وفيها وجه ثالث-وهو أشبهها بالصّواب-: أنّ العرب تدخل الألف واللاّم على المعرفة إذا جاور ما فيه الألف واللام ليزدوج الكلام كما قال الشّاعر (١):
وجدنا الوليد بن اليزيد مباركا ... شديدا بأحناء الخلافة كاهله
فأدخل الألف واللاّم فى «اليزيد» لما جاور الوليد فكذلك/قرأ ابن عامر أدخل الألف واللام فى الغدوة لما جاور العشىّ، والعرب تجعل بكرة وعشية وغدوة وسحر معارف، إذا أرادوا اليوم بعينه ولا يصرفون فيقولون: أزورك فى غد سحر يا فتى.
٧ - وقوله تعالى: ﴿أَنْ يَهْدِيَنِ﴾ [٢٤].و ﴿إِنْ تَرَنِ﴾ [٣٩] و ﴿أَنْ يُؤْتِيَنِ﴾ [٤٠] و ﴿ما كُنّا نَبْغِ﴾ [٦٤] و ﴿أَنْ تُعَلِّمَنِ﴾ [٦٦] كلّ ذلك أثبت الياء فيهن ابن كثير وصلا ووقفا على أصل الكلمة.
стр. 492
وقرأ نافع وأبو عمرو بإثباتهن وصلا وحذفهن وقفا اتباعا للمصحف.
وقرأهن الباقون بحذفهن وصلا ووقفا.
فأمّا الكسائىّ فإنه أثبت الياء فى «نبغى» فقط وصلا، فأمّا قوله تعالى:
﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾ [١٧] فإن نافعا وأبا عمرو أثبتا الياء فيه وصلا وحذفاه وقفا.
والباقون يحذفونه وصلا ووقفا.
٨ - وقوله تعالى: ﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾ [٢٦].
قرأ ابن عامر وحده: «ولا تشركْ» بالتّاء والجزم على النهى، فالخطاب لرسول الله ﷺ والمراد لغيره.
والباقون يجعلونه خبرا ﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ﴾ أى: فليس يشرك فى حكمه أحدا. ف «يشرك» فعل مضارع وعلامة رفعه ضمّ آخره، والمعنى: ولا يشرك الله فى حكمه أحدا.
٩ - [و] قوله تعالى: ﴿خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً﴾ [٣٦].
قرأ ابن عامر ونافع وابن كثير «خيرا منهما منقلبا» والباقون: ﴿مِنْها﴾.
١٠ - وقوله تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ [٤٢].
قرأ أبو عمرو بضمّ الثّاء وإسكان الميم.
وقرأ عاصم ﴿بِثَمَرِهِ﴾ بفتح الثاء والميم.
وقرأ الباقون بضم الثّاء والميم، وقد مرّت علة ذلك مستقصاة فى (الأنعام) /فأغنى عن الإعادة هاهنا.
١١ - وقوله تعالى: ﴿لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي﴾ [٣٨].
قرأ ابن عامر والمسيّبىّ عن نافع «لكانّا» بالألف فى الوصل والوقف.
стр. 493
وقرأ الباقون «لكن» بغير ألف، وأجمعوا كلّهم على الوقف بالألف؛ لأنّها كذلك فى المصحف، والأصل: لكن أنا هو الله ربّى، وقد قرأ بذلك الحسن وأبىّ (١) فحذفوا الهمزة اختصارا فصار: لكننا، ثم أدغموا النون فى النون فالتشديد من جلل ذلك. وكان أبو عمرو يقف فى رواية لكنّه بالهاء (٢) وأنشدنى ابن مجاهد وجماعة (٣):
وترميننى بالطّرف أى أنت مذنب ... وتقليننى لكنّ إيّاك لا أقلى
١٢ - وقوله تعالى: ﴿مِرْفَقاً﴾ [١٦].
فقرأ نافع وابن عامر «مَرفقا» بفتح الميم وكسر الفاء.
وقرأ الباقون: ﴿مِرْفَقاً﴾ بكسر الميم.
فاختلف النّحويون فى ذلك، فقال بعضهم: هما لغتان (٤).
وقال آخرون (٥): المرفق: ما ارتفقت به، والمرفق مرفق اليد، والاختيار فى اليد وفى كل ما ارتفقت له (المرفق) بكسر الميم، والجمع المرافق من
стр. 494
قوله (١): ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ﴾ فرأس المرفق يقال له: إبرة (٢)، وعن يمين الإبرة كسر حسن، وعن يساره كسر قبيح.
١٣ - وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ﴾ [٤٣].
قرأ حمزة والكسائىّ بالياء.
وقرأ الباقون بالتّاء.
فمن قرأ بالتاء فلتأنيث الفئة، والفئة: الجماعة وقد يسمى الرّجل الواحد فئة، كما أنّ الطائفة تكون جمعا وتكون واحدا. قال ابن عبّاس-فى قوله تعالى:
﴿وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ﴾ (٣) -قال: /الطّائفة: الرّجل الواحد.
ومن قرأ بالياء فلقوله: ﴿يَنْصُرُونَهُ﴾ ولم يقل: تنصرونه، وأنّ التأنيث غير حقيقي.
فإن سأل سائل فقال: مائة وفئة وزنهما واحد فلم زادوا فى المائة ألفا؟ فقل: لئلا يلتبس مائة بمنة.
فإن قيل: فإن فئة تلتبس بفية؟
فالجواب فى ذلك: أنهم فعلوا للفرقان فى مائة لكثرة استعمال الكتاب له. و (فئة) قليلة الاستعمال. والساقط من فئة ومائة لام الفعل، والاختيار أن
стр. 495
يجعل الساقط من فئة عين الفعل؛ وأمّا دية [ف] الساقط فاء الفعل؛ لأنّه من ودى يدى مثل وعد يعد، وزنة من وزن يزن والأصل: وعدة ووزنة فاستثقلوا الكسرة على الواو فجعلوا الكسرة فيما بعد الواو، وحذفوا الواو، قال سيبويه رضى الله عنه (١): الهاء عوض من الواو.
١٤ - وقوله تعالى: ﴿هُنالِكَ الْوَلايَةُ﴾ [٤٤].
قرأ حمزة والكسائىّ «الوِلاية» بالكسر.
وقرأ الباقون بفتح الواو، وهما لغتان مثل الوكالة والوكالة والدّلالة والدّلالة.
وقال آخرون: هما مصدران فالمكسور مصدر الوالى يقال: هذا وال بيّن الولاية يعنى: فى الإمارة، والمفتوح مصدر الولىّ يقال: هذا ولىّ بيّن الولاية.
١٥ - وقوله تعالى: ﴿لِلّهِ الْحَقِّ﴾ [٤٤].
قرأ أبو عمرو والكسائىّ «الحقُّ» بالضم.
وقرأ الباقون بالكسر، فمن جرّ قال: الحقّ: هو الله فخفض نعتا لله تعالى /واحتج بقراءة ابن مسعود، وهو فى قراءته (٢): «هنالك الولاية لله وهو الحقُّ» وفى قراءة أبىّ (٣): «هنالك الولاية الحقُّ لله.» ومن رفعه جعله نعتا بمعنى أحقّ ذلك الحقّ، وأحقّ الحقّ. وسمعت محمد بن عبد الواحد يقول:
الحقّ: ربّ العزّة، والحقّ الصدق. ومن الحديث: الحقّ الملك باستحقاق.
والحقّ: التّبين بعد الشكّ.
стр. 496
١٦ - وقوله تعالى: ﴿وَخَيْرٌ عُقْباً﴾ [٤٤].
قرأ عاصم وحمزة ﴿عُقْباً﴾.
والباقون «عُقُبا» بضمتين، وهما لغتان بمعنى العاقبة تقول العرب:
للكافر عقبى الدّار وعقب وعقب وعاقبة الدّار بمعنى واحد.
فإن قيل: بما انتصب ﴿عُقْباً؟ ﴾
فقل على التّمييز، كما تقول: زيد خير منك أبا.
فإن قيل: فما معنى قوله: «هنا لك الولاية لله الحقُّ؟ »
فقل: معناه: هنالك، أى: فى يوم القيامة تبين نصرة الله أولياءه. وقال الحارثىّ: يقال: جئت فى عقب رمضان، أى: بعد ما مضى، وجئت فى عقبه أى: جئت وقد بقيت منه بقية.
١٧ - وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ﴾ [٤٧].
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر «تسيَّر» بالتاء لتأنيث الجبال فعل.
ما لم يسم فاعله، ولهم حجّتان سوى ما ذكرت:
أحدهما: قوله: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ﴾ (١).
والحجّة الثانية: أن أبيّا قرأ (٢): «ويوم سيّرت الجبال» فإذا كان الماضى سيرت كان المضارع تسيّر.
وقرأ الباقون ﴿نُسَيِّرُ﴾ بالنّون فالله تعالى يخبر عن نفسه. «الجبال»
стр. 497
نصب مفعول/بها. وحجّتهم: قوله: ﴿وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ [٤٧].
فردّ اللّفظة على اللّفظة المجاورة لها أحسن من أن يستشهد عليها بغيرها ممّا بعد منه، وكلتا القراءتين حسنة وبالله التوفيق.
فإن قيل: ولم نصبت ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ﴾؟
فقل: بإضمار فعل، والتّقدير: واذكر يا محمد يوم نسيّر الجبال وترى الأرض بارزة، أى: ظاهرة لا يسير منها شئ؛ لأنّ الجبال إذا سيّرت عنها وصارت دكاء ملساء ظهرت وبرزت. وقيل: وترى الأرض بارزة أى: تبرز ما فيها من الكنوز والأموات وهو شبيهة بقوله: وترمى الأرض أفلاذ كبدها، وقال بعض النّحويين من أهل البصرة (١) يجوز أن ينصب ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ﴾ بقوله تعالى: ﴿وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ﴾ ... ﴿ثَواباً﴾ فى يوم نسير الجبال.
﴿وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ﴾ قيل (٢) : الصّلوات الخمس، وقيل (٣) :
سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر. وسمعت القاضى أبا عمران يقول: عزّى رجل بعض الأخلاء بولده فقال: إنّ ابنك كان من زينة الدّنيا، ولو بقى لكان سيّدا مثلك، وإذا استأثر الله به فجعله من الباقيات الصّالحات
стр. 498
وقد صار الآن من الباقيات الصالحات ﴿وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ قال: فتسلّ بذلك.
١٨ - وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ﴾ [٥٢].
قرأ حمزة بالنّون، الله تعالى يخبر عن نفسه/.
وقرأ الباقون بالياء، أى: يا محمّد: يقول الله تعالى.
١٩ - وقوله تعالى: ﴿قُبُلاً﴾ [٥٥].
قرأ الكوفيون بالضمّ.
وقرأ الباقون «قِبَلا» أى: عيانا بالكسر، ومن ضمّ فهو جمع قبيل وقبل مثل قميص وقمص، وقد مرّت علة ذلك فى (الأنعام) وإنما أعدت ذكره لأنّ من النّحويين من يقول: إن القبيلة بنو أب، والقبيل-بغير هاء-: الجماعة وإن كانوا مختلفى الأنساب واحتجّوا بقول النّابغة (١):
جوانح قد أيقنّ أنّ قبيله ... إذا ما التقى الحيّان أوّل غالب
وجمع القبيلة قبائل، والقبائل-أيضا-: قبائل الرّأس، وهى عروق مجرى الدّمع من الرّأس، ويقال لها: الشّئون، واحدها شأن، وينشد (٢):
لا تحزنينى بالفراق فإنّنى ... لا تستهلّ من [الفراق] (٣)
شئوني
٢٠ - وقوله تعالى: ﴿ما أَنْسانِيهُ إِلَاّ الشَّيْطانُ﴾ [٦٣].
روى حفص عن عاصم ﴿أَنْسانِيهُ﴾ بضم الهاء و ﴿بِما عاهَدَ عَلَيْهُ﴾
стр. 499
﴿اللهَ﴾ (١) فضمّ الهاء على أصل الكلمة.
ومن كسر فلمجاورة الياء. وقد استقصينا ذلك فيما سلف، وإنما ذكرته؛ لأنّ الكسائىّ أمال الألف فى «أنسانيه» لأنّ الألف فيها مبدلة من الياء، وبعد الألف كسرة، والعرب تميل كلّ ألف بعدها كسرة نحو عابد وحاتم وإذا كان بعد الألف فتحة أو ضمة كان ترك الإمالة أحسن. ومن العرب من يميل كلّ ذلك، حكى سيبويه عن بعضهم: مات زيد وصار بمكان كذا، وقال: إن من العرب من يميل أكثر ممّن لا يميل فلما سمع/الكسائى-مع معرفته بالقراءات-العرب تستعمل الإمالة كما حكى سيبويه رضى الله عنه أكثر من التّفخيم اختاره.
٢١ - وقوله تعالى: ﴿مِمّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾ [٦٦].
قرأ ابن عامر: «رُشُدا» بضمتين.
وقرأ أبو عمرو: «رَشَدا» بفتحتين.
وقرأ الباقون: ﴿رُشْداً﴾ بإسكان الشين وضمّ الرّاء فقال قوم: هما لغتان الرّشد والرّشد مثل الحزن والحزن وقال آخرون: الرّشد الصلاح كقوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً﴾ (٢) والرّشد فى الدّين.
وحدّثنى أحمد عن علىّ عن أبى عبيد قال: الاختيار «رَشَدا» هاهنا، لأنّها رأس آية كقوله فى ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾: ف ﴿تَحَرَّوْا رَشَداً﴾ (٣) ليوافق رءوس الآي من قبل ومن بعد.
