وقال فى السّرور (١):
أطربا وأنت قنّسرىّ ... والدّهر بالإنسان دوّارىّ
أى: أتطرب طربا وأنت شيخ، كما قال جرير (٢):
ماذا مزاحك بعد الشّيب والدّين ... وقد علاك مشيب حين لا حين
٣ - وقوله تعالى: ﴿وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾ [١٠].
روى نصر عن البزى عن ابن كثير بالضّم: «ولا يُسأل».
وقرأ الباقون: ﴿وَلا يَسْئَلُ﴾ بالفتح؛ لأنهم فى شغل من أنفسهم عن أن يلقى قرين قرينه أو نسيب نسيبه، فكيف أن يسأله ألم تسمع قوله (٣): ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ* وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾.
ومن قرأ: ﴿وَلا يَسْئَلُ﴾ بالضمة فمعناه: لا يطالب قرين بأن يحضر قرينه
стр. 912
كما يفعل أهل الدّنيا أن يؤخذ الجار بالجار والحميم بحميمه؛ لأنه لا جور هناك.
٤ - وقوله تعالى: ﴿لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ [٣٢].
قرأ ابن كثير وحده: «لأمانَتهم» واحدة.
وقرأ الباقون بالجمع. وقد ذكرت علته فى (قد أفلح).
٥ - وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ﴾ [٣٣].
قرأ عاصم برواية حفص: ﴿بِشَهاداتِهِمْ﴾ بالجمع.
وقرأ الباقون كلّهم: «بشهادَتِهِم» على التّوحيد، وإنّما ذكرته؛ لأنّ عبّاسا وعبد الوارث رويا عن أبى عمرو ﴿بِشَهاداتِهِمْ﴾ على الجمع.
وحفص عن عاصم كذلك.
فأمّا قوله: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ [٣٤].
فلم يختلف القرّاء على توحيدها، لأنّها كتبت فى المصحف بلام ألف.
والباقى كتب «صلوة» بالواو اعنى الثلاثة المواضع التى اختلفوا فيها، وقد بيّنتها.
وقال الفرّاء تكتب الصّلوة، والزّكوة، والفلوة، ومنوة، بالواو.
٦ - وقوله تعالى: ﴿أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ [٣٨].
روى المفضل عن عاصم: «أن يَدخُل» بفتح الياء، جعل الفعل له.
وقرأ الباقون: ﴿يُدْخَلَ﴾ بالضم على ما لم يسم/فاعله والأمر بينهما قريب؛ لأنّ الله تعالى إذا أدخل عبدا الجنة فقد دخل هو.
٧ - وقوله تعالى: ﴿إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [٤٣].
قرأ حفص عن عاصم وابن عامر: ﴿نُصُبٍ﴾ بضمتين جعلاه جمع
стр. 913
نصب كرهن ورهن، والنّصب: العلم يعنى: الصنم الذى نصبوه ليعبدوه من دون الله. لا نشرك بالله شيئا.
وقرأ الباقون: «إلى نَصْب» بفتح النون، وجزم الصاد، ومعنى يوفضون: يسرعون، قال الشاعر (١) :
لأنعتن نعامة ميفاضا ... خرجاء ظلّت تطلب الإضاضا
الإضاض بالكسر والفتح، ومعناه: الملجأ، والخرجاء: فى لونها.
أخبرنى ابن مجاهد عن السّمّرىّ عن الفرّاء قال: إذا رقّعت قميصك برقعتين حمراء، وبيضاء، فهو قميص أخرج، وأنشد أبو عبيدة لرؤبة (٢) :
كفى بنا الجدّ على أوفاض
ولا يجوز: هم يؤفضون، لأنّه من أوفض يوفض إيفاضا فهو موفض.
ففاء الفعل واو مثل أوقد يوقد، وإنما همزوا هذا القبيل ما كان أول الفعل منه الهمزة كقولك: يؤمنون، لأنه من آمن، ويؤتون، لأنه من آتى، وقد بيّنته فيما سلف.
***
стр. 914
ومن سورة (نوح) ﵇
١ - قوله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللهَ﴾ [٣].
وقرأ عاصم وحمزة وأبو عمرو: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللهَ﴾ بكسر النون.
وقرأ الباقون: «أنُ اعبدوا الله» بالضّمّ، فمن كسر فلالتقاء السّاكنين، ومن ضمّه اتبع الضمّ، وقد ذكرت ذلك فيما سلف.
٢ - وقوله تعالى: ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلاّ فِراراً﴾ [٦].
قرأ أهل الكوفة بالمدّ، وإسكان الياء.
وقرأ الباقون بالمدّ وفتح الياء، إلاّ ما حدّثنى ابن مجاهد عن السّمّرىّ عن الفرّاء، وخلف والهيثم عن عبيد عن شبل عن ابن كثير أنه قرأ: «فلم يزدهم دعاء» بالقصر، وقد ذكرت علته فيما تقدم.
٣ - وقوله تعالى: ﴿مالُهُ وَوَلَدُهُ﴾ [٢١].
قرأ عاصم ونافع وابن عامر/ ﴿وَوَلَدُهُ﴾ بالفتح.
وقرأ الباقون: «ووَلْده» وهما لغتان الولد، والولد مثل العدم، والعدم.
وقال آخرون الولد جمع ولد، وأنشد (١):
فليت فلانا كان فى بطن أمّه ... وليت فلانا كان ولد حمار
стр. 915
٤ - وقوله تعالى: ﴿وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً﴾ [٢٣].
قرأ نافع وحده بالضمّة.
وقرأ الباقون: ﴿وَدًّا﴾ بالفتح، فقال أهل اللغة: الود والود: اسم الصنم.
وقال آخرون: الودّ-بالضمّة-: المحبّة، والودّ: الصّنم، ومن ذلك قولهم: عمرو بن عبد ودّ (١)، والسّواع: صنم هاهنا، والسّواع فى غير هذا السّاعة من اللّيل، والسّعواء أيضا، وصرفت سواعا؛ لأنه عربى على وزن فعال مثل غراب، ولم تصرف يغوث، ويعوق للياء الزّائدة فى أولها، وفى حرف ابن مسعود (٢) «ولا يغوثا ولا يعوقا» بالتّنوين والصرف. وكذلك قرأها الأعمش أخرجه مخرج النكرات وهى كلّها أصنام، كانت [العرب فى] الجاهلية تعبدها من دون الله، لا نشرك بالله شيئا، ولا نتّخذ من دونه صاحبة ولا ولدا. نسرا:
صنم أيضا، قال العبّاس بن عبد المطلب يمدح النّبى ﵇:
ثمّ هبطت البلاد لا بشر ... أنت ولا مضغة ولا علق
بل نطفة تركب السّفين وقد ... ألجم نسرا وأهله الغرق
٥ - وقوله تعالى: ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ﴾ [٢٥].
قرأ أبو عمرو وحده: «ممّا خطاياهم».
стр. 916
وقرأ الباقون: ﴿خَطِيئاتِهِمْ﴾ فمن قرأ بالتاء اتبع المصحف، وهو جمع قليل بالألف والتاء.
