وابن كثير ونافع يخففان: «أكْلٍ خمط».
والباقون يثقلون: ﴿أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ بضم الكاف على الأصل، كما قال تعالى (١): ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ ومن أسكن الكاف مال إلى التّخفيف، وقد ذكرته فيما تقدّم.
١١ - وقوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [٢٣].
قرأ ابن عامر وحده: «فَزَعَ» بفتح الفاء والزاى، أى فزع الله عن قلوبهم الرّوعة، وخفف عنهم ذلك، وذلك أن الفترة بين النّبى ﷺ ، وعيسى ﵇ كانت ستمائة سنة، فلما نزل الوحى على رسول الله ﷺ سمعت للملائكة صليلا ووقعا كصلصلة السلسلة على الألواح، ففزعت، وظننت أن القيامة قد قامت. فقال بعضهم لبعض: ﴿ماذا قالَ رَبُّكُمْ﴾ فأجيبوا: ﴿قالُوا الْحَقَّ﴾ أى: قال يشاء الحق وأنزل الحق.
وقرأ الباقون: ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ بضم الفاء وكسر الزاى على ما لم يسمّ فاعله.
وحدّثنى أحمد عن على عن أبى عبيد أن الحسن قرأ (٢): «فزّغ عن قلوبهم» بالزّاى والغين معجمة.
وفيها قراءة رابعة-بخلاف المصحف فلا يجوز القراءة بها-:
«حتّى إذا افرنقع عن قلوبهم» روى ذلك عن ابن مسعود (٣) و [روى عن]
стр. 737
عيسى بن عمر، وذلك أنه سقط من حماره ذات يوم فاجتمع عليه الناس، فقال: ما لى أراكم قد تكأكأتم على كتكأكئكم على ذى جنّة، افرنقعوا عنّى/.
١٢ - وقوله تعالى: «وهل نجازى إلاّ الكفورُ» [١٧].
قرأ حمزة والكسائى وحفص عن عاصم ﴿نُجازِي﴾ بالنون، الله تعالى يخبر عن نفسه ﴿إِلَاّ الْكَفُورَ﴾ قرأ حمزة والكسائى وحفص عن عاصم نصب مفعول به.
وقرأ الباقون: «يجازى» بالياء، وفتح الزّاى على ما لم يسم فاعله، و «الكفورُ» رفع، و «هل» فى هذا الموضع بمعنى الجحد، كقولك:
ما يجازى إلا الكفور، قال الشاعر:
فهل أنتم إلاّ أخونا فتحزبوا ... علينا إذا نابت علينا النّوائب
ذلك أن «هل» تكون استفهاما وجحدا وأمرا. كقوله (١): ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ أى: انتهوا. وتكون بمعنى «قد» كقوله (٢): ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ﴾ قد أتى على الإنسان، و «إلاّ» تحقيق بعد جحد، أعنى فى قوله:
«وهل نجازى إلاّ الكفورُ».
١٣ - وقوله تعالى: ﴿رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا﴾ [١٩].
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وهشام عن ابن عامر: ﴿رَبَّنا﴾ على الدعاء، أى: يا ربنا بالنصب و «بَعَّدَ» بغير ألف مشدّد العين مثل قرّب.
وقرأ الباقون: ﴿رَبَّنا﴾ بالنّصب أيضا ﴿باعِدْ﴾ بألف أيضا و ﴿باعِدْ﴾ دعاء على لفظ الأمر، وكذلك «بعّد»، وعلامة الأمر سكون الدّال. والمصدر باعد يباعد مباعدة فهو مباعد ومن الأول بعد يبعد بعدا فهو مبعد.
стр. 738
وفيها قراءة ثالثة (١): روى عماد بن محمد عن الكلبى عن أبي صالح «ربُّنا» بالرّفع على الابتداء «باعدَ بين أسفارنا» على الخبر ف «باعد» فعل ماض على هذه القراءة.
حدّثنى بذلك أحمد عن على عن أبى عبيد قال: فإن/قيل لك: باعد خبر، وباعد دعاء، فلم جاز فى آية من كتاب الله أن يقرأ بالشئ وضدّه؟
فالجواب فى ذلك: أنّهم سألوا ربّهم أن يباعد بين أسفارهم فلما فعل الله ذلك بهم أخبروا فقالوا: ربّنا باعد بين أسفارنا فأنزل الله ذلك فى العرضتين فاعرف ذلك. وله فى القرآن نظائر.
١٤ - وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ [٢٠].
قرأ أهل الكوفة: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ﴾ بالتّشديد ﴿إِبْلِيسُ﴾ بالرّفع ﴿ظَنَّهُ﴾ مفعول، وذلك أن إبليس-لعنه الله-قال ظنيّا لا مستيقنا «ولآمرنّهم فليبتّكنّ آذان الأنعام» (٢) ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ فلمّا تبعه من قد سبق شقاؤه عند الله صدّق ظنّه، قال ابن عباس: ظنّ ظنّا فصدق ظنّه.
وقرأ الباقون: «ولقد صَدَق» مخففا و ﴿ظَنَّهُ﴾ نصبا أيضا؛ لأنه يقال: صدّقت زيدا وصدقته وكذّبته وكذبته وينشد (٣):
فصدقتها وكذبتها ... والمرء ينفعه كذابه
стр. 739
وفيها قراءة ثالثة: قرأ أبو الهجهاج: (١) «ولقد صدّق عليهم إبليس ظنُّه» جعل الفعل للظنّ ونصب «إبليس».قال النّحويون: وهو صواب، كما تقول صدّقنى ظنّى، وكذّبنى ظنّى.
١٥ - وقوله تعالى: ﴿إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [٢٣].
قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر [وحفص عن عاصم]: ﴿أَذِنَ﴾ بفتح الهمزة وكسر الذال، أى: أذن الله له.
وقرأ الباقون: «أُذِن له» على ما لم يسمّ فاعله، ويقال: أذنت للرجل فى الشئ يفعله بمعنى: أعلمته، وأذنته/أيضا، وأذن زيد إلى عمر: إذا استمع إليه. جاء فى الحديث (٢): «ما أذن الله بشيء قطّ كإذنه لنبىّ حسن الصّوت يتغنّى بالقرآن».
١٦ - وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ [٣٧].
قرأ حمزة وحده: «فى الغرفة» بالتوحيد، لأنّ الله تعالى قال (٣):
﴿أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا﴾ وفى الجنّة غرفات وغرف. غير أنّ العرب تجتزئ بالواحد عن الجماعة فيقولون: رزقك الله الجنة يريدون الجنّات «وأهلك النّاس الدّينار والدّرهم» يريدون: الدّنانير، والدّراهم، وقال الله تعالى (٤): ﴿وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها﴾ يريد الملائكة.
وقرأ الباقون: ﴿فِي الْغُرُفاتِ﴾ بالجماع. وشاهدهم قوله (٥): ﴿لَهُمْ﴾
стр. 740
﴿غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ﴾ فغرفة وغرفات مثل ظلمة وظلمات، وهو جمع قليل، وغرفة وغرف جمع كثير مثل ظلمة وظلم، وأجاز النّحويون غرفات وظلمات بالإسكان تخفيفا. وأجاز النحويّون ظلمات وغرفات بفتح اللام والراء، لو قيل فى الواحد: غرفة وظلمة لجاز، كما قال الله تعالى (١): ﴿إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ وقرأ الأعمش: «من يوم الجُمْعة» بجزم الميم، وكلّ ذلك حسن ولله الحمد.
وسمعت محمد بن أبى هاشم يقول: سمعت ثعلبا يقول: إذا ورد الحرف عن السّبعة. وقد اختلفوا ثم اخترت لم أفضل بعضا على بعض، فإذا ورد فى الكلام اخترت وفضّلت.
١٧ - وقوله تعالى: ﴿وَأَنّى لَهُمُ التَّناوُشُ﴾ [٥٢].
كان أبو عمرو يقرأ بين بين/وكذلك نافع، وهو إلى الفتح أقرب.
وحمزة والكسائى بالإمالة «أنّي».
والباقون يفتحون.
١٨ - وقوله تعالى: ﴿التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [٥٢].
قرأ أهل الكوفة غير أبى بكر وأبو عمرو: «التّناؤش» بالهمز.
وقرأ الباقون بترك الهمز. فاختلف النّحويون فى ذلك، وقال قوم: هما لغتان: نشت، ونأشت، وتنوش، وتناش، والتناوش، قال الشاعر (٢):
فهى تنوش الدّلو نوشا من علا ... نوشا به تقطع أجواز الفلا
стр. 741
وقال آخرون: التّناوش-بترك الهمز-التّناول، والتّناؤش-بالهمز-:
التّباعد، قال رؤبة (١) :
كم ساق من دار امرئ جحيش ... إليك نأش القدر النئوش
وقال آخر (٢) :
تمنّى نئيشا أن يكون أطاعنى ... وقد حدثت بعد الأمور أمور
(وفى هذه السّورة أربع ياءات اختلف فيها):
﴿مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [١٣] و ﴿أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ﴾ [٢٧] و ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ﴾ [٤٧] و ﴿إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ﴾ [٥٠].
стр. 742
فتحهن نافع وأبو عمرو.
وفتح ابن كثير وعاصم والكسائى وابن عامر: ﴿مِنْ عِبادِيَ﴾ و ﴿أَرُونِيَ﴾ وأسكنوا الحرفين، وفتح حمزة: ﴿أَرُونِيَ الَّذِينَ﴾ فقط، وفتح حفص عن عاصم وابن عامر ﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾ وقد ذكرت علّته فيما سلف من الكتاب.
***
стр. 743
(ومن سورة فاطر)
١ - قوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللهِ﴾ [٣].
قرأ حمزة والكسائىّ «غيرِ» بالخفض على النّعت.
وقرأ الباقون بالرفع، ولهم حجتان:
إحداهما: أن يرد/ «غير» على موضع «من» إذا كانت زائدة لتأكيد الجحد والتّقدير: هل خالق غير الله، فيكون نعتا له قبل دخول «من».
والجواب الثّانى: أن «غير» هاهنا بمعنى «إلا» فجعلت إعراب الاسم بإعراب «غير» كقولك: هل من رجل إلا ظريف. وهل من رجل غير ظريف.
و﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَاّ اللهُ﴾ (١) وهل هاهنا بمعنى «ما» الجحد.
٢ - وقوله تعالى: ﴿كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [٣٦].
قرأ أبو عمرو وحده: «يجزى» على ما لم يسم فاعله بالياء. و «كلّ» رفع؛ لأنّه أقيم مقام الفاعل، وهو نصب فى المعنى، لأنّه مفعول.
وقرأ الباقون: ﴿كَذلِكَ نَجْزِي﴾ بالنّون؛ الله تعالى يخبر عن نفسه ﴿كُلَّ كَفُورٍ﴾ نصب مفعول بهم.
٣ - وقوله تعالى: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها﴾ [٣٣].
стр. 744
قرأ أبو عمرو: «يُدخلونها» على ما لم يسم فاعله لقوله: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها﴾، قال: فكلما جاوز شئ شكله كان ردّ اللفظ على اللفظ أولى من المخالفة.
وقرأ الباقون: ﴿يَدْخُلُونَها﴾ بفتح الياء. قال: لأنّ الدّخول فعل لهم، والتّسوير والتّحلية فعل لغيرهم.
٤ - قوله تعالى (١): ﴿وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ﴾ [٣٣].
قرأ عاصم ونافع: ﴿وَلُؤْلُؤاً﴾ بالنصب.
وقرأ الباقون: «ولؤلؤٍ» بالخفض. والمعلّى عنه «ولؤلوا» ضدّ أبى بكر يهمز الأولى، ولا يهمز الثانية وقد ذكرت علّته فى (الحج).
٥ - وقوله تعالى: ﴿فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ﴾ (٢) [٤٠].
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وحفص عن عاصم ﴿بَيِّنَةٍ﴾ بالتّوحيد لقوله (٣): ﴿فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
وقرأ الباقون: «بيّنات» بالجماع، لأنّها مكتوبة فى/المصحف بالألف والتاء. والبينة، والبينات: القرآن ومحمد ﷺ فى قوله (٤): ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ﴾
стр. 745
﴿الْبَيِّنَةُ﴾ ويقال: بان الشئ وأبان: إذا تبيّن فهو بائن ومبين، وأبنته أنا وبيّنته لا غير، والبيّنة: وزنها فيعلة فاجتمع يا آن فأدغموا فالتّشديد من جلل ذلك، وليس يجوز التّخفيف، وأمّا البيّنة فمن العرب من يقول: البينة-بالتّخفيف- تشبيها بالدية، والاختيار التّشديد، لأن النّية وزنها فعلة من نويت، والأصل: نوية وصارت الواو ياء لانكسار ما قبلها وهو النّون فأدغمت الياء المبدلة من الواو فى الياء الأصليّة، فوقع التّشديد من جلل ذلك.
٦ - وقوله تعالى: ﴿وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ [١١].
روى عبيد عن أبى عمرو: «من عمْره» بجزم الميم.
والباقون: ﴿مِنْ عُمُرِهِ﴾ بضمّتين، وهما لغتان تقول العرب: أطال الله عمرك وعمرك.
وفيه لغة ثالثة: عمرك بفتح العين. والعمر أيضا: القرط، وأيضا الواحد من عمور الأسنان.
وأمّا قولهم فى القسم: «لعمرك» و «لعمرى» فالفتح لا غير، إلا أن من العرب من يقدم الرّاء، ويعكس الحروف، فيقول: «رعملى»، كما يقال جذب، وجبذ، وما أطيبه، وأيطبه، وحكى أبو زيد لغة ثالثة: لعمرى بفتح الميم (١).
اختلف النّاس فى قوله: ﴿عُمُرِهِ﴾ الهاء على من تعود؟
فقال قوم: على الأول، وهو المعمر أى: ما يعمر من معمّر أى: لا يطول عمر أحد، ولا ينقص من عمره/أى: لا يأتى عليه اللّيل النّهار، فينقصاه إلا ذلك مسطور عند الله فى كتاب مبين.
