٣١ - قوله تعالى: ﴿فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ﴾ [٣٩].
قرأ حمزة والكسائىّ «فندبه الملائكة».
وقرأ الباقون: ﴿فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ﴾ بالتاء.
فحجّة من ذكّر قال: الفعل مقدم كقولك: قام الرّجال ومع ذلك فإنّ (الملائكة) هاهنا جبريل، والتّقدير: فناداه الملك، فناداه جبريل.
ومن قرأ بالتاء قال: الملائكة جماعة وأنّثه كما قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ (١) و ﴿قالَتِ الْأَعْرابُ﴾ (٢) وقامت الرّجال، وشاهده ﴿وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ﴾ [٤٢] ولم يقل: وإذ قال.
٣٢ - وقوله تعالى: ﴿أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ﴾ [٣٩] قرأ حمزة وابن عامر «إنّ الله» بالكسر.
وقرأ الباقون بالفتح.
فمن نصب أعمل الفعل وهو ﴿فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ﴾ أنّ الله وبأنّ الله، ومن كسر جعل النّداء بمعنى القول، فكأنّه في التّقدير: قالت الملائكة: إن الله يبشرك.
٣٣ - وقوله تعالى: ﴿يُبَشِّرُكَ﴾ [٣٩].
قرأ حمزة كلّ ما في القرآن «يبْشُرُ» بالتّخفيف إلا قوله/ ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾.
وقرأ أبو عمرو وابن كثير كلّ ذلك بالتّشديد إلا واحدا في (عسق) (٣) «ذلك الّذي يُبْشِر الله»، وقرأ الكسائي في خمسة مواضع بالتّخفيف، موضعين في (آل عمران) وفي (بني إسرائيل) و (الكهف) و (عسق).
стр. 212
وقرأ الباقون بالتّشديد، وهما لغتان: بشرت، وبشّرت غير أن (بشّرت) أبلغ وأكثر.
٣٤ - وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْمِحْرابِ﴾ [٣٩].
قرأ ابن عامر ﴿مِنَ الْمِحْرابِ﴾ بالإمالة من أجل الرّاء والكسر.
وقرأ الباقون بالتّفخيم على أصل الكلمة.
٣٥ - وقوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ﴾ [٤٨].
قرأ نافع وعاصم بالياء.
وقرأ الباقون بالنّون. فمن قرأ بالنون فالله يخبر عن نفسه، وشاهده ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ [٤٤].
ومن قرأ بالياء فحجّته ﴿قالَ كَذلِكِ [اللهُ] يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [٤٧] والأمر بينهما قريب.
٣٦ - وقوله تعالى: «إنّي أخلق لكم» [٤٩].
قرأ نافع وحده: «إنّى» بكسر الهمزة.
وقرأ الباقون بفتحها.
وفتح ابن كثير وأبو عمرو ونافع الياء.
وأسكنها الباقون.
فمن فتح الهمزة جعلها بدلا من قوله: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ﴾ ... ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ﴾ فيكون موضعها جرّا ورفعا. ومن كسر أضمر القول؛ قل إني أخلق.
ويجوز أن يكون مستأنفا.
٣٧ - وقوله تعالى: ﴿فَيَكُونُ طَيْراً﴾ قرأ نافع وحده «طائرا» بألف.
وقرأ الباقون: ﴿طَيْراً﴾ بغير ألف، والطائر مذكر لا غير، وطير يذكر ويؤنث/.
стр. 213
٣٨ - وقوله تعالى: «فيوفّيهم أجورهم» [٥٧].
قرأ حفص، عن عاصم بالياء، أي: الله يوفيهم.
وقرأ الباقون بالنّون، وهو الاختيار، ليتّصل إخبار الله عن نفسه بعضه ببعض.
٣٩ - وقوله تعالى: ﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ﴾ [٦٦] قرأ ابن كثير في رواية قنبل «هَأَنتم» على وزن هعنتم، والأصل: أأنتم، فقلب من الهمزة هاء؛ كراهة أن يجمع بينهما.
وقرأ نافع برواية ورش مثل قنبل.
وقرأ قالون وأبو عمرو «(هآ آنتم)» يمدّان ولا يهمزان؛ وإنما مدّا؛ لأنّ الهمزة الثانية بين، بين فمدّا تمكينا لها، والهاء مبدلة أيضا من همزة في قراءتهما.
وقرأ الباقون: ﴿ها أَنْتُمْ﴾ كأنهم جعلوا «ها» تنبيها «وأنتم» إخبار غير استفهام. ويجوز أن يكون استفهاما، والأصل: آأنتم كما قرأ ابن عامر «(آأنذرتهم)» (١) بهمزتين بينهما ألف، ثم قلب من الهمزة الأولى هاء، وذلك ضعيف؛ لأنه إنما تدخل الألف حاجزا بين الهمزتين كراهية لاجتماعهما، فإذا قلبت الأولى هاء فليس هناك ما يستثقل.
٤٠ - وقوله تعالى: ﴿أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ﴾ [٧٣].
قرأ ابن كثير وحده «آن يؤتى» على الاستفهام في اللّفظ، وهو تقرير وتوبيخ.
وقرأ الباقون ﴿أَنْ يُؤْتى﴾ بالقصر على تقدير: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللهِ﴾، لأن يؤتى وبأن يؤتى، فاعرف ذلك.
٤١ - قوله تعالى: ﴿بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [٧٥].
اختلف عن جميع القراء في هذا ونحوه مثل قوله: «نولّهْ ما تولّى ونصلهْ»
стр. 214
«جهنّم» (١) و «يرضهُ لكم» (٢) وما شاكل ذلك.
فقرأ عبد الله بن عامر ونافع باختلاس الحركة ﴿نُوَلِّهِ﴾ و ﴿يُؤَدِّهِ﴾ وذلك أن الأصل (يؤديه) مثل ﴿فِيهِ /هُدىً﴾ (٣) فسقطت الياء للجزم وبقيت الحركة مختلسة على أصل الكلمة.
وقرأ ابن كثير والكسائيّ بإشباع الكسرة، ولفظه كالياء بعد الهاء، .
وأمّا ابن كثير فإنّ من شرطه أن يشبع حركته في كل حال كقوله:
«منهو آيات» و «فيهي هدى» فردهن إلى أصله.
وأمّا الكسائيّ فقال: إنّ الياء لمّا سقطت للجزم أفضى الكلام إلى هاء قبلها كسرة فأشبعها، كما تقول: مررت بهي وكما قال الله تعالى (٤) : «وأمّهي» «وصاحبتهي» (٥) .
وقرأ عاصم برواية أبى بكر وأبو عمرو وحمزة: «نولّهْ» «ونصلهْ» بالإسكان.
قال أبو عبيد: من أسكن الهاء فقد أخطأ (٦) ؛ لأنّ الهاء اسم والأسماء لا تجزم.
قال أبو عبد الله الحسين بن خالويه ﵁: ليس ذلك غلطا؛ وذلك أن الهاء لما اتصلت بالفعل فصارت معه كالشئ الواحد خففوها بالإسكان،
стр. 215
وليس كلّ سكون جزما، والدّليل على ذلك أن أبا عمرو قرأ: «وهو خادعهم» (١) فأسكن تخفيفا.
٤٢ - وقوله تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ﴾ [٨٠].
قرأ عاصم وحمزة وابن عامر: ﴿يَأْمُرَكُمْ﴾ بالنّصب نسقا على قوله تعالى: ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ﴾ [٨٩].