فأمّا قراءة أبى عمرو فإنّ ابن مجاهد حدّثنى عن ابن عياش عن ابن أخى الأصمعى عن عمّه، قال: قال أبو عمرو: أن قوما كفروا ألف سنة كانت لهم خطيئات، لا بل خطايا، يذهب أبو عمرو/إلى أن التاء والألف للجمع القليل، وهو جمع السّلامة فى المؤنّث، وخطايا جمع التّكسير، وهو الكثير.
وقال أصحاب القراءة الأولى الألف والتاء تكون للقليل والكثير وإليه أذهب؛ لأن الله تعالى قال (١) : ﴿ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ﴾ وليست كلمات الله تعالى قليلة، قال الشاعر (٢) :
إذا جاوزتما سعفات حجر ... وأودية اليمامة فانعيانى
стр. 917
وليست سعفات حجر قليلة. فهذا واضح بحمد الله.
٦ - وقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً﴾ [٢٨].
روى حفص عن عاصم وهشام عن ابن عامر ﴿بَيْتِيَ مُؤْمِناً﴾ بفتح الياء.
وأسكنها الباقون.
فأمّا قوله: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ﴾ فاتفقت القرّاء السّبعة على ﴿لِوالِدَيَّ﴾ على لفظ الاثنين، وإنّما ذكرته لأنّ إبراهيم النّخعىّ روى عنه (١) «ولوَلَدىّ ولمن دخل بيتي».
فإن قيل: لم دعا لولده وهو كافر؟ .
ففى ذلك جوابان:
أحدهما: اغفر له إن آمن، كما قال ﵇ (٢): «عليك بذات الدّين تربت يداك»، معناه: إن لم تفعل.
والجواب الثانى: أنّ الولد يعبر به عن الجماعة، فالتقدير لولدى المؤمنين لا الكافرين، ومن ولده أنبياء، وروى عن الحسين أنّه قرأ «ولوَلَدىّ».
***
стр. 918
(ومن سورة الجنّ)
قال أبو عبد الله: إنّما سمّيت سورة الجن؛ لأنّ الشّياطين لما رجمت وحرست السّماء منها بعد مولد رسول الله ﵇، قال إبليس: هذا شئ قد حدث فبثّ جنوده فى الآفاق، وبعث تسعة منهم من اليمن إلى مكة، فأتوا النّبى ﵇ وهو ببطن نخلة قائما يصلى يتلو القرآن فأعجبهم ما سمعوا، ورقّوا له، وأسلموا فكان من قولهم ما قصّ الله تعالى فى هذه السّورة: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً* يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ﴾.
فحدّثنى ابن مجاهد/عن السّمّرىّ عن الفرّاء، قال (١) : قرأ جويّة الأسدىّ «قل وُحِىَ» مثل (وعد) فاستثقل الضمّة على الواو فجعلها همزة كما قيل: (٢) ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ و «وقّتت» وذلك أن العرب تقول: وحيت إليه، وأوحيت إليه بمعنى، وومأت إليه، وأومأت إليه. قال الرّاجز (٣)
стр. 919
وحى لها القرار فاستقرّت
١ - وقوله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ [١].
قرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿أَنَّهُ﴾ بالفتح: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا﴾ [١٦] ﴿وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ﴾ [١٨] ﴿وَأَنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ﴾ [١٩] بالفتح أربعتهن.
وقرأ عاصم ونافع كذلك إلا قوله: «وإنّه لمّا قام عبد الله» فإنّهما كسراه، وأمّا عاصم فكسره فى رواية أبى بكر.
وقرأ الباقون كلّ ذلك بالفتح إلا ما جاء بعد القول فاختلف النّاس، فقال قوم: من فتح نسق على قوله: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ﴾ ... ﴿وَأَنَّهُ﴾ ومن كسر رده على قوله: ﴿فَقالُوا إِنّا سَمِعْنا﴾ ... «وإنّا» فإذا جاءت بعد فاء الشّرط، والجزاء فمكسورة لا غير؛ لأنّها موضع ابتداء، وهو قوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ [٢٣] بالكسر.
وقد روى عن طلحة بن مصرّف (١) «فأَنّ له» بالفتح جعله ابتداء التقدير: ومن يعص الله ورسوله إن له نار جهنّم.
وسألت ابن مجاهد عن قراءة طلحة هذا فقال: هو لحن.
وقال بعض أهل التّفسير (٢): زعم أبو عبيد أن ما كان من قول الجن فهو مكسور بالنّسق على قوله: ﴿إِنّا سَمِعْنا﴾ ومن فتح فعلى قوله: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ قال: وهو المذهب عندى.
وقد أختلف فى هذه السّورة اختلافا شديدا، وكان أبو عمرو أعلمهم بتأويل القرآن فلذلك حسن اختياره، وسأبين مواضع الفتح والكسر ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ بالفتح/ ﴿فَقالُوا إِنّا سَمِعْنا﴾ بالكسر، ثم تتابع كلام الجنّ إلى قوله: «وإنّا ظننّا» ثم يعترض كلام الله وهو قوله: «وإنّه كان رجال» وهذا
стр. 920
مكسور على الابتداء، ويتلوه قوله: «وإنّهم ... » مكسور نسق على قوله:
«وإنّه كان» ثم ينقطع قول الله هاهنا فيقول الجن: «وإنّا لمسنا السّماء» وهذا مكسور منسوق على ما تقدم من قول الجنّ، ثم يقول الجن: أيضا «وإنّا لا ندرى» ثم يقول: «وإنّا منّا الصّالحون» ثم ينقطع قول الجن هاهنا. ثم يقول الله: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ نسق على قوله: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ وكذلك: ﴿وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ﴾ «وإنّه لمّا قام عبد الله»، والجنّ فى اللغة: الجنّ، والجنّ: الإنس، والجنّ: الملائكة، والجنّة: الإنس، والجنّة:
الملائكة، والجنّة: الجنّ، والحنّة: كلاب الجنّ، ويقال: الحنّ: سفلة الجنّ، والجنّ الجنون، والجنون: جنون الشّباب، وجنون السّكر، وجنون الشّيطان، ويقال: نبت مجنون، وشجرة مجنونة: إذا أفرطت طولا وأنشد (١):
حتّى إذا ما أخصبت وتربّعت ... بقلا بعيهم والحمى مجنونا
٢ - وقوله تعالى: ﴿يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً﴾ [١٧].
قرأ أهل الكوفة بالياء إخبارا عن الله تعالى.
والباقون بالنون «نسلكه» الله يخبر عن نفسه.
ومن العرب من تقول سلك زيد الطّريق، وسلّكه غيره، ومن العرب من يقول: أسلكه غيره، وينشد (٢):
стр. 921
حتّى إذا أسلكوهم فى قتائدة ... شلاّ كما تطرد الجمّالة الشّردا
٣ - وقوله [تعالى]: ﴿عَذاباً صَعَداً﴾ أى: أشدّ العذاب، من قوله تعالى (١): ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾ فأمّا قول العرب: تنفّس فلان الصّعداء على فعلاء، الأكثر فى/كلامهم، وقال آخرون: تنفس صعدا على وزن عرف.
