← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 31

إعراب القراءات السبع وعللها ت العثيمين

ابن خالويه

Полный текст (1 097 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وقرأ الباقون: ﴿نَعَمْ﴾ بفتح النّون والعين، وهما لغتان: الفتح والكسر (١). واعلم أنّ «نعم» جواب الاستفهام، و «بلى» جواب الجحد، كقوله تعالى (٢): ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾ ولا يجوز نعم هاهنا، ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى﴾ (٣). ٩ - وقوله تعالى: ﴿أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ [٤٤]. قرأ حمزة والكسائىّ وابن كثير برواية البزّىّ، وابن عامر «أنّ» بالتّشديد، وموضعه نصب بالفعل الذى قبله. وقرأ الباقون ﴿أَنْ لَعْنَةُ اللهِ﴾ بالتّخفيف، وكذلك رواه قنبل عن ابن كثير. فمن خفّف فله مذهبان: أحدهما: أنه أراد/أن يخفّف كما قال: «أن لا يقدرون على شئ» (٤) أراد: أنّهم. وكقراءة عاصم ونافع «وأنْ كلاّ» (٥) أراد: وأنّ كلاّ، قال الشّاعر (٦).

стр. 282

وصدر مشرق النّحر ... كأن ثدييه حقّان أراد: كأنّ فخفف، فهذا إنشاد البصريين رحمهم (١) الله، والكوفيّون إذا خفّفوا رفعوا فقالوا: «كأن ثدياه» إلا أن يكون الاسم مكنيا كقوله (٢) : فلو أنك فى يوم الرّخاء سألتنى ... فراقك لم أبخل وأنت صديق أراد: فلو أنّك: والوجه الثّانى: أن يكون أراد فأذّن مؤذن بينهم أي: لعنة الله ف «أن» بمعنى «أي»، وهذا حكاه الخليل (٣) ﵁. كقوله (٤) : ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا﴾ أي امشوا.

стр. 283

وقوله تعالى: ﴿بِرَحْمَةٍ﴾ [٤٩] وقف تامّ ثم يبتدأ: ﴿اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ وإنّما ذكرت هذا الحرف لأنّ الكسائىّ إذا وقف على اسم مؤنّث نحو الآخرة والقيامة ومرية ومعصية أمال ما قبل الألف نحو رمى وقضى وحبلى وبشرى. والباقون يفخّمون على الأصل؛ لأنّ من شبّه الهاء بالألف قليل شاذّ. فإن سأل سائل فقال: هل يجوز إمالة جميع ما فى القرآن من نحو ذلك أم لا؟ فالجواب فى ذلك: أن الكسائىّ ذكر أربعة أحرف اللّواتى قدمت ذكرهنّ وكلّ ما ورد عليك مما ضارعه أملته، نحو دابّة وحبّة. وأمّا شررة/وبررة فإنى لا أميل؛ لأني وجدت الألف أصلا فى الإمالة، فإذا كان قبلها حرف من حروف الحلق: [الحاء] الطّاء والظاء والصّاد والضّاد والعين والغين والخاء والقاف امتنعت من الإمالة، وكذلك إذا كان قبلها راء نحو فراش وسراج؛ لأن الرّاء حرف فيه تكرير ففتحها بمنزلة فتحتين كما كانت كسرتها بمنزلة كسرتين فى النار والأبرار والقنطار فلما امتنعت الألف فى النار والأبرار والقنطار لما تقدمتها راء كانت الهاء المشبهة بالألف أمنع من الإمالة. فإن قيل: هلاّ تميل الطّامة كما تميل دابّة؟ فقل: لا يجوز للطّاء التى فيها. فإن قيل: لم أملت المعصية؟ فقل: لأن الصّاد مكسورة وإن كانت من حروف الاستعلاء. فإن قيل: فقد أمال الآخرة وقبل الهاء راء؟ فقل: إنما حسنت الإمالة لكسرة الخاء. وهذا فصل ما أعلم أنّ أحدا علّله فاعرفه. ١٠ - [وقوله تعالى: ﴿وَما كُنّا لِنَهْتَدِيَ﴾ [٤٣]]. وقرأ ابن عامر وحده: «ما كنّا لنهتدي» بغير واو.

стр. 284

وكذلك هو فى مصاحفهم. والباقون بواو، وقد ذكرته فى (المائدة) و (الأنعام) مع سائر الحروف. ١١ - قوله تعالى: ﴿(١)﴾ أَنْ تِلْكُمُ (١) الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها [٤٣]. قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائىّ وابن عامر برواية هشام بالإدغام لقرب الثاء من التاء. وقرأ الباقون بالإظهار على الأصل؛ لأنّهما مهموستان إذا أدغمته أخفيته، وفيها ضعف فكان/الإظهار أحسن عندهم. ١٢ - وقوله تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ [٥٤]. قرأ أهل الكوفة وعاصم فى رواية أبى بكر «يغشِّى» مشدّدا من غشّى يغشّى تغشية، ومعناه: التّغطية والسّتر، وشاهده: ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ (٢). وقرأ الباقون: ﴿يُغْشِي﴾ خفيفا من أغشى يغشى إغشاء وشاهده قوله تعالى: ﴿فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾.وأمّا قوله فى (الأنفال) (٣) ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً﴾ فقرأها نافع بالتّخفيف يغشى. وقرأ أهل الكوفة وابن عامر: ﴿يُغَشِّيكُمُ﴾ مشدّدا و ﴿النُّعاسَ﴾ منصوب مفعول ثان والأول: الكاف والميم، والفاعل: الله ، وغشى وأغشى بمعنى مثل نزّل وأنزل وكرّم وأكرم، غير أن كرّم أبلغ فى الكرامة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «إذ يَغشاكم النّعاسُ» فجعلا الفعل للنعاس، لأنّ الله تعالى لمّا أغشاهم النّعاس غشيهم النعاس. ومعنى قوله ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ يعنى: جعلهما كذلك، فلذلك نصب قوله:

стр. 285

﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ﴾ على معنى جعل الله الشمس والقمر عطفا على معنى يغشى إلا ابن عامر فإنه جعل الواو واو الحال وابتدأ كما تقول: لقيت زيدا وأبوه خارج، أي: أبوه هذه حاله، فقرأ ابن عامر «والشمسُ والقمرُ والنجومُ مسخرات» رفع كلهن. وقوله (١): ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ﴾ مثل قوله ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾. ١٣ - وقوله تعالى: ﴿تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ [٥٥]. بضمّ الخاء قراءتهم/كلّهم إلا أبا بكر فإنه قرأ «خِفية» بكسر الخاء، وقد ذكرت علّته فى (الأنعام). ومعنى تضرّعا؛ أي ادعوا الله خاضعين متعبدين وخفية: أي: فى أنفسكم تخلصون له ذلك؛ لأنّه يعلم السرّ وأخفى و ﴿خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (٢). ١٤ - وقوله تعالى: ﴿يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً﴾ [٥٧]. قرأ حمزة والكسائىّ «نَشرا» بفتح النّون، أي: إحياء، من قوله تعالى: ﴿وَالنّاشِراتِ نَشْراً﴾ (٣). وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو «نُشُرا» بضم النّون والشين، جعلوه جمع ريح نشور مثل: امرأة صبور، والجمع نشر وصبر. وقرأ ابن عامر «نُشرا» بضم النون وإسكان الشين، أراد: نشرا فخفف مثل رسل ورسل والرّيح النّشور هى: التى تهبّ من كلّ جانب، وتجمع السّحابة الممطرة فيحيى الله به الأرض بعد موتها (٤).

