (٥) وُقُوعَ (اللُّقِيِّ (٦) بَيْنَ المُدَلِّسِ وَمَنْ أَسْنَدَ عَنْهُ؛ (كَعَنْ وَ) كَذَا (قَالَ). وَمَتَى وَقَعَ بِصِيغَةٍ صَرِيحَةٍ لَا تَجَوُّزَ (٧) فِيهَا (٨)؛ كَانَ كَذِباً. وَحُكْمُ مَنْ ثَبَتَ (٩) عَنْهُ التَّدْلِيسُ - إِذَا (١٠) كَانَ عَدْلاً -: أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُ إِلَّا مَا صَرَّحَ فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ - عَلَى الأَصَحِّ (١١) -. [المرسل الخفي] (وَكَذَا المُرْسَلُ الخَفِيُّ) إِذَا (١٢) صَدَرَ (مِنْ مُعَاصِرٍ لَمْ يَلْقَ) مَنْ حَدَّثَ عَنْهُ، بَلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَاسِطَةٌ. [الفرق بين المدلَّس والمرسَل الخفي] وَالفَرْقُ (١٣) بَيْنَ المُدَلَّسِ وَالمُرْسَلِ الخَفِيِّ دَقِيقٌ، حَصَلَ (١٤)

стр. 102

تَحْرِيرُهُ بِمَا ذُكِرَ هُنَا؛ وَهُوَ: أَنَّ التَّدْلِيسَ يَخْتَصُّ بِمَنْ رَوَى عَمَّنْ عُرِفَ لِقَاؤُهُ إِيَّاهُ، فَأَمَّا (١) إِنْ عَاصَرَهُ وَلَمْ يُعْرَفْ أَنَّهُ لَقِيَهُ؛ فَهُوَ المُرْسَلُ الخَفِيُّ. وَمَنْ أَدْخَلَ فِي تَعْرِيفِ التَّدْلِيسِ المُعَاصَرَةَ (٢) وَلَوْ بِغَيْرِ لُقِيٍّ (٣)؛ لَزِمَهُ دُخُولُ المُرْسَلِ الخَفِيِّ فِي تَعْرِيفِهِ (٤). وَالصَّوَابُ: التَّفْرِقَةُ (٥) بَيْنَهُمَا. وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ اعْتِبَارَ اللُّقِيِّ (٦) فِي التَّدْلِيسِ دُونَ المُعَاصَرَةِ وَحْدَهَا لَا بُدَّ مِنْهُ: إِطْبَاقُ (٧) أَهْلِ العِلْمِ بِالحَدِيثِ عَلَى أَنَّ رِوَايَةَ المُخَضْرَمِينَ (٨) - كَأَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ (٩)، وَقَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ مِنْ قَبِيلِ الإِرْسَالِ لَا مِنْ قَبِيلِ التَّدْلِيسِ، وَلَوْ كَانَ مُجَرَّدُ المُعَاصَرَةِ يُكْتَفَى (١٠) بِهِ فِي التَّدْلِيسِ؛ لَكَانَ (١١) هَؤُلَاءِ

стр. 103

مُدَلِّسِينَ؛ لِأَنَّهُمْ عَاصَرُوا النَّبِيَّ ﷺ قَطْعاً، وَلَكِنْ لَمْ (١) يُعْرَفْ هَلْ لَقُوهُ أَمْ لَا؟ وَمِمَّنْ قَالَ بِاشْتِرَاطِ (٢) اللِّقَاءِ فِي التَّدْلِيسِ: الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ (٣)، وَأَبُو بَكْرٍ البَزَّارُ (٤)، وَكَلَامُ الخَطِيبِ فِي «الكِفَايَةِ» (٥) يَقْتَضِيهِ، وَهُوَ المُعْتَمَدُ. وَيُعْرَفُ (٦) عَدَمُ المُلَاقَاةِ بِإِخْبَارِهِ عَنْ نَفْسِهِ بِذَلِكَ، أَوْ بِجَزْمِ إِمَامٍ مُطَّلِعٍ. وَلَا يَكْفِي أَنْ يَقَعَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ زِيَادَةُ (٧) رَاوٍ بَيْنَهُمَا؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مِنَ المَزِيدِ (٨)، وَلَا يُحْكَمُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِحُكْمٍ كُلِّيٍّ (٩)؛ لِتَعَارُضِ احْتِمَالِ الِاتِّصَالِ وَالِانْقِطَاعِ. وَقَدْ صَنَّفَ فِيهِ الخَطِيبُ كِتَابَ: «التَّفْصِيلِ لِمُبْهَمِ (١٠)

стр. 104

المَرَاسِيلِ» (١)، وَكِتَابَ (٢): «المَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الأَسَانِيدِ» (٣). وَانْتَهَتْ هُنَا أَقْسَامُ حُكْمِ (٤) السَّاقِطِ مِنَ الإِسْنَادِ (٥). [أقسام المردود بسبب الطعن في الراوي] (ثُمَّ الطَّعْنُ) يَكُونُ بِعَشَرَةِ أَشْيَاءَ، بَعْضُهَا أَشَدُّ فِي القَدْحِ مِنْ بَعْضٍ، خَمْسَةٌ مِنْهَا تَتَعَلَّقُ بِالعَدَالَةِ، وَخَمْسَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالضَّبْطِ. وَلَمْ يَحْصُلِ الِاعْتِنَاءُ (٦) بِتَمْيِيزِ (٧) أَحَدِ القِسْمَينِ مِنَ (٨) الآخَرِ (٩) لِمَصْلَحَةٍ اقْتَضَتْ ذَلِكَ، وَهِيَ (١٠) تَرْتِيبُهَا (١١) عَلَى الأَشَدِّ فَالأَشَدِّ فِي (١٢) مُوجِبِ الرَّدِّ عَلَى سَبِيلِ التَّدَلِّي؛ لِأَنَّ الطَّعْنَ (إِمَّا أَنْ يَكُونَ):

стр. 105

(لِكَذِبِ الرَّاوِي) فِي الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ؛ بِأَنْ يَرْوِيَ عَنْهُ ﷺ مَا لَمْ يَقُلْهُ مُتَعَمِّداً لِذَلِكَ. (أَوْ تُهَمَتِهِ (١) بِذَلِكَ)؛ بِأَنْ لَا يُرْوَى (٢) ذَلِكَ الحَدِيثُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ، وَيَكُونَ (٣) مُخَالِفاً لِلْقَوَاعِدِ المَعْلُومَةِ، وَكَذَا مَنْ عُرِفَ بِالكَذِبِ فِي كَلَامِهِ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ وُقُوعُ ذَلِكَ فِي الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ، وَهَذَا (٤) دُونَ الأَوَّلِ. (أَوْ فُحْشِ غَلَطِهِ) أَيْ: كَثْرَتِهِ. (أَوْ غَفْلَتِهِ) عَنِ الإِتْقَانِ. (أَوْ فِسْقِهِ) أَيْ: بِالفِعْلِ وَالقَوْلِ (٥) مِمَّا (٦) لَا يَبْلُغُ الكُفْرَ. وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الأَوَّلِ (٧) عُمُومٌ، وَإِنَّمَا أُفْرِدَ (٨) الأَوَّلُ لِكَوْنِ القَدْحِ بِهِ أَشَدَّ فِي هَذَا الفَنِّ، وَأَمَّا الفِسْقُ بِالمُعْتَقَدِ؛ فَسَيَأْتِي بَيَانُهُ. (أَوْ وَهْمِهِ)؛ بِأَنْ يَرْوِيَ عَلَى (٩) سَبِيلِ التَّوَهُّمِ (١٠).

стр. 106

(أَوْ مُخَالَفَتِهِ)؛ أَيْ: لِلثِّقَاتِ. (أَوْ جَهَالَتِهِ) (١)؛ بِأَنْ لَا يُعْرَفَ فِيهِ تَعْدِيلٌ وَلَا تَجْرِيحٌ مُعَيَّنٌ. (أَوْ بِدْعَتِهِ)؛ وَهِيَ «اعْتِقَادُ مَا أُحْدِثَ (٢) عَلَى خِلَافِ المَعْرُوفِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ لَا بِمُعَانَدَةٍ، بَلْ بِنَوْعِ شُبْهَةٍ». (أَوْ سُوءِ حِفْظِهِ)؛ وَهِيَ (٣) عِبَارَةٌ عَمَّنْ يَكُونُ غَلَطُهُ كَإِصَابَتِهِ (٤).

стр. 107

[الموضوع] (فَـ) القِسْمُ (١) (الأَوَّلُ) - وَهُوَ (٢) الطَّعْنُ بِكَذِبِ الرَّاوِي فِي الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ -؛ هُوَ: (المَوْضُوعُ) (٣)، وَالحُكْمُ عَلَيْهِ بِالوَضْعِ إِنَّمَا هُوَ (٤) بِطَرِيقِ الظَّنِّ الغَالِبِ لَا بِالقَطْعِ؛ إِذْ قَدْ يَصْدُقُ الكَذُوبُ، لَكِنْ لِأَهْلِ (٥) العِلْمِ (٦) بِالحَدِيثِ مَلَكَةٌ قَوِيَّةٌ يُمَيِّزُونَ بِهَا ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَقُومُ بِذَلِكَ مِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ اطِّلَاعُهُ تَامّاً، وَذِهْنُهُ ثَاقِباً، وَفَهْمُهُ قَوِيّاً، وَمَعْرِفَتُهُ بِالقَرَائِنِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ مُتَمَكِّنَةً. [كيف يُعرَف الوضع في الحديث؟] وَقَدْ يُعْرَفُ الوَضْعُ بِإِقْرَارِ وَاضِعِهِ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ العِيدِ (٧):

стр. 108

«لَكِنْ لَا يُقْطَعُ (١) بِذَلِكَ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ كَذَبَ فِي ذَلِكَ الإِقْرَارِ» (٢). انْتَهَى. وَفَهِمَ مِنْهُ (٣) بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَا يُعْمَلُ بِذَلِكَ الإِقْرَارِ أَصْلاً، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادَهُ (٤)، وَإِنَّمَا نَفَى القَطْعَ بِذَلِكَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ القَطْعِ نَفْيُ الحُكْمِ؛ لِأَنَّ الحُكْمَ يَقَعُ (٥) بِالظَّنِّ الغَالِبِ، وَهُوَ هُنَا كَذَلِكَ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا سَاغَ قَتْلُ المُقِرِّ (٦) بِالقَتْلِ، وَلَا رَجْمُ المُعْتَرِفِ بِالزِّنَى؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَا كَاذِبَيْنِ فِيمَا اعْتَرَفَا بِهِ! وَمِنَ القَرَائِنِ الَّتِي يُدْرَكُ بِهَا الوَضْعُ: مَا يُؤْخَذُ (٧) مِنْ حَالِ الرَّاوِي؛ كَمَا وَقَعَ لِمَأْمُونِ (٨) بْنِ أَحْمَدَ (٩): أَنَّهُ ذُكِرَ بِحَضْرَتِهِ الخِلَافُ (١٠) فِي كَوْنِ الحَسَنِ سَمِعَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ لَا؟ (١١)

стр. 109

فَسَاقَ فِي الحَالِ إِسْنَاداً إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (١): «سَمِعَ الحَسَنُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ»! وَكَمَا وَقَعَ لِغِيَاثِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ (٢) حَيْثُ دَخَلَ عَلَى المَهْدِيِّ فَوَجَدَهُ يَلْعَبُ بِالحَمَامِ؛ فَسَاقَ فِي الحَالِ إِسْنَاداً إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا سَبَقَ (٣) إِلَّا فِي نَصْلٍ، أَوْ خُفٍّ، أَوْ حَافِرٍ، أَوْ جَنَاحٍ» (٤)، فَزَادَ فِي الحَدِيثِ: «أَوْ جَنَاحٍ (٥)»، فَعَرَفَ المَهْدِيُّ: أَنَّهُ كَذَبَ لِأَجْلِهِ، فَأَمَرَ بِذَبْحِ الحَمَامِ (٦). وَمِنْهَا مَا يُؤْخَذُ (٧) مِنْ حَالِ المَرْوِيِّ؛ كَأَنْ يَكُونَ مُنَاقِضاً لِنَصِّ القُرْآنِ، أَوِ السُّنَّةِ المُتَوَاتِرَةِ، أَوِ الإِجْمَاعِ القَطْعِيِّ، أَوْ صَرِيحِ العَقْلِ؛ حَيْثُ لَا يَقْبَلُ شَيْءٌ (٨) مِنْ ذَلِكَ التَّأْوِيلَ (٩).

стр. 110

ثُمَّ المَرْوِيُّ تَارَةً يَخْتَرِعُهُ الوَاضِعُ، وَتَارَةً يَأْخُذُ (١) كَلَامَ غَيْرِهِ - كَبَعْضِ السَّلَفِ الصَّالِحِ، أَوْ قُدَمَاءِ الحُكَمَاءِ، أَوِ الإِسْرَائِيلِيَّاتِ -، أَوْ يَأْخُذُ حَدِيثاً ضَعِيفَ الإِسْنَادِ فَيُرَكِّبُ لَهُ إِسْنَاداً صَحِيحاً لِيَرُوجَ (٢). [أسباب الوضع] وَالحَامِلُ لِلْوَاضِعِ عَلَى الوَضْعِ: إِمَّا عَدَمُ الدِّينِ؛ كَالزَّنَادِقَةِ. أَوْ غَلَبَةُ الجَهْلِ؛ كَبَعْضِ المُتَعَبِّدِينَ (٣). أَوْ فَرْطُ العَصَبِيَّةِ (٤)؛ كَبَعْضِ المُقَلِّدِينَ. أَوِ اتِّبَاعُ هَوَى (٥) بَعْضِ الرُّؤَسَاءِ. أَوِ الإِغْرَابُ؛ لِقَصْدِ الِاشْتِهَارِ! [حكم الوضع في الحديث ورواية الموضوع] وَكُلُّ ذَلِكَ حَرَامٌ بِإِجْمَاعِ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ، إِلَّا أَنَّ بَعْضَ الكَرَّامِيَّةِ (٦) وَبَعْضَ المُتَصَوِّفَةِ نُقِلَ عَنْهُمْ إِبَاحَةُ الوَضْعِ فِي التَّرْغِيبِ

стр. 111

وَالتَّرْهِيبِ (١)، وَهُوَ خَطَأٌ مِنْ فَاعِلِهِ (٢)، نَشَأَ عَنْ جَهْلٍ؛ لِأَنَّ التَّرْغِيبَ وَالتَّرْهِيبَ مِنْ جُمْلَةِ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ تَعَمُّدَ الكَذِبِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الكَبَائِرِ (٣). وَبَالَغَ أَبُو مُحَمَّدٍ الجُوَيْنِيُّ (٤)؛ فَكَفَّرَ مَنْ تَعَمَّدَ الكَذِبَ (٥) عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (٦). واتَّفَقُوا عَلَى تَحْرِيمِ رِوَايَةِ المَوْضُوعِ إِلَّا مَقْرُوناً بِبَيَانِهِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى (٧) أَنَّهُ كَذِبٌ؛ فَهُوَ أَحَدُ