стр. 746
والقول الآخر: ما يعمّر من معمّر، ولا ينقص من عمر آخر غير الأول، وهذا اختيار الفراء، وإنما أجاز أن يعود الذكر على غير مذكور لأنّ المعنى مفهوم، كما يقول: لك علىّ درهم ونصفه، أى: نصف آخر، ويجوز نصف الأول أى:
يزنه نصف الأول.
والقراء جميعا يقرءون: ﴿وَلا يُنْقَصُ﴾ بضمّ الياء على ما لم يسم فاعله لقوله: ﴿وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ إلا الحسن وقتادة فإنهما يقرءان «ولا ينقص» بفتح الياء.
٧ - وقوله تعالى: ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ [٤٣].
قرأ حمزة وحده: «السّيّئْ» بجزم الهمزة، وإنما فعل ذلك لتوالى الكسرات مع الياء والهمزة، فأسكنه تخفيفا، كما يفعل أبو عمرو فى نحو:
«خادعهم» (١) و ﴿يَنْصُرْكُمُ﴾ (٢) و «يأمرْكم» (٣) وقد نسب بعض من لا يعرف العربيّة واتساع العرب حمزة إلى اللّحن، وليس لحنا لما أخبرتك.
وقرأ الباقون: ﴿السَّيِّئِ﴾ بكسر الهمزة على الأصل.
وفيها قراءة ثالثة: روى شبل عن ابن كثير «السّيئ» قال ابن مجاهد:
وهو خطأ.
وأجمعوا على ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ﴾ أن همزتها مرفوعة.
فإن قيل لك: فهلاّ أسكن حمزة الثانى كما أسكن الأول؟
فقيل: إنما أسكن الأول استثقالا لاجتماع الكسرة مع الياء ولما انضمت الهمزة فى الثانية لم يستثقل فأتى به على الأصل.
***
стр. 747
(ومن سورة يس) /
١ - وقوله تعالى: «يَس» [١].
قرأ عاصم برواية أبى بكر والكسائىّ وابن عامر وورش: «يَس والقرءان الحكيم» لا يثبتون النّون عند الواو؛ لأنّ النون والتّنوين إنما يظهران عند حروف الحلق.
والباقون يظهرون ﴿يس﴾ و (نون) فإنما أظهروا لأنّ (ياسين) كلمة منفردة عمّا بعدها، وكذلك حروف التّهجّى ينوى بها السّكت والانقطاع عمّا بعده.
وكان حمزة يميل «ييس» غير مفرط، والكسائىّ أشدّ إمالة منه، وقد ذكرت ذلك فيما سلف من أنّ حروف الهجاء تمال وتفخّم وتمدّ وتقصر وتذكّر وتؤنّث.
حدّثنى ابن مجاهد عن السّمّرىّ عن الفرّاء، قال (١): قال الحسن «يَس» معناه: يا رجل، وقال غيره (٢): «يَس» يا محمد وقال آخرون (٣):
«يَس» افتتاح السّورة.
٢ - وقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [٥].
стр. 748
قرأ حمزة والكسائىّ وابن عامر وحفص عن عاصم: ﴿تَنْزِيلَ﴾ بالنّصب على المصدر، كما قال (١): ﴿صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ﴾ وقال الفرّاء: كما قال (٢): ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾.
وقرأ الباقون: «تنزيلُ» بالرّفع جعلوه خبر ابتداء مضمر على تقدير:
هذا تنزيل، وهو تنزيل.
٣ - وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ [٩].
قرأ حمزة والكسائىّ وحفص عن عاصم ﴿سَدًّا﴾ و ﴿سَدًّا﴾ بالفتح.
وقرأ الباقون بالضمّ، فقال قوم: هما لغتان.
وقال آخرون: ما كان من فعل بنى آدم فهو السّدّ، وما وجد مخلوفا فهو السّدّ.
وقال أبو عمرو: ما كان من فعل الله فهو السّدّ بالضم، فما كان فى العين /فهو من فعل الله. فلذلك قرأها هنا: «من بين أيديهم سُدّا» إلا أنّ قوما آذوا رسول الله ﷺ وأرادوه ومكروا به فأغشى الله أبصارهم (٣).يقال:
غشّى وغطّى وختم، وطبع وستر بمعنى واحد.
وقرأ الحسن وأبو رجاء (٤): «فأعشيناهم» بالعين يقال: عشيت
стр. 749
العين: إذا عمشت، وعشيت، عميت، تعشى عشيا بالألف، يقال: رجل أعشى وامرأة عشواء، والجميع عشو مثل حمر.
٤ - وقوله تعالى: ﴿فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ﴾ [١٤].
قرأ عاصم فى رواية أبى بكر: «فعزَزنا» مخففا أى: فغلبنا من قول العرب (١): «من عزّ بزّ» أى: من غلب سلب.
وقرأ الباقون: ﴿فَعَزَّزْنا﴾ بالتّشديد أى: قوّينا.
وقوله: ﴿بِثالِثٍ﴾ أى: بثالث كان قبل الاثنين، وهو فى التّلاوة كأنّه بعدهما. والتّقدير: فعزّزنا بثالث الذى كان قبل الاثنين، والثالث هو: يوشع ابن نون.
وحدّثنى ابن مجاهد عن محمّد بن هارون عن الفرّاء (٢) فى قراءة ابن مسعود «فعزّزنا بالثّالث» بالألف واللاّم؛ لأنّ النّكرة إذا أعيد ذكرها أعيد بالألف واللاّم.
٥ - وقوله تعالى: ﴿أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ [١٩].
قد ذكرت الاختلاف فى الهمزتين فى مواضع، وإنّما أعدت ذكره لأنّ المفضّل روى عن عاصم: ﴿أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ كقراءة ابن كثير بهمزة مقصورة بعدها ياء مكسورة؛ ولأنّ أبا رزين قرأ (٣): «أين ذكّرتم» يريد: الآن؛ ولأنّ ابن حوشب قرأ (٤): «إن ذكّرتم» يريد: لئن ذكّرتم. وقد استقصيت علل ذلك فى كتاب «الألفات» (٥).
стр. 750
وحدّثنى/ابن مجاهد عن محمّد بن هارون عن الفرّاء (١)، قال: قرأ بعضهم: «قال طيركم معكم» أى: شؤمكم. تقول العرب: طائر لا طيرك وطائر لا طائرك. والطّير: جمع طائر.
وروى عن الحسن قال: «طيركم معكم» فالطير أيضا الذّنوب، كقوله (٢): ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ والطّيرة فى قول رسول الله ﷺ (٣) «لا عدوى، ولا هامة ولا صفر، ولا غول، ولا طيرة» فإنّه ﷺ كان يتبرك بالفأل وينهى عن الطّيرة، والفأل: أن يكون لك عليل وتسمع يا سالم فتتبرّك به، والطّيرة: أن يخرج الرّجل من منزله فيرى رجلا أعور فيرجع إلى منزله تطيّرا، فيقال: طار يطير طيرا وطيرانا وطيرورة ومطارا وطيرة، وطار الرّجل فى حاجته: إذا أسرع، وفلان لا يطير غرابه، وهو ساكن الطّير: إذا كان ذا وقار وسمت سكّيتا، وفلان ما يطور بنا أى: لا يقربنا. وما فى الدّار طورىّ، ولا طوارىّ أى: أحد. وفلان قد عدا طوره: إذا تعدّى وجاوز مقداره.
٦ - قوله تعالى: ﴿وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ [٣٥].
قرأ أهل الكوفة إلاّ حفصا: «عملت أيديهم» بغير هاء اتّباعا لمصحفهم.
والباقون ﴿عَمِلَتْهُ﴾ بالهاء اتباعا لمصاحفهم، والهاء تعود على «ما» وعملت صلتها، ومن حذفه حذفه اختصارا؛ لأنّه مفعول، وكلّ مفعول يجوز
стр. 751
حذفه اختصارا كقوله (١): ﴿ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾ /يريد: وما قلاك، ولا سيّما إذا كان فى اسم يحتاج إلى صلة فتحذف الهاء لما طال الاسم بالصّلة كقوله (٢): ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ﴾ يريد كلّمه الله.
٧ - وقوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ [٣٩].
قرأ أهل الكوفة وابن عامر: ﴿وَالْقَمَرَ﴾ نصبا بإضمار فعل يفسره ما بعده أى: قدّرنا القمر قدّرناه.
والباقون يرفعون: «والقمرُ» فمن رفع جعله ابتداء و ﴿قَدَّرْناهُ﴾ خبره، والهاء مفعول. قال الشّاعر (٣):
والذّئب أخشاه إن مررت به ... وحدى وأخشى الرّياح والمطرا
ومثّل «القمر» حين يهل ثم يعظم ويستدير ثم ينقص ويدقّ بالعرجون وهو اليابس من الشّماريخ.
وقال الفرّاء (٤): العرجون: ما بين الشّماريخ إلى النّابت فى النّخلة
стр. 752
والقديم هاهنا الّذى قد أتى عليه سنة، وأمّا قول الشّاعر (١) :
لو يدبّ الحولىّ من ولد الذّ ... رّ عليها لأندبتها الكلوم
فإنّ ثعلبا قال: الحولىّ هاهنا: ما أتى عليه يوم واحد (٢) ؛ لأنّ الذرّ لا يعيش سنة، والعرب تشبّه انتقاص المرء بعد كبره بزيادة القمر ونقصانه. وكذلك إذا ولد؛ لأنّ القمر يهلّ صغيرا ثم يعظم ثم ينقص، كذلك يكون الرّجل طفلا، ثم شرخا، ثم يستوى شبابه، ثم يشيخ، ثم ينقص، قال الشاعر (٣) :
مهما يكن ريب المنون فإنّنى ... أرى قمر الدّنيا المعذّب كالفتى
يهلّ صغيرا ثم يعظم ضوؤه ... وصورته حتّى إذا ما هو انتهى/
يقارب يخبو ضوؤه وشعاعه ... ويمصح حتّى يستسرّ فلا يرى
стр. 753
كذلك زيد المرء ثم انتقاصه ... وتكراره فى أمره بعد ما انقضى
قال الله تعالى وهو أصدق قيلا (١): ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً﴾.
٨ - وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ [٤٩].
قرأ حمزة وحده: «يخصِمون» مخفّفا مثل يضربون.
وقرأ ابن كثير: ﴿يَخِصِّمُونَ﴾ بفتح الياء والخاء وتشديد الصّاد.
وقرأ نافع وأبو عمرو كذلك، غير أنّ أبا عمرو يختلس الحركة، ونافع يسكّن الخاء، واختلف عن عاصم فروى عنه: ﴿يَخِصِّمُونَ﴾ بفتح الياء وكسر الخاء، وروي عنه بكسرهما، وقد ذكرت علل ذلك عند ﴿أَمَّنْ لا يَهِدِّي﴾ (٢).
٩ - وقوله تعالى: ﴿فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ [٥٥].
قرأ أهل الكوفة وابن عامر: ﴿شُغُلٍ﴾ بضمتين مثل الرّعب، والسّحت.
وقرأ الباقون: «شُغْل» ساكنا، فيكونان لغتين ويجوز أن يكون الشّغل مخففا من شغل، ويقال: المشغل والشّغل بمعنى الشّغل، وينشد:
*ما كان حبسى عنك إلاّ شغلا*
وقال المفسّرون: فى قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ﴾ قيل: افتضاض الأبكار، وقيل: استماع الألحان، ﴿فاكِهُونَ﴾، أى: قد
стр. 754
كثر ذلك عندهم، وأنشد (١):
أغرزتنى وزعمت أن ... نك لابن فى الصّيف تامر
أى: كثير اللّبن وكثير التّمر.
حدّثنا أبو عبيد أخو المحاليّ/قال: حدّثنا محمّد بن عبد الله مولى بنى هاشم قال: حدّثنا أبو سفيان الحميرىّ قال: سمعت أبا هريرة يقرأ (٢): ﴿إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ بفتحتين.
١٠ - وقوله تعالى: ﴿فِي ظِلالٍ﴾ [٥٦].
قرأ حمزة والكسائىّ «ظُلَل» جمع ظلّة، مثل قبلة وقبل، والظّلة:
السّحابة، كما قال (٣): ﴿يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾.
وقرأ الباقون: ﴿فِي ظِلالٍ﴾ جمع ظلّ، والظّلّ ما نسخته الشّمس، وهو ما كان من أوّل النّهار، والفئ: ما كان بعد الزّوال؛ لأنّه ظلّ فاء من جانب إلى جانب، أنشدنى ابن عرفة (٤):
فلا الظّلّ من برد الضّحى تستطيعه ... ولا الفئ من برد العشىّ تذوق
стр. 755
والظّلّ: الستر: يقال: أنا فى ظلّك أى: فى سترك، وكذلك ظلّ الجنة، وظلّ الشجرة، ويقال فى الدّعاء: «اللهم ظلّلنا يوم لا ظلّ إلا ظلّك».فظلّ اللّيل سواده، لأنّه يستر كلّ شئ. والعرب تقول: فلان خفيف الظلّ، أى:
خفيف الرّوح مقبول كيّس، وتقول العرب فى شدّة قصر اللّيل واليوم: هو «أقصر من ظلّ التلح» (١) «وسالفة الذّباب» (٢) والتّلح؛ لا ظلّ له. وسالفه العنق: صفحتاه، والسّالفة لا تكون للذّباب، و «هو أقصر من إبهام القطاة»؛ (٣) لأنّ القطاة لا إبهام لها، وينشد (٤):
ويوم كإبهام القطاة مزيّن ... إليّ صباه غالب لى باطله
١١ - وقوله تعالى: ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ [٦١].
قرأ حمزة وعاصم وأبو عمرو بكسر النّون لالتقاء الساكنين.
وقرأ الباقون بالضمّ، وإنّما ضمّوا كراهية أن يخرجوا من كسر إلى ضمّ، ولم يختلف القراء فى إثبات الياء فى/: «وأنُ اعبدونى هذا» وصلا ووقفا؛ لأنّه ثابت فى المصحف. والصّراط المستقيم: هو الدّين المستقيم، والطّريق الواضح والمنهاج البيّن. قال الشّاعر-هو جرير- (٥):
стр. 756
أمير المؤمنين على صراط ... إذا اعوجّ الموارد مستقيم
وسئل ابن مسعود (١) عن الصّراط المستقيم فقال: يا ابن أخى ادن منّى، وتركنا رسول الله ﷺ وأدناه، وطرفه فى الجنّة، وعن يمينه جوادّ، [و] عن يساره جواد عليها رجال يدعون من مرّ بهم: هلمّ إلى الطريق، فمن أخذ معهم وردوا به النّار، ومن لزم الطّريق الأعظم والمنهاج الواضح ورد به الجنّة، هو كتاب الله.
وقال علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه: اليمين والشّمال مضلّة، والطّريق عليها منهج كتاب الله، ومنها منفذ السّنة وإليها مصير العاقبة. هذا اختيار المبرّد فيما أجاز لى أبو العباس ابن رزين الكاتب عنه.
١٢ - وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً﴾ [٦٢].
قرأ أبو عمرو وابن عامر: «جُبُلا» بضم الجيم وإسكان الباء، قال أبو ذؤيب (٢):
стр. 757
منايا يقرّبن الحتوف لأهلها ... جهارا ويستمتعن بالإنس الجبل
وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائىّ بضمّ الباء والجيم مخفّفا.
وقرأ عاصم ونافع: ﴿جِبِلاًّ﴾ بكسر الجيم، والباء، واللاّم مشددة كقوله (١): ﴿وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾ أى: كخلقهم وطبعهم.
وقرأ عيسى/بن عمر (٢): «جُبُلاّ» بضمتين، وتشديدين ومعناها كلها واحد، والجبلّ الخلق والخليقة، تقول العرب: قد عرفت نجر فلان ونجاره ونحاسه، ونحاسه، ونجيحه، وعريكته، وحريكته، وسليقته، وتوزه، وتوسه، ونفسه، ونقيلته، وطانه، وطابه، وحبله، وحبلته، وجبلته، وجبلته، وخبلته، وحلّه بمعنى واحد.
١٣ - وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ﴾ [٦٨].
قرأ حمزة وعاصم فى رواية أبى بكر: ﴿نُنَكِّسْهُ﴾ مشددا.
وقرأ الباقون: «ننكِسه» مخففا مثل نقتله، فقال قوم: هما لغتان نكست، ونكّست مثل رددت، وردّدت. غير أنّ ردّدت مرة بعد مرة للتكثير، ورددت، مرة واحدة والمصدر من المخفّف الرّدّ، ومن المشدّد التّردّد والتّرداد والرّدّيدى (٣) مثل الخلّيفى من الخلافة، والظّلّيلى من الظّلالة، قال عمر بن الخطّاب (٤): «لولا الخلّيفى لأحببت أن أؤذّن»، وقال أبو عمرو بن العلاء:
стр. 758
نكّست بالتّشديد: أن ينكس الرجل من دابته، وينكسه: نردّه إلى أرذل العمر. ففرّق أبو عمرو بينهما. ويقال: نكس الرّجل فى مرضه أى: أثاب إلى العلّة، وعاد إليها، وهو النّكس. قال الشاعر (١):
*كذى الضّنا عاد إلى نكسه*
وأنكس مثل نكس، وقوله تعالى: (٢) ﴿وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا﴾ أى: ردّهم. والنّكس: المعاد المردّد. ونهى رسول الله ﷺ عن الاستجمار بالرّوث (٣) لأنّه نكس أى: رجيع.
١٤ - وقوله تعالى/: «أفلا تعقلون» [٦٨].
قرأ نافع بالتاء على الخطاب.
وقرأ الباقون بالياء على الغيبة.
١٥ - وقوله تعالى: ﴿أَنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [٤١].
قرأ نافع وابن عامر: «ذرّياتهم» على الجماع إذ كان فى المصحف مكتوبا بالألف.
وقرأ الباقون بالتّوحيد: ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ وكذلك فى مصاحفهم، وإنما كسرت التاء فى جمع؛ لأنّها غير أصليّة، وذريته تكفى من الذّريات كما قال (٤): ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ﴾.
стр. 759
١٦ - وقوله تعالى: ﴿لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ﴾ [٦٧].
قرأ عاصم فى رواية أبى بكر: «مكاناتهم» جماعا.
وقرأ الباقون: ﴿مَكانَتِهِمْ﴾ بالتّوحيد. وقد ذكرت علّته فى (هود) وإنما أعدت لأنّ محمدا حدّثنى عن ثعلب عن سلمة عن الفرّاء قال: تقول العرب:
مسخه الله قردا، ونسخه قردا بمعنى، وهذا الحرف نادر. فالمسخ بالفتح المصدر، والمسخ بالكسر الاسم مثل الذّبح مصدر ذبحت ذبحا، والذّبح المذبوح، قال الله تعالى (١): ﴿وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ فأمّا كلام بلغ، وبلغ فمعناهما واحد، وهو البليغ.
١٧ - وقوله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا﴾ [٧٠].
قرأ نافع وابن عامر: «لتنذر» بالتّاء على الخطاب أى: لتنذر يا محمد من كان حيّا. أى حىّ القلب حىّ السمع.
وقرأ الباقون: ﴿لِيُنْذِرَ﴾ بالياء أى: لينذر القرآن، وذلك أن الله أنزل القرآن بشيرا، ونذيرا. فالنذير النّبى، والنّذير القرآن، والبشير القرآن، والبشير النبىّ وأمّا قوله (٢): «كيف كان نذير» /فمصدر، ومعناه: فكيف كان إنذارى، وأمّا قوله (٣): ﴿وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ فقيل: النبىّ ﷺ ، وقيل:
النّذير الشيب، وكان رسول الله ﷺ جلّ ضحكه التّبسّم. فلمّا رأى الشّيب ما تبسّم حتّى توفّاه الله ، هذا قول، واحتجّوا بأنّ رسول الله ﷺ
стр. 760
قال (١): «شيّبتنى هود وأخواتها».
فأمّا ابن عرفة فحدّثنا عن محمد بن عبد الملك عن يزيد بن هارون عن حميد قال: سئل أنس: هل خضب رسول الله ﷺ فقال: ما شانه الشّيب.
فقيل: أوشين هو يا أبا حمزة؟ قال: كلّكم يكرهه (٢).
والصّحيح: أن رسول الله بعث وهو ابن أربعين، وبقى بمكة ثلاث عشرة سنة، ثم هاجر إلى المدينة، وبقى فيها عشر سنين فتوفى النّبى ﷺ وهو ابن ثلاث وستين سنة، وليس فى رأسه، ولحيته إلا شعرات بيض نحو بضع عشرة، ويقال: أول من شاب خليل الرّحمن ﵇، فأوحى الله إليه أشقل وقارا بالسّريانية تفسيره: خذ وقارا.
١٨ - وقوله تعالى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [٨٢].
قرأ الكسائىّ وابن عامر: «فيكونَ» نصبا نسقا بالفاء على ﴿أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ﴾ «فيكونَ».
والباقون يرفعون على: فهو يكون، وكن، فكان، لأنّه لا يصلح أن يجعله جوابا باللاّم.
***
стр. 761
(ومن سورة الصافات)
١ - قرأ أبو عمرو وحمزة: «والصّافات صفّا*فالزّاجرات زجرا* فالتالياتْ/ذكرا» [١، ٢، ٣] «والّذارياتْ ذروا» مدغما كلّ ذلك لقرب التّاء من الصّاد والزّاي والذّال.
وقرأ الباقون بالإظهار؛ لأنّ التاء قبلها حرف ساكن، وهو الألف، ولأنّ التّاء متحركة لا ساكنة نحو: ﴿قالَتْ طائِفَةٌ﴾ (١) ألا ترى أنّها لما تحرّكت كان الاختيار الإظهار نحو: ﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ﴾ (٢) على أنّ أبا عمرو وحمزة قد أدغما، وجرّت ذلك بواو القسم والنّسق، وجواب القسم: ﴿إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ﴾ والتّقدير: وربّ الصّافات ورب هذه المذكورات: ﴿إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ﴾ والصّافات: الملائكة؛ لأنّها مصطفة بين السماء والأرض طاعة لله لا يفترون عن عبادته كما قال: ﴿وَإِنّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ [١٦٥] ﴿وَإِنّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [١٦٦] يعنى المصلّون.
وقال أبو عبيدة (٣): كلّ مصطفّ لا ينظم قطراه-أى: جانباه-فهو صافّ «والزّاجرات زجرا» [٢] الملائكة، وقيل: كلّ شئ زجر عن معاصى الله فهو زاجرات «والتّاليات ذكرا» التاليات القرآن.
стр. 762
فإن سأل سائل فقال: لم لم يقل فالتّاليات تلوا كما قال «والزاجرات زجرا»؟
فالجواب فى ذلك: أن التّالى يكون التّابع يقال: تلوت فلانا: إذا تبعته أى: جئت بعده، كما قال (١): ﴿وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها﴾ ويكون التّالى: القارئ فلما التبس بيّنه الله أن التاليات-هاهنا-القارئات ذكرا، لا التّابعات.
فإن قيل: لم أنّث؟
فقل: على تقدير الطّائفة التّاليات، والجماعة الصّافات كما قال (٢):
﴿فَنادَتْهُ/الْمَلائِكَةُ﴾.
ولو قال قائل: إنّ التاليات وإن كانت على لفظ الجماعة يريد به جبريل ﷺ وحده لكان جائزا؛ لأن قوله: ﴿فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ﴾ يراد به جبريل وحده.
وزاد أبو عمرو على حمزة: «فالملقيات ذكرا» (٣) ﴿وَالْعادِياتِ ضَبْحاً﴾ (٤) ﴿فَالسّابِقاتِ سَبْقاً﴾ (٥) ﴿وَالسّابِحاتِ سَبْحاً﴾ (٦).
٢ - وقوله تعالى: ﴿بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ﴾ [٦].
стр. 763
قرأ حمزة وحفص: ﴿بِزِينَةٍ﴾ منونا و ﴿الْكَواكِبِ﴾ خفضا، جعلا الكواكب هى الزّينة وبدلا منها.
وقرأ عاصم فى رواية أبى بكر ﴿بِزِينَةٍ﴾ منونا أيضا، «الكواكبَ» نصب مفعول أى: بزينتنا الكواكب فعند البصريين ينصب ﴿بِزِينَةٍ﴾ لأنّ المصدر يعمل عمل الفعل وعند الكوفيين لا يشقّ من المصدر (١).
وقرأ الباقون: «بزينةِ الكواكبَ» مضافا ﴿وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ﴾ [٧] نصب على المصدر، أى: وحفظناها حفظا من كلّ شيطان مارد.
٣ - وقوله تعالى: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى﴾ [٨].
قرأ حمزة والكسائىّ وحفص عن عاصم: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾ مشدّد السين والميم أرادوا: لا يستمعون فأدغموا التّاء فى السّين؛ وذلك أن الله تعالى منعهم من الاستماع ورجمهم بالنّجوم فقال (٢): «إنّه عن السّمع لمعزولون» ولكنهم كانوا يتسمّعون، كما قال (٣): ﴿وَأَنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ قبل مولد رسول الله ﷺ : ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً﴾.
وقرأ الباقون: «لا يسْمَعون» مخفّفا؛ وذلك أنّك تقول تسمّعت/إلى فلان، وسمعت إليه بمعنى، كقول العرب: ألم تسمع إلى فلان، ومثله ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٤) وإنما أنكر بعضهم التّخفيف. قال: لأنّى لا أقول سمعت إلى فلان، وإنما سمعت فلانا، وهذا وإن كان الأكثر فإن ذلك
стр. 764
جائز عربىّ ﴿وَيُقْذَفُونَ﴾ بضمّ الياء لا غير؛ لأنّهم مفعولون؛ لأن الشّياطين ترجم، ولا ترجم. يقال: قذفته بالحجر، وحذفته بالخشب، وخذفته بالحصى.
﴿مِنْ كُلِّ جانِبٍ دُحُوراً﴾ [٨] بضمّ الدال لا غير، إلا السّلمىّ والحسن، فإنهما قرءا: «دَحورا» أو أحدهما، وقد ذكرت علّته فيما مضى.
﴿وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ﴾ [٩] أى: دائم.
وحدّثنا ابن مجاهد، قال: حدّثنا ابن حبّان عن محمد بن يزيد، عن ابن مهدى، عن سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عبّاس أنه قرأ «لا يسْمَعون» بالتّخفيف.
٣ - وقوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ [١٢].
قرأ حمزة والكسائىّ بضمّ التّاء، الفعل لله تعالى، وذلك لأنّ الله تعالى قد عجب من فتى لا صبوة له، و «عجب ربكم من ألّكم وقنوطكم»، وقال لمحمد ﷺ ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ﴾ يا محمد ﴿فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ (١) غير أنّ العجب من الله تعالى على خلاف ما يكون من المخلوقين (٢).فالعجب من المخلوقين: أن ينظر إلى شئ لم يكن فى حسابه، وفى علمه فيبهره وينكره. فيتعجّب من ذلك، والله تعالى [يعلم] الأشياء قبل كونها، فلا تعجّب على هذه الجهة، ولكن القوم لما هربوا من رسول الله ﷺ وأنكروا البعث والنّشور، أنكر الله تعالى عليهم/فعلهم إذا أتوا بنكر، وأعجوبة لجرأتهم وتمرّدهم.
стр. 765
وقرأ الباقون: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ بفتح التاء أى: عجبت يا محمّد من وحى الله تعالى ويسخرون هم منك. قالوا: وإنما اخترنا هذا؛ لأنّ الله تعالى لا يعجب، وإنما يعجب من لا يعلم وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ أى: عجب عندكم فأمّا عندنا فلا. والقراءتان جائزتان لما خبّرتك، لأنّ الله تعالى قال (١): ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ﴾ وقال (٢): ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ (٣) ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ (٤) ونحوه فى القرآن كثير (٥).فالمحبّة من الله، والمكر والخديعة والاستهزاء: كلّ ذلك على خلاف ما يكون من المخلوقين، وهو أن يجازيهم جزاء خداعهم ومكرهم، والمحبّة من العبد لزوم الطّاعة والمحبّة من الله إكرامه أهل طاعته بالثّواب الجزيل.
٤ - وقوله تعالى: ﴿أَوَآباؤُنَا﴾ [١٧].
وقرأ ابن عامر وقالون: «أوْ آباؤنا» بإسكان الواو.
والباقون بالتّحريك.
٥ - وقوله تعالى: ﴿وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [٤٧].
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: ﴿يُنْزَفُونَ﴾ بفتح الزّاى.
وكذلك فى (الواقعة) (٦) ومعناه: لا تذهب عقولهم يقال: نزف الرّجل: إذا ذهب عقله، ونزف: إذا ذهب دمه عند الموت، وأنزف ينزف: إذا ذهب
стр. 766
شرابه ونفد قال الشّاعر (١):
لعمرى لئن أنزفتم أو صحوتم ... لبئس النّدامى كنتم آل أبجرا
وقرأ حمزة والكسائىّ: «ينزِفون» بكسر الزّاى على هذه اللّغة.
وأمّا عاصم فإنه قرأ فى الواقعة: ﴿يُنْزَفُونَ﴾ بالكسر وفى (الصّافات) ﴿يُنْزَفُونَ﴾ بالفتح جمع بين اللّغتين/تخفيفا فصار يزف (٢) ويعد ويزن فإذا أمرت قلت: زف وعد وزن.
٦ - وقوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ ماذا تَرى﴾ [١٠٢].
قرأ حمزة والكسائىّ: «تُرى» بضم التّاء، وكسر الرّاء، من أريت ترى، أى: إذا ما تشير والأصل: ترأى فنقلوا كسرة الهمزة إلى الراء، وحذفوا الهمزة لسكونها، وسكون الياء.
стр. 767
وقرأ الباقون: ﴿ماذا تَرى﴾ بالفتح. غير أنّ أبا عمرو كان يميل الراء من أجل الياء.
والباقون يفتحون جعلوه من الرّأى والرّؤية، لا من المشورة. وكان إبراهيم ﷺ رأى فى المنام فأمر بذبح ابنه. ورؤيا الأنبياء وحى، فلذلك قال ابنه:
﴿يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [١٠٢] قال ذلك وهو ابن ثلاث عشرة سنة (١) .
«فتلّه للجبين» [١٠٣] أى: صرعه وألقاه على وجهه لئلاّ يرى وجهه فيرحمه. فلمّا عرف الله طاعة إبراهيم ﷺ إيّاه، وطاعة ابنه إيّاه شكر الله تعالى لهما بذلك، ففداه بذبح عظيم بكبش قد رعى فى الجنّة أربعين خريفا.
واختلف الناس فى الذّبيح؟ فقال قوم: إسحاق (٢) ، وقال آخرون:
стр. 768
إسماعيل ﵉. واحتجّوا بقول رسول الله ﷺ (١): «أنا ابن الذّبيحين»، وبقوله تعالى: ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [١١٢]، قال: فكيف تكون البشارة مع الذّبح؟ !
واحتجّ الآخرون فقالوا: ﴿وَفَدَيْناهُ﴾ [١٠٧] أى: وفدينا إسحاق، وبشرنا إبراهيم بنبوّة إسحاق بعد أن/فداه ﷺ . فمن قال: إسحاق، فعلىّ وابن مسعود وكعب الأحبار. ومن قال: إنه إسماعيل، فإنّه عمر ومحمّد بن كعب القرظىّ وسعيد بن المسيّب. ومن قال: إنه إسحاق قال كان فى إسحاق بشارتان. فبشرناه بغلام حليم، وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين. ومعنى تلّه: صرعه كما أخبرتك. وأمّا حديث رسول الله ﷺ (٢): «إنّ جبريل ﵇ أتاه بمفاتيح خزائن الأرض فتلّها فى يد رسول الله ﷺ » فمعناه: صبّها.
٧ - وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [١٢٣].
قرأ ابن عامر وحده برواية ابن ذكوان «وإنَّ لْياس» بوصل الألف.
والباقون بالقطع، وهو الاختيار، لأنّ الألف فى أول الأسماء الأعجمية لا تكون إلا مقطوعة نحو إسرائيل وإبراهيم.
٨ - قوله [تعالى]: ﴿سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ﴾ [١٣٠].
بقطع الألف دلالة على قطعها هناك، واتفاق الجميع. وقوله تعالى:
﴿سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ﴾ قرأ نافع وابن عامر «سلم على آل ياسين»
стр. 769
كأنّه آل محمد كما قيل فى: ياسين، يا محمد يا رجل. وآل محمد: كل من آل إليه بقرابة أو بحسب.
وقال آخرون: آل محمّد كلّ من كان على دينه. كما قال (١) : ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ وأجمع النّحويون على أن آل أصله أهل فقلبوا الهاء همزة، وجعلوها مدّة، لئلا يجتمع ساكنان، كما قال، والدّليل على ذلك: أنّك إذا صغرت آل قلت: أهيل، ولا يجوز أويل، ردّوا إلى الأصل، لا إلى اللّفظ، وكذلك تفعل/ العرب بأكثر المصغرات أن يردوه إلى أصله، ولا يبقى على لفظه. وربما ترك كقولك فى تصغير عيد: عييد، ولم يقولوا: عويد، وأصله الواو، كما قالوا فى جمعه: أعياد، ولم يقولوا أعواد، لئلا يشته بتصغير عود وجمعه، فاعرفه فإنه حسن جدّا.
على أن الكسائى قد حكى تارة على الأصل، وتارة على اللّفظ أويلا وأهيلا.
وقرأ الباقون: ﴿سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ﴾ بكسر الألف وإلياس وإن كان جمعا فى اللّفظ فإنه واحد، وهو إدريس النبى ﷺ .
واحتجّ من قرأ بهذه القراءة أنّ فى حرف ابن مسعود (٢) : «سلام على إدراسين» «وإن إدريس لمن المرسلين» فقال الحذاق من النّحويين: إن المعروف اسم النبى ﷺ إدريس، وإلياسين وإنما جمع فقيل: إدراسين وإلياسين؛ لأنه أريد النّبى ومن معه من أهل دينه، كما يقال المسامعة والمهالبة: يريدون
стр. 770
مسمعا ومهلّبا ومن معهما، قال الشاعر (١):
قدنى من نصر الخبيبين قدى
قال: أراد أبا خبيب، وهو ابن الزّبير ومن تابعه فجمع على ذلك. هذا قول أحمد بن يحيى. وقال محمد بن يزيد: (من نصر الخبيبين) على لفظ الاثنين أراد: ابنى الزّبير كما قال: سنّة العمرين.
٩ - وقوله تعالى: ﴿اللهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [١٢٦].
قرأ حمزة والكسائى وحفص عن عاصم: ﴿اللهَ﴾ بالنصب بدلا من قوله:
﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ﴾ [١٢٥] لأن ﴿أَحْسَنَ﴾ مفعول ﴿تَذَرُونَ﴾ / واسم الله تعالى بدل منه إذ كان هو هو، لأنّ أحسن الخالقين هو ﴿اللهَ رَبَّكُمْ﴾ عطف عليه، ﴿وَرَبَّ آبائِكُمُ﴾، وذلك أن الله وبخهم وجهلهم حين عبدوا ما نحتوه بأيديهم، وهو البعل، فقال: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً﴾ أى: صنما، ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ﴾.أى: تذرون ربكم وربّ آبائكم، لأنهم قالوا (٢): ﴿بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ والبعل: أربعة أشياء؛ البعل:
الزوج والبعل: السّماء، تقول العرب: السّماء بعل الأرض، والبعل من النّخل، ما شرب بعروقه من غير سقى السّماء. والبعل: الصنم.
стр. 771
وقرأ الباقون: «الله ربُّكم وربُّ آباؤُكم» بالرفع عن الاستئناف، كما قال الشاعر: (١)
فإن لها جارين لن يغدرا بها ... ربيب النبىّ وابن خير الخلائف
فاستأنف فرفع ربيب على معنى هما ربيب وابن، وكذلك: «أحسنُ الخالقين اللهُ»، أى: هو الله تعالى، وخلائف: جمع خليفة، وخليف بغير هاء يجمع خلفاء مثل كريم وكرماء، ويقال للرّجل: هذا خليفة على المعنى، ويجوز هذه خليفة على اللفظ والتأنيث، قال الشاعر (٢) :
أبوك خليفة ولدته أخرى ... وأنت خليفة ذاك الكمال
وقال أوس بن حجر (٣) -وأتى باللّغتين-:
إنّ من القوم موجودا خليفته ... وما خليف أبى وهب بموجود
стр. 772
وقيل لأبى بكر الصدّيق رضوان الله عليه: يا خليفة رسول الله، فقال:
لست خليفته، ولكن خالفته، والخالف: المستقى/والخلف: الاستقاء، والخوالف: النّساء المغيبات، والخليفة من الإبل: الحامل، وربما قالوا: الخلف للحمل، قال الراجز (١):
ما لك ترغين ولا ترغو الخلف ... وتجزعين والمطىّ معترف
١٠ - وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ* أَصْطَفَى﴾ [١٥٢، ١٥٣] أجمع القراء على قطع هذه الألف، لأنها ألف توبيخ على لفظ الاستفهام دخلت على ألف الوصل، والتقدير: اأصطفى فسقطت ألف الوصل، وكذلك (٢): ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ ﴿أَفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ (٣) ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْداً﴾ (٤) ﴿أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا﴾ (٥) و ﴿بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ﴾ (٦) فإنما ذكرته لأن إسماعيل بن جعفر روى عن نافع «لكاذبونَ صْطفى» موصولا بحذف الألف ويجعله كلفظ الخبر، وذلك ردئ، لأن ألف الاستفهام لا تحذف إذا لم يكن عليها دليل.
стр. 773
وقال بعضهم: لمّا أتى بألف بعده فى قوله: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أجزئ بها عن ذلك.
(واختلفوا فى هذه السورة فى ثلاث ياءات):
﴿إِنِّي أَرى﴾ [١٠٢]، ﴿أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [١٠٢] فتحهما نافع وابن كثير وأبو عمرو.
والثالث ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ﴾ [١٠٢] فتحها نافع. وأسكنها الباقون.
***
стр. 774
(ومن سورة ص)
١ - قوله تعالى: ﴿ما لَها مِنْ فَواقٍ﴾ [١٥]
قرأ حمزة والكسائى: «من فُواق» بضم الفاء.
وقرأ الباقون بالفتح، فقال قوم: هما لغتان بمعنى واحد.
وقال آخرون: ال ﴿فَواقٍ﴾ بالفتح: الراحة، أى: ما لها من راحة، ولا فترة، ولا سكون. والفواق: ما بين الحلبيتين وذلك أن البهيمة/ترضع أمّها ثم تدعها ساعة حتى ينزل اللبن فما بين الحلبيتين فواق.
٢ - وقوله تعالى: ﴿وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ [١٦]
القطّ: الصّكّ والكتاب، لأنّ الله تعالى لما أنزل: ﴿وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ﴾ (١) كفر المشركون بذلك وجحدوا البعث، وقالوا عجّل لنا هذا الكتاب الذى تعدنا به. فأنزل الله تعالى فى هذا ونحوه: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ (٢) والقطّ فى غير هذه: السّنّور (٣)، أنشدنى ابن دريد (٤):
وكلب ينبح الطّرّاق عنّى ... أحبّ إلىّ من قطّ ألوف
стр. 775
ولبس عباءة وتقرّ عينى ... أحبّ إلىّ من لبس الشّفوف
والقطّ بالفتح: مصدر قطّ الشّئ يقطه قطّا، كان على رضى الله عنه إذا ضرب عرضا قطّ، وإذا ضرب طولا قدّ. والقطّ أيضا: غلاء السّعر نعوذ بالله من قطّ الأسعار. ويقال: شعر قطّ، وقطط ومقلعطّ (١)، وهى أشدّ الجعودة.
ويقال: ما فعلت ذلك قطّ، مبنى على الضمّ.
٣ - وقوله تعالى: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ﴾ [٢٩].
روى حسين عن أبى بكر عن عاصم «تتدبّروا» بالتاء وتخفيف الدّال.
أى: لتدبروا أنتم.
وقرأ الباقون: ﴿لِيَدَّبَّرُوا﴾ بالياء، وتشديد الدّال أرادوا: ليتدبروا أخبارا عن غيب. فأدغم التاء من الدّال فالتّشديد من جلل ذلك ومثله ﴿تَذَكَّرُوا﴾ فالمصدر من الأول تدبر يتدبر تدبرا فهو متدبر، ومن الثانى فى ادّبّر يدّبّر ادّبّارا فهو مدبر.
ومثله «اطّوف» و/ «ادّارك» و «ادّارأتم»، و ﴿اِطَّيَّرْنا﴾، مصادر ذلك كله سواء وزنهن تفعّل تدبّر وتطوّف وتذكّر، وتطيّر، وأدغمت فلحقتها ألف الوصل.
٤ - قوله تعالى: ﴿بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ﴾ [٣٣].
قرأ ابن كثير وحده «بالسّؤق» بهمزة ساكنة، وإن كان ابن مجاهد يراه غلطا، والرّواية الصحيحة عنه بالسووق على فعول، فلما انضمت الواو همزها مثل «وقتت»، «وأقتت»، ومثل ذلك: غارت عينه غئورا، ودار، وأدؤر.