стр. 286

وقرأ عاصم ﴿بُشْراً﴾ بالباء وإسكان الشين جعلها جمع بشور، أي: تبشّر بالمطر من قوله تعالى: ﴿الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ﴾ (١) . ويجوز فى النحو وجهان، ولم يقرأ بهما أحد بشرى، وبشرى مثل حبلى، وبشرى بمعنى البشارة بين يدى رحمته. والرحمة هاهنا: المطر. وسمّى المطر رحمة، لأنّ الله يرحم به عباده، كما سمّيت الجنّة رحمة، إذ كانوا يدخلونها برحمته، وذلك حيث يقول: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٢) وإلى ذلك وجّه الفرّاء قوله تعالى: ﴿إِنَّ /رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ (٣) [٥٦] ولم يقل قريبة إذ كانت الرّحمة يعنى بها: المطر هاهنا. وقال آخرون: ﴿قَرِيبٌ﴾ صفة لمكان أي: إن رحمة الله مكان قريب، كقوله: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ (٤) أي زمان قريب. وقال آخرون: لمّا كانت الرّحمة تأنيثها غير جائز جاز تذكيره، وقد بيّنا نحو ذلك فيما سلف من الكتاب. [وقال آخرون]: إنما ذكّرت الرّحمة، لأنّك إنما عنيت بها الغفران، وإلى هذا ذهب محمد بن القاسم الأنبارى ﵀. وقال النّحويون: إن قريبا منك الماء وإن بعيد (٥) منك الماء فيرفعون مع البعيد وينصبون مع القريب.

стр. 287

وقال أبو عبيدة (١): قريب وبعيد لو كانتا صفتين دخلت عليهما الهاء ولكنّهما ظرفان ولا يثنيان ولا يجمعان ولا يؤنّثان وأنشد (٢): تؤرّقنى وقد أمست بعيدا ... وأصحابى بعيهم أو تبالة [عيهم وتبالة] موضعان. وعيهم: -فى غير هذا-الجمل الضّخم أنشدنى ابن عرفة: ومنقوشة نقش الدّنانير عوليت ... على عجل فوق العتاق العياهم [العياهم]: المنقوشة المحمل. ١٥ - وقوله تعالى: ﴿تِلْقاءَ أَصْحابِ النّارِ﴾ [٤٧]. ما اختلف القراء فيه، غير أن خلفا روى عن الكسائىّ أنّه كان إذا وقف على قوله (٣) ﴿مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي﴾ قال: «تلقاى» فأمال، و ﴿مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٤) «نبي» وإنما أمال هذين الحرفين طلبا للياء. قال قوم: الياء التى هى فى هجاء المصحف، لأنهما كذلك كتبا. والصّواب عندى/أن الإمالة

стр. 288

إنما تكون فى الألفاظ لا فى الخطّ لكن الهمزة المكسورة إذا ليّنت وخفّفت للوقف صارت فى اللّفظ ياء فأمال لذلك. وحجّة الأولين ما حدّثنى به ابن المرزبان عن أبي الزّعراء عن أبي عمرو قال: إنّما أمال حمزة شاء وجاء لأنّهما فى مصحف أبيّ مكتوبين بالياء شاى وجاى. وجمع تلقاء تلاقى. وقد كتب فى المصحف «من وراى حجاب» بالياء. ١٦ - وقوله تعالى: ﴿ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾ [٥٩]. قرأ الكسائىّ وحده: «غيرِه» بالخفض جعله نعتا لما تقدّم. والباقون يرفعون، وهو الاختيار؛ لأن غيرا إذا كانت بمعنى «إلا» جعلت على إعراب ما بعد «إلا» وأنت قائل ما لكم من إله إلا الله بالرّفع و ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَاّ اللهُ﴾ (١) لو جعلت مكان «إلا» «غير» رفعته فقلت: لو كان فيهما آلهة غير الله. وهذا بيّن واضح. وحجة أخرى لمن رفع أن يجعلها نعت «إله» قبل دخول «من» وهى زائدة، والتقدير: ما لكم إله غيره. فإن قال قائل: لم اختار الّذين رفعوا «غير» هاهنا الخفض فى قوله تعالى: (٢) ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ [بِجَناحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ]﴾.

стр. 289

فالجواب فى ذلك: أنّ الكلام هاهنا نسق يصلح الوقوف على ما قبله، والكلام هناك غير تامّ، على أنّ عيسى بن عمر وابن أبى إسحاق قد رفعا (١) «ولا رطبٌ ولا يابسٌ» وأجاز الفراء (٢) رحمة الله عليه ما جاءنى غيرك بالنّصب وأنشد (٣): / لم يمنع الشّرب منها غير أن نطقت ... حمامة فى غصون ذات أوقال يقال: توقّل فى النّخلة: إذا صعد فيها. وقال البصريون: غلط الفرّاء ﵀؛ لأنّ «غير» هاهنا إنما فتحت لأنّها بنيت مع «أن» فأمّا قوله (٤): ﴿هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللهِ﴾ فقرأها حمزة والكسائىّ بالخفض، على النّعت ل ﴿خالِقٍ﴾. وقرأ الباقون بالرّفع على ما تقدم من التّفسير. ١٧ - وقوله تعالى: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ﴾ [٦٢]. قرأ أبو عمرو وحده بالتّخفيف من أبلغ يبلغ، واحتج بقوله: «لقد»

стр. 290

«أبلَغتُكُم رسالات ربّى» [٦٨] وبقول الشّاعر (١) : أبلغ النّعمان عنّى مألكا ... أنّه قد طال حبسى وانتظارى ويقول الآخر: أبلغ أبا مالك عنّى مغلغلة ... وفى العتاب حياة بين أقوام وقرأ الباقون: ﴿أُبَلِّغُكُمْ﴾ مشدّدة من بلّغت أبلّغ مثل كلّمت أكلّم، واحتجّوا بقوله تعالى (٢) : ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ وبقول رسول الله ﷺ (٣) : «بلّغوا عنّى ولو آية». وقال قوم: بلّغت وأبلعت بمعنى، والاختيار عندي: ﴿بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ إنما شدّد للتّكرير، أي: مرة بعد مرة أخرى، فإذا كان الإبلاغ رسالة واحدة قلت: أبلغ فلانا عنّى، قال الشاعر (٤) :

стр. 291

بلّغ بنى حمران أنّ ... ى عن عداوتكم غنىّ ١٨ - وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾ [٨١]. اختلف القرّاء فى الجمع بين الاستفهامين. فكان نافع والكسائى يخبران بالأول عن الثانى فلا يستفهمان بهما معا. وحجتهما قوله (١): ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ﴾ ولم يقل/أفهم؟ وقوله (٢): ﴿أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ﴾ على أن الكسائى خالف نافعا فى (النّمل) (٣) فقرأ «إنّنا لمخرجون» بنونين فاستفهم فى قصة لوط (٤) بهما واستفهم نافع فى (العنكبوت) (٥) بالثانى دون الأول؛ لأنّ ابن عامر شبه جمع الاستفهامين بالاستفهام وجوابه، كقولك: أقام زيد أم عمرو، والعرب تخزل ألف الاستفهام وتبقى «أم» كثيرا، قال امرؤ القيس (٦):

стр. 292

تروح من الحىّ أم تبتكر ... وماذا يضرّك لو تنتظر وقال الأخطل (١): كذبتك عينك أم رأيت بواسط ... ملث الظّلام من الرّباب خيالا وقرأ الباقون بالجمع على الاستفهامين على أصل الكلمة. ١٩ - وقوله تعالى-فى قصة صالح-: ﴿قالَ الْمَلَأُ﴾ [٧٥]. قرأ ابن عامر وحده «وقال» بزيادة واو، كذلك هى فى مصاحفهم. وقرأ الباقون بغير واو. و«الملأ» -بالهمز-: الأشراف والرّؤساء. قالت امرأة يوم بدر: (٢) إنما قتلتم عجائز صلعا، فقال النبي ﷺ : «أولئك الملأ من قريش لو حضرت فعالهم لحقرت فعالك مع فعالهم» وجمع الملأ: أملاء. والملا-بلا همز-

стр. 293

المتسع من الأرض والصحراء من ذلك: «أن رسول الله ﷺ جاءه أعرابىّ فقال: يا رسول الله: أأضرب الملا؟ فقال ﵇: آا»، تقول العرب: ضربت فى الأرض: إذا سافرت، وضربت/الأرض: تغوّط فيها. فكأنّه سأل النبى ﷺ : هل أبول فى الصّحراء إذا سافرت؟ هل على فى ذلك من جناح؟ قال نعم كنّى عنه أن افعل، وشبيه به-إن شاء الله- ما ذكره الأصمعيّ (١) من الحذف والاجتزاء ببعض الكلمة أنّ أخوين كانا لا يتلاقيان فى كلّ حول إلا مرة فيقول أحدهما لصاحبه: ألا تا، فيقول الآخر بلى: فا، يريد الأول: ألا ترحل، فيقول الآخر: بلى فأفعل قال الشّاعر (٢) : بالخير خيرات وإن شرّا فا ... ولا أخاف الشّر إلا أن تأا وإنما همز، لأن القوافى على العين فجعل الهمزة بإزائها، وأولها: إن شئت يا أسماء أشرفنا معاا ... بالخير خيرات وإن شرّا فأا

стр. 294

والملأ: الخلق [أيضا] مهموز، قال الشّاعر (١) : تنادوا يآل بهتة يوم صدق ... فقلنا أحسنى ملأ جهينا وخرج النّبىّ ﷺ على أصحابه وهم يتخاصمون فقال: «أحسنوا ملاءكم» (٢) .وملاكم: على لفظ الواحد، أي: أخلاقكم وكتبوا فى سورة (قد أفلح) (٣) «قال الملو» بواو والقراءة فيهما جميعا بالهمز، وإنما أرى كتبوه بالواو؛ لأن الهمزة إذا كانت مضمومة وقبلها فتحة تصير فى الوقف عند الإخفاء وتليينها كالواو، وفى الموضع الذى كتب لفظ الملأ به موصولا مهموزا فكتب هذا/على

стр. 295

الوقف وذلك على الوصل. كما كتبوا «شفعاو» (١) و «ضعفاو» (٢) و «ياْْبْنَومّ» (٣) بالواو كلّ ذلك. ٢٠ - وقوله تعالى: ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى﴾ [٩٨]. قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر بإسكان الواو جعلوه نسقا: كقولك: لقيت زيدا أو عمرا. وقرأ الباقون: ﴿أَوَأَمِنَ﴾ بفتح الواو جعلها واوا وأدخلت عليها ألف الاستفهام. وهو الاختيار؛ لأنه مثل قوله: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ﴾. وقرأ نافع وابن عامر فى (الصّفت) و (الواقعة) ساكنة أيضا. وفارقهم ابن كثير فى هذين. ٢١ - وقوله تعالى: ﴿لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ﴾ [٩٦]. قرأ ابن عامر وحده: «لفتَّحنا» أى: مرة بعد أخرى. والباقون يخففون. ٢٢ - وقوله تعالى: ﴿حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ﴾ [١٠٥] قرأ نافع وحده «حقيق علىَّ» مشدّدة الياء، أي: واجب علىّ، ويجب علىّ، فالياء الأخيرة ياء الإضافة، والأولى من نفس الكلمة فأدغمت الأولى فى الثانية، وفتحت الثانية لالتقاء الساكنين على أصلها، ومثله (لديّ) و (إلىّ) ولو قرأ قارئ «عَلِيَّ» مثل ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ (٤) جاز عند بعض النحويين. وبعضهم يراه لحنا.

стр. 296

وقرأ الباقون ﴿حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا﴾ وحجتهم قراءة عبد الله: «حقيق بأن لا» (١). فحدّثنى ابن مجاهد عن السّمّرىّ عن الفرّاء قال (٢) الباء بمعنى «على» كقول العرب/رمى عن القوس وبالقوس، وفلان على حال حسنة وبحال حسنة. وقال غير الفراء: فى قراءة عبد الله «حقيق أن لا» بغير باء، فإن فى قراءة نافع فى موضع رفع، وفى قراءة الباقين فى موضع نصب وفى موضع خفض. ٢٣ - وقوله تعالى: ﴿أَرْجِهْ وَأَخاهُ﴾ [١١١]. قرأ أبو عمرو وابن كثير بهمزة ساكنة جعلاه من أرجئت الأمر أى: أخرته، ومنهم (المرجئة)، لأنّهم أرجئوا العمل فقالوا: الإيمان قول بلا عمل وأخطئوا؛ لأنّ الله تعالى ذم قوما آمنوا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم، وهم المنافقون، فقال تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ (٣) فلا يصحّ الإيمان إلا بثلاثة أشياء نطق باللّسان وعمل بالجوارح وعقد بالقلب. وعلامة الجزم فى أرجئه سكون الهمزة، كما تقول: أقرئ زيدا السلام ثم تكنى فتقول أقرئه. وكان أبو عمرو يصل الهاءين بضمة مختلسة، وابن كثير يلفظه كالواو «أرجهو وأخاهو».وقد بيّنت علة ذلك فيما سلف. وقرأ نافع والكسائى فى رواية: ورش بالصّلة «أرجهى وأخاه»، ويسقطان الياء للجزم ويصلان الهاء بياء؛ لانكسار ما قبلهما، أعنى أرجهى، وهما لغتان

