← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 320

حاشية الخرشي منتهى الرغبة في حل ألفاظ النخبة

الخرشي = الخراشي

Полный текст (886 стр.). Показаны 45–84 · переход к 15.

стр. 45

بسم الله الرحمن الرحيم (١) الحمد لله الذي علَّمَنا مِن تأويل الأحاديثِ وفضَّلَنا بأنواع العلوم على كثير ممَّن خَلق تفضيلًا، والشُّكرُ له على [نِعَمِه] (٢) جملةً وتفصيلًا، وأشهد أنْ لا إله إلَّا اللهُ وحْدَه لا شريكَ له المَلِكُ العلَّام، وأشهد أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُه ورسولُه المختصُّ بالعلوم الجَمَّة وفصاحةِ الكلام، وأُصلي وأسلِّم على سيِّدنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه الغُرِّ الكرام، صلاةً وسلامًا دائميْنِ متلازمين إلى يوم قيامِ الخَلقِ بيْن يدَيِ [الملِك العلَّام] (٣)، ذي الجلال والإكرام. وبعدُ؛ فإنَّ الفقيرَ محمدَ بن جمال الدِّين عبد الله بن علي الخَرَشيِّ البُحَيْرِيَّ (٤)، الشهيرَ نَسَبُه ونسبُ عصابتِه بأولاد صباح الخير، جمَع في أوراق مستكثِرة فوائدَ وأبحاثًا تتعلق بـ: «نُخْبَة الفِكَر في مصطلح أهل الأَثَر»، تأليف مولانا العالم العلَّامة ابنِ حَجَرٍ العَسْقلانيِّ، جعلتُها لنفسي تذكرةً؛ فأردتُ عَزْوَها [لقائليها] (٥)، ثم إنِّي

стр. 46

رأيتُ ألا تَكمُلَ الفائدةُ إلَّا إذا ضُمَّ إليها ما تَفرَّق، [ممَّا] (١) تحتاج إليه كلُّ مسألة، من شرح وتقْييد، فشَرَعْتُ في ذلك بعد الاستخارة، وسميتُه: «مُنْتَهى الرَّغبة في حَلِّ ألفاظ النُّخبة». ولخَّصْتُه مِنَ الحواشي الموضوعة عليه للشيخ قاسم الحَنَفيِّ تلميذِ المؤلِّف (٢)، وللبِقَاعيِّ، وللشيخ عليٍّ الأُجْهُوري (٣)، [وللعلامة شيخِنا] (٤) إبراهيم اللَّقَّاني (٥)، ورمزتُ (٦) للأوَّل ما صُورتُه (ق)، وللثاني (ب)، وللثالث (ج)، وللرابع (هـ). وأرجو من الله تعالى أنْ يُتمِّمَ هذا التعليق، ويُغنينا به عن الشروح والحَواشي المتداوَلَة بين أيدي أهل هذا العصر، بحيث يجدُها الطالب في المحَلِّ الواحد، فأقول -وهو حسبي ونِعَم الوكيلُ، راجيًا مِنَ الله الكريم المَعُونةَ على [ذلك] (٧)، والنفعَ به، وقَبولَه بمنِّه وكرمه-: افتتح المؤلف كغيره:

стр. 47

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [بسم الله الرحمن الرحيم] (١): اقتداءً بالكتاب العزيز، والآثارِ النبويَّة والإجماع؛ لافتتاحِ الكتاب بها، وقولِه ﵊: «كلُّ أمرٍ ذِي بَالٍ لا يُبْدَأُ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم»، كما في روايةٍ: «فهو أَبتَرُ»، أو: «أَقْطعُ»، أو: «أجْزَمُ» (٢)، أي: ناقصٌ وقليلُ البَرَكة، والباء للاستعانة متعلِّقة بمحذوفٍ تقديرُه: أؤلِّف، ونحوه، وهو يَعمُّ جميعَ أجزاء التأليف؛ فيكون أوْلى مِن: أَفتتِح، ونحوِه؛ لإيهام قَصْرِ التَّبرُّك على الافتتاح فقط. و «الله»: عَلَمٌ للذات الواجب الوجود؛ فَيَعمُّ الصفاتِ أيضًا. «الرحمن»: المُنعم بجلائل النِّعم، كَميَّة أو كيفيَّة. و «الرحيم»: المُنعم بدقائِقها كذلك، وقُدِّم الأول؛ لدَلالته على الذات، ثم الثاني؛ لاختصاصه به، ولأنَّه أبلَغُ من الثالث؛ فقُدِّم عليه ليكونَ له كالتَّتِمَّة، وليس من باب الترقِّي المقتضي لتقديم الأدنى على الأعلى، على حُكم قاعدة وأسلوب اللغة العربية، نحو: فلان عالم نِحْرير (٣)، وجَوَاد فَيَّاض، وإيضاحُ

стр. 48

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ذلك: أنَّ الأبلغ إذا كان أخصَّ ممَّا دونَه، ومُشتملًا على مفهومه؛ تَعيَّن [هنا كطريقة] (١) الترقي؛ إذ لو قُدِّم الأبْلَغ كان ذِكرُ الآخَرِ عاريًا عن الفائدة، كما في المثالين المذكورين؛ فإنَّ النِحْريرَ والفَيَّاض مشتملان على مفهومَي العالِم والجَوَادِ مع زيادة، وأمَّا إذا لم يكن الأبْلَغُ مشتملًا على مفهوم الأدنى كالرحمن الرحيم، إذا أُريدَ بالأول جلائلَ النعم، وبالثاني دقائقَها، جاز سلوكُ كلُّ واحد من طريق التتميم والترقي؛ نظرًا إلى مقتضى الحال، ولَما كان المنظورُ إليه بالقصد الأول في مقام العظمة والكبرياء جلائل النعم وأصولها دون دقائقها؛ قُدِّم «الرحمن» وأُردِف «الرحيم» كالتَّتمة؛ تنبيهًا على أنَّ الكل منه، وأنَّ عنايتَه شاملةٌ لذوات الوجود؛ فلا (٢) يُتَوهَّمُ أن حَقيراتِ الأمور لا تَليق بذاته، فيُحتَشَم معه (٣) سؤالُها (٤).

стр. 49

الحمدُ للهِ الذي لَمْ يَزَلْ عَليمًا قديرًا، حيًّا قيُّومًا، سَميعًا بَصيرًا، وأَشهدُ أَنْ لا إِله إِلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأُكبِّرُه تَكبيرًا. [قوله] (١): «الحمد لله»: لمَّا افتَتَح بالبسملة افتتاحًا حقيقيًّا، افتتح بالحَمْدَلة افتتاحًا إضافيًّا، وهو ما يُقَدَّم على الشروع في المقصود بالذات؛ جمعًا بين حديثَي البسملة والحمد لله. [و] (٢) الحمد لغةً هو: الثناء على الفعل الجميل الاختياريِّ على جهة [التفخيم] (٣) و [التبجيل] (٤) والتعظيم، سواءٌ أكان في مقابَلة نِعْمةٍ أم لا. [و] (٥) اصطلاحًا: فِعