إنه مصدر.
وحدّثنى أبو عمرو النّيسابورى قال: حدّثنا سلمة قال: حدّثنا عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن عبيدة، قال: كان على رضى الله عنه إذا أعطى النّاس فرأى ابن ملجم قال:
أريد حباءه ويريد قتلى ... عذيرك من خليلك من مراد
فنصب قوله: ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾ على تقدير: أرسلت الملائكة إعذارا أو إنذارا، ويقال: عذّر فلان أى: قصروا عذّر أى: تعذر، وأعذر المزين الغلام:
إذا ختنه. قال الشاعر (١):
(١) *تلوية الخاتن زبّ المعذور*
ويقال للرّجل إذا افتضّ الجارية: «هو أبو عذرها وعذرتها» (٢) والعذرة:
جمع يكون فى حلق الصبى عند اللهوات. والإعذار: طعام الختان (٣) كما أن الوكيرة: طعام البناء، والخرس: طعام النّفساء، والنّقيعة: طعام القادم من سفره، والشّديخة: طعام الإملاك، والوضيمة: طعام المأتم، والوليمة: طعام العرس.
٣ - وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ [١١].
стр. 947
قرأ أبو عمرو وحده: «وقّتت» على الأصل، لأنّها فعّلت من الوقت مثل قوله (١): ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ قال يونس بن حبيب: كأنّما أسمع هذا الحرف من فىّ سيدنا أبى عمرو بن العلاء: «وإذا الرّسل وقّتت» قال أبو عمرو: إنما تقول: أقتت من يقول فى وجوه أجوه.
وقرأ الباقون: ﴿أُقِّتَتْ﴾ استثقلوا الضمّة على الواو فقلبوها همزة كما يستثقلوا فى المكسور نحو إشاح و [وشاح] وإعاء ووعا.
فيها قراءة ثالثة (٢): قرأ أبو جعفر المدنى والحسن: «وُقِتت» بتخفيف القاف جعلاه فعلت من الوقت مثل ضرب.
٤ - وقوله تعالى: «وقدرنا فنعم القادرون» [٢٣].
قرأ نافع والكسائىّ: «فقدَّرنا» مشددا [قيل] للكسائى لم اخترت/ التّشديد واسم الفاعل ليس مبنيا على هذا الفعل؟
فقال: بمنزلة (٣): ﴿فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ﴾ ثم قال: ﴿أَمْهِلْهُمْ﴾ ولم يقل:
مهّلهم يعنى: إنّه أتى باللّغتين كلتيهما، ومثله: ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً﴾ (٤) ولم يقل تعذيبا.
وقرأ الباقون: ﴿فَقَدَرْنا﴾ مخففا، ولو كان مشدّدا لكان فنعم المقدّرون، وكلتا القراءتين حسنة.
стр. 948
قال الفرّاء (١): تقول العرب قدرت الشئ بمعنى قدّرت.
٥ - وقوله تعالى: ﴿جِمالَتٌ صُفْرٌ﴾ [٣٣].
قرأ حمزة والكسائى وحفص عن عاصم: ﴿جِمالَتٌ﴾ على لفظ الواحد فهذا وإن كان واحدا فإنه جمع فى المعنى، ولقوله: ﴿صُفْرٌ﴾.
وقرأ الباقون: «جمالات» بكسر الجيم ورفع التّاء وجمال وجمالات جميعا جمعان كأنّه جمع الجمع كما تقول: رجال ورجالات، وبيوت وبيوتات. فالهاء فى قوله: ﴿كَأَنَّهُ﴾ كناية عن الشّرر، لأنّها ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ فقيل:
القصر المبنى عظما وكبرا.
وقال آخرون: يعنى أصول الشّجر الغلاظ.
قال ابن عباس (٢): «كالقَصَرِ» بفتح الصّاد والقاف جمع قصرة وهى أصول النّخل. وقرأ «كالقِصَر» بكسر القاف وفتح الصّاد سعيد بن جبير (٣).
وقوله: ﴿صُفْرٌ﴾ أراد: سود. والعرب تسمى الأسود أصفر، قال (٤):
تلك خيلى فيها وتلك ركابى ... هنّ صفر أولادها كالزّبيب
فأمّا قوله (٥): ﴿صَفْراءُ فاقِعٌ﴾ فقيل: سوداء والاختيار: وأن تكون صفراء لقوله: ﴿فاقِعٌ﴾.ولو كان سوداء لقيل حالك. على أنّ العرب قد جعلت الفاقع نعتا لكل لون.
***
стр. 949
(ومن سورة عم يتساءلون)
قال أبو عبد الله: إنما نزلت هذه أنّ رسول الله ﷺ كان إذا حدّث قريشا وعرّفهم أخبار الأمم السّالفة ووعظهم فكانوا يهزءون بذلك فنهاه الله أن يحدّثهم، فقال (١): ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ/غَيْرِهِ﴾.
فكان رسول الله ﷺ يحدث أصحابه فإذا أقبل واحد من المشركين أمسك فاجتمعوا عن بكرة أبيهم فقالوا: والله يا محمد إنّ حديثك لعجيب، وكنّا نشتهى أن نسمع حديثك فقال: إنّ ربى نهانى أن أحدّثكم فأنزل الله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [١] لفظه لفظ الاستفهام ومعناه التّوبيخ. ثم بيّن الله تعالى فقال:
﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ أى: تسألون عن النّبأ العظيم والأصل فى عمّ: عمّا، فحذفت الألف اختصارا، ومثله: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها﴾ (٢) والأصل: فيما، ومثله لم، والأصل: لما، وكذلك العرب تحذف ألف علام يذهب، ولم يأت ذلك فى القرآن.
حدّثنى أبو عمر عن ثعلب عن سلمة عن الفرّاء عن الكسائى قال: تقول العرب: لم فعلت، ولم فعلت، ولم فعلت، ولما فعلت أربع لغات. وقد روى عن ابن كثير أنه كان يقف عمّه، ومه بالهاء.
١ - وقوله تعالى: ﴿كَلاّ سَيَعْلَمُونَ﴾ [٤، ٥].
стр. 950
قرأ ابن عامر وحده: «كلاّ ستعلمون» بالتّاء جميعا على الخطاب.
وقرأ الباقون بالياء، وهو الاختيار لقوله: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ ... ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ ولم يقل: أنتم فيه مختلفون. غير أنّ التاء جائزة إذا كانت العرب ترجع من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة. وهذا كلام وعيد وفيه ردع وزجر أعنى «كلاّ».وعند آخرين «كلاّ» هاهنا بمعنى حقّا سيعلمون.
٢ - وقوله تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ السَّماءُ﴾ [١٩].
قرأ أهل الكوفة مخفّفا.
والباقون مشدّدا. وقد ذكرت علته فى (الزّمر).
٣ - وقوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيها﴾ [٢٣].
قرأ حمزة وحده: «لَبِثين» بغير ألف مثل فرحين وفرهين/.
وقرأ الباقون: ﴿لابِثِينَ﴾ بألف، وهو الاختيار؛ لأنّه اسم الفاعل من لبث يلبث فهو لابث. وحجّة حمزة أن جعله كطمع وطامع. واللّبث: البطؤ.
وقوله: ﴿أَحْقاباً﴾ الأحقاب: جمع حقب، والحقب ثمانون سنة، والسّنة ثلاثمائة وستّون يوما واليوم ﴿كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ (١) وهذا كناية عن الأبد كما تقول: العرب لا أكلّمه ما طار طائر، وما أنّ السّماء سماء، وما بلّ بحر صوفة، وما قام الأخشبان، كلّ ذلك يريدون: ما أكلمه أبدا.
٤ - وقوله [تعالى]: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً﴾ [٢٤].
البرد: النوم، وأنشد (٢):
فإن شئت حرّمت النّساء سواكم ... وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا
стр. 951
النقاخ: العذب والمسوس (١)، وهو أشد العذوبة.
٥ - وقوله تعالى: ﴿إِلاّ حَمِيماً وَغَسّاقاً﴾ [٢٥].
قرأ حمزة والكسائى وعاصم مشدّدا.
وقرأ الباقون مخففا، وهما لغتان.
قال أبو عبيد: الحميم: الماء الحار، والغسّاق: ما وهي من العين، أى:
سال.
وقال آخرون: الغسّاق: البارد، وقيل المنتن.
٦ - وقوله تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذّاباً﴾ [٣٥].
قرأ الكسائى وحده: «كذابا» مخففا جعله مصدرا لكاذبت كذابا مثل، قاتلت قتالا. وليس مصدرا لكذّبت بالتشديد لأنّ المصدر من ذلك على ضربين كذبت تكذيبا، وكذابا، وكلمته تكليما وكلاما.
وحدّثنى ابن مجاهد عن السّمّرىّ عن الفرّاء، قال (٢): قال لى
стр. 952
أعرابىّ فى طريق مكّة: يا زكريا القصّار أحبّ إليك أم التّحلاق يريد: أقصر من شعرى أم أحلق.
وقوله تعالى: ﴿رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ [٣٦، ٣٧].
[فيها] ثلاث قراءات:
قرأ حمزة والكسائىّ: ﴿رَبِّ السَّماواتِ﴾ بالكسر/و «الرّحمنُ» بالرّفع.
وقرأ عاصم وابن عامر كلّ ذلك بالخفض.
وقرأ الباقون كليهما بالرّفع.
فمن خفض أبدل من قوله: ﴿جَزاءً مِنْ رَبِّكَ﴾ ﴿رَبِّ: السَّماواتِ﴾
﴿الرَّحْمنِ﴾ ومن رفع استأنف.
وأمّا حمزة وصاحبه فإنه أبدل ﴿رَبِّ﴾ من ﴿رَبِّ﴾ ورفع «الرّحمنُ» بالابتداء، ﴿وَما بَيْنَهُمَا﴾ الخبر وكلّ ذلك صواب.
٨ - وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ [٣٨].
يقال (١): إنّ الرّوح ملك من أعظم خلق الله، وهو أول ما خلق الله.
وهو الذى قال (٢): ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ هذا قول مقاتل. قال: وجهه وجه آدمى ونصفه من نار ونصفه من ثلج يسبح بحمد ربّه، يقول: ربّ كما ألّفت بين الثّلج والنّار فلا تذيب هذه هذا، ولا يطفئ هذا هذه، فألّف بين عبادك المؤمنين. وقوله: ﴿لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً﴾ يعنى: المناجاة إذا وقفوا للحساب.
***
стр. 953
(ومن سورة النازعات)
قال أبو عبد الله: قال قوم: ﴿النّازِعاتِ﴾ الملائكة. وقال بعض النّاس: ﴿النّازِعاتِ﴾ هاهنا: ملك الموت وحده ﵇ ينزع روح الكافر حتى إذا بلغ ترقوته غرّقها فى حلقه. ﴿وَالنّاشِطاتِ نَشْطاً﴾: ملك الموت ﷺ ينشط روحه من حلقه «ف» ﴿السّابِحاتِ سَبْحاً﴾: ملك الموت وحده يقبض روح المؤمن كالسّابح فى الماء سهلا سرحا فى حريرة بيضاء من حرير الجنّة يسبق به ملائكة الرّحمة.
قال أبو عبيدة: نشط ينشط، وأنشد (١) :
أمست همومى تنشط المناشطا
وقال الفرّاء (٢) : تقبض نفس المؤمن كما ينشط العقال من يد البعير، وأكثر ما سمعت أنشطت بألف، «وكأنّما أنشط من عقال» فإذا ربطت الحبل فى يد البعير قلت: نشطته، وإذا حللته/قلت أنشطته. وقال: فى قوله:
﴿فَالسّابِقاتِ سَبْقاً﴾ [٤] يعنى: الملائكة تسبق الشّياطين بالوحي لئلاّ
стр. 954
تسترق السّمع. ﴿فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً﴾ [٥] يعنى: الملائكة تنزل بالحلال والحرام فذلك تدبيرها بعد أمر الله وإرادته.
١ - وقوله تعالى: ﴿عِظاماً نَخِرَةً﴾ [١١].
قرأ عاصم وحمزة فى رواية أبى بكر والكسائى بألف إتباعا لرءوس الآى إذ كان قبلها وبعدها ﴿بِالسّاهِرَةِ﴾ و ﴿فِي الْحافِرَةِ﴾ وقال الكسائى: لا أبالى كيف قرأت نخرة، أو ناخرة.
وقرأ الباقون: ﴿نَخِرَةً﴾ بغير ألف، قالوا: لأنّه الأكثر فى كلام العرب، ولأنّها قد روى عن على رضى الله عنه ﴿عِظاماً نَخِرَةً﴾.قال النّحويون: ناخرة ونخرة لغتان مثل الباخل والبخل، والطامع والطمع.
وحدّثنى ابن مجاهد عن السّمّرىّ عن الفراء. قال (١): النّخرة البالية، والنّاخرة العظم: المجوّف الذى يدخل فيه الرّيح فينخر.
٢ - وقوله تعالى: ﴿طُوىً اِذْهَبْ﴾ [١٦، ١٧].
قرأ أهل الكوفة منونا مجرى جعلوه اسم واد.
وقرأ الباقون: «طوى» غير منوّن، جعلوه اسم أرض فلم يجروه.
وقال آخر: لم يجر؛ لأنّه معدول من طاوى.
وفيها قراءة ثالثة: «طِوًى» بكسر الطاء، قال: ثنّى البركة فيه مرتين، وقدّس مرتين. ولم يذكر فى التّنوين شيئا وما أبعد من قال: إنه معدول من طاوى، لأنّ عيسى بن عمر قرأ (٢): «طاوى اذهب».
стр. 955
وسمعت ابن مجاهد إذا قرأ فى الصّلاة سكت على طوى سكتة خفيفة ويقطع ألف الوصل؛ ليعلم أن ﴿طُوىً﴾ رأس آية، فسألته عن ذلك وقلت:
لم تقطع ألف الوصل وأنت تصلّ. فقال: لأنّه روى عن رسول الله ﷺ أنه كان يقرأ آية آية/فأحب أن أقف عند رءوس الآى على مذهب رسول الله ﷺ : إذ كانت سكتة خفيفة.
٣ - وقوله تعالى: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكّى﴾ [١٨].
قرأ ابن كثير ونافع: «تزَّكّى» أرادا تتزكّى فأدغما.
وقرأ الباقون: ﴿تَزَكّى﴾ خفيفا لأنّهم أسقطوا تاء.
قال أبو عمرو: إنّما يقال تزكى إذا أردت تتصدق. ولم يدع موسى فرعون إلى أن يتصدق، وهو كافر، وإنما قال: هل لك أن تصير زاكيا، فالتّخفيف الاختيار.
٤ - وقوله تعالى: ﴿أَإِنّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ﴾ [١٠].
قرأ ابن عامر: ﴿أَإِنّا﴾ بهمزتين مع الاستفهام.
وقرأ الكسائى ونافع: ﴿أَإِنّا لَمَرْدُودُونَ﴾ غير أنّ نافعا بين إحدى الهمزتين. و ﴿الْحافِرَةِ﴾ معناه: إنا لمردودون حيث كنا، يقال: رجع فلان على حافرته أى: من حيث جاء.
وقال آخرون: ﴿لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ﴾ أى: الحياة إلى أمرنا الأول.
وتقول العرب (١): «النقد عند الحفرة» عند أول كلمة.
стр. 956
وقال آخرون: «النّقد عند الحافرة» معناه: إذا قال قد بعتك رجعت عليه بالثّمن وهما فى المعنى واحد.
وقال آخرون: هذا مثل جرى فى الخيل، ومعناه: «النقد عند حافرة الدّابة»، وكلّ ذلك حسن.
وقال آخرون: معناه: إنّ الرّجل كان إذا قيل له: احفر لنا بئرا طالب بأجرته قبل الحفر، فقيل: «النّقد عند الحافرة» ومعناه: عند المحفورة.
٥ - وقوله تعالى: ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها﴾ [٤٥].
اتّفق القراء السبعة على ترك التّنوين من ﴿مُنْذِرُ﴾، لأنّه مضاف.
«ومن» فى موضع جر، وإنما ذكرته لأنّ عباسا روى/عن أبى عمرو «منذرٌ» بالتّنوين، فلا بد من تشديد الميم، لإدغام التّنوين والغنة التى تظهر هى غنّة الميم.
وفى القراءة الأولى الميم خفيفة.
قال أبو عبد الله: ومن لم ينوّن ﴿مُنْذِرُ﴾ ف «من» خفض فى المعنى نصب فى الأصل.
وحدّثنى أحمد عن على عن أبى عبيد أن يزيد ابن القعقاع قرأ (١) «منذرٌ» منونا. وقد روى عن ابن محيصن مثل ذلك. فأمّا قوله (٢): ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ المنذر: النّبى ﵇، والهادى: علىّ رضى الله عنه (٣)، وقيل: لكلّ قوم هاد أى: داع.
***
стр. 957
(ومن سورة عبس)
قال أبو عبد الله: نزلت هذه السّورة فى عبد الله بن أبى السّرح الأعمى وأمّه أمّ مكتوم (١)، وذلك أنّه كان ذات يوم جالسا فى المسجد الحرام وحده إذ نزل ملكان ليصليا فى بيت الله، فقالا من هذا الأعمى الذى لا يبصر فى الدّنيا، ولا فى الآخرة، وذلك قبل أن يسلم. فقال أحدهما: لا ولكن أعجب من أبى طالب يدعو الناس إلى الإسلام وهو لا ينصره فسمع ذلك ابن [أمّ] مكتوم، فخرج حتى أتى رسول الله ﷺ ، وإذا معه أمية بن خلف والعبّاس بن عبد المطلب وهما قائمان بين يديه. فقال ابن أمّ مكتوم قد جئتك يا محمد تائبا فهل من توبة، فأعرض عنه النّبى-﵇-بوجهه وعبس أى: كلح، فاستحيا الأعمى فظنّ أنه لا توبة له ورجع إلى منزله، فأنزل الله تعالى تأديبا لرسول الله ﷺ ولأمّته، وإنما كان النّبى ﵇ أعرض عنه لاشتغاله بأشراف قريش، وكره أن يقطع كلامه، ونزل قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلّى* أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى* وَما/يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ [١، ٢، ٣].أى: ما يدريك بما أراد أن يتعلمه من علمك فعطف النّبى ﵇ بعده [عليه] وأكرمه حتى استخلفه على الصّلاة.
١ - وقوله تعالى: ﴿فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ [٤].
стр. 958
قرأ عاصم وحده: ﴿فَتَنْفَعَهُ﴾ نصبا جعله جواب «لعلّ» لأنّ من العرب من ينصب جوابها بالفاء كالأمر والنّهى إذا كانت «لعل» غير واقعة، وينشد (١) :
علّ صروف الدّهر أو دولاتها ... يدللننا اللّمّة من لمّاتها
فتستريح النّفس من زفراتها ... وتنقع الغلّة من غلاّتها
ومن العرب من يكسر اللاّم من «علّ» و «لعلّ»، ويخفض بها أنشدنا ابن دريد (٢) :
فقلت ادع [أخرى] وأرفع الصّوت ثانيا ... لعلّ أبى المغوار منك قريب
стр. 959
و «إن جاءه الأعمى» «إن» بمعنى «إذ»، وقد قرئ (١) ﴿أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى﴾ مثل ﴿أَنْ كانَ ذا مالٍ﴾ وتقديره: أن جاء الأعمى عبس.
وقرأ الباقون: «فتنفعُهُ» رفعا بالنّسق على «تزّكّى» ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ﴾.
٢ - وقوله [تعالى]: ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾ [٦].
قرأ ابن كثير ونافع بتشديد الصّاد والدّال، أراد: تتصدى فأدغما.
وقرأ الباقون ﴿تَصَدّى﴾ بتخفيف الصّاد، لأنّهم حذفوا تاء مثل قوله تذكرون، وتذكرون. ومعنى ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾ أى: تعرض. ومعنى ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾ أى: تغافل.
وقرأ ابن كثير بتشديد التاء، أراد: تتلهّى فأدغم.
٣ - وقوله تعالى: ﴿أَنّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا﴾ [٢٥].
قرأ أهل الكوفة: ﴿أَنّا﴾ بفتح الهمزة، فيكون موضعه جرّا، ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ﴾ إلى أنّا صببنا الماء صبّا.
وقال آخرون: موضعه نصب، لأن الأصل: بأنا ولأنا، فلما سقط الخافض نصب بتلخيص: فلينظر أنا صببنا.
وقرأ بعضهم: «أنّى صببنا» بمعنى كيف صببنا، كما قال تعالى (٢) ﴿أَنّى يُحْيِي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها﴾ ﴿فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ يعنى البرّ، و ﴿قَضْباً﴾ يعنى القتّ، و ﴿حَدائِقَ غُلْباً﴾ الحدائق: البساتين، غلبا: جمع غلباء، وهى /ذات الشّجر (٣) الملتفّ، و ﴿فاكِهَةً وَأَبًّا﴾ سمعت ابن دريد يقول الأبّ
стр. 960
المرعى، وأنشد (١) :
جدّنا قيس ونجد دارنا ... ولنا الأبّ به والمكرع
وأنشد ابن عرفة لشاعر يمدح النبيّ ﵇ (٢) :
له دعوة ميمونة ريحها الصّبا ... بها ينبت الله الحصيدة والأبّا
قال ابن دريد (٣) أبّ الرّجل: إذا نزع إلى وطنه. وأبّ الرّجل: إذا ردّ يده إلى سيفه ليستلّه.
***
стр. 961
(ومن سورة إذا الشّمس كوّرت)
قال أبو عبد الله: هذه السّورة التى كان رسول الله ﷺ يقول (١) :
«شيّبتنى هود وأخواتها»، فأخواتها (الواقعة)، و (إذا الشّمس كوّرت) وهو جميع ما وعظ الله فيه عباده، وأنذرهم يوم الحسرة، والنّدامة، وذلك أنّه جاء فى الخبر: «اعملوا لله فى الأيّام الّتى هى خالصة ثلاثمائة وستّون يوما».
فذهب بعضهم إلى أيّام السّنة. وقال بعض العلماء بالقرآن: إنّما عنى بذلك اعملوا ليوم القيامة الذى هو خالص لله، كما قال تعالى (٢) : ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ﴾ لأنّ الدّنيا يملّكها قوم، وذلك اليوم خالص لله فقط، وأمّا ما ذكر (٣) الله من ذكر القيامة نحو: الطّامة، والصّاخة، ويوم الحشر، فوجد ثلاثمائة وستّين يوما.
فإن قيل لك: لم ذكرت أنّه قال النّبىّ ﵇: «شيّبتنى هود وأخواتها» وقد حدّثنا ابن عرفة عن محمّد بن عبد الملك عن يزيد بن هارون عن حميد عن أنس (٤) أنه سئل هل اختضب النّبىّ ﵇ فقال ما شانه الشّيب، فقيل: أوشين هو يا أبا حمزة؟ قال: كلّكم يكرهه.؟
فقل: فى ذلك جوابان:
أحدهما: أنّ عليّا كرّم الله وجهه لمّا غسله بعد وفاته قال: فتّشت
стр. 962
فوجدت (١) شعرات فى لحيته ﷺ كقضبان الفضّة، فلمّا كان ذلك ولا يظهر منه إلا بعد التّفتيش لم يكن شائنا.
والوجه الثّانى: /أنه لم يشب البتّة، ومعنى «شيبتنى» أى: لو كان شئ يشيّب المرء لكانت هذه السّورة. كما قال (٢) : ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ، أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى﴾ معناه: لكان هذه القرآن.
ومعنى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ و «انفطرت» و ﴿اِنْشَقَّتِ﴾ لفظه ماض، ومعناه المضارع، لأنّ الله تعالى إذا أخبر بشيء كان واقعا لا محالة، لأنّ الخلف إنّما يقع فى أقوال المخلوقين إذ كانت نواصيهم بيد غيرهم. فالفعل يكون بمعنى المستقبل فى ثلاثة مواضع فى الشّرط والجزاء، وفى أفعال الله تعالى، وفى الدّعاء إذا قلت: رحمك الله، وأطال الله بقاءك فلفظه [ماض ومعناه الاستقبال؛ لأنّه دعاء] (٣) .ومعنى كوّرت: ذهب ضوؤها ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ [٢] انهارت، وتناثرت ﴿وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ [٣] أى: سيرت من أماكنها، فاستوت بالأرض «وإذا العشار عطلت» [٤] أى: أهملت؛ وذلك أن العشراء من النّوق التى قد أتى عليها من حملها عشرة أشهر النّاقة أحبّ إلى أحدكم من مفروح من الدّنيا. فلذلك قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ﴾.
وروى عن ابن كثير: «عُطِلَت» مخففا.
قال: ابن مجاهد وهو خطأ ٤.
فإن سأل سائل فقال: لم اتّفقت القراء على تخفيف ﴿حُشِرَتْ﴾ [٥]
стр. 963
واختلفوا فيما عدا ذلك فشدّدوا وخفّفوا نحو ﴿نُشِرَتْ﴾ [١٠] و «نشِّرت» و «سجِرت» [٦] و ﴿سُجِّرَتْ﴾ و «سعِرت» و ﴿سُعِّرَتْ﴾ [١٢]؟ .
فالجواب فى ذلك: أن البحر يسجر مرة بعد مرة، والوحوش حشرها فناؤها، ولا يتكرّر ذلك.
حدّثنى ابن مجاهد عن السّمّرىّ عن الفراء (١) عن أبى الأخوص [سلام ابن سليم] عن سعيد بن مسروق عن عكرمة ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ قال:
حشرها: موتها.
وقال آخرون: بل تحشر كما يحشر سائر الخلائق فيقتص الجمّاء من/ القرناء ثم يقال: كونى ترابا فعند ذلك يتمنى الكافر فيقول: ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً﴾ (٢):
١ - وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [٦].
خفّفها ابن كثير وأبو عمرو.
وشدّدها الباقون. فشاهد من خفّف ﴿الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ (٣) ولم يقل المسجّر، ومعنى المسجور: المملوء، وينشد (٤):
إذا شاء طالع مسجورة ... يرى حولها النّبع والسّاسما
стр. 964
يعنى: شجر الآبنوس.
وقال الفرّاء (١): ﴿وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ﴾ أفضى بعضها إلى بعض فصارت بحرا واحدا.
٢ - وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ [١٠].
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائى مشدّدا، لأنّ الصّحف جماعة وهى تنشر مرة بعد أخرى، وشاهد التّشديد قوله تعالى (٢): ﴿أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً﴾ ولم يقل منشورة.
وقرأ الباقون مخففا؛ لأنّ العرب تقول: مررت بكباش مذبوحة ومذبّحة، وقد قال الله تعالى (٣): «فى رِقّ منشور».
خففها نافع وحفص وابن ذكوان.
٣ - وقوله تعالى: ﴿سُعِّرَتْ﴾ [١٢].
خففها أهل الكوفة وابن كثير وأبو عمرو.
وشدّدها الباقون.
والتّشديد والتخفيف على ما قد بيّنت لك حجتهما فيما قبله، والسّعير:
وقود النار، فأمّا قوله (٤): ﴿زِدْناهُمْ سَعِيراً﴾ فقيل: جنونا، وقيل: وقودا، يقال:
стр. 965
ناقة مسعورة: إذا كان بها كالجنون من النّشاط.
٤ - وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [٧] أى: قرنت بنظيرها، وقيل: بشياطينها.
﴿وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ﴾: هى البنت التى كان بعض العرب يئدها أى: يدفنها وهى حيّة خشية العار عليها.
﴿بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ مخفّفا جماع إلا أبا جعفر المدنىّ (١) فإنه ثقّله.
ومعنى سئلت أى: طلب قتلها.
وقرأ عشرة من الصّحابة والتّابعين أحدهم ابن عبّاس: «وإذا الموءودة سألت بأىّ ذنب قتلت» وكان عبد الله بن مسعود/إذا قرأ هذه السّورة فبلغ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ﴾ قال: وانقطاع ظهراه، وكان ابن مجاهد إذا قرأها فى الصّلاة قرأها بنفس واحد من أولها ووقف ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ﴾.
٥ - وقوله تعالى: ﴿وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [٢٤].
قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائىّ: «بظنين» بالظاء أى: بمتّهم يقال: بئر ظنين: إذا كان لا يوثق بها.
قرأ الباقون: ﴿بِضَنِينٍ﴾ بالضّاد أى: ببخيل أى: ليس بخيل بالوحى بما أنزل الله من القرآن فلا يكتمه أحدا، تقول العرب: ضننت بالشّئ أضنّ به:
إذا بخلت به، وينشد (٢):
مهلا أعاذل قد جرّبت من خلقى ... إنّى أجود لأقوام وإن ضننوا
стр. 966
والغيب فى القرآن أشياء: فقوله (١) : ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ بما غاب عنهم مما أنبأهم الرّسول ﷺ من أمر الآخرة.
وقيل: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ أى: بالله. وقيل: الغيب: القيامة. والعرب تسمّى الليل غيبا لظلمته وستره، وأنشد يصف صائد الضبّ:
حتّى إذا الغيب واراه وقد قدرت ... كفّ عليه وكان اللّيل قد قدرا
أى: كان اللّيل مقدارا لنجاته. والغيب: القلب، فقيل ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ أى: بقلوبهم لا بألسنتهم كالمنافقين وينشد (٢) .
وبالغيب آمنّا وقد كان قومنا ... يصلّون للأوثان قبل محمّدا
***
стр. 967
(ومن سورة انفطرت)
قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر: «فعدلَّك» [٧] مشدّدا، أى: قوّمك، قال: ابن الجهم قال أبو طلحة الناقد للفراء، حدّثنا [ .... ] (١) ذكر سندا أنّ رسول الله ﷺ كان إذا رأى الهلال قال: «الحمد لله الّذى خلقك فسوّاك فعدلك» فعرّفه الفرّاء الحديث. وقال كنت أقرأ بالتّخفيف اتّباعا للأعمش ولا ترانى/أقرؤها بعد يومى هذا إلا بالتّشديد إذا كانت قد ذكرت عن رسول الله ﷺ ، قال ابن الجهم: فسألت الفرّاء بعد ثلاث سنين فى طريق مكّة كيف يقرأ هذا الحرف ﴿فَعَدَلَكَ﴾ فقال: بالتّشديد.
وقرأ الباقون: ﴿فَعَدَلَكَ﴾ مخففا، ومعناه: فصرفك إلى أى صورة شاء، إما حسن وإما قبيح، وإما طويل وإما قصير، وذلك أن النّطفة إذا وقعت فى الرحم طابت فى البدن أربعين صباحا، ثم تصير علقة أربعين، ثم مضغة أربعين، ثم يبعث الله ملكا ومعه تراب هى تربة العبد، فيعجنه بتلك النّطفة ويقول: يا رب أطويل أم قصير، أغنىّ أم فقير، أشقيّ أم سعيد، فذلك قوله (٢) : ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ وقال ابن أبى نجيح (٣) : ﴿فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ﴾ قال: فى صورة عمّ، فى صورة أب، فى صورة بعض القرابات.
стр. 968
وقال بعض النّحويين: الاختيار التّشديد، والتّقدير: فعدّلك، أى:
جعلك معدّل الخلق معتدلا:
١ - وقوله تعالى: ﴿وَما أَدْراكَ﴾ [١٧].
قرأ ابن كثير وعاصم مفخّما.
وقرأ نافع بين بين.
وقرأ الباقون بالإمالة.
٢ - وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ﴾ [١٩].
قرأ ابن كثير وأبو عمرو: «يومُ لا تملك» بالرّفع على الاستئناف.
وقرأ الباقون: ﴿يَوْمَ﴾ جعلوه ظرفا، ويجوز لمن رفع أن يجعله بدلا مما قبله، ومن نصبه جاز أن ينصبه بإضمار فعل أى: يقول: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ﴾ وقد علمنا أنّ الأمر فى الدّنيا والآخرة لله .
غير أن الدّنيا قد ملّكها الله قوما فصاروا مالكين لها، وذلك اليوم خالص لله، كما قال (١): ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ قال: ﴿لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ وكما قال (٢) / ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ أى: يوم الحساب والجزاء، وهو ملك يوم الدين، وغير يوم الدين ولكنه على ما أنبأتك.
***
стр. 969
(ومن سورة المطفّفين)
١ - قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ﴾ [١] قيل: ويل: واد فى جهنّم قعره سبعون سنة، وقيل: دعاء عليه. وإنما نزلت هذه السّورة (١) حين خرج رسول الله ﷺ إلى المدينة. وكان بسوق الجاهليّة لهم كيلان وميزانان معلومة لا يعاب عليهم، فكان الرّجل إذا اشترى اشترى بالكيل الزّائد، وإذا باع باعه بالنّاقص وكانوا يربحون بين الكيلين والوزنين فلمّا قدم رسول الله ﷺ المدينة، قال: ويل لكم ما تصنعون فأنزل الله تصديقا لقوله: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾.
٢ - وقوله تعالى: ﴿وَإِذا كالُوهُمْ﴾ [٣].
اتفقت القراء السّبعة على ﴿كالُوهُمْ﴾ أن يجعلوا الهاء والميم مفعولا، وإنما ذكرته، لأنّ حمزة روى عنه عيسى بن عمر «كالوا هم أو وزنوا هم» جعلاه من كلمتين فتكون الهاء والميم على هذه القراءة فى موضع رفع تأكيدا للضّمير كما تقول: قمت أنت، وقاموا هم.
وحجة الآخرين أنّ العرب تقول: كلتك، ووزنتك بمعنى: كلت لك، ووزنت لك.
٣ - وقوله تعالى: «كلاّ بلْ ران على قلوبهم» [١٤].
اتّفقت القراء على إدغام اللاّم فى الرّاء هاهنا لقرب اللام من الرّاء، ومثله
стр. 970
الرّحمن؛ لأنّها لام ساكنة صادفت راء. إلا حفصا فإنه روى عن عاصم:
﴿بَلْ رانَ﴾ يقف على «بل» وقفة خفيفة، ليبين أن «بل» من كلمة «وران» من كلمة. ومعنى الرّين-فى اللّغة-: الذّنب على الذّنب حتى يسودّ القلب. فأما الإمالة فى «بل رين» فإن أهل الكوفة يميلون ذلك.
والباقون يفخّمون. وقد ذكرت علة ذلك فيما سلف/.
٤ - وقوله تعالى: ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ [٢٦].
قرأ الكسائىّ وحده: «خاتَمَه مسك» أى: آخر شرابهم مسك بفتح التاء فى «خاتَمَه».وقد روى عن إبراهيم النّخعى عن الكسائى «خاتِمه مسك» بكسر التاء، والعرب تقول: خاتم وخاتم، وخيتام، وخاتام، وأنشد (١):
يا خدل ذات الجورب المنشقّ ... أخذت خيتامى بغير حقّ
وقرأ الباقون: ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ ومعناه: آخر شرابهم مختوم بالمسك:
﴿وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ﴾.
٥ - وقوله تعالى: ﴿إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [١٨].
قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائىّ «الأبراْر» بالإمالة.
وقرأ الباقون بالتّفخيم. وقد أنبأت عن علّته فيما سلف، والأبرار: واحدهم برّ، ويجوز أن يكون جمعا لبارّ؛ لأنّ أفعالا يكون جمعا كصاحب وأصحاب، ولفعل كعنب وأعناب، ولفعل كأطم وآطام، ولفعل كحمل وأحمال، ولفعل
стр. 971
كجمل وأجمال، ولفعل كجذع وأجذاع، ولأشياء كثيرة قد ذكرتها فى غير هذا الموضع ويقال: رجل بارّ وبرّ، وبارّ جمعه بررة، ويقال: خرجت إلى برّ ولا يقال: إلى برّا، والبرّ بالكسر برّ الوالدين، والبرّ: القلب، والبرّ:
الفارة (١).
٦ - وقوله تعالى: ﴿اِنْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [٣١].
روى حفص عن عاصم ﴿فَكِهِينَ﴾.
وقرأ الباقون: «فاكهين».
فحدّثنى ابن مجاهد عن السّمّرىّ عن الفرّاء قال (٢) ﴿فَكِهِينَ﴾ و «فاكهين» لغتان كطمعين وطامعين، وبخلين وباخلين ومعنى فاكهين:
معجبين لاعبين. والفكاهة المزاح. فأمّا قولهم (٣): ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ فإنّه /قرئ تفكنون، ومعناه: تندمون قرأ به أبو حزام العكلىّ (٤).وقد روى ﴿فَكِهِينَ﴾ فى كل القرآن بغير ألف عن أبى جعفر، وكذلك فى هذه السّورة.
وروى عنه «تعرف فى وجوههم نضرةُ النّعيم» [٢٤] على ما لم يسم فاعله، والنّضرة: الحسن والجمال.
قال ابن مجاهد قرأ ابن عامر: «إلى أهلهُمُ» برفع الهاء والميم خلاف ما أصّل فى سائر القرآن.
وروى على بن نصر عن أبى عمرو: «هلْ ثُوّب الكفّار» بإدغام اللاّم فى الثّاء كحمزة والكسائى لقرب اللام من الثاء.
وقرأ الباقون بالإظهار لأنّهما من كلمتين.
стр. 972
فإن قيل: هل [«هل»] هنا مبتدأ بها أو صلة لما قبل؟
فالجواب فى ذلك: أن الوقف-هاهنا-على قوله: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الْأَرائِكِ﴾ ثم تبتدئ ﴿يَنْظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ والوقف على الأرائك التى قبل هذه غير تامّ حتى تقول:
﴿عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ ف ﴿يَنْظُرُونَ﴾ فى أول الآية صلة للأرائك وفى الثّانى من صلة «هل» والأرائك: واحدها أريكة، وهى السّرير فى الحجال فإن لم يكن فى الحجال لم يسمّ أريكة.
***
стр. 973
(ومن سورة الانشقاق)
حدّثنى ابن مجاهد قال: حدّثنى أحمد بن على القطعى، عن عبيد عن أبى عمرو أنه قرأ: ﴿إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [١].شمها شيئا من الجرّ، وكذلك ﴿حُقَّتْ﴾ و ﴿مُدَّتْ﴾ لأنّ الحرف المشدّد كالسّاكن، والثّاء ساكنة فكسرها لذلك، وإنّما الحرف الأوّل فى المشدد هو السّاكن على الحقيقة، ومعنى ﴿إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ أى: انشقت لنزول الملائكة تنشق حتى يرى/طرفاها ﴿وَحُقَّتْ﴾ أى: وحقّ لها أن تسمع، ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّها﴾ [٢، ٥] أى: سمعت وطاعت ربّها. وقال رسول الله ﷺ : (١) «ما أذن الله لشئ كإذنه لنبىّ حسن الصّوت بالقرآن».وقال عدىّ بن زيد (٢) :
أيّها القلب تعلّل بددن ... إنّ همّى فى سماع وأذن
﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ [٣] كما يمدّ الأديم.
فإن قيل فأين جواب «إذا»؟
ففى ذلك أقوال، قال: قوم الواو مقحمة فى قوله: ﴿وَأَذِنَتْ﴾ والتّقدير: إذا السّماء انشقت أذنت لربّها وحقّت والجواب محذوف بعلم المخاطب.
стр. 974
وقال آخرون: -وهو الاختيار-فاء مضمرة، والتّقدير: ﴿إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ إلى قوله: ﴿وَحُقَّتْ﴾ ف ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً﴾ [٦] أى: ساع إلى ربّك سعيا، يقال فلان يكدح لمعايشه أى:
يسعى.
١ - وقوله تعالى: ﴿وَيَصْلى سَعِيراً﴾ [١٢].
قرأ ابن كثير ونافع والكسائىّ وابن عامر: «ويُصلّى سعيرا» بالتّشديد صلّى يصلّى تصلية، وشاهدهم ﴿تَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ لأنّ (تفعلة) لا يكون مصدرا إلا لفعّل بالتّشديد.
وقرأ الباقون: ﴿وَيَصْلى﴾ بفتح الياء والتّخفيف من صلى يصلى صليا فهو صال، وشاهدهم ﴿إِلاّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ﴾ (١).
وفيه قراءة ثالثة (٢) روى خارجة عن نافع وهارون عن أبى عمرو «ويُصلى» بضمة الياء مخفّفا. فهذه القراءة يجوز أن تكون من أفعل ومن فعّل؛ لأنّ المضارع من الثّلاثى يستوى فيه ما لم يسم فاعله مع الرّباعى إلاّ أنّ الاختيار أن يقول صلّى زيد: إذا لم تعده، وأصلى غيره، وإنما جاء صلاّه غيره شاذا. قرأ الأعمش (٣) «فسوف نَصليه» بفتح النّون فعلا/للثلاثى.
٢ - وقوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ [١٩].
قرأ ابن كثير وحمزة والكسائىّ: «لتركبَن» بفتح الباء على خطاب رسول الله ﷺ أى: لتركبنّ يا محمد أنت حالا بعد حال، وسماء بعد سماء، والطّبق:
أطباق السماء، والطّبق-فى غير هذا-: طبق الرّطب، وغيره، والطبق: ساعة من اللّيل. تقول العرب: مضى طبق من اللّيل، وطبق، وطبيق.
стр. 975
وقرأ الباقون: ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ بضمّ الباء على خطاب الجميع، والأصل:
لتركبون فسقطت الواو لسكونها وسكون نون التأكيد؛ لأنّ كلّ حرف مشدّد حرفان، الأول ساكن، واللاّم لام التأكيد وجواب القسم، والنّون للتأكيد.
وقرأ عمر بن الخطّاب: «ليركبنّ طبقا عن طبق» بالياء، أى: ليركبن يا محمّد سماء بعد سماء.
وصليت خلف ابن مجاهد فوقف على ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ وابتدأ ﴿إِلَاّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فقلت له: -لما انفتل-وقفت على الاستثناء. قال: لأنّه استثناء منقطع بمعنى لكن الّذين آمنوا.
وصلّيت خلف محمد بن القاسم الأنبارىّ فوقف عليه أيضا (١) فسألته فأجاب (٢) بمثل جواب ابن مجاهد.
***
стр. 976
(ومن سورة البروج)
أقسم الله تعالى بالسّماء ذات البروج، وهى النّجوم، كما قال (١):
﴿[تَبارَكَ] (٢)﴾ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ [٢]: يوم القيامة الذى وعد الله أولياءه الجنة وأوعد أعداءه النار ﴿وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [٣].قيل النّحر والفطر والجمعة. وقيل: الشّاهد يوم عرفة، وهو أجلّ الأعياد الذى أنزل الله تعالى فيه (٣): ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ/وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ والمشهود: يوم القيامة. هذا قول الحسن بن على رضى الله عنهما، وشاهده: ﴿ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ (٤).
١ - وقوله تعالى: «ذو العرش المجيدِ» [١٥].
قرأ حمزة والكسائىّ بالخفض جعلاه نعتا للعرش أى ذو العرش الرّفيع.
وقرأ الباقون بالرّفع نعتا ل «ذو» وهو الله تعالى وهو أحقّ بأن يوصف بالمجاهدة والمجد حيث وصف نفسه فى قوله (٥): ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾، والمجيد- أيضا-: المصحف قالت عائشة لبريرة ائتينى بالمجيد أى: بالمصحف.
стр. 977
وما خلق الله تعالى أعظم من العرش؛ لأنّ السّماوات والأرضين تحت العرش كالحلقة فى أرض فلاة وقال المفسرون: ذو العرش المجيد أى: الجواد الكريم ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [١٦] لأن المخلوق يفرق العبد من سيده، والسيد من أميره، والأمير من مالكه، والمالك من الله فليس فوقه أحد فهو فعال لما يشاء.
والعرش: سرير الملك أيضا خاصة. والعرش أيضا: عرش القدم وهو ظاهره.
فأمّا قوله فى هذه السّورة: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ جماع إلا ما حدّثنى ابن مجاهد عن أحمد بن إسحاق عن أبيه عن محبوب عن إسماعيل أنّ اليمانى محمد ابن السميفع قرأ (١): ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ مضافا. وتقديره عندى: بل هو قرآن ربّ مجيد، فنابت الصفة عن الموصوف كما قال (٢) غفور:
*ولكنّ الغنى ربّ غفور*
على تقدير: ولكنّ الغنى غنى ربّ غفور.
٢ - وقوله تعالى: ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [٢٢].
قرأ نافع وحده: «محفوظٌ» بالرّفع جعله نعتا للقرآن، بل هو قرآن محفوظ فى لوح.
وقرأ الباقون: ﴿مَحْفُوظٍ﴾ بالجر جعلوه نعتا للّوح قالوا: لأنّ الآثار كلّها تواترت/بأن يقال: فى اللوح المحفوظ.
وقرأ يحيى بن يعمر (٣): «فى لوح محفوظ» بضم اللام أى فى هواء.
стр. 978
تقول العرب: فلان فى السّكاكة، والسّكاك، واللّوح والهوا بمعنى واحد. واللّوح أيضا فى غير هذا العطش، يقال للعطش: الظّمأ، والغيم، واللّوح، واللّوح بالضمّ، والالتياح، والغلة، والغليل، والصّدى.
وجاء فى الحديث (١) : «كان رسول الله ﵇ يتعوّذ بالله من خمس: من العيمة، والغيمة، والأيمة، والكدم، والقرم».فالعيمة: شهوة اللّبن، والغيمة: شدّة العطش، والأيمة: موت الأزواج، والكدم: كثرة الأكل، والقرم: شهوة اللّحم.
وحدّثنى أبو عمر عن ثعلب عن ابن الأعرابى أنّ أعرابيا دعا على آخر فقال: ما له أم وعام، وألّ قال، وغام وغلّ، وسقى بلزز ضاح. اللّزز: المكان الضيّق، والضّاحى: الظاهر للشمس وأل: أى ضرب بالألة، وهى الحربة، والأليل: أنين المريض، وكذلك الألل. وغلّ من العطش، ويجوز أن يكون من الغلّ: القيد.
***
стр. 979
(ومن سورة الطارق)
قال أبو عبد الله: الطارق، النّجم، سمّى طارقا لطلوعه ليلا، قالت هند تفتخر (١):
نحن بنات طارق ... نمشى على النّمارق
أى: إنّ أبانا كالنّجم فى شرفه. هذا قول النّاس كلّهم إلا ما ذكر أبو حنيفة الدّينورىّ أنّ بنات طارق هنّ بنات ملك من الملوك فى الزّمان الأول يوصفن بالجمال. أى: إنّا فى شرفنا مثل بنات طارق. والطّارق أيضا: أحد الكواكب الأحد عشر التى رآها يوسف ﵇، ومنها الوثّاب/ والعمودان. وقد ذكرتها فى سورة (يوسف) (٢).
١ - وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ [٤].
стр. 980
قرأ عاصم وحمزة وابن عامر: ﴿لَمّا﴾ مشددا؛ لأنّ «إن» بمعنى «ما» الجاحدة. و «لمّا» بمعنى «إلا» والتقدير إن كلّ نفس إلاّ عليها حافظ من الله.
وقرأ الباقون: «لما» مخفّفا ف «ما» صلة فى هذه القراءة، والتقدير:
إن كلّ نفس لعليها حافظ.
قال أبو عبد الله: وقد تأمّلت «إن» فى القرآن وفى كلام العرب [فوجدتها] تنقسم أربعة وعشرين قسما:
-منها تكون «إن» شرطا كقولك: إن تزرنى أزرك، ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا﴾ (١) .
-وتكون «إن» بمعنى «ما» قولك: إن أنت إلاّ قائم، أى: ما أنت إلا قائم و (٢) : ﴿إِنْ أَنْتَ إِلاّ نَذِيرٌ﴾.
стр. 981
-وتكون صلة: «ما» [كقولك: ما] إن رأيت مثلك، أى:
ما رأيت، وينشد (١) :
ما إن رأيت ولا سمعت به ... كاليوم طالي أينق جرب
متبذّلا تبدو محاسنه ... يضع الهناء مواضع النّقب
-وتكون «إن» مخفّفة من مشدّدة، كقولك: إن زيدا قائم، تريد إنّ زيدا قائم. قال الله تعالى (٢) : «وإن كلاّ لَمَّا ليوفّينّهم» كذلك قرأها نافع وعاصم، وينشد (٣) :
وصدر مشرق النّحر ... كأن ثدييه حقّان
стр. 982
يريد: كأنّ فخفف، أنشدنى ابن مجاهد (١) :
فلو أنك فى يوم الرّخاء سألتنى ... فراقك لم أبخل وأنت صديق
-وتكون بمعنى «قد» و «لم» كقوله تعالى (٢) : ﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنّاكُمْ فِيهِ﴾ قيل: فيم لم نمكنكم، وقيل: فيما قد مكناكم.
والوجه السّابع (٣) : «أن» بمعنى «إذ» كقوله تعالى (٤) : ﴿اِتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أى: إذ كنتم.
والوجه الثّامن (٥) : «إن» أمر من آن يئين: إذا حان وقت/الشّئ فإذا أمرت قلت: «إن» كما تقول: «من» من مان يمين مينا: إذا كذب «من» ومن حان يحين «حن» ومن ران يرين «رن».
قال الله تعالى: «فلينظر الإنسانَ ممّ خلق» [٥] ثم فسر أن الإنسان ﴿خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ﴾ [٦] مهين ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ﴾ [٧] أى: صلب الرّجل وتريبة المرأة، وهى معلق الحلى على الصّدر. وفى الصّلب ثلاث لغات: الصّلب وهى قراءة النّاس والصّلب بضمتين، وقرأ بذلك
стр. 983
عيسى بن عمر، والصّلب بفتح اللام والصّاد قال العجّاج (١) :
فى صلب مثل العناق المؤدم
ولغة رابعة: صالب، قال العبّاس بن عبد المطّلب يمدح النبيّ ﵇ (٢) :
من قبلها طبت فى الظّلال وفى ... مستودع حيث تخصف الورق
ثمّ هبطت البلاد لا بشر ... أنت ولا مضغة ولا علق
بل نطفة تركب السّفين وقد ... ألجم نسرا وقومه الغرق
تنقل من صالب إلى رحم ... إذا مضى عام بدا طبق
قد احتوى بيتك المهذّب من ... خندف علياء تحتها النّطق
فأنت ما ظهرت أشرقت الأر ... ض وضاءت بنورك الأفق
فنحن فى ذلك الضّياء وفى النّو ... ر وسبل الرّشاد نخترق
стр. 984
فقال النّبى ﵇ «لا فضّ الله فاك»، فيقال: للصّلب الصلب والصلب، والصّلب، والصّالب، والمتن، والمتنة، والظّهر، والمطا، والقرا، وكتب بالألف كقولهم: ناقة قرواء إذا كانت طويلة القراء، أى: الظّهر، ولا يقال: جمل أقرى كما [لا] يقال: رجل أحسن، وديمة هطلاء، ولا يقال سحابة أهطل/، وذكر ابن السّكّيت: أن القرا بالياء والألف ويثنى القريان، والقروان (١) .
وقوله: ﴿إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ الرّجع: الماء أنشد أبو عبيدة فى صفة سيف: للمتنخّل (٢) :
أبيض كالرّجع رسوب إذا ... ما ثاخ فى محتفل يختلى
***
стр. 985
(ومن سورة الأعلى)
قال أبو عبد الله: سألت ابن مجاهد كيف يلفظ أبو عمرو بأواخر آى هذه السّورة، لأنّ فيها ما آخره ياء وراء مثل: ﴿لِلْيُسْرى﴾ [٨]، ومنها ما يكون آخره ألف مقصورة؟
فقال: اسمعها منّى فقرأ علىّ هذه السّورة بأسرها فكان لفظه بين الإمالة، والتّفخيم، لم يفصل بعضا على بعض.
وقراءة نافع شبيهة بذلك، وهو إلى الفتح أميل.
فأمّا حمزة والكسائىّ فكانا يميلان كلّ ذلك.
وأمّا عاصم وابن كثير وابن عامر فيفخّمون على الأصل والإمالة داخلة عليه.
وكان ابن مجاهد إذا قرأ فى الصّلاة هذه السّورة يقطع ألف الوصل فى نحو ﴿اِسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [١] ثم يقول: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ [٢] لأنه يومئ إلى الوقف عند رأس كلّ آية على مذهب رسول الله ﷺ .
١ - وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [٣].
قرأ الكسائىّ وحده: «والّذى قَدَرَ فهدى» مخفّفا وحجته ﴿فَنِعْمَ الْقادِرُونَ﴾ (١).
وقرأ الباقون بالتّشديد وحجتهم: ﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ (٢) وكلّ ذلك صواب بحمد الله.