وقرأ الباقون: «الله ربُّكم وربُّ آباؤُكم» بالرفع عن الاستئناف، كما قال الشاعر: (١)
فإن لها جارين لن يغدرا بها ... ربيب النبىّ وابن خير الخلائف
فاستأنف فرفع ربيب على معنى هما ربيب وابن، وكذلك: «أحسنُ الخالقين اللهُ»، أى: هو الله تعالى، وخلائف: جمع خليفة، وخليف بغير هاء يجمع خلفاء مثل كريم وكرماء، ويقال للرّجل: هذا خليفة على المعنى، ويجوز هذه خليفة على اللفظ والتأنيث، قال الشاعر (٢) :
أبوك خليفة ولدته أخرى ... وأنت خليفة ذاك الكمال
وقال أوس بن حجر (٣) -وأتى باللّغتين-:
إنّ من القوم موجودا خليفته ... وما خليف أبى وهب بموجود
стр. 772
وقيل لأبى بكر الصدّيق رضوان الله عليه: يا خليفة رسول الله، فقال:
لست خليفته، ولكن خالفته، والخالف: المستقى/والخلف: الاستقاء، والخوالف: النّساء المغيبات، والخليفة من الإبل: الحامل، وربما قالوا: الخلف للحمل، قال الراجز (١):
ما لك ترغين ولا ترغو الخلف ... وتجزعين والمطىّ معترف
١٠ - وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ* أَصْطَفَى﴾ [١٥٢، ١٥٣] أجمع القراء على قطع هذه الألف، لأنها ألف توبيخ على لفظ الاستفهام دخلت على ألف الوصل، والتقدير: اأصطفى فسقطت ألف الوصل، وكذلك (٢): ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ ﴿أَفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ (٣) ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْداً﴾ (٤) ﴿أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا﴾ (٥) و ﴿بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ﴾ (٦) فإنما ذكرته لأن إسماعيل بن جعفر روى عن نافع «لكاذبونَ صْطفى» موصولا بحذف الألف ويجعله كلفظ الخبر، وذلك ردئ، لأن ألف الاستفهام لا تحذف إذا لم يكن عليها دليل.
стр. 773
وقال بعضهم: لمّا أتى بألف بعده فى قوله: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أجزئ بها عن ذلك.
(واختلفوا فى هذه السورة فى ثلاث ياءات):
﴿إِنِّي أَرى﴾ [١٠٢]، ﴿أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [١٠٢] فتحهما نافع وابن كثير وأبو عمرو.
والثالث ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ﴾ [١٠٢] فتحها نافع. وأسكنها الباقون.
***
стр. 774
(ومن سورة ص)
١ - قوله تعالى: ﴿ما لَها مِنْ فَواقٍ﴾ [١٥]
قرأ حمزة والكسائى: «من فُواق» بضم الفاء.
وقرأ الباقون بالفتح، فقال قوم: هما لغتان بمعنى واحد.
وقال آخرون: ال ﴿فَواقٍ﴾ بالفتح: الراحة، أى: ما لها من راحة، ولا فترة، ولا سكون. والفواق: ما بين الحلبيتين وذلك أن البهيمة/ترضع أمّها ثم تدعها ساعة حتى ينزل اللبن فما بين الحلبيتين فواق.
٢ - وقوله تعالى: ﴿وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ [١٦]
القطّ: الصّكّ والكتاب، لأنّ الله تعالى لما أنزل: ﴿وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ﴾ (١) كفر المشركون بذلك وجحدوا البعث، وقالوا عجّل لنا هذا الكتاب الذى تعدنا به. فأنزل الله تعالى فى هذا ونحوه: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ (٢) والقطّ فى غير هذه: السّنّور (٣)، أنشدنى ابن دريد (٤):
وكلب ينبح الطّرّاق عنّى ... أحبّ إلىّ من قطّ ألوف
стр. 775
ولبس عباءة وتقرّ عينى ... أحبّ إلىّ من لبس الشّفوف
والقطّ بالفتح: مصدر قطّ الشّئ يقطه قطّا، كان على رضى الله عنه إذا ضرب عرضا قطّ، وإذا ضرب طولا قدّ. والقطّ أيضا: غلاء السّعر نعوذ بالله من قطّ الأسعار. ويقال: شعر قطّ، وقطط ومقلعطّ (١)، وهى أشدّ الجعودة.
ويقال: ما فعلت ذلك قطّ، مبنى على الضمّ.
٣ - وقوله تعالى: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ﴾ [٢٩].
روى حسين عن أبى بكر عن عاصم «تتدبّروا» بالتاء وتخفيف الدّال.
أى: لتدبروا أنتم.
وقرأ الباقون: ﴿لِيَدَّبَّرُوا﴾ بالياء، وتشديد الدّال أرادوا: ليتدبروا أخبارا عن غيب. فأدغم التاء من الدّال فالتّشديد من جلل ذلك ومثله ﴿تَذَكَّرُوا﴾ فالمصدر من الأول تدبر يتدبر تدبرا فهو متدبر، ومن الثانى فى ادّبّر يدّبّر ادّبّارا فهو مدبر.
ومثله «اطّوف» و/ «ادّارك» و «ادّارأتم»، و ﴿اِطَّيَّرْنا﴾، مصادر ذلك كله سواء وزنهن تفعّل تدبّر وتطوّف وتذكّر، وتطيّر، وأدغمت فلحقتها ألف الوصل.
٤ - قوله تعالى: ﴿بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ﴾ [٣٣].
قرأ ابن كثير وحده «بالسّؤق» بهمزة ساكنة، وإن كان ابن مجاهد يراه غلطا، والرّواية الصحيحة عنه بالسووق على فعول، فلما انضمت الواو همزها مثل «وقتت»، «وأقتت»، ومثل ذلك: غارت عينه غئورا، ودار، وأدؤر.
стр. 776
وهذه رواية عبد الله بن على بن نصر وهو الصّواب. والأول رواية قنبل فتكون الهمزة منقلبة ضمة من الواو مثل: وقتت، وأقتت، وقال البزى: ﴿بِالسُّوقِ﴾ بغير همز مثل قراءة أبى عمرو-ف «سوق» جمع ساق مثل باحة، وبوح، وساحة، وسوح، والساحة، والباحة والصرحة، والعرصة كلّ واحد، وكذلك قارة، وقور للجبيل الصّغير. والمسح-هاهنا-: الغسل، وذلك أن سليمان ﵇ كان مشغوفا بالخيل فغسل نواصيها وسوقها بالماء.
وقال آخرون: ﴿فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ﴾ أى: عرقبها وقطع أعناقها، لما فاتته صلاة العصر وشغلته عن ذكر الله تعالى ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ﴾ [٣٢] أى: حتى غابت الشمس.