وقرأ الباقون بالرّفع جعلوه استئنافا.
وحجّتهم قراءة ابن مسعود: «ولن يأمركم» (٢) فلمّا سقط «لن» ارتفع ما بعدها، غير أن أبا عمرو كان يحبّ أن يختلس الحركة. وقد بينّا علة ذلك في ما سلف.
٤٣ - وقوله تعالى: ﴿لَما آتَيْتُكُمْ﴾ [٨١] قرأ حمزة وحده «لِما» بكسر اللاّم وجعل «ما» بمعنى الذي، والمعنى: وإذ أخذ الله ميثاق/النّبيّين لهذا.
وقرأ الباقون: ﴿لَما﴾ بفتح اللاّم، فاللام لام التأكيد و «ما» صلة، كما قال الله تعالى (٣): «إن كلّ نفس لما عليها حافظ» أي: لعليها حافظ.
واتّفق القراء على (آتيتكم) بالتاء، الله تعالى يخبر عن نفسه بلفظ الواحد إلا نافعا فإنه قرأ «آتيناكم» بلفظ الجماعة، وذلك أن الملك يخبر عن نفسه بلفظ الجماعة فعلنا، وصنعنا، قال الله تعالى (٤): ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ والله تعالى وحده لا شريك له.
стр. 216
٤٤ - وقوله تعالى: ﴿بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ﴾ [٧٩] قرأ ابن عامر وأهل الكوفة مشدّدا، وقرأ الباقون مخفّفا، وحجتهم ﴿تَدْرُسُونَ﴾ [٧٩] ولم يقل تدرّسون، ومن شدّد قال: هذا أبلغ في المدح؛ لأنّهم لا يعلّمون إلا وقد علموا هم، ولا يكون العالم عالما حتى يعمل بعلمه، فأحد عمله تعليمه غيره.
٤٥ - وقوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ﴾ [٨٣] ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [٨٣].
قرأهما حفص، عن عاصم بالياء جميعا.
وقرأ الباقون بالتّاء، غير أبي عمرو فإنّه قرأ ﴿يَبْغُونَ﴾ بالياء «ترجعون» بالتّاء، فمن قرأ بالتاء فمعناه: يا محمد أفغير دين الله تبغون: وإليه ترجعون، فالخطاب للنّبي ﷺ .
ومن قرأهما بالياء فإنّ معناه الإخبار عن الكفّار، وكان أبو عمرو أحذق القراء، ففرّق بين اللّفظين لاختلاف المعنيين، فقرأ: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ﴾ يعنى الكفار «وإليه ترجعون» أنتم والكفّار.
٤٦ - وقوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ /حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [٩٧].
قرأ حمزة والكسائيّ وحفص، عن عاصم ﴿(حِجُّ الْبَيْتِ)﴾ بالكسر.
والباقون بالفتح. فمن فتح جعله مصدرا لحججت، أحجّ حجّا والحجّ: القصد، والحجّ بالكسر الاسم، والاختيار الفتح؛ لاجتماع الجميع على الذي في (البقرة) (١) أنها مفتوحة.
٤٧ - وقوله تعالى: ﴿وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ [١١٥].
стр. 217
قرأ حمزة والكسائيّ وحفص، عن عاصم بالياء جميعا.
وقرأ الباقون بالتّاء، غير أن أبا عمرو كان يخيّر في ذلك، والأمر بينهما قريب، فمن وجّه الخطاب إلى من بالحضرة دخل معهم الغيب، ومن قرأ بالياء دخل المخاطبون معهم فلما كان كذلك خيّر أبو عمرو بين الياء والتاء.
٤٨ - وقوله تعالى: ﴿لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ [١٢٠].
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو بالتّخفيف وكسر الضّاد.
وقرأ الباقون بالتّشديد وضمّ الضّاد والرّاء، فيكون موضعه رفعا وجزما على مذهب العرب مدّ يا هذا، ومدّ يا هذا، ومدّ يا هذا، والأصل: يضرركم، فنقلت الضمة من الراء الأولى إلى الضّاد، وأدغمت الرّاء في الرّاء، والتّشديد من جلل ذلك.
ومن قرأ «لا يَضِرْكم» فخفّف، أخذه من الضّير، كما قال تعالى:
﴿لا ضَيْرَ إِنّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ (١).
٤٩ - وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ [١٢٤].
قرأ ابن عامر وحده «مُنَزَّلين.»
وقرأ الباقون بالتّخفيف جعلوه اسم المفعولين من أنزلهم الله فهم منزلون./ ومن شدّد جعله اسم المفعولين من نزّل. وقال قوم: أنزل ونزّل بمعنى مثل كرّم وأكرم.
٥٠ - وقوله تعالى: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ [١٢٥].
قرأ ابن كثير وأبو عمرو، وعاصم بكسر الواو.
стр. 218
وقرأ الباقون بالفتح، جعلوا التّسويم وهو العلامة للخيل، أي أن الملائكة سوّمت الخيل، أو إذا جعلت الفعل لله وهو الاختيار؛ لأنّ الملائكة الله سومها، قال الحسن: (١) مسومين مجززة النّواصى، وقال مجاهد (٢): جعلت الملائكة في آذان الخيل وأذنابها الصّوف الأبيض.
٥١ - وقوله تعالى: ﴿وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ﴾ [١٣٣].
قرأ نافع وابن عامر: «(سارعوا)» بغير واو.
وقرأ الباقون بواو.
٥٢ - وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ [١٤٠].
قرأ أهل الكوفة غير حفص «قُرح» بضم القاف. وقرأ الباقون وحفص عن عاصم بالفتح.
فقال أكثر النحويين: هما لغتان: القرح والقرح مثل: الجهد والجهد، وفرّق الكسائي بينهما فقال: القرح: الجراحة، والقرح: ألم الجراحة (٣).
стр. 219
٥٢ - وقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ﴾ [١٤٦].
قرأ ابن كثير وحده «(كائن)» على وزن كاعن.
قرأ الباقون: «(وكأىّ)» على وزن كحي.
فمن قرأ كذلك وقف بالياء مشدّدا، وهما لغتان بمعنى «كم»، تقول العرب: كم مالك؟ وكائن مالك؟ وكأين مالك؟ .
٥٣ - وقوله تعالى: ﴿قاتَلَ مَعَهُ﴾ [١٤٦].
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو «قُتِل معه.»
وقرأ الباقون ﴿قاتَلَ﴾ بألف، فمن قرأ «قُتِل» وقف عليه وابتدأ بما بعده، وحجّته أنّ الله تعالى مدح أمما قتل عنهم نبيهم فما ضعفوا لما أصابهم من قتل نبيهم، وما استكانوا.
وحجّة من قرأ/ ﴿قاتَلَ﴾ قال: إذا مدح الله تعالى من لم يقاتل مع نبيه، كان من قاتل مع نبيّه أمدح وأمدح.
٥٤ - قوله تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [١٥١].
قرأ ابن عامر والكسائيّ، «(الرُّعُب)» بضمتين على أصل الكلمة.
وقال آخرون: بل الإسكان الأصل على قراءة الباقين، وهو أخفّ، إذ كانت العرب قد تخفف مثل ذلك، ومن ثقّل أتبع الضمّ الضمّ؛ ليكون أقرب إلى الفخامة.
٥٥ - وقوله تعالى: ﴿يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ﴾ [١٥٤].
قرأ حمزة والكسائيّ بالتاء.
стр. 220
وقرأ الباقون بالياء، فمن ذكّره ردّه على النّعاس، ومن أنّثه ردّه على الأمنة.
٥٦ - وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلّهِ﴾ [١٥٤].
قرأ أبو عمرو وحده «كُلُّه لله» [بالرّفع] (١).
وقرأ [الباقون بنصب اللاّم (٢) فمن نصب اللام جعله تأكيدا للأمر و ﴿لِلّهِ﴾ خبر «إن».
ومن ضمّ اللام رفعه بالابتداء و (لله) الخبر، والجملة خبر «إنّ»] (٣).
٥٦ - وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ﴾ [١٥٨].
قرأ نافع وحمزة والكسائي «مِتُّم» بكسر الميم.
وقرأ الباقون بالضمّ. فمن ضمّ فحجته «يموت» وذلك أنّ يفعل مثل قال يقول، فتقول: متّ كما تقول: قلت. ومن كسر فحجته أن بعض العرب تقول في مضارعه: مات يمات، وحكى ذلك الفرّاء، رحمة الله عليه وغيره، فيكون على هذا وزنه، فعل يفعل مثل خاف يخاف ونام ينام، والأصل خوف ونوم، فقلبوا الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها وكذلك الأصل: موت فاعلم.
[٥٧ - وقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [١٥٧].
قرأ حفص بالياء.
стр. 221
والباقون بالتّاء] (١).
٥٨ - وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [١٥٦].
قرأ ابن كثير/وحمزة والكسائيّ بالياء.
وقرأ الباقون بالتّاء، وقد مرّت الحجة للياء والتاء في نظيرها.
٥٩ - وقوله تعالى: ﴿وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ [١٦١].
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم ﴿(أَنْ يَغُلَّ)﴾ بفتح الياء وضم الغين.
وقرأ الباقون «(يُغَلَّ)» بضم الياء وفتح الغين، فمن ضمّ الياء فمعناه: أن يخان، والأصل يخون. ومن قرأ بفتح الياء ﴿يَغُلَّ﴾ أي: يخون.
٦٠ - وقوله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [١٦٩].
اتّفق القراء على التاء إلا هشاما (٢) فإنّه قرأ: «يحسبنّ» بالياء في هذا، واختلفوا فيما بعده، وشدّد ابن عامر وحده التاء في «قُتِّلوا».
وخفّفها الباقون. فمن خفّف برواية هشام يكون مرة ومرارا، ومن شدّد لا يكون إلا مرارا كأنّهم قتلوه مرة بعد مرة.
٦١ - وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [١٧١].
قرأ الكسائي وحده «(إنّ الله)» بالكسر.
стр. 222
وقرأ الباقون بالفتح. فمن فتح فموضع «أنّ» خفض بالنّسق على قوله:
﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ بأن الله لا يضيع، ولأنّ الله.
ومن كسر جعلها مبتدأة، واعتبر قراءته (١) بحرف عبد الله «والله لا يضيع» بغير «إنّ».
٦٢ - وقوله تعالى: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ﴾ [١٧٦] قرأ نافع وحده «يُحزنك» بضم الياء في كلّ القرآن إلا قوله تعالى (٢):
﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾.
وقرأ الباقون بفتح ذلك كلّه وهما لغتان: حزن وأحزن والاختيار حزن لقولهم: محزون، ولا يقال: محزن، تقول: حزن يحزن حزنا/وحزنا.
٦٣ - وقوله تعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [١٧٨].
قرأ حمزة وحده بالتّاء.
وقرأ الباقون بالياء، فمن قرأ بالتاء فالخطاب للنبي ﷺ . ومن قرأ بالياء فإخبار عن الذين كفروا، فمن قرأ بالتاء فموضع ﴿الَّذِينَ﴾ نصب و ﴿كَفَرُوا﴾ صلته، «وأن» مع ما بعدها في موضع المفعول الثاني. وإنما فتحت «أنّ» لأن الفعل واقع عليها «وما» اسم «أنّ» و ﴿نُمْلِي﴾ صلته و ﴿خَيْرٌ﴾ خبر «أنّ»، تمّ الكلام. ثم استأنف بقوله: ﴿أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ﴾ بكسر الألف ﴿لِيَزْدادُوا إِثْماً﴾.
ومن قرأ بالتاء جعل الفعل لمحمد ﷺ ، فموضع ﴿الَّذِينَ﴾ نصب
стр. 223
أيضا. ومن جعل الفعل للكفار فموضع ﴿الَّذِينَ﴾ رفع بفعلهم و ﴿كَفَرُوا﴾ صلتهم «وأن» مع ما بعده نائب عن مفعولي «يحسب»، وذلك أن الحسبان يحتاج إلى مفعولين، «وأن» يحتاج إلى اسمين فناب شيئان عن شيئين.
٦٤ - وقوله تعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ [١٨٠].
قرأ حمزة وحده بالتّاء.
والباقون بالياء. فمن قرأ بالياء فموضع ﴿الَّذِينَ﴾ رفع، و ﴿يَبْخَلُونَ﴾ صلة ﴿الَّذِينَ﴾ والمفعول الأول مصدر دل عليه الفعل، والتقدير: ولا يحسبن الّذين يبخلون بخلهم خيرا لهم.
ومن قرأ بالتّاء ف ﴿الَّذِينَ﴾ في موضع نصب، وهو المفعول الأول، و ﴿خَيْراً﴾ المفعول الثاني.
٦٥ - وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [١٨٠] قرأ ابن كثير وأبو عمرو بالياء؛ إخبارا عن الكفرة.
وقرأ الباقون بالتّاء، أي: والله بما تعملون أنتم وهم خبير.
٦٦ - قوله تعالى: ﴿سَنَكْتُبُ /ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ﴾ [١٨١].
قرأ حمزة «سيكتب ما قالوا وقتلُهُم الأنبياء» على ما لم يسم فاعله.
وقرأ الباقون على ما سمّي فاعله، لقول الله تعالى: ﴿سَنَكْتُبُ ما قالُوا﴾ ونكتب قتلهم الأنبياء، ف «ما» موضعها نصب على هذه القراءة، وعلى قراءة حمزة موضعها رفع؛ لأنّه اسم ما لم يسمّ فاعله.
٦٧ - وقوله تعالى: ﴿حَتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [١٧٩].
قرأ حمزة والكسائي «حتى يُمَيِّز» مشدّدة.
وقرأ الباقون مخففة، وهما لغتان، ماز يميز وميّز يميّز.
стр. 224
٦٨ - وقوله تعالى: ﴿بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ﴾ [١٨٤] قرأ ابن عامر «وبالزّبر» بالباء، وكذلك في مصاحف أهل الشام، وقرأ الباقون بغير باء، فقال قوم: مررت بزيد وعمرو ومررت بزيد وبعمر سواء. وأما هشام فإنه قرأ «بالكتب» بزيادة الباء (١)، والباقون بغير زيادة الباء.
٦٨ - وقوله تعالى: «ولا يحسبنّ الّذين يفرحون» [١٨٠] قرأ أهل الكوفة بالتاء.
والباقون بالياء.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «فلا يحسبُنّهم» بالياء وضمّ الباء وفيه جوابان:
أحدهما: أن يكون الفعل لمحمّد ﷺ (٢)، والهاء كناية عن الكفرة.
والثاني: فلا يحسب الكفار أنفسهم.
ومن قرأ بالتاء أي: فلا تحسبنهم يا محمد بمفازة من العذاب أي: ببعد من النّار.
٦٩ - وقوله تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [١٨٧] قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر بالياء. وحجّتهم:
﴿فَنَبَذُوهُ﴾ ردّوه على الغيب.
وقرأ الباقون بالتّاء، جعلوه حكاية لوقت أخذ الميثاق عليهم.
٧٠ - وقوله تعالى: ﴿وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾ [١٩٥].
قرأ/ابن كثير وابن عامر «وقتلوا وقتِّلوا» مشدّدة التاء، أي: مرة بعد مرة للتكثير.
стр. 225
وقرأ حمزة والكسائيّ «وقُتِلوا وقاتلوا» يبدءان بالمفعولين قبل الفاعلين.
وقرأ نافع وعاصم وأبو عمرو ﴿(وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا)﴾ خفيفة التّاء من قتلوا.
(واختلف القراء في ستة ياءات)
﴿وَجْهِيَ لِلّهِ﴾ [٢٠] فتحها نافع وحفص، عن عاصم، وأسكنها الباقون.
﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ﴾ [٣٥]
فتحها نافع وأبو عمرو، وأسكنها الباقون.
﴿وَإِنِّي أُعِيذُها﴾ [٣٦].
فتحها نافع وحده، وأسكنها الباقون.
و﴿اِجْعَلْ لِي آيَةً﴾ [٤١].
فتحها نافع وأبو عمرو، وأسكنها الباقون.
واختلفوا في إثبات ياءين وحذفهما ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [٢٠] و ﴿وَخافُونِ﴾ [١٧٥] أثبتهما أبو عمرو ونافع في رواية إسماعيل وأسقطهما الباقون.
***
стр. 226
ومن السورة التى تذكر فيها
(النساء)
١ - قوله تعالي: ﴿تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ﴾ [١].
قرأ حمزة والكسائي وعاصم ﴿(تَسائَلُونَ بِهِ)﴾ مخففة، وكان أبو عمرو يخيّر في التّشديد والتخفيف. وقرأ الباقون مشدّدا، والأصل في القراءتين «(تتساءلون)» بتاءين، فمن خفّف أسقط تاء، ومن شدّد أدغم التاء في السين، فالتاء الأولى للاستقبال والثانية هي التي كانت مع الماضي، قال سيبويه ﵁:
المحذوفة الثّانية. وقال هشام: الأولى. وقال الفراء: لا تبالي أيّهما حذفت.
وقرأ حمزة وحده «والأرحامِ» بالجرّ أراد: تساءلون به وبالأرحام/فأضمر الخافض على قول العجّاج أنه كان إذا سئل كيف تجدك قال: خير عافاك الله، يريد: بخير.
وقرأ الباقون بالنّصب، اتّقوا الله واتّقوا الأرحام أن تقطعوها. قالوا: ويبطل الخفض من جهات.
إحداها (١): أن ظاهر المخفوض لا يعطف على مكنية، لا يقال: مررت بك وزيد؛ لأن المضاف والمضاف إليه كالشّيء الواحد إلا ضرورة لشاعر كما قال (٢):
стр. 227
نعلّق فى مثل السّوارى سيوفنا ... وما بينها والكعب غوط نفانف
وزعم البصريّون جميعا أنّه لحن (١) .
قال ابن خالويه ﵀: وليس لحنا عندي؛ لأنّ ابن مجاهد حدّثنا بإسناد يعزيه إلى رسول الله ﷺ أنه قرأ: «والأرحامِ» ومع ذلك فإن حمزة كان
стр. 228
لا يقرأ حرفا إلا بأثر (١).غير أنّ من أجاز الخفض في ﴿الْأَرْحامَ﴾ أجمع مع من لم يجز أن النّصب هو الاختيار.
٢ - وقوله تعالى: ﴿جَعَلَ﴾ ﴿لَكُمْ قِياماً﴾ [٥] قرأ نافع وابن عامر «قيما» بغير ألف.
وقرأ الباقون ﴿قِياماً﴾، فهذه الياء مبدلة من واو، والأصل قواما، وقد قرأ بذلك ابن عمر (٢).
٣ - وقوله: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ [١٠].
قرأ عاصم في رواية أبي بكر، وابن عامر بضمّ الياء.
وقرأ الباقون بفتح الياء، وهو الاختيار لقوله تعالى: ﴿إِلاّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ﴾ (٣).
وقال آخرون: صليته بالنار شويته، وأصليته ألقيته في النّار وأحرقته.
٤ - وقوله تعالى/: ﴿وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً﴾ [١١].
قرأ نافع وحده «وإن كانت واحدةٌ» بالرفع.
وقرأ الباقون بالنّصب. فمن رفع جعل «كان» بمعنى حدث ووقع، ولا تحتاج إلى خبر، ومن نصب أضمر في «كان» اسما، والتّقدير: إلا أن تكون المذكورة واحدة.
٥ - وقوله تعالى: ﴿فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [١١].
قرأ حمزة والكسائيّ بكسر الهمزة لكسرة اللاّم.
стр. 229
قرأ الباقون بالضمّ على الأصل، فأمّا قوله: ﴿مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ (١).
[ف] قرأ حمزة بكسر الهمزة والميم، والكسائي بفتح الميم وهو الاختيار؛ لأن الإعراب وقع على التاء لا على الميم، ومن كسر أتبع الكسر الكسر.
٦ - وقوله تعالى: ﴿يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ﴾ [١١].
قرأ ابن كثير وابن عامر، وعاصم فى رواية أبي بكر «(يوصى)» بفتح الصّاد.
وقرأ الباقون بالكسر، وهو الاختيار؛ لأنّ الله تعالى قد ذكر الموصى قبله.
وروى حفص عن عاصم الأوّل بالكسر، والثّاني بالفتح، فجمع بين اللّغتين.
٧ - وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ﴾ [١٤، ١٣].
قرأ نافع وابن عامر الحرفين بالنّون.
وقرأ الباقون بالياء، وهو الاختيار لذكر الله تعالى قبله.
٨ - وقوله تعالي: ﴿وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ﴾ [١٦].
قرأ ابن كثير وحده «والذانِّ» جعل النّون عوضا من الياء المحذوفة التي كانت في الذي.
وخففها الباقون؛ لأنّ من كلام العرب أن يحذفوا ويعوّضوا، وأن يحذفوا ولا يعوّضوا.
٩ - وقوله تعالى: ﴿بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [١٩].
قرأ ابن كثير/وعاصم في رواية أبي بكر «مبيَّنة» بالفتح.
стр. 230
وقرأ الباقون بالكسر، فمن كسر جعل الفاحشة هي التي تبين على صاحبهما. ومن فتح فهو الاختيار لقوله تعالي (١): ﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الْآياتِ﴾ فالله المبيّن والآيات المبيّنات.
١٠ - وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً﴾ [١٩].
قرأ حمزة والكسائيّ بالضمّ، وكذلك في (التّوبة) (٢) و (الأحقاف) (٣).
وقرأ عاصم وابن عامر في (الأحقاف) بالضمّ والباقي بالفتح.
وقرأ الباقون كلّ ذلك بالفتح. فقال قوم: هما لغتان.
وقال آخرون: الكره: المصدر، والكره: الاسم.
١١ - وقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ﴾ [٢٤] قرأ الكسائيّ وحده كلّها في القرآن بالكسر إلا هذه.
وقرأ الباقون بالفتح. والمحصنات، والمحصنة بالكسر تكون العفيفة، وتكون المسلمة، أي أحصنت نفسها بالإسلام، ومن قرأ بالفتح جعل المحصنات بالأزواج أي: أحصنهنّ أزواجهن فالأزواج محصنون، والنّساء محصنات.