стр. 297

أرجأت وأرجيت وكذلك: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشاءُ﴾ (١) و «ترجئ من تشاء». وقرأ عاصم وحمزة بترك الهمزة أيضا غير أنهما أسكنا الهاء ﴿أَرْجِهْ﴾ وإنّما سكنت/الهاء توهما أن الهاء آخر الكلمة، أو تخفيفا، لما طالت الكلمة بالهاء. وقرأ ابن عامر فى رواية هشام بن عمّار «أرجئهى» -بالهمز وكسر الهاء مع الصلة-وفى رواية ابن ذكوان «أرجئه» بالهمز وكسر الهاء بغير الصّلة. فقال ابن مجاهد هو غلط، وكذلك عند النحويين هو غلط؛ لأنّ الكسرة لا تجوز فى الهاء إذا سكن ما قبلها نحو منهم واضربهم، وله وجه عندى؛ وذلك: أن الهمزة لما سكنت للجزم وبعدها الهاء ساكنة على لغة من يسكن كسر الهاء، لالتقاء الساكنين، وليس هذا كقولهم: منهم واضربهم؛ لأن الهاء هنالك لا تكون إلا متحركة، فيحمل قول من خطّاه أن يكون خطأ الرّواية ولم ينعم النّظر فى هذا الحرف. وقد اجترأ جماعة فى الطّعن على هؤلاء السّبعة فى بعض حروفهم وليس واحد منهم عندى لاحنا بحمد الله. فإن قال قائل: فقد لحّن يونس والخليل وسيبويه رضى الله عنهم حمزة فى قراءته ﴿فَمَا اسْتَطاعُوا﴾. فالجواب عن ذلك كالجواب فيما سلف؛ لأنّ هؤلاء-وإن كانوا أئمّة-فربّما لم يأخذوا أنفسهم بالاحتجاج لكلّ من يروى عن هؤلاء السّبعة كعناية غيرهم به، وسترى الاحتجاج لحمزة وجميع ما يلحّن فيه، ولا قوة إلا بالله. ولابن كثير نحو ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها﴾ (٢) ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ (٣)

стр. 298

و ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ (١) و ﴿مَكْرَ السَّيِّئِ﴾ (٢) و ﴿قالَ فِرْعَوْنُ﴾ (٣) و ﴿آمَنْتُمْ﴾ (٤) فى مواضعها إن شاء الله. ٢٤ - وقوله تعالى: ﴿بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ [١١٢]. قرأ حمزة والكسائىّ «سحّار» مشدّدا على فعّال بتأخير الألف فى جميع القرآن. وقرأ الباقون ﴿ساحِرٍ﴾ إلا فى ﴿الشُّعَراءُ﴾ (٥) فإنهم أجمعوا على ﴿سَحّارٍ عَلِيمٍ﴾ إذ كانت كذلك كتبت فى المصحف، وسحّار أبلغ من ساحر؛ لأنّه لمن تكرر الفعل منه، ففاعل يصلح لزمانين للحال والاستقبال، فإذا شدّدت دلّ على المضي، تقديره: إنه سحر مرة بعد مرة كقولك: آتيك برجل خارج إلى مكة أي: سيخرج. فإذا قلت: آتيتك برجل خرّاج إلى مكة أي: قد خرج مرة بعد أخرى قال الشاعر (٦):

стр. 299

قد كنت خرّاجا ولوجا صيرفا ... لم تلتحصنى حيص بيص لحاص أي: فى بلاد. ٢٥ - وقوله تعالى: ﴿إِنَّ لَنا لَأَجْراً﴾ [١١٣]. قرأ ابن كثير ونافع وحفص عن عاصم ﴿إِنَّ لَنا﴾ على لفظ الخبر «فإنّ» حرف أداة تؤكّد الخبر، تنصب الاسم وترفع الخبر، وقرءوا فى (الشّعراء) (١) ﴿أَإِنَّ﴾ بالاستفهام، فلما اجتمعت همزتان ليّنوا الثانية. وقرأ أبو عمرو كليهما بالمدّ على الاستفهام. وقرأ الباقون «أئنّ» بهمزتين على الأصل. ٢٦ - وقوله تعالى: ﴿فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ﴾ [١١٧]. روى حفص عن عاصم: ﴿تَلْقَفُ﴾ بسكون اللام وتخفيف القاف من لقف يلقف مثل علم يعلم، ومعناه: يلتقم الشئ ويلتهمه، وذلك أنّ موسى ﵇ لما عاين السّحرة وكيدهم وما قد اختلقوه ألقى عصاه فإذا هي حيّة يبتلع ما صنعوه/. وقرأ الباقون: «تلقَّف» أرادوا: تتلقّف فخزلوا إحدى التاءين مثل: ﴿يَذَّكَّرُ﴾ (٢) و ﴿تُساقِطْ﴾ (٣) فيمن خفف.

стр. 300

وقرأ ابن كثير فى رواية ابن أبي بزّة «فإذا هى تَّلقَّف» بتشديد التاء؛ أراد: تتلقف فأدغم، ومثله «نارا تَّلظّى» (١) «ولا تَّنابزوا بالألقاب» (٢). ٢٧ - وقوله تعالى: «و» ﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [١٢٣]. فيه خمس قراءات: قرأ عاصم فى رواية أبى بكر وحمزة والكسائىّ «أآمنتم» بثلاث ألفات، الهمزة الأولى توبيخ فى لفظ الاستفهام. والثانية: ألف القطع. والثالثة سنخيّة، والأصل فيه دخول التوبيخ «أأمنتم» بهمزة بعدها ألف مليّنة، الأصل: اامنتم فخفف مثل آدم وآزر. وقرأ أبو عمرو ونافع بتليين الثانية والثالثة «آامنتم.» وروى حفص عن عاصم: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ﴾ على لفظ الخبر بغير استفهام، فقال الفرّاء (٣): آمنتم: صدقتم وآامنتم بالاستفهام أجعلتم له الّذى أراد. وقرأ ابن كثير فى رواية ابن أبي بزّة عن أبى الإخريط (٤): «قال فرعون وآمنتم» يلفظه كالواو ولا همزة بعدها، فيكون هذا على أن أشبع ضمّة نون فرعون حتّى صارت كالواو، كما روى ورش عن نافع: «نعبدو وإيّاك نستعين» (٥)

стр. 301

بإشباع الضّمة وهو لغة للعرب، قال زيدو، وجاءنى بكرو، وقال الأعشى (١) : *ويلي عليك وويلي منك يا رجلو* «وأ أمنتم» /على الخبر. وروى قنبل عن ابن كثير: «قال فرعون وأمنتم به» بواو بعدها همزة ساكنة. فقال ابن مجاهد ﵀: خطأ (٢) . وله عندى وجه فى العربيّة، وذلك: أنه ليّن ألف القطع التى هى همزة فصارت واوا؛ لانضمام ما قبلها فرجعت الهمزة التى هى فاء الفعل قبل أن تليّن كما تقول: أؤمر، من أمر يأمر جعلت الهمزة التى هى فاء الفعل واوا، لانضمام ما قبلها فإن ذهبت ألف الوصل رجعت الهمزة فقلت: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ﴾ (٣) . فإن قال قائل: فإنّ الواو إذا كانت مليّنة من همزة يجب أن تكون ساكنة؟ فالجواب فى ذلك أنّ الواو السّاكنة إذا لقيها ساكن آخر حركت لالتقاء السّاكنين، وكذلك الياء نحو: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ (٤) و ﴿فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ﴾ (٥) .