فإن قال قائل إنّ سليمان ﵇ نبى معصوم. فلم عرقب الخيل وهى لم تذنب؟
فأحسن الأجوبة/: ................................. (١)
***
стр. 777
[(ومن سورة الزمر)]
[.
] (١)
فلمّا أجرنا ساحة الحى وانتحى ... بنا بطن خبت ذى عقاف عقنقل (٢)
والجواب الثّانى: أنّ العرب تعدّ من واحد إلى تسعة وتسميه عشرا. ثم تزيد واوا وتسمى واو العشر كقوله تعالى (٣): - ﴿التّائِبُونَ الْعابِدُونَ .. ﴾. سبعة ثم قال ﴿وَالنّاهُونَ﴾ بعد السبعة وقال (٤): ﴿مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ﴾ عد سبعة، ثم قال: ﴿وَأَبْكاراً﴾.
والجواب الثالث: -وهو الاختيار-ما قال المبرّد. قال: قال أبو العبّاس إذا وجدت حرفا من كتاب الله قد اشتمل على معنى حسن لم أجعله ملغى، ولكن الواو هاهنا واو نسق، والتقدير: حتى إذا جاءوها وصلوا وفتحت أبوابها.
وهذا حسن جدّا.
(واختلفوا فى هذه السورة فى خمس ياءات) .
стр. 778
﴿إِنِّي أُمِرْتُ﴾ [١١] فتحها نافع. وأسكنها الباقون.
و﴿إِنِّي أَخافُ﴾ [١٣] فتحها نافع وابن كثير وأبو عمرو.
و«يا عبادى» [١٦] و ﴿قُلْ يا عِبادِيَ﴾ [١٠، ٥٣] و «أ» ﴿تَأْمُرُونِّي﴾ [٦٤] وقد ذكرتهنّ.
***
стр. 779
(ومن سورة حم المؤمن)
[غافر]
١ - قوله تعالى: ﴿حم﴾ [١].
قرأ ابن كثير مفخّما «حيم».
وقرأ حمزة والكسائىّ وأبو بكر عن عاصم وابن عامر ممالا.
واختلف عن الباقين فروى عن أبى عمرو بالكسر والفتح.
والاختيار عن عاصم فى رواية حفص الفتح.
وعن نافع بين بين، لا مفتوح ولا مكسور.
وفيها قراءة رابعة: حم بفتح الميم قرأ به عيسى بن عمر وجعله اسما للسّورة، والتّقدير: اتل حم، أقرأ حم.
وقال آخرون: موضعه جرّ، لأنّه لا ينصرف، وهو جرّ/بالقسم وينشد (١):
وجدنا لكم فى آل حم آية ... تأوّلها منّا تقىّ ومعرب
стр. 780
وقال آخر (١) :
يذكّرنى حاميم والرّمح شاجر ... فهلاّ تلا حاميم قبل التّقدّم
ومن جزم قال: هذه حروف التّهجى لا يدخلها إعراب هو كما بينت ذلك فى صدر الكتاب، والإمالة والتّفخيم فى هذه القراءة لغتان فصحتان، واختلف النّاس فى تفسير ﴿حم﴾ فقال قوم: قضى والله، حم والله.
وقال آخرون: حم شعار للسورة.
стр. 781
وقال آخرون: قسم.
وقال آخرون: هذه الحروف من أسماء الله تعالى: ﴿الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ﴾ فالراء والألف، واللام من المر، وحم من الحاء والميم، ونون من النّون.
وقال ابن مسعود (١): «الحواميم ديباجة القرآن»، قال رسول الله ﷺ (٢): «الحواميم كالحبرات والثّياب» ونزلت كلّها بمكة واللّفظ ب «حم» بتخفيف الميم لا غير، وكذلك ﴿(طس)﴾ و ﴿(يس)﴾ بتخفيف السّين.
وأمّا «(طسمّ)» فمشدّد الميم لا غير، لأنّك أدغمت فيه نونا، إلا حمزة فإنه أظهره، وخفّفه.
قال ابن خالويه: الحواميم من كلام العامّة (٣) لا يجوز جمع حاميم على حواميم إنما يقال: آل حاميم فاعرفه.
٢ - وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ [٢٠].
قرأ نافع وابن عامر-برواية هشام-بالتاء على الخطاب، أى: قل لهم يا محمّد.
وقرأ الباقون بالياء إخبارا عن غيب، والأمر بينهما قريب.
٣ - وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ ... و ﴿التَّنادِ﴾ [١٥، ٣٢].
كان ابن كثير يثبت الياء فيهما وصل أو وقف/على الأصل، لأنّه من لقيت وناديت.
وكان نافع يثبتها وصلا، ويحذفها وقفا، لأنه تبع المصحف فى الوقف، والأصل فى الدّرج.
стр. 782
والباقون يحذفون وصلوا أو وقفوا اجتزاء بالكسرة، واتباعا للمصحف، ولأنّها رأس آية.
وفى ﴿التَّنادِ﴾ قراءة رابعة: حدّثنى أحمد بن عبدان عن على عن أبى عبيد قال: أخبرنى هشيم عن الكلبىّ عن أبى صالح عن ابن عباس (١) «يوم التّنادِّ» بتشديد الدال. قال: تندّ كما تندّ الإبل، وشاهده قوله (٢) : ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾.
وحدّثنى ابن مجاهد عن السّمّرىّ عن الفرّاء قال (٣) : حدّثنا حبّان عن الأجلح عن الضّحاك بن مزاحم أنّه قال: تنزل الملائكة من السّماوات فتحيط بأقطار الأرض ويجاء بجهنّم، فإذا رأوها هالتهم فندّوا فى الأرض كما تندّ الإبل فلا يتوجهون قطّ إلا رأوا ملائكة فيرجعون من حيث جاءوا وذلك قوله (٤) :
﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ﴾ وذلك قوله (٥) : ﴿وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا* وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ وذلك قوله: (٦) ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً﴾.
وقال الأجلح: وقرأ الضّحاك «يوم التّنادِّ» مشددا قال الشّاعر: -فى التّنادى بإثبات الياء، والتّخفيف-:
منع النّوم ذكر يوم التّنادى ... وإلى الله مرجعى ومعادى
стр. 783
يوم زادت أضعافها الأرض مدّا ... ثمّ صارت قرار كلّ العباد
يريد قوله تعالى (١) : ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ /وهو بتبديلها ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ (٢) ﴿يَوْمَ التَّنادِ﴾ [٣٢] ﴿يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ﴾ [١٦] وفى حرف أبىّ (٣) : «بارزون له» وفى حرف ابن مسعود (٤) : «لا يخفى عليه منهم شئ» فأمّا تفسير: ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ فهو يوم القيامة. يلتقى أهل السماء، وأهل الأرض، وذلك قوله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ﴾ [١٥] فقيل (٥) : الرّوح القرآن، وقيل: النّبوة، وقيل: أمر البنوّة، لأنّ الله تعالى أحيا بالقرآن وبالرّسول أفئدة صدئة، وأحيا بهما قلوبا ميّتة؛ لأنّ الله تعالى سمّى الكافر ميتا، والمؤمن حيّا، وذلك حيث يقول (٦) : ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً﴾ بكفره ﴿فَأَحْيَيْناهُ﴾ بالإيمان. وقوله: ﴿عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ أى: على من يصطفيه لرسالته ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ أى: لينذر النّبىّ ﷺ كما قال تعالى (٧) : ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾.
وقال آخرون: لينذر الله، ومن قرأ بالتّاء فإنه أراد خطاب رسول الله ﷺ أى: لتنذر أنت يا محمد وهى قراءة الحسن.
стр. 784
٤ - وقوله [تعالى]: ﴿كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ﴾ [٢١].
قرأ ابن عامر وحده: «أشدّ منكم» بالكاف. وكذلك فى مصاحف أهل الشام.
فإن سألت عن خبر «كان» الأول، والثانى، والثالث.
فقل: اسم «كان» الأول ﴿عاقِبَةُ﴾ وخبره ﴿كَيْفَ﴾ وإنما قدّم لأن الاستفهام له صدر الكلام، واسم «كان» الثانى الضّمير الذى دلّ عليه الواو، وخبره «من قبلَهم» واسم «كان» الثالث الضّمير، وهم فاصلة عند البصريين وعماد عند الكوفيين كما تقول: كان زيد هو القائم/ ﴿وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ (١) و ﴿أَشَدَّ﴾ خبر «كان» الثالث.
فإن قيل لك: الفاصلة لا يكون إلا بين معرفتين و ﴿أَشَدَّ﴾ نكرة فلم صلح ذلك؟
فقل: لأنّ أفعل الذى معه «من» بمنزلة المضاف المعرفة. قال الله تعالى (٢): ﴿مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْراً﴾ لأنّ خيرا أفعل فى الأصل محذوف الهمز تخفيفا، ولا يستعمل إلا ب «من» فى الأصل كقولك: زيد خير من عمرو.
٥ - وقوله تعالى: ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ﴾ [٢٦].
قرأ ابن كثير وابن عامر: «وأن يظهَرَ» بفتح الياء «الفسادُ» رفعا.
وقرأ أبو عمرو ونافع: ﴿يُظْهِرَ﴾ بضم الياء ﴿الْفَسادَ﴾ نصبا.
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: «وأن يظهر» بغير ألف.
وكذلك هى فى مصاحفهم.
стр. 785
وقرأ الكوفيون: «وأن يظهَرَ» كذلك فى مصاحفهم.
وقرأ عاصم فى رواية أبى بكر وحمزة والكسائىّ: «أو أن يَظهر» بفتح الياء «الفسادُ» رفعا.
وروى حفص عن عاصم: ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ﴾ برفع الياء ﴿الْفَسادَ﴾ نصبا له.
قال أبو عبيد-﵀: الاختيار «أو» لأنّ «أو» تكون بمعنى الواو كقوله (١): ﴿إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ أى: ويزيدون؛ وبل يزيدون، ولا تكون الواو بمعنى «أو».
قال أبو عبد الله: إذا كانت «أو» إباحة تكون الواو بمعناها، لأنّ قولك: جالس الحسن أو ابن سيرين أو الشّعبى فمعناه: قد أبحت لك [ال] جلوس [مع] هذا الضّرب من الناس، تقول: جالس الحسن أو ابن سيرين أو الشّعبىّ بمعنى الإباحة، وكذلك قوله (٢): ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ وهو بعض الإباحة، ومن نصب الفساد أشركه مع التّبديل، أى: أخاف أن يبدل دينكم، وأخاف أن يظهر فى الأرض/الفساد، ومن رفع لم يشركه. وقال التّقدير: أخاف أن يبدّل فإذا بدّل ظهر الفساد، وكلتا القراءتين حسنة.
٦ - وقوله تعالى: ﴿وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ﴾ [٢٨].
قرءوا كلّهم بضمّ الجيم، وإنما ذكرته لأنّ ابن مجاهد حدّثنى عن الحسن عن القطعى عن عبيد عن أبى عمرو (٣): «وقال رجْل مؤمن» بإسكان
стр. 786
الجيم، وهى لغة كانوا يستثقلوا الضمّة، كما يقال كرم زيد يريدون كرم وفى عضد عضد، قال الشاعر:
رجلان مرضيّان أخبرانا ... أنّا رأينا رجلا عريانا
أراد: رجلين، فأسكن. الوقف فى هذه الآية: ﴿وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ﴾ ثم يبتدئ ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ﴾ لأنّه لم يكن قبطيّا، وإنّما معناه يكتم إيمانه من آل فرعون.
وقال آخرون: بل كان من آله وكان مؤمنا وحده، كما كانت امرأته مؤمنة فالوقف على قراءتهم من آل فرعون (١).
فإن سأل سائل فقال: قد قال الله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ﴾ ولم يستثن أحدا، فكيف يجوز أن يجعل المؤمن من آله؟
فقل: على الجواب الأول لا يلزمنا هذا السّؤال، وعلى الجواب الثانى، تقديره: أدخلوا آل فرعون أى: من كان على دينه كما أقول: اللهم صلّ على محمّد وعلى آله، يعنى به المؤمنين، وقد كان فى قراباته كفّار لا يدخلون فى الدّعاء.
٧ - وقوله [تعالى]: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ [٢٧].
قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائىّ بالإدغام لقرب الذّال من التّاء.
وقرأ الباقون بالإظهار؛ لأنّ الحرفين غير متجانسين ومعنى. ﴿عُذْتُ بِرَبِّي﴾ أى: اعتصمت واستعنت بالله من كلّ متكبّر عن طاعة الله لا يؤمن بيوم الحساب أى: الجزاء/.
стр. 787
فإن قيل لك: ما وزن ﴿عُذْتُ﴾ من الفعل؟
ففى ذلك ثلاثة أجوبة:
قال البصريون: وزنه فعلت، والأصل عوذت، فصارت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فوجب سقوطها لسكونها وسكون الذّال، ولا دلالة عليها، فنقلوا فعلت إلى فعلت عوذت إلى عوذت لتكون الضّمة دالة على المعنى، وعلى الواو إذ أسقطت، فالضمة على عذت هى ضمّة الواو السّاقطة.
وقال الكسائىّ: وزن عوذت فعلت غير منقولة.
قال الفرّاء: وزن عذوت: فعلت، كما قال البصريّون، غير أنه جعل الواو لام الفعل قال: والأصل عوذت، وكذلك اختلافهم فى جميع ما شاكل هذا نحو: قلت، وزلت، وحلت. وعند الفرّاء قلوت وحلوت، وزلوت، وذلك خطأ عند البصريّين.
٨ - وقوله تعالى: ﴿عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾ [٣٥].
قرأ أبو عمرو وابن ذكوان عن ابن عامر: «قلبٍ متكبّرٍ» منونا جعله نعتا للقلب؛ لأنّ القلب إذا تكبّر تكبّر صاحبه، كما قال (١): ﴿فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ﴾ لأنّ الأعناق لمّا خضعت أخضعت أربابها. وتكبّر القلب: قسوته، وإذا قسا القلب كان معه ترك الطّاعة. وكذلك تقول: مررت بيوم عاصف أى: عاصف ريحه وعاصف الرّيح.
وقرأ الباقون: ﴿عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ﴾ بالإضافة أى: على كلّ قلب رجل متكبّر، واحتجّوا بما حدّثنى ابن مجاهد عن السّمّرىّ عن الفرّاء قال (٢):
стр. 788
فى حرف عبد الله «كذلك يطبع الله على قلب كلّ متكبّر جبّار به» فهذا شاهد لمن أضاف.
قال الفرّاء: وسمعت بعض النّحويّين يقول: إنّ فلانا يرجّل شعره يوم كلّ جمعة فقدم وأخر. والجبّار فى اللّغة (١) : الذى يقتل على الغضب له.
فإن سأل سائل فقال: إنّ صفات الله تعالى/نحو: عليم، وكبير، وجبّار، محمودة فلم صار هذا مذموما؟
فقل: إنّ جبّارا فى صفة الله هو الذى أجبر عباده على ما أراد وأحيا وأمات، وهى صفة لا تليق إلا بالله. وكذلك الكبر رداء الله فإذا جاء المخلوق ليتشبه بمن لا يشبهه شئ وارتكب ما ليس له ونازع الله ﷻ رداءه، وكان مذموما له.
فإن قال قائل: فإن (أفعل) لا يكون منه (فعّال)؟
فقل: قال ثعلب: عن سلمة عن الفرّاء قال: قد وجدت فعّالا من أفعل حرفين أدرك فهو درّاك، وأجبر فهو جبّار ولا ثالث لهما، يقال: أجبرته على كذا، أى: قهرته، وجبرت العظم والفقير فهما مجبوران، والله جابر كلّ كسر، وجبر وجبّار من أجبر.
قال ابن خالويه: وقد وجدت حرفا ثالثا أسأر الشّراب فى القدح فهو سأر، وقال الأخطل (٢) :
стр. 789
*لا بالحصور ولا فيها بسئّار*
ومن روى: (بسوّار) فهو المعربد.
٩ - وقوله تعالى: ﴿فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى﴾ [٣٧].
روى حفص عن عاصم: ﴿فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى﴾ بالنّصب لأنّ من العرب من ينصب جواب «لعلّ» بالفاء كما ينصب جواب الاستفهام وغيره وقد قرأ عاصم أيضا: ﴿فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ (١) قال الشّاعر: -شاهدا لهذه القراءة (٢) -:
علّ صروف الدّهر أو دولاتها ... يدللننا اللّمّة من لمّاتها
فتستريح النّفس من زفراتها
وفى هذا البيت شاهد آخر، وهو أنّه خفض ب «لعلّ» وبنى آخره على الكسرة، وهى لغة خطّأها الكوفيّون والبصريّون، يقال: لعلّ زيدا قائم وعلّ زيدا
стр. 790
وعلّ زيد وعلّ زيد ولعنك ولأنّك ورعنّك ورغنّك كلّ ذلك بمعنى «لعلّ» (١)
وقرأ الباقون بالرّفع: «فأطلعُ» وهو الاختيار نسق على لعلى أبلغ فأطلع/.
وحكى الأخفش وحده (٢) لو أن قارئا قرأ: ﴿يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً﴾ [٣٦] بضمّ النّون لكان صوابا يتبع ضمة نون «ها هامانُ» بضمّة «ابن» لأنّ الألف سقطت للوصل والباء ليس حاجزا قويّا إذ كان ساكنا، وهذا غلط عندى؛ لأنّ كسرة النّون فى «ابنِ لى صرحا» دلالة على الياء السّاقطة فمتى ضممت ذهبت العلامة ألا ترى أنّ النّحويين قالوا: من قرأ (٣): ﴿يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ﴾ بكسر التّاء لم يجز إلا الوقف بالتاء؛ لئلاّ تذهب العلامة.
١٠ - وقوله تعالى: ﴿وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [٣٧].
قرأ أهل الكوفة: ﴿وَصُدَّ﴾ ردّا على قوله: ﴿وَكَذلِكَ زُيِّنَ﴾.
وقرأ الباقون: «وصَدَّ» بالفتح.
قال أبو عبيد: وهو الاختيار؛ لأنّ فيه حجّة لأهل السّنّة.
١١ - وقوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ [٤٥].
قرأ نافع وحمزة والكسائىّ وحفص عن عاصم: ﴿أَدْخِلُوا﴾ بقطع الألف،
стр. 791
لأن الدخول ليس هو ما يشاءونه، ويفتعلونه من ذات أنفسهم، بل الزّبانية يدخلونهم بعسف وعنف، وضرب وسحب.
وقرأ الباقون بالوصل: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا﴾ على تقدير: يقال لهم: ادخلوا.
١٢ - وقوله تعالى: ﴿يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها﴾ [٤٠].
قرأ أبو عمرو وابن كثير وأبو بكر عن عاصم: «يُدخلون» بالضمّ لقربة من ﴿يُرْزَقُونَ﴾.
وقرأ الباقون وحفص عن عاصم ويحيى عن أبى بكر: ﴿يَدْخُلُونَ﴾ بالفتح. ومعنى هذا أنّهم إذا أدخلوا دخلوا، كما تقول: أمات الله زيدا فمات هو غير أن مات فعل المطاوعة والدّخول فعل على الحقيقة إذا أكرهوا عليه.
١٢ - وقوله تعالى: ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ﴾ [٦٠].
قرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم: «سيُدخلون» بالضمّ.
والباقون/بالفتح، وعلّته كعلة الأول ومعنى داخرين: صاغرين.
١٣ - وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ﴾ [٥١].