стр. 500
فأمّا قراءة ابن عامر فإنه أتبع الضمّ الضمّ مثل السّحت والسّحت والبخل والبخل، والعرب تقول: طعنت فلانا فألقيته على قطره وقطره، وعلى قتره وعلى قتره، وعلى شزنه وعلى شزنه، كلّ ذلك على ناحيته وجنبه. وأقطار الأرض وأقتارها وأشزانها: نواحيها. والقطر فى غير هذا العود الذى يتبخر به، أنشدنى ابن عرفة رضى الله عنه (١):
كأنّ المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامى ونشر القطر
تعلّ به برد أنفاسها ... إذا غرّد الطّائر المستحر
وإنما خصّ وقت السحر، لأنّ الأفواه تتغيّر فى ذلك الوقت فسرق شاعر هذا فقال (٢):
كأنّ المدام وصوب الغمام/ ... وريح الخزامى وذوب العسل
تعلّ به برد أنيابها ... إذا النّجم فوق السّماء اعتدل
٢٢ - وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً﴾ [٥٩].
قرأ عاصم فى رواية أبى بكر «لمهلَكَهُم» بفتح الميم واللاّم جعله مصدرا لهلك يهلك مهلكا مثل طلع يطلع مطلعا.
стр. 501
وروى حفص عن عاصم ﴿لِمَهْلِكِهِمْ﴾ بكسر اللاّم جعله وقت هلاكهم وموضع هلاكهم كقوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ [٨٦]، أى: الموضع الذى تغرب فيه. وحكى سيبويه رضى الله عنه عن العرب (١) :
«أتت النّاقة على مضربها» و «منتجها» أى: على وقت ضرابها ونتاجها و «إنّ فى ألف درهم لمضربا» بفتح الرّاء أى: ضربا، جعله مصدرا.
وقرأ الباقون: «لمُهلَكهم» بضم الميم وفتح اللام وهو الاختيار لأنّ المصدر من أفعل والمكان والزّمان يجئ على مفعل كقوله: ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ (٢) فكذلك أهلكهم الله مهلكا بمعنى الإهلاك، وسأبين لك فصلا تعرف به جميع ما يرد عليك.
اعلم أن كلّ فعل كان على (فعل يفعل) مثل ضرب يضرب فالمصدر مضرب بالفتح، والزّمان والمكان مفعل بالكسر.
وكلّ فعل كان على (فعل يفعل) مثل دخل يدخل فالمصدر والمكان منه بالفتح نحو المدخل. وكلّ فعل كان المضارع منه بالفتح نحو يذهب ويشرب فهو مفتوح أيضا نحو المشرب والمذهب.
فإن قيل لك: قد قالوا: المسجد-بالكسر-وهو من سجد يسجد، فإن ذلك من الشّواذ عندهم، قال سيبويه (٣) -رحمة الله عليه-/وربّما جاء المصدر من فعل يفعل بالكسر كقوله: ﴿إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ (٤) أى:
стр. 502
رجوعكم، و ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ (١) أى: الحيض، وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً﴾ (٢) فهذا مصدر وربما جاء على المعيش مثل المحيض قال رؤبة (٣):
إليك أشكو شدّة المعيش ... ومرّ أعوام نتفن ريشى
قال الفرّاء: إذا كان الفعل لامه واوا أو ياء نحو يدعو ويقضى جاء المصدر والمكان بالفتح: المدعى والمقضى.
وحدّثنى ابن مجاهد عن السّمّرىّ عن الفرّاء قال (٤): جاء حرفان نادران مأقى العين والمأوى، يريدون: الماوى فقال الأصمعى: يقال مؤق العين وماق، العين، ومأقى العين، وماقى العين. وقال سيبويه رضى الله عنه: إنما قالوا:
المصيف فكسروا وقالوا: المشتى ففتحوا؛ لأنّ هذا من صاف يصيف، وهذا من شتا يشتو قال الفرّاء-رحمة الله عليه-: فإذا كان الفعل عينه ياء مثل كال يكيل، ومال يميل، وباع يبيع قلت فى المصدر منه: مال ممالا، وكال مكالا:
وباع، مباعا، وفى اسم المكان والزمان: مميلا ومكيلا ومبيعا، فهذا أصل لما يرد عليك فتأمّله إن شاء الله.
٢٣ - وقوله تعالى: ﴿فَلا تَسْئَلْنِي﴾ [٧٠].
قرأ ابن عامر: «تسألنّى.»
والباقون: «تسألنّ» وقد ذكرت علّته فى (هود).
٢٤ - وقوله تعالى: ﴿لِتُغْرِقَ أَهْلَها﴾ [٧١].
قرأ حمزة والكسائىّ بالياء ورفع الأهل؛ لأنّهما جعلاهم الفاعلين.
стр. 503
وقرأ الباقون: ﴿لِتُغْرِقَ﴾ فهذا خطاب موسى/للخضر ﵉، ونصبوا الأهل، لأنّهم مفعولون. والأهل تجمع على جمع السّلامة أهلون وأهلين «إنّ لله أهلين هم أهل القرآن وخاصّته» (١) وقوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً﴾ (٢) الأصل: أهلينكم فسقطت النّون للإضافة، ومن العرب من يجمع أهلا أهلات قال الشّاعر (٣) :
فهم أهلات حول قيس بن عاصم ... إذا دلجوا باللّيل يدعون كوثرا
والصواب: أن تجعل «أهلات» جمع أهلة.
فإن سأل سائل فقال: لم قال موسى فى هذه الآية: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ﴾ هل يجوز أن يكون فى وقت موسى نبىّ أعلم من موسى؟
فقل: فى هذه ثلاثة أجوبة:
стр. 504
أحدها: أن يكون نبىّ أعلم من نبىّ فى وقت، هذا فيمن جعل الخضر نبيّا، وإنما سمّى خضرا، لأنّه كان إذا جلس على فروة اهتزت خضراء، يعنى بالفروة الأرض البيضاء التى لا نبات فيها.
والوجه الثانى: أن يكون موسى أعلم من الخضر بجميع ما يؤدّى عن الله تعالى إلى عباده وفيما هو حجّة عليهم، وحجة لهم بينهم وبين خالقهم إلاّ فى هذا.
والوجه الثالث: أن يكون موسى استعلم من الخضر علما ليس عند موسى ذلك العلم فقط، وإن كان عنده علوم سوى ما استعلمه من الخضر (١) علما مما ليس عند موسى ﵇ (١).
فأمّا قوله فى هذه الآية: ﴿قالَ لِفَتاهُ﴾ فإنّ يوشع بن نون هو فتاه، كما تقول العامّة: هو غلامه وتلميذه [وساجرده وتلامه وجربحه] (٢) /والعرب تسمى الرّجل المملوك فتى وإن كان شيخا، والأمة فتاة وإن كانت عجوزا وتسمى التّلميذ فتى وإن كان شيخا، ومن ذلك قوله: ﴿سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ﴾ (٣) والفتى عند العرب السّخىّ من الطّعام وعلى المال والشّجاع.
٢٥ - وقوله تعالى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً﴾ [٧٤].
قرأ أهل الكوفة وابن عامر ﴿زَكِيَّةً﴾ بغير ألف، أى: تقيّة ديّنة.
وقرأ الباقون: «زاكية» فقال الكسائى: هما لغتان زكيّة وزاكية مثل قسيّة وقاسية وقال ابن العلاء: الزّاكية: التى لم تذنب قطّ.والزّكية: التى أذنبت ثم تابت، وكلتا القراءتين حسنة.
стр. 505
٢٦ - وقوله تعالى: ﴿شَيْئاً نُكْراً﴾ [٧٤].
ابن كثير يخفف كلّ ما فى القرآن. وكذلك: ﴿إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ (١).
وقرأ عاصم وابن عامر بالتّثقيل، وهما لغتان: النّكر والنّكر مثل الرّعب والرّعب، وهو الأمر العظيم والدّاهية.
ومثله ﴿شَيْئاً إِدًّا﴾ (٢) و «إمرا» و ﴿نُكْراً﴾ و ﴿عَجَباً﴾ كل ذلك بمعنى، وتقدير الكلام: لقد جئت بشيء أنكر من الفعل الأول.
وقال آخرون «إمرا» أشدّ من ﴿نُكْراً﴾ إلا أن الإمر معه غرق الأهل، وهذا معه قتل النّفس.
وقرأ الباقون بتخفيف كلّ ذلك إلا قوله فى (اقتربت) ﴿إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ وهو الاختيار، لأنّ رءوس الآى فى (اقتربت) مثقلة نحو ﴿عَذابِي وَنُذُرِ﴾ (٣) وقال الشّاعر حجّة لمن خفّف (٤):
قد لقى الأقران منّى نكرا ... داهية دهياء إذا إمرا
أمّا نافع فروى عنه قالون مثقّلا مثل ابن عامر، وروى عنه/إسماعيل مثل أبى عمرو.
стр. 506
وروى حفص عن عاصم مثل ابن كثير و ﴿نُكْراً﴾ رأس الجزء من أجزاء الثّلثين وهو الخامس عشر، وهو نصف القرآن.
٢٧ - وقوله تعالى: ﴿مِنْ لَدُنِّي عُذْراً﴾ [٧٦].
قرأ نافع: «من لدنى» بتخفيف النّون، كره اجتماع النّونين فحذف واحدة كما قرأ: «تشاقّونى» (١) و «تأمرونى أعبد» (٢) قال الشّاعر (٣):
أيّها السّائل عنهم وعنى ... لست من قيس ولا قيس منى
أراد: عنّى ومنّى فخفف.
والباقون ﴿مِنْ لَدُنِّي﴾ مشدّدا، لأن (لدن) آخرها نون ساكنة، وياء الإضافة يكسر ما قبلها فزادوا على النّون نونا وأدغموا فالتشديد من جلل ذلك، إلا عاصما فإنه رويت عنه «من لَدْنى» بفتح اللاّم وجزم الدّال وتشم الدّال الضمّ وتخفف النّون، وروى عنه أبو عبيد «من لُدنى» بضمّ اللام و «من لدى» ف «لدن» إذا لم تضف فيها ثلاث لغات: لدن ولدى ولد، قال الشّاعر (٤):
стр. 507
*من لد لحييه إلى منحوره*
وإذا أضفت إلى نفسك ففيها ستّ لغات، وقد فسّرته. فتقول: لدى، ولدن، ولد، ولدنى ولدنّى ولدنّنى ولدىّ ولدى تسع لغات، ومعناهن كلّهن:
عندى.
٢٨ - وقوله تعالى: ﴿لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ [٧٧].
قرأ ابن كثير وأبو عمرو «لَتَخِذت» بتخفيف التاء جعله فعل يفعل مثل شرب يشرب تخذ يتخذ كما قال (١):
وقد تخذت رجلى إلى جنب غرزها ... نسيفا كأفحوص القطاة المطرّق
/المطرّق: التى تريد أن تبيض وقد تعسّر عليها. والأفحوص والمفحص:
عشّ الطائر ووكره، ومن ذلك حديث رسول الله ﷺ (٢): «من بنى لله
стр. 508
مسجدا ولو مثل مفحص قطاة بنى الله له بيتا فى الجنّة».
غير أنّ ابن كثير يظهر الذّال عند التّاء، وأبو عمرو يدغم وقد ذكرت علّته فى (البقرة).
وقرأ الباقون ﴿لاتَّخَذْتَ﴾ من افتعل يفتعل نحو اتقى يتّقى واتّكى يتّكى.
ومن العرب من يقول: تقى يتقى خفيفا قال الشّاعر (١):
جلاها الصّيقلون فأخلصوها ... خفافا كلّها يتقى بإثر
وأصله من أخذ يأخذ فكأن الأصل أيتخذ، لأنّ الهمزة تصير ياء لانكسار ما قبلها ثم تقلب الياء تاء وتدغم التاء فى التاء فالتّشديد من جلل ذلك.
٢٩ - وقوله تعالى: ﴿فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما﴾ [٨١].
قرأ ابن كثير وعاصم بتخفيف كلّ ما فى القرآن.
وقرأ أبو عمرو ونافع بتشديد كلّ ما فى القرآن، وهما لغتان: يبدل ويبدّل مثل ينزل وينزّل. قال أبو عمرو: وإنما اخترت التّثقيل، لأنّ شاهده فى القرآن، وهو قوله: ﴿وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً﴾ (٢) ولم يقل: أبدلنا، وقال (٣): ﴿لا تَبْدِيلَ﴾
стр. 509
﴿لِكَلِماتِ اللهِ﴾ ولم يقل: لا إبدال والعرب تقول: بدّل يبدّل تبديلا وبدالا، فهو مبدل. وقال غيره من النّحويين: أبدلت الشئ: إذا أزلت الأول وجعلت الثانى فى مكانه كقول أبى النجم (١):
*عزل الأمير للأمير المبدل*
وبدّلت الشئ من الشئ: إذا غيرت حاله وعينه، والأصل/باق كقولك: بدّلت قميصى جبة، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها﴾ (٢) فالجلد الثانى هو الأول، ولو كان غير الأول لم يلزمه العذاب إذا لم يباشر المعصية، وهذا وضح جدّا.
وقرأ الباقون بتخفيف كلّ ذلك إلا قوله فى (النّور) (٣) ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾ فيحتمل أن يكونوا أتوا بالمعنيين كليهما، وهو الاختيار عندى أنهم شدّدوا هذا الحرف خاصة إرادة تكرير الفعل، لأنّ الله تعالى بدلهم الأمن من الخوف مرة بعد مرة، وأمنا على أمن فالتّشديد دلالة على تكرير الفعل.
٣٠ - وقوله تعالى: ﴿وَأَقْرَبَ رُحْماً﴾ [٨١].
قرأ ابن عامر وحده «رُحُما» بضمتين، وكذا عبّاس ونصر عن أبى عمرو.
وقرأ الباقون ﴿رُحْماً﴾ خفيفا، وهو الأكثر فى كلامهم مثل العمر والعمر والرّعب والرّعب.