١٢ - وقوله تعالي: ﴿إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً﴾ [٢٩].
قرأ أهل الكوفة بالنصب.
стр. 231
وقرأ الباقون بالرّفع، وقد بيّنت علّته في (البقرة).
١٣ - وقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ﴾ [٢٤].
قرأ حمزة والكسائيّ وحفص، عن عاصم ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ﴾ بالضمّ.
وفتحها الباقون، فمن ضمّ نسقه على قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ ومن فتح قال: قبل الآية ﴿كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ أي كتب عليكم كتابا وأحلّ لكم/ قال: وإنما اخترت الفتح لأنّه أقرب إلى ذكر الله.
ومن ضمّ قال: إنّما يأتي محظور بعد مباح أو مباح بعد محظور، وأحلّ بعد ما حرّم أحسن.
١٤ - وقوله تعالى: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ [٣١].
قرأ نافع وحده بالفتح وكذلك في (الحجّ) (١) بالفتح.
وقرأ الباقون بالضم، جعلوه مصدرا من أدخل كما قال تعالى: «ربّي أدخلنى مدخل صدق» (٢).
وأمّا نافع فإنه جعله من دخل مدخلا مثل: طلعت الشّمس مطلعا ودخلت مدخلا.
١٥ - وقوله تعالى: ﴿فَإِذا أُحْصِنَّ﴾ [٢٥] قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم برواية حفص ونافع ﴿فَإِذا أُحْصِنَّ﴾ بالضم.
وقرأ الباقون بالفتح.
стр. 232
١٦ - وقوله تعالى: ﴿وَسْئَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [٣٢].
قرأ ابن كثير والكسائيّ: «وسلوا الله» بترك الهمز في كلّ القرآن إذا تقدمه واو أو فاء، ويكون امرا للمخاطب.
وقرأ الباقون بالهمز. فحجّته قال: لما اتّفقت القرّاء والمصاحف على حذف الألف من ﴿سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ (١) وكان هذا أمرا مثله خزلت ألف الوصل والهمزة، والأصل: اسأل فنقلوا فتحة الهمزة إلى السين فلما تحركت السين استغنوا عن ألف الوصل، وسقطت الهمزة لسكونها، وسكون اللام.
ومن همز قال: وجدت الأمر يخزل منه الألف نحو: سل وكل ومر، فإذا تقدمه حرف نسق رجعت الهمزة كقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ﴾ (٢).
١٧ - وقوله تعالي: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ [٣٣].
قرأ أهل الكوفة ﴿عَقَدَتْ﴾ /بغير ألف، وقرأ الباقون «عاقدت» وهو الاختيار؛ لأنّ المفاعلة لا تكون إلا من اثنين والمعاقدة: المحالفة، ومن حذف الألف قال: هناك صفة مضمرة والتقدير: والذين عقدت أيمانكم لهم.
١٨ - وقوله تعالى: ﴿وَيَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [٣٧].
قرأ حمزة والكسائي بالبخل بفتح الباء والخاء.
وقرأ الباقون بالضم والسّكون.
١٩ - وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ [٤٠].
قرأ نافع وابن كثير ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ بالنّصب، ومن نصب جعله خبرا.
стр. 233
وقرأ ابن كثير وابن عامر «يضعفها» بغير ألف.
وقرأ الباقون بألف، وقد مرّت علة ذلك في (البقرة).
٢٠ - وقوله تعالى: ﴿لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ [٤٢].
قرأ نافع وابن عامر «تَسوّى» بفتح التاء وتشديد السين.
وقرأ حمزة والكسائيّ بالفتح والتّخفيف.
وقرأ حمزة والكسائي «لو تيسوى» ممالة خفيفة أرادوا جميعا: تتسوى، فأمّا نافع، وصاحبه فأدغما التاء في السين.
وحمزة وصاحبه خفّى لإحدى التاءين تخفيفا.
وقرأ الباقون ﴿تُسَوّى﴾ بضم التاء والتّخفيف قال أبو عبيدة (١): تسوّى بهم الأرض أي: تعلوهم ويدخلون في جوفها، يعنى يوم القيامة.
٢١ - وقوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ [٤٣] قرأ حمزة والكسائيّ: «لَمَستم» بغير ألف، جعلا الفعل للرّجال دون النّساء.
وقرأ الباقون ﴿(لامَسْتُمُ)﴾ لأنّ المرأة تلامس الرجل والرجل يلامسها والمفاعلة لا تكون إلا من اثنين، وحجتهم: جامعت المرأة، ولا يقال: جمعت.
ومن قرأ «(لَمَستم)» فحجته: نكحت، ولا يقال: ناكحت.
٢٢ - وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ﴾ [٦٦].
قرأ عاصم وحمزة بكسر/النّون والواو لالتقاء السّاكنين، وهما النّون والقاف والواو والخاء، والألف سقطت للوصل.
وقرأ أبو عمرو بضم الواو وكسر النون قال: لما احتجت إلى حركتها حركت.
الواو بحركة هى منها.
وقرأ الباقون بضم الحرفين جميعا.
стр. 234
قال أهل الكوفة: إنما حركوا بالضمّ اتباعا لضمة التاء والراء، وذلك غلط؛ لأن ألف الوصل تسقط مع حركتها ولا تنقل حركتها، ولكنّ الحجّة لمن ضمّ عند البصريين: أنهم كرهوا أن يخرجوا من كسر إلى ضمّ، فضموا ليتبعوا الضمّ الضمّ، كقولك: ادخل، اخرج
٢٣ - وقوله تعالى: ﴿إِلاّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [٦٦].
قرأ ابن عامر وحده «إلاّ قليلا منهم» بالنّصب.
وقرأ الباقون بالرّفع ولابن عامر حجتان.
إحداهما: ما ذكر الفرّاء أن «قليلا» ينصب ب «أن» ولا، يسدّ مسدّ الخبر، والتقدير: ما فعلوه أن قليلا، وليس ذلك بشيء.
والحجّة الثانية: أنّ العرب تنصب في النفي والإيجاب بضمير فعل نابت عنه «إلا» والتّقدير ما فعلوه، استثنى قليلا، فهو على أصل الاستثناء، غير أن الاختيار في الاستثناء إذا كان منفيا وكان ما بعد «إلاّ» من جنس ما قبله الرّفع على البدل، كقولك: ما في الدّار أحد إلا زيد، وما فعلوه إلا قليل، وإذا كان ما بعد «إلا» ليس من جنس ما قبله اختير له النّصب، كقولك: ما فى الدار أحد إلا حمارا. ﴿وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى * إِلَاّ/اِبْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى﴾ (٢).
٢٤ - وقوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ [٧٣].
قرأ ابن كثير وحفص، عن عاصم ﴿(تَكُنْ)﴾ بالتاء لتأنيث المودة.
(١) رأى الفرّاء هذا فى الجنى الدّانى: ٤٧٧، قال: «وسادسها: أنّ الناصب «إن» المكسورة المخففة مركبا منها ومن «لا» «إلاّ» حكاه السيرافيّ أيضا عن الفرّاء».
стр. 235
وقرأ الباقون بالياء؛ لأن تأنيثها غير حقيقى؛ ولأن «قد» فصلت بين الاسم والفعل بفاصل كقولك: حضر القاضى اليوم امرأة.
٢٥ - وقوله تعالى: «ولا يظلمون فتيلا» [٧٧].
قرأ ابن كثير وحمزة والكسائيّ بالياء، إخبار عن غيب.
وقرأ الباقون بالتاء أي: فلا تظلمون أنتم وهم؛ لأنّ الله تعالى لا يظلم النّاس شيئا.
٢٦ - وقوله تعالى: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [٩٠].
قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائيّ بالإدغام
والباقون بالإظهار على الأصل. ومن أدغم فلأنّ التاء ساكنة للتأنيث، فلما كان السّكون لها لازما كان الإدغام لازما ولما كانت التاء أصلية في ﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ﴾ [٨١] وكانت حركته لازمة وجب أن يكون الإظهار أحسن.
وقرأ أبو عمرو وحمزة «بيّتْ طائفة» بالإدغام.
وقرأ الباقون بالإظهار.
٢٧ - وقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ [٩٤].
قرأ حمزة والكسائي «فتثبّتوا.»
وقرأ الباقون بالباء، والأمر بينهما قريب، وذلك أن العرب تقول: تثبتّ في أمري وتبينت، قال رسول الله ﷺ : «ألا إنّ التّبيين من الله والعجلة من الشّيطان فتبيّنوا» (١).
٢٨ - وقوله تعالى: ﴿لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ﴾ [٩٤] قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم والكسائي ﴿السَّلامَ﴾ بألف/.
стр. 236
وقرأ الباقون بغير ألف «السَّلَمَ» وفتح اللام، يعنى المقادة، وهو أن يعطى الرجل بيده ويستسلم. والسلام: هو السلام المعروف، وهو الاختيار: لما روى عن ابن عباس أنّ رجلا سلّم عليهم فقتلوه، قدروا أنه فعل ذلك خوفا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً﴾ (١).
٢٩ - وقوله تعالى: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [٩٥].
قرأ نافع والكسائىّ وابن عامر «غيرَ» بالنصب.
وقرأ الباقون بالرّفع نعتا للقاعدين، ومن نصبه جعله استثناء بمعنى «إلاّ»، وهو الاختيار؛ لأن ابن [أمّ] مكتوم جاء إلى النّبىّ ﷺ فذكر حاله وضرّه فأنزل الله تعالى: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (٢).
٣٠ - وقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ﴾ [١١٤].
قرأ أبو عمرو وحمزة بالياء كأنّ محمدا ﷺ يخبر عن الله تعالى.
وقرأ الباقون بالنّون-الله تعالى-يخبر عن نفسه.
٣١ - وقوله تعالى: ﴿أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً﴾ [١٢٨].
قرأ أهل الكوفة ﴿يُصْلِحا﴾ من أفعل يفعل.
стр. 237
وقرأ الباقون: «يَصَّلَحا» يريدون: يتصالحا فأدغموا.
٣٢ - وقوله تعالى: ﴿فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ [١٢٤].
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم فى رواية أبى بكر بضم الياء.
وقرأ الباقون بفتحها، والأمر بينهما قريب؛ وذلك أن من أدخله الله الجنّة دخل هو.
٣٣ - وقوله: ﴿وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [١٣٦].
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بضمّ الهمزة والنون، وقرأ الباقون/بفتحها. فأمّا قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ [١٤٠] فإنّ عاصما وحده فتح النون والباقون ضمّوها، فمن اختار الضم جعله خبرا مستأنفا، ومن فتح نسقه على ذكر الله قبل الآية.
٣٤ - وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ [١٣٥].
قرأ ابن عامر وحمزة بواو واحدة.
وقرأ الباقون ﴿تَلْوُوا﴾ بواوين جعلوه من لويت حقه، والأصل: تلويوا فاستثقلوا الضّمة على الياء فخزلوها وحذفوها لالتقاء الساكنين، ثم ضمت الواو الأولى لمجاورتها الثانية. ومن قرأ بواو واحدة فله مذهبان: .
أحدهما: أن يكون أراد: تلئوا-بالهمز-جعل الواو همزة، لانضمامها، ثم نقل ضمة الهمزة إلى اللام وحذفها لالتقاء الساكنين.
والمذهب الثانى: أن يكون أخذه من الولاية.
٣٥ - وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ﴾ [١٤٥].
قرأ أهل الكوفة بالإسكان.
وقرأ الباقون بالفتح، وهو الأسير فى الكلام، والدّرك: الإدراك، تقول العرب: ما لى فى الأمر درك، قال فى صفة الفرس:
стр. 238
بمقلّص درك الطّريدة متنه ... كصفا الخليقة بالفضاء الأجرد (١)
ومعنى الدّرك: قيل: درجة فى النار. وقيل: أسفل النار؛ لأنّ الجنة درجات والنار دركات.
٣٦ - وقوله تعالى: ﴿أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ [١٥٢].
قرأ حفص عن عاصم بالياء.
وقرأ الباقون بالنّون؛ الله تعالى يخبر عن نفسه. ومن قرأ بالياء فهو إخبار عن الله/.
٣٧ - وقوله تعالى: ﴿لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ [١٥٤].
قرأ نافع فى رواية ورش «تَعَدّوا» بفتح العين وتشديد الدّال، والأصل:
تعتدوا تفتعلوا من العدوان، فنقل فتحة التاء إلى العين وأدغم التاء فى الدّال، ومنه «تخطّف أبصارهم» و ﴿أَمَّنْ لا يَهِدِّي﴾.
وروى قالون عن نافع «لا تَعْدُّوا» بإسكان العين وتشديد الدال فجمع بين ساكنين، وهو قبيح جدّا؛ لأن العرب لا تجمع بين ساكنين إلا إذا كان أحدهما حرف لين، وكأنه أراد الحركة فأسكن؛ لأن الفرّاء حكى عن عبد القيس أنها تقول: أسل زيدا فتدخل الألف الوصل على متحرك؛ لأنّهم أرادوا الإسكان.
وقرأ الباقون ﴿لا تَعْدُوا﴾ على وزن لا تفعوا (٢).
والأصل فى القراءات كلّها: لا تعدووا بواوين فاستثقلوا الضمة على الواو الأولى فخزلوها، ثم حذفوا الواو لسكونها، وسكون واو الجمع.
стр. 239
٣٨ - وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً﴾ [١٦٣].
قرأ حمزة وحده «زُبُورا» بالضمّ وكذلك ما أشبهه فى كلّ القرآن.
وقرأ الباقون بالفتح.
والزّبور-بالفتح-: الكتاب، والزّبور: جمع. وسمى الزّبور زبورا لأن معنى الزّبر الكتابة، قال الهذلىّ (١):
عرفت الدّيار كرقم الدّوا ... ة يزبّره الكاتب الحميرىّ
وقال الأصمعى: ذبرت الكتاب: قرأته، وزبرته: كتبته.
***
стр. 240
ومن السورة التى تذكر فيها
(المائدة)
١ - قوله تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ [٢].
قرأ ابن عامر وعاصم/فى رواية أبى بكر «شنْآن» بإسكان النّون (١)، وأنشد (٢):
فأمسى كعبها كعبا وكانت ... من الشّنئان قد دعيت كعابا
وقرأ الباقون: ﴿شَنَآنُ﴾ محرّكا، وهو الاختيار؛ لأنّ المصادر ممّا أوله مفتوح جاء محركا نحو الغليان والنّزوان والهملان، والإسكان قليل، وإنما يجيء المسكن فى المضموم والمكسور.