اتفقوا على الياء، والأشهاد: جمع شاهد مثل صاحب وأصحاب، وفاعل وأفعال نادر، وإنما ذكرته لأنّ فعل الجماعة إذا تقدم يذكّر ويؤنّث.
١٤ - فأمّا قوله [تعالى]: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [٥٢].
فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بالتاء لتأنيث المعذرة.
стр. 792
وقرأ الباقون بالياء؛ لأنّ تأنيث المعذرة غير حقيقىّ، ولأنك قد حلت بين الفعل المؤنث بحائل فصار كالعوض من العلامة.
١٥ - وقوله تعالى: ﴿قَلِيلاً ما تَتَذَكَّرُونَ﴾ [٥٨].
قرأ أهل الكوفة بتاءين.
وقرأ الباقون بياء وتاء.
قال ابن خالويه: والوقف على: ﴿وَلا الْمُسِيءُ﴾ (١) وقف عليه ابن مجاهد، ثم يبتدئ ﴿قَلِيلاً﴾ لأنّه ينتصب ﴿قَلِيلاً﴾ ب ﴿تَتَذَكَّرُونَ﴾ و «ما» صلة، هذا قول معمر.
وقال آخرون: يجعل «ما» مصدرا مع الفعل أى: قليلا تذكرهم، وهذا قد أحكمناه فى كتاب (الماءات) (٢).
١٦ - وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً﴾ [٦٧].
قرأ ابن كثير وحمزة والكسائىّ وابن ذكوان وأبو بكر: «شِيوخا» بكسر الشين.
والباقون بالضمّ.
(واختلفوا فى هذه السّورة):
فى قوله: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ﴾ [٢٦] ﴿وَإِنِّي أَخافُ﴾ [٢٦، ٣٠، ٣٢] و ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ﴾ [٣٦] ﴿ما لِي أَدْعُوكُمْ﴾ [٤١] ﴿أَمْرِي إِلَى اللهِ﴾ [٤٤] ﴿اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [٦٠] و ﴿لَمّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ﴾ [٦٦].
стр. 793
فتح نافع: «إنّيَ أخاف» كلّها، و «جاءني البيّنات»، و «أمرىَ»، و «لعلّيَ» و «ما ليَ».
وأبو عمرو مثله.
وفتح ابن كثير: «ذرونى أقتل»، «ادعونىَ أستجب» وجميع ما فتحه نافع إلا ﴿أَمْرِي إِلَى اللهِ﴾ فإنّه أسكن. وفتح أهل الكوفة «جاءني بالبيّنات» وأسكن البواقى وفتح ابن عامر برواية ابن ذكوان: «ما لىَ أدعوكم» و «جاءني البيّنات» فقط.
***
стр. 794
(ومن سورة السّجدة)
[فصّلت]
قد ذكرنا ما قال العلماء فى تفسير ﴿(حم)﴾ وإعرابه/وإنّما أعدت ذكره لأنّ بعض المفسرين ذكر أنّ ﴿(حم)﴾ اسم الله الأعظم فعلى هذا اسم الله الأعظم سبعة أشياء حسب ما ذكرته فى كتاب «المفيد» يا ذا الجلال والإكرام، يا حىّ يا قيّوم (هيا شراهيا) وتفسيره: يا حىّ يا قيّوم الرّحمن الرّحيم.
قال الكوفيّون: ﴿حم تَنْزِيلٌ [مِنَ الرَّحْمنِ]﴾ (١) «حم» يرتفع ب «تنزيل» و «تنزيل» ب «حم».
وقال الفرّاء: يرتفع تنزيل بإضمار: ذلك تنزيل، وهذا تنزيل.
وقال البصريّون: ﴿تَنْزِيلٌ﴾ يرفع بالابتداء و ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ خبره و ﴿قُرْآناً﴾ يكون نصبا على المصدر وعلى الحال.
١ - وقوله تعالى: ﴿فِي أَيّامٍ نَحِساتٍ﴾ [١٦].
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: «نحْسات» بإسكان الحاء، وشاهدهم (٢): ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾ أى: فى يوم شؤم وبلاء وهلك.
ويقال: [يوم نحس أربعاء لا يدور] (٣)، ويجوز أن يكون أرادوا: نحسات مثل فخذات. فأسكنوا تخفيفا.
стр. 795
وقرأ الباقون بكسر الحاء، وحجّتهم أنّ النّحسات صفة تقول العرب: يوم نحس مثل رجل هرم، قال الشاعر (١):
أبلغ جذاما ولخما أنّ إخوتهم ... طيّا وبهراء قوم نصرهم نحس
٢ - وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللهِ﴾ [١٩].
قرأ نافع وحده: «نحشر» بالنّون. الله تعالى يخبر عن نفسه: «أعداءَ الله» بالنّصب، وشاهده: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾.
وقرأ الباقون: ﴿يُحْشَرُ﴾ بالياء على ما لم يسمّ فاعله ﴿أَعْداءُ اللهِ﴾ بالرّفع لأنّه اسم ما لم يسمّ فاعله، وإن كان مفعولا فى الأصل، والأعداء جمع عدوّ، والعدوّ يكون جمعا، قال الله تعالى (٢): «وإن كان من قوم عدوّ لكم» ويجمع العدوّ أيضا عدى، وعداة «إلى النّار فهو يوزعون» أى: يحسبون ويمنعون، ويلقون يقال: وزعت/الرّجل: إذا منعته.
وكان الحسن البصرى تقلد القضاء، فقال: لا يقربنى عون ولا منكب، ولا شرطىّ، والمنكب: عون العريف، وقيل: المنكب: قوم العريف. فازدحم الناس على الحسن فقال: لا بدّ للناس من وزعة. وبعث إلى السّلطان حتى أمدّه بالأعوان. ومن قال (٣): أنّ رجلا شتم أبا بكر رحمة الله عليه فى
стр. 796
وجهه فلطمه رجل من الأنصار، فقالوا لأبى بكر: اقتصّ لنا، فقال: إني لا اقتصّ ممّن وزعة الله (١).وشبيه بهذا أنّ عليّا صلوات الله عليه لطم رجلا فشجّه فشكا عليا إلى عمر رضى الله عنه، فدعا عليّا، وقال: ما أردت من هذا، فقال: إنّى رأيته يسارّ امرأة خاصّ من خواص الله. فقال عمر: إنّ لله عيونا فى أرضه، وإنّ عليّا عين الله فى أرضه، أى: خاصّته. وفى خبر آخر قال: لم لطمته يا أبا الحسن؟ قال رأيته ينظر إلى حرم المسلمين فى الطّواف. فقال للملطوم: وقعت عليك عين من عيون الله تعالى (٢).قال ثعلب: معناه خاصّ [وأمّا] قوله تعالى (٣): ﴿أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ﴾ فمعناه ألهمنى. وأمّا قول الشّاعر (٤):
*فإنّى بها يا ذا المعارج موزع*
فمعناه: مولع. ويقال: أحكمت الرّجل بمعنى وزعته، ومنه حكمة الدّابة لأنّها تمنعها وتحبسها، وينشده:
وإنّكما إن تحكمانى وترسلا ... علىّ غواة النّاس أمت وتضلّعا
٣ - قوله تعالى: «وما يخرج من ثمرات من أكمامها» [٤٧].
قرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم: ﴿ثَمَراتٍ﴾ على الجماعة، واحتجّوا بأنه فى المصاحف بالتاء.
стр. 797
وقرأ الباقون: «من ثمرة» على التّوحيد، واحتجوا بأنّه فى مصحف عبد الله مكتوب بالهاء؛ لأنّ الثمرة تؤدى/عن الثمار؛ لأنّه الجنس. والأكمام:
واحدها كمّ فى قول الفرّاء (١)، وكمة فى قول أبى عبيدة (٢)، وهو الكفرى، والجفرى، ويجوز أن يكون كمّة واحد الكم، والأكمام جمع الجمع.
٤ - وقوله: ﴿ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [٤٤].
فيه أربع قراءات:
قرأ أهل الكوفة: ﴿ءَ أَعْجَمِيٌّ﴾ بهمزتين.
الأولى ألف الإنكار والتّوبيخ على لفظ الاستفهام.
والثانية ألف القطع، لأنه يقال: رجل عجمىّ إذا كان لا يفصح، وإن كان عربى الأصل، ورجل أعجمىّ إذا كان منسوبا إلى العجم وإن كان فصيحا.
وقرأ الباقون: «آعجمىّ» بهمزة، ومدّة، لأنهم كرهوا الجمع بين الهمزتين فليّنوا الثانية.
وقرأ الحسن (٣): «أعجمىّ» بغير استفهام، وأسكن العين، ومعناه:
هلاّ كان عربيا والقرآن أعجميا، والرّسول أعجميا، والقرآن عربيا. فقال الله:
«بل» ﴿هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ﴾ وعمى على الّذين كفروا، لأنّهم صرفوا عنه بعد وضوح الحجّة ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (٤).
стр. 798
وحدّثنى ابن مجاهد عن السّمّرىّ عن الفرّاء قال (١): قرأ بعضهم «أَعَجَمىّ» بفتح العين، فهذه ألف الاستفهام، ودخلت على عجمىّ. وقد فسرت لك فرق ما بين عجمىّ وأعجمىّ. قال بعضهم رجل أعجم بمعنى:
أعجمىّ، واحتجّوا بما حدّثنى أحمد عن على عن أبى عبيد أن الحسن قرأ (٢):
«ولو أنزلناه على بعض الأعجميّين» بتشديد الياء، إلاّ أن تقول: العجم جمع واحدهم عجمىّ، فيكون الفرق بين الواحد والجمع حذف الياء كقولك:
عربىّ، وعرب، ورومىّ وروم وهذا قد أحكمناه فى كتاب «السبعة».
٥ - وقوله تعالى: ﴿أَرِنَا الَّذَيْنِ﴾ [٢٩].
قرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم: «أرْنا اللّذين» بجزم الراء.
وقرأ الباقون: ﴿أَرِنَا﴾ بجرّ/الرّاء.
غير أن أبا عمرو كان يختلس الكسرة. وقد ذكرنا علّة ذلك فيما سلف.
فقال ابن خالويه: ﴿أَضَلاّنا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [٢٩] من الجن:
إبليس، ومن الإنس قابيل بن آدم قاتل هابيل.
وسمعت ابن مجاهد يقول: قابييل بياءين.
٦ - وقوله تعالى: ﴿وَنَأى بِجانِبِهِ﴾ [٥١].على وزن ناع، قرأ ابن عامر وابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم- «ونأى».على وزن (ونعا).
стр. 799
وقرأ الكسائى: «ونِئِى» على وزن ونعى.
واختلف عن حمزة فروى عنه مثل الكسائى، وروى عنه بفتح النّون، وكسر الهمزة، وقد ذكرت علّة ذلك فى (سبحان).
واختلفوا فى هذه السّورة فى ياءين
﴿إِلى رَبِّي إِنَّ لِي﴾ فتحها أبو عمرو.
وأسكنها الباقون.
وفتح ابن كثير: «أين شركائيَ» وقصر، ومد وأسكن الباقون، والاختيار عن ابن كثير: «شركائي الذين» مثل أبى عمرو له.
***
стр. 800
(ومن سورة عسق)
[الشورى]
حدّثنى ابن مجاهد عن السّمّرىّ عن الفراء، قال: رأيت فى بعض مصاحف عبد الله «(حم سق)» ليس فيها عين.
وكذلك روى عن ابن عباس، قال السين: كلّ فرقة (١)، والقاف كلّ جماعة.
وسألت ابن مجاهد فقلت: إن القاف تبعد من النّون أشدّ بعدا من الميم فلم أظهر حمزة النّون فى ﴿(طسم)﴾ ولم يظهر النون عند القاف فى ﴿(حم عسق)﴾؟ فقال: والله ما فكّرت فى هذا قطّ، ولا ارتقيت فى النحو إلى هاهنا.
قال أبو عبد الله: الحجّة فى ذلك-والله أعلم-أن ﴿(طس)﴾ أول سورة (النّمل) وجاءت سورتان فيهما الميم، فبين ليعلم أنّ الميم زائدة على هجاء السّين.
واتّفقوا-أعنى أهل الكوفة-على أن لم يفردوا السين من قاف فبنى الكلام هاهنا على الأصل، وليس/الحجّة من جهة النّحو فإن النّون تدغم فى الميم، وتخفى عند القاف، والمخفى بمنزلة الظّاهر فلمّا كره التّشديد فى طسم أظهروا لما كان المخفيّ بمنزلة الظاهر ولم يحتج إظهار قاف وهذا بيّن والحمد لله له.
١ - وقوله تعالى: ﴿كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ﴾ [٣].
قرأ ابن كثير: «يوحى» بفتح الحاء على ما لم يسمّ فاعله.
وقرأ الباقون: ﴿يُوحِي﴾ بكسر الحاء، واسم الله تعالى رفع بفعله.
стр. 801
فإن قال قائل: فما الرافع لاسم الله إذا لم يسمّ الفاعل؟
فقل: اجعله بدلا من الضّمير، أو بإعادة فعل، كما قال الشّاعر (١):
*ليبك يزيد ضارع لخصومه*
يريد: ليبكيه ضارع، وكذلك ﴿يُوحِي إِلَيْكَ﴾ يا محمد كذلك يوحيه الله،
ويجوز أن يجعل اسم الله تعالى خبر لابتداء أى: هو الله العزيز الحكيم.
ويجوز أن يكون ابتداء العزيز الحكيم خبره.
٢ - وقوله تعالى: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾ «[من فوقهم]» (٢) [٥].
стр. 802
وقرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة: ﴿تَكادُ﴾ بالتّاء ﴿يَتَفَطَّرْنَ﴾ بياء وتاء.
وحفص عن عاصم مثله.
وقرأ نافع والكسائىّ: «يكاد» بالياء ﴿يَتَفَطَّرْنَ﴾ بياء وتاء.
وقرأ أبو عمرو وعاصم فى رواية أبى بكر: ﴿تَكادُ﴾ بالتّاء «ينْفطرن» بياء ونون. وقد ذكرنا التأويل فى سورة (مريم) كما ذكرنا التّلاوة هاهنا فأغنى عن الإعادة.
٣ - قوله [تعالى]: ﴿يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ [٢٥].
قرأ حمزة والكسائىّ وحفص عن عاصم: ﴿تَفْعَلُونَ﴾ بالتاء احتجّوا بما حدّثنى ابن مجاهد عن السّمّرىّ عن الفرّاء. قال (١): أخبرنى شبيب أنّ بكير ابن الأخنس ذكر عن أبيه قال: بينا أنا عند عبد الله بن مسعود إذ جاء رجل فقال: يا أبا عبد الرّحمن ما تقول فى رجل ألمّ بامرأة فى شبيبته ثم تاب، هل له أن يتزوجها؟ فقال عبد الله: -ورفع بها صوته وهو يقول-: ﴿وَهُوَ الَّذِي/يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ بالتّاء.
وقرأ الباقون بالياء؛ لأنّ الله تعالى قال-قبل هذه الآية-: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ ... «ويعلم ما يفعلون» فشاهد الأولين ﴿حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ (٢) لأنّ العرب ترجع من الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى الخطاب.
стр. 803
﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [٢٦]، «الّذين» فى موضع النّصب، والله تعالى المجيب يستجيب فى معنى يجيب، استجاب الله دعاك، وأجاب:
بمعنى.
٤ - وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ﴾ [٣٢].
فيه ثلاث قراءات:
كان ابن كثير يثبت الياء وصل أو وقف على الأصل، لأنّ الجوارى:
السّفن، واحدها جارية، فلام الفعل ياء وهى أصلية، ولكنه كتب فى المصحف بغير ياء.
وقرأ نافع وأبو عمرو بإثبات الياء فى الوصل، وحذفا فى الوقف؛ ليكونا متبعين الكتاب والأصل كليهما.
وقرأ الباقون بحذف الياء وصلوا أو وقفوا، اتباعا للمصحف واجتزأ بالكسرة من الياء، اتّفقت المصاحف على حذفها، وكذلك التى فى الرّحمن (١) ﴿وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ﴾ لأنّ الجوار فى محل الرفع فياؤها ساكنة، ولقيتها لام ساكنة فسقطت لالتقاء الساكنين لفظا، فأسقطت خطأ.
وفيها قراءة رابعة: «الجوارُ» بالرّفع. يروى عن ابن مسعود، كأنّه أراد الجوائر فقلب كما قيل جرف هار وسلاح شاك والأصل: هائر شائك و ﴿إِلاّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ﴾ (٢) والأصل صائل.
وفيها قراءة خامسة: وروى عن الكسائىّ «الجوارى» بالإمالة لكسر الراء،
стр. 804
لأنّ كلّ راء مكسورة قبلها ألف. فالعرب تميلها، نحو قنطار وجوار وأبرار/، ونحو ذلك.
٥ - وقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ [٣٥].
قرأ نافع وابن عامر: «ويعلمُ» بالرّفع على الاستئناف، لأنّ الشّرط والجزاء قد تمّ فجاز الابتداء بعده.
وقرأ الباقون: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ﴾ بفتح الميم.
فقال الكوفيّون: هو نصب على الصرف من مجزوم إلى منصوب كما قال الله تعالى (١): ﴿وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ واحتجّوا بقول الشّاعر (٢):
فإن يهلك أبو قابوس يهلك ... ربيع النّاس والبلد الحرام
ونمسك بعده بذناب عيش ... أجبّ الظّهر ليس له سنام
وقال أهل البصرة: ينتصب بإضمار «إن» معناه: وأن يعلم الّذين يجادلون فى آياتنا ما لهم من محيص، أى: من معدل ومنجى وملجأ، وينشد (٣):
стр. 805
فلولا رجال من رزام أعزّة ... وآل سبيع أو أسوءك علقما
أراد: أن أسوءك، وقال آخر (١):
ولبس عباءة وتقرّ عينى ... أحبّ إلىّ من لبس الشّفوف
أراد: أن تقرّ عينى.
٦ - وقوله تعالى: - ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ﴾ [٣٧].
قرأ حمزة والكسائىّ: «كبير الإثم» على التّوحيد، وفسّره الشّرك فقط.
стр. 806
وقرأ الباقون: ﴿كَبائِرَ﴾ على الجمع. وكذلك ألفاظ الحديث كلّ ذلك ورد بالجمع.
واختلف النّاس فى الكبائر، فقال قوم: كلما أوعد الله عليه النّار فهى كبيرة.
وقال آخرون: كلما نهى الله عنه فهى كبيرة.
وقال آخرون: كبائر الإثم أشياء مخصوصة؛ الشّرك بالله تعالى، وقتل النّفس التى حرّم الله، وقذف المحصنة، وشرب الخمر، والفرار من الزّحف، وعقوق الوالدين، والزّنا.
قال ابن عبّاس: الكبائر لأنّ تكون سبعين/أحرى من أن تكون سبعة.
وقال آخرون: الكبائر من أول (النساء) إلى قوله (١) : ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ فإذا كان المعاصى كبائر وصغائر وجب فى القياس أن يكون للطّاعات كبائر وصغائر، وأكبر الطاعات شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كما كان أكبر الكبائر الشرك بالله، وأصغر الطّاعات إماطة الأذى عن الطّريق، كما أن أصغر الذنوب الطّرفة واللّمحة. سمعت أبا عمران القاضى يقول: أعظم من الشّرك بالله ادعاء الرّبوبية، كقولة فرعون-لعنه الله-: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى﴾ (٢) .
وقال إسماعيل القاضى: قال ابن الماجشون: كبائر الذّنوب الجراحات، والشّرك، والقتل، وقال: صغائر الذنوب إذا اجتمعت كانت كبيرة، وأنشد:
стр. 807
وسيّئات المرء إن جمعت ... صغارها حلّت محلّ الكبار
وقال آخر:
قد يلحق الصّغير بالجليل ... وإنّما القرم من الأفيل (١)
وسحق النّخل من الفسيل
الأفيل: يعنى ولد النّاقة. وكان يقال: إياكم والمحقّرات فإن لها من الله طالبا. وقال ابن عون، عن الحسن: قدم عبد الله بن عمرو بن العاص من مصر على عمر رحمة الله عليه فى ناس فلما دخل المدينة قال: تفرّقوا فى الطّرق، فإنى لا أدرى ما ترمون به من عمر، ثمّ دخل عليه فقال: إن ناسا زعموا أنهم يرون فى القرآن شيئا أمر أن يعمل بها فأرادوا أن يذكروا ذلك لك، قال: فأين هم؟ اجمعهم. فأتى بهم، فأخذ عمر أدناهم إليه فقال: أنشدك بالله هل قرأت القرآن؟ قال نعم، قال: أجمعته/قال نعم، قال: فأقمته فى نفسك وفى بصرك، قال: لا. فأخذ الذى يليه حتى استقرأهم كذلك، فيقولون: لا، قال: ثكلت عمر أمّه تكلفونه أن يقيم أمر الله فى أمّة محمد ﷺ ثم تلا: «إن كبئر تجتنبوا ما تنهون عنه نكفّر عنكم سيّئاتكم» فقد علم الله تعالى أن سيكون لي سيئات هل علم بكم أحد؟ قال: لا، قال: والذى نفسى بيده لو علم بكم أحد لوعظتكم.
стр. 808
واختلف النّاس فى الكبائر، فقال قوم: كلّ من أرتكب كبيرة فهو فى النار خالدا مخلّدا (١)، وقال أهل السنة: كل من ارتكب ذنبا صغيرا أو كبيرا ليس الشّرك بالله فإنّ الله تعالى جائز أن يغفر له، لأنّ الله تعالى قال (٢): ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ وحديث رسول الله ﷺ : «أنّ رجلا ممن كان قبلكم قتل مائة حنيف إلا واحدا، ثم جاء إلى راهب فقال يا راهب إنّى قتلت مائة حنيف إلا واحدا، فهل من توبة؟ فقال: لا أرى لك توبة، فاغتاظ، وقتل الرّاهب فجاء إلى راهب فقال: يا راهب، إني قتلت تسعة وتسعين حنيفا فأتممتها مائة براهب هل من توبة؟ قال: نعم فالزمنى وافعل ما أفعل، قال: فلزمه، فكان يصلّى إذا صلّى، ويصوم إذا صام فأمره الرّاهب يوما أن يسجر تنورا فجاء إليه الراهب ضجرا فقال: قد سجرت التنّور، فأعاد عليه مرارا، فقال الرّاهب بضجر: مر فأجلس فيه فذهب فألقى نفسه فى التنّور فصار عليه بردا وسلاما، فجاء الرّاهب فرأى التنور يتأجج ولم يصب الرّجل لفح النّار، فقال: بأبى اخرج فأنت خير منى، قال: لا، ولكن أخدمك لأنّك خير/منى، قال: فدعنى أفارقك، قال: ذاك إليك، فساح فى البرارى فكان يأنس بالوحش، ولا يضرّه السّباع حيث قبل الله توبته (٣).
٧ - وقوله تعالى: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً﴾ [٥١].
قرأ نافع: «أو يرسلُ» بالرّفع «فيوحىْ» بإسكان الياء نسق على «فيرسل» وذلك أنّ العرب إذا طال النّسق خرجوا من النّصب إلى الرّفع. فأمّا قوله تعالى: ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاّ وَحْياً﴾ هو أن يلهم الله النبى ﵇، أو يوحى الله فى نومه أو من وراء حجاب يعنى:
стр. 809
موسى صلى الله عليه ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً﴾ يعنى ملكا، كجبريل إلى محمد صلّى الله عليهما.
وقرأ الباقون: ﴿أَوْ يُرْسِلَ﴾ ﴿فَيُوحِيَ﴾ بالنّصب، وليس نسقا على أن ﴿أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ﴾ لأنّك لو قدرت هذا التّقدير كان فاسدا؛ لأنّه كان يصير:
وما كان لبشر أن يكلّمه الله إلا أن يوحى إليه. ولكن نسقه على الوحى، والتّأويل: وما كان لبشر أن يكلّمه الله إلا أن يوحى إليه وحيا أو يرسل رسولا.
وهذا واضح بحمد الله.
[واختلف فى هذه السورة فى ياء واحدة]
قال ابن مجاهد (١) : فى هذه السورة ياء واحدة ﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبِّي﴾ [١٠] لم يختلف فيها.
***
стр. 810
(ومن سورة الزّخرف)
قال أبو عبد الله: قد ذكرت ألفاظ السّبعة فى ﴿(حم)﴾ وإنما أعدت ذكره لأنّى سمعت ابن مجاهد يقول: قرأ ابن أبى إسحاق: ﴿حم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ﴾ بالكسر جعله قسما.
وقرأ عيسى بن عمر: ﴿حم﴾، وقد ذكرت علّته. قال ابن عبّاس: قال لى العبّاس: قال لى: المصطفى ﷺ يوم حنين: ناولنى كنار من حصباء قال: فكأنّ البغلة فهمت ما أراد فانحضجت أى: انبسطت فتناول هو صلّى الله عليه ما أراد ثم رمى/فى وجوه الكفّار، وقال (١) : شاهت الوجوه، أى:
قبحت «حم لا ينصرون» قال: فانهزم النّاس، وكانوا ثلاثين ألفا، قال علىّ رضى الله عنه فى المعمعة قبل الهزيمة: وقد بقينا سبعة نفر مع رسول الله ﷺ ، وقد حزننا الأمر فقلت: تقدم رسول الله أمامنا فما هو أن تكلم بكلامه، ورمى حتّى أعطوا الأكتاف، والأقفاء، فأنزل الله تعالى (٢) : ﴿وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى﴾ قال المبرّد: وما رميت بقوّتك يا محمد إذ رميت يا محمّد ولكن بقوّة الله رميت. وقال ثعلب: وما قذفت الرّعب فى قلوبهم يا محمّد ولكنّ الله قذف فى قلوبهم الرّعب حتى انهزموا.
وقال غيرها: لما رمى رسول الله صلّى الله عليه الكفّ من الحصباء صار فى عين كلّ واحد من الكفرة غشاوة وظلمة، وظلّوا يمسحون التّراب عن