стр. 302

فإن قيل: فهلاّ حركتها بكسر أو ضمّ؟ فالجواب فى ذلك: أنّ الكسرة والضّمة تستثقلان على الواو حتى تصير همزة. وعلّة أخرى: أن قبل الواو ضمّة فكرهوا الخروج من كسر إلى ضمّ فافهم ذلك فإنّه لطيف جدّا. ٢٨ - وقوله تعالى: ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ﴾ [١٢٧] و ﴿يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ﴾ [١٤١]. قرأهما نافع بالتّخفيف. وقرأهما الباقون بالتّشديد جعلوه من التّقتيل مرة بعد مرة. غير أن ابن كثير كان يخفف «سَنَقْتُلُ» ويثقّل: و ﴿يُقَتِّلُونَ﴾. ٢٩ - وقوله تعالى: ﴿يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ [١٢٨]. روى حفص عن عاصم فى رواية هبيرة «يوَرِّثها» بفتح الواو/وتشديد الرّاء من ورّث يورّث كأنه مرة بعد أخرى. وقرأ الباقون ﴿يُورِثُها﴾ بالتّخفيف من أفعل يفعل، وهو الاختيار؛ لأن شاهده قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها﴾ (١) ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا﴾ [١٣٧] [كأنّ حفصا] (٢) ذهب إلى قوله فى الحديث (٣) «من عمل بما علم ورّثه الله علم ما لم يعلم» هكذا لفظ الحديث. ٣٠ - وقوله تعالى: ﴿وَما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [١٣٧]. قرأ عاصم فى رواية أبى بكر وابن عامر «يعرُشون».بالضم، ومعناه: يبنون

стр. 303

وقرأ الباقون بالكسر ﴿يَعْرِشُونَ﴾. ٣١ - فأمّا قوله: ﴿يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ﴾ [١٣٨]. فإنّ حمزة والكسائىّ قرءاه بكسر الكاف. والباقون بالضمّ، وهما لغتان، يعكف ويعكف. ويعرش ويعرش. ومعنى يعكفون: يواظبون عليه ويقيمون عليه، وكل من لزم شيئا فقد عكف عليه ومنه الاعتكاف فى المساجد. فأقلّ الاعتكاف عند الشافعى ساعة، وعند غيره يوم وليلة. ولا يجيزون الاعتكاف، أعنى هؤلاء إلاّ مع الصّوم. وحجّة الشّافعىّ -رضى الله عنه-أن عمر قال: «يا رسول الله: كنت نذرت فى الجاهليّة أن أعتكف ليلة فقال له النبى ﷺ : أوف بنذرك» (١) فلو كان الصّوم واجبا ما جاز الاعتكاف ليلا؛ لأنّ الصوم باللّيل محال. واعلم أن كلّ فعل كان ماضيه مفتوح العين فإنّ مستقبله يجوز كسره وضمّه. أما ما كان ماضيه مكسورا فالمضارع/منه مفتوح، وما كان ماضيه مضموما فالمستقبل بالضمّ أيضا. نحو ظرف يظرف. فهذا جملة هذا الباب. وقد يشذّ منه الأحرف وقد بينتها فى غير هذا الموضع. ٣٢ - وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [١٤١]. قرأ ابن عامر وحده: «وإذ نجّاكم» وكذلك هي فى مصاحفهم. والباقون: ﴿أَنْجَيْناكُمْ﴾. وإذ متعلقة بفعل، التقدير: واذكروا إذ أنجيناكم. ومعنى أنجيناكم: أنجينا أباكم

стр. 304

[وأحييناكم] فوعظهم الله تعالى لئلا ينزل بهم نقمته إذا خالفوا. ٣٣ - وقوله تعالى: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [١٤٣]. قرأ حمزة والكسائىّ: «دكّاء» ممدودا، جعله صفة، والتقدير: فجعل الجبل أرضا ملساء دكّاء كقول العرب (١) ناقة دكاء: لا سنام لها، فأقيمت الصفة مقام الموصوف. وقرأ الباقون: ﴿دَكًّا﴾ جعلوه مصدرا كقوله: ﴿دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا﴾ (٢) غير أن هذا قد ذكر الفعل الذى صدر عن مصدره لفظا، وقوله: ف ﴿جَعَلَهُ﴾ ليس من لفظ دكّا. غير أنه بمعناه فكأنّ التقدير: فلما تجلّى ربّه للجبل دكه دكّا. إلا عاصما فإنه كان يمدّ الذى فى (الكهف) ويقصر هاهنا كأنه جمع بين اللّغتين لينبئ أنّ هذه جائزة وهذه جائزة، فمن مدّ جمعها دكاوات، ومن قصر لم يثنّ ولم يجمع؛ لأنه مصدر، وحكى لى عن بعض القرّاء أنه قرأ «دُكّا» بالضم والقصر (٣) /فيكون مصدرا وجمعا. والاختيار أنّ الدكّ الأرض الذّليلة. ٣٤ - وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ﴾ [١٤٦]. قرأ حمزة والكسائىّ: «الرَّشَد» بفتح الراء والشين. وقرأ الباقون بضم الرّاء وجزم الشّين ﴿سَبِيلَ الرُّشْدِ﴾. فقال قوم: هما لغتان مثل السّقم والسقم والحزن والحزن، وقال

стр. 305

أبو عمرو: الرّشد: الصّلاح. والرّشد: فى الدّين فلذلك كان يقرأ التى فى الكهف ﴿رَشَداً﴾ (١) . وقال أبو عبيد: الاختيار: الرّشد-بالضمّ والإسكان-لأنّ القراء أجمعوا على قوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً﴾ (٢) فهذا مثله. قال أبو عبد الله ﵁: وكذلك: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (٣) والغيّ: هاهنا الضّلال يقال غوي الرجل يغوى: إذا صار من أهل الغيّ. والغواية: الضّلالة. وأمّا غوى-بكسر الواو-يغوى غوى فشيئان: يقال فى السّخلة إذا بشمت من كثرة الشّرب للّبن، وإذا هزلت من قلّة الشّرب، وينشد (٤) : معطّفة الأثناء ليس فصيلها ... برازئها درّا ولا ميّت غوى الدّرّ: اللّبن، ومن ذلك قولهم: لله درك، أي: لله صالح عملك، وذلك أنّ العرب كانت تفتضّ الكرش لشرب مائه وتفصد العرق لتشرب الدّم فكان أفضل ما يشربون اللّبن وهو الدّرة فأمّا قوله: ﴿لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾ [١٤٦] فإن أبيّا قرأ (٥) «لا يتّخذوها» فالهاء فى كلا القراءتين تعود على/ السّبيل؛ لأنّ العرب تذكّر السّبيل وتؤنّثه، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي﴾ (٦) وقال فى موضع آخر: ﴿قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ﴾ (٧) فأمّا ابن

стр. 306

عامر فإنه قرأ فى الكهف (١) «رُشُدا» بضمتين أتبع الضمّ الضمّ كما قرأ أيضا: «وأقرب رُحُما» (١) وكما قرأ عيسى بن عمر: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ (٢). ٣٥ - وقوله تعالى: ﴿بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [١٤٤]. قرأ ابن كثير ونافع بالتّوحيد؛ لأن الرّسالة الواحدة قد يكون معها كلمات. وقرأ الباقون بالجمع ليكون أشكل بالكلمات ويجوز أن يكون أرسله مرارا. ٣٦ - وقوله [تعالى]: ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً﴾ [١٤٨]. قرأ حمزة والكسائىّ بكسر الحاء واللاّم. والباقون بالضمّ على أصل الكلمة وذلك أن الحلي جمع حلي مثل حقو وحقى ووزن حلى: فعول والأصل: حلوي فلما اجتمعت واو وياء والسابق ساكن قلبوا من الواو ياء وأدغموا كما تقول: شويت اللحم شيّا، وكويته كيّا، وهذه عشرىّ لا عشروك، وهؤلاء زيدىّ، فذهبت النون للإضافة، وقلبوا من الواو ياء وأدغموا. وأمّا من كسر فقال «حِلِيِّهم» فإنه استثقل الضمة مع الياء كما تستثقل مع الكسرة فكسر الحاء لمجاورة اللاّم، ومثله ﴿عِتِيًّا﴾ و ﴿جِثِيًّا﴾ و «بِكيّا.» وقرأ يعقوب الحضرمى (٣): «من حليهِم عجلا جسدا» بفتح الحاء وجزم

стр. 307

اللاّم، جعله واحدا. والجسد: الذى لا يتكلّم ألا تسمع قوله: (١) ﴿أَلاّ/ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً﴾ وذلك أن بنى إسرائيل قالوا لموسى ﴿اِجْعَلْ لَنا إِلهاً﴾ أي: صنما نعبده كما أن لقوم فرعون أصناما عمد السامري-فكان مطاعا فى قومه- إلى حلىّ عنده وعندهم فجعله عجلا وفوّهه فكان يصوّت إذا خرقته الرّيح فذلك قوله: ﴿[لَهُ] خُوارٌ﴾. وقال آخرون: بل تناول من أثر حافر فرس جبريل ﷺ ترابا فلما اتخذ العجل ألقاه فى جوفه فكان ينخره. وقال آخرون: إنما خار مرّة واحدة ثم لم يعد. واسم فرس جبريل ﵇: حيزوم. ٣٧ - وقوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا﴾ [١٤٩]. قرأ حمزة والكسائىّ «ترحمنا» بالتاء خطاب لله تعالى. «ربَّنا» بالنّصب على النّداء المضاف، تقديره: يا ربّنا، واحتجا بحرف أبيّ (٢) «ربّنا لئن لم ترحمنا.» وقرأ الباقون: ﴿لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا﴾ بالياء و ﴿رَبُّنا﴾ بالرّفع على الخبر. والله تعالى هو الفاعل. ٣٨ - وقوله تعالى: ﴿قالَ ابْنَ أُمَّ﴾ [١٥٠]. قرأ أهل الكوفة إلا حفصا، وابن عامر «أمِّ» بكسر الميم على الإضافة من غير ياء. والاختيار كسر الميم-وإن تثبت الياء-لأن الياء إنما تسقط من المنادى نحو يا قوم ويا عباد ويا ربّ، لا من المضاف إليه. فالصّواب يا ابن أخى

стр. 308

ويا ابن أمّى، قال الشاعر (١) : يا ابن أمّي ويا شقيّق نفسى ... أنت خلّيتنى لدهر كنود وقرأ الباقون: ﴿يَا بْنَ أُمَّ﴾ بفتح الميم فلهم حجتان: إحداهما: أنّهم/ جعلوا الاسمين اسما واحدا فبنيا على الفتح كما تقول: هو جارى بيت بيت، ولقيته كفّة كفّة، وعندى خمسة عشر، وإنما فعلوا ذلك لكثرة الاستعمال، وكذلك يا ابن عمّ ولا يستعملون ذلك فى غيرهما.

стр. 309

والحجّة الثانية: أنّهم أرادوا النّدبة يا ابن أمّاه ويا ابن عمّاه. ٣٩ - وقوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ [١٥٧]. قرأ ابن عامر: «آصارهم» بالجمع، أى: أثقالهم. وقرأ الباقون: ﴿إِصْرَهُمْ﴾ بالتّوحيد، فالهمزة فى الواحد أصليّة، وهى فاء الفعل، وإصر مثل جذع. وفى قراءة ابن عامر همزتان، الأولى ألف الجمع، والثانية أصليّة، فلما اجتمع همزتان لينوا الثانية، والأصل أأصار، فلينت الثانية، ووزنه أفعال مثل أجذاع. ٤٠ - وقوله تعالى: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ﴾ [١٦١]. قرأ نافع وحده «تغفر» بالتّاء والضمّ «خطيئاتُكم» بالجمع وبضمّ التاء جعلها اسم ما لم يسمّ فاعله. وقرأ ابن عامر بالتاء أيضا إلاّ أنه وحّد فقرأ: «خطيَّتُكُم». وقرأ أبو عمرو: ﴿نَغْفِرْ﴾ بالنّون «خطياكم» بالجمع، جمع للتّكسير. وقرأ نافع بجمع السّلامة كما تقول: رزيّة ورزايا ورزايات وقد بيّنت علّة ذلك فى سورة (البقرة) فأغنى عن الإعادة هاهنا. وقرأ الباقون مثل أبي عمرو غير أنّهم قرءوا ﴿خَطِيئاتِكُمْ﴾ بكسر التّاء فى موضع نصب، وإنما كسرت لأنّها غير أصلية، كما تقول: رأيت سماوات ودخلت حمّامات. ٤١ - وقوله/تعالى: ﴿قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ﴾ [١٦٤]. روى حفص عن عاصم ﴿مَعْذِرَةً﴾ بالنصب على المصدر كقولك: اعتذرت اعتذارا ومعذرة بمعنى. وحجّته: أنّ الكلام جواب كأنّهم قيل لهم: لم

стр. 310

تعظون قوما الله مهلكهم؟ فأجابوا فقالوا: نعظهم اعتذارا إلى ربّهم، كما يقول القائل: لم وبّخت فلانا؟ فتقول: طلبا لتقويمه. وقرأ الباقون: «معذرةٌ» بالرّفع، فلهم حجّتان: إحداهما: ما قال سيبويه (١) ﵀-إنّ معناه: موعظتنا إياهم معذرة جعلها خبر ابتداء. والثّانية: أنّ تقديرها عند أبي عبيد: هذه معذرة. فأمّا قوله تعالى (٢): ﴿وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ﴾ فقيل: معناه: ولو أسبل ستوره: وقال الأخفش: واحد المعاذير معذار. ٤٢ - وقوله تعالى: ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ [١٦٥]. قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائىّ ﴿بَئِيسٍ﴾ على فعيل، قال الشّاعر (٣): حنقا علىّ وما ترى ... لى فيهم أثرا بئيسا

