وروى القطعى عن شبل، عن ابن كثير، «ثمّ يتوا صفّا» يفتح الميم ويأتى بعدها بياء ساكنة. وكان وجه ذلك أنّ الهمزة قلبها ياء كقولهم: قرأت، وقريت، وأرجأت الأمر، وأرجيت.
قال الأخفش (١) : العرب تقلب الهمزة إذا أرادوا تخفيفها، وتحويلها ياء.
إلا قولهم: «رفأت الثّوب».فإنهم إذا حوّلوا، قالوا: رفوت الثّوب بالواو. ولم يذكر العلّة، والعلّة فى ذلك: أنّ العرب يهمزون ما ليس أصله الهمز تشبيها بغيره، كقولهم: «حلّأت السّويق».يشبهونه: بحلّأت الإبل (٢) عن الماء: إذا منعتها، /فكذلك إذا تركوا الهمز فى قرأت شبّهوه بقريت الضّيف، ولم يكن رفيت فى كلام العرب فردوه إلى الواو؛ لأنّ العرب تقول، رفوت الرّجل؛ إذا سكّتّه. قال الشاعر (٣) :
رفونى وقالوا يا خويلد لا تدع ... فقلت وأنكرت الوجوه هم هم
وهذا حسن جدّا، فاعرفه.
وروى أبو زيد (٤) ، رفوت، ورفيت، وهو ثقة.
стр. 562
فإن سأل سائل: هلاّ قلت فى قرأت قروت، لأنّ العرب تقول، قروت الأرض إذا تتبّعتها؟
فقل: لمّا اجتذبه أصلان، ياء، وواو، ردّوه إلى الأخفّ، ألا ترى أنّ العرب تفرّ من الواو إلى الياء، ولا تفرّ من الياء إلى الواو. فيقولون: كفّ خضيب، ورجل جريح، وشيطان رجيم، والأصل: مخضوبه ومجروح ومرجوم، ولا يقولون فى ظريف وكريم: ظروف وكروم.
١٣ - قوله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ﴾ [٦٦].
قرأ ابن عامر-برواية ابن ذكوان وحده-بالتّاء. ردّه على الحبال والعصىّ، لأنّها جمع، وجمع كلّ ما لا يعقل بالتأنيث.
وقرأ الباقون بالياء ردّوه على السّحر.
١٤ - وقوله تعالى: ﴿وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا﴾ [٦٩].
فيه أربع قراءات، قرأ ابن كثير-فى رواية البزّي- «تَّلقف ما صنعوا» بتشديد التاء، أراد تتلقّف. فأدغم وجزم الفاء؛ لأنّه جواب الأمر، والأمر مع جوابه كالشّرط، والجزاء.
وروى حفص عن عاصم ﴿تَلْقَفْ﴾ خفيفا، جعله من لقف يلقف.
والأول/من تلقّف يتلقّف.
وقرأ ابن عامر، «تلقَّف» برفع الفاء، جعله فعلا مستقبلا فأضمر فاء جوابا للأمر. كأنّ التقدير: ألق عصاك فإنّها تتلقّف. ويجوز أن يكون جعل «تلقَّف» حالا أى: ألق عصاك متلقّفة. كما قال تعالى (١) ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ أى مستكثرا.
стр. 563
وقرأ الباقون بإسكان الفاء، وتشديد القاف، وتخفيف التّاء، أرادوا:
تتلقّف كقراءة ابن كثير، غير أنّهم أسقطوا تاء. وابن كثير أدغم. ومعنى ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ أى: ما يختلقونه كذبا؛ لأنّ سحرهم كان تمويها، واختلاقا.
فلما ألقى موسى عصاه، صارت ثعبانا عظيما كالجانّ فى تثنّيها، وخفّتها، فلقفت ما افتعلوه حتّى زكنوا أنهم على ضلال. وأن الذى أتى به موسى حقّ، فقالوا ﴿آمَنّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ، رَبِّ مُوسى وَهارُونَ﴾ (١).
١٥ - وقوله تعالى: ﴿إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ﴾ [٦٩].
قرأ أهل الكوفة «سِحْر» بغير ألف.
وقرأ الباقون، وعاصم ﴿ساحِرٍ﴾.فالسّاحر، الرّجل، اسم الفاعل، مثل: قاتل. والسّحر، اسم الفعل. وإنما يكون حرفا، وحرفين فإذا جعلت «ما» نصبا بأن جعلت الكيد خبر «إنّ».و ﴿صَنَعُوا﴾ صلة «ما» والتّقدير: إنّ الذى صنعوه كيد سحر وهو كيد ساحر. وإن جعلت «ما» صلة، ونصبت «كيد» ب «صنعوا»، كان صوابا كما قال الله تعالى (٢) ﴿إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثاناً﴾ فلو رفعت الأوثان هناك، ونصبت الكيد هاهنا لكان صوابا/إلا أنّ القراءة سنّة، ولا تحمل على ما تحمل عليه العربيّة.
١٦ - وقوله تعالى: ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أَتى﴾ [٦٩]
قال المفسّرون، يقتل حيث وجد.
قال أبو عبد الله: السّحر على ثلاثة أضرب:
إذا كان السّاحر يمرض المسحور، ولا يقتل عزّر. وإن كان يقتل بسحره
стр. 564
قتل. وإن كان سحره بكلام فيه كفر استتيب منه، فإن تاب منه وإلاّ ضربت عنقه.
وكان النّبى ﷺ لما سحره بنات لبيد بن الأعصم (١) حتى مرض مرضا شديدا. فلمّا برأ ﷺ عفا عنه. وكان يلقاه فلا يتغيّر له كرما منه ﵇.
وأمّا السّحر الحلال، هو، أن يكون الرّجل ظريف اللّسان، حسن البيان. فسحر الإنسان كلامه. فذلك سحر حلال. من ذلك حديث رسول الله ﷺ (٢) : «إنّ من البيان لسحرا وإنّ من الشّعر لحكما».
ويقال: فلان ساحر العينين. وإنّ هاروت ليطلع من جفنه إذا خلب الناس لحسن عينيه. فالسّحر هناك حلال، والسّرقة بالعين حلال.
أنشدنى ابن مجاهد:
يا حسن ما سرقت عينى وما انتهبت ... والعين تسرق أحيانا وتنتهب
إذا يد سرقت فالقطع يلزمها ... والقطع فيسرق بالعين لا يجب
وأمّا قوله (٣) : ﴿إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾، قيل: من المخدوعين.
وقيل: قوله: «سَحرٌ» أى: رئة يأكل ويشرب. قال الشاعر (٤) :
стр. 565
فإن تسألينا فيم نحن فإنّنا ... عصافير من هذا الأنام المسحّر
١٧ - وقوله: ﴿وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ [٧٣].
فقيل: إن فرعون أخذهم/بتعلم السّحر، وتعليم أولادهم. وقيل: إنه حشرهم من البلدان فذلك الكراهية، بمعنى الجلاء عن الوطن. والسّاحر العالم. ومنه قوله تعالى حكاية عن بنى إسرائيل إنّهم قالوا لموسى ﵇:
﴿أَيُّهَا السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ (١) أيّها العالم الفهم.
١٨ - وقوله تعالى: ﴿لا تَخافُ دَرَكاً﴾ [٧٧].
قرأ حمزة وحده «لا تَخَف» على النّهى، وسقطت الألف لسكونها وسكون الفاء.
فإن قيل: فعلام نسق ﴿وَلا تَخْشى﴾؟
فالجواب فى ذلك أنه جعل ﴿وَلا تَخْشى﴾ مستأنفا، «ولا» بمعنى ليس. كما قال (٢) ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾.
وفيه جواب آخر: أن يكون أراد النّهى؛ لا تخف دركا ولا تخش، ثم زاد الألف لرءوس الآى، وجعله مجزوما من أصل واجب كما قال الشّاعر (٣):
стр. 566
ألم يأتيك والأنباء تنمى ... بما لاقت لبون بنى زياد
وقرأ الباقون ﴿لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى﴾ بالرّفع عن الخبر. واتّفق القراء هاهنا على فتح الراء من ﴿دَرَكاً﴾.وهو شاهد لمن اختار فى «الدَّرَكِ الأسفل» (١).
١٩ - وقوله [تعالى]: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ﴾ [٧٨] بقطع الألف عليه سائر القراء.
وروى بالوصل، والتّشديد عن نافع.
فمن قطع أراد: ألحقهم ولحقهم. ومن وصل أراد: تبعهم، وسار فى أثرهم، لقول العرب: تبعت زيدا: سرت فى أثره. واتّبعته: لحقه.
٢٠ - وقوله تعالى: ﴿قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَواعَدْناكُمْ﴾ [٨٠]، قرأ حمزة والكسائىّ «قد أنجيناكم من عدوّكم وواعدْتُكُم» / بالتاء، الله تعالى يخبر عن نفسه.
وقرأ الباقون ﴿أَنْجَيْناكُمْ﴾ بالألف، والنون ﴿وَواعَدْناكُمْ﴾ بلفظ الجماعة.
وإن كان الله تعالى هو المخبر عن نفسه. إلا أنّ الملك والرأس، والرّئيس، والعالم يخبرون عن أنفسهم بلفظ الجماعة، والله تعالى ملك الأملاك. ألا ترى أنّ العبد لما سأل ربّه فقال: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً﴾ (٢) ولم يقل ربّ ارجعنى، قال الشّاعر:
стр. 567
يا ربّ لا تجعل له سبيلا ... على الّذى جعلته مأهولا
قد كان بانيه لكم خليلا
ولم يقل: لك، إلا أبا عمرو فإنه قرأ «ووعدتكم» بغير ألف. والباقون ﴿وَواعَدْناكُمْ﴾ بألف. وقد ذكرت علته فى (البقرة).
٢١ - وقوله تعالى: ﴿آمَنْتُمْ﴾ [٧١].
قرأ ابن كثير، ونافع فى رواية ورش، وحفص عن عاصم ﴿آمَنْتُمْ﴾ على لفظ الخبر من غير استفهام. وقرأ الباقون بالاستفهام. وقد ذكرت علّته فى (الأعراف).
٢٢ - وقوله تعالى: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ [٨١].
قرأ الكسائى وحده: «فيحُلّ عليكم» بالضمّ، «ومن يحلُل» بالضمّ أيضا.
وقرأ الباقون بالكسر فيهما ﴿فَيَحِلَّ﴾ ومن ﴿يَحْلِلْ﴾، وهو الاختيار؛ لإجماع الجميع على قوله: ﴿أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ بكسر الحاء، فذاك مثله. والعرب تفرق بين الضمّ والكسر. حلّ يحلّ: نزل ووقع، وحلّ يحلّ: وجب عليه العذاب، والأمر بينهما قريب.
فإن سأل سائل، لم أدغمت القراء اللاّم فى ﴿أَنْ يَحِلَّ﴾، وأظهروه فى ﴿يَحْلِلْ﴾؟
فالجواب فى ذلك/أنّ ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ﴾ جزم بالشّرط. وعلامة الجزم
стр. 568
سكون اللاّم الثّانية، وإذا اجتمع حرفان والثانى ساكن لم يجز الإدغام نحو: امدد أحلل، مددت، حللت. وإذا اجتمع متحركان أسكنت وأدغمت. والأصل أن يحلل عليكم فنقلت ضمة اللام إلى الحاء، وأدغمت. فاعرف ذلك.
٢٣ - وقوله تعالى: ﴿ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا﴾ [٨٧].
قرأ نافع، وعاصم بفتح الميم، وقرأ حمزة، والكسائىّ «بمُلكنا» بضم الميم.
وقرأ الباقون ﴿بِمَلْكِنا﴾ بكسر الميم. فمن فتح جعله مصدرا لملكت، أملك، ملكا مثل ضربت، أضرب، ضربا. ومن ضم أراد به السّلطان؛ لأنّ الملك السّلطان، والملك: اسم لكل مملوك يقال: هذه الدار ملكى، والدار مملوكة، وهذا الغلام مملوك، وأنا مالكها. وبعض العرب تقول: هذا الغلام بملكى، يريد: ملكى. ويقال لوسط الطّريق: ملك، مشيت فى ملك الطّريق (١).وسننه، وسننه، وسجحه، ومعظمه، وسراته. وفى بحبوحته، وثكمه، وكثمه. ومن ذلك الحديث (٢): «لا تمشينّ امرأة فى سراة الطّريق» أى فى معظمه، ووسطه. ولكنّها تمشى عجره، أى ناحيته، فأمّا قولهم:
ملكت العجين ملكا (٣)، وأملكته إملاكا، فمعناه: جوّدت عجنه. تقول
стр. 569
العرب (١): «أملاك العجين أحد الرّيعين» أى: الزيادتين، «واللّبن أحد اللّحمين»، «وخفّة العيال أحد اليسارين» (٢).فأما قولهم (٣): كنا فى/ إملاك فلان، فإنه يقال: أملكت الجارية، وملكتها، بمعنى، قال: وسمعت أعرابيا يقول: ارحموا من لا ملك له يريد لا ملك له.
٢٤ - وقوله تعالى: ﴿وَلكِنّا حُمِّلْنا﴾ [٨٧].
قرأ ابن كثير وابن عامر ونافع وحفص عن عاصم: ﴿حُمِّلْنا﴾ بالضم وقرأ الباقون بالفتح، وهو اختيار لقوله: ﴿فَقَذَفْناها﴾ فكذلك حملنا، فقذفناه. والأول على ما لم يسمّ فاعله. ووجهه أى: أمر بحملها وحملت إلى السّامرى، فلما لم يسمّ السّامرى رفعت المفعول وضممت أول الفعل.
٢٥ - وقوله تعالى: ﴿أَلاّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ [٩٣]
فى هذه الياء أربع قراءات.
كان ابن كثير يصل ويقف بالياء.
وكان أبو عمرو، ونافع فى كلّ الرّوايات يقفان بغير ياء، ويصلان بياء فتبعا المصحف فى الوقف، وتبعا الأصل فى الدّرج، إلا إسماعيل بن جعفر.
فإنه روى عن نافع «ألاّ تتّبعنى أفعصيت» بفتح الياء، فيجب على من فتح الياء أن يقف بالياء.
стр. 570
وقرأ الباقون بغير ياء فى الوصل، والوقف، اجتزاء بالكسرة، واتباعا للمصحف.
٢٦ - وقوله تعالى: ﴿يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ﴾ [٩٤].
قرأ أهل الكوفة إلا حفصا عن عاصم، وابن عامر «يا بن امِّ» بكسر الميم.
وقرأ الباقون «يبنؤمَّ أمَّ».
فمن كسر أراد: يا ابن أمّى فحذف الياء.
ومن فتح فله ثلاث حجج:
إحداهنّ: أن يكون أراد: يا ابن أمّاه فرخّم.
والثانية: أن يكون جعل الاسمين اسما واحدا نحوه. بعل بك، ومعديكرب، وجارى بيت بيت.
والثالثة: أن يكون/أراد يا ابن أمّا؛ لأنّ العرب تقول: يا أمّا بمعنى يا أمى، ويا ربّا بمعنى يا ربى. قال الشاعر (١):
فيا أبى (٢) ... ويا أبه
حسّنت إلاّ الرّقبه ... فحسّننها يا أبه
كيما تجيء الخطبه
стр. 571
بإبل مجبجبه ... للفحل فيها قبقبه
فإن سأل سائل فقال: إنّ العرب إنّما تحذف الياء من المنادى، لا من المضاف إلى المنادى، فيقولون: يؤمّ، ويا ابن أمّى فيخزلون الياء من الأولى، ويثبتونها فى الثانية، كما قال الشاعر (١):
يا ابن أمّى، ويا شقيّق روحى ... أنت خلّيتنى لدهر كنود؟
فقل: هذه اللّغة الفصحى، ومن العرب من يحذف الياء من هذا أيضا، فيقولون: يا ابن أمّ، ويا بن عمّ. قال الشاعر: (٢)
رجال ونسوان يودّون أنّنى ... وإيّاك نخزى يا ابن عمّ ونفضح
٢٧ - وقوله تعالى: «بما لم تبصروا به» [٩٦].
قرأ حمزة والكسائىّ بالتاء جعلاه خطابا.
وقرأ الباقون بالياء إخبارا عن غيب.
وكان السّامرىّ بصر بأثر حافر فرس جبريل ﵇، فتناول منه
стр. 572
قبصة، وهى الأخذ بأطراف الأصابع (١)، كذلك قرأها الحسن (٢).
وقرأ الناس، «فقبضتُ قبضةً»، وهى بالكفّ، فوقع فى نفسه أن ألقاه على جماد حىّ فعهد إلى حلىّ، وفضة، وذهب، وحديد، مما كان بقى من أصحاب فرعون الّذين أغرقهم الله (٣).فأذابه حتّى خلص الذّهب، فأتّخذ عجلا جسدا له خوار، وألقى القبضة/فيه فخار العجل، ونطق.
٢٨ - وقوله تعالى: ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ [٩٧].
قرأ ابن كثير، وأبو عمرو «لن تخلِفه» بكسر اللاّم.
وقرأ الباقون ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ على ما لم يسم فاعله؛ فيكون المخلف غير المخاطب. والهاء كناية عن الموعد، وهو المفعول والفاعل لم يذكر.
٢٩ - وقوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى﴾ [١٢٤].
قرأ أهل الكوفة إلا حفصا عن عاصم بالإمالة فى الحرفين من أجل الياء.
وقرأ الباقون بالتّفخم على أصل الكلمة. ومعناه، ومن كان فى هذه الدّنيا أعمى عن الهدى والرّشاد فهو فى الآخرة أعمى، ونحشره يوم القيامة أعمى عن حجته.
٣٠ - وأما قوله [تعالى]: «رُزْقا» فقيل: عميا، وقيل: عطاشا.
٣١ - وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ [١٠٢].
стр. 573
قرأ أبو عمرو وحده «نَنْفَخُ» بالنّون لله تعالى، يخبر عن نفسه.
وقرأ الباقون ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ﴾ على ما لم يسمّ فاعله، وحجّتهم ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾.وحجّة أبي عمرو ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ﴾ ولم يقل «ويحشر المجرمون».
فإن سأل سائل فقال: جاء فى الحديث (١) إنّ النبى ﷺ قال:
«كيف أنعم، وصاحب الصّور قد التقم القرن، وحنا ظهره ينتظر متى يؤمر فينفخ فى الصّور».فلم قرأ أبو عمرو «نَنْفَخُ»؟
فالجواب فى ذلك: أنّ النافخ وإن كان إسرافيل، فإن الله تعالى هو المقدّر لذلك، وهو الآمر والخالق فينسب الفعل إلى نفسه، كما قال تعالى (٢):
﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ والّذى يتوفى هو ملك الموت ﷺ .
٣٢ - وقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [١١٤].
اتفاق [القرّاء] على ما لم يسم فاعله.
فإن قيل لك: ما علامة النّصب فى هذه القراءة؟
فقل: الأصل أن يقضي. فانقلبت الياء ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها.
فقال قوم: هذه الحجّة فى تأخير البيان، لأنّ الله تعالى ينزل القرآن على نبيّه عليه
стр. 574
السّلام. قال: فيجب على رسول أن لا يحكم به حتّى يبيّن الله تعالى ذلك.
وقال آخرون: -وهو الشّافعى وأصحابه-لا يتأخر البيان عن الوحى، والوحى عنه.
وهذه الآية إنّما نزلت فى أنّ رسول الله ﷺ كان ربما أراد أن يحكم بحكم لم ينزل فيه القرآن، فأمر الله أن يمكث حتى يقضى إليه وحيه (١) .
فإن قيل: فما وجه قوله (٢) ﴿وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ فقل: وجه المشورة من النبى ﷺ لأمته تعليما لهم وتبركا، لا أنّ هناك من هو أفهم من النّبى ﷺ ولا أعقل. ﴿فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾.وإنما يستشير أنه أتى ﷺ وأصحابه فيما لم يقض الله وحيه، فإذا نزل القرآن بطلت المشورة.
стр. 575
٣٣ - وقوله تعالى: «ف» ﴿أَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها﴾ [١١٩].
قرأ نافع، وعاصم فى رواية أبى بكر بكسر «إن» على الاستئناف.
وقرأ الباقون بالفتح عطفا على قوله: «أنّ لك ألاّ تجوع فيها» ... ﴿وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها﴾ والظّمأ: العطش. يقال رجل ظمآن وعطشان ونطشان (١) وصديان، وصاد، وعيمان (٢)، غيمان (٣)، وملتاح، ومعتلّ، ومهتاف، وهيمان، وناسّ (٤) بتشديد السين/ونجر ونحر (٥)، ونفر، ولهبان (٦).كلّ ذلك بمعنى عطشان.
٣٤ - وقوله [تعالى]: ﴿وَلا تَضْحى﴾ [١١٩].
أى لا تظهر للشّمس. رأى ابن عمر رجلا يلبّى وقد أخفى صوته فقال: أضح لمن لبّيت له، أى: أظهر. قال عمر بن أبى ربيعة (٧):
стр. 576
رأت رجلا أمّا إذا الشّمس عارضت ... فيضحى وأمّا بالعشىّ فيخصر
أخا سفر جوّاب أرض تقاذفت ... به فلوات (١) فهو أشعث أغبر
٣٥ - وقوله تعالى: ﴿فَلا يَخافُ ظُلْماً، وَلا هَضْماً﴾ [١١٢].
قرأ ابن كثير: «فلا تخف ظلما» على النّهى، جزما، وعلامة الجزم سكون الفاء. وسقطت الألف لسكونها، وسكون الفاء.
وقرأ الباقون ﴿فَلا يَخافُ﴾.
على الخبر رفعا. والظلم فى اللّغة: وضع الشئ فى غير موضعه.
والهضم: النّقصان يقال: بخسنى حقّى، وهضمنى، وضارّنى، بمعنى:
نقصنى.
٣٦ - وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ [١٣٠].
قرأ الكسائىّ، وعاصم-فى رواية أبى بكر- «تُرضى» بضم التاء على ما لم يسم فاعله، أى: غيرك يرضيك.
وقرأ الباقون ﴿تَرْضى﴾ بفتح التاء. والأمر بينهما قريب؛ لأنّ كلّ من أرضى فقد رضى قال الله تعالى (٢): ﴿اِرْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾.
٣٧ - وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى﴾ [١٣٣].
قرأ أبو عمرو ونافع وحفص عن عاصم: بالتاء لتأنيث البينة.
стр. 577
وقرأ الباقون: بالياء؛ لأنّ تأنيث البينة غير حقيقىّ؛ ولأنّك قد حجزت بين البينة والفعل بحاجز. والاختيار التاء؛ لأنّ بعض القرآن يشهد لبعض. وكان جماعة من الصحابة/والتابعين يحتجّون لبعض القرآن على بعض قال الله تعالى (١) : ﴿جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾.
فهذا شاهد ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ﴾.
(واختلف القراء فى اثنى عشر ياء):
﴿إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ﴾ [١٠] ﴿إِنَّنِي أَنَا اللهُ﴾ [١٤].
﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ (٢) [٢] ﴿لِذِكْرِي﴾ [١٤] ﴿وَلِيَ فِيها﴾ [١٨] «ويسّر لى أمرى» [٢٦] ﴿أَخِي اُشْدُدْ﴾ [٣٠] ﴿عَلى عَيْنِي﴾ [٣٩] ﴿لِنَفْسِي* اِذْهَبْ﴾ [٤١، ٤٢] ﴿فِي ذِكْرِي* اِذْهَبا﴾ [٤٢، ٤٣].
﴿بِرَأْسِي﴾ [٩٤] ﴿حَشَرْتَنِي﴾ [١٢٥]
فتحهن نافع إلا اثنين. قوله: ﴿أَخِي اُشْدُدْ﴾ [٣٠] ﴿وَلِيَ فِيها﴾ [١٨].
وفتحهن أبو عمرو أيضا إلا اثنين ﴿لِمَ حَشَرْتَنِي﴾ [١٢٥].
وأسكن ابن كثير خمسا ﴿وَلِيَ فِيها﴾.
﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ [٢٦] ﴿لِذِكْرِي إِنَّ السّاعَةَ﴾ ﴿عَلى عَيْنِي﴾ ﴿وَلا بِرَأْسِي إِنِّي﴾ [٩٤]
وفتح عاصم فى رواية حفص ﴿وَلِيَ فِيها﴾.
والباقون يسكنون كلّ ذلك.
стр. 578
قال ابن مجاهد، حذف من هذه السّورة ياءان ﴿أَلاّ تَتَّبِعَنِ﴾ وقد ذكرته و ﴿بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ﴾ الوصل والوقف و ﴿بِالْوادِ﴾ بغير ياء؛ وذلك أن الياء لما سقطت لفظا لسكونها وسكون اللام سقطت خطا. فالمقدس، المطهّر. قيل فى قوله: ﴿الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ و ﴿الْوادِ الْمُقَدَّسِ﴾: فلسطين والأردن وقيل:
دمشق.
стр. 579
(ومن سورة الأنبياء ﵈
١ - قوله تعالى: ﴿قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ [٤].
قرأ حمزة، والكسائىّ، وحفص عن عاصم. ﴿قالَ رَبِّي﴾ على الخبر جعلوه فعلا ماضيا.
وقرأ الباقون: «قل ربّى» على الأمر. أى: قل يا محمد ذلك.
٢ - وقوله تعالى: ﴿رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [٧].
روى حفص عن عاصم ﴿نُوحِي﴾ /بالنّون، الله تعالى يخبر عن نفسه، وحجّته ﴿وَما أَرْسَلْنا﴾ لأنّ النّون والألف اسم الله تعالى.
وقرأ الباقون: «يوحى» على ما لم يسمّ فاعله بالياء. وهذه الآية إنما نزلت جوابا لقوم كفروا بمحمّد ﷺ وقالوا: إنما هو بشر مثلنا، فهلاّ كان ملكا، قال الله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ﴾ يا محمّد من رسول ﴿إِلاّ رِجالاً﴾ مثلك ﴿نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ ﴿فَسْئَلُوا﴾ يا معشر الشّكّاك ﴿أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ أى: أهل التّوراة والإنجيل ﴿إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾.
٣ - وقوله تعالى: ﴿وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ﴾ [٤٥].
قرأ ابن عامر وحده «ولا تسمع» بالتاء [و] الصّمّ نصبا أى:
ولا تسمع أنت يا محمّد الصّمّ. كما قال (١): ﴿وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾، لأنّ الله تعالى لمّا خاطبهم فلم يلتفتوا إلى ما دعاهم إليه رسوله.
стр. 580
ومجّت آذانهم القرآن صاروا بمنزلة الميت الذى لا يسمع، والأصمّ الذى لا يسمع ولا يعقل.
وقرأ الباقون ﴿لا يَسْمَعُ الصُّمُّ﴾ جعلوا الفعل لهم، والصّمّ: وزنه فعل، جمع أصمّ، وأصمّ (أفعل).والأصل: أصمم فأدغموا الميم فى الميم، وتصغير أصمّ أصيم. والصّمم: ثقل فى الأذن. فإذا كان لا يسمع شيئا قيل: أصمّ أصلخ بالخاء. قال ابن دريد (١): أصمّ أصلج بالجيم. والوقر: الثّقل فى الأذن.
٤ - وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [٣٠].
قرأ ابن كثير وحده «ألم ير الّذين كفروا» بغير واو، وكذلك فى مصاحف أهل مكّة.
وقرأ الباقون ﴿أَوَلَمْ يَرَ﴾ بواو والألف/التى قبل الواو ألف توبيخ وتقرير. ومعنى إنّ السّماوات والأرض كانتا رتقا، أى: متلاصقة، فجعلها الله سبع سماوات، وشقّ الأرض سبعا، غلظ كلّ سماء مسيرة خمسمائة عام. وقيل:
كانتا رتقا ففتقناهما أى: فتقنا السّماء بالمطر، والأرض بالنبات (٢).
٥ - وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ [٤٧]
قرأ نافع وحده «مثقالُ حبّة» بالرّفع جعل «كان» بمعنى حدث ووقع ولا خبر لها، كما قال (٣): «إلاّ أن تكون تجارةٌ»، أى: لا أن تقع تجارة.
стр. 581
وقرأ الباقون بالنّصب خبر «كان»، والاسم مضمر، والتقدير: فلا تظلم نفس شيئا إن كان الشّئ مثقال حبة أتينا بها: جئنا بها.
فإن قيل لك: فإن المثقال مذكر فلم قال: ﴿بِها﴾، ولم يقل به؟ فقل: لأن مثقال الحبّة هى الحبة، ووزنها، كما قرأ الحسن (١): «تلتقطه بعض السّيّارة» (٢) لأنّ بعض السّيارة من السّيارة.
وقرأ مجاهد-فيما حدّثنى ابن مجاهد عن السمّرىّ عن الفراء (٣) -أن مجاهدا قرأ: «آتينا بها» ممدودا أى: جازينا.
٦ - وقوله تعالى: ﴿وَضِياءً وَذِكْراً﴾ [٤٨].
قرأ ابن كثير-فى رواية قنبل- «ضئاء» بهمزتين. وقد ذكرت علته فى سورة (يونس)، فسألت ابن مجاهد ما وزن قنبل، قال: (فنعل)، ولم يدر اشتقاقه، وسألت أبا عمر قال: يقال قنبل الرّجل: إذا أو قد القنبل، وهو شجر (٤)، وقنبل الرّجل إذا صارت له قنبلة أى: أصحاب بعد أن كان واحدا.
فأمّا الواو فى قوله: ﴿وَضِياءً﴾ فقال الفراء (٥): الواو زائدة/، والتقدير: ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان ضياء، فيكون نصبا على الحال.
стр. 582
وقال البصريّون: الواو نسق وليس زائدا، فمعناه: أعطيناهما التوراة التى فرقت بين الحق والباطل، وأعطيناه ضياء وذكرا، وشاهد بهذا القول قوله (١):
﴿فِيها (٢)﴾ هُدىً وَنُورٌ والنّور هو الهدى.
٧ - وقوله تعالى: ﴿وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ [٣٥].
فيه ثلاث قراءات:
قرأ ابن عامر «تَرجعون» بفتح التاء أى: تصيرون.
وقرأ الباقون: ﴿تُرْجَعُونَ﴾ أى: تردّون. كما قال (٣): «وردّوا إلى الله مولاهم الحقُّ».
وروى عيّاش عن أبى عمرو «وإلينا يرجعون» بالياء إخبارا عن غيب.
والأول للمخاطبين.
٨ - وقوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً﴾ [٥٨].
قرأ الكسائى وحده «جِذاذا» بالكسر جعله جمع جذيذ، وجذاذ مثل خفيف، وخفاف. والجذيذ بمعنى مجذوذ وهو المقطوع، كما قال تعالى (٤):
﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ وتقول العرب: جددت (٥) الشّئ، وجزرته،
стр. 583
وصرمته، وخرمته، وخزلته، وخرذلته، وخرذلته، وخردلته، كلّه بمعنى قطعته.
وقرأ الباقون ﴿جُذاذاً﴾ بمعنى: الحطام والرّفات (١)، ولا يثنّى ولا يجمع (٢) من قرأ بهذه القراءة. قال الشّاعر:
فظلّ مستعبرا لديها ... تسيح أجفانه رذاذا
يقول يا همّتى وسؤلى ... قطّع قلبى الهوى جذاذا
٩ - وقوله تعالى: ﴿أُفٍّ لَكُمْ﴾ [٦٧].
قرأ ابن كثير، وابن عامر نصبا.
وقرأ نافع، وحفص ﴿أُفٍّ لَكُمْ﴾ بالكسر والتّنوين.
والباقون يكسرون، ولا ينوّنون/وقد ذكرت علّته ذلك فى (سبحان).
١٠ - وقوله تعالى: ﴿لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ [٨٠].
قرأ ابن عامر، وحفص عن عاصم بالتاء، يريد: الدّرع.
وقرأ عاصم فى رواية أبى بكر «لنحصنكم» بالنّون، الله تعالى يخبر عن نفسه.
وقرأ الباقون بالياء، ردا على اللّبوس «صنعة لبوس لكم ليحصنكم» اللّبوس.
وحدّثنى أحمد عن علىّ عن أبى عبيد أنّ أبا جعفر المدنىّ (٣) قرأ
стр. 584
﴿لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ بالتّاء ردا على الصّنعة. وكان الله تعالى قد ألان الحديد لداود، فكان يحيله فى يده كالشّمعة، كما قال (١): ﴿وَأَلَنّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ﴾ يعنى: الدّروع ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ يعنى الثّقب، والحلق.
والبأس: الحرب والشّدّة. فجعل الله تعالى الدّروع والسّلاح والخيل حصونا لبنى آدم من عدوّهم.
١١ - وقوله تعالى: «وكذلك نجّى المؤمنين» [٨٨].
قرأ عاصم وحده «وكذلك نجّى المؤمنين» بنون واحدة.
قال الفرّاء (٢): لا وجه له عندى إلاّ اللّحن.
стр. 585
وقد احتجّ له غيره. فقال: نجّى فعل ماض على ما لم يسم فاعله. ثم أرسل الياء، كما قرأ الحسن (١) : «وخذوا ما بقى من الرّبا» (٢) قام المصدر مقام المفعول الذى لا يذكر فاعله. وكذلك: نجّى نجاء المؤمنين، واحتجّوا بأنّ أبا جعفر قرأ فى (الجاثية): «ليُجْزى قوما بما كانوا يكسبون» (٣) على تقدير ليجزى الجزاء قوما. وقال الشّاعر (٤) :
فلو ولدت قفيرة جرو كلب ... لسبّ بذلك الجرو الكلابا
стр. 586
فقال أبو عبيد (١) يجوز أن يكون أراد: «ينجى»، فأدغم النّون فى الجيم /وهذا غلط؛ لأنّ النّون لا تندغم فى الجيم، ولا الجيم فى النّون. ولكن النّون تخفى عند الجيم. فلما خفيت لفظا خزلوها خطأ فكتب فى المصحف بنون واحدة، فذلك الذى حمل عاصما على أن قرأها كذلك، والاختيار «وكذلك نُنَجّى» -بنونين-فعل مضارع، النّون الأولى للاستقبال والثانية أصلية، أنجى ينجى إنجاء، والمؤمنون مفعولون.
١٢ - وقوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا فُتِحَتْ﴾ [٩٦].
قرأ ابن عامر «فُتِّحت» مشدّدا، أى: مرة بعد مرة، والتّشديد:
للتّكثير، والتّكرير.
وقرأ الباقون ﴿فُتِحَتْ﴾ تخفيفا.
فأمّا قوله: ﴿يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ فقرأ عاصم وحده بالهمز ﴿يَأْجُوجُ﴾ والباقون بغير همز. وقد ذكرت علّته فى (الكهف).
١٣ - [وقوله تعالى: -] ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [٩٦].
قرأ ابن عبّاس: «من كلّ جدث».أى: من كلّ قبر، يقال: للقبر، الجدث، والجدف، والريم (٢)، والضّريح، والملحد، والبيت، والرّجم (٣)،
стр. 587
والرّمس. قال الشاعر فى البيت (١):
*وعند الرّداع بيت آخر كوثر*
أى: قبر آخر.
١٤ - وقوله تعالى: ﴿وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ﴾ [٩٥]
قرأ أهل الكوفة «وحِرم» بكسر الحاء مثل علم إلاّ حفصا.
وقرأ الباقون ﴿وَحَرامٌ﴾ وهما لغتان (٢) حلّ وحلال، وحرم، وحرام.
وقيل: وحرم على قرية أى: واجب على قرية أهلكناها أنّهم لا يرجعون. وقال معناه: يرجعون، و «لا» صلة. كما قال (٣):
ما كان يرضى رسول الله فعلهم ... والطّيّبان أبو بكر ولا عمر
وقال آخر (٤):
فما ألوم البيض ألاّ تسحرا ... لمّا رأين الشّمط/القفندرا
معناه: أن تسحر و «لا» زائدة.
стр. 588
وقوله تعالى: ﴿لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا﴾ [١٠٤].
قرأ حمزة، والكسائىّ، وحفص عن عاصم ﴿لِلْكُتُبِ﴾ جمعا.
وقرأ الباقون «للكتاب» واحدا. وقد تقدمت علّته فى (البقرة).
١٥ - وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [١٠٥]
قرأ حمزة «فى الزُّبور» بالضمّ.
وقرأ الباقون بالفتح. وقد تقدّمت علّته فى (النّساء).وإنما أعدت ذكره؛ لأنّ العلماء قالوا: إن «بعد» هاهنا بمعنى قبل، و ﴿الذِّكْرِ﴾ القرآن، والأرض أرض الجنة، فمعناه، ولقد كتبنا فى زبور داود من قبل القرآن: أنّ أرض الجنّة يرثها عبادى الصالحون.
١٦ - وقوله تعالى: ﴿قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [١١٢].
فيه أربع قراءات:
فروى حفص عن عاصم: ﴿قالَ رَبِّ﴾ على الخبر.
وقرأ الباقون: «قل ربّ» على الأمر.
فإن قال قائل: الله تعالى لا يحكم إلاّ بالحقّ. فلم قيل: ﴿رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾؟
فقل: التّقدير: احكم بحكمك يا ربّ. ثم سمّى الحكم حقّا.
والقراءة الثالثة «ربُّ احكم» بضم الباء. قرأ بذلك أبو جعفر يزيد بن القعقاع (١).كأنّه جعله نداء مفردا لا مضافا، كما تقول: يا ربّ، ويا ربّ.
стр. 589
ويا قوم اعبدوا الله، ويا قوم.
ويجوز أن يكون اختلس كسرة الياء؛ لأنّ الخروج من كسر إلى ضمّ شديد، فأشمّها الضمّ. كما قرأ أيضا (١): ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا﴾ بضمّ الهاء.
والقراءة الرابعة: حدّثنى أحمد عن على عن أبى عبيد أنّ الضّحاك (٢) قرأ «قال ربّي احكم بالحقّ» وهذا وجه حسن، إلاّ أنه يخالف المصحف، لزيادة الياء، فعلى قراءة الضّحاك: «رَبِّىَ» رفع/بالابتداء، و ﴿اُحْكُمْ﴾ خبر الابتداء. كما يقول (٣): ﴿اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ﴾ ومن قرأ ﴿رَبِّ﴾ فموضعه نصب؛ لأنّه نداء مضاف. ومعناه: يا ربى. فسقطت الياء تخفيفا.
١٧ - وقوله تعالى: «عمّا يصفون» [١١٢].
قرأ ابن عامر وحده بالياء إخبارا عن غيب.
وقرأ الباقون بالتاء على الخطاب.
(واختلفوا فى هذه السّورة فى أربع ياءات) .
﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [٨٣].
و﴿عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ [١٠٥].
أسكنها حمزة وفتحها الباقون. والاختيار الفتح؛ لأنّك إذا أسكنتها سقطت الياء لالتقاء السّاكنين. وكلّ حرف من كتاب الله تعالى يثاب قارئه عليه عشر حسنات.
стр. 590
وقوله: ﴿إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ﴾ [٢٩] فتحها نافع وأبو عمرو، وأسكنها الباقون.
والحرف الرابع ﴿ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾ [٢٤] فتحها عاصم وحده فى رواية حفص، وأسكنها الباقون، وقد ذكرت علّة ذلك فيما سلف. فأغنى عن الإعادة هاهنا.
***
стр. 591
(ومن سورة الحج)
١ - قوله تعالى: ﴿وَتَرَى النّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى﴾ [٢]
قرأ حمزة، والكسائىّ «وما هم بسَكْرى» بغير ألف على (فعلى).
وقرأ الباقون: ﴿سُكارى﴾ على (فعالى) وهما جميعا جمعان لسكران وسكرانة.
وقال أبو زيد: هما لغتان، تقول العرب: مريض، ومراضى، ومريض ومرضى.
فحجّة من اختار «سَكْرى».قال: لأنّ السكر آفة داخلة على الإنسان كالمرض والهلاك. فقالوا: سكرى مثل هلكى. ومن قرأ: ﴿سُكارى﴾ بألف فحجته ما حدّثنى ابن مجاهد/قال: حدّثنا الرّمادىّ قال: حدّثنا الحسن ابن بشر عن الحكم عن قتادة عن الحسن عن عمران بن حصين أن النّبى ﷺ ، قرأ (١): ﴿سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى﴾.