وقال آخرون (٣): الشّنآن-بالإسكان-الاسم، والشّنئان-بالفتح- المصدر، والتقدير: لا يحملنكم بغضاء قوم وبغض قوم أن تعتدوا، وتقول
стр. 241
العرب شنئته أشنؤه شنأ وشنأ، وشنأ، وشنآنا، شنأنا، وشنانا بغير همز (١) وينشد (٢):
وما العيش إلاّ ما تلذّ وتشتهى ... وإن لام فيه ذو الشّنان وفنّدا
واجتمعت القراء على ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ بفتح الياء من جرم: إذا كسب، يقال: فلان جريمة قومه، أي: كاسبهم إلا الأعمش ويحيى (٣) فإنّهما قرءا «ولا يُجرمنّكم» بضم الياء جعلوه لغتين: جرم وأجرم، والاختيار جرم، أى: كسب. وأجاز ابن الأعرابي: أكسب، وهو شاذّ.
٢ - وقوله تعالى: ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ [٢].
قرأ ابن كثير وأبو عمرو «إن صدّوكم» بالكسر.
وقرأ الباقون بالفتح
стр. 242
فمن كسر جعله شرطا، واحتجّ بأنّ فى مصحف عبد الله (١): «إن يصدّوكم» والاختيار الفتح؛ لأن الصّدود وقع من الكفار، والمائدة/آخر ما نزل من القرآن، والتقدير: ولا يحملنّكم بغض قوم أن تعتدوا لأن صدّوكم، وهذا بيّن جدّا.
٣ - وقوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [٦].
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وأبو بكر عن عاصم «وأرجلِكم» بالكسر وقرأ الباقون بالفتح.
قال أبو عبد الله (رضى الله عنه) وقد اختلف الفقهاء والنّحويون فى تأويل هذه الآية، فمن نصب نسقه على: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ ... ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ وهو الاختيار بإجماع الكافة عليه، ومع ذلك فإنّ المحدود مع المحدود أولى أن يؤتيا، وذلك أن الله كل ما ذكره من المسح فإنّه لم يحده (٢)، وكل ما حدّه فهو مغسول نحو ﴿أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ﴾ و ﴿أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾.
ومن كسر فحجّته أنّ الله تعالى أنزل القرآن بمسح الرّجل ثم عادت السّنة إلى الغسل، وكذلك قال الشّعبى والحسن.
قال أبو عبيد: من قرأ «وأرجلِكم» -بالكسر-لزمه أن يمسح، ومن ذكر أن من خفض «وأرجلِكم» خفضه على الجوار فهو غلط؛ لأنّ الخفض على الجوار لغة لا تستعمل فى القرآن، وإنما تكون لضرورة شاعر، أو حرف يجرى كالمثل كقولهم: «جحر ضبّ خرب» والعرب تسمى الغسل مسحا، قال الله
стр. 243
تعالى: ﴿فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ﴾ (١) أي: غسل أيديها وأرجلها من الغبار.
٤ - وقوله تعالى: ﴿قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً﴾ [١٣].
قرأ حمزة والكسائى: «قسيّة» /بغير ألف.
وقرأ الباقون ﴿قاسِيَةً﴾ بألف، والأمر بينهما قريب، فعيلة وفاعلة مثل زكية وزاكية وكقولهم: عليم وعالم بمعنى.
وقال آخرون: قسيّة: رديئة، من قولهم: درهم قسيّ (٢)، أي: بهرج، والأصل فى قاسية: قاسوة؛ لأنّه من قسا يقسو، فقلبوا من الواو ياء؛ لانكسار ما قبلها. والأصل فى قسية: قسيوة فقلبوا من الواو ياء؛ لأنه إذا اجتمع واو وياء والسابق ساكن قلبوا من الواو ياء وأدغموا الياء فى الياء.
٥ - وقوله تعالى: ﴿وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا﴾ [٤٤].
قرأ أبو عمرو بياء فى الوصل، ووقف بغير ياء.
وقرأ الباقون بغير ياء وصلوا ووقفوا. فمن حذف تبع المصحف، واجتزأ بالكسرة عن الياء. ومن أثبته وصلا فعلى الأصل، ومن حذف وقفا اتباعا للمصحف.
стр. 244
٦ - وقوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ [٣٢] قرأ ورش عن نافع «مِنَ اجل ذلك» فنقل فتحة الهمزة إلى النّون وأسقط الهمزة لفظا، وكذلك يفعل فى سائر القرآن نحو (١) «قَد افلح المؤمنون» وهى لغة فصيحة.
قال أبو عبد الله: تقول العرب من ابوك، يريدون: من أبوك. وقرأ الباقون ﴿مِنْ أَجْلِ ذلِكَ﴾ مقطوعة الألف وهى ألف أصلية.
وقرأ أبو جعفر (٢): «مِن اجل ذلك» فتقول العرب: فعلت ذلك من أجلك ومن إجلك، ومن جراك ومن جرائك، ومن جلالك ومن جللك/ وينشد (٣):
رسم دار وقفت فى طلله ... كدت أقضى الحياة من جلله
٧ - وقوله تعالى: ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ [٦٣].
قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائيّ: «السُّحُت» بضمتين.
وقرأ الباقون: ﴿السُّحْتَ﴾ ساكنا، وهما لغتان، نحو والبخل والبخل.
قرأ به عيسى بن عمر.
وروى خارجة (٤) عن نافع «السَّحت» بفتح السين وسكون الحاء
стр. 245
فتكون لغة ثالثة. والعرب تقول: سحتهم الله وأسحتهم، وكلّ ذلك قد قرئ به ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ﴾ (١) و «فَيَسْحِتَكُم.»
٨ - وقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [٤٥].
قرأ الكسائىّ وحده: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ورفع ما بعد ذلك على الابتداء، ذهب الكسائى إلى أن النّبي ﷺ قرأها كذلك (٢) فنصب ﴿النَّفْسَ﴾ ب «أن» واستأنف ما بعد ذلك على الابتداء.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بنصب ذلك، ورفعا «والجروحُ قصاص» أي: كتب الله على بنى إسرائيل فى التّوراة أن النّفس بالنّفس إلى: ﴿السِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ ثم بعد ذلك: «الجروحُ قصاص» (٣).
وقرأ الباقون كلّ ذلك بالنّصب.
٩ - وقوله تعالى: ﴿وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ﴾ [٤٥].
قرأ نافع وحده «بالأذْن» ساكنة.
وقرأ الباقون بضمتين، ففى ذلك ثلاث حجج:
إحداهنّ: أن يكون استثقل بضمتين فأسكن كما قال: «وأحيط بثمْره» (٤)، والأصل: ﴿بِثَمَرِهِ﴾، وكما قال: «فرُهْن مقبوضة» (٥) والأصل:
«رُهُنٌ.» والعرب/.
стр. 246
١٠ - ... (١) [٦٠].
بضم الباء وفتح الدّال.
وقرأ الباقون ﴿وَعَبَدَ الطّاغُوتَ﴾ فعلا ماضيا، ولهم. فى ذلك حجتان:
إحداهما: النّسق على قوله ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللهُ﴾ ومن عبد الطّاغوت.
والحجة الثانية: أن ابن مسعود وأبيّا قرءا (٢): «وعبدوا الطّاغوت» فأمّا حمزة فإنه جعل «عبد» جمع عبد، والعرب تجمع عبدا فيقولون هؤلاء عبيد الله وعباد الله وأعبد الله وعبدان الله وعبّدى الله، فمن جرّ الطاغوت أضاف إليه العبد، ومن قرأ بالنّصب جعله فعلا ماضيا وتلخيصه: من لعنه الله وخدم الطاغوت.
واختلف الناس فى «الطّاغوت» فقال قوم: يكون مذكرا ومؤنّثا وجمعا وواحدا، وقد بين الله ذلك فى القرآن فقال (٣): ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها﴾ فأنّث وقال (٤): ﴿أَوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ﴾ فجمع.
وقال آخرون: الطّاغوت: واحد، وجمعها طواغيت، وإنما قال تعالى:
﴿أَوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ﴾ كما قال (٥): ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا﴾ فاجتزأ بالواحد عن الجمع.
стр. 247
١١ - وقوله تعالى: ﴿ ... فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ [٦٧] وفى (الأنعام) [١٢٤] «حيث يجعل رسالاته» وفى (الأعراف) [١٤٤] «برسالتى.»
قرأ ابن كثير ثلاثهن بالتّوحيد.
وقرأ عاصم وابن عامر ثلاثهنّ بالجمع.
وقرأ نافع «برسالتى» على التّوحيد، وجمع الباقى.
وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائىّ / ﴿رِسالَتَهُ﴾ بالتوحيد. و ﴿بِرِسالاتِي﴾ و «حيث يجعل رسالاته» بالجمع فيهما، فمن وحّد جعل الخطاب للنّبي ﷺ . ومن جمعها احتجّ بأن جعل كلّ وحي رسالة. والاختيار أن تجمع التى فى (الأنعام)، لأن الله تعالى ذكر الرّسل فيه.
١٢ - وقوله تعالى: «وحسبوا أن لا تكون فتنة» [٧١].
قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائىّ بالرّفع على معنى أن ليس تكون فتنة عند الكوفيين. وعند البصريين أن «أن» الخفيفة هاهنا مخففة من مشددة، والأصل: أنّه لا تكون فتنة كما قال فى موضع آخر: ﴿أَلاّ يَقْدِرُونَ﴾ (١) أى:
أنهم لا يقدرون على شئ و ﴿أَلاّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً﴾ (٢) أى: أنه لا يرجع إليهم قولا، ومن نصبه نصبه ب «أن» و «لا» لا يفصل بين العامل والمعمول فيه كقولك: أحبّ أن تذهب وأحبّ أن لا تذهب، وكذلك قرأ الباقون (٣).
стр. 248
١٣ - وقوله تعالى: ﴿بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ﴾ [٨٩].
قرأ ابن عامر وحده برواية ابن ذكوان «عاقدتم» بألف أي: تحالفتم، فعل من اثنين.
وقرأ أهل الكوفة غير حفص «عَقَدْتم» مخففا فيكون مغرما عليه ومؤكدا.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع: ﴿عَقَّدْتُمُ﴾ أى: أكدتم، وقد مرّ تفسير هذا فى (سورة النّساء) فأغنى عن الإعادة، وكذلك قوله: ﴿قِياماً لِلنّاسِ﴾ وقد مرت العلل فى أول (النساء).
سنخبر عن القراءة هاهنا. فقرأ ابن عامر وحده «قيما».
والباقون ﴿قِياماً﴾ والياء مبدلة/من واو والأصل: قواما مثل ثوب وثياب وسوط وسياط.
١٤ - وقوله تعالى: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ﴾ [٩٥].
قرأ أهل الكوفة ﴿فَجَزاءٌ﴾ بالتنوين ﴿مِثْلُ﴾ بالرّفع. وقرأ الباقون مضافا.
فمن نون جعله رفعا بالابتداء، وجعل المثل خبره.
والكوفيون يقولون رفعا بالصّفة، والبصريون بالابتداء، ومن أضاف فمعناه: جزاء مثل المقتول.
٢٥ - وقوله: «أو كفّارةٌ طعامُ مسكين» [٩٥].
قرأ نافع وابن عامر «كفّارةُ طعامِ مساكين» مضافا.
وقرأ الباقون منونا، ورفعوا الطّعام؛ لأنّ الطعام هى الكفارة.
وقوله تعالى: ﴿اِسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ﴾ [١٠٧] روى حفص عن عاصم ونصير بن على عن أبيه عن ابن كثير ﴿اِسْتَحَقَّ﴾ بفتح التاء والحاء وقرأ الباقون بضم التاء وكسر الحاء.
стр. 249
وقرأ أهل الكوفة إلا حفصا عن عاصم [و] أبو بكر وحمزة «الأوّلين.»
وقرأ الباقون ﴿الْأَوْلَيانِ﴾ يعنون: اليهود والنصارى، كقوله تعالى: ﴿أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [١٠٦] أي من غير أهل دينكم.
١٧ - وقوله تعالى: ﴿فَتَكُونُ طَيْراً﴾ [١١٠].
قرأ نافع وحده «فتكون طائرا» بالألف على التوحيد. وقرأ الباقون ﴿طَيْراً﴾ على الجمع، فطائر وطير مثل صاحب وصحب وقد مرّت علة ذلك فى سورة (آل عمران).
١٨ - وقوله تعالى: ﴿إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [١١٠].
اختلفوا فى أربعة مواضع هاهنا، وفى أول (يونس) (١) و (هود) (٢) و (الصف) (٣) قرأهن حمزة والكسائي «ساحر» بألف، يعنون النبى الذى كان فى زمانهم/.
وقرأ ابن كثير وعاصم فى أول يونس ﴿لَساحِرٌ﴾ بألف والباقى «سحر».
وقرأ الباقون كل ذلك «سحر» بغير ألف.
١٩ - وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ [١١٢].
قرأ الكسائىّ وحده «هل تستطيع ربَّك» بالتاء ونصب «ربَّك» ومعناه: هل تستطيع سؤال ربك؟
وقرأ الباقون ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ﴾ بالياء جعلوا الفعل له. [و] ﴿رَبُّكَ: ﴾ رفع، وإنما
стр. 250
قالوا: هل يستطيع ربك وهم يعلمون أنه يستطيع ولكنّ هذا كما تقول لصاحبك:
هل تقدر أن تقوم معى، أي: قم.
٢٠ - وقوله تعالى: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ﴾ [١١٥].
قرأ نافع وعاصم وابن عامر ﴿مُنَزِّلُها﴾ مشدّدة من نزّل ينزّل.
ومن قرأ «مُنْزِلُها» فمن أنزل ينزل. وكذلك قرأ الباقون.
٢١ - وقوله تعالى: ﴿هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [١١٩].
قرأ نافع وحده «هذا يومَ ينفع» بالنّصب.
وقرأ الباقون بالرّفع. فمن رفع جعل هذا رفعا، بالابتداء، وجعل اليوم خبره. ومن نصبه ففيه وجهان:
أحدهما: أن يكون جعله ظرفا، والتقدير: هذا يوم نفع الصادقين.
والوجه الثانى: أنّ العرب إذا أضافت اسم الزمان إلى الفعل الماضى والمستقبل فتحت؛ لأنّ الإضافة إلى الأفعال إضافة غير محضة، كما قال الشاعر (١):
على حين عاينت المشيب بمفرقى ... وقلت ألمّا أصح والشّيب وازع
فأضاف اسم الزّمان إلى الأفعال فى المعنى، والتقدير: هذا يوم نفع الصّادقين: لأنّ الجملة فى معنى المصدر. وكذلك تقول/العرب زرتك أيام الحجاج أمير، أى: وقت إمارته.
***