٤ - وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي﴾ [٢٠].
قرأ عاصم وحمزة ﴿قُلْ﴾ على الأمر.
وقرأ الباقون: «قال» على الخبر، والأمر بينهما قريب.
فحدّثنى ابن مجاهد عن سلمان البصرىّ عن أبى حاتم عن يعقوب قال أبو عمرو: ما أبالى كيف قرأت (قل) أو (قال).
قال أبو عبد الله: لأنّ الله تعالى لمّا أمره فقال: (قل) ثم فعل المأمور ما أمر به أخبر عنه، فقيل: «قال إنّما أدعو ربّى».
٥ - وقوله تعالى: ﴿كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ [١٩].
قرأ ابن عامر وحده برواية هشام «لُبَدا» على وزن غرف.
وقرأ الباقون: ﴿لِبَداً﴾ مثل كسر، لبدة ولبد ولبدة ولبد.
وحدّثنى أحمد عن على عن أبى عبيد أن أبا جعفر قرأ «لُبَّدا» بالتّشديد، قال: هو جمع لا بد ولبّد مثل راكع وركّع، ومعناه: أن الجن لشغفهم بقراءة رسول الله ﷺ ولإعجابهم أحسن ما سمعوا أرادوا أن يشتملوا عليه ويجتمعوا.
стр. 922
قال أبو عبيدة (١): كادوا يكونون عليه لبدا أى: جماعات واحدها:
لبدة، وكذلك يقال [للجراد] (٢) إذا كثر، قال عبد مناف:
صابوا بستّة أبيات وأربعة ... حتّى كأنّ عليهم [جابئا] لبدا
وقال الفرّاء (٣): أراه ﴿وَأَنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ﴾ يريد: النّبى ﵇ ليلة أتاه الجن ببطن نخلة: ﴿كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ قال: يركبون النّبىّ ﵇ رغبة فى القرآن وشهرة له.
وقرأ ابن محيصن وعاصم الجحدرى (٤): «لُبَدا» بضم اللام وفتح الباء.
وروى عن الجحدرىّ (٥) «لُبْدا».
وروى عن هارون (٦) «لُبُدا» بضمتين مثل ثمر. ففيه أربع قراءات على هذا، لبدا، ولبدا، ولبدا، وقال بعضهم: لبدا مثل أسد، وأسد/ويقال: أسد ذو لبدة: إذا تلبّد شعره بين كتفيه، وركب بعضه بعضا.
٦ - وقوله تعالى: ﴿رَبِّي أَمَداً﴾ [٢٥].
أسكن الياء الكوفيون وابن عامر.
стр. 923
وفتحها الباقون.
والأمد: الغاية، وقال الشاعر (١) :
*سبق الجواد إذا استولى على الأمد*
***
стр. 924
(ومن سورة المزمل)
١ - قوله تعالى: ﴿أَشَدُّ وَطْئاً﴾ [٦].
قرأ أبو عمرو وابن عامر: «وِطاء» بكسر الواو على فعال جعلاه مصدرا لواطأ يواطئ مواطأة ووطاء، ومعناه: يواطئ السّمع والقلب؛ لأنّ الصلاة باللّيل وإن كانت أشدّ على المؤمن من صلاة النّهار، وما يغشاه من النّعاس فهو أقوم قيلا.
وقرأ الباقون: «وَطا» على فعل بفتح الواو.
وروى الوقّاصىّ (١) عن الزّهرىّ: «أشدّ وِطأ» بكسر الواو وإسكان الطاء من غير مدّ.
حدّثنى ابن مجاهد قال: حدّثنا نصر عن أبيه عن هارون، قال: حدّثنا يونس عن ابن أبى مليكة ﴿ناشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ قال: بعد عشاء الآخرة وقيل:
﴿ناشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ من أولها إلى آخرها وقيل: من أول اللّيل، وقيل: ساعة من اللّيل. والاختيار أن الناشئة: ما أحياه المصلّى من بعد نومه ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلاً﴾ أى: ما تقضى حوائجك.
وقرأ يحيى بن يعمر: «سبخا» بالخاء (٢)، وكذلك الضّحاك. ومعنى
стр. 925
السّبخ: التّوسعة، يقال: سبّخت القطن: إذا وسّعته للنّدف. ويقال لما يتطاير من القطن عند النّدف: سبائخ وأنشد (١) :
فأرسلوهنّ يذرين التّراب كما ... يذرى سبائخ قطن ندف أوتار
وقال اللّحيانىّ فى «نوادره» «إنّ لك فى النّهار سبخا» أى: نوما، وسبحا بالحاء أى: راحة.
وقال آخرون: هما بمعنى. ومن قرأ: ﴿وَطْئاً﴾ فمعناه أشدّ مكابرة/من ذلك قول رسول الله ﷺ (٢) : «اللهم أشدد وطأتك على مضر».
فإن سأل سائل فقال: ما معنى ﴿إِنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾؟ فقل: معناه: ثقيلا فى الأجر ليس بخفيف، ولا سفساف.
وهذه السّورة من أوائل ما نزل على النّبى ﵇. وذلك أنّ الناموس الأكبر يعنى جبريل ﵇ لما لقى رسول الله ﵇، قال: ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ ففزع لذلك فزعا شديدا. فصار إلى بيته، وقد اقشعر وقال:
زمّلونى أى: دثّرونى وغطّونى-يقال: تزمّل الرّجل فى ثيابه، وتزمّل للنّوم فى لحافه-فجاءه جبريل ﵇، وقال: ﴿يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ بتشديد الزّاى والميم، لا يجوز لأحد أن يقرأ بغيره ومعناه: المتزمّل فاندغمت التاء فى الزّاى.
فالتّشديد من جلل ذلك.
стр. 926
وكذلك هى قراءة ابن مسعود (١): «يا أيّها المتزمل» ومثله ﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [١] والأصل: المتدثّر. وإنّما شدّدت الميم والتّاء لأنّهما عينان من الفعل، ووزنه: متفعّل، بتشديد العين مثل متكلّم ومتكبّر. والمصدر من المدغم: ازّمل يزّمل ازّمالا فهو مزّمّل
٢ - وقوله تعالى ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [٩].
قرأ أهل الكوفة وابن عامر غير حفص: «ربِّ المشرق» بالكسر بدلا من قوله: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾.
وقرأ الباقون بالرّفع على الاستئناف.
٣ - وقوله تعالى: ﴿نِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ [٢٠].
قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر بكسر الفاء، والثّاء على معنى: أنّك تقوم أدنى من نصفه وثلثه.
وقرأ الباقون: ﴿نِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ بالنّصب على أنّك تقوم نصفه وثلثه.
وحدّثنى ابن مجاهد عن السّمّرىّ عن خلف عن عبيد عن شبل عن ابن كثير «وثُلْثَه» /مخففا وهما لغتان الرّبع والرّبع والعشر والعشر.
وروى الحلوانىّ عن هشام عن ابن عامر: ﴿ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ ساكنا أيضا.
قال أبو عبيد: الاختيار الخفض فى «نصفِه وثلثِه»، لأنّ الله تعالى قال: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ قال فكيف يقدر على أن يعرفوا ثلثه ونصفه وهم لا يحصونه.
стр. 927
وقال غيره: ليس معنى ﴿لَنْ تُحْصُوهُ﴾ ما ذهب إليه أبو عبيد، ولكن معناه: لن تطيقوه، يعنى قيام اللّيل، فخفف الله تعالى ذلك عليهم، قال:
والاختيار النّصب؛ لأنها أصحّ فى النّظر. قال الله تعالى لنبيّه ﵇: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ أى: صلّ الليل إلا شيئا قليلا منه تنام فيه، وهو الثّلث والثّلث يسير عند الثلثين، ثم قال: نصفه، فاكتفى بالفعل الأول من الثّانى؛ لأنّه دليل عليه، وانقص من النّصف قليلا إلى الثّلث، أو زد على النّصف إلى الثّلثين، جعل الله له سعة فى مدة قيامه فى اللّيل، فلما نزلت هذه الآيات قام رسول الله ﷺ وطائفة من المؤمنين معه أدنى من ثلثى الليل شيئا يسيرا وقاموا نصفه، وثلثه، وأخذ المسلمون أنفسهم بالقيام على المقادير حتّى شقّ ذلك عليهم.
فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ أى: تقوم نصفه وثلثه، ﴿وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ﴾ مقدار ثلثيه ونصفه، وثلثه، وسائر أجزائه، ويعلم أنّكم لن تحصوه، أى: لن تطيقوا القيام على هذه المقادير ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ، فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ/الْقُرْآنِ﴾.
فذهب الشّافعى رضى الله عنه إلى أن ما تيسر من القرآن هو (الحمد)، وقيل:
مائة آية، ورخّص لهم فى أن يقوموا ما أمكن، ثم نسخ الله ذلك بالصلوات الخمس.
قال أبو عبيد فأمّا نصفه فأجمع القراء على كسر النون وإسكان الصّاد وللعرب فيه أربع لغات: يقال: نصف الشئ، ونصفه ونصفه، ونصيفه. ومن ذلك حديث رسول الله ﷺ (١) : «لا تسبّوا أصحابى فإنّ أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه».قال الشّاعر (٢) :
стр. 928
لم يغذها مدّ ولا نصيف ... ولا تميرات ولا تعجيف
والنّصيف فى غير هذا: الخمار.
حدّثنى أحمد عن على عن أبى عبيد أن زيد بن ثابت قرأ (١) : ﴿فَلَهَا النِّصْفُ﴾ بضمّ النّون.
***
стр. 929
(ومن سورة المدثر)
١ - قوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [٥].
قرأ عاصم فى رواية حفص: ﴿وَالرُّجْزَ﴾ بضم الرّاء.
وقرأ الباقون: «والرِّجز» بالكسر، فقال قوم: الرّجز والرّجز لغتان، قالوا: والكسر أفصح، لأنّ الرّجز والرّجس سيّان. العرب تبدل الرّاء سينا، ومثله الأزد والأسد.
وقال آخرون: الرّجز بالضّمة: الصنم. وكان الرّجز صنمين، إساف ونائلة فزجر الله من كان يعظّمهما.
٢ - وقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ [٣٣].
قرأ نافع وحمزة وحفص عن عاصم: ﴿إِذْ أَدْبَرَ﴾.
وقرأ الباقون: «إذا دَبَرَ» فقال قوم: دبر وأدبر: لغتان، وقبل وأقبل:
لغتان، والاختيار عندهم دبر لعلتين:
إحداهما: أنّ ابن عبّاس قال: يا عكرمة هذا حين دبر اللّيل.
والعلة الثّانية: أنّ العرب تقول: /دبر فهو دابر وأنشد (١):
صدعت غزالة قلبه بكتيبة ... تركت مسامعه كأمس الدّابر
стр. 930
وفيها قراءة ثالثة: قرأ أبىّ بن كعب (١): «إذا أدبر» بزيادة ألف.
وحجّة نافع وحمزة قول رسول الله ﷺ (٢): «إذا أقبل اللّيل من هاهنا وأدبر النّهار من هاهنا فقد أفطر الصّائم».قال أبو عبيد: أدبر: ولى، ودبر:
جاء خلفى.
٣ - وقوله تعالى: ﴿إِنَّها لَإِحْدَى﴾ [٣٥].
اتّفقت القراء السّبعة على قطع الألف من (إحدى) كما قال تعالى (٣):
﴿إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ﴾ وإنما ذكرته لأنّ ابن مجاهد حدّثنى عن ابن أبى خيثمة وإدريس عن خلف عن وهب بن جرير عن أبيه قال: سمعت ابن كثير يقرأ:
«إنّها لَحْدى الكِبَر» لا يهمز ولا يكسر.
قال أبو عبد الله: أسقطت الهمزة تخفيفا، كما تقول العرب: زيد الأحمر وزيد لحمر ﴿وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ﴾ (٤) «وأصحابُ لَيكة» والاختيار قطع الألف؛ لأنّ العرب إذا حذفت مثل هذا نقلت حركة الهمزة إلى السّاكن قبله واللاّم قبل هذه الهمزة متحركة، واللاّم فى الأحمر لام التّعريف ساكنة.
٤ - وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ [٥٠].
قرأ نافع وابن عامر بفتح الفاء جعلاها مفعولة.
стр. 931
وقرأ الباقون بكسر الفاء جعلوهن فاعلات من نفرت، وينشد (١):
اربط حمارك إنه مستنفر ... فى إثر أحمرة عمدن لغرّب
فلا يجوز فى هذا فتح الفاء؛ لأنّه لم يستنفره أحد. والعرب تقول: نفر واستنفر بمعنى، وعلا قرنه واستعلاه بمعنى، وسمع أعرابى رجلا يقرأ: ﴿كَأَنَّهُمْ (٢)﴾ حُمُرٌ/مُسْتَنْفِرَةٌ فقال: طلبها قسورة، قيل له: ويحك إنّه فى القرآن:
﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ فقال: فمستنفرة إذا. والقسورة: الرّماة، والقسور بغير هاء: نبت، والقسورة: الأسد. فأمّا قول امرئ القيس (٣):
* ...... كمشية قسورا*
يصف الأسد، وأنه أراد: كمشية قسورة ثم رخّم الهاء وأتى [بالألف] للقافية.
٥ - وقوله تعالى: ﴿كَلاّ بَلْ لا يَخافُونَ﴾ «و» ﴿الْآخِرَةَ﴾ [٥٣].
قرأ ابن عامر: «بل لا تخافون الآخرة» بالتّاء على الخطاب.
وقرأ الباقون بالياء ردّا على قوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً﴾ ومنشّرة بتشديد الشّين؛ لأن الصحف كثيرة. وهى قراءة
стр. 932
النّاس إلاّ ما حدثني ابن مجاهد عن عبيد الله بن نصر عن المعتمر عن محمّد بن الهيضم عن ابن سعيد بن جبير (١): «صحفا مُنْشرة» بتخفيف الشّين ولم يذكر فى الصّحف شيئا، قال: وحدّثنا الجمّال عن المعتمر بإسناده مثله وقال:
«صُحْفا مُنْشرة» خفيفتين.
٦ - وقوله تعالى: ﴿وَما يَذْكُرُونَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ [٥٦].
قرأ نافع وحده: «وما تذكرون إلا أن يشاء الله» بالتّاء على الخطاب.
وقرأ الباقون بالياء ردّا على ما قبله.
***
стр. 933
(ومن سورة القيامة)
١ - [قوله تعالى]: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ [١].
قرأ ابن كثير وحده فى رواية قنبل: «لأُقسم» بغير مدّ جعل اللاّم لام تأكيد، كما تقول: أقوم ثم تدخل اللام فتقول: لأقوم، والاختيار من قصد هذا لأقسمن ولأقومن، وقد روى ذلك عن الحسن أيضا. قال: لأنّ الله تعالى أقسم بالنّفس اللّوّامة هى التى تلوم نفسها يوم القيامة إن فعلت شرّا، وتلوم إن فعلت خيرا لم لم تزدد، وإنما ذهب من/قرأ «لأُقسم» بغير مدّ إلى أنّه فى المصحف بغير ألف. وقال مقاتل: لم يقسم الله تعالى فى القرآن بالكافر إلاّ فى هذه السّورة فقط.
وقرأ الباقون: ﴿لا أُقْسِمُ﴾ بالمدّ؛ لأنّ بعد «لا» ألفا فى اللفظ.
واختلف النّحويون فى «لا» هاهنا، فقال الكسائى وأبو عبيدة «لا» صلة زائدة، والتقدير: أقسم. وقال غيرهما: العرب لا تزيد «لا» فى أوّل الكلمة، ولكن هاهنا ردّ لقوم أنكروا البعث وكفروا بالتّنزيل، فقال الله تعالى لا، أى: ليس كما تقولون. ثم قال: أقسم بيوم القيامة.
و«لا» تنقسم أربعين قسما قد أفردت له كتابا.
٢ - وقوله تعالى: ﴿فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾ [٧].
قرأ نافع وحده: «بَرَقَ» بفتح: الراء.
والباقون بالكسر. واحتجّوا بأن «بَرَقَ» لا يكون إلاّ فى الضّوء. يقال برق أى: لمع، وبرق الحنظل وغيره. فأمّا برق فمعناه: تحيّر،
стр. 934
قال الشّاعر (١):
لمّا أتانى ابن صبيح راغبا ... أعطيته عيساء منها فبرق
أى: تحيّر. ومثله بعل وذهب.
حدّثنى ابن مجاهد قال: حدّثنا اسماعيل عن محمد بن إسحاق البلخى قال: حدّثنا عمرو بن مضارب قال: سمعت الحسن يقرأ: «فإذا بَرَقَ البصر» فقلت: خالفت عالم الله فقال: أخطأ عالم الله. قال أهل اللّغة: برق وبرق لغتان، يقال للميّت إذا شخص: قد برق بصره. وخسف القمر يعنى قمر العين، وهو ضوؤها.
٣ - [وقوله تعالى]: ﴿يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾ [١٠].
قرأ القرّاء السّبعة بفتح الفاء.
وقرأ ابن عبّاس (٢): «أين المفِرّ» بالكسر. قال الفراء: المفرّ والمفرّ/ والمدبّ والمدبّ بمعنى واحد، يقال: المفرّ بالفتح: المصدر، وهو الفرار، والمفرّ الذى يفرّ إليه
وحدّثنى ابن مجاهد: قال: حدثنا موسى بن هارون عن عبد الرحمن بن أبى حماد عن يحيى بن سلمة بن كهيل عن أبيه عن مجاهد (٣) عن ابن عبّاس
стр. 935
«أين المفِرّ» بكسر الفاء. قال ابن عبّاس: يعنى الهرب ﴿كَلاّ لا وَزَرَ﴾ أى:
لا ملجأ يلجئون إليه. ويقال: الوزر: جبل بمكّة (١).وكانت العرب تلجأ إليه عند الشّدائد فخبرهم الله أن لا حصن لهم، ولا مفرّ ولا ملجأ من الله إلا إليه.
وأخبرنى أبو العباس بن زريق عن عبد الله بن سفيان قال: تقول العرب (٢): «لكلّ داخل برقة»، أى: دهشة.
قال أبو عبد الله: وهو من قول الله تعالى: ﴿فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾ أى:
دهش وتحيّر.
٤ - وقوله تعالى: ﴿بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ﴾ [٢٠].
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: «بل يحبّون» ... «ويذرون» [٢٠، ٢١] بالياء ردّا على الإنسان.
وقرأ الباقون بالتّاء على الخطاب أى: قل لهم يا محمد: ﴿بَلْ تُحِبُّونَ﴾ هذه العاجلة الفانية ﴿وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾ الباقية، ثم وصف تعالى المؤمن والكافر على أثرها فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [٢٢] أى: مشرقة حسنة ﴿إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [٢٣]، ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [٢٤] أى: كالحة من قوله (٣): ﴿عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [٢٥].
قال أبو عبد الله: ذكر الخليل فى كتاب «العين» (٤) قال عبس
стр. 936
الرّجل، فإن أبدى عن أسنانه قيل: كلح، فإن اهتمّ لذلك قيل: بسر فإن عضب قيل: بسل، فإن زوى عن عينيه فهو قاطب، يقال: قطّب ما بين عينيه وقبّط/.
٥ - وقوله تعالى: ﴿كَلاّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ وَقِيلَ مَنْ راقٍ﴾ [٢٧]
قرأ عاصم فى رواية حفص: ﴿وَقِيلَ مَنْ﴾ يسكت سكتة فيقطع ثم يبتدئ ﴿راقٍ﴾ وهو يصل أعلاما أنّ «من» منفصلة من الرّاق. ومعناه هل من مداو من الرّقية.
وقال آخرون: هل من راق أى: من يرقى، والمعنى واحد.
وقال آخرون: راق من الرّقىّ أى: من ترقى روحه إلى السماء.
وسمعت ابن مجاهد غير مرة يقرأ فى الصّلاة هذه السّورة فيتعمّد الوقف على قوله: ﴿التَّراقِيَ﴾ بالياء ويثبتها
﴿وَالْتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ [٢٩] أى: شدّة أمر الدّنيا بشدّة أمر الآخرة وقال آخرون: التفاف ساقى المرء عند نزع الرّوح، ولقد كان عليهما جوّالا.
٦ - وقوله تعالى: ﴿مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [٣٧].
قرأ ابن عامر وحفص عن عاصم بالياء.
وقرأ الباقون بالتاء. والتاء للنّطفة، والياء للمنىّ مثله ﴿تُساقِطْ﴾ و «يساقط» (١) الياء للجذع والتاء للنّخلة، ومثله ﴿يَغْلِي﴾ و «تغلى» (٢) الياء للمهل والتّاء للشجرة، ومثله «ليحصنكم» و ﴿لِتُحْصِنَكُمْ﴾ (٣) الياء
стр. 937
للّبوس، والتاء للصّنعة. والمنىّ مشدّد الياء، وهو الماء الدّافق الذى يكون منه الولد، ويقال: أمنى الرّجل. فأمّا المذي والودى فبالتخفيف (١).فالمذى:
ما يكون عن القبلة، وربما كان بغير ذلك. تقول العرب (٢): «كلّ فحل يمذى وكلّ أنثى تقذى» والوذى: ما يخرج بعد البول ويجب من هذين الوضوء، ويجب من الأول الغسل.
٧ - وقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى﴾ [٤٠].
بياءين الأولى مكسورة، فلذلك صعب اللّفظ بها، والياء الثانية مفتوحة وهو اتفاق السّبعة وغيرهم. وإنما ذكرته؛ لأن البصريين زعموا أن إدغامه لحن فى العربية، وليس لحنا عندى وقد حكاه الفرّاء «أليس ذلك بقدر على أن يحيِّي الموتى» /لأنّ كسرة الياء الأولى تنقل إلى الحاء وتدغم الياء فى الياء، وكان رسول الله ﵇ (٣) إذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى﴾ قال: -سبحانك-فبلى. وكذلك ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ﴾ سبحانك فبلى. وإنما استحب للقارئ أن يفعل ذلك فى الصّلاة وغيرها، وكذلك رأيت المشيخة ممّن أثق بهم يفعلون ذلك كذلك.
***
стр. 938
(ومن سورة الإنسان)
قال أبو عبد الله: الإنسان-هاهنا-: آدم ﵇: و ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ﴾ [١].معنى قد أتى، والحين أربعون سنة ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ أى: كان شيئا ولم يكن مذكورا، يعنى: حيث صوّر قبل أن ينفخ فيه الرّوح، فلما نفخ فيه الروح وبلغ إلى ساقيه كاد ينهض للقيام فلما بلغ عينيه ورأى ثمار الجنّة بادر إليها ليأخذها فذلك قوله (١): «وخلق الإنسان عجولا» و ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ (٢) فعجل آدم فعجلت ذريته ونسى آدم فنسى ذريته، وجحد آدم فجحدت ذريته.
وأمّا من زعم أن عصيان آدم كان نسيانا لا تعمّدا فقد غلط؛ لأنّ الله تعالى لا يعاقب على النّسيان. وأمّا قوله (٣): ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ فإن معناه: ترك، لا من النّسيان الّذى هو ضدّ العمد، إنما هو من قول الله (٤) ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾.
١ - وقوله تعالى: «سلاسلا وأغلالا وسعيرا» [٤].
قرأ ابن كثير برواية: البزىّ وأبو عمرو وحمزة وابن عامر برواية ابن ذكوان وأبو عمرو وعاصم برواية حفص فى الوصل، وأمّا فى الوقف [ف] وقف ابن ذكوان وحفص والبزىّ بالألف، وروى عنهم بغير ألف.
стр. 939
وأمّا حمزة وقنبل [ف] وقفا بغير ألف.
والباقون بألف. ﴿سَلاسِلَ﴾ بغير تنوين فى وصل ولا وقف؛ لأنّ فعالل جمع بعد ألفه أكثر من حرف فلا ينصرف فى معرفة ولا نكرة.
وقرأ الباقون: «سلاسلا» بالتّنوين اتباعا للمصحف؛ لأنّها وإن لم تكن رأس آية فأنّها تشاكل رءوس الآى لأنّ بعدها ﴿أَغْلالاً وَسَعِيراً﴾ ولأنّ من العرب من يقف على ما/لا ينصرف بالألف نحو رأيت عمرا، وإذا أدرجت أسقطت (١) الألف، فكأنّ من نوّن وأثبت الألف بنى الوصل على الوقف.
وحدّثنى ابن مجاهد (٢) عن [ابن] الجهم عن خلف والهيثم بن عبيد عن شبل عن ابن كثير «سلاسلا» منونا.
٢ - وقوله تعالى: ﴿قَوارِيرَا﴾ [١٥، ١٦].
قرأ نافع وعاصم فى رواية أبى بكر والكسائىّ: «قواريراً» منونا بالألف اتباعا للمصحف؛ لأن الأولى رأس آية، وكرهوا أن يخالفوا بين لفظين معناهما سيّان، كما قرأ الكسائى (٣) «ألا إنّ ثموداً .. ألا بعدا لثمودٍ» فصرف الثانى لقربه من الأول، والأوّل صرف، لأنّه بألف (٤).
وفيه قراءة ثانية: روى حفص عن عاصم: «قواريراً قواريرا» يثبت الألف فى الوقف، ولا ينون، كأنه ذهب إلى ما أنبأتك فى وقف بعض العرب على ما لا ينصرف بألف. وإذا أدرج أسقط الألف.
وأمّا ابن عامر فإنه يقف برواية هشام: ﴿قَوارِيرَا﴾ بالألف، وبرواية ابن ذكوان بغير ألف.
стр. 940
وقراءة ثالثة: قرأ حمزة وابن عامر: «قواريرَ قواريرَ» بغير ألف، وهو محض العربيّة؛ لأنّ فواعيل لا ينصرف فى معرفة ولا نكرة.
وكان حمزة يقف بغير ألف. ومعنى «قواريرَ من فضّة» [١٦] أى:
هى فى صفاء الفضّة وجوهره ويؤدى ما وراءها كما تؤدى قوارير. ومثله ﴿مِزاجُها كافُوراً﴾ [٥] و ﴿زَنْجَبِيلاً﴾ [١٧] أى: هذا الشّراب فى برد الكافور وذكاء المسك ولذع الزّنجبيل.
وفيه قراءة رابعة: قرأ ابن كثير: «قواريراً قواريرَ» ينون الأول والثّانى بغير ألف، وهو الاختيار؛ لأنّ الأولى رأس آية، وليست الثانية كذلك.
وفيه قراءة خامسة: قرأ أبو عمرو: ﴿قَوارِيرَا﴾ بألف غير منوّن إذا وقف يقف وقفا خفيفا؛ إذ كان رأس آية، والثانى: بغير ألف؛ لأنّه لا ينصرف، وليس رأس آية. فاللّفظ على ما سمعت ابن مجاهد يقرأ: «قواريرا قواريرَ من فضّة قدّروها تقديرا» /ومعنى قدّروها أى: قدروا شرابهم على مقادير ريّهم لا يزيد ولا ينقص، وذلك ألذّ الشّراب، قال ابن جريج ومجاهد: لا يترع فيهراق ولا ينقص فيغيض.
وقال قتادة: قدّر على رىّ القوم، فنسب الفعل إلى الخدام إذا كان جاريا على أيديهم. ومعنى يترع: يملأ، يقال ملأت الإناء فأرهقته، وأترعته، وأفعمته، وأتأقته، وزبرته، وكرتّه، ورعبته، وزعبته: كلّ ذلك إذا ملأته إلى أصباره، الأصبار: واحدها صبر، وهو النّواحى من أعلاه.
وقرأ ابن عبّاس والشّعبى وعبيد بن عمير وعاصم الجحدرى وقتادة وأبو عبد الرحمن وابن أبى أبزى (١) : «قُدِّروها تقديرا» بضمّ القاف، وقال المازنىّ عن الأصمعى عن أبى عمرو: و ﴿قَدَّرُوها﴾ بالفتح، وقال:
«قُدِّروها» محدثة.
стр. 941
٣ - وقوله تعالى: ﴿عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ﴾ [٢١].
قرأ نافع وحمزة: «عالِيْهِم» بإسكان الياء جعلاه اسما لا ظرفا، كما تقول: فوقك واسع، ومنزلك باب البردان (١) تجعل الباب هو المنزل، وكذلك تجعل الثّياب هى العالى.
وقرأ الباقون: ﴿عالِيَهُمْ﴾ بالنّصب على الظّرف؛ لأنه ظرف مكان، وهو الأحسن فى العربيّة؛ لأنّ الثانى غير الأول، وإنما رفع من هذا القبيل إذا كان آخر الكلام هو الأول كقولك: فوقك رأسك وأمامك صدرك، فإن قلت: فوقك السّقف، وأمامك الأسد فالنّصب لا غير.
وفيها قراءة ثالثة: قرأ ابن مجاهد: «عَلَيْهِم ثياب سندس».
وفيها قراءة رابعة: حدّثنى أحمد عن علىّ عن أبى عبيد قال: قال هارون:
فى حرف ابن مسعود (٢): «عاليتُهُم» بالتاء قال: فوافق قول ابن عبّاس الذى حدّثنا حجّاج عن هارون عن عمرو بن مالك عن أبى الجوزاء عن ابن عبّاس/ قال: ما رأيت الرّجل يكون عليه الثّياب يعلوها أفضل منها.
٤ - وقوله تعالى: ﴿خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ [٢١].
قرأ ابن كثير وعاصم فى رواية أبى بكر: «خضرٍ» خفض نعت للسّندس و ﴿إِسْتَبْرَقٌ﴾ نعت للثياب.
وقرأ نافع وحفص عن عاصم بالرّفع فيهما جميعا ﴿خُضْرٌ﴾ نعت للثياب، و ﴿إِسْتَبْرَقٌ﴾ نسق، لأنّ الله قال: (٣) ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً﴾ فجعل الخضر نعتا للثياب والإستبرق: الدّيباج الغليظ.
стр. 942
وقال بعضهم (١) : أصله فارسىّ معرّب استبره، كما أن قوله: ﴿مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ واحدها إقليد، وهو بالفارسية (٢) إكليد، كما قال ﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾ أى: صكّ (٣) .وكلّ ألفاظ وافقت العربيّة الفارسية.
وقال آخرون: هذا محال، لا يكون فى القرآن غير العربية، وقد فسرت الحجّة للفريقين فى كتاب «الإيضاح فى القرآن».
وقرأ أبو عمرو وابن عامر: ﴿خُضْرٌ﴾ بالرفع و «إستبرقٍ» بالخفض على تقدير: ثياب سندس وثياب استبرق والحجّة فى ذلك: أن الله قال (٤) :
﴿ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ وكذلك هذا مثل ذلك.
وقرأ حمزة والكسائى بالخفض كليهما.
وفى ﴿إِسْتَبْرَقٌ﴾ قراءة ثالثة (٥) : قرأ ابن محيصن «خضر واستبرقَ» بفتح القاف، ويصل بالألف يجعله استفعل من البريق.
وقال آخرون: بل قرأ «وإستبرقَ» بقطع الألف وفتح القاف جعله اسما أعجميا لم يصرفه، والاختيار الصرف وإن كان أعجميا؛ لأنّ الأعجمى إذا حسنت الألف واللام فيه صرف نحو: راقود وجاموس وآجر، لأنّه يصلح أن تقول: الرّاقود والجاموس والاستبراق.
стр. 943
قال الفرّاء: وجمع إستبرق سبارق وعبارق وأبارق.
٥ - وقوله تعالى: ﴿إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ﴾ [٩].
اتّفق القراء على رفعه/إنما ذكرته لأنّ عباسا روى عن أبى عمرو «إنما نطعمْكم» بجزم الميم كأنّه اختلس الحركة تخفيفا كما خبّرتك فى «يأمرْكم» (١) و ﴿يَنْصُرْكُمُ﴾ (٢) لئلا تتولى الحركات. وهذه الآية نزلت فى أهل بيت رسول الله ﷺ (٣).وكذلك أكثر هذه السّورة.
٦ - وقوله تعالى: ﴿وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ [٣٠].
قرأ ابن عامر وابن كثير وأبو عمرو بالياء.
وقرأ الباقون بالتاء خطاب عن غيب. وقد ذكرته فى غير موضع.
стр. 944
﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظّالِمِينَ﴾ [٣١] فى موضع نصب بتقدير فعل قبله، ومعناه وعذّب الظالمين أعدّ لهم، ولو رفع الظالمين يجعله ابتداء وخبرا كان صوابا بإجماع النّحويين، كما قال تعالى (١) : ﴿وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ﴾ وفى حرف ابن مسعود (٢) : «يدخل من يشاء فى رحمته وللظّالمين أعدّ لهم عذابا» فكرّر اللام فى قوله: «وللظّالمين» كما قال الشّاعر (٣) :
أقول لها إذا سألت طلاقا ... إلام تسارعين إلى طلاق
فكرّر الجار مرّتين.
***
стр. 945
(ومن سورة المرسلات)
قال أبو عبد الله: المرسلات ملائكة أقسم الله تعالى بها كما أقسم ب ﴿الصَّافّاتِ صَفًّا﴾ وهم الملائكة.
١ - وقوله تعالى: ﴿عُرْفاً﴾ [١].
أجمعت القراء على إسكان الرّاء إلا عيسى بن عمر فإنه قرأ:
«والمرسلات عُرُفا» بضمّتين، كما قرأ «أليس الصُّبُح بقريب» (١) ونظائر له.
٢ - وقوله تعالى: ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾ [٦].
قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائىّ وحفص عن عاصم مخففتين جعلوه مصدرا بمعنى الإعذار والإنذار.
وقرأ الباقون: ﴿عُذْراً﴾ مثلهم «أو نُذُرا» مثقّلا على الجمع، كأنه نذير ونذر، وجماعهم على تخفيف عذر يوجب تخفيف نذر والعذرة والمعذرة والعذير بمعنى المصدر، قال سيبويه (٢) /-فى قوله-:
*عذيرك من خليلك ... *
стр. 946
إنه مصدر.
وحدّثنى أبو عمرو النّيسابورى قال: حدّثنا سلمة قال: حدّثنا عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن عبيدة، قال: كان على رضى الله عنه إذا أعطى النّاس فرأى ابن ملجم قال:
أريد حباءه ويريد قتلى ... عذيرك من خليلك من مراد
فنصب قوله: ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾ على تقدير: أرسلت الملائكة إعذارا أو إنذارا، ويقال: عذّر فلان أى: قصروا عذّر أى: تعذر، وأعذر المزين الغلام:
إذا ختنه. قال الشاعر (١):
(١) *تلوية الخاتن زبّ المعذور*
ويقال للرّجل إذا افتضّ الجارية: «هو أبو عذرها وعذرتها» (٢) والعذرة:
جمع يكون فى حلق الصبى عند اللهوات. والإعذار: طعام الختان (٣) كما أن الوكيرة: طعام البناء، والخرس: طعام النّفساء، والنّقيعة: طعام القادم من سفره، والشّديخة: طعام الإملاك، والوضيمة: طعام المأتم، والوليمة: طعام العرس.
٣ - وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ [١١].
стр. 947
قرأ أبو عمرو وحده: «وقّتت» على الأصل، لأنّها فعّلت من الوقت مثل قوله (١): ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ قال يونس بن حبيب: كأنّما أسمع هذا الحرف من فىّ سيدنا أبى عمرو بن العلاء: «وإذا الرّسل وقّتت» قال أبو عمرو: إنما تقول: أقتت من يقول فى وجوه أجوه.
وقرأ الباقون: ﴿أُقِّتَتْ﴾ استثقلوا الضمّة على الواو فقلبوها همزة كما يستثقلوا فى المكسور نحو إشاح و [وشاح] وإعاء ووعا.
فيها قراءة ثالثة (٢): قرأ أبو جعفر المدنى والحسن: «وُقِتت» بتخفيف القاف جعلاه فعلت من الوقت مثل ضرب.
٤ - وقوله تعالى: «وقدرنا فنعم القادرون» [٢٣].
قرأ نافع والكسائىّ: «فقدَّرنا» مشددا [قيل] للكسائى لم اخترت/ التّشديد واسم الفاعل ليس مبنيا على هذا الفعل؟
فقال: بمنزلة (٣): ﴿فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ﴾ ثم قال: ﴿أَمْهِلْهُمْ﴾ ولم يقل:
مهّلهم يعنى: إنّه أتى باللّغتين كلتيهما، ومثله: ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً﴾ (٤) ولم يقل تعذيبا.
وقرأ الباقون: ﴿فَقَدَرْنا﴾ مخففا، ولو كان مشدّدا لكان فنعم المقدّرون، وكلتا القراءتين حسنة.
стр. 948
قال الفرّاء (١): تقول العرب قدرت الشئ بمعنى قدّرت.
٥ - وقوله تعالى: ﴿جِمالَتٌ صُفْرٌ﴾ [٣٣].
قرأ حمزة والكسائى وحفص عن عاصم: ﴿جِمالَتٌ﴾ على لفظ الواحد فهذا وإن كان واحدا فإنه جمع فى المعنى، ولقوله: ﴿صُفْرٌ﴾.
وقرأ الباقون: «جمالات» بكسر الجيم ورفع التّاء وجمال وجمالات جميعا جمعان كأنّه جمع الجمع كما تقول: رجال ورجالات، وبيوت وبيوتات. فالهاء فى قوله: ﴿كَأَنَّهُ﴾ كناية عن الشّرر، لأنّها ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ فقيل:
القصر المبنى عظما وكبرا.
وقال آخرون: يعنى أصول الشّجر الغلاظ.
قال ابن عباس (٢): «كالقَصَرِ» بفتح الصّاد والقاف جمع قصرة وهى أصول النّخل. وقرأ «كالقِصَر» بكسر القاف وفتح الصّاد سعيد بن جبير (٣).
وقوله: ﴿صُفْرٌ﴾ أراد: سود. والعرب تسمى الأسود أصفر، قال (٤):
تلك خيلى فيها وتلك ركابى ... هنّ صفر أولادها كالزّبيب
فأمّا قوله (٥): ﴿صَفْراءُ فاقِعٌ﴾ فقيل: سوداء والاختيار: وأن تكون صفراء لقوله: ﴿فاقِعٌ﴾.ولو كان سوداء لقيل حالك. على أنّ العرب قد جعلت الفاقع نعتا لكل لون.
***
стр. 949
(ومن سورة عم يتساءلون)
قال أبو عبد الله: إنما نزلت هذه أنّ رسول الله ﷺ كان إذا حدّث قريشا وعرّفهم أخبار الأمم السّالفة ووعظهم فكانوا يهزءون بذلك فنهاه الله أن يحدّثهم، فقال (١): ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ/غَيْرِهِ﴾.
فكان رسول الله ﷺ يحدث أصحابه فإذا أقبل واحد من المشركين أمسك فاجتمعوا عن بكرة أبيهم فقالوا: والله يا محمد إنّ حديثك لعجيب، وكنّا نشتهى أن نسمع حديثك فقال: إنّ ربى نهانى أن أحدّثكم فأنزل الله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [١] لفظه لفظ الاستفهام ومعناه التّوبيخ. ثم بيّن الله تعالى فقال:
﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ أى: تسألون عن النّبأ العظيم والأصل فى عمّ: عمّا، فحذفت الألف اختصارا، ومثله: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها﴾ (٢) والأصل: فيما، ومثله لم، والأصل: لما، وكذلك العرب تحذف ألف علام يذهب، ولم يأت ذلك فى القرآن.
حدّثنى أبو عمر عن ثعلب عن سلمة عن الفرّاء عن الكسائى قال: تقول العرب: لم فعلت، ولم فعلت، ولم فعلت، ولما فعلت أربع لغات. وقد روى عن ابن كثير أنه كان يقف عمّه، ومه بالهاء.
١ - وقوله تعالى: ﴿كَلاّ سَيَعْلَمُونَ﴾ [٤، ٥].
стр. 950
قرأ ابن عامر وحده: «كلاّ ستعلمون» بالتّاء جميعا على الخطاب.
وقرأ الباقون بالياء، وهو الاختيار لقوله: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ ... ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ ولم يقل: أنتم فيه مختلفون. غير أنّ التاء جائزة إذا كانت العرب ترجع من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة. وهذا كلام وعيد وفيه ردع وزجر أعنى «كلاّ».وعند آخرين «كلاّ» هاهنا بمعنى حقّا سيعلمون.
٢ - وقوله تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ السَّماءُ﴾ [١٩].
قرأ أهل الكوفة مخفّفا.
والباقون مشدّدا. وقد ذكرت علته فى (الزّمر).
٣ - وقوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيها﴾ [٢٣].
قرأ حمزة وحده: «لَبِثين» بغير ألف مثل فرحين وفرهين/.
وقرأ الباقون: ﴿لابِثِينَ﴾ بألف، وهو الاختيار؛ لأنّه اسم الفاعل من لبث يلبث فهو لابث. وحجّة حمزة أن جعله كطمع وطامع. واللّبث: البطؤ.
وقوله: ﴿أَحْقاباً﴾ الأحقاب: جمع حقب، والحقب ثمانون سنة، والسّنة ثلاثمائة وستّون يوما واليوم ﴿كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ (١) وهذا كناية عن الأبد كما تقول: العرب لا أكلّمه ما طار طائر، وما أنّ السّماء سماء، وما بلّ بحر صوفة، وما قام الأخشبان، كلّ ذلك يريدون: ما أكلمه أبدا.
٤ - وقوله [تعالى]: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً﴾ [٢٤].
البرد: النوم، وأنشد (٢):
فإن شئت حرّمت النّساء سواكم ... وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا