(ومن سورة العنكبوت)
١ - قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [١٧].
قرأ عاصم برواية أبى بكر: «يرجعون» بالياء.
والباقون بالتّاء.
٢ - قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [١٩].
قرأ أهل الكوفة بالتّاء على الخطاب. أى: قل لهم يا محمد حين أنكروا البعث والنّشور أو لم تروا كيف يبتدئ الله الخلق أى: إذا أنكرتم الإعادة كان الابتداء أولى بالنّكرة، فهم مقرون بأنّ الله خالقهم ومثله: ﴿يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ [٢٠].
وقرأ الباقون بالياء. أخبر عنهم. و ﴿يُبْدِئُ﴾ فيه لغتان فصيحتان أتى بهما القرآن. بدأ الله الخلق، وأبدأهم، وشاهده (١): ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ﴾ و ﴿كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ﴾ والمصدر من أبدى مبدئ إبداء فهو مبدئ، ومن بدأ يبدأ بدأ وبدوا، فهو بادئ، والمفعول مبدوء، يقال (٢): «رجع عوده على بدئه» بالهمز. وأمّا بدا يبدو بغير همز/قال: ومعناه: ظهر، وسمعت
стр. 702
أبا عمر يقول: ويجوز «رجع عوده على بدوه» بغير همز قال: ومعناه:
الظّهور، وهو كقولهم (١): «ما عدا ممّا بدا» فقلت له: لم جمع بين لفظتين بمعنى. فقال: هذا كقولهم: «كذبا ومينا» (٢) فجمع بين اللّفظتين لما اختلفتا.
٣ - وقوله: ﴿يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ [٢٠].
قرأ ابن كثير وأبو عمرو: «النّشاءة» بالمد مثل سقم سقامة. والنّشأة:
المرّة الواحدة سقم سقمة، قال: وهو مثل قوله: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ﴾ يقال:
نشأ الغلام فهو ناشئ وامرأة ناشئة، والجمع: نواشئ. ويقال للجوارى الصّغار الملاح: النّشأ، قال نصيب (٣):
ولولا أن يقال صبا نصيب ... لقلت بنفسى النّشأ الصّغار
وأنشأهم الله ينشئهم إنشاء فهو منشئ كما قال (٤): ﴿إِنّا أَنْشَأْناهُنَّ﴾
стр. 703
﴿إِنْشاءً﴾ ويقال نشيت ريحا طيّبة بغير همز، ورجل نشوان من الشّراب، ورجل نشيان الخبر: إذا كان يتخير الأخبار. حدّثنى ابن عرفة وغيره عن ثعلب.
٤ - وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ [٢٥].
فيه ستّ قراءات:
قرأ حمزة وحفص عن عاصم: ﴿مَوَدَّةَ﴾ بالنّصب والإضافة.
وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم: «مودةً» بالنّصب والتنوين، ونصب «بينَكم» على الظّرف.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائىّ «مودةُ بينكم» بالرّفع والإضافة.
وروى الأعمش عن أبى بكر عن عاصم «مودةٌ» بالرفع والتّنوين وينصب «بينَكم» فمن رفع فله مذهبان:
أحدهما: /يجعل إنما كلمتين ويكون «ما» بمعنى «الذى»، وهو اسم «إن» و «مودةُ» خبر «إن» ومفعول ﴿اِتَّخَذْتُمْ﴾ «ها» محذوفة، وتلخيصه:
إن الذى اتخذتموه مودة بينكم، قال الشّاعر (١):
ذرينى إنّما خطئى وصوبى ... علىّ وإنّ ما أهلكت مال
يريد: أن الّذى أهلكه هو مال.
والمذهب الثانى: أن يرفعها بالابتداء و ﴿فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ خبرها.
стр. 704
ومن نصب جعل «المودّة» مفعول ﴿اِتَّخَذْتُمْ﴾، ومن أضاف جعل «البين» الوصل.
ومن نوّن ولم يضف جعل «البين» ظرفا، وهو الفراق أيضا يقال: بينهما بين بعيد، وبون بعيد، وجلس زيد بيننا، وبينا بالإدغام.
أخبرنى ابن دريد عن أبى حاتم عن الأصمعى: يقال: بان زيد عمرا:
إذا فارقه بيونة وبونا. قال الشاعر (١):
كأنّ عينى وقد بانوا ... غربا يضوح عند منجنون
والقراءة الخامسة: ما حدّثنى أحمد عن على عن أبى عبيد أن ابن مسعود قرأ (٢) «إنما اتخذتم من دون الله إنّما مودّةُ بينكم».
وفى قراءة أبىّ (٣) «إنّما مودّة بينهم» فهذه القراءة السّادسة.
٥ - وقوله تعالى: ﴿وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ﴾ [٢٨].
قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم ﴿إِنَّكُمْ﴾ على الخبر من غير استفهام ﴿أَإِنَّكُمْ﴾ [٢٩] بالاستفهام.
стр. 705
غير أنّ ابن كثير لا يمدّ، ونافع يمدّ، وحفص عن عاصم وابن عامر بهمزتين/وأبو عمرو يستفهم بهما جميعا. غير أنه يمدّ «آانكم» ﴿أَإِنَّكُمْ﴾ وقد ذكرت علّة ذلك فيما مضى.
فإن قيل: بم نصب لوطا؟
فقل: بإضمار فعل، والتّقدير: واذكر لوطا إذ قال لقومه.
وإن قيل: لم صرفت لوطا، وهو عجمىّ؟
فقل: لمّا كان اسما على ثلاثة أحرف وأوسطه ساكن خفّ فصرف لذلك، وكذلك نوح، فأمّا هود فعربىّ.
٦ - وقوله تعالى: ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [٣٢] و ﴿إِنّا مُنَجُّوكَ﴾ [٣٣].
قرأ حمزة والكسائىّ بتخفيف الحرفين كليهما.
وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم بتشديد الحرفين كليهما.
وقرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم: ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ﴾ مشدّدا و «إنا منْجوك» مخفّفا، فمن خففها جعلها من أنجى ينجى مثل أقام يقيم، كما تقول:
نجا زيد من الغرق، وقام زيد وأنجاه الله، وأقامه، وشاهده: ﴿فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ﴾ [١٥] و ﴿لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ﴾ (١).
ومن شدّدها جعلها من نجّى ينجّى، وهو بمعنى أنجى، مثل كرّم، وأكرم، ونزّل وأنزل. غير أن نجّى وكرّم أبلغ؛ لأنه مرّة بعد مرة؛ ومن خفّف واحدا وشدّد الآخر جمع بين اللّغتين؛ ليعلم أنهما جائزتان.
стр. 706
فإن سأل سائل فقال: لم قال الله تعالى: ﴿مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ بفتح اللاّم، وقال: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً﴾ بكسر اللاّم. وموضعهما نصب؟
فالجواب فى ذلك: أنّ العرب تقول: رأيت أهلك/يريدون جميع القرابات، ومنهم من يقول: رأيت أهلين، فجمع أهلا على أهلين فقوله:
﴿وَأَهْلِيكُمْ﴾ يريد تعالى: وأهلينكم، فذهبت النون للإضافة والياء علامة الجمع والنّصب، واللام كسرت لمجاورة الياء، ومن ذلك الحديث (١) : «إنّ لله أهلين قيل: من هم؟ قال: أهل القرآن هم أهل الله وخاصته».من العرب من يجمع أهلا أهلات أنشدنى ابن مجاهد (٢) :
فهم أهلات حول قيس بن عاصم ... إذا أدلجوا باللّيل يدعون كوثرا
والصّواب: أن تجعل أهلات جمع أهلية.
فإن قيل لك: يجوز أن تقول: أهلون بفتح الهاء كما تقول: أرضون إذ كان الأصل فيه أرضات؟
فالجواب فى ذلك قال سيبويه (٣) : إنما جمعت أرضون على فتح الرّاء؛ لأن الأصل أرضات. فلما عدل إلى جمع السلامة بالواو والنون تركت الفتحة التى كانت فى أرضات؛ لأن ما لا يعقل لا يجمع بالواو وبالنون.
стр. 707
وأجاز الفرّاء أرضون، وأرضون، ولغة ثالثة آراض.
واعلم أن «أهل» مذكر تصغيره: أهيل. وأن «أرض» لمؤنثة، وتصغيرها: أريضة. فالتّاء سائغة فى المؤنث ممتنعة فى المذكر، فهذا فصل ما بينهما وما علمت أحدا تكلّم فيه.
٧ - وقوله تعالى: ﴿إِنّا مُنْزِلُونَ﴾ [٣٤].
قرأ ابن عامر وحده «منزِّلون» مشدّدا من نزّل ينزّل.
والباقون: ﴿مُنْزِلُونَ﴾ مخففا من أنزل. وقد ذكرته بعامة/فى غير موضع.
٨ - وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ﴾ [٤٢].
قرأ حمزة والكسائىّ ونافع وابن كثير وابن عامر: «إنّ الله يعلم ما تدعون» بالتاء على الخطاب.
وقرأ عاصم وأبو عمرو: ﴿يَدْعُونَ﴾ بالياء إخبارا عن غيب. و «ما» فى موضع نصب بمعنى «الذى»، كناية عن الصنم والوثن وغير ذلك مما جعلوه إلها من دون الله، ولا نشرك بالله شيئا. فالوثن ما كان من صفر أو حديد أو خشب. والصنم: ما كان من ذهب ﴿يَدْعُونَ﴾ صلة «ما».
٩ - وقوله تعالى: ﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ﴾ [٥٠].
قرأ ابن كثير وحمزة والكسائىّ وعاصم فى رواية أبى بكر: بالتّوحيد.
وقرأ الباقون بالجمع فمن جمع فحجّته ﴿قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ﴾ ومن وحّد اجتزأه بالواحدة عن الجميع. والآية فى اللّغة: العلامة، تقول العرب: بينى وبين
стр. 708
فلان آية أى: علامة قال الشّاعر (١):
توهّمت آيات لها فعرفتها ... لستّة أعوام وذا العام سابع
١٠ - وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ ذُوقُوا﴾ [٥٥].
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: «ونقول» بالنون الله تعالى يخبر عن نفسه.
وقرأ الباقون: ﴿وَيَقُولُ﴾ بالياء.
وفيها قراءة ثالثة (٢): حدّثنى ابن مجاهد عن السّمرى عن الفرّاء فى قراءة عبد الله «ويقال ذوقوا» على ما لم يسمّ فاعله.
١١ - وقوله تعالى: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [٥٦].
بفتح الياء.
قرأ عاصم ونافع وابن كثير وابن عامر هاهنا وكذلك/فى (الزّمر) (٣) ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾.
وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائى: «يا عبادىْ» بإسكان الياء فى السّورتين، فمن فتح الياء قال: أتيت بالكلمة على أصلها؛ لأنّ أصل كلّ ياء
стр. 709
الفتح، ولئلا يسقط لالتقاء الساكنين، ومن أسكن وحذفه لفظا، قال: لأنّ النّداء مبناه على الحذف، كما تقول: يا ربّ، ويا قوم، فمن فتح لم يجز أن يقف إلا على الياء، ومن أسكن جاز أن يقف بغير ياء. ويبنى الوصل على الوقف والاختيار فى قراءتهم جميعا أن يقفوا بالياء؛ لأنّ الياء ثابتة فى المصاحف فى هاتين السّورتين. فأمّا فى (الزّخرف) (١) ﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ﴾ فنذكره فى موضعه إن شاء الله كما ذكره ابن مجاهد لأنّا نحن متّبعون لشيوخنا لا مبتدعون.
١٢ - وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ﴾ [٥٦].
قرأ ابن عامر: «إنّ أرضىَ» بفتح الياء على أصل الكلمة.
والباقون يسكنون الياء تخفيفا، ومعنى هذه الآية أن المسلمين بمكة فى صدر الإسلام وأوله كانوا لا يجسرون على إظهار الاسلام من المشركين. فأمرهم الله بالهجرة. فقال: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ﴾ (٢).
١٣ - وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ [٥٧].
قرأ عاصم فى رواية أبى بكر «يرجعون» بالياء.
وقرأ الباقون وحفص عن عاصم بالتاء. وقد فسرته.
١٤ - وقوله تعالى: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ [٥٨].
قرأ حمزة والكسائى: «لتبوّئنّهم» بالتاء.
وقرأ الباقون بالياء/ومعناهما واحد.
تقول العرب: بوأت فلانا منزلا، أى: أنزلته، تبوأ فلان المنزل، قال
стр. 710
الله تعالى (١) : ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ﴾ وقال رسول الله ﷺ (٢) :
«من كذب علىّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النّار».
ومن قرأ بالتاء. فإن العرب تقول: ثويت المكان: إذا نزلت، وأنا ثاو، وقال الله تعالى (٣) : ﴿وَما كُنْتَ ثاوِياً﴾ ومن العرب من يقول: أثويت (٤) قال الأعشى (٥) :
أثوى وقصّر ليلة ليزوّدا ... ومضى وأخلف من قتيلة موعدا
وقال آخرون: الرواية الصحيحة «أثوى» بفتح الثاء فيكون الألف ألف الاستفهام، وأثواه الله لا غير، وقريب منه التّبيّن فى الأمر، والتّثبّت بمعنى، قال الله تعالى (٦) : ﴿إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ وتقرأ (٧) «فتثبّتوا» وقد ذكرته فى (النّساء)، وقال رسول الله ﷺ (٨) : «ألا إنّ التّبين من الله والعجلة من الشّيطان فتثبّتوا» التبين فى الأمر: التّثبّت.
стр. 711
١٥ - وقوله تعالى: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ [٦٦].
قرأ ابن كثير ونافع برواية قالون وحمزة والكسائىّ: «ولْيتمتّعوا» بجزم اللاّم؛ لأنه لام وعيد فى لفظ الأمر لأن الله تعالى ما أمرهم بالإصرار على المعاصى، والكفر، ولكنه كقوله (١): ﴿اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ على الوعيد وهذا لا يكون ابتداء وهو كما تقول للآخر: لا تدخل هذه الدار فيقول: لا بد لى من دخولها فتقول:
أدخلها وأنت رجل.
وقرأ الباقون: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ بكسر اللام، فقال قوم: هى لام «كى»، والاختيار أن تجعلها لام أمر ووعيد كالأولى/سواء، ولكنّ العرب لها فى الأمر لغتان. الكسر على الأصل والجزم تخفيفا، وقد ذكرت ذلك فى (الحجّ)، و (البقرة) وأنبأت عن علته.
وقال ابن مجاهد: واختلف عن نافع. فروى ورش: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ بكسر اللام.
وروى الباقون عنه بالإسكان.
وقال بعض أهل العلم: الاختيار أن تجعله لام «كى» نسقا على قوله:
﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾.
[(وفى هذه السورة ياء واحدة)]
١٦ - وقوله: ﴿إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي﴾ [٢٦].
فتح الياء نافع وأبو عمرو.
وأسكنها الباقون.
***
стр. 712
(ومن سورة الروم)
١ - قوله تعالى: «ثم كان عاقبةُ الّذين أساءوا السّوأى» [١٠].
قرأ أهل الكوفة وابن عامر [﴿عاقِبَةَ﴾] بالنصب جعلوها خبر «كان» واسم «كان» ﴿السّوأى﴾.والسّوأى: العذاب هاهنا و ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ فى موضع نصب. والتّقدير: ثم كان عاقبتهم العذاب لكذبهم، لأن كذّبوا بآيات الله.
وقرأ الباقون: «عاقبةُ» بالرّفع جعلوها اسم «كان» والخبر ﴿السّوأى﴾، والخبر والاسم هاهنا معرفتان. وإذا اجتمع اسمان نظرت فإن كان أحدهما معرفة والآخر نكرة جعلت النكرة الخبر، والمعرفة الاسم. وإذا كانا معرفتين كنت بالخيار أيّهما شئت جعلته خبرا، وأيّهما شئت جعلته اسما، و ﴿السّوأى﴾ اسم على (فعلى) مثل قصوى.
وأبو عمرو يقرؤها بين بين.
وحمزة والكسائىّ يميلان.
والباقون يفخمون، قال أفنون التّغلبى (١) شاهدا لأبى عمرو/-والأفنون
стр. 713
فى اللّغة: الحيّة، والعجوز-:
أنّى جزوا عامرا سوأى لفعلهم ... أم كيف يجزوننى السّوأى من الحسن
أم كيف ينفع ما تعطى العلوق به ... رئمان انف إذا ما ضنّ باللّبن
٢ - وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [١١].
قرأ أبو عمرو وعاصم فى رواية أبى بكر بالياء. أى: يردّون.
وقرأ الباقون: ﴿تُرْجَعُونَ﴾ أى: تردّون.
٣ - وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ﴾ [٢٢].
قرأ عاصم فى رواية حفص: ﴿لِلْعالِمِينَ﴾ بكسر اللام جمع عالم، لأنّ العالم بالشئ يكون أحسن اعتبارا من الجاهل كما قال تعالى (١): ﴿وَما يَعْقِلُها إِلَاّ الْعالِمُونَ﴾.
وقرأ الباقون: «لآيات للعالَمين» بفتح اللاّم، والعالم: هو كلّ ما خلق الله من الإنس والجنّ وبهيمة وحيوان وطائر وجامد.
فإن قيل لك: فإذا كان العالم [كما] قد فسرت فكيف تكون العبرة من الجماد والطّائر والبهيمة؟
فالجواب فى ذلك: أن اللّفظ، وإن كان عامّا. فإنه يراد به الخاصّ، والتّقدير: لآيات للعالمين العقلاء، كما قال تعالى (٢): ﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى﴾
стр. 714
﴿الْعالَمِينَ﴾ أى: عالمى زمانهم من النّساء، والرّجال. ولم يرد الله تعالى أى:
فضّلتكم على الجماد. وإن كان الله تعالى قد فضّل الإنسان على كلّ ما خلق.
على أن القرآن عمران العالم، الملائكة والإنس والجن.
وحدّثنا أبو العبّاس بن عقدة، قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن نوح، قال: حدّثنا أبى قال: حدّثنا/الحسين بن محمد قال: حدّثنا أمير المؤمنين أبو جعفر المنصور عن أبيه عن جده عن ابن عباس فى قوله (١): ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ قال الجنّ والإنس.
٤ - وقوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [١٩].
قرأ حمزة والكسائى: «تَخرُجُون» بفتح التاء. جعلا الفعل لهم؛ لأنّ الله تعالى إذا أخرجهم خرجوا هم، كما تقول: مات زيد. وإن كان الله أماته، ودخل زيد الجنة، وإن كان الله أدخله، لأنّ المفعول به فاعل إما بمطاوعة أو حركة.
وقرأ الباقون: ﴿تُخْرَجُونَ﴾ بضمّ التّاء، وفتح الراء على ما لم يسمّ فاعله، وحجّة الأولين قوله تعالى (٢): ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً﴾.
٥ - وقوله تعالى: «و» ﴿كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ﴾ [٢٨].
اتّفقوا على النّون. وإنّما ذكرته لأنّ عباسا روى عن أبى عمرو «وكذلك يفصّل الآيات» بالياء أى: قل يا محمد وكذلك يفصّل الله الآيات أى: يبينها
ومن قرأ بالنّون فالله تعالى يخبر عن نفسه، يقال: فصّل الحكم إذا قطعه وفصّل الآيات، أي: بينها، وكذلك تفصيل الجمل فى الحساب إنما هو التّبين والتّلخيص، والمفصل سمّى لكثرة الفصول فيها ب «بسم الله الرّحمن الرّحيم».
стр. 715
٦ - وقوله تعالى: ﴿وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً﴾ [٣٩].
قرأ ابن كثير وحده: «أتيتم» مقصورا.
وقرأ الباقون بالمدّ؛ لأنّه من الإعطاء. وهما ألفان، ألف الأولى ألف قطع، والثانية أصليّة، آاتيتم. فلينت الثانية فصارت مدة/والدّليل على ذلك الحرف الذى بعده ﴿وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ﴾ لأنّهم لم يختلفوا فى مدّه. والرّبا-هاهنا-ربا حلال، وليس حراما، لأنّ الرّبا الحرام هو أن يعطى الرّجل دينارا على أن يأخذ أزيد منه، والرّبا-هاهنا-أن يهدى الرّجل إلى الرّجل هدية ليكافئه المهدى إليه بأضعافها، لأنّه يهدى إليه ابتغاء وجه الله. فهذا لا يربو عند الله، فأما الزّكاة والصدقة الهدية لله تعالى فإنه يربو عند الله. فكذلك قوله: ﴿وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾.
٧ - وقوله تعالى: ﴿لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النّاسِ﴾ [٣٩].
قرأ نافع: «لتربوا» بالتاء، وإسكان الواو فالتاء هاهنا للمخاطبين، والواو واو الجمع، والواو التى هى لام الفعل ساقطة؛ لسكونها وسكون هذه، والأصل: لتربووا فانقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، وحذفت لسكونها وسكون الواو، وإنما قرأها كذلك، لأنّهم كتبوها فى المصحف بألف بعد الواو.
وقرأ الباقون: ﴿لِيَرْبُوَا﴾ بالياء وفتح الواو. فيكون فعلا للربا، أى: ليربوا الرّبا. وعلامة النصب فى قراءة نافع حذف النّون، والأصل: لتربوون، فسقطت النّون علامة للنصب وحجّتهم: الحرف الذى بعده ﴿فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ﴾ بالياء ولم يقل فلا يربون.
стр. 716
٨ - وقوله تعالى: ﴿فَلا يَرْبُوا﴾.
«لا» بمعنى ليس، و «يربوا» فعل مستقبل، وعلامة رفعه سكون الواو وإن شئت ..
.................................................... (١)
***
стр. 717
[(ومن سورة الأحزاب)]
١ - [وقوله تعالى: ﴿يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [٣٠]].
[
........................................... ] /
تعالى يخبر عن نفسه، ومن شدّد قال: العرب تقول أضعفت لك الدّراهم، وضعّفتها إذا جعلتها مثليها، وكان أبو عمرو يقول: إنّما اخترت التّشديد فى هذا الحرف فقط لقوله مرّتين، ومن قرأ بألف فكأنه ضاعف لها العذاب أضعافا مضاعفة.
٢ - وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلّهِ﴾ [٣١].
اتّفق القراء على الياء. قال ابن مجاهد: وهي قراءة النّاس كلّهم لأنّ «من» وإن كان كناية عن مؤنّث هاهنا فإن لفظها لفظ واحد مذكّر. فقيل:
﴿وَمَنْ يَقْنُتْ﴾ على اللّفظ. ولو ردّ على المعنى لقيل: ومن تقنت بالتاء، وإنما ذكرت هذا الحرف لأنّ أبا حاتم السّجستانى روى فى الشّذوذ عن أبى جعفر.
وشيبة، ونافع بالتاء (١) «ومن تقنت» وهو صواب فى العربيّة خطأ فى الرّواية، فأما:
٣ - قوله [تعالى]: ﴿تَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها﴾ [٣١].
قرأ حمزة والكسائىّ: «ويعمل ... يؤتها» بالياء فردّا على لفظ «من» يؤتها بالياء اسم الله تعالى أى: يؤتها الله أجرها مرّتين.
стр. 718
وقرأ الباقون: ﴿وَتَعْمَلْ﴾ بالتاء؛ لأنّه لما قيل: ﴿مِنْكُنَّ﴾ فظهر التأنيث كان الاختيار و ﴿تَعْمَلْ﴾ لأن اللّفظة إذا نسقت على شكلها وما قرب منها أحرى وأولى من أن تنسق على ما بعدها، وقرءوا ﴿نُؤْتِها﴾ بالنون، الله تعالى يخبر عن نفسه، وهو الاختيار، لقوله بعد الآية: ﴿وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً﴾ ولم يقل ويعتد لها، وهذا واضح.
فإن قيل لك: ما المصدر من اعتدى ومن أعتدنا، ومن اعدّوا؟
فالجواب/فى ذلك: أن اعتدى التاء زائدة، وألفها ألف وصل، والمصدر: اعتدى يعتدى اعتداء فهو معتد، والأمر: اعتد يا هذا، وهو افتعل من العدوان والظلم، وألف اعتدنا ألف قطع والتاء أصلية، وكذلك (١):
﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ المصدر من أعتد يعتد إعتادا. فهو معتد مثل أكرم يكرم إكراما فهو مكرم والأمر: أعتد مثل أكرم، ومثله (٢): ﴿هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ أى: معه معتد، وعتيد: فعيل بمعنى مفعول، فعلى هذا يقال: عتد يعتد، وأعتد يعتد. والأمر: أعتد يا هذا.
٣ - وقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [٣٣].
قرأ عاصم ونافع بفتح القاف جعلاه من الاستقرار، لا من الوقار، والأصل: واقررن براءين مثل اقررن يا نسوة، واغضضن فحذف إحدى الراءين تخفيفا كما قال (٣): ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ والأصل: فظللتم، تقول العرب:
стр. 719
حسيت بالشئ وأحسست وأحست ومسست الثوب ومسيته، كأنّهم يكرهون اجتماع حرفين فيحذفون واحدا، قال الشّاعر (١):
خلا أنّ العتاق من المطايا ... أحسن به فهنّ إليه شوس
وقرأ الباقون: «وقِرن فى بيوتكنّ» بكسر القاف جعلوه من الوقار، والأصل أن تقول: وقر يقر مثل وزر يزر، ووعد يعد، والأمر: قر، مثل عد وزن، وقروا للرجال مثل زنوا وقرن يا نسوة مثل عدن/.
وفيه قول آخر-ما علمت أحدا ذكره-وهو: أن يكون من قرّ بكسر القاف، أراد: الاستقرار؛ لأن الكسائى حكى أن من العرب من يقول: قررت فى المكان أقرّ، والأمر من هذا قرّ فى بيتك يا فتى، واقرر، وقروا، وأقررن، ثم نقل كسرة الراء إلى القاف، وحذف إحدى الراءين تخفيفا.
٤ - وقوله تعالى: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ﴾ [٣٣].
قرأ ابن كثير بالتّشديد برواية البزى.
والباقون بتخفيفها.
٥ - وقوله تعالى: ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [٣٦].
قرأ أهل الكوفة وهشام عن ابن عامر بالياء، لأن تأنيث الخيرة غير حقيقى.
стр. 720
وقرأ الباقون بالتاء لتأنيث: ﴿الْخِيَرَةُ﴾ ومن العرب من يسكن الياء، فيقول: خيرة. فأمّا الخير فجمع خيرة، والخير بتسكين الياء: الكرم، والأصل [أن] يقال: فلان كريم الخير والخيم، قال المنخّل (١):
إن كنت عاذلتى فسيرى ... نحو العراق ولا تحورى
لا تسألى عن جلّ مالى ... وانظرى حسبى وخيرى
فأمّا قوله (٢): ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ فالواحدة خير بسكون الياء وفتح الخاء. وروى (٣): «فيهنّ خيِّرات حسان» فالواحدة خيّرة، والمذكّر خيّر مثل سيّد. فأمّا الخير فجمعه خيور مثل بحر وبحور. وأمّا قوله تعالى (٤):
﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ﴾ فجمع خير.
٦ - وقوله تعالى: ﴿وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [٤٠].
قرأ عاصم وحده: ﴿وَخاتَمَ﴾ بفتح التاء، واحتج بأن عليّا رضى الله عنه مرّ بأبى عبد الرّحمن السّلمىّ، وهو يقرئ الحسن والحسين ﵉ «ولكن رسول الله وخاتِم النّبيّين» فقال عبد الله بن حبيب أقرئهما: ﴿وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ بفتح التاء.
стр. 721
وقرأ الباقون: «وخاتِم» بالكسر، وهو الاختيار؛ لأنّه فاعل من ختم/ الأنبياء، فهو خاتمهم ﷺ مثل جمعهم فهو جامعهم. والحجّة فى ذلك: أن ابن مسعود قرأ (١) : «ولكن [نبيّا] ختم النّبيين» إلا أن يصحّ الخبر عن علىّ رضى الله عنه، وإنكاره على أبى عبد الرحمن فيصير الاختيار الفتحة كما قال علىّ رضى الله عنه. فأمّا الخاتم الذى يلبس فى الأصبع فيقال له: الخاتم، والخاتم، مثل الدّانق والدّانق والطّابق والطّابق وسمعت ابن حبّان يقول: فيه أربع لغات، خاتم وخاتم، وخاتام وخيتام، وينشد (٢) :
يا خدل ذات الجورب المنشقّ ... أخذت خاتامى بغير حقّ
ويقال: تختّم: إذا تعمم، وجاء فلان متختما أى: متعمما، ويقال لخاتم الملك خاصة: الحلق، وينشد (٣) :
وأعطي منّا الحلق أبيض ماجد ... ربيب ملوك ما تغبّ نوافله
فإن قيل: بما انتصب ﴿رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ﴾؟
فقل: بإضمار «كان» إذ كان نسقا على «كان» والتقدير: ولكن كان رسول الله وخاتم النّبيين.
стр. 722
وروى عبد الوارث عن أبى عمرو «ولكنَّ رسول الله» بتشديد النون.
ف ﴿رَسُولَ اللهِ﴾ فى هذه القراءة ينتصب ب «لكنّ» المشددة.
وسمعت ابن مجاهد يقول: لو قرأ قارئ: «ولكن رسولُ الله وخاتمُ النّبيّين» بالرفع لكان صوابا، على تقدير: ما كان محمدا أبا أحد من رجالكم ولكن هو رسول الله وخاتم النّبيّين.
٧ - وقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [٤٩].
قرأ حمزة والكسائى: «تماسّوهنّ» بألف.
والباقون بغير ألف. وقد ذكرت/علته فى (البقرة).
٨ - وقوله تعالى: ﴿تَعْتَدُّونَها﴾ [٤٩].
روى ابن أبى بزة عن ابن كثير «تعتدُونها» خفيفا.
قال ابن مجاهد: وهو غلط.
وقرأ الباقون بالتّشديد، وهو الصّواب؛ لأنّ وزنه تفتعلونها فأدغمت التاء فى الدّال، فالتّشديد من جلل ذلك.
٩ - وقوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشاءُ﴾ [٥١].
قرأ نافع وحمزة والكسائىّ وحفص بترك الهمزة. ومعناه: تؤخّر.
وقرأ الباقون بالهمز، وهما لغتان: أرجأت، وأرجيت ويجوز لمن ترك الهمز أن يكون أراد الهمز فلين، كما يقال: أقرأت الكتاب، وأقريته، فيحولون الهمزة ياء.
فإن سأل سائل عن قوله تعالى: ﴿وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ﴾ فقال أبو عمرو: تلين الهمزة الساكنة نحو: ﴿يُؤْتُونَ﴾ و ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ و ﴿تُؤْثِرُونَ﴾ فهل يجوز ترك الهمزة هاهنا؟
стр. 723
فقل: إنّ أبا عمرو ترك الهمز فى ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ و ﴿يُؤْثِرُونَ﴾ تخفيفا، فإذا كان ترك الهمز أثقل من الهمز لم يدع الهمزة ألا ترى أنّك لو ليّنت ﴿وَتُؤْوِي﴾ لالتقى واوان قبلهما ضمة، فثقلت. فترك الهمز فيه خطأ.
١٠ - وقوله تعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [٥٢].
قرأ أبو عمرو وحده بالتاء.
وقرأ الباقون بالياء. فمن ذكّره قال: شاهده: ﴿وَقالَ نِسْوَةٌ﴾ (١) ولم يقل: وقالت، ومن أنّث قال: النّسوة جمع قليل والعرب تقول: قام الجوارى إذا كنّ قليلات، وقامت؛ إذا كنّ كثيرات. وهذا مذهب الكوفيين، فقيل لثعلب: لم ذكّر إذا كان قليلا؟
فقال: لأنّ القليل قبل الكثير، كما أنّ المذكّر قبل المؤنث فجعلوه الأول للأول. وهذا لطيف حسن، قال الشاعر (٢): /
فإن تكن النّساء مخبّآت ... فحقّ لكلّ محصنة هداء
.................. ...
.......... (فداء)
وقال البصريّون: النّساء، والنّسوة، والرّجال فى الجمع سواء، والتّذكير والتّأنيث سواء. فتقول العرب: قام الرّجال وقامت الرّجال، وقال النّساء وقالت
стр. 724
النّساء، إنما يريد قامت جماعة الرّجال، وجماعة النّساء، وتأنيث الجماعة غير حقيقىّ فتؤنث على اللّفظ تارة، وتذكر على المعنى أخرى.
فيه جواب رابع: قال بعض المشيخة: الاختيار الياء فى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ﴾ لأنّه أراد: لا يحل لك شئ من النّساء كما قال (١): ﴿لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها﴾ وإنما التّقدير: لم ينال الله شيئا من لحومها.
١١ - وقوله تعالى: ﴿وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ﴾ [٥٢].
قرأ ابن كثير بالتّشديد برواية البزى.
والباقون بالتّخفيف.
١٢ - وقوله تعالى: ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ﴾ [٥٣].
قرأ حمزة والكسائيّ وهشام: «إنيه» بالامالة، لأنه من أنى يأنى: إذا انتهى نضجه، وبلوغ غايته (٢).فالهاء كناية عن الطّعام، وكان ابن كثير يلحق الهاء واوا على ما شرط. فيقول «إناهو».
وقرأ الباقون بالتّفخيم؛ لأنّ الياء قد انقلبت ألفا والأصل: أنية و ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ﴾ نصب على الحال، أى: غير منتظرين نضجه، تقول العرب: أنى لك أن تفعل ذلك يأنى أى: حان وقرب من قوله (٣): ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ وونى زيد ينى: ضعف من قوله (٤): ﴿وَلا تَنِيا﴾ والأمر: ن يا زيد، بنون
стр. 725
مكسورة فقط مثل ع كلامى، وش ثوبك، من وعى يعى ووشى يشى فإذا وقفت قلت فى هذا كله: نه وعه وشه. والأمر من أنى يأنى ائن يا زيد مثل ايت، لأن يأنى/مثل يأتى.
١٣ - وقوله تعالى: ﴿إِنّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا﴾ [٦٧].
قرأ ابن عامر وحده: «ساداتنا» بالألف وكسر التاء، كأنه جعله جمع الجمع؛ لأن سادة جمع سيّد، وسادات جمع الجمع، فسادة جمع التكسير يجرى آخره، بوجوه الإعراب، ومن قال: سادات فهو جمع السّلامة نصبه كجرّه، فالتاء مكسورة فى حال النصب، كقولك: رأيت بناتك و: ﴿أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً﴾ (١).
وحدّثنى أحمد عن علىّ عن أبى عبيد أنّ الحسين قرأ (٢): «أطعنا ساداتنا» مثل ابن عامر.
١٤ - وقوله تعالى: ﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً﴾ [٦٨].
قرأ عاصم وابن عامر بالباء.
وقرأ الباقون: «كثيرا» بالثّاء، وقد أنبأت عن علته فى (البقرة) عند قوله (٣): ﴿فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ ومعنى اللّعن فى اللّغة: الطّرد.
стр. 726
قال الشّمّاخ (١) :
ذعرت به القطا ونفيت عنه ... مقام الذّئب كالرّجل اللّعين
***
стр. 727
(ومن سورة سبأ)
قوله تعالى: ﴿عالِمِ الْغَيْبِ﴾ [٣].
قرأ حمزة والكسائىّ: «علاّم الغيب» بالخفض نعت للرب تعالى فى قوله: «قل بلى وربّى علاّم الغيب» لأنّ «بلى» صلة للقسم، و «ربّى» جرّ بواو القسم. و «علاّم» أبلغ فى المدح من «عليم» و «عالم» لأنّ فعّالا لفعل وضع للتّكثير والدّوام، والمبالغة فى الصّفة كقوله: [جزّار] وحلاّق، وفلان سبّاق بالخيرات، واحتجا بما حدّثنى ابن مجاهد عن محمّد بن هارون عن يحيى بن زياد قال: فى حرف ابن مسعود «علاّمُ الغيب» واحتجّا أيضا بما فى /آخر السّورة ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ [٤٨].
وقال الباقون أعنى من قرأ: ﴿عالِمِ الْغَيْبِ﴾ وهم ابن كثير وأبو عمرو وعاصم ﴿عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ فى آخر السّورة مضاف إلى الجمع فشدّدت للتّكثر والتّرديد. كما تقول العرب: أغلقت الباب مخفّفا فإن جمعوا قالوا غلّقت الأبواب، وذبّحت الشّاء قالوا: والاختيار ﴿عالِمِ الْغَيْبِ﴾ كما قال تعالى فى:
(قد أفلح) (١) ﴿عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾.
وقرأ نافع وابن عامر: «عالمُ الغيب» بالرّفع على الابتداء والخبر: هو عالم الغيب. والعرب تقول: رجل عالم فإذا زادوا فى المدح قالوا: عليم، فإذا بالغوا فى الوصف قالوا: علاّم، وعلاّمة.
стр. 728
٢ - وقوله تعالى: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ﴾ [٣].
قرأ الكسائىّ وحده: «لا يعزِب عنه» بكسر الزاى.
وقرأ الباقون بالضمّ. وهما لغتان: يعزب، ويعزب مثل يعكف، ويعكف، ويعرش، ويعرش، وقد ذكرت علّة ذلك فى سورة (يونس).
٣ - وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ [٥].
قرأ ابن كثير وحفص عن عاصم: ﴿مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ بالرفع فجعله نعتا للعذاب أى: لهم عذاب أليم من رجز، والأليم: المؤلم الموجع، يقال: آلمت الشّئ آلم. قال الله تعالى (١): ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ﴾ وقال: أليم بمعنى مؤلم، مثل سميع بمعنى مسمع. كما قال (٢):
أم ريحانة الدّاعى السّميع ... يؤرّقنى وأصحابى هجوع
أراد: المسمع.
وقرأ الباقون/: «من رجز أليمٍ» جعلوه نعتا للرجز، والرّجز يختلف النّاس فيه فقالوا: هو بمعنى الرّجس، وقالوا: كل ما فى القرآن الرّجس فهو النتن، وما كان الرّجز فهو العذاب إلا قوله (٣): ﴿الرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ فإنّ معناه:
وعبدة الأوثان فاجتنبهم لأنّ الرّجز-هاهنا-الصنم بالضّم.
стр. 729
٤ - وقوله تعالى: «إن يشأ يخسف بهم الأرض أو نسقط» [٩].
قرأ حمزة والكسائىّ بالياء اختبارا عن الله «إن يشأ يخسف بهم».
وقرأ الباقون بالنّون. الله تعالى يخبر عن نفسه. واتفق القراء على إظهار الفاء عند الباء؛ لأنّ الباء يخرج من بين الشّفتين، والفاء تخرج من باطن الشّفة السّفلى والثّنايا العليا وفيه نفس فبطل الإدغام لذلك إلا الكسائىّ وحده. فإنه قرأ بالإدغام (نخسفْ بِهم) فأمّا إدغام الباء فى الفاء فصواب كقراءة أبى عمرو (١): (وإن تعجبْ فَّعجب قولهم) وقد ذكرنا علة ذلك فيما سلف.
٥ - وقوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ﴾ [١٢].
قرأ عاصم وحده فى رواية أبى بكر: «الرّيحُ» بالرفع جعله ابتداء، و «له» الخبر ولم يظهر العامل، والأصل بالنصب على ما قرأ الباقون:
«ولُسليمان الرّيح» أى: سخّرنا لسليمان الرّيح ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ، وَرَواحُها شَهْرٌ﴾ بالرّفع، ولو قيل: -غدوها شهرا، وروحها شهرا بالنصب لكان جائزا فى غير القرآن، جعله نصبا على الظرف أى: غدوها فى شهر، غير أن الاختيار فى الكلام وفى القرآن الرّفع، إذا كان بالابتداء مصدرا.
كقولك صيامى شهر، وصلاتى خمس وغدوّها/شهر، قال الشاعر (٢):
وإنّ سلوّى عن جميل لساعة ... من الدّهر ما حانت ولا حان حينها
стр. 730
فرفع «لساعة» لأنّ السلوّ مصدر، والخبر نكرة، فإن جعلت الخبر معرفة فاختيار العرب النّصب.
وحدّثنى ابن مجاهد عن السّمّرىّ عن الفرّاء، قال: تقول العرب: ما ترك فلان عن أبيه غدوّا، ولا رواحا، ولا مغدى ولا مراحا، بمعنى واحد: إذا نزع فى الشّبه إليه.
٦ - وقوله تعالى: ﴿وَجِفانٍ كَالْجَوابِ﴾ [١٣].
قرأ ابن كثير: «كالجوابى» بالياء، وصل أو وقف على الأصل، لأنّ الأصل جابية والجمع جواب، قال الشاعر-هو الأعشى- (١):
*كجابية الشّيخ العراقىّ تفهق*
والجوابى: الحياض، والجفان: القصاع الكبار، والقدور الراسيات الثابتة التى لا تزلّ لعظمها، واستعمالهم إياها دائمة.
وقرأ أبو عمرو بإثبات الياء فى الأصل، وبحذفها فى الوقف، فتبع الأصل فى الدّرج وتبع المصحف فى الوقف.
والباقون يحذفونها وصلا، ووقفا اجتزاء بالكسرة واتباعا للكتاب.
وكذلك قرأ نافع برواية ورش «الجوابى» بالصلة فى الوصل.
وكان بعض الزّنادقة يقول: إن فى القرآن ما يوافق الشّعر كقوله (٢): ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ ﴿وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها﴾ (٣) «وجفان»
стр. 731
«كالجوابى وقدور راسيات» وهذا الزّنديق مع كفره جاهل بمذهب العرب وافتنانها بالمنظوم/والمنثور. وذلك أنّ الشّاعر لا يقول بيتا وفى آخره حرف نسق لم يتقدّمه بيت قبله، ولا يكون الكلام شعرا حتّى يقول صاحبه إني نظمت هذا الكلام وجعلته شعرا، فأمّا إذا تكلّم المتكلم بكلام موزون لم يسمّ شعرا، وأنت تجد ذلك فى كلام العجم، والعامىّ لا يعرف الشعر ربما يتكلم بكلام لو حمل على بحور الشعر وعروضه لاتّزن، وهذا بيّن والحمد لله.
٧ - وقوله تعالى: ﴿إِلاّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ [١٤].
قرأ أبو عمرو ونافع بترك الهمز تخفيفا. والأصل الهمز من ﴿مِنْسَأَتَهُ﴾.
كما قرأ الباقون.
وقرأ ابن ذكوان عن ابن عامر «منسأْته» بسكون الهمزة.
والمنسأة: العصا.
وحدّثنى ابن مجاهد عن السّمّرىّ عن الفرّاء: قال (١): حدّثنى حبّان عن الكلبىّ عن أبى صالح عن ابن عبّاس فى قوله: ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ قال: عصاه.
قال الشّاعر-فى ترك الهمز- (٢):
стр. 732
إذا دببت على المنساة من كبر ... فقد تباعد عنك اللهو والغزل
وقال بعضهم: لا تسمى العصا المنسأة إلا عصا الرّاعى الكبيرة، وإنما قيل لها المنسأة؛ لأنّه ينسى بها أى: يؤخر بها الدّواب يقال: أنسأ الله أجلك، ونسأ الله فى أجلك أى: أخّر فى عمرك وزاد فيه، ويقال للّبن إذا مزج بالماء ومذقته: النّسئ أنشدنى بن دريد (١):
سقونى النّسئ ثمّ تكنّفونى ... عداة الله من كذب وزور
ويقال: نسئت المرأة تنسأ وهى نسء كما ترى، والجمع نسو/ونسوء كما ترى: إذا حبلت. فالمنسأة: كلمة واحدة. قال النحويون: ولو قرئ: من سئته لكان صوابا، يجعله كلمتين مأخوذ من سئة القوس، وهما طرفاها، غير أنّ القرآن سنة، ولا يقرأ كل ما يجوز فى النّحو، إنما يتبع فيه الأئمة.
٨ - وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ﴾ [١٥].
فقد ذكرته فى سورة (النمل) وإنما أعدت ذكره، لأنّ بعض النّحويين اختار الصّرف؛ لأنّه صحّ عندنا عن رسول الله ﷺ أن (سبأ) رجل وله عشرة من البنين، وله حديث.
حدّثنى أبو عبد الله الحكيمىّ (٢)، حدثنى حمّاد بن عبّاد قال: حدّثنا
стр. 733
يزيد بن هارون، قال: أخبرنا أبو جناب عن يحيى بن هشام عن فروة بن مسيكة (١) قال: «أتيت رسول الله ﷺ فقلت يا رسول الله أرأيت سبأ، أواد هو أم جبل؟ قال: لا، بل هو رجل من العرب، ولد عشرة، فتيامن ستة وتشاءم أربعة، فتيا من الأزد، والأشعرون، وحمير، وكندة، ومذحج، وأنمار الذين يقال لهم: بجيلة، وخثعم. وتشاءم أربعة لخم، وجذام، وعاملة وغسّان.
٩ - وقوله تعالى: ﴿فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ﴾ [١٥].
قرأ الكسائىّ: «فى مسكِنهم» بكسر الكاف جعله اسم الموضع الذى يسكنون فيه، كما قرأ (٢): «حتّى مطلِع الفجر» أى: فى موضع الطّلوع، ومثله المسجد: موضع السّجود.
وقرأ حمزة وحفص عن عاصم: ﴿مَسْكَنِهِمْ﴾ بفتح الكاف جعلوه لغتين/المسكن والمسكن، مثل المنسك والمنسك، والمهلك والمهلك.
стр. 734
وقال آخرون: الاختيار لمن فتح أن يجعله مصدرا ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ أى: سكناهم و «فى مسكنهم» بمعنى، ومهلكهم وهلاكهم بمعنى، وحتى مطلع الفجر، وحتى طلوع الفجر، وهذا باب قد أحكمناه فى سورة (الكهف).
وقرأ الباقون: «فى مساكنهم» بالجماع بألف مثل المساجد، والسّكن: أهل الدار، والسّكن: الدّار، والسّكينة: الوقار.
وحدّثنى أبو عمر (١) عن ثعلب عن سلمة عن الفرّاء. قال من العرب من يقول: «فيه سكّينة من ربّكم» بالتّشديد، يريد: سكينة.
١٠ - وقوله تعالى: ﴿ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ [١٦].
قرأ أبو عمرو وحده مضافا: «أكلِ خمط».
وقرأ الباقون: ﴿أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ منوّنا. قال النّحويّون: وهو الاختيار؛ لأنّ الخمط نعت للأكل والشئ لا يضاف إلى نعته. ومن أضاف قال: الخمط:
جنس من المأكولات، والأكل أشياء مختلفة فأضفته إلى الخمط، كما يضاف الأنواع إلى الأجناس، والخميط: ثمر الأراك (٢)، وهو البرير أيضا، واحدها بريرة. وبريرة: جارية عائشة (٣)، والبرير: شجر السّواك، والأثل: شجر،
стр. 735
واحدها أثلة وتجمع أثلاث فى العدد القليل، قال الشاعر (١) :
أيا أثلاث القاع من بطن توضح ... حنينى إلى أوطانكنّ طويل
ويروى: أطلالكن/.
стр. 736
وابن كثير ونافع يخففان: «أكْلٍ خمط».
والباقون يثقلون: ﴿أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ بضم الكاف على الأصل، كما قال تعالى (١): ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ ومن أسكن الكاف مال إلى التّخفيف، وقد ذكرته فيما تقدّم.
١١ - وقوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [٢٣].
قرأ ابن عامر وحده: «فَزَعَ» بفتح الفاء والزاى، أى فزع الله عن قلوبهم الرّوعة، وخفف عنهم ذلك، وذلك أن الفترة بين النّبى ﷺ ، وعيسى ﵇ كانت ستمائة سنة، فلما نزل الوحى على رسول الله ﷺ سمعت للملائكة صليلا ووقعا كصلصلة السلسلة على الألواح، ففزعت، وظننت أن القيامة قد قامت. فقال بعضهم لبعض: ﴿ماذا قالَ رَبُّكُمْ﴾ فأجيبوا: ﴿قالُوا الْحَقَّ﴾ أى: قال يشاء الحق وأنزل الحق.
وقرأ الباقون: ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ بضم الفاء وكسر الزاى على ما لم يسمّ فاعله.
وحدّثنى أحمد عن على عن أبى عبيد أن الحسن قرأ (٢): «فزّغ عن قلوبهم» بالزّاى والغين معجمة.
وفيها قراءة رابعة-بخلاف المصحف فلا يجوز القراءة بها-:
«حتّى إذا افرنقع عن قلوبهم» روى ذلك عن ابن مسعود (٣) و [روى عن]
стр. 737
عيسى بن عمر، وذلك أنه سقط من حماره ذات يوم فاجتمع عليه الناس، فقال: ما لى أراكم قد تكأكأتم على كتكأكئكم على ذى جنّة، افرنقعوا عنّى/.
١٢ - وقوله تعالى: «وهل نجازى إلاّ الكفورُ» [١٧].
قرأ حمزة والكسائى وحفص عن عاصم ﴿نُجازِي﴾ بالنون، الله تعالى يخبر عن نفسه ﴿إِلَاّ الْكَفُورَ﴾ قرأ حمزة والكسائى وحفص عن عاصم نصب مفعول به.
وقرأ الباقون: «يجازى» بالياء، وفتح الزّاى على ما لم يسم فاعله، و «الكفورُ» رفع، و «هل» فى هذا الموضع بمعنى الجحد، كقولك:
ما يجازى إلا الكفور، قال الشاعر:
فهل أنتم إلاّ أخونا فتحزبوا ... علينا إذا نابت علينا النّوائب
ذلك أن «هل» تكون استفهاما وجحدا وأمرا. كقوله (١): ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ أى: انتهوا. وتكون بمعنى «قد» كقوله (٢): ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ﴾ قد أتى على الإنسان، و «إلاّ» تحقيق بعد جحد، أعنى فى قوله:
«وهل نجازى إلاّ الكفورُ».
١٣ - وقوله تعالى: ﴿رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا﴾ [١٩].
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وهشام عن ابن عامر: ﴿رَبَّنا﴾ على الدعاء، أى: يا ربنا بالنصب و «بَعَّدَ» بغير ألف مشدّد العين مثل قرّب.
وقرأ الباقون: ﴿رَبَّنا﴾ بالنّصب أيضا ﴿باعِدْ﴾ بألف أيضا و ﴿باعِدْ﴾ دعاء على لفظ الأمر، وكذلك «بعّد»، وعلامة الأمر سكون الدّال. والمصدر باعد يباعد مباعدة فهو مباعد ومن الأول بعد يبعد بعدا فهو مبعد.
стр. 738
وفيها قراءة ثالثة (١): روى عماد بن محمد عن الكلبى عن أبي صالح «ربُّنا» بالرّفع على الابتداء «باعدَ بين أسفارنا» على الخبر ف «باعد» فعل ماض على هذه القراءة.
حدّثنى بذلك أحمد عن على عن أبى عبيد قال: فإن/قيل لك: باعد خبر، وباعد دعاء، فلم جاز فى آية من كتاب الله أن يقرأ بالشئ وضدّه؟
فالجواب فى ذلك: أنّهم سألوا ربّهم أن يباعد بين أسفارهم فلما فعل الله ذلك بهم أخبروا فقالوا: ربّنا باعد بين أسفارنا فأنزل الله ذلك فى العرضتين فاعرف ذلك. وله فى القرآن نظائر.
١٤ - وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ [٢٠].
قرأ أهل الكوفة: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ﴾ بالتّشديد ﴿إِبْلِيسُ﴾ بالرّفع ﴿ظَنَّهُ﴾ مفعول، وذلك أن إبليس-لعنه الله-قال ظنيّا لا مستيقنا «ولآمرنّهم فليبتّكنّ آذان الأنعام» (٢) ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ فلمّا تبعه من قد سبق شقاؤه عند الله صدّق ظنّه، قال ابن عباس: ظنّ ظنّا فصدق ظنّه.
وقرأ الباقون: «ولقد صَدَق» مخففا و ﴿ظَنَّهُ﴾ نصبا أيضا؛ لأنه يقال: صدّقت زيدا وصدقته وكذّبته وكذبته وينشد (٣):
فصدقتها وكذبتها ... والمرء ينفعه كذابه
стр. 739
وفيها قراءة ثالثة: قرأ أبو الهجهاج: (١) «ولقد صدّق عليهم إبليس ظنُّه» جعل الفعل للظنّ ونصب «إبليس».قال النّحويون: وهو صواب، كما تقول صدّقنى ظنّى، وكذّبنى ظنّى.
١٥ - وقوله تعالى: ﴿إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [٢٣].
قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر [وحفص عن عاصم]: ﴿أَذِنَ﴾ بفتح الهمزة وكسر الذال، أى: أذن الله له.
وقرأ الباقون: «أُذِن له» على ما لم يسمّ فاعله، ويقال: أذنت للرجل فى الشئ يفعله بمعنى: أعلمته، وأذنته/أيضا، وأذن زيد إلى عمر: إذا استمع إليه. جاء فى الحديث (٢): «ما أذن الله بشيء قطّ كإذنه لنبىّ حسن الصّوت يتغنّى بالقرآن».
١٦ - وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ [٣٧].
قرأ حمزة وحده: «فى الغرفة» بالتوحيد، لأنّ الله تعالى قال (٣):
﴿أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا﴾ وفى الجنّة غرفات وغرف. غير أنّ العرب تجتزئ بالواحد عن الجماعة فيقولون: رزقك الله الجنة يريدون الجنّات «وأهلك النّاس الدّينار والدّرهم» يريدون: الدّنانير، والدّراهم، وقال الله تعالى (٤): ﴿وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها﴾ يريد الملائكة.
وقرأ الباقون: ﴿فِي الْغُرُفاتِ﴾ بالجماع. وشاهدهم قوله (٥): ﴿لَهُمْ﴾
стр. 740
﴿غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ﴾ فغرفة وغرفات مثل ظلمة وظلمات، وهو جمع قليل، وغرفة وغرف جمع كثير مثل ظلمة وظلم، وأجاز النّحويون غرفات وظلمات بالإسكان تخفيفا. وأجاز النحويّون ظلمات وغرفات بفتح اللام والراء، لو قيل فى الواحد: غرفة وظلمة لجاز، كما قال الله تعالى (١): ﴿إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ وقرأ الأعمش: «من يوم الجُمْعة» بجزم الميم، وكلّ ذلك حسن ولله الحمد.
وسمعت محمد بن أبى هاشم يقول: سمعت ثعلبا يقول: إذا ورد الحرف عن السّبعة. وقد اختلفوا ثم اخترت لم أفضل بعضا على بعض، فإذا ورد فى الكلام اخترت وفضّلت.
١٧ - وقوله تعالى: ﴿وَأَنّى لَهُمُ التَّناوُشُ﴾ [٥٢].
كان أبو عمرو يقرأ بين بين/وكذلك نافع، وهو إلى الفتح أقرب.
وحمزة والكسائى بالإمالة «أنّي».
والباقون يفتحون.
١٨ - وقوله تعالى: ﴿التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [٥٢].
قرأ أهل الكوفة غير أبى بكر وأبو عمرو: «التّناؤش» بالهمز.
وقرأ الباقون بترك الهمز. فاختلف النّحويون فى ذلك، وقال قوم: هما لغتان: نشت، ونأشت، وتنوش، وتناش، والتناوش، قال الشاعر (٢):
فهى تنوش الدّلو نوشا من علا ... نوشا به تقطع أجواز الفلا