← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 320

حاشية الخرشي منتهى الرغبة في حل ألفاظ النخبة

الخرشي = الخراشي

Полный текст (886 стр.). Показаны 150–189 · переход к 155.

стр. 150

وَلاحَ بهذا التَّقريرِ الفَرْقُ بين العِلْمِ الضَّرورِيِّ والعِلْمِ النَّظَرِيِّ؛ إِذ الضَّرورِيُّ يُفِيدُ العِلْمَ بِلَا اسْتِدلَالٍ، والنَّظَريُّ يُفيدُهُ لَكِنْ مَعَ الاسْتِدْلَالِ عَلَى الإِفَادةِ، وأنَّ الضَّروريَّ يحْصُلُ لِكُلِّ سامعٍ، والنَّظَرِيَّ لا يَحْصُلُ إِلَّا لِمَنْ فِيهِ أهليَّةُ النَّظَرِ. [قوله] (١): «ولاحَ»: أي: ظهر، ولو عبر بـ: «الفاء» كان أسلسَ (٢). [قوله] (٣): «بهذا التَّقريرِ ... إلخ»: وهو أنَّ التقرير يَحتمل أي: المقرر، و] هو] (٤) أنَّ الضروريَّ: ما لا يُمْكِنُ الإنسانَ دفعُه عن نفْسه؛ كالعلْم الحاصل بإحدى الحواسِّ إلخ، والنظريَّ: ما يحصل بواسطة ترتيب أمور إلخ، ويَحتمل بيان ذلك فلا (٥) تأويل، وفي نسخةٍ: «التعريف» (٦). [قوله] (٧): «إذ الضَّروريُّ ... إلخ»: الظاهر أنَّه تعليلٌ لظهور الفرْق لا للفرْق كما لا يخفى، وهو تعليلٌ للشيء بصورته. قال (ق) (٨): «هذه العبارة تفيد أنَّ العلْم الضروريَّ يُفيد العلْمَ بلا استدلال، وأنَّ العلْم النظريَّ يفيد العلمَ بالاستدلال، ولا يَخفى فسادُه؛ فصواب

стр. 151

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . العبارة أنْ يقول: الضروريّ: العلْمُ الحاصل بلا استدلال، والنظريّ: هو المُفادُ بالاستدلال على المطلوب نفْسِه، وهو العلم بالمدلول لا علْمُ إفادتِه التي هي وصف للدليل، كما لا يخفى. وقال (هـ) (١) تنبيه: قال (ق) (٢): «الضروريُّ هنا صفة العلْم؛ فيصير معنى التركيب أنَّ العلم الضروريَّ يُفيد العلمَ بلا استدلالٍ، ولا يَخفى ما فيه»، وقال (ب): «العلْم الضروريُّ يستفاد بلا استدلال، والنظري] يُستفاد] (٣) بالاستدلال، هذا صواب العبارة» انتهى. ولا يَخفى كما أشار إليه الثاني -أنَّ النظريَّ- أيضًا -: صفة العلْم؛ فيلزم أنَّ الشيء] مفيدٌ] (٤) لنفسه، فيتوجه الصوابيَّة المذكورة عليه أيضًا. قلتُ (٥): ويُمكِنُ أن يُقال: إنَّ الضروريَّ والنظريَّ ليسا صفتين للعلْم، وإنَّما هما صفتان للإدراك المفهوم مما مَرَّ؛ فيصيرُ المعنى: إنَّ الإدراكَ الضروريَّ المُعَنونَ بهذا العُنوانِ يُفيد العلْمَ الضروريَّ. أي: المُعنون بهذا العُنوان، وقِسْ عليه الإدراكَ النظريَّ يفيد] العلمَ] (٦) النظريَّ؛

стр. 152

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لأنَّ الشيء يختلف باختلاف عُنوانه، على نحو ما قيل في واجب الوجوب موجود وحقائق الأشياء موجودة،] ولئنْ] (١) سُلِّمَ أنَّ [العلْم] (٢) الموصوفَ في الموضوعين العلْم، فهو مُجمَّل ذهنًا ومُفصَّل خارجًا، فيُخيَّلُ إلي ما حاصله: أنَّ العلم من حيث إجمالُه مفيدٌ لنفْسه من حيث تفصيلُه،] و] (٣) مثله يكفي في دفع الخطأ، على أنَّه يمكن على أنْ] نمنع] (٤) تقدير الموصوف، ويُراد بكلٍّ من الضروريِّ والنظريِّ لفظُه، ويُراد بالإفادة الدَّلالةُ، ولا إشكال حينئذٍ، غايته الانتقال من الفساد إلى البعد، وهو سهل، واعترَض الكَمال (٥) قوله: «على الإفادة» بأنَّ: «المستدِلّ إنَّما يَستدِلُّ على الحكم لا على الإفادة» انتهى، ويمكن الجواب بأنَّ المراد على ثمرة الإفادة وتابعها وهو الحكم؛ إذ هو تابع للعلْم المفاد] بالنظر] (٦) ومأخوذٌ منه. [قوله] (٧): «وأنَّ الضَّروريَّ يحْصُلُ لكُلِّ سامعٍ ... إلخ»: بفتح همزة «أنَّ»؛ لعَطفها على «الفرْق» وهو فاعل «لاح»، وفيه نظرٌ؛ لأنَّه من الفرْق، فلا يحسُن عطفُه عليه، ويظهر عطفه على معنى «إذ» مشاركًا له في تعليل ظهور الفرق، تأمل.

стр. 153

وإِنَّما أَبْهَمْتُ شُرُوطَ التَّواترِ في الأَصْلِ؛ لأنَّهُ عَلَى هَذِهِ الكيفيَّةِ ليسَ مِنْ مباحِثِ عِلْمِ الإِسْنَادِ؛ إِذ عِلْمُ الإِسْنَادِ يُبْحَثُ فِيهِ عن صِحَّةِ الحَدِيثِ أَوْ ضَعْفِهِ؛ لِيُعْمَلَ بِهِ، أَو يُتْرَكَ مِن حيثُ صفاتُ الرِّجَالِ، وصِيَغُ الأدَاءِ، والمُتَواتِرُ لا يُبْحَثُ عَنْ رجالِهِ، بل يَجبُ العملُ بِهِ مِنْ غيرِ بَحْثٍ. قوله: «وإِنَّما أَبْهَمْتُ شُروطَ التواترِ في الأَصْلِ؛ لأنَّهُ على هذهِ الكيفيَّةِ ليسَ مِن مباحِثِ عِلْمِ الإِسْنَادِ»: [قوله] (١): «وإِنَّمَا أَبْهَمْتُ شُروطَ ... إلخ»: هذا يقتضي أنَّه لا يُتعرَّض له في هذا الفنِّ، ولو قال: وإنما ذكرت المتواتر على الوجه المذكور تتميمًا لأقسام طرق الحديث؛ لكان في ذلك بيانٌ لوجه إيراده مِن هذا الفنِّ في الجملة. وقال (هـ) (٢): «وإنَّما [أبهَمتُ] (٣) شروط المتواتر في الأصل» يعني المَتْنَ، بل إنَّما تعرَّض للمتواتر من أصله تتميمًا لفائدة التقسيم الذي ذَكَره للخبر، ولا يخفى أنَّ هذا جوابُ أنْ يُقال: حيث كان للمتواتر في إفادته العلْمَ شروطٌ كان الواجب عليه في المتن ذكرها؛ لِما تقرر من امتناع الإجمال في مَحلِّ التعليم»، وقال (ب): «بل يجب بيان شروطه؛ ليَتَميَّزَ من غيره؛ فإنَّ (هـ/٣٤) شروطه مأخوذة في تعريف المشهور» انتهى، ولعلَّ مرادَهُ: مأخوذ عَدَمُها، كما صرَّح به قول الشارح فيما مرَّ: «أي: ثلاثة فصاعِدًا مالم يَجْمَعْ شروط المتواتر». وفي نسخة: «في تعريف المشهور» فلا إشكال. (أ/٢٧) والجواب عن أصل الإشكال: أنَّه فعَلَ ذلك اعتمادًا على التوقيف والتعليم، وكثير لم يُميِّزوه منه، بل جعلوه فردًا من المشهور، كالعراقيِّ (٤).

стр. 154

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . و «المباحث» جمع مبحث، وهو لغةً: مكان البحث وهو التفتيش. واصطلاحًا: مكان إثبات النسبة الإيجابيَّة أو السلبيَّة بطريق الاستدلال. [قوله] (١): «إِذ عِلمُ الإِسْنادِ»: هو علم الحديث. [قوله] (٢): «يُبْحَثُ فيهِ عن صِحَّةِ الحديثِ أَوْ ضَعْفِهِ؛] لِيُعْمَلَ] (٣) بِهِ»: إن كان صحيحًا أو حسَنًا وُجوبًا أو نَدْبًا، أو يُترَكَ وجوبُ العمل في الأحكام إن كان ضعيفًا، فلا يُنافي نَدْب العمل في الفضائل (٤). [قوله] (٥): لا يُبْحَثُ عَنْ رجالِهِ، بل يجبُ العملُ بهِ مِن غيرِ بَحْثٍ»: يعني: [لأنَّه] (٦) يُفيد علْمًا ضروريًّا، ولأنَّ غاية رجاله أنْ يكونوا كفارًا كما مَرَّ. قال (ق) (٧): «هذا يؤيد ما قلناه من أنَّه لا دخل لصفات المخبِرين في باب المتواتر (٨)» انتهى. قلتُ (٩): يجب أنْ يُحْمَلَ كلامُ الشارح هنا على ما إذا وُجدت الكثرةُ السابقة في نَقَلته، أما إنْ لم توجد فيقوم مقامها الصفاتُ العالية المحصِّلة للعلْم الضروريِّ بمضمونه.

стр. 155

فَائِدَةٌ: ذَكَرَ ابنُ الصَّلاحِ أَنَّ مِثَالَ المُتَواتِرِ عَلى التَّفسيرِ المُتَقَدِّمِ يَعِزُّ وُجُودُهُ إِلَّا أَنْ يُدَّعَى ذَلكَ في حَدِيثِ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». [قوله] (١): «فائدةٌ»: تقدم أنَّها لغةً: ما استُفيدَ من علْم أو مال أو غيره، واصطلاحًا: ما يكون به الشيءُ أحسنَ حالًا منه بغيره، ألا ترى أنَّ مبحث المتواتر بما تضمنته هذه الفائدة أحسَنُ حالًا منه بدونه؟ (٢) وفي كتابة: الظاهر في مثلها أنْ تكون مَبْنيَّةً على السكون؛ لعدم التركيب؛ إذ الغرض من ذِكره إخطاره بالبال عند الشروع فلا يُقدَّر له ما يكون معه من جملة. وهي لغةً: ما حصلتَ من علْم أو مال، مشتقةٌ من الفَيْد، بمعنى استحداث المال أو الخير. وقيل: اسم فاعل من فأدْتُه: إذا أصبتَ فؤادَه، وفي العُرف: المصلحة المرتبة على فعل من حيث هي ثمرتُه ونتيجته، ومن حيث هي في طرف الفعل تُسمَّى: غايةً، ومن حيث إنَّها مطلوبة للفاعل بالفعل تُسمَّى:] غرَضًا] (٣)، ومن حيث إنَّها باعثة له على الإقدام عليه: علة غايته؛ فالفائدة والغاية والغرض والعلة بالذات واحد، وإن اختلفت العبارات باختلاف الاعتبارات. [قوله] (٤): «ذَكَرَ ابنُ الصَّلاحِ»: هو الحافظ العلامة تقيُّ الدين أبو عمرٍو عثمان بن الصلاح عبد الرحمن بن

стр. 156

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . عثمان بن موسى الكُرديُّ، الشَّهْرُزُوريُّ،] الموصليُّ] (١) الشافعيُّ، وُلد سنة سبع وسبعين وخمس مئة، وتُوفِّيَ سادسَ عشرَ ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وستِّ مئة، ودُفِن بدِمَشقَ (٢). [قوله] (٣): «أنَّ مِثالَ المُتواتِرِ»: «المِثال»: جُزْئيٌّ يُذكَرُ لإيضاح القاعدة، و «الشاهد»: جُزْئيٌّ يُذْكَر لإثباتها، ولا يُشترط في المثال أن يكون صحيحًا، بل يُستحسَنُ فقط بخلاف الشاهد، إلَّا أنَّ النزاع هنا إنَّما هو في مِثالٍ مطابق، وحينئذ فالمراد بالمِثال: فردٌ من الحقيقة مطابق لضابطه؛ فهو بمعنى الشاهد. و قوله: «عَلى التَّفسيرِ المُتَقَدِّمِ»: حالٌ من: «المثال»، و «التفسير المتقدِّم» أنْ يرويَهُ جمعٌ عن جمع يُؤمَنُ تواطؤُهم على الكذب عادةً إلى أنْ ينتهي إخبارُهم لمحسوس، واحتَرز به عن المتواتر اللُّغويِّ؛ فإنَّه لا يَعِزُّ وجوده (٤). [قوله] (٥): «يَعِزُّ وُجودُهُ»: من عَزَّ يَعِزُّ بكسر عين المضارع، بمعنى: يَقِلُّ، لا بفتحها؛ لأنَّه بمعنى قَوِيَ، ومنه: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ] ﴿يس: ١٤﴾، والمراد يَعِزُّ وجوده في الأحاديث بدليل ما بعد لا

стр. 157

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مُطْلقًا؛ لأنَّ الخبر عن وجود مكةَ وبَعثتِه ﵊ متواتر (١). [قوله] (٢): «إِلاَّ أَنْ يُدَّعَى ذلك»: يَحتمل مِثال المتواتر على معنى تحقُّقِه في حديث: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ» (٣)، ويَحتمل التواتر المفهوم من المتواتر، ويَحتمل التفسير المتقدِّم، والأظهر: وجود المتواتر، وما ادعاه من تواتر حديث: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ» تابعه عليه العراقيُّ في [ألفيته] (٤)، فقد رواه فوق [تسعين] (٥) صحابيًّا (هـ/٣٥) كما قاله شيخ الإسلام الأنصاريُّ (٦). وفي كتابة: قوله: «إلَّا ... إلخ» الاستثناء منقطع، أي: لكنْ «يُدَّعَى ذلك في حَديثِ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ» لا يصح جعله متصلًا؛ لأنَّه يقتضي أنَّه إذا ادعى ذلك لا يضر وجوده، وأنت خبير بأنْ وجودَ هذا الفرد منه لا يخرجه عن كونه عزيزَ الوجود، فإنْ قلتَ: ما فائدة] الاستثناء] (٧) على جعله منقطعًا؟ قلتُ: بيان أنَّه وُجِد في هذا الفرد الخاصِّ لا في غيره.

стр. 158

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي كتابة أخرى: لا وجه للاستثناء إلَّا بجَعْل العزَّة بمعنى القلة، وجَعْل القلة بمعنى النفي، أي: لا يوجد في حال إلَّا في حال الادعاء، وإلا فقِلَّتُه لا تنافي ادعائه في حديث واحد، إلَّا أنْ يُقال: معناه ما ادعاه معبرًا عنه بلفظ العِزَّة، وادعى غيره معبرًا بلفظ العدم، وفيه (أ/٢٨) بُعْدٌ. وقد رويَ حديثُ: «مَنْ كَذَبَ .. إلخ»] عن] (١) اثنين وستين صحابيًّا، ومنهم العشرةُ المبشَّرة بالجنَّة. قال ابن الصَّلاح: «ولا نَعرف حديثًا اجتمع على روايته العشرة إلَّا هذا، ولا حديثًا يروى عن أكثر من ستين صحابيَّا إلَّا هذا» (٢). وقد تُعُقِّب بحديث مسح الخفين؛ إذ رواه فوق ستين صحابيًّا منهم العشرةُ، بل روي أنَّ الحسن البصريَّ قال: حدثني سبعون به، وجعله ابن عبد البر (٣) متواترًا، وكذا حديث رفع اليدين في الصلاة، فإنَّ ابن منده نسَبَه إلى العشرة، وبأحاديث كثيرة؛ فلذلك ردَّ المؤلِّف ما ادَّعاه ابن الصَّلاح بقوله: «وما ادعاه من العِزَّة ممنوع»، وقد يُقال: لعل ابن الصَّلاح ممن يَشترِط في المتواتر عدادًا لا يُوجَد كالثلاثمائة وسبعةَ عشرَ مثلًا.

стр. 159

وَمَا ادَّعَاهُ مِنَ العِزَّةِ مَمْنُوعٌ، وَكَذَا مَا ادَّعاهُ غَيرُهُ مِنَ العَدَمِ؛ لأنَّ ذَلكَ نَشَأَ عَنْ قِلَّةِ الاطِّلاعِ عَلَى كَثْرَةِ الطُّرُقِ، وأَحْوالِ الرِّجالِ، وَصِفَاتِهِمُ المُقتَضِيَةِ لإِبعادِ العَادَةِ أَنْ يَتَواطَؤوا عَلى كَذِبٍ، أو يَحْصُلَ مِنْهُمُ اتِّفاقًا. [قوله] (١): «[مَمْنوعٌ] (٢) ... إلخ»: أي: لا دليل عليه، بل هو مجرد دعوى خالية [عن] (٣) الدليل، فعلى مَن يقول بها إثباتها بالدليل، وبهذا سقط قول (ق) (٤): «ذكر بعضُ المحقِّقين أنَّ المَنْع المجرد مع الميت لا يُقبل؛ لأنَّ المَنْع معناه طلب الدليل، ولا طلب ممَّن مات» انتهى، ولا يَخفاك أن] المذاهب] (٥) لا تموت بموت أربابها؛ فلا تَغفُل (٦). [قوله] (٧): «وكذا مَا ادَّعاهُ غَيْرُهُ مِنَ العَدَمِ»: أي: غير ابن الصَّلاح كابن جَمَاعةَ، أمر ممنوع لذلك (٨). [قوله] (٩): «لأنَّ ذلك ... إلخ»: أي: المذكورَ من دعواهم العِزَّةَ والعدم نشأ ... إلخ (١٠)، كذا قاله بعضهم، أي: فلم يَقصد المؤلِّف به التعليل، وإنَّما قَصد به

стр. 160

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بيان سَنَد المَنْع المذكور، فكأنَّه يقول: وسنَدُه أنَّ ما قالاه دعوى خاليةٌ عن الدليل: أن الكتب المشتملة على طرق الأحاديث كثُر اشتمالها على شروط نقلة المتواتر، وبلوغها مرتبة إفادة العلم إمَّا بذاتها، وإما بأحوال رجالها وصفاتها، وبهذا يُرَدُّ اعتراضُ (ق) (١) المرتَّب على كونه علةً، ونصُّه قوله: «لأنْ ذلك علة لما قبله ولا يظهر تعلقه إلَّا لممنوع؛ فالكلام حينئذ فاسد؛ لأنَّ قلة الاطلاع ليست علة لامتناع دعواهم، وإنَّما هي علة لوقوعهم فيما ادعوه»، وصواب العبارة أن يقول: وإنَّما صَدَرت هذه الدعوى ممن صَدَرت منه؛ لأنَّ ذلك لشيء ... إلخ. [قوله] (٢): «وأَحْوالِ الرِّجالِ، وصفاتِهِم»: ينبغي عطفه على الطرق، فالكثرة معتبَرة فيه (٣). والذي يظهر: أنَّ الواو بمعنى أوْ الإضرابية، ولو عبَّر بها كان أَولى؛ لأنَّ كلامَه في كُتُبه كالمصرح بأنَّ الشرط في ثبوت تواتر المتواتر على [ما قرره] (٤) أحد أمرين: إمَّا بلوغ نقلته الكثرةَ السابقة، أو اشتمالهم على أوصاف عاليَّة تقوم مقامَ تلك الكثرة في حصول العلْم، ولا شكَّ أنَّ هذه طريقة حررها الشارح منفردًا بها، بانيًا عليها الاستدراك على القوم المصرحين بإلغاء صفات رجال المتواتر حتى الإسلام [معولين (٥) على اعتبار خصوص الكثرة،] فالاعتراض] (٦) عليه بعد هذا

стр. 161

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بمخالفة القوم (هـ/٣٦) في اعتبار الصفات تصور وتقصير. فإنْ قلتَ: هل يُمكِن الجمع بين كلامهم حيث لم يعتبروا أوصاف نَقَلتهم، وكلامِ الشارح حيث اعتبرها؟ قلتُ: نعم، بارتكاب التخصيص؛ بأنْ يُحمل كلامُ القوم على ما إذا وُجِد العددُ والكثرةُ السابقة، فإن فُقدت تلك الكثرة قامت مقامَها الأوصافُ [العالية] (١) التي يُؤْمَن التواطؤ على الكذب معها عادةً؛ ولذا حمَلْنا كلامه على أنَّ الشرط عنده أحد الأمرين، أو بارتكاب أنَّه قاس وجود الصفات العالية التي يحصل معها العلْم الضروريُّ ويَرتفِع معها احتمالُ التواطؤ على الكذب عادةً على وجود تلك الكثرة في ذلك قياسًا أخرويًّا. فإنْ قلتَ: يَتَّجِهُ على اعتبار الأوصاف العالية أنَّه إذا خالف أحدٌ من أرباب المذاهب كمالك والشافعي حديثًا وُجدت في نقَلَته تلك الأوصافُ دون الكثرة المشار إليها: أنْ يكون في ذلك مخالفةً للمتواتر المفيد للعلْم الضروريِّ؛ فيلزم مخالفة مثل أبي حنيفة للعلْم الضروريِّ، وهو غير لائق بمقاماتهم؟ قلتُ: تَوَهُّمُ لزومِ ما ذكرتَ ظاهرٌ، ويمكن الجواب بمَنع كونِه عنده كذلك وقت المخالفة، وهو كافٍ في تسويغها، وبمَنع وقوع مخالفة أحد منهم لما ثبت في نقلته تلك الأوصاف حال المخالفة، وبفرض وجود أوصاف عالية نَمنَع أنَّها ممَّا يقوم مقام تلك الكثرة في حصول العلم الضروريِّ لسامعه. فإنْ قلتَ: قد يتوجه على الشارح ما أورده شيخ أستاذنا على القوم في اعتبارهم الكثرةَ (أ/٢٩) المشارَ إليها من أنَّ قضية كلامهم: أنَّ الأربعة الأئمة إذا رَوَوْا حديثًالم يشاركهم فيه غيرُهم لم يكن متواترًا، وإنْ صلح التواتر [و] (٢) أنَّ السُّوقة إذا رَوَوْهُ بالِغينَ الكثرة كان متواترًا؟

стр. 162

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قلتُ]: لا (١)، ولعلَّ هذا من موجبات العُدول له عن ظاهر طريقتهم، وعلى كلام الشارح يكون قولهم: إنَّ الأربعة صالحٌ للتواتر معناه: حيث لم توجد الصفاتُ العالية، وإلَّا كان الشرط موجودًا بالفعل، وبما قررناه يندفع اعتراضُ تلميذ المؤلف (ق) (٢)، وأطبق من ينسب نفْسَه إلى العلم من أهل العصر على ارتضاء كلامه تقليدًا له من غير تنبُّهٍ للفرق بين الطريقتين! ولا عجب؛ فإنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. وبعبارة: قوله: «وأحوال الرجال وصفاتهم»: قال (ق) (٣): «تقدَّم أنَّ المتواتر ليس من مباحث علْم الإسناد، وأنَّه لا يُبحث عن رجاله، وحينئذٍ فلو سُلِّم قلةُ اطلاع مَن ذَكَرهم المؤلِّف] على] (٤) أحوال الرجال وصفاتهم لم يوجِب ما ذكره» - يعني من كثرة وجود المتواتر (٥) -» انتهى. وهو كما نبهناك عليه سابقًا وقوفٌ مع ظاهر كلام القوم، ولكن الشارح رأى أنَّ المَدار على حُصول العلم الضروريِّ من الخبر؛ فمتى حَصَل ثَبت تواتره، وإن تخلفت الكثرة المشار إليها ظاهرًا أو متى لم تحصل لم يثْبُت تواتره، وإنْ وجدت شروطه في الظاهر، وبه جزَمَ بعضُ مَن كتب على شرح العقائد للسعد من محققي العجم، وأنَّ الصفات والأحوال العالية المقتضية لامتناع الكذب عادةً تَقُوم مقامَ بُلوغ العدد الكثرةَ

стр. 163

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . المذكورة، غايةُ ما فيه أنَّه خالف ظاهِرَ كلامهم، وكمْ له ممَّا لم يُسبَق إليه ممَّا [يُعوَّلُ] (١) عليه (٢)، وأمَّا ما أشار إليه أولًا من التناقض في كلام الشارح حيث صرَّح بعدم اعتبار الصفات ثم باعتبارها فقد صرَّحوا به» انتهى، باختِصار من كلام (هـ) (٣). [قوله] (٤): «المُقتَضِيَةِ لإِبعادِ العادَةِ أَنْ يَتَواطَؤوا عَلى كَذِبٍ أو يَحْصُلَ منهُمُ اتِّفاقًا»: الذي قدَّمه اعتبار إحالة العادة ما ذكر لا إبعاده فيُرَدُّ المطلَق للمُقيَّد، ولا بدَّ من الاستحالة. وفي كتابة: هذا إشارة (هـ/٣٧) إلى أنَّ المراد من الأحوال: ما له دخل في معرفة المتواتر من تباين أوطانهم ومذاهبهم، وطبائعِهم/ وقبائلهم، وأصنافهم وروايتهم، مما يُفْضي إلى الوقوف على كثرة الطرق، وإحالة تواطئِهم على الكذب، لا ما يتعلق بعلم الإسناد من العدالة والجرح، والضبط وعدَمِه؛ فسقَطَ ما تُوهِّم من أنَّه ينافي ما مَرَّ من أنَّه لا يُبحث في المتواتر عن رجاله؛ إذ المراد من حيث العدالةُ والضبط ومقابليهما.

стр. 164

وَمِنْ أَحْسَنِ مَا يُقَرَّرُ بِهِ كَوْنُ المُتَواتِرِ مَوْجودًا وُجُودَ كَثْرةٍ في الأَحاديثِ: أَنَّ الكُتُبَ المَشْهورةَ المُتَداوَلَةَ بأَيدي أَهْلِ العِلْمِ -شَرْقًا وَغَرْبًا- المَقْطوعَ عِنْدَهُمْ بِصِحَّةِ نِسْبَتِها إلى مُصَنِّفيها، إذا اجْتَمَعَتْ على إِخراجِ حَدِيثٍ، وتَعدَّدَتْ طُرُقُه تَعدُّدًا تُحِيلُ العادةُ تَواطُؤهُمْ عَلَى الكَذِبِ إِلى آخِرِ الشُّرُوطِ، أَفادَ العِلْمَ اليَقينيَّ بصحَّتِهِ إِلى قائِلِهِ، ومِثْلُ ذَلكَ في الكُتُبِ المَشْهُورَةِ كَثيرٌ. [قوله] (١): «ومِن أَحْسَنِ مَا يُقَرَّرُ بِهِ كونُ المُتواتِرِ مَوجودًا وُجودُ كَثْرةٍ في الأَحاديثِ (٢) ... إلخ»: اعترضه (ق) (٣) بأنَّ: «البحث في وجود المتواتر لا في طريق إمكان وجوده، وبأنَّ قوله: «المقطوع ... إلخ» إنْ سُلِّم ما ذَكَره من القطع فهو بنفْس النسبة لا بصحتها، وقوله: «ومِثْلُ ذلكَ كثير» دعوى مجردةٌ؛ فلا تفيد في محل النزاع» انتهى. [قوله] (٤): «فهو بنَفْسِ النِّسبة لا بصحتها»: فيه نظرٌ؛ إذ القطع بنفْس النِّسبة مفيدٌ للقطع بصحتها، واعتراضه بأنَّ: البحث في وجود المتواتر لا في طريق إلخ، فيه نظرٌ؛ إذ كلام المؤلف يفيد أنَّ البحث في وجوده؛ لقوله: «إذا اجتمعت على إخراج حديث» وإذا للتحقيق، ولقوله: «ومِثْلُ ذلكَ في الكُتُبِ المَشْهُورَةِ كَثيرٌ»، وأمَّا اعتراضه على قوله: «ومِثْلُ ذلكَ ... إلخ» بأنَّه مجرد دعوى، فهو اعتراض صحيح، وعليه يَترَتَّبُ أنَّ دليله غيرُ مثبتٍ لدعواه؛ إذ هي: وجود ذلك -أي: المتواترِ- وجود كثرة. وقوله: «وتعدَّدَتْ طُرُقُه ... إلخ»: أي وكان المصنِّفون في طبقة واحدة وتعدَّدوا بحيث تُحيل العادةُ تواطؤَهم

стр. 165

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . على الكذب، أو وقوعَه منهم اتفاقًا، ووصَل منهم إلينا بطريق التواتر، فلا بدَّ من هذه الأمور في تحقيق ما ادَّعاه من وجود المتواتر وجودَ كثرة، وكلٌّ منها في محل المنع، وقد أشار ابن أبي شريف إلى البحث في كلام الشارح بما يهدي إلى هذا، فإنه قال (١): «لا يَلْزم من القطع بصحة نسبة الكتب إلى مصنِّفيها كونُ ذلك القطع حاصلًا عن التواتر، فقد يحصل بخبر الآحاد المحتَفِّ بالقرائن، وإلا فهذا صحيح البخاري الذي هو أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى لا يُروى الآن بالسماع المتصل إلا عن الفَرَبْري، بل وغالب الكتب المشهورة لا تبلغ فيما نعلم رُواتها عن مؤلفيها (أ/٣٠) الذين يتصل الإسناد في عصرناإليهم سماعًا عدد التواتر، ويجاب بأنَّ كون من عُلِمت رُواتُه دون التواتر لا يستلزم كونَ الرواة في كل عصر أو في بعضِ الأعصار دون عدد التواتر، فكم مِنْ سامعٍ مات قبل أنْ يُسمَعَ منه، وكم مِنْ مُسمِعٍ لم يضبط جميع مَن سمِع منه، بل ولا أحد منهم في طبقة سماع فمات ذُكِرَت روايته لموته، وهكذا في كل عصر، كما أُجيبَ بمثل ذلك عما أورِد على القول بتواتر القرآن العزيز بالقرائن المعروفة مع انحصارها في السبعة أو العشرة، بل سمع الصحيح من البخاري غير الفرَبْري عدَدٌ بلغ التواتر، غير أنَّ الفرَبري تأخرت وفاته فعَكَفَ النَّاسُ على الأخذ عنه». وقوله: «في الأحاديثِ»: تصريحٌ بمحِل النزاع؛ إذ وُجودُه بكثرة في غيرها متفَق عليه. وقال (هـ) (٢): «ولا شكَّ أنَّ المستفاد من هذا الكلام وما بعده دعوى أنَّ المتواتر موجودٌ لا دعوى أنَّه ممكن الوجود».

стр. 166

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فقول (ق) (١): «فيه لقائل أنْ يقول: البحث في وجود المتواتر لا في طريق إمكان وجوده» غيرُ لائق بالذائق، خصوصًا مع قوله: «ومِثْلُ ذلكَ في الكُتُبِ المَشْهُورَةِ كَثيرٌ». فإنْ قلتَ: بل الكلام دالٌّ على الإمكان، وإلَّا لأوْرَد ممَّا ادَّعى وجودَه عدة أمثلة، قلتُ: قد نقَلْنا من كلامه ذلك آنفًا، على أنَّك قد صدَّقته حينئذٍ عند المقالة في دعواه قلة الاطلاع. [قوله] (٢): «بِصِحَّةِ نِسْبَتِها إلى مُصَنِّفيها»: تصريح بأنَّ المقطوع به صحة نسبتها إلى أربابها ومؤلفيها، (هـ/٣٨) وهو كذلك؛ إذ لا شكَّ/ بين علماء الإسلام في صحة النِّسبة، بل هي عندهم بالقطع الذي لا شكَّ فيه. إذا عرَفتَ هذا فقول (ق) (٣): «إنْ سُلِّم القطع فهو بنفْس النِّسبة لا بصحتها على ما لا يَخفى» انتهى، يعني أنَّه لا يلزم من نسبة شيء لشيء صحةُ نسبته إليه، غير مسموع؛ [لأنَّه] (٤) منه في مقابلة القطع، فليُتأمل. [قوله] (٥): «وتعدَّدَتْ طُرُقُه»: بحيث كان مذكورًا في بعضها بطريق وفي غيره بآخَرَ، أو بطريقين وفي الآخر بغيرهما، أو] بطُرق] (٦) وفي الآخر بغيرها، وحاصله: أنَّ الاشتراط في تلك الكثرة أنْ توجد باعتبار سندٍ معيَّنٍ [والله أعلم] (٧)، (٨).

стр. 167

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقوله: «تعدُّدًا تُحيلُ العادةُ ... إلخ»: معمول لـ: «تعدَّدت» منصوب به على المصْدرية المبَيِّنة للنوع، على حد: ضربتُه ضربَ الأمير، ومراده هنا بالتعدد الذي تحيل العادة معه التواطؤَ على الكذب: ما بلغ الكثرة السابقة، أو ما وجِد في طرقه المتعددة في الجملة من الأوصاف العالية ما يقوم مقام تلك الكثرة في حصول العلم الضروريِّ بمضمونه، والقرينة على هذا ما سبق، ولا بدَّ من تقدير عائد بعد «تُحيل» مثلًا؛ ليَرْبط الصفة وهي: «تُحيل ... إلخ» بالموصوف، وهو «تعدد» كما أشرنا إليه في التقرير (١). [قوله] (٢): «اليَقينيَّ»: مراده به الضروريّ، وقد مَرَّ ما فيه، وقال بعضهم: النظريّ، وهو خلاف الصحيح في العلْم الحاصل من المتواتر (٣). قوله: «بصِحَّتِه إلى قائِلِه»: أصله: بصحة نسبته إلى قائله من حيث إنَّه قاله، يعني: مثلًا، [وإلا فسائر وجوه الإحساس الظاهرة كذلك على ما مر صدر البحث ولعل هذا مراد (ب) بقوله:] «فليس القول قيدًا، بل لو كان الحديث فعليًّا كان كذلك» (٤).

стр. 168

وَالثَّاني، وَهُو أَوَّلُ أَقْسَام الآحَادِ: مَا لَهُ طُرُقٌ مَحْصُورةٌ بأَكثرَ مِنَ اثْنَيْنِ، وَهُوَ المَشْهُورُ عندَ المُحَدِّثينَ، سُمِّيَ بذَلكَ لوُضُوحِهِ، وهُوَ المُسْتَفيضُ عَلَى رَأْيِ جَمَاعةٍ مِن أَئمَّةِ الفُقَهاءِ، سُمِّيَ بذَلكَ لانْتشارِهِ، وَمِنْ فَاضَ الماءُ يَفيضُ فيضًا. [قوله] (١): «والثَّاني -وهُو أَوَّلُ أقسام الآحادِ-»: بالمَد، يعني: بحسَب تقسيمه السابق في هذا الكتاب لا مُطْلَقًا، وإنَّما قَدَّم المتواترَ؛ لتوقُّفِ مفاهيم الآحاد عليه؛ إذ قد اعتبر منها عدم بلوغها حدَّه (٢). [قوله] (٣): «ما لَهُ طُرُقٌ مَحْصورةٌ بأَكثرَ مِنَ اثْنَيْنِ»: أي: ما له أسانيدُ محصورةٌ باعتبار مبدئها بأكثرَ من اثنين، وهذا صحيح، فقول (ب): «تقدم ما في ذلك من أنَّ الحصر إنَّما يكون في معين» انتهى، يعني: وأكثر من اثنين لا تعيُّن فيه لعدد معين غفلة عما أشرنا إليه؛ إذ ما فوق الاثنين معيَّن بالنسبة لمُطلَق العدد (٤). [قوله] (٥): «وهُو المَشْهورُ عندَ المُحَدِّثينَ»: يُستفاد منه حيث أتى بصيغة العموم أنَّ الخلاف بعده ليس إلَّا لغيرهم. [قوله] (٦): «سُمِّيَ بذلك»: أي: سُمِّي المفهوم الكليُّ بلفظ المشهور، أو المشهور من حيث مفهومُه.

стр. 169

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقوله: «لوُضوحِهِ»: علة لقوله: «سُمِّي» أي: للمناسبة المصححة لنقله من المعنى [اللُّغويِّ] (١) إلى الاصطلاحيِّ، [قيل] (٢): «لو قال: لظهوره، كان أتْبَعَ لأهل اللغة؛ لأنَّهم قالوا: الشهرة الظهور» انتهى، وأنتَ (أ/٣١) خبير بأنَّه لم يأتِ عنهم بما يدل على مرجوحيَّة استعمال المرادِف (٣). وفي قوله: «عندَ المُحَدِّثينَ» إشارةٌ إلى أنَّ كون المتواتر قِسْمًا من المشهور ليس من اصطلاح المحدِّثين؛ لِما قدَّمه من أنَّ المتواتر لا يُبحث عنه من علْم الإسناد، بل هو اصطلاح أصوليٌّ، والمشهور عند المحدِّثين هو مقابِل المتواتر، كما يُنبِئ عنه التقسيمُ في كلام المؤلِّف؛ فهذا أخصُّ من المشهور عند الأصوليين، وهذا خلاف ما جرى عليه ابن الصَّلاح (٤) من أنَّ المتواتر قسم من المشهور، وعلى هذا] فقصد] (٥) شيخنا بالمشهور في التقسيم: ما يُسمَّى مشهورًا فقط، لا ما يُسمَّى مشهورًا ومتواترًا على ما قدَّمه، حيث قال: «] فكل (٦) متواتر مشهورٌ من غير عكس» كما قاله الكمال ابن أبي شريف (٧). وفي كتابة: واعلم أنَّ ما جرى عليه المؤلِّفُ من أنَّ أقلَّ عدد المشهور ثلاثةٌ، هو ما اقتضاه كلامُ ابن (هـ/٣٩) الصَّلاح، لكن] اختار (٨) ابن الحاجب (٩) تبعًا

стр. 170

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . للآمديِّ (١) والغزاليِّ (٢): أنَّ أقله ما زادت نَقَلَتُه على ثلاثة ما لم يبلغ حدَّ التواتر، وهو رأيٌ مأثور عن النَّظَّام، وجزَمَ به البُلْقِينيُّ (٣)، ومال إليه الكمال ابن أبي شريف (٤) وقال: «القول أنَّه الثلاثة غريبٌ»، قال: «ولا يُقال: هذا اصطلاح أهل الأصول دون المحدِّثين؛ لأنَّا نقول: ممنوع، فقد جَزَم الجَزَريَّ في منظومته التي نظمها في هذا العلم بأنَّه مشهور في اصطلاح أهل الحديث، حيث قال: واصطلَحوا المشهور ما يرويه ... فوقَ ثلاثة عن الوَجيه أي: عن راوٍ ذي وجاهة» انتهى (٥). وعليه فيكون ما في طبقةٍ من طبقاته ثلاثةٌ من العزيز؛] لِما] (٦) علمتَ، ولأنَّ في كلامهم ما يُفيد أنَّه ليس من الغريب، وفي ألفية العراقيِّ نحو ما لابن الصَّلاح وللمؤلِّف، انظر حاشية (ج) (٧) واشتراط روايته عن وجيه ضعيف؛ [إذ] (٨) لا فرْق بين الوَجيه وغيره. [قوله] (٩): «عَلى رأْيِ جماعةٍ ... إلخ»: «رأي» منوَّنًا قبل الشرح، وصار معه مضافًا، وقد مَرَّ لنا بيانُ جوازه، وبه يُرَدُّ

стр. 171

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قولُ من قال: «كان اللائق أن يقول: على رأي، وهو رأي جماعة»، ثم الرأي المذكور اختاره المؤلف في «الإصابة» (١)، وجزم في «جمع الجوامع» (٢) بمرجوحيَّته بقوله: «قد يُسَمَّى المستفيضُ مشهورًا». [قوله] (٣): «مِن أَئمَّةِ الفُقهاءِ»: مرادُه بهم: الفقهاء وأهل أصول الفقه، بل وعَزاه بعضهم لبعض المحدِّثين (٤). [قوله] (٥): «مِنْ فاضَ الماءُ»: أي: مشتق من مادة فاض، بِناءً على رأي البصرييِّن: أنَّه لا اشتقاق إلَّا من المصدر، مستعمَلًا كان أو مقدَّرًا. أو من نَفْس فاض، بِناءً على رأي الكوفيين: أنَّ الاشتقاق -ولبعضٍ: المشتقات- من الماضي، أو مأخوذ من فاض؛ فيجري على المذهبين بِناءً على أنَّ دائرة الأخذ أوسع من دائرة الاشتقاق (٦).

стр. 172

وَمِنْهُمْ مَنْ غَايَرَ بينَ المُسْتَفيضِ والمَشْهُورِ بأَنَّ المُسْتَفيضَ يَكونُ في ابْتِدائِهِ وانْتِهائِهِ سَوَاءً، والمَشْهُورَ أَعَمُّ مِنْ ذَلكَ. وَمِنْهُمْ مَنْ غَايَرَ على كَيفيَّةٍ أُخْرى، وليسَ مِنْ مَباحِثِ هذا الفَنِّ. [قوله] (١): «ومِنْهُم»: أي: من أئمة الفقهاء بالمعنى السابق. [قوله] (٢): «في ابْتِدائِهِ وانْتِهائِه»: أي: وفيما بيْنهما أيضًا، «سواءٌ» أي: أنْ تَستويَ طِباقُه في العدد، وحَقُّ التعبير أنْ يقولَ: ابتدائه إلى انتهائه، كما فعل الأنصاريُّ. وقوله: «والمشهورُ أعَمُّ من ذلك»: أي: مع مراعاة معناهُ السابقِ، وهو ما له طرُقٌ محصورة بأكثرَ من اثنين؛ فيُطْلَقُ على ذلك، وعلى ما اختلف طِباقه في العدد بأنْ يكون عددُ طِباقه ثلاثةً وأخرى أربعة مثلًا، ويُحتمل أنْ يريد أنَّه أعَمُّ مع عدم مراعاة تعريفه السابق؛ فيَصْدُقُ بما إذا كان بعضُ طِباقه واحدًا، وعليه شرح بعضهم فقال: «والمشهور أعَمُّ من ذلك، بحيث يَشمل ما كان أوَّلُه منقولًا عن واحد، كحديث: «الأعمالُ بالنِّيَّاتِ»، وإنِ اعترض ابنُ الصَّلاح التمثيلَ؛ لأنَّ الشهرة فيه نسبيَّةٌ» انتهى، لكنْ يُقالُ: إذا أريدَ أنَّه أعَمُّ مع عدم مراعاة تعريفه السابق شَمِل ذلك ما ليس له إسنادٌ أصلًا، وما له سنَد واحدٌ، حينئذٍ فلا فائدة لقوله: «ثمَّ المَشْهورُ يطلق ... إلخ»؛ إذ هو مستفاد من هذا، وجوابه: أنَّ قوله: «ثمَّ المَشْهورُ ... إلخ» أفاد به أنَّ إطلاقه على غير ما قدَّره هنا مقيَّدٌ باشتهاره على الألسنة، وقوله: «والمَشْهور أَعَمُّ مِن ذلكَ» ليس فيه مراعاةُ هذا (٣) القيد، تأمَّلْ.

стр. 173

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «ومِنهُمْ مَن غايَرَ»: أي: بيْنهما، في هذا البعض إجمالٌ] يُعلَم] (٢) مما في الذي قبله، والكيفيَّة الأخرى هي أنَّ المستفيض: هو الشائع عن الأصل كيف كان، والمشهور: ما زادت رُواته عن (أ/٣٢) ثلاثة، وقيل: المستفيض ما تلقَّتْه الأئمة بالقَبول دون اعتبار عدد؛ ولذا قيل: إنَّه هو والمتواتر بمعنًى واحدٍ، بل قال الماوَرْديُّ: «إنَّه أقوى من المتواتر». وقال (هـ) (٣): «والكيفية الأخرى هي أنَّه قال: المستفيض هو الشائع عن أصل؛ فخرج الشائع لا عن أصل، وبه قطع السُّبْكيُّ (٤)، ولو (هـ/٤٠) كانت نَقَلته دون رواة المشهور؛ فأقل رُواة المستفيض اثنان كما قاله الشيخ في التنبيه، وقال ابن الحاجب (٥): «المستفيض ما زادت نقلته على ثلاثة»، وقيل: المستفيض ما تلقَّتْه الأئمة] بالقَبول] (٦) دون اعتبار عدد، وهذا لا ينبغي أن يُفسَّر به الكيفيةُ الأخرى؛ لأنَّ هذا ما أشار إليه المؤلِّف بقوله: «من ابتدائه ... إلخ»، والأصح أنَّه لا يفيد -كالمشهور- العلْم النظريَّ إلَّا بقرينة، وكذا سائر الآحاد (٧). [قوله] (٨): «وليس مِن مَباحِثِ هذا الفَنِّ»: اسمُ «ليس» عائدٌ على «المستفيض» على الظاهر، ويُحتمل أنَّه عائدٌ على التَّغاير بينه وبين المشهور، بل ويُحتمل على الترادف، أي: وليس المستفيض، أو التغاير أو الترادف بينه وبين المشهور، «من مَباحِثِ هذا الفنِّ»، وإنَّما هو من مباحث الأصول الفقهيَّة، أي: وهذا زيادة بيان مع قوله: «على رأي جماعةٍ من الفقهاء».

стр. 174

ثمَّ المَشْهُورُ يُطْلَقُ على مَا حُرِّرَ هُنَا، وعَلَى ما اشْتُهِرَ على الأَلْسِنَةِ، فَيَشْمَلُ ما لَهُ إِسنادٌ واحِدٌ فَصَاعِدًا، بل ما لا يوجَدُ لهُ إِسنادٌ أَصْلًا. [قوله] (١): «ثمَّ المَشْهورُ»: عند المحدِّثينَ قِسمان: الأول: أنَّه «يُطْلَقُ على مَا حُرِّرَ هُنا»، قال السَّخَاويُّ (٢): وهذ القسم مُلحَقٌ بالمتواتر عند المحدِّثين، يُفيد العلْمَ النظريَّ إذا كانت طرُقُه متباينةً، سالمةً من ضعف الرُّواة، ومن الشذوذ والعلَّة، لكنَّه يُفارِق المتواتر في أنَّه يُشترط عدالةُ نَقَلته؛ فإنَّ المشهور قد يكون أُحاديَّ الأصل ثم يَشتهر بعد الصحابة في القرن الثاني] ممن] (٣) بعدهم، وفي أنَّ المشهور لا يُحَصِّل العلْم به إلا العالم بالحديث مُستبْحِر فيه، عارف بأحوال الرُّواة، مطَّلِع على العلل، بخلاف المتواتر؛ فإنَّه يحصُل به لكل سامع. الثاني: أنَّه يُطلَق «على ما» أي: على الحديث، الذي «اشتُهر على الألسنة» أي: دار عليها مُتكلَّمًا به، كان له أصلٌ] أو] (٤) لا، من هنا قال (ب): «المراد أنَّه اشتُهر على الألسنة لُغةً لا اصطلاحًا»؛ «فيَشمَل: ما له إسناد واحد فصاعِدًا» وإنْ لم يكن صحيحًا، قال ابن أبي شريف: «أي: فيكون مُحتمِلًا للأنواع الأربعة: المتواتر والمشهور، والعزيز والغريب»، و «ما لا يُوجَد له إسنادٌ أصلًا»، وأنتَ

стр. 175

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . خبيرٌ بأنَّ هذا لا مَدخل له في شيء من تلك الألقاب الستة، وإنما ذُكِر تتميمًا للفائدة على سبيل الاستطراد. تتمة: من القسم الأول: ما له إسنادٌ صحيح: «إنَّ اللهَ لا يَقبِضُ العِلمَ انتِزاعًا يَنتزِعُه» (١) و «مَن أتى الجُمُعةَ فلْيَغتَسِلْ» (٢)، وما له منه إسنادٌ حسَنٌ: «طَلَبُ العِلمِ فريضةٌ على كلِّ مُسلِمٍ» (٣) أفاد المِزِّيُّ أنَّ طُرُقَه ترتقي إلى الحُسْن، وما له منه إسنادٌ ضعيف: «الأُذُنانِ مِنَ الرَّأسِ» (٤)، ومن القسم الثاني وهو: ما لا إسناد له: «عُلماء أمَّتي أفضل من أنبياء بني إسرائيلَ» (٥) و «وُلِدتُ في زمان الملِكِ العادلِ كِسْرى» (٦). قال بعضهم: وينقسم المشهور أيضًا إلى مشهور عند المحدِّثين فقط، وإلى مشهور بينهم وبين غيرهم، مثال الأول: حديث محمد بن عبد الله الأنصاري، عن سليمانَ التَّيمِيِّ، عن أبي مِجْلَزٍ، عن أنسٍ: أنَّ المصطفى قَنَتَ شهرًا بعد الركوع (٧)، فهذا مشهور بين المحدِّثين، ورواه التَّيميُّ عن أنسٍ أيضًا، وأمَّا غيرُهم فيَستغرِبُه من جهة التَّيميِّ يروي عن أنسٍ بلا واسطة.

стр. 176

والثَّالِثُ: العَزيزُ، وهُوَ أَلَّا يَرْويَهُ أَقَلُّ مِن اثْنَيْنِ عنِ اثْنَيْنِ، وسُمِّيَ بذلك إِمَّا لِقِلَّةِ وُجودِهِ، وإِمَّا لكونِهِ عَزَّ -أَي: قَوِيَ- بمَجيئِهِ مِن طَريقٍ أُخْرى. [قوله] (١): «والثَّالِثُ: العَزيزُ، وهُو: ألَّا يَرْويَهُ أَقَلُّ مِنَ اثْنَيْنِ عنِ اثْنَيْنِ»: أي: وهو ذو «ألَّا يَرويَهُ» أي: وحالُهُ ألَّا يرويَه، فحُذف المضافُ وأقيمَ المضاف إليه مُقامَه فانفصَل وارتفع؛ فلا بدَّ من تقديرٍ لصحة الحمل: إمَّا مع المبتدأ، وإمَّا مَع الخبر، وقد يدَّعى أنْ لا حَذفَ ولا تقدير، غايةُ الأمر أنَّ المصدر مؤوَّلٌ باسم المفعول، أي: وهو غير المروي بأقلَّ من اثنين عن اثنين، لكنْ يَرِدُ عليه بكل حالٍ: أنَّه يَصْدُق حتى بالمتواتر فضلًا عن المشهور، ولو زاد هنا في الثاني: عن أقلَّ من اثنين؛ لكان أوضَح؛ حتى لا يَصُدق بالغريب في الجملة. و «أنْ» هنا هي الناصبة للمضارع لا المخففة لفقد العلْم وما يجري مجراه. تنبيه: (هـ/٤١) قيل: «عن اثنين» نعت لـ: «اثنين» قبله لا متعلق بـ «يروي». انتهى، قلتُ: بل هو متعلِّق به لا نَعت، والنفي مُسلَّطٌ على الأقلية التي هي وصف معمول «يروي» بلا شبهة، وبه يسقط أنَّ (أ/٣٣) إثبات أقلَّ في الثاني أوضح؛ إذ هو مبني على فَهمِ أنَّ النفي مُسلَّطٌ على العامل، قاله/ (هـ) (٢). وفي كتابة: قوله «ألَّا يَرْويَهُ ... إلخ» صادق بصوَر؛ إحداها: أنْ يرويَه اثنان عن كلِّ واحدٍ من الاثنين. ثانيها: أنْ يرويه عن كلِّ واحد من الاثنين اثنان.

стр. 177

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [الثالثة] (١): أنْ يرويَه اثنان عن واحدٍ وواحدٌ عن واحدٍ. الرابعة: أنْ يرويَه واحدٌ من الاثنين عن واحدٍ من الاثنين والآخرُ عن الآخر. الخامسة: أنْ يرويَه اثنان عن واحدٍ من اثنين، ثُمَّ في كلٍّ إمَّا أنْ يكون طَرَفُ الإسناد الأعلى وهو الصحابيُّ اثنين أو واحدًا، ووجْه صِدقِه بذلك أنَّ قوله: «أَقَلُّ مِنَ اثْنَيْنِ» في قوَّة قوله: «واحد»؛ فكأنَّه قال: ألَّا يرويَه واحد عن اثنين، ولا شك في صِدقه بما ذُكِر، والصورة الأولى والثانية من العَزيز عند الحاكم وغيره، وأمَّا الصورة الثالثة فمقتضى قوله: «وأَمَّا صُورَةُ العَزيز ... إلخ» أنَّها] مُرادُة] (٢)، ومقتضى قول الحاكم: «كالشهادة على الشهادة» أنَّها غير مرادة، وهكذا يقال في الرابعة والخامسة، والحاصل أنَّه لا بُدَّ في العزيز من التعدد حتى في الصحابيِّ، وهو مقتضى قول المؤلِّف: «أو بهما»، ومقتضى قول الشارح عن ابن العربي قلنا: قد خطب به عُمر ... إلخ، وهو أيضًا مقتضى ما ذكره (ق) (٣) عن المؤلِّف عند قوله: «ثم الغرابة ... إلخ» وهو الموافِق لِما ذَكَرَه شارح ألفيَّة العراقيِّ (٤)، ويجب أنْ يَجريَ مِثلُه في الغريب والمشهور كالعزيز، أو المُعتبَر التعدد [الخاصُّ] (٥).

стр. 178

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فيمَن بعد الصحابيِّ، وهو مقتضى ما ذكره الحاكم، والحاصل: أنَّه اختُلف في العزيز: هل لا بُدَّ ألَّا تنقُصَ طبقةٌ من طِباقه عن اثنين حتى في الأولى؟ أو يُكتفى في الطبقة الأولى بواحدٍ فقط؟ وإلى هذا الثاني ذهب الحاكم، وهو الموافق لتفسير (١) الشارح له بقوله: «وهو: أَلَّا يَرْويَهُ أَقَلُّ] مِن] (٢) اثْنَيْنِ] عن اثنين] (٣)»، والأول هو مقتضى كلام المؤلِّف، وما ذَكَره الشارح عن ابن العربيِّ، وهو أيضًا مقتضى ما ذَكَره (ق) (٤) عن المؤلِّف عند قوله: «ثم الغرابة ... إلخ»، وعلى كلٍّ فيَشمَلُ] كلامُه] (٥) الصوَرَ الخمسَ المتقدمة، لكنْ على الأول يَجري في الطبقة الثانية وما بعدها، وعلى الثاني يَجري في الطبقة الثالثة وما بعدها؛ فهو أنْ يرويَ أول طبقة فيها اثنان عن كلِّ واحدٍ اثنان، أو اثنان عن أحدهما ثم عن الآخر، أو اثنان عن أحدهما فقط، أو اثنان واحدٌ عن أحدهما وآخُرُ عن الآخر، أو اثنان عن أحدهما وواحدٌ عن الآخر، والصورتان الأُوليان من العزيز عند الحاكم وعند غيره، وما عداهما فمقتضى كلام الحاكم أنَّها ليست من العَزيز، ومقتضى كلام غيره أنَّها منه» انتهى، مع بعض حذف من حاشية (ج) (٦).

стр. 179

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي كتابة أخرى: «وهو: ألَّا يرويَه أقلُّ ... إلخ» يجب أنْ يُزاد: ولا يصل إلى حدِّ التواتر والشهرة؛ لأخارجهما لإخراجهما، ثُمَّ الظاهر أنْ قوله: «عن اثنين» مستغنًى عنه؛ فإنَّ المستفاد من كلام العراقيِّ أنَّ ما وقع في سنَده واحدٌ فغريبٌ، أو اثنان أو ثلاثةٌ فعَزيزٌ، وفوق ذلك فمشهورٌ، ثُمَّ إنَّ قوله: «ألَّا يرويَه» فيه توجيهات؛ إمَّا بتقدير مضاف في المبتدأ، أي: حالهُ، أو في الخبر، أي: ذو ألَّا يرويَه، وإمَّا بتأويل أنْ والفعل بمصدر وتأويل المصدر باسم المفعول على قياس توجيه صاحب المغني قولَه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى] ﴿يونس: ٣٧﴾، وإمَّا بحَمل المصدر مبالغةً، كقول الخنساء: فإنَّما هي إقبال وإدبار. [قوله] (١): «وسُمِّيَ بذلك»: أي: بلفظ] العَزيز] (٢)، ويجمع على] عِزاز] (٣)، وأعزة، وبه يَسقط ما يتوهَّمه القاصرون من اتحاد المُسمَّى به والمُسمَّى. [قوله] (٤): «إِمَّا لِقِلَّةِ وُجودِهِ»: بِناءً على أنَّه من: عَزَّ يعِزُّ -بكسر عين المضارع- عُز أو عِزازة إذا قَلَّ، و (هـ/٤٢) قوله: «وإمَّا لكونه عَزَّ أي: قوي بمجيئه من طرق أخرى» بِناءً على أنَّه