стр. 311

وقرأ نافع «بعذاب بِيس» بكسر الباء بغير همز، وينشد: لم ترو حتّى بلّت الدّبيسا ... (١) ولقى الّذى أدّاه (١) أمرا بيّسا وقرأ ابن عامر مثل نافع إلا أنه يهمز «بِيْس» بهمزة ساكنة، وروى خارجة عن نافع «بعذاب بَيْس» بفتح الباء مثل بيت، وروى أبو عبيدة عن عبيد عن شبل عن ابن كثير: «بعذاب بِئيس» كسر الباء مثل نافع، إلا أنّه يمدّه. وروى حفص عن عاصم: / ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ على فعيل بكسر العين. وروى أبو بكر عنه: «بَيْئَس» على فيعل بفتح الهمزة وهو الاختيار مثل صيرف وصيقل. فهذه سبع قراءات عن السّبعة فى هذه الحروف. وفيها ثلاث قراءات عن غير السّبعة: قرأ الحسن: (٢) «بعذاب بئسَ» كما تقول: بئس ما صنعت. وقرأ طلحة بن مصرّف: (٣) «بعذاب بَئِس» مثل فخذ. وقرأ نصر بن عاصم (٤) : «بعذاب بَيَس» بفتح الباء والياء مثل حمل فتلك عشر قراءات فعيل وفيعل وفعل وفعل مهموز وفعل غير مهموز وفعل بفتح السين وفعيل مثل شعير وبعير، وفعل وفعل وفعل. فأمّا تفسير هذه الآية فإن أبا بكر محمد بن القاسم الأنبارىّ ﵀ حدّثنى قال: حدّثنى عبد الله بن محمد، قال: حدّثنا يوسف بن موسى، قال: حدّثنا يحيى بن سليمان الطّائفىّ عن ابن جريج عن عكرمة قال: دخلت على ابن عبّاس وهو ينظر فى المصحف-قبل أن يذهب بصره-ويبكى فقلت:

стр. 312

ما يبكيك يا أبا العبّاس جعلنى الله فداك؟ فقال لى: هل تعرف أيلة؟ قلت: وما أيلة؟ قال: هى قرية كان فيها ناس من اليهود، وكان الله تعالى قد حرّم عليهم صيد الحيتان فى يوم السّبت فكانت تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرّعا سمانا فتربض بأقبيتهم وأبنيتهم، فإذا طلبوها فى غير السّبت لم يدركوها إلا [بمؤنة] /شديدة فقال بعضهم لبعض، أو من قال ذلك منهم: لعلنا لو أخذناها فأكلناها فى غير يوم السبت، ففعل ذلك أهل بيت منهم فاصطادوا وشووا، فلما شمّ جيرانهم رائحة الشّواء قالوا: ألا ترون أن بنى فلان لم يعاقبوا؟ وفشا فيهم ذلك الفعل حتى افترقوا فرقا ثلاثا: فرقة أكلت، وفرقة نهت، وفرقة قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً﴾. فأمّا الفرقة التى نهت فإنهم قالوا: يا قوم إنا نحذركم غضب الله وعقابه وأن يصيبكم بمسخ أو قذف أو خسف، أو ببعض ما عنده من العذاب، والله لا نبايتكم فى موضع، ثم خرجوا عنهم، وغدوا عليهم فقرعوا عليهم الباب باب القرية فلم يكلمهم أحد، فجاءوا بسلم وأسندوه إلى السور، ورقى منهم راق عليه فلما أشرف قال: يا عباد الله فإذا هى قردة لها أذناب تعاوى يقولها ثلاثا، ثم نزل ففتح الباب فدخلوا عليهم، فعرفت القردة أنسابها من الإنس، ولم يعرف الإنس أنسابها من القردة، فكان القردة تأتى نسيبها وقريبها (١) من الإنس فتحرك به وتشير إليه. فيقول: أنت فلان فيشير برأسه، أي: نعم ويبكى، وكانت القردة تأتى نسيبها وقريبها من الإنس فتفعل مثل ذلك، فقالوا/لهم: أما إنّا فقد حذرناكم غضب الله وعقابه أن يصيبكم الله بمسخ أو قذف أو خسف، أو ببعض ما عنده من العذاب. قال ابن عباس: فاسمع الله يقول: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [١٦٥]. ولا أدرى ما فعلت الفرقة الثّالثة، فكم قد رأينا منكرا فلم نغيّره؟ !

стр. 313

قال عكرمة: فقلت: يا أبا العبّاس-جعلنى الله فداك-ألا ترى أنهم قد أنكروا حين قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً﴾ قال: فأعجبه ذلك من قوله وأمر له ببردين غليظين كساه بهما (١). قال أبو عبد الله-رضى الله عنه-: فعلى هذا التّفسير الاختيار أن يقف على قوله: ﴿وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ﴾ [١٦٣]. ٤٣ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ﴾ [١٧٠]. قرأ عاصم فى رواية أبى بكر بالتّخفيف هاهنا وفى (الممتحنة) (٢) وقرأ أبو عمرو بالتّشديد. وقرأ الباقون فى (الأعراف) بالتّشديد، فمن خفّف احتج بقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ (٣) وبقوله: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ (٤) ولم يقل مسّك. ومن شدّد احتج بقراءة أبيّ: «والّذين مسّكوا بالكتب» (٥). ٤٤ - وقوله تعالى: ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [١٧٢]. قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر «ذرّياتهم» على الجماع وكسر التّاء، وهو فى موضع نصب؛ لأنّ التّاء غير أصليّة.

стр. 314

وقرأ الباقون ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ واحدة، فاختلف/النّاس فى ذلك فقال قوم: خلق الله تعالى النّاس بعضهم من بعض ومسح ظهر آدم فأخرج الخلق منه كأمثال الذرّ، فأخذ العهد عليهم بعقل ركنه فيهم فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا﴾ فهاهنا الوقف، فكان يختاره ابن مجاهد ويبتدئ ب «أن» مفتوحة بفعل مضمر. فكلّ إنسان إذا بلغ الحلم علم بعقله أنّ الله خالقه، واستدلّ لذلك، وإنما بعث الله تعالى الرّسل وأوضح البراهين ليؤكّد الحجّة عليهم. ٤٥ - وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ ﴿أَوْ تَقُولُوا﴾ [١٧٢؛ ١٧٣]. قرأ أبو عمرو وحده بالياء. والباقون بالتاء. فمن قرأ بالياء فشاهده ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾. والتّاء محمولة على ما قبلها من المخاطبة فى قوله : ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾. ٤٦ - وقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ﴾ [١٨٠]. قرأ حمزة وحده «يَلحدون» بفتح الياء وكذلك فى (النّحل) (١) و (السّجدة) (٢) كلّهن بالفتح. وقرأ الباقون بالضمّ إلا الكسائىّ وحده، فإنه فتح التى فى (النّحل) فقال قوم: لحد فى القبر وألحد بمعنى واحد، وقد جاء فى القبر ألحد قال الشّاعر (٣):

стр. 315

يا ويح أنصار النّبيّ ونسله ... بعد المغيّب فى سواء الملحد ف «ملحد» لا يكون إلا من ألحد، ولو كان من لحد لكان ملحودا كما قالت زينب رضى الله عنها: يا قصّة على ملحود-، أي: يا جصّا على قبر- فلا هدأت الدّية ولا رفأت العبرة» (١) فيقال/للقبر: الملحود واللّحد والديم والضّريح والجدث والجدف والبيت والمحنا-والمحنا فى غير هذا: الترس- والمطمطمة: القبر أيضا، والرّمس والمنهال. ٤٧ - قوله تعالى: ﴿وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ﴾ [١٨٦]. قرأ عاصم وأبو عمرو بالياء والرّفع على الاستئناف، إذ لم يتقدمه فعل ينسق عليه. وقرأ حمزة والكسائىّ بالياء والجزم نسقا على موضع فاء الجزاء فى قوله: ﴿فَلا هادِيَ لَهُ﴾. وقرأ الباقون بالنّون والرّفع، أى: ونحن نذرهم كما قال فى (البقرة) (٢) ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ﴾. ٤٨ - وقوله تعالى: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ﴾ [١٩٠] قرأ نافع وعاصم فى رواية أبى بكر: «شِرْكا.» وقرأ الباقون على (فعلاء) جمع شريك. فالمعنى فى ذلك (٣): أن حواء لما حملت أتاها إبليس-لعنه الله-فقال لها: ما الّذى فى بطنك أبهيمة أم حية؟ فقالت: لا أدرى. فقال: إن دعوت الله أن يجعله بشرا سويّا أتسمينه باسمى قالت: نعم

стр. 316

﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ﴾ فى التّسمية فسمياه عبد الحارث وكان اسمه الحارث، لا فى الطّاعة. ٤٩ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ﴾ [١٩٦]. قرأ القراء بثلاث ياءات الأولى: ياء فعيل، والثانية: أصلية، والثالثة ياء الإضافة إلى النفس، فأدغمت الياء الزائدة فى الياء الأصليّة، فالتّشديد من جلل ذلك، والوسطى مكسورة، وإن كانت فى موضع نصب؛ لاتصالها بياء الإضافة؛ لأنّ ياء الإضافة/يكسر ما قبلها، فياء الإضافة مفتوحة كما تقول: إن غلامى الكريم. وروى ابن اليزيدى (١) عن أبيه عن أبي عمرو «إنّ ولىَّ الله» بياء مشددة؛ كأنه حذف الياء الوسطى وأدغم الأولى فى الثانية كما تقول: عليّ ولديّ. وروى عن عاصم الجحدرىّ (٢) «إنّ ولىِّ الله» بياء مشدّدة مكسورة، فكأنه حذف الياء الوسطى وأسكن ياء الإضافة وكسرها لالتقاء الساكنين. قال ابن خالويه-﵀: الصّواب فى قراءة الجحدرىّ أن تقول: أسقط ياء الإضافة؛ لأنّه أسكنها، ولقي الياء ساكنا آخر، والكسرة دالة عليها. ٥٠ - وقوله تعالى: ﴿إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ﴾ [٢٠١]. قرأ أبو عمرو وابن كثير والكسائىّ «طَيفٌ» بغير ألف والأصل: طيّف بتشديد الياء فحذفوا إحدى الياءين اختصارا كما تقول: هين لين وميت. وأخبرنى محمّد بن الحسن النّحويّ؛ وابن مجاهد عن إسماعيل عن نصر

стр. 317

عن الأصمعى عن أبي عمرو «إذا مسّهم طيف» وأنشد (١) : ما هاج حسّان رسوم المقام ... ومظعن الحىّ ومبنى الخيام جنّيّة أرّقنى طيفها ... تذهب صبحا وترى فى المنام ويقال: طاف الخيال يطيف طيفا ومطافا، وطاف فهو طائف وقال جرير (٢) : طاف الخيال وأين منك لماما ... فارجع لزورك فى السّلام سلاما فلقد أنى لك أن تودّع خلّة ... رثّت وكان حبالها أرماما/ فمعنى طائف الشّيطان: وسواسه ولممه وخبله، وأنشد أبو عبيدة (٣) : وتصبح عن غبّ السّرى وكأنّما ... ألمّ بها من طائف الجنّ أولق فهذا شاهد الباقين الذين قرءوا: ﴿طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ﴾.

стр. 318

وقال آخر (١): أنّى ألمّ بك الخيال يطيف ... ومطافه لك ذكرة وشعوف ٥١ - وقوله تعالى: ﴿لا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ [١٩٣]. قرأ نافع وحده «لا يَتْبعوكم» خفيفا. وقرأ الباقون مشدّدا فقال: تبع وأتبع بمعنى واحد وقال آخرون: اتبعه: سار فى أثره. وأتبعه: ألحقه. ٥٢ - [وقوله تعالى]: ﴿يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ﴾ (٢) [٢٠٢]. وقرأ نافع «يُمدّونهم فى الغيّ» بضمّ الياء. والباقون بفتحها. ٥٣ - وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ﴾ [١٩٥]. قرأ أبو عمرو ونافع فى رواية خارجة «كيدونى» بياء فى الوصل وبغير ياء فى الوقف، وإنما أثبت أبو عمرو الياء هاهنا ولم يثبتها فى قوله: ﴿فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ لأنّها رأس آية فاصلة. والباقون بغير ياء فى الوصل والوقف، اتباعا للمصحف. وأمّا ابن عامر فإنه قرأ برواية هشام: «ثمّ كيدونى» وأثبتها فى الحالين. وابن ذكوان حذفها فى الحالين.

стр. 319

واختلفوا فى هذه السّورة فى سبع ياءات إضافة: ﴿رَبِّيَ الْفَواحِشَ﴾ [٣٣]. قرأ حمزة وحده غير مفتوحة، والباقون يفتحون. و﴿مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ [١٠٥]. فتحها حفص عن عاصم وحده. [و] ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ﴾ [١٤٤]. فتحها أبو عمرو وابن كثير. [و] ﴿حَقِيقٌ عَلى﴾ [١٠٥]. فتحها نافع وحده، وجعلها ياء إضافة وقد ذكرته قبل. [و] ﴿عَذابِي أُصِيبُ بِهِ﴾ [١٥٦]. فتحها نافع وحده. [و] ﴿آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ﴾ [١٤٦]. أسكنها حمزة وابن عامر/. ***

стр. 320

ومن السورة التى تذكر فيها (الأنفال) ١ - قوله تعالى: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ [٩]. قرأ نافع وحده «مردَفين» بفتح الدّال جعلهم مفعولين، من أردفها الله. وقرأ الباقون ﴿مُرْدِفِينَ﴾ بكسر الدّال، الفعل للملائكة، يقال: أردفت الرجل: إذا جئت بعده، ويقال: تقدّم قدّامه، ويقال: ردفه أيضا، من ذلك قوله تعالى: ﴿تَتْبَعُهَا الرّادِفَةُ﴾ (١) ولم يقل المردفة، ويقال: ردفت الرجل: ركبت خلفه، وأردفته: أركبته خلفى. وأمّا قوله: ﴿رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ (٢) فقال النحويون: معناه: ردفكم واللام زائدة، كما يقال: نقدتك مائة ونقدت لك مائة، وإنما دخلت اللام فى ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾، لأنّه بمعنى دنا لكم، وقال: فقلت لها الحاجات تطرحن بالفتى ... وهمّ تعنّانى معنّى ركائبه وروى الخليل (٣) رضى الله عنه عن ابن كثير «مُرُدِّفين» قال سيبويه (٤):
следующие страницы →