فإن سأل سائل فقال: إخبار الله تعالى لا يقع فيه خلاف فلم قال ﴿وَتَرَى النّاسَ سُكارى﴾، فأوجب ثمّ قال: ﴿وَما هُمْ بِسُكارى﴾ فنفى؟
فالجواب فى ذلك: أنّ تأويله: وترى الناس سكارى خوفا من العذاب، وهول المطلع. وما هم بسكارى من الشّراب.
وقرأ أبو هريرة، وأبو زرعة (٢) بن عمرو بن حزم، وعلىّ: «وتُرى النّاس» بضمّ التّاء.
стр. 592
وقرأ أبو نهيك (١): «وترى النّاس سَكارى وما هم بسَكارى» بفتح السّين بالألف.
٢ - وقوله تعالى: ﴿وَلُؤْلُؤاً﴾ [٢٣].
قرأ نافع وعاصم بألف هاهنا، وفى (الملائكة) تبعا فى ذلك المصحف؛ لأنّه كذلك كتب بألف بعد الواو ونصبه على تقدير يحلون فيها من أساور ويحلون لؤلؤا، غير أنّ عاصما اختلف عنه. فروى يحيى عن أبى بكر «ولولؤا» لا يهمز الواو الأولى، ويهمز الثانية؛ كأنّه كره أن يجمع بينهما فى كلمة واحدة.
وروى المعلى عن عاصم ضدّ رواية يحيى عن أبى بكر «ولؤلوا».
قال ابن مجاهد: وهو خطأ (٢).فإن كان خطّأه من أجل الرّواية سقط الكلام. وإن كان خطّأه من أجل العربيّة فإن العربيّة تحتمل همزتهما، وترك الهمز فيهما، وهمز إحداهما، كلّ ذلك جائز، والأصل الهمز، وتركه تخفيف بالواو. واللؤلؤ: الكبار [من اللآلي] /واحدها لؤلؤة. والمرجان: الصّغار من اللآلئ، واحدها مرجانة.
٣ - وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [٢٩]
قرأ ابن كثير برواية قنبل وأبو عمرو: بكسر لام الأمر مع ﴿ثُمَّ﴾ فقط، لأنّ ثم ينفصل من اللام، وأصل اللام الكسر؛ وإنّما يجوز إسكانها تخفيفا إذا اتصلت بحرف، وقد ذكرت علّة ذلك فى (البقرة) والتّفث: نتف الإبط،
стр. 593
وحلق العانة، وقصّ الشارب، وأخذ الظّفر إذا حلّ الرّجل من إحرامه، وكذلك قرءا: «ثمَّ لِيَقطع» [١٥] وورش عن نافع مثلهما.
وقرأ ابن عامر بكسر لام الأمر مع «ثم»، ومع الواو فى هذه السورة فقرأ «ولِيوفوا» «ولِيطّوّفوا» كلّ ذلك بالكسر. وأمّا فى قوله: ﴿لْيُوفُوا﴾، ﴿لْيَطَّوَّفُوا﴾ [ف] قرأ (١) ابن عامر برواية ابن ذكوان «لِيوفوا» ... «وَلِيطّوّفوا» بالكسر فيهما.
وقرأ الباقون مسكنا كلّ ذلك.
٤ - وقوله تعالى: ﴿سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ﴾ [٢٥].
روى حفص عن عاصم ﴿سَواءً﴾ بالنّصب، جعله مفعولا ثانيا من قوله: ﴿جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءً﴾ أى: مستويا كما قال (٢): ﴿إِنّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ والعاكف: يرتفع بفعله فى هذه القراءة. أى: استوى العاكف فيه والباد.
وقرأ الباقون سواء بالرّفع ابتداء وخبر كما تقول: مررت برجل سواء عنده الخير والشّرّ.
٥ - وقوله تعالى: ﴿هذانِ خَصْمانِ﴾ [١٩].
قرأ ابن كثير وحده «هذانِّ» بتشديد النّون.
والباقون يخففون، وقد ذكرت علّته.
стр. 594
فإن سأل سائل فقال: لم قال: ﴿هذانِ﴾ ثم قال: ﴿اِخْتَصَمُوا﴾؟
فالجواب فى ذلك: أنّ الخصم، وإن كان لفظه واحدا. فإنّ معناه الجمع. تقول العرب: هؤلاء/خصمى، كما تقول: هؤلاء ضيفى، وكان الأصل فى ذلك (١) أنّ يهوديا قال لنصرانىّ: ديننا خير من دينكم، لأنّا سبقناكم بالإيمان، فقال مسلم: بل ديننا خير من دينيكما؛ لأنّا آمنا بأنبيائكما وكفرتما بنبيّنا؛ لأنّا صدّقنا نبينا ونبيكم وكذبتم بنبينا، وحرّفتم ما قال نبيكم فى نبينا فصرتم بذلك كافرين بهما. فذلك قوله: ﴿هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا﴾.
٦ - وقوله تعالى: ﴿وَالْبادِ وَمَنْ يُرِدْ﴾ [٢٥].
قرأ ابن كثير «البادى» بالياء، على أصل الكلمة، لأنّك تقول: بدا يبدو: إذا دخل البادية فهو باد مثل الدّاعى والأصل البادو، فصارت الواو ياء لانكسار ما قبلها، فكان يثبتها وصلا، ووقفا.
وكان أبو عمرو ونافع يثبتان الياء وصلا، ويحذفانها وقفا، ليكونا قد تبعا الأصل تارة، والمصحف أخرى، وهو الاختيار.
وقرأ الباقون ﴿الْبادِ﴾ بغير ياء. ولهم ثلاث حجج:
اتّباع المصحف.
والاجتزاء بالكسرة عن الياء.
стр. 595
والحجّة الثالثة: ما حدّثنى ابن مجاهد عن السّمّرىّ عن الفرّاء أنّ العرب تقول: مررت بباد، ومهتد، فيخزلون الياء لسكونها، وسكون التّنوين.
فإذا أدخلوا الألف واللاّم لم يردّوا الياء، لأنّهم بنوا المعرفة على النكرة.
قال سيبويه: فإذا أضافوا فإن العرب كلّها ترد الياء. فيقولون مررت بقاضيك، وداعيك. فإذا اضطر الشاعر حذف مع الإضافة، وأنشد (١): /
كنواح ريش حمامة نجديّة ... ومسحت باللّثتين عصف الإثمد
أى: «كنواحى ريش» فخزل.
٧ - وقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [٢٩]
قرأ عاصم فى رواية أبى بكر، «ولِيوفُّوا» مشدّدا.
وقرأ الباقون مخفّفا، وهما لغتان، فمن شدّد فحجّته ﴿وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفّى﴾ (٢) ومن خفّف فحجته (٣) «وأَوفوا بعهد الله» وفيها لغة ثالثة: وفى، تقول العرب: وفى زيد يفى، وأوفى يوفى، ووفّى يوفّى. قال الشاعر (٤) - فجمع بين اللّغتين:
стр. 596
أمّا ابن عوف فقد أوفى بذمّته ... كما وفى بقلاص النّجم حاديها
والأمر من أوفى: أوف يا زيد. ومن وفّى: وفّ يا زيد، ومن وفى: فه، لا بدّ من هاء فى الوقف وفى الكتابة؛ لأنّ الكلمة لا تكون على حرف واحد.
٨ - وقوله تعالى: ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ [٣١].
قرأ نافع «فتخطَّفه الطّير».
أراد فاختطفه، فنقل فتحة التاء إلى الخاء. وأدغم التّاء فى الطّاء فالتّشديد من جلل ذلك.
وقرأ الباقون ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ مخفّفا، وهو الاختيار، لقوله تعالى: (١)
﴿إِلاّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ ولم يقل (اختطف).
وقد وافق نافع الجميع على التّخفيف فى قوله (٢): ﴿يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ﴾ والقرآن يشهد بعضه لبعض، وإن كانت اللّغتان فصيحتين، تقول العرب: خطف يخطف، واختطف يختطف، واستلب يستلب، وامتلع يمتلع بمعنى.
٩ - وقوله تعالى: ﴿جَعَلْنا مَنْسَكاً﴾ [٣٤]
قرأ حمزة والكسائىّ بكسر السّين.
والباقون بالفتح.
وهما لغتان؛ المنسك والمنسك/-وهما المكان المعتاد المألوف يقصده النّاس وقتا بعد وقت، وقال آخرون: النّسيكة الذّبيحة، يقال: نسكت الشّاة
стр. 597
ذبحتها، فكأنّ المذبح الموضع الذى يذبح فيه، وهو الاختيار فى كلّ ما كان على فعل يفعل مثل قتل يقتل أن يجئ المصدر واسم المكان على مفعل مثل المقتل، ولا يقال المقتل إلاّ فى أحرف جئن نوادر وهى المسجد والمنسك والمجزر.
وقد ذكرت علة ذلك فى سورة (الكهف) فأغنى عن الإعادة هاهنا.
١٠ - قوله تعالى: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ﴾ [٤٠]
قرأ ابن كثير ونافع «لهُدِمت» خفيفا.
وقرأ الباقون مشدّدا، وهما لغتان، غير أنّ التّشديد للتّكثير. هدّمت شيئا بعد شئ مثل ذبحت، وذبّحت، فقال الحسن: تهديمها: تعطيلها، فهذا شاهد لمن شدّد.
فإن قيل لك: كيف تهدم الصّلوات؟
ففى ذلك جوابان:
أحدهما: أن تهدم موضع الصّلوات وهى المساجد، فإذا هدموا موضع الصّلوات فقد هدموا الصّلاة وأبطلوها.
والجواب الآخر: أنّ الصّلوات هاهنا بيوت النّصارى يسمّونها (١) صلواتا.
حدّثنى ابن مجاهد قال: حدّثنا إدريس عن خلف عن محبوب عن داود عن أبى العالية فى قوله: ﴿وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ﴾ قال: الصّلوات: بيوت الصّابئين (٢) يسمونها صلواتا. قال الشّاعر:
اتّق الله والصّلاة فدعها ... إنّ فى الصّوم والصّلاة فسادا
стр. 598
يعنى بالصّلاة فى هذا البيت: بيت/النّصارى (١)، وبالصّوم ذوق النّعام.
١١ - وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ﴾ [٤٠].
قرأ ابن كثير، وأبو عمرو ﴿دَفْعُ اللهِ﴾ بغير ألف. «وإن الله يدفع» [٣٨] كمثل.
وكان أبو عمرو يقول: ﴿يُدافِعُ﴾ لحن.
وقرأ نافع ﴿يُدافِعُ﴾، «ولولا دفاع الله» بغير ألف فيهما.
وقرأ الباقون، ﴿يُدافِعُ﴾ بألف ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ﴾ بغير ألف، وهما لغتان غير أن الدّفاع: فعل من اثنين دافعته مثل ناظرته، والدّفع: من واحد. وقد يكون فاعلت من واحد، كقولهم: طارقت النّعل، وعافاك الله وقد أشبعت ذلك فى سورة (البقرة).
١٢ - وقوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ﴾ [٣٩].
قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائىّ «(أَذِن)» بفتح الألف و «(يقاتلون)» بكسر التاء، والتقدير: أذن الله تعالى للّذين يقاتلون من ظلمهم، وكذلك التّقدير فى قراءة الباقين.
وقرأ أبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم: بكسر التّاء وضمّ الألف.
وقرأ ابن عامر: بفتح التاء، والألف جميعا.
وقرأ عاصم فى رواية حفص ونافع: ﴿أُذِنَ﴾ بالضم ﴿يُقاتَلُونَ﴾ بالفتح.
стр. 599
١٣ - وقوله تعالى: ﴿أَهْلَكْناها﴾ [٤٥].
قرأ أبو عمرو وحده «أهلكتها» بالتاء كقوله: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ الله تعالى يخبر عن نفسه بلفظ الواحد.
وقرأ الباقون ﴿أَهْلَكْناها﴾ بالنّون على لفظ الجمع، وإن كان الله هو المخبر عن نفسه. كما قال ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ﴾ والقرية لا تهلك، إنما يهلك أهلها. فإذا هلك الأهل تعطّلت القرية.
١٤ - وقوله تعالى: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ [٤٥]
كان نافع لا يهمز البئر/فى رواية ورش.
وأبو عمرو يخيّر فيها إذا قرأ بترك الهمز.
والباقون يهمزون وهو الأصل. تقول العرب: بأرت البئر أبأر وجمع البئر:
أبأر. ويقال لحفرة تحفر كالشّور: البؤرة بالهمز تشبيها بذلك. ويقال: للبئر الجبّ، ويقال لناحيتها الجال (١).
ويقال لها الرّكيّة، والطوىّ. وبئر ذمّة (٢) قليلة الماء، والماتح الذى يسقى الماء، والمائح الذى ينزل إلى أسفل البئر فيغرف الماء بيده إذا قلّ ماء الرّكيّة. قال الشاعر (٣):
стр. 600
يا أيّها الماتح دلوى دونكا ... إنّى رأيت النّاس يحمدونكا
يثنون خيرا ويمجّدنكا
ويقال البئر: الجهنّام (١) والرّس (٢) والبئر مؤنّثة، تصغيرها بئيرة.
سمعت ابن مجاهد يقول: قال الأصمعىّ: سألت نافعا عن همز البئر فقال: إن كانت العرب تهمزها فاهمزها. ويقال للبئر إذا كانت كثيرة الماء: بئر زغرب (٣) وغيلم (٤) ، وقليذم (٥) ، وعرية. كل ذلك بمعنى قليذم.