стр. 180

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . من عَزَّ يَعَزُّ -بفتح عين المضارع- عَزازة إذا اشتد وقوي، ومنه: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ] ﴿يس: ١٤﴾، أي: قوَّينا وشدَدْنا، وجمْع العَزيز: عِزاز، ككريم وكرام، والآية نزلت في رُسُل عيسى الذينوجَّههم إلى أنطاكية للتبليغ (١)، ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ] ﴿يس: ١٤﴾، وهو شَمعون، وأهْل أنطاكية كانوا عبدة أصنام فأرسَل إليهم عيسى ﵊ (٢) اثنين يدعونهم إلى الإسلام بعيسى وعبادة الله وحْدَه، فلما قرِبا من (أ/٣٤) المدينة رأيا حبيب النجَّار يرعى غنمًا فسألهما فأخبراه الخبَرَ؛ فقال: أَمَعَكُما آية؟ فقالا: نَشفي المريض ونبرئ الأكمه والأبرصَ، وكان له ولدٌ مريضٌ فمسَحَاه فبرئ؛ فآمَن حَبيب، ونشأ الخبر فشُفي على أيديهما خلقٌ، وبَلَغ حديثُهما إلى مَلك المدينة فدعا بهما، وقال لهما: ألنا إلهٌ سوى آلهتنا؟ قالا: مَن أوجدك] والقَتل] (٣)، فقال: قُوما حتى أنظر في أمركما؛ فحبسهما، وبَلَغ الخبرُ عيسى ﵊ فبعث شمعون، فدخل متنكِّرًا وعاشر أصحاب المَلك حتى استأنسوا به وأوصلوه إلى الملك فأنِس به، فقال له يومًا: سمعتُ أنَّك حَبستَ رجلين، فقال له: هل سمِعتَ ما يقولانه؟ قال: لا، فدعاهما، فقال شمعون: مَن أرسلكما؟ قالا: الله الذي خلق كل

стр. 181

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . شيء وليس له شريكٌ، فقال: صِفاه وأوْجزا؟ قالا: يفعل ما يشاء ويحكم، قال: وما آياتكم؟ قالا: ما يتمنى المَلِك؛ فدعا بغُلام مَطموس العينين فدعَوَا الله تعالى حتى انشق له بصره، وأخذا بندقتين فوضعاهما في حَدَقَتيه فصارتا مُقلتين ينظر بهما، فقال له شمعون: أرأيتَ لو سألتَ إلهك هل يصنع مثل هذا حتى يكون لكَ وله الشرف؟ قال: ليس لي عندك شر، آلهتُنا لا تبصر ولا تسمع ولا تضر ولا تنفع، ثم قال: إنْ قَدَرَ إلهكُمَا على إحياء ميت آمنَّا به، فدَعُوا بغلام مات منذ سبعة أيام، فدَعَوَا فقام، وقال: إني أُدخلت سبعة أودية من النار وأنا أحذركم ما أنتم فيه فآمِنوا، وقال: فُتِحت أبواب السماء فرأيت شابًّا حسنًا يشفع لهؤلاء الثلاثة شمعون وهذان، فلما رأى شمعون أنَّ قوله قد أثَّر في المَلك نصحه فآمَنَ في جَمْعٍ، ومن لم يؤمن ممَّن سواهم صاح عليهم جبريل ﵊ فهُلكوا، ولَمَّا كان إرسالُ عيسى الرسُلَ إنَّما هو بأمر الله تعالى أضافه إليه فقال: ﴿أَرْسَلْنَا﴾ و ﴿فَعَزَّزْنَا﴾ ﴿يس: ١٤﴾. تنبيه: قوله: «أخرى» بالتأنيث صفة لـ: «طريق» صحيح؛ لجواز تذكيره وتأنيثه -كما مَرَّ (١).

стр. 182

ولَيْسَ شَرْطًا للصَّحيحِ خِلافًا لمَنْ زعَمَهُ، وهُوَ أَبو عَليٍّ الجُبَّائيُّ مِنَ المُعْتزلةِ، وإِليهِ يُومِئُ كَلامُ الحاكِمِ أَبي عبد اللهِ في «علومِ الحديثِ»، حيثُ قال: «الصَّحيحُ أَنْ يَرْوِيَهُ الصَّحابِيُّ الزَّائِلُ عنهُ اسمُ الجَهَالةِ بأَنْ يكونَ لهُ رَاوِيانِ، ثمَّ يَتَداوَلَهُ أَهلُ الحَدِيثِ إِلى وَقْتِنِا؛ كالشَّهادَةِ عَلى الشَّهَادَةِ». [قوله] (١): «وليس شرطًا للصحيح خلافًا] لِمَنْ] (٢) زَعَمَه»: اسم «ليس» عائدٌ على «العَزيز» من حيث تعدُّدُ رُواتِه، لا من حيث ذاتُه ولا وصفُه بالعِزَّة؛ لئلا يُوهِم كَلامُه أنَّ هناك مَن يَشترط العَزيز في صحة الحديث الصحيح، وليس كذلك، وإنَّما المُشترَط فيها -على القول به- التعدُّدُ الذي [في] (٣) [رُواة] (٤) العزيز، وهو: ألَّا يَرويَه أقلُّ من اثنين عن أقلَّ من اثنين، وأَولى منه عَوْدُه على التعدد المُشعِرِ به «العزيز»، ونصب «خلافًا» على أنَّه مفعول مطلق عامله محذوف على ما هو المنصور من جواز حذف عامل المؤكِّد خلافًا لابن مالك (٥)، واللام بعده للتبيين، والأصل: خالفنا في عدم اشتراط ما ذَكَر الأدنى خلافًا لمن زَعمه، على حدِّ: سقيا لزيد ورعيًا له، وإنْ كان واقعًا في الخبر. وفي كتابة أخرى: وليس شرطًا في الصحيح أنْ يكون عَزيزًا وما فوقَه؛ لأنَّ الغريب منه الصحيح، قال العراقيُّ لَمَّا ذكر أنَّ الحاكم فسَّر الشَّاذَّ بما تَفرد به ثقة

стр. 183

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . من الثقات: وليس أصل متابَع لذلك الثقة، وأن أبا يعلى الخليليَّ فسَّره بما له إسنادٌ واحد سواء [ثقة كان أم لا] (١)، وأنَّ الشافعيَّ فسَّره بما يخالِف الثقةُ فيه النَّاسَ (هـ/٤٤). قال ابن الصَّلاح: «وما ذكره الشافعيُّ لا إشكال فيه، وأمَّا ما ذكره غيره فمُشْكِلٌ بما ينفرد به العدلُ الضابط، كحديث: «إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ» (٢) ... ثم قال: وأوضَحُ من ذلك حديث عبد الله بن دينار، عن ابن عُمرَ: أنَّ النبي ﷺ نهى عن بَيعِ الولاءِ وهِبَتِه (٣)؛ تفرَّد به عبد الله بن دينار، وحديثُ مالك، عن [ابن شِهاب] (٤)، عن أنس عن النبي ﷺ : أنَّه دخل مكة وعلى رأسه المِغفَرُ (٥) ... وكلُّ هذه مخرَّجةٌ في الصحيحين، مع أنَّه ليس له إسناد واحدٌ انفرد به الثقة» (٦). [قوله] (٧): «وهو أَبو عَليٍّ الجُبَّائيُّ مِن المُعْتزلةِ، وإِليهِ يُومِئُ كلامُ الحاكِمِ أبي عبد اللهِ في «علومِ الحديثِ»: بل هو رئيس المعتزلة في وقته، اسمه: محمد بن عبد الوهاب بن سَلام، منسوب إلى جُبَّي -بضم الجيم وتشديد الباء الموحدة- قرية من قرى البصرة.

стр. 184

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ومعنى «يومِئ» يشير بخفاء. وأبدل من «الحاكم»: «أبي عبد الله»؛ ليَخرُجَ الحاكمُ أبو أحمدَ. قال شيخ شيخنا النَّجْم: «ومَحِل الإشارة قوله: كالشهادة على الشهادة» انتهى (١). وهو ظاهرٌ في أنَّه من كلام الحاكم، وعليه فلا اعتراض على الشارح؛ إذ غايتُه أنَّه عوَّل على (أ/٣٥) كلام الحاكم في «علوم الحديث» (٢) وإنْ خالف كلامه/ في «المدخل» (٣)، فليُحرر هذا اللفظ؛ فإنِّي ما وقفت على هذا الكتاب [المسمى بـ: «علوم الحديث»] (٤). وفي كتابة: «وليس» اشتراط العدد بألَّا يرويَه أقلُّ من اثنين عن اثنين، «شرطًا للصحيح» أي: للحديث الصحيح، «خلافًا لمن زعمه، وهو: أبو عليٍّ الجُبَّائيُّ» حيث قال: «لا يُقبَلُ خبرُ العدل الواحِد إلا إذا انضمَّ إليه آخَرُ، أو عَضَّدهُ موافقةُ الكتاب، أو ظاهرُ خبر آخر، وانتشر بين الصحابة، أو عَمِلَ به بعضهُم» بل نُقل عنه أنَّه اشتَرَط أربعةً، وإليه يومِئ كلام أبي عبد الله -من أكابر المحدِّثين- في كتابه الذي ألفه في علوم الحديث المسمى بـ: «المدخل»، حيث: «قال الصحيح ... إلخ» (٥)، ووافقه على ذلك من المحدِّثين أيضًا: ابنُ الأثير في مقدمة

стр. 185

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . «جامع الأصول»، ووافقهما على ذلك من الفقهاء: إبراهيم ابن عُلَيَّةَ، والمَيَانَجِيُّ من المحدِّثين، بل زاد أنَّ شرط الشيخين: أنْ يرويَه عن المصطفى اثنان فأكثرُ، ويرويَه عن كلٍّ منهما أربعةٌ، ويرويَه عن كلٍّ منهم أكثر من أربعة! وردَّه المؤلِّف لأنَّه لو قيل له: إنَّه ليس في الصحيحين حديثٌ واحدٌ بهذه الصِّفة لم يَبْعُد، قال شيخ شيخنا الغَيطِيُّ: «والإيماء في كلام الحاكم مِن قوله: «كالشهادة على الشهادة» فإنَّه يقتضي: أنْ يكون الحديثُ رواه اثنان عن اثنين عن الصحابي الذي زال عنه اسمُ الجهالة إلينا، لكنه لم يَشترط أن يرويَه اثنان عن النبيِّ ﵊ كما اشترطه غيرُه» انتهى، وبذلك عُلِم أنَّ اشتراط العدد ليس خاصًّا ببعض المعتزلة، بل عليه جماعةٌ من المحدِّثين وغيرهم؛ فقول المؤلِّف في نُكَته على ابن الصلاح: «إنَّه خاصٌّ ببعض المعتزلة» غيرُ صحيح، فقوله: «الصحيحُ: أن يرويَه ... إلخ» معناه: الحديث الصحيح ذو أنْ يرويه، أو حال الحديث الصحيح، أو شرط الحديث الصحيح: أن يرويَه ... إلخ، ويجوز أنْ يؤوَّلَ المصدرُ باسم المفعول، أي: الحديث الصحيح مَرويُّ الصحابيِّ الزائل عنه اسمُ الجهالة عن رُواته بأنْ يكون مشهورًا بالرواية عمَّن روى عنه (١). [قوله] (٢): «بأَنْ يكونَ لهُ»: أي: لذلك الصحابيِّ لا للحديث «راوِيانِ»، سواءٌ رَوَيَا ذلك الحديثَ عنه أم

стр. 186

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لا، هذا بالنَّظر لكلام الحاكم، وأمَّا بالنَّظر لِمَا فهمه الشارح عنه فالضمير للحديث، وإلَّا لم يبقَ فيه اشتراطُ وصفِ العَزيز في صحة الصحيح، و «باؤه» للسببية متعلقة بـ: «زائل»، وللتصوير، أي: الزائل عنه الجهالة مُصَوَّرٌ بأنْ يكون له راويان. [قوله] (١): «ثمَّ يَتدَاوَلَهُ أَهلُ الحَديثِ إِلى وَقْتِنِا»: أي: «ثم يَتدَاولَه أهل الحديث» الزائل عنهم [اسم] (٢) الجهالة أيضًا كذلك، كما يُرشد له قولُه «كالشَّهادةِ عَلى الشَّهادةِ»؛ إذْ لا بُدَّ فيها من زوال الجهالة بثبوت (هـ/٤٤) العدالة للناقل كالمنقول عنه، وأنْ يَنقل اثنان عن الأصل، وكذا عن كلِّ ناقلٍ عنه، ثم كذلك، وقد مَرَّ أنْ هذا يقتضي ما فهِمه الشارح، وأنَّ مذهبَ الحاكِم ليس كذلك، وقد حرَّرناه بما لا مزيد عليه آنفًا، ونصُّه عند قوله: «الصَّحيحُ أَنْ يَرْوِيَهُ الصَّحابِيُّ ... إلخ». قال (ب): «ليس مرادُ الحاكم أنَّ الراويَيْنِ للحديث، بل لراوي الحديث حتى لا يكون مجهولًا، قال النواوي في مقدمة «شرح مسلم» (٣): قال في «المدخل»: الصحيح من] الحديث] (٤) عَشَرةُ أقسام: خمسة متفق عليها، وخمسة مختلف فيها؛ فالأول من المتفق عليه: اختيار البخاريِّ ومسلمٍ، وهو الدرجة الأولى من الصحيح، وهو ألَّا يَذْكُرا إلا ما رواه صحابيٌّ مشهورٌ

стр. 187

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بالرواية عن النبيِّ] ﷺ (١) له راويان ثقتان فأكثَرُ، ثم يرويه عنه تابعيٌّ مشهورٌ بالرواية عن الصحابيِّ له أيضًا راويان ثقتان فأكثر، ثم يرويه عنه مِن أتباع الأتباع الحافظُ المتقِنُ المشهور. زاد غير النووي: وله رُواةٌ ثقات من الطبقة الرابعة، ثم يكون شيخ البخاريِّ ومسلمٍ متصفًا مشهورًا بالعدالة، ثم رُواته على ذلك الشرط، ثم كذلك. قال الحاكم: الأحاديث المرْوية بهذا الشرط لا يبلغ عددها عشرة آلاف حديث» انتهى. فقوله: ثم يرويه [عنه] (٢) تابعيٌّ، يعني أنَّ الراويين للصحابيِّ مُطلقًا لا للحديث؛ لأنه لو كان للحديث لقال: تابعيَّان أو راويان ونحو ذلك، وكذا ما بعده وهو واضح. وقال النووي في أوائل التوحيد من «شرح مسلم» (٣) في حديث وفاة أبي طالب (أ/٣٦): «إنَّ الشيخين اتفقا عليه من رواية سعيد بن المسيِّب عن أبيه، ونُقل عن الحافظ أنَّه لم يرو عن المسيب ﵁ (٤) إلا ابنه سعيد، قال: وفيه ردٌّ على الحاكم في قوله: «لم يُخَرِّج البخاريُّ ولا مسلمٌ عن أحدٍ لم يَرو عنه إلا واحدٌ»، قال: ولعلَّه أراد من غير الصحابة» انتهى. وحاصلُه: أنَّ مذهبَ الحاكِم أنَّ الصحيح لا بُدَّ من زوال الجهالة عن راويه،

стр. 188

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بأنْ يكون مشهورًا بالرواية عمَّن روى عنه، فإنْ كان صحابيًّا روى عنه ﷺ فلا بُدَّ من شهرته بالرواية عنه ﵊، ويكون له راويان عنه سواءٌ رَوَيَا ذلك الحديثَ أو غيَره، وهكذا فيمن بعده إلى أن يصل إلينا، فما رواه من ليس له إلَّا راوٍ واحدٍ ليس واقعًا في الصحيحين. قال النواوي بعد نقله إثر كلام الحاكم كلامَ الجُبَّائيِّ وقد قال إثره (١): «وسنتكلم عليه بعد حكاية قول الجُبَّائيِّ ما لفظه: وأما قول الحاكم: إنَّ من لم يرو عنه إلَّا راوٍ واحدٌ فليس هو من شرط الشيخين، فمردود غلَّطه الأئمة] فيه] (٢) بإخراجهما حديث المسيِّب بن حَزْن، والد سعيد بن المسيِّب ﵁ في وفاة أبي طالب، ولم يَرو عنه غير ابنِه سعيدٍ، وبإخراج البخاريِّ حديثَ عمرو بن تَغْلِب: «إني لأُعطي الرَّجُلَ والَّذي أَدَعُ أحَبُّ إليَّ» (٣)، ولم يرو عنه غيرُ الحسن، وحديثَ قيس بن أبي حازم عن مِرْدَاسٍ الأَسْلَميِّ: «يَذهَبُ الصالحون ... إلخ» (٤) ولم يَروِ عنه غيرُ قَيسٍ، وبإخراج مسلم حديثَ رافع بن عمرو الغِفاري (٥) ولم يَرو عنه غير عبد الله بن الصامت، وحديث ربيعة بن كعب الأسلمي (٦) ولم يرو عنه غير أبي سلمة، ونظائر في الصحيحين لهذا كثيرةٌ [واقعة] (٧) والله أعلم» انتهى.

стр. 189

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وهو صريحٌ فيما فهِمه المُحَشِّي من كلام الحاكم، وأما ما نقله المُحَشِّي عن النووي من تأويل كلام الحاكم في أوائل التوحيد فهو كما] قاله] (١) ذكره في ترجمة: الدليل على صحة إسلام من حضره الموت ما لم يَشرع في النزع وهو الغرغرة ... إلى آخر الترجمة. وهو تأويل حسنٌ نافٍ للغلط الذي قضى به عليه ابن الصَّلاح وغيره، وتبِعهم العراقيُّ في ألفيَّته، وقد ظهر بهذا [كلِّه (٢) مخالفةُ مذهبِ الحاكِم لظاهر ما فهِمه الشارح عنه، على ما يُشعر به ظاهر قوله: «كالشَّهادةِ على الشَّهادةِ»؛ إذ لا بُدَّ أنْ ينقلها عن الأصل اثنان، فإن احتجنا لنقلٍ ثانٍ فلا بد أنْ يَنقل عن (هـ/٤٥) كل واحدٍ منها اثنان، ثم كذلك، وقد نقل/ المُحَشِّي (٣) عن الشارح (٤) فيما علَّقه على شرح ألفيَّة العراقيِّ له ما يوهم نحو ظاهر كلامه هنا أيضًا، حيث قال (٥): «قال شيخنا -يعني: ابنَ حجر-: وبعضُ أهل الحديث يَشترط العددَ في الرواية، حتى ادعى ابنُ العربي في أوائل «شرح البخاري» أنَّ ذلك شرطُ البخاريِّ، وتعقَّبه ابن رُشَيد في كتابه «ترجمان التراجم»، وحكاه أبو محمد الجُوَيْنيُّ عن أصحاب الحديث، وحكى الحازِميُّ عن الحاكم وهو مِن أجَلِّ علماء الحديث: أنَّ شرط الشيخين العدد، وقال الحافظ أبو حفص المَيَانجي:
следующие страницы →