قال أبو عبد الله رضى الله عنه: وفيها لغة ثالثة: «أقرب رَحْما» كما
стр. 510
تقول: أطال الله عمرك وعمرك وعمرك (١) ومعناهن كلهن: وأقرب رحمة وعطفا وقربى وقرابة، وقال الشّاعر شاهدا لمن خفف (٢) :
*ولم يعوّج رحم ما يعوّجا*
وقال آخر (٣) :
*يا منزل الرّحم على إدريس*
стр. 511
٣١ - وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً﴾ [٨٩] ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً﴾ [٩٢].
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو مشدّدا.
وقرأ الباقون مخفّفا، وهما لغتان: أفعل يفعل أتبع يتبع، وافتعل يفتعل أتبع يتّبع، وفرّق قوم بينهما فقالوا: اتّبعته: سرت فى أثره، وأتبعته: لحقته كقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ (١).وروى حسين عن أبى عمرو/ «وأَتْبع الّذين ظلموا ما أترفوا فيه» (٢) وتفسيره كتفسير ما ذكرت. والسّبب: الطّريق هنا، والسّبب فى غير هذا الحبل، والسّبب: القرابة.
٣٢ - وقوله تعالى: ﴿فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [٨٦].
قرأ أبو عمرو ونافع وابن كثير وحفص عن عاصم: ﴿حَمِئَةٍ﴾ على وزن فعلة مهموزا، ومعناه: تغرب فى طين سوداء، وهى الحمأة التى تخرج من البئر، ويقال لها: الثّأط والحرمد والحال، ومن ذلك الحديث: «أنّ فرعون لمّا غرّقه الله أخذ جبريل ﷺ من حال البحر فحشاه فى فيه لئلاّ ينطق بكلمة النّجاة إذ كان ادّعى الرّبوبيّة» (٣).
وقرأ الباقون: «فى عين حامية» على وزن فاعله كقوله تعالى: ﴿تَصْلى ناراً حامِيَةً﴾ (٤) أى: حارة حميت تحمى فهى حامية مثل شربت فهى شاربة.
وحدّثنى أحمد بن عبدان عن على عن أبى عبيد عن هشيم عن عوف عن الحسن «حامية.»
стр. 512
قال أبو عبيد: وحدّثنى يزيد عن عمرو بن ميمون بن مهران عن أبى حاضر وابن حاضر قال: سمعت ابن عبّاس يقول (١) : كنت عند معاوية فقرأ «تغرب فى عين حامية» فقلت: ما نقرؤها إلاّ ﴿حَمِئَةٍ﴾ فقال لعبد الله ابن عمرو بن العاص كيف تقرؤها؟ قال: كما قرأتها يا أمير المؤمنين فقلت: فى بيتى نزل القرآن! فأرسل معاوية إلى كعب: أين تجد الشّمس تغرب فى التّوراة؟ فقال: أمّا العربيّة فأنتم أعلم بها/وأمّا أنا فأجد الشّمس فى التّوراة تغرب فى ماء وطين.
وحدّثنى ابن مجاهد عن السّمّرىّ عن الفرّاء، قال (٢) : حدّثنا حيّان عن الكلبىّ عن أبى صالح عن ابن عباس أنه قرأ: ﴿فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾.وقال: فى ماء وطين، والعرب تقول: حمأت البئر: أخرجت منها الحمأة، وأحمأتها: ألقيت فيها الحمأة، وحميت هى: صار فيها الحمأة.
وأمّا قولهم: هذا حمو فلان ففيه أربع لغات (٣) : حمؤ وحمو وحما وحم قال الشّاعر (٤) :
هى ما كنّتى وتز ... عم أنّى لها حمو
стр. 513
وقال آخر (١) :
قلت لبوّاب لديه دارها ... تئذن فإنّى حمؤها وجارها
وقال آخر (٢) :
وبجارة شوهاء ترقبنى ... وحما يخرّ كمنبذ الحلس
وفيه لغة خامسة وسادسة (الحمو) مثل العفو و (الحمأ) مثل الخطأ ذكره اللّحيانىّ. وكلّ قرابة من قبل الزّوج فهم الأحماء، وكلّ قرابة من قبل النّساء فهم الأختان، والصّهر يجمعها، فأمّ امرأة الرّجل ختنته، وأبوها ختنه، وأمّ الزّوج حماة المرأة، وأبوه (٣) حموها، وقال أبو الأسود شاهدا لأبى عمرو فى ﴿عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ (٤) :
تجئك بملئها طورا وطورا ... تجئك بحمأة وقليل ماء
стр. 514
وقال آخر (١) :
وسقيت بالماء النّمير ولم ... أترك ألاطم حمأة الجفر
وقال تبّع (٢) :
قد كان ذو القرنين جدّى مسلما ... ملكا تدين له الملوك وتسجد
بلغ المشارق والمغارب يبتغى/ ... أسباب أمر من حكيم مرشد؟ !
стр. 515
فرأى مغار الشّمس عند مغيبها ... فى عين ذى رتق وثأط حرمد
قال (١): الثّأط: الماء والطّين، والحرمد: الحمأة.
٣٣ - وقوله تعالى: ﴿فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى﴾ [٨٨].
قرأ حمزة والكسائىّ وحفص عن عاصم «فله جَزَاءً» بالنصب منونا، فنصبه على ضربين:
على المصدر فى موضع الحال، أى: فلهم الجنّة مجزيّون بها جزاء.
وقال آخرون: نصب على التّمييز، وهذا فيه ضعف (٢)؛ لأنّ التّمييز يقبح تقديمه كقوله: تفقأ زيد شحما، وتصبب عرقا، وما فى السّماء موضع راحة سحابا، وله دنّ خلاّ، ويقبح له خلاّ دنّ، فأمّا عرقا تصبّب فما أجازه من النّحويين إلاّ المازنىّ (٣).
وقرأ الباقون: «فله جزاءُ الحسنى» بالرّفع والإضافة وشاهده قوله:
ف ﴿لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا﴾ (٤).والحسنى هاهنا: الحسنات.
стр. 516
٣٤ - وقوله تعالى: ﴿بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ [٩٣] و ﴿بَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ [٩٤] ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ (١).
فقال أبو عمرو: السدّ فى العين، والسّدّ: الحاجز بينك وبين الشّئ.
وقال حجّاج عن هارون عن أيّوب عن عكرمة قال: كلّ ما كان من صنع الله فهو السّدّ، وما كان من صنع بنى آدم فهو سدّ. وكان ذو القرنين عمد إلى الحديد فجعله أطباقا وجعل بينهما الفحم والحطب ووضع عليه المحلاج، يعنى:
المفتاح ﴿حَتّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي﴾ أى: أعطونى ﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً﴾ [٩٦]، والقطر: النّحاس فصار جبل حديد مرتفعا «فما استطاعوا/أن يظهروه» أى: يعلوه، ﴿وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً﴾ [٩٧].
وروى حفص عن عاصم بفتح ذلك كلّه.
وقرأ حمزة والكسائىّ «بين السُّدَّين» وفتحا الباقى.
وقرأ الباقون برفع ذلك كلّه.
٣٥ - وقوله تعالى: ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ [٩٣].
قرأ حمزة والكسائىّ «يُفقهون» بضمّ الياء من أفقه يفقه.
وقرأ الباقون: ﴿يَفْقَهُونَ﴾ ومعناه: لا يفهمون، ومن ضمّ فمعناه:
لا يبيّنون لغيرهم يقال: فقه يفقه وفقه يفقه وفقه يفقه مثل فهم يفهم (٢).
سمعت إبراهيم الطّاهرى يقول: المنافق إن فقه لم يفقه وإن نقه لم ينقه (٣).
стр. 517
وسمعت ابن مجاهد يقول: الاختيار الفتح؛ لأنّك إذا ضممت الياء فقد حذفت مفعولا والتّقدير: لا يفقهون أحدا قولا.
٣٦ - وقوله تعالى: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ﴾ [٩٤].
قرأ عاصم وحده ﴿يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ﴾ بالهمز.
وقرأ الباقون بغير همز، فقال النّحويون: هو الاختيار؛ لأنّ الأسماء الأعجميّة سوى هذا الحرف غير مهموز نحو طالوت وجالوت وهاروت وماروت.
وحجّة من همز أن يأخذه من أجيج النّار، ومن الملح الأجاج فيكون يفعولا منه، هذا فيمن جعله عربيا وترك صرفه للتّعريف؛ لأنّها قبيلة.
والاختيار أن تقول: لو كان عربيّا لكان هذا اشتقاقه ولكنّ الأعجمى لا يشتقّ قال رؤبة (١):
لو كان يأجوج ومأجوج معا ... وعاد عاد/واستجاشوا تبّعا
فترك الصرف فى الشعر كما هو فى التّنزيل. وجمع يأجوج يآجيج مثل يعقوب ويعاقيب، واليعقوب: ذكر الفتخ، والأنثى: الحجلة. وولد الفتخ:
السّلك، والأنثى: السّلكة، ومن ذلك قولهم (٢): سليك بن السّلكة. وقال الخليل رضى الله عنه: الذّعفوفة: ولد الفتخ والقهبي أبوه. ذكره فى كتاب «العين» (٣).
стр. 518
ومن جعل يأجوج ومأجوج فاعولا جمعه يواجيج بالواو، مثل هارون وهوارين وطاغوت وطواغيت.
٣٧ - وقوله تعالى: ﴿خَرْجاً﴾ [٩٤].
قرأ ابن عامر ﴿خَرْجاً﴾.وكذلك فى (قد أفلح) (١) «فَخَرْج ربّك».
وقرأ حمزة والكسائى «خارجا» ﴿فَخَراجُ رَبِّكَ﴾ والأمر بينهما قريب، لأنّ الخرج: الجعل، والخراج: الإتاوة والضّريبة التى يأخذها السلطان من النّاس كلّ سنة.
ومن قرأ «خَرْجُ ربّك» فحجّته-أيضا-: ما حدّثنى أحمد عن على عن أبى عبيد قال: رأيت فى مصحف عثمان الّذى يقال: إنّه (الإمام) ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً﴾ مكتوب بغير ألف.
وقرأ الباقون: «أم تَسْالْهُم خرجا» بغير ألف ﴿فَخَراجُ﴾ بألف.
٣٨ - وقوله تعالى: ﴿ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ [٩٥].
قرأ ابن كثير وحده «ما مَكَّنَنِي» بنونين، لام الأولى لأم الفعل أصلية، والثانية مع الياء فى موضع نصب فأظهرهما ابن كثير على الأصل.
وقرأ الباقون ﴿ما مَكَّنِّي﴾ مشدّدا فأدغموا إرادة للاختصار والإيجاز، و ﴿ما﴾ بمعنى/الّذى وصلته ﴿مَكَّنِّي﴾ و ﴿خَيْرٌ﴾.خبر الابتداء، ومعناه:
الّذى مكّنى فيه ربّى خير، وليست جحدا، وكذلك قول رسول الله ﷺ (٢): «إنّا معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة» بالرّفع. والرّافضة تقف به «ما تركنا صدقة».
فأخطئوا الإعراب والدّين جميعا. وناظرنى بعض الرّافضة فى قول النّبىّ ﷺ (٣):
стр. 519
«ما نفعنى مال قطّ (١) ما نفعنى مال أبى بكر رضى الله عنه» فقال: ما الثانية جحد مثل الأولى، أى: لم ينفعنى مال أبى بكر؟ ! فقلت له: إن قلّة معرفتك بالعربيّة قد أدتك إلى الكفر، وإنما «ما» الثّانية بمعنى «الّذى» وتلخيصه لم ينفعنى مال كما نفعنى مال أبى بكر رضى الله عنه. وهذا واضح جدّا.
٣٩ - وقوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ [٩٦].
قرأ عاصم برواية ابن [ذكوان] «الصُّدْفين» بإسكان الدّال وضمّ الصّاد ومعناه: بين الجبلين، قال الشّاعر (٢):
قد أخذت ما بين عرض الصّدفين ... ناحيتيها وأعالى الرّكنيين
وقرأ أبو عمرو وابن كثير: «الصُّدُفين» بضمتين جعلهما لغتين مثل السّحت والسّحت والرّعب والرّعب.
وقرأ الباقون: ﴿بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ بفتح الصّاد والدّال، واحدهما صدف.
فمن قرأ بهذه القراءة فحجّته: «أنّ النّبىّ ﷺ «كان إذا مرّ بصدف مائل أسرع المشي» (٣) وفى حديث آخر: «كان إذا مرّ بطربال مائل أسرع المشى» (٤) أى: حائط (٥).
стр. 520
٤٠ - وقوله تعالى: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ﴾ [٩٦].
قرأ عاصم وحمزة: «قال ائتوني» قصرا من غير مدّ/جعلاه من باب جيئونى، يقال: أتيته: جئته، وآتيته: أعطيته، وكذلك قرأ الباقون: آتونى:
أعطونى، والأصل أيتيونى فاستثقلوا الضّمة على الياء فحذفوها فالتقى ساكنان الواو والياء فحذفوا الياء لالتقاء السّاكنين.
٤١ - وقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ [٩٧].
قرأ حمزة وحده «فما اسطّاعوا» بتشديد الطّاء، أراد: فما استطاعوا فأدغم التاء فى الطاء، لأنّهما أختان، وجمع بين ساكنين السّين والطّاء المدغمة فقال النّحويون جميعا: إنّه أخطأ لجمعه بين ساكنين.
وقال أبو عبد الله رضى الله عنه: وله عندى وجهان: لأنّ القرّاء قد قرءوا «لا تعدّوا فى السّبت» (١) ﴿أَمَّنْ لا يَهِدِّي﴾ (٢) و ﴿نِعِمّا يَعِظُكُمْ﴾ (٣).
فإن قال قائل، فإن الأصل فى السّاكن الأول فى جميع ما ذكرت الحركة، وسكونها عارض وقد يجوز حركتها فى حال من الأحوال.
فالجواب فى ذلك: أنّ العرب قد تشبه المسكن بالساكن؛ لاتفاقهما فى
стр. 521
اللّفظ، ألا ترى أن الأمر موقوف والنهى مجزوم، وقد جعلت حكمهما سيّين، فالسين فى قوله ﴿فَمَا اسْطاعُوا﴾ ساكنة لا يجوز حركتها كاللاّم التى للتعريف نحو الأحمر والأيكة، فمن العرب من يحرك هذه اللام فيقول: ليكة ولحمر فجاز تشبيه السّين باللاّم.
والوجه الثانى: أن العرب تتوهّم بالسّاكن الحركة والحركة السكون.
وحدّثنى ابن مجاهد عن السّمّرىّ عن الفرّاء قال (١) عبد القيس يقولون:
اسل زيدا، فيدخلون ألف الوصل/على سين متحركة؛ لأنّهم توهّموا إسال السّكون فى السين. وهذه الحجّة وإن كانت قد أيّدت قراءة حمزة فإن الاختيار ما قرأ الباقون ﴿فَمَا اسْطاعُوا﴾ بتخفيف الطّاء، أراد: استطاعوا أيضا فحذفوا التاء اختصارا كراهية الإدغام والجمع بين حرفين متقاربى المخرج، والعرب تقول: طاع يطوع وطوّع يطوع من قوله: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ﴾ (٢) أى:
تابعته وسوّلت له.
وحكى أبو زيد وسيبويه (٣) استطاع يستطيع بمعنى: أطاع يطيع. ومعنى قوله: ﴿أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ أى: يعلوه، يقال ظهرت على ظهر البيت، أى: علوته «وما اسطاعوا له نقبا» أى: لم يقدروا أن ينقبوا الحديد.
٤٢ - وقوله تعالى: ﴿دَكّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ [٩٨].
قرأ أهل الكوفة ممدودا.
وقرأ الباقون: «دكّا» بمعنى مدكوكة. قال: والعرب تجعل المصدر
стр. 522
بمعنى مفعول وفاعل فيقولون: هذا درهم ضرب الأمير أى: مضروب الأمير، قال الله تعالى: ﴿إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً﴾ (١) أى غائرا.
٤٢ - وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي﴾ [١٠٩].
قرأ حمزة والكسائىّ وابن عامر: «أن ينفد» بالياء لأنّ الكلمات تأنيثها غير حقيقي، ولأنّ جمع المؤنّث ممّا لا يعقل يشبه بما يعقل نحو هندات، فلمّا كانت العرب تقول: قال نسوة، قيل: ينفد الكلمات.
وقرأ الباقون: ﴿أَنْ تَنْفَدَ﴾ بالتّاء، وهو الاختيار لأنّه جمع بالألف والتاء والاختيار فيه التأنيث؛ لإجماع النّحويين/.
وفى هذه السورة من الياءات المختلفة تسع ياءات .
قوله: ﴿رَبِّي أَعْلَمُ﴾ [٢٢] و ﴿بِرَبِّي أَحَداً﴾ [٢٢]، ﴿فَعَسى رَبِّي أَنْ﴾ [٤٠] فتحهن نافع وأبو عمرو وابن كثير.
وأسكنهن الباقون.
و﴿مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ﴾ [١٠٢] فتحها نافع وأبو عمرو.
وقوله تعالى: ﴿سَتَجِدُنِي﴾ [٦٩] فتحها نافع فقط.
وقوله تعالى: ﴿مَعِيَ صَبْراً﴾ [٧٥، ٧٢، ٦٧] فى ثلاث مواضع، فتحها حفص عن عاصم وأسكنها الباقون.
****
نجز النّصف الأول من الكتاب، ويتلوه فى الجزء الثّانى من سورة مريم ﵍.
وفرغ من تحرير هذا الكتاب العبد المذنب الفقير المحتاج إلى رحمة الله
стр. 523
تعالى أبو القاسم أحمد بن فراج بن سرو بن الأبهرى بتاريخ منتصف شوّال سنة ستمائة حامدا الله تعالى مصلّيا على نبيّه محمد وآله أجمعين (١) .
***
стр. 524
(ومن سورة مريم ﵍
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وعليه نتوكل وبه نستعين
١ - قوله تعالى: ﴿كهيعص﴾ [١]
فيها خمس قراءات:
قرأ ابن كثير ونافع وحفص عن عاصم بتفخيم الحروف كلّها، وكان نافع قراءته بين بين؛ وذلك أنّ هذه الحروف تذكّر وتؤنّث، وتمدّ وتقصر، وتمال وتفخّم، فيقال: ياء وطاء، ويا وطاء.
ومن العرب من ينحو به نحو الواو فيقول: طو ويو وهو. وقد قرأ بذلك الحسن «كُهُيُعص» (١).
وقرأ عاصم فى رواية أبي بكر والكسائيّ بإمالة هذه الحروف.
وقرأ ابن عامر، وحمزة بفتح الهاء وإمالة الياء «كهيعص» وكأنّهما كرها تواتى الفتحات والكسرات، فأمالا بعضا، وفتحا بعضا.
وقرأ أبو عمرو ضدّ ذلك، فكسر الهاء وفتح الياء لهذه العلّة التى تقدمت.
стр. 525
وحدّثنى محمّد بن الحسن الأنبارىّ، عن ابن فرح، عن أبى عمر، عن اليزيديّ، عن أبى عمرو أنّه قرأ «كهِيِعص» بكسر الهاء والياء. قال: قلت لأبى عمرو، لم كسرت الهاء؟ قال: لئلا تلتبس بالهاء التى للتنبيه، قلت: فلم كسرت الياء؟ قال: لئلاّ تلتبس بالياء التى للنّداء إذا قلت: يا رجل، ويا زيد.
وهذا حسن جدّا.
قال ابن مجاهد: واللّفظ بهذه الحروف أن تنظر فما كان منها على حرفين كان أقصر مدّا نحو «ها»، و «يا»، وما كان على ثلاثة أحرف/كان أطول مدّا نحو «كاف» و «صاد»
فإن قيل لك: فإنّ أبا عمرو وغيره ممّن أدغم الدّال فى الذّال من «ص*ذِّكر» (١) جعلوه أطول من كاف؟
فالجواب فى ذلك: أنّ الألف إذا وقع بعدها حرف مشدّد نحو دابّة، وشابّة، وتابّة-وهى العجوز-فلا بدّ من مدّه؛ تمكينا للحرف المدغم، وليكون حاجزا بين السّاكنين.
واختلف أهل التأويل فى ﴿كهيعص﴾.
قال قوم: أقسم الله تعالى بحروف المعجم (٢) ، ثم اجتزأ ببعض عن بعض.
وقال آخرون: بل وهو شعار للسّورة (٣) .
وقال عبد الرحمن بن أبى بكر: لله تعالى مع كلّ نبىّ سرّ، وسرّ الله تعالى مع محمّد ﷺ فى القرآن الحروف المقطعة.
стр. 526
فإن سأل سائل: ما معنى قول علىّ رضى الله عنه (١): يا كاف ها، يا ع ص اغفر لى؟
فالجواب فى ذلك: أنّ عليّا رضى الله عنه كان يتأوّل كلّ حرف من الحروف المقطّعة اسما من أسماء الله ، فالكاف من ﴿كهيعص﴾ الكافى، والهاء: الهادى، والصّاد: من صادق، والعين: من عليم. كأنّه قال:
يا كافى يا هادى، يا عليم، يا صادق، ثم اجتزأ ببعض الحروف عن كلّ، كما تقول العرب: ألا تا، تريد: ألا ترحل؟ فيقول: بلى فا، أى: بلى فأفعل. قال الشّاعر: (٢)
ناداهم أن ألجموا ألا تا ... قول امرى للجلبات عبّا/
ثم تنادوا بعد تلك الضّوضا ... منهم بهاب وهل وبابا
ومن ذلك حديث رسول الله ﷺ (٣): «كفى بالسّيف شا» أراد أن يقول ﵇: شاهدا، ثم قال ﷺ : لولا أن يتتابع فيه الغيران والسكران».
٢ - وقوله تعالى: ص* ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا﴾ [٢]
أدغم الدّال فى الذّال. أبو عمرو وحمزة، والكسائىّ. تخفيفا لقرب مخرج الدّال من الذّال.
والباقون يظهرون إذا لم يتجانسا، وليسا أختين.
وكان أبو عمرو يسكّن الرّاء من «ذكر» ويدغمها فى الراء من «رَحمة» فيقول «ذكر رَحمة ربّك».
стр. 527
والباقون يظهرون إذا كانا من كلمتين؛ ولأنّ الرّاء الأولى متحركة، وقد مضى مثل ذلك فيما سلف من الكتاب، والتّقدير فى الآية: ذكر ربّك عبده بالرّحمة.
٣ - قوله تعالى: ﴿إِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي﴾ [٥].
قرأ ابن كثير-فيما قرأت على ابن مجاهد (١) عن قنبل- «وراءىَ» بفتح الياء، والمدّ. والباقون يسكّنون الياء تخفيفا؛ لطول الحرف مع الهمزة.
وفيها قراءة ثالثة: روى عبيد (٢) عن شبل عن ابن كثير «من وَرَاىَ وكانت» مثل هداى.
وقد ذكرت علّة ذلك فى سورة (إبراهيم) ﵇ والوراء: ولد الولد ممدود (٣)، الوراء: الخلف، والوراء: القدّام (٤).ومعنى هذه الآية: خفت الموالى من ورائى أى: أمامى وقدّامى، قال الشّاعر (٥): /
стр. 528
أيرجو بنو مروان سمعى وطاعتى ... وقومى تميم والفلاة ورائيا
والورى مقصور: داء فى الجوف، والورى أيضا الخلق، يقال:
ما أدرى أىّ الورى هو؟ وأىّ الطمش (١) هو؟ وأىّ ترخم (٢)، وأىّ الطّبل هو؟ وأىّ برنساء (٣) هو؟ كلّ ذلك معناه: لا أدرى أىّ النّاس هو؟
وذكر الحجّاج عن هارون عن محمّد بن إسحاق عن أبيه وهب عن كعب مولى سعيد بن العاص عن سعيد بن العاص قال (٤)، أملى علىّ عثمان بن عفان رضى الله عنه، «وإنّى خَفَّتِ الموالى من ورآئى».
أى: ذهبت وقلّت، والموالى: بنو الأعمام. قال الشّاعر (٥): -
مهلا بنى عمّنا، مهلا موالينا ... لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا
فالمولى: ابن العمّ، والمولى: المعتق، والمولى: المعتق، والمولى:
النّاصر، والمولى: الأولى، والمولى: الولىّ، والمولى: الإمام.
٤ - وقوله تعالى: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [٦].
قرأ أبو عمرو والكسائىّ جزما جوابا للأمر، وإنما صار جواب الأمر
стр. 529
مجزوما؛ لأنّ الأمر مع جوابه بمنزلة الشّرط-والجزاء-أى: هب لى وليّا، فإنّك إن وهبته لى ورثنى.
قرأ الباقون ﴿يَرِثُنِي﴾ بالرّفع على تقدير: فإنه يرثنى، ومن اختار الرّفع قال: ﴿وَلِيًّا﴾ نكرة، فجعلت (١) ﴿يَرِثُنِي﴾ (٢) صلة كما تقول: أعرنى دابة أركبها، ولو كان الاسم معرفة لكان الاختيار الجزم، كما قال تعالى (٣) ﴿فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ﴾ /والنكرة نحو قوله (٤) : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾.
ولمن رفع حجّة أخرى: أنّ الآية قد تمّت عند قوله ﴿وَلِيًّا﴾.وقال ابن مجاهد: من جزم جاز له أن يقف على ﴿وَلِيًّا﴾، ومن رفع لم يجز؛ لأنّه صلة.
قال أبو عبد الله: الصّلة من الموصول كالشّرط من الجزاء لا يتمّ أحدهما إلاّ بصاحبه، فمن أجاز الوقف على ﴿وَلِيًّا﴾؛ لأنّهما رأس آية جعلها وقفا حسنا لا تاما؛ لأنّ الحسن ما حسن الوقف عليه وقبح الابتداء به. وقال المفسرون التّقدير: هب الذى يرثنى. ولو قال قائل إنما رفعت ﴿يَرِثُنِي﴾ لأنّ معناه هب لى وليا وارثا. والفعل المضارع إذا حلّ محلّ اسم الفاعل لم يكن إلاّ رفعا كقوله تعالى (٥) : ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ أى مستكثرا. وقرأ سعيد ابن جبير (٦) «/هب لى أُوَيْرِثا» أراد: وو يرثا فانقلبت الواو همزة مثل:
стр. 530
﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ (١) والأصل: وقّتت «وو يرثا» تصغير وارث كما تقول فى صالح: صويلح.
٥ - وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [٨].
قرأ حمزة والكسائىّ ﴿عِتِيًّا﴾ و ﴿صِلِيًّا﴾ (٢) و ﴿جِثِيًّا﴾ (٣) و «بِكيّا» (٤) وكذلك حفص، إلا ﴿بُكِيًّا﴾ فإنّه ضمّ. والباقون يضمّون كلّ ذلك، فمن كسر أوائل هذه الحروف. فلمجاورة الياء (٥) والأصل الضمّ؛ لأنّها جمع فاعل مثل جالس وجلوس، وكذلك صال وصلىّ والأصل/صلوى، وبكوى على وزن فعول، فانقلبت الواو ياء وأدغمت الياء فى الياء. فالتّشديد من جلل ذلك.
والأصل فى «عتيّا»: عتو؛ لأنّه من عتا يعتو، والأول من بكى يبكى. كما قال تعالى (٦) ﴿وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً﴾.
فإن قيل لك: قيل فى هذه السّورة: «عتيّا» بالياء، ولم يقل: عتوّا بالواو؟
فالجواب فى ذلك: أنّ عتيّا جمع عات، وأصل عات: عاتو فانقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، فبنوا الجمع على الواحد فى قلب الواو ياء؛ لأنّ