стр. 112

الكَاذِبَيْنِ (١)»، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٢). [المتروك والمنكر] (وَ) القِسْمُ (الثَّانِي) مِنْ أَقْسَامِ المَرْدُودِ، وَهُوَ مَا يَكُونُ بِسَبَبِ تُهَمَةِ الرَّاوِي بِالكَذِبِ، هُوَ: (المَتْرُوكُ). (وَالثَّالِثُ: المُنْكَرُ؛ عَلَى رَأْيِ) مَنْ لَا يَشْتَرِطُ فِي المُنْكَرِ قَيْدَ المُخَالَفَةِ. (وَكَذَا (٣) الرَّابِعُ وَالخَامِسُ)، فَمَنْ فَحُشَ غَلَطُهُ، أَوْ كَثُرَتْ غَفْلَتُهُ (٤)، أَوْ ظَهَرَ فِسْقُهُ؛ فَحَدِيثُهُ مُنْكَرٌ. (ثُمَّ الوَهْمُ)؛ وَهُوَ القِسْمُ السَّادِسُ - وَإِنَّمَا أُفْصِحَ (٥) بِهِ لِطُولِ الفَصْلِ -، (إِنِ اطُّلِعَ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الوَهْمِ (بِالقَرَائِنِ) الدَّالَّةِ عَلَى وَهْمِ رَاوِيهِ (٦) مِنْ وَصْلِ مُرْسَلٍ أَوْ مُنْقَطِعٍ، أَوْ إِدْخَالِ حَدِيثٍ فِي حَدِيثٍ، أَوْ نَحْوِ (٧) ذَلِكَ مِنَ الأَشْيَاءِ القَادِحَةِ. [المعلل] وَتَحْصُلُ (٨) مَعْرِفَةُ ذَلِكَ: بِكَثْرَةِ التَّتَبُّعِ، (وَجَمْعِ الطُّرُقِ؛ فَـ) هَذَا (٩) هُوَ: (المُعَلَّلُ)؛ وَهُوَ مِنْ أَغْمَضِ أَنْوَاعِ عُلُومِ الحَدِيثِ

стр. 113

وَأَدَقِّهَا، وَلَا يَقُومُ بِهِ إِلَّا مَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ فَهْماً ثَاقِباً، وَحِفْظاً وَاسِعاً، وَمَعْرِفَةً تَامَّةً بِمَرَاتِبِ الرُّوَاةِ، وَمَلَكَةً قَوِيَّةً بِالأَسَانِيدِ وَالمُتُونِ، وَلِهَذَا لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ إِلَّا القَلِيلُ مِنْ أَهْلِ هَذَا الشَّأْنِ؛ كَعَلِيِّ بْنِ المَدِينِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَالبُخَارِيِّ، وَيَعْقُوبَ (١) بْنِ شَيْبَةَ، وَأَبِي حَاتِمٍ، وَأَبِي زُرْعَةَ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ. وَقَدْ تَقْصُرُ عِبَارَةُ المُعَلِّلِ عَنْ إِقَامَةِ الحُجَّةِ عَلَى (٢) دَعْوَاهُ؛ كَالصَّيْرَفِيِّ فِي (٣) نَقْدِ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ (٤). [مدرج الإسناد وأقسامُه] (ثُمَّ المُخَالَفَةُ) وَهِيَ (٥) القِسْمُ السَّابِعُ (إِنْ كَانَتْ) وَاقِعَةً (بِـ) سَبَبِ (تَغْيِيرِ السِّيَاقِ) أَيْ: سِيَاقِ الإِسْنَادِ؛ (فَـ) الوَاقِعُ (٦) فِيهِ ذَلِكَ التَّغْيِيرُ (٧) هُوَ (٨) (مُدْرَجُ الإِسْنَادِ)، وَهُوَ أَقْسَامٌ: الأَوَّلُ: أَنْ يَرْوِيَ (٩) جَمَاعَةٌ الحَدِيثَ بِأَسَانِيدَ مُخْتَلِفَةٍ، فَيَرْوِيهِ (١٠) عَنْهُمْ رَاوٍ، فَيَجْمَعُ الكُلَّ عَلَى إِسْنَادٍ (١١) وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الأَسَانِيدِ، وَلَا يُبَيِّنُ الِاخْتِلَافَ.

стр. 114

الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ المَتْنُ عِنْدَ رَاوٍ إِلَّا طَرَفاً مِنْهُ؛ فَإِنَّهُ عِنْدَهُ (١) بِإِسْنَادٍ آخَرَ، فَيَرْوِيهِ رَاوٍ عَنْهُ تَامّاً بِالإِسْنَادِ الأَوَّلِ، وَمِنْهُ أَنْ يَسْمَعَ الحَدِيثَ مِنْ شَيْخِهِ إِلَّا طَرَفاً مِنْهُ (٢) فَيَسْمَعَهُ (٣) عَنْ شَيْخِهِ بِوَاسِطَةٍ (٤)، فَيَرْوِيهِ رَاوٍ (٥) عَنْهُ تَامّاً (٦) بِحَذْفِ الوَاسِطَةِ. الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الرَّاوِي مَتْنَانِ (٧) مُخْتَلِفَانِ بِإِسْنَادَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَيَرْوِيهِمَا رَاوٍ عَنْهُ مُقْتَصِراً عَلَى أَحَدِ (٨) الإِسْنَادَيْنِ، أَوْ يَرْوِيَ أَحَدَ الحَدِيثَيْنِ بِإِسْنَادِهِ الخَاصِّ بِهِ، لَكِنْ يَزِيدُ فِيهِ مِنَ المَتْنِ الآخَرِ مَا لَيْسَ فِي (٩) الأَوَّلِ. الرَّابِعُ: أَنْ يَسُوقَ (١٠) الإِسْنَادَ فَيَعْرِضُ لَهُ عَارِضٌ، فَيَقُولُ (١١) كَلَاماً مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، فَيَظُنُّ بَعْضُ (١٢) مَنْ سَمِعَهُ أَنَّ ذَلِكَ الكَلَامَ هُوَ مَتْنُ ذَلِكَ الإِسْنَادِ، فَيَرْوِيَهُ عَنْهُ كَذَلِكَ. هَذِهِ (١٣) أَقْسَامُ مُدْرَجِ الإِسْنَادِ (١٤).

стр. 115

[مدرج المتن] وَأَمَّا (١) مُدْرَجُ المَتْنِ: فَهُوَ أَنْ يَقَعَ فِي المَتْنِ كَلَامٌ لَيْسَ مِنْهُ، فَتَارَةً يَكُونُ فِي أَوَّلِهِ، وَتَارَةً (٢) فِي أَثْنَائِهِ، وَتَارَةً فِي آخِرِهِ - وَهُوَ الأَكْثَرُ -؛ لِأَنَّهُ يَقَعُ بِعَطْفِ (٣) جُمْلَةٍ عَلَى جُمْلَةٍ، (أَوْ بِدَمْجِ (٤) مَوْقُوفٍ) مِنْ كَلَامِ الصَّحَابَةِ أَوْ مَنْ بَعْدَهُمْ (بِمَرْفُوعٍ) مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، (فَـ) هَذَا هُوَ (مُدْرَجُ المَتْنِ). [كيف يُعرَف الإدراج؟] وَيُدْرَكُ الإِدْرَاجُ بِوُرُودِ رِوَايَةٍ (٥) مُفَصِّلَةٍ (٦) لِلْقَدْرِ المُدْرَجِ مِمَّا (٧) أُدْرِجَ (٨) فِيهِ، أَوْ بِالتَّنْصِيصِ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الرَّاوِي، أَوْ مِنْ بَعْضِ الأَئِمَّةِ المُطَّلِعِينَ، أَوْ بِاسْتِحَالَةِ كَوْنِ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ ذَلِكَ. وَقَدْ صَنَّفَ الخَطِيبُ فِي المُدْرَجِ كِتَاباً (٩)، وَلَخَّصْتُهُ وَزِدْتُ عَلَيْهِ قَدْرَ مَا ذَكَرَ مَرَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ (١٠)، وَلِلَّهِ الحَمْدُ. [المقلوب] (أَوْ) إِنْ كَانَتِ المُخَالَفَةُ (بِتَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ) (١١) أَيْ: (١٢) فِي

стр. 116

الأَسْمَاءِ؛ كَمُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ، وَكَعْبِ بْنِ مُرَّةَ؛ لِأَنَّ اسْمَ أَحَدِهِمَا اسْمُ أَبِي (١) الآخَرِ؛ (فَـ) هَذَا (٢) هُوَ (المَقْلُوبُ)، وَلِلْخَطِيبِ فِيهِ كِتَابُ (٣) «رَافِعِ (٤) الِارْتِيَابِ» (٥). وَقَدْ يَقَعُ (٦) القَلْبُ فِي المَتْنِ أَيْضاً؛ كَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ (٧) فِي السَّبْعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي (٨) عَرْشِهِ، فَفِيهِ: «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ أَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ»، فَهَذَا مِمَّا (٩) انْقَلَبَ عَلَى أَحَدِ الرُّوَاةِ، وَإِنَّمَا هُوَ: «حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ»؛ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ (١٠).

стр. 117

[المزيد في متَّصل الأسانيد] (أَوْ) إِنْ كَانَتِ المُخَالَفَةُ (بِزِيَادَةِ رَاوٍ (١) فِي (٢) أَثْنَاءِ الإِسْنَادِ، وَمَنْ لَمْ يَزِدْهَا أَتْقَنُ مِمَّنْ زَادَهَا (٣)، (فَـ) هَذَا هُوَ: (المَزِيدُ فِي مُتَّصِلِ الأَسَانِيدِ (٤). وَشَرْطُهُ: أَنْ يَقَعَ التَّصْرِيحُ بِالسَّمَاعِ فِي مَوْضِعِ الزِّيَادَةِ، وَإِلَّا فَمَتَى كَانَ مُعَنْعَناً (٥) - مَثَلاً (٦) -؛ تَرَجَّحَتِ الزِّيَادَةُ. [المضطرب] (أَوْ) إِنْ (٧) كَانَتِ المُخَالَفَةُ (بِإِبْدَالِهِ) أَيِ: الرَّاوِي، (وَلَا مُرَجِّحَ) لِإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى الأُخْرَى (٨)، (فَـ) هَذَا هُوَ: (المُضْطَرِبُ)، وَهُوَ (٩) يَقَعُ فِي الإِسْنَادِ غَالِباً، وَقَدْ (١٠) يَقَعُ فِي المَتْنِ، لَكِنْ قَلَّ أَنْ يَحْكُمَ المُحَدِّثُ عَلَى الحَدِيثِ بِالِاضْطِرَابِ (١١) بِالنِّسْبَةِ إِلَى الِاخْتِلَافِ (١٢) فِي المَتْنِ دُونَ الإِسْنَادِ.

стр. 118

(وَقَدْ يَقَعُ الإِبْدَالُ عَمْداً) لِمَنْ يُرَادُ اخْتِبَارُ حِفْظِهِ (١) (امْتِحَاناً) مِنْ فَاعِلِهِ؛ كَمَا وَقَعَ لِلْبُخَارِيِّ (٢)، وَالعُقَيْلِيِّ (٣)، وَغَيْرِهِمَا (٤)، وَشَرْطُهُ: أَنْ لَا يَسْتَمِرَّ (٥) عَلَيْهِ، بَلْ يَنْتَهِي بِانْتِهَاءِ الحَاجَةِ. فَلَوْ وَقَعَ الإِبْدَالُ عَمْداً لَا لِمَصْلَحَةٍ، بَلْ لِلْإِغْرَابِ - مَثَلاً -؛ فَهُوَ مِنْ أَقْسَامِ المَوْضُوعِ، وَلَوْ وَقَعَ غَلَطاً؛ فَهُوَ مِنَ المَقْلُوبِ أَوِ المُعَلَّلِ (٦). [المصحَّف والمحرَّف] (أَوْ) إِنْ كَانَتِ المُخَالَفَةُ (بِتَغْيِيرِ) حَرْفٍ أَوْ (حُرُوفٍ (٧) مَعَ بَقَاءِ) صُورَةِ الخَطِّ فِي (السِّيَاقِ)، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى

стр. 119

النَّقْطِ؛ (فَالمُصَحَّفُ)، (وَ) إِنْ كَانَ (١) بِالنِّسْبَةِ إِلَى الشَّكْلِ؛ فَـ (المُحَرَّفُ). وَمَعْرِفَةُ هَذَا النَّوْعِ مُهِمَّةٌ، وَقَدْ صَنَّفَ فِيهِ: العَسْكَرِيُّ (٢)، وَالدَّارَقُطْنِيُّ (٣)، وَغَيْرُهُمَا (٤). وَأَكْثَرُ مَا يَقَعُ فِي المُتُونِ (٥)، وَقَدْ يَقَعُ (٦) فِي الأَسْمَاءِ الَّتِي فِي الأَسَانِيدِ (٧). [الرواية بالمعنى واختصار المتون] (وَلَا يَجُوزُ تَعَمُّدُ تَغْيِيرِ) صُورَةِ (المَتْنِ) مُطْلَقاً، وَلَا

стр. 120

الِاخْتِصَارُ (١) مِنْهُ (بِالنَّقْصِ وَ) لَا (٢) إِبْدَالُ (٣) اللَّفْظِ المُرَادِفِ بِاللَّفْظِ (المُرَادِفِ) لَهُ؛ (إِلَّا لِعَالِمٍ (٤) بِمَدْلُولَاتِ الأَلْفَاظِ، وَ (بِمَا (٥) يُحِيلُ المَعَانِيَ) عَلَى الصَّحِيحِ فِي المَسْأَلَتَيْنِ (٦). أَمَّا اخْتِصَارُ الحَدِيثِ: فَالأَكْثَرُونَ عَلَى جَوَازِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الَّذِي يَخْتَصِرُهُ عَالِماً (٧)؛ لِأَنَّ العَالِمَ لَا يُنْقِصُ (٨) مِنَ الحَدِيثِ إِلَّا مَا لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِمَا يُبْقِيهِ (٩) مِنْهُ؛ بِحَيْثُ (١٠) لَا تَخْتَلِفُ (١١) الدِّلَالَةُ، وَلَا يَخْتَلُّ البَيَانُ (١٢)، حَتَّى يَكُونَ المَذْكُورُ وَالمَحْذُوفُ بِمَنْزِلَةِ خَبَرَيْنِ (١٣)، أَوْ يَدُلَّ مَا ذَكَرَهُ عَلَى مَا حَذَفَهُ؛ بِخِلَافِ الجَاهِلِ، فَإِنَّهُ قَدْ يُنْقِصُ (١٤) مَا لَهُ تَعَلُّقٌ - كَتَرْكِ الِاسْتِثْنَاءِ -.

стр. 121

وَأَمَّا الرِّوَايَةُ بِالمَعْنَى: فَالخِلَافُ فِيهَا شَهِيرٌ (١)، وَالأَكْثَرُ عَلَى الجَوَازِ أَيْضاً (٢)، وَمِنْ أَقْوَى حُجَجِهِمُ (٣): الإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِ شَرْحِ الشَّرِيعَةِ لِلْعَجَمِ بِلِسَانِهِمْ لِلْعَارِفِ بِهِ، فَإِذَا جَازَ الإِبْدَالُ بِلُغَةٍ أُخْرَى؛ فَجَوَازُهُ بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ أَوْلَى (٤). وَقِيلَ (٥): إِنَّمَا يَجُوزُ (٦) فِي المُفْرَدَاتِ دُونَ المُرَكَّبَاتِ! وَقِيلَ (٧): إِنَّمَا يَجُوزُ (٨) لِمَنْ يَسْتَحْضِرُ (٩) اللَّفْظَ لِيَتَمَكَّنَ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ. وَقِيلَ (١٠): إِنَّمَا يَجُوزُ (١١) لِمَنْ كَانَ يَحْفَظُ الحَدِيثَ فَنَسِيَ لَفْظَهُ وَبَقِيَ مَعْنَاهُ مُرْتَسِماً (١٢) فِي ذِهْنِهِ، فَلَهُ أَنْ يَرْوِيَهُ بِالمَعْنَى لِمَصْلَحَةِ (١٣) تَحْصِيلِ الحُكْمِ مِنْهُ؛ بِخِلَافِ مَنْ كَانَ مُسْتَحْضِراً

стр. 122

لِلَفْظِهِ (١). وَجَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ (٢) يَتَعَلَّقُ بِالجَوَازِ وَعَدَمِهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الأَوْلَى إِيرَادُ الحَدِيثِ بِأَلْفَاظِهِ (٣) دُونَ التَّصَرُّفِ فِيهِ. قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ (٤): «يَنْبَغِي سَدُّ بَابِ الرِّوَايَةِ بِالمَعْنَى؛ لِئَلَّا يَتَسَلَّطَ (٥) مَنْ لَا يُحْسِنُ مِمَّنْ يَظُنُّ (٦) أَنَّهُ يُحْسِنُ؛ كَمَا وَقَعَ لِكَثِيرٍ (٧) مِنَ الرُّوَاةِ قَدِيماً وَحَدِيثاً» (٨) وَاللَّهُ المُوَفِّقُ (٩). [غريب الحديث] (فَإِنْ خَفِيَ المَعْنَى)؛ بِأَنْ كَانَ اللَّفْظُ مُسْتَعْمَلاً بِقِلَّةٍ (احْتِيجَ إِلَى) الكُتُبِ المُصَنَّفَةِ (١٠) فِي (شَرْحِ الغَرِيبِ)؛ كَكِتَابِ أَبِي عُبَيْدٍ القَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ (١١)، وَهُوَ غَيْرُ مُرَتَّبٍ، وَقَدْ رَتَّبَهُ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّينِ ابْنُ قُدَامَةَ عَلَى الحُرُوفِ (١٢).

стр. 123

وَأَجْمَعُ (١) مِنْهُ كِتَابُ أَبِي عُبَيْدٍ الهَرَوِيِّ (٢)، وَقَدِ اعْتَنَى بِهِ الحَافِظُ أَبُو (٣) مُوسَى المَدِينِيُّ (٤) فَنَقَّبَ عَلَيْهِ (٥) وَاسْتَدْرَكَ (٦). وَلِلزَّمَخْشَرِيِّ (٧) كِتَابٌ (٨) اسْمُهُ: «الفَائِقُ»؛ حَسَنُ التَّرْتِيبِ (٩). ثُمَّ (١٠) جَمَعَ الجَمِيعَ ابْنُ الأَثِيرِ (١١) فِي «النِّهَايَةِ» (١٢)، وَكِتَابُهُ أَسْهَلُ الكُتُبِ تَنَاوُلاً، مَعَ إِعْوَازٍ (١٣) قَلِيلٍ فِيهِ. [مُشكِل الحديث] وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ مُسْتَعْمَلاً بِكَثْرَةٍ، لَكِنْ فِي مَدْلُولِهِ دِقَّةٌ؛ احْتِيجَ

стр. 124

إِلَى الكُتُبِ المُصَنَّفَةِ فِي شَرْحِ مَعَانِي الأَخْبَارِ (١) (وَبَيَانِ المُشْكِلِ) مِنْهَا. وَقَدْ أَكْثَرَ الأَئِمَّةُ مِنَ التَّصَانِيفِ فِي ذَلِكَ؛ كَالطَّحَاوِيِّ (٢)، وَالخَطَّابِيِّ (٣)، وَابْنِ عَبْدِ البَرِّ (٤)، وَغَيْرِهِمْ (٥). [جهالة الرواة وأسبابها] (ثُمَّ الجَهَالَةُ) بِالرَّاوِي؛ وَهِيَ (٦) السَّبَبُ الثَّامِنُ فِي الطَّعْنِ، (وَسَبَبُهَا) أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: (أَنَّ الرَّاوِيَ قَدْ تَكْثُرُ نُعُوتُهُ) مِنِ اسْمٍ أَوْ كُنْيَةٍ أَوْ لَقَبٍ أَوْ صِفَةٍ (٧) أَوْ حِرْفَةٍ أَوْ نَسَبٍ، فَيَشْتَهِرُ بِشَيْءٍ مِنْهَا، (فَيُذْكَرُ بِغَيْرِ مَا اشْتَهَرَ بِهِ لِغَرَضٍ) مِنَ الأَغْرَاضِ، فَيُظَنُّ أَنَّهُ آخَرُ (٨)، فَيَحْصُلُ الجَهْلُ بِحَالِهِ. (وَصَنَّفُوا فِيهِ) أَيْ: فِي هَذَا النَّوْعِ: (المُوضِحَ) لِأَوْهَامِ الجَمْعِ وَالتَّفْرِيقِ؛ أَجَادَ فِيهِ الخَطِيبُ (٩)، وَسَبَقَهُ إِلَيْهِ (١٠)

стр. 125

عَبْدُ الغَنِيِّ (١)، ثُمَّ الصُّورِيُّ (٢). وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ: مُحَمَّدُ بْنُ السَّائِبِ بْنِ بِشْرٍ الكَلْبِيُّ؛ نَسَبَهُ بَعْضُهُمْ إِلَى جَدِّهِ فَقَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، وَسَمَّاهُ بَعْضُهُمْ حَمَّادَ (٣) بْنَ السَّائِبِ، وَكَنَّاهُ بَعْضُهُمْ أَبَا النَّضْرِ (٤)، وَبَعْضُهُمْ أَبَا سَعِيدٍ، وبَعَضُهُمْ أَبَا (٥) هِشَامٍ (٦)؛ فَصَارَ (٧) يُظَنُّ أَنَّهُ جَمَاعَةٌ وَهُوَ وَاحِدٌ، وَمَنْ لَا يَعْرِفُ حَقِيقَةَ (٨) الأَمْرِ فِيهِ لَا يَعْرِفُ شَيْئاً مِنْ (٩) ذَلِكَ. [الوُحدان] (وَ) الأَمْرُ الثَّانِي: أَنَّ الرَّاوِيَ (قَدْ يَكُونُ مُقِلّاً) مِنَ الحَدِيثِ (فَلَا يَكْثُرُ الأَخْذُ عَنْهُ (١٠).

стр. 126

(وَ) قَدْ (صَنَّفُوا فِيهِ الوُحْدَانَ (١)، وَهُوَ مَنْ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلَّا (٢) وَاحِدٌ - وَلَوْ سُمِّيَ (٣) -، فَمِمَّنْ جَمَعَهُ: مُسْلِمٌ (٤)، وَالحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ (٥)، وَغَيْرُهُمَا (٦). (أَوْ لَا يُسَمَّى) الرَّاوِي (اخْتِصَاراً) مِنَ الرَّاوِي عَنْهُ؛ كَقَوْلِهِ: أَخْبَرَنِي فُلَانٌ، أَوْ شَيْخٌ، أَوْ رَجُلٌ، أَوْ بَعْضُهُمْ، أَوِ ابْنُ فُلَانٍ. [المبهمات] وَيُسْتَدَلُّ عَلَى مَعْرِفَةِ اسْمِ المُبْهَمِ بِوُرُودِهِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى (٧) مُسَمًّى، (وَ) صَنَّفُوا (فِيهِ: المُبْهَمَاتِ (٨).

стр. 127

(وَلَا يُقْبَلُ) حَدِيثُ (المُبْهَمِ) مَا لَمْ يُسَمَّ؛ لِأَنَّ شَرْطَ قَبُولِ الخَبَرِ عَدَالَةُ رُوَاتِهِ (١)، وَمَنْ أُبْهِمَ اسْمُهُ لَا يُعْرَفُ (٢) عَيْنُهُ، فَكَيْفَ عَدَالَتُهُ؟! [المبهم بلفظ التعديل] وَكَذَا (٣) لا يُقْبَلُ خَبَرُهُ، (وَلَوْ أُبْهِمَ بِلَفْظِ التَّعْدِيلِ)؛ كَأَنْ يَقُولَ الرَّاوِي عَنْهُ: أَخْبَرَنِي الثِّقَةُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ ثِقَةً عِنْدَهُ مَجْرُوحاً عِنْدَ غَيْرِهِ، وَهَذَا (عَلَى الأَصَحِّ) فِي المَسْأَلَةِ (٤). وَلِهَذِهِ النُّكْتَةِ لَمْ يُقْبَلِ المُرْسَلُ - وَلَوْ أَرْسَلَهُ العَدْلُ جَازِماً بِهِ -؛ لِهَذَا الِاحْتِمَالِ بِعَيْنِهِ. وَقِيلَ (٥): يُقْبَلُ؛ تَمَسُّكاً بِالظَّاهِرِ، إِذِ الجَرْحُ عَلَى خِلَافِ الأَصْلِ. وَقِيلَ (٦): إِنْ كَانَ القَائِلُ عَالِماً؛ أَجْزَأَ (٧) ذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ يُوَافِقُهُ فِي مَذْهَبِهِ. وَهَذَا لَيْسَ مِنْ مَبَاحِثِ عُلُومِ (٨) الحَدِيثِ، وَاللَّهُ المُوَفِّقُ.

стр. 128

[أقسام الجهالة] (فَإِنْ سُمِّيَ) الرَّاوِي (١)، (وَانْفَرَدَ) رَاوٍ (وَاحِدٌ (٢) بِالرِّوَايَةِ (عَنْهُ فَـ) هُوَ: (مَجْهُولُ العَيْنِ)؛ كَالمُبْهَمِ، إِلَّا أَنْ يُوَثِّقَهُ (٣) غَيْرُ مَنْ يَنْفَرِدُ (٤) عَنْهُ عَلَى الأَصَحِّ، وَكَذَا مَنْ يَنْفَرِدُ عَنْهُ (٥) إِذَا كَانَ مُتَأَهِّلاً لِذَلِكَ. (أَوْ) إِنْ رَوَى عَنْهُ (اثْنَانِ فَصَاعِداً وَلَمْ يُوَثَّقْ (٦)؛ فَـ) هُوَ: (مَجْهُولُ (٧) الحَالِ، وَهُوَ المَسْتُورُ)، وَقَدْ قَبِلَ رِوَايَتَهُ جَمَاعَةٌ (٨) بِغَيْرِ قَيْدٍ، وَرَدَّهَا الجُمْهُورُ (٩). وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ رِوَايَةَ المَسْتُورِ وَنَحْوِهِ (١٠) - مِمَّا فِيهِ الِاحْتِمَالُ - لَا يُطْلَقُ القَوْلُ بِرَدِّهَا وَلَا بِقَبُولِهَا؛ بَلْ يُقَالُ: هِيَ مَوْقُوفَةٌ إِلَى اسْتِبَانَةِ حَالِهِ كَمَا جَزَمَ بِهِ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ (١١)، وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ الصَّلَاحِ (١٢) فِيمَنْ جُرِحَ بِجَرْحٍ غَيْرِ مُفَسَّرٍ (١٣).

стр. 129

[رواية المبتدع وحكمها] (ثُمَّ البِدْعَةُ)؛ وَهِيَ السَّبَبُ التَّاسِعُ مِنْ أَسْبَابِ الطَّعْنِ فِي الرَّاوِي، وَهِيَ: (إِمَّا) أَنْ تَكُونَ (بِمُكَفِّرٍ (١)؛ كَأَنْ يَعْتَقِدَ مَا يَسْتَلْزِمُ الكُفْرَ، (أَوْ بِمُفَسِّقٍ (٢): (فَالأَوَّلُ: لَا يَقْبَلُ صَاحِبَهَا الجُمْهُورُ (٣)، وَقِيلَ (٤): يُقْبَلُ (٥) مُطْلَقاً، وَقِيلَ (٦): إِنْ كَانَ لَا يَعْتَقِدُ حِلَّ الكَذِبِ لِنُصْرَةِ مَقَالَتِهِ قُبِلَ (٧). وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّهُ لَا يُرَدُّ كُلُّ مُكَفَّرٍ بِبِدْعَةٍ (٨)؛ لِأَنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ تَدَّعِي أَنَّ مُخَالِفِيهَا (٩) مُبْتَدِعَةٌ، وَقَدْ تُبَالِغُ (١٠) فَتُكَفِّرُ مُخَالِفَهَا (١١)، فَلَوْ أُخِذَ ذَلِكَ عَلَى الإِطْلَاقِ لَاسْتَلْزَمَ تَكْفِيرَ (١٢) جَمِيعِ الطَّوَائِفِ. فَالمُعْتَمَدُ: أَنَّ الَّذِي تُرَدُّ رِوَايَتُهُ (١٣) مَنْ أَنْكَرَ أَمْراً مُتَوَاتِراً مِنَ

стр. 130

الشَّرْعِ، مَعْلُوماً مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، وَكَذَا مَنِ اعْتَقَدَ عَكْسَهُ. فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ (١) الصِّفَةِ، وَانْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ ضَبْطُهُ (٢) لِمَا يَرْوِيهِ (٣) مَعَ وَرَعِهِ وَتَقْوَاهُ؛ فَلَا مَانِعَ مِنْ قَبُولِهِ (٤). (وَالثَّانِي): وَهُوَ مَنْ لَا تَقْتَضِي (٥) بِدْعَتُهُ التَّكْفِيرَ (٦) أَصْلاً، وَقَدِ اخْتُلِفَ أَيْضاً فِي قَبُولِهِ وَرَدِّهِ: فَقِيلَ (٧): يُرَدُّ مُطْلَقاً - وَهُوَ بَعِيدٌ -، وَأَكْثَرُ مَا عُلِّلَ بِهِ: أَنَّ فِي (٨) الرِّوَايَةِ عَنْهُ تَرْوِيجاً لِأَمْرِهِ، وَتَنْوِيهاً بِذِكْرِهِ. وَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي (٩) أَنْ لَا يُرْوَى عَنْ مُبْتَدِعٍ شَيْءٌ يُشَارِكُهُ (١٠) فِيهِ غَيْرُ مُبْتَدِعٍ. وَقِيلَ (١١): يُقْبَلُ (١٢) مُطْلَقاً؛ إِلَّا إِنِ اعْتَقَدَ حِلَّ الكَذِبِ كَمَا تَقَدَّمَ.

стр. 131

وَقِيلَ (١): (يُقْبَلُ مَنْ (٢) لَمْ يَكُنْ (٣) دَاعِيَةً) إِلَى بِدْعَتِهِ؛ لِأَنَّ (٤) تَزْيِينَ بِدْعَتِهِ قَدْ يَحْمِلُهُ (٥) عَلَى تَحْرِيفِ الرِّوَايَاتِ وَتَسْوِيَتِهَا عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ (٦) مَذْهَبُهُ، وَهَذَا (فِي الأَصَحِّ). وَأَغْرَبَ ابْنُ حِبَّانَ (٧) فَادَّعَى الِاتِّفَاقَ عَلَى قَبُولِ غَيْرِ الدَّاعِيَةِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ؛ نَعَمْ، الأَكْثَرُ عَلَى قَبُولِ غَيْرِ الدَّاعِيَةِ (٨). (إِلَّا إِنْ رَوَى (٩) مَا يُقَوِّي بِدْعَتَهُ، فَيُرَدُّ (١٠) عَلَى) المَذْهَبِ (المُخْتَارِ، وَبِهِ صَرَّحَ) الحَافِظُ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ (الجُوزَجَانِيُّ (١١)؛ شَيْخُ) أَبِي دَاوُدَ وَ (النَّسَائِيِّ) فِي كِتَابِهِ (١٢): «مَعْرِفَةِ الرِّجَالِ» (١٣)، فَقَالَ فِي وَصْفِ الرُّوَاةِ: «وَمِنْهُمْ (١٤) زَائِغٌ عَنِ الحَقِّ - أَيْ: عَنِ (١٥) السُّنَّةِ -، صَادِقُ اللَّهْجَةِ، فَلَيْسَ فِيهِ

стр. 132

حِيلَةٌ إِلَّا أَنْ يُؤْخَذَ (١) مِنْ حَدِيثِهِ مَا لَا يَكُونُ مُنْكَراً؛ إِذَا لَمْ يُقَوِّ بِهِ (٢) بِدْعَتَهُ» (٣). انْتَهَى. وَمَا قَالَهُ مُتَّجِهٌ؛ لِأَنَّ العِلَّةَ الَّتِي لَهَا (٤) رُدَّ حَدِيثُ الدَّاعِيَةِ وَارِدَةٌ (٥) فِيمَا إِذَا كَانَ ظَاهِرُ المَرْوِيِّ يُوَافِقُ مَذْهَبَ المُبْتَدِعِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ دَاعِيَةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (٦). [سوء الحفظ] (ثُمَّ سُوءُ الحِفْظِ)؛ وَهُوَ السَّبَبُ العَاشِرُ مِنْ أَسْبَابِ الطَّعْنِ، وَالمُرَادُ بِهِ: مَنْ لَمْ يَرْجَحْ (٧) جَانِبُ إِصَابَتِهِ عَلَى جَانِبِ خَطَئِهِ، وَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ: (إِنْ كَانَ لَازِماً) لِلرَّاوِي فِي جَمِيعِ حَالَاتِهِ، (فَـ) هُوَ: (الشَّاذُّ؛ عَلَى رَأْيِ) بَعْضِ أَهْلِ الحَدِيثِ. [الاختلاط] (أَوْ) إِنْ كَانَ سُوءُ الحِفْظِ (طَارِئاً) عَلَى الرَّاوِي، إِمَّا لِكِبَرِهِ، أَوْ لِذَهَابِ (٨) بَصَرِهِ، أَوْ لِاحْتِرَاقِ كُتُبِهِ، أَوْ عَدَمِهَا؛ بِأَنْ (٩) كَانَ

стр. 133

يَعْتَمِدُهَا فَرَجَعَ إِلَى حِفْظِهِ فَسَاءَ؛ (فَـ) هَذَا هُوَ (١) (المُخْتَلِطُ). وَالحُكْمُ فِيهِ: أَنَّ مَا حَدَّثَ بِهِ قَبْلَ الِاخْتِلَاطِ إِذَا تَمَيَّزَ قُبِلَ، وَإِذَا (٢) لَمْ يَتَمَيَّزْ تُوُقِّفَ فِيهِ، وَكَذَا مَنِ اشْتَبَهَ الأَمْرُ فِيهِ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ (٣) ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الآخِذِينَ عَنْهُ. [تقوية الحديث الضعيف بالمتابعات وضوابطه] (وَمَتَى تُوبِعَ السَّيِّئُ الحِفْظِ بِمُعْتَبَرٍ)؛ كَأَنْ يَكُونَ فَوْقَهُ أَوْ مِثْلَهُ لَا دُونَهُ، (وَكَذَا) المُخْتَلِطُ الَّذِي لَمْ (٤) يتَمَيَّزْ، وَ (المَسْتُورُ، وَ) الإِسْنَادُ (المُرْسَلُ، وَ) كَذَا (المُدَلَّسُ) إِذَا لَمْ يُعْرَفِ (٥) المَحْذُوفُ مِنْهُ؛ (صَارَ حَدِيثُهُمْ حَسَناً لَا لِذَاتِهِ؛ بَلْ) وَصْفُهُ (٦) بِذَلِكَ (بِـ) اعْتِبَارِ (المَجْمُوعِ) مِنَ المُتَابِعِ (٧) وَالمُتَابَعِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ احْتِمَالُ (٨) كَوْنِ (٩) رِوَايَتِهِ صَوَاباً أَوْ غَيْرَ (١٠) صَوَابٍ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ. فَإِذَا جَاءَتْ مِنَ المُعْتَبَرِينَ رِوَايَةٌ مُوَافِقَةٌ لِأَحَدِهِمْ؛ رُجِّحَ (١١)

стр. 134

أَحَدُ الجَانِبَيْنِ مِنَ الِاحْتِمَالَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الحَدِيثَ مَحْفُوظٌ، فَارْتَقَى مِنْ دَرَجَةِ التَّوَقُّفِ إِلَى دَرَجَةِ القَبُولِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (١). وَمَعَ (٢) ارْتِقَائِهِ إِلَى دَرَجَةِ القَبُولِ (٣)؛ فَهُوَ (٤) مُنْحَطٌّ عَنْ رُتْبَةِ (٥) الحَسَنِ لِذَاتِهِ، وَرُبَّمَا تَوَقَّفَ بَعْضُهُمْ عَنْ إِطْلَاقِ اسْمِ الحَسَنِ عَلَيْهِ. وَقَدِ انْقَضَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالمَتْنِ مِنْ حَيْثُ القَبُولُ وَالرَّدُّ (٦). [أقسام الحديث باعتبار منتهى إسناده] (ثُمَّ الإِسْنَادُ)؛ وَهُوَ «الطَّرِيقُ المُوصِلَةُ (٧) إِلَى المَتْنِ». [المرفوع وأنواعه] وَالمَتْنُ هُوَ «غَايَةُ مَا يَنْتَهِي إِلَيْهِ الإِسْنَادُ مِنَ الكَلَامِ»؛ وَهُوَ (٨): (إِمَّا أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَيَقْتَضِي لَفْظُهُ - إِمَّا (تَصْرِيحاً (٩) أَوْ حُكْماً) - أَنَّ المَنْقُولَ (١٠) بِذَلِكَ الإِسْنَادِ (مِنْ قَوْلِهِ) ﷺ ، (أَوْ) مِنْ (فِعْلِهِ، أَوْ) مِنْ (تَقْرِيرِهِ).

стр. 135

مِثَالُ المَرْفُوعِ مِنَ القَوْلِ تَصْرِيحاً: أَنْ يَقُولَ الصَّحَابِيُّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: كَذَا، أَوْ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِكَذَا (١)، أَوْ يَقُولَ (٢) هُوَ أَوْ غَيْرُهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَذَا، أَوْ: عَنْ (٣) رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ كَذَا، وَنَحْوُ (٤) ذَلِكَ. وَمِثَالُ المَرْفُوعِ مِنَ الفِعْلِ تَصْرِيحاً: أَنْ يَقُولَ الصَّحَابِيُّ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ كَذَا، أَوْ يَقُولَ (٥) هُوَ أَوْ غَيْرُهُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ كَذَا. وَمِثَالُ المَرْفُوعِ مِنَ التَّقْرِيرِ تَصْرِيحاً (٦): أَنْ يَقُولَ الصَّحَابِيُّ: فَعَلْتُ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ كَذَا، أَوْ يَقُولَ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ: فَعَلَ فُلَانٌ (٧) بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ كَذَا (٨)؛ وَلَا يَذْكُرُ إِنْكَارَهُ لِذَلِكَ. [من أنواع المرفوع حُكماً] وَمِثَالُ المَرْفُوعِ مِنَ القَوْلِ حُكْماً لَا تَصْرِيحاً: مَا (٩) يَقُولُ الصَّحَابِيُّ - الَّذِي لَمْ يَأْخُذْ عَنِ الإِسْرَائِيلِيَّاتِ - مَا (١٠) لَا مَجَالَ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ، وَلَا لَهُ تَعَلُّقٌ بِبَيَانِ لُغَةٍ أَوْ شَرْحِ غَرِيبٍ؛ كَالإِخْبَارِ

стр. 136

عَنِ الأُمُورِ المَاضِيَةِ - مِنْ بَدْءِ الخَلْقِ وَأَخْبَارِ الأَنْبِيَاءِ -، أَوِ الآتِيَةِ (١) - كَالمَلَاحِمِ (٢) وَالفِتَنِ وَأَحْوَالِ يَوْمِ القِيَامَةِ -. وَكَذَا الإِخْبَارُ (٣) عَمَّا يَحْصُلُ بِفِعْلِهِ (٤) ثَوَابٌ مَخْصُوصٌ (٥)، أَوْ عِقَابٌ مَخْصُوصٌ. وَإِنَّمَا كَانَ لَهُ حُكْمُ المَرْفُوعِ لِأَنَّ إِخْبَارَهُ بِذَلِكَ يَقْتَضِي مُخْبِراً لَهُ، وَمَا لَا (٦) مَجَالَ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ يَقْتَضِي مُوَقِّفاً (٧) لِلْقَائِلِ بِهِ، وَلَا مُوَقِّفَ (٨) لِلصَّحَابَةِ إِلَّا النَّبِيُّ ﷺ ، أَوْ بَعْضُ مَنْ يُخْبِرُ عَنِ الكُتُبِ القَدِيمَةِ، فَلِهَذَا وَقَعَ الِاحْتِرَازُ عَنِ القِسْمِ الثَّانِي، وَإِذَا (٩) كَانَ كَذَلِكَ فَلَهُ حُكْمُ مَا لَوْ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (١٠) ﷺ ؛ فَهُوَ مَرْفُوعٌ؛ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا (١١) سَمِعَهُ مِنْهُ، أَوْ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ (١٢).

стр. 137

وَمِثَالُ المَرْفُوعِ مِنَ الفِعْلِ حُكْماً: أَنْ يَفْعَلَ (١) الصَّحَابِيُّ (٢) مَا لَا مَجَالَ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ؛ فَيُنَزَّلُ (٣) عَلَى أَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي صَلَاةِ عَلِيٍّ فِي (٤) الكُسُوفِ: فِي كُلِّ رَكْعَةٍ أَكْثَرُ مِنْ رُكُوعَيْنِ (٥) -. وَمِثَالُ المَرْفُوعِ مِنَ التَّقْرِيرِ حُكْماً (٦): أَنْ يُخْبِرَ الصَّحَابِيُّ أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ كَذَا؛ فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الظَّاهِرَ (٧) اطِّلَاعُهُ ﷺ عَلَى ذَلِكَ؛ لِتَوَفُّرِ دَوَاعِيهِمْ عَلَى سُؤَالِهِ عَنْ (٨) أُمُورِ دِينِهِمْ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ الزَّمَانَ زَمَانُ نُزُولِ الوَحْيِ؛ فَلَا يَقَعُ مِنَ الصَّحَابَةِ فِعْلُ شَيْءٍ وَيَسْتَمِرُّونَ عَلَيْهِ إِلَّا وَهُوَ غَيْرُ مَمْنُوعِ (٩) الفِعْلِ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ جَابِرٌ (١٠)، وَأَبُو سَعِيدٍ ﵄ (١١) عَلَى جَوَازِ العَزْلِ بِأَنَّهُمْ (١٢) كَانُوا يَفْعَلُونَهُ وَالقُرْآنُ يَنْزِلُ، وَلَوْ كَانَ مِمَّا يُنْهَى عَنْهُ

стр. 138

لَنَهَى عَنْهُ القُرْآنُ (١). وَيَلْتَحِقُ بِقَوْلِي (٢) «حُكْماً»: مَا وَرَدَ بِصِيغَةِ الكِنَايَةِ فِي مَوْضِعِ الصِّيَغِ الصَّرِيحَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ ﷺ ؛ كَقَوْلِ التَّابِعِيِّ عَنِ الصَّحَابِيِّ: يَرْفَعُ الحَدِيثَ، أَوْ يَرْوِيهِ، أَوْ (٣) يَنْمِيهِ، أَوْ يَبْلُغُ بِهِ، أَوْ رِوَايَةً (٤)، أَوْ رَوَاهُ. وَقَدْ يَقْتَصِرُونَ عَلَى القَوْلِ مَعَ حَذْفِ القَائِلِ، وَيُرِيدُونَ بِهِ (٥) النَّبِيَّ ﷺ ؛ كَقَوْلِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ: «تُقَاتِلُونَ (٦) قَوْماً» (٧). الحَدِيثَ. وَفِي كَلَامِ الخَطِيبِ أَنَّهُ اصْطِلَاحٌ خَاصٌّ بِأَهْلِ البَصْرَةِ (٨). [صيَغٌ محتمِلة للرفع] وَمِنَ الصِّيَغِ المُحْتَمِلَةِ: قَوْلُ الصَّحَابِيِّ: «مِنَ السُّنَّةِ كَذَا»،

стр. 139

فَالأَكْثَرُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَرْفُوعٌ، وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ فِيهِ الِاتِّفَاقَ (١)؛ قَالَ: «وَإِذَا قَالَهَا غَيْرُ الصَّحَابِيِّ (٢)؛ فَكَذَلِكَ، مَا لَمْ يُضِفْهَا إِلَى صَاحِبِهَا - كَسُنَّةِ العُمَرَيْنِ -». وَفِي نَقْلِ الِاتِّفَاقِ نَظَرٌ، فَعَنِ الشَّافِعِيِّ فِي أَصْلِ المَسْأَلَةِ قَوْلَانِ (٣)، وَذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَرْفُوعٍ: أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ (٤)، وَأَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ مِنَ الحَنَفِيَّةِ (٥)، وَابْنُ حَزْمٍ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ (٦)، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ السُّنَّةَ تَتَرَدَّدُ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ غَيْرِهِ. وَأُجِيبُوا (٧): بِأَنَّ احْتِمَالَ إِرَادَةِ غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ بَعِيدٌ. وَقَدْ رَوَى البُخَارِيُّ فِي «صَحِيحِهِ» (٨) فِي (٩) حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ (١٠) عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ فِي قِصَّتِهِ (١١) مَعَ الحَجَّاجِ حينَ قَالَ لَهُ: «إِنْ كُنْتَ (١٢) تُرِيدُ السُّنَّةَ؛
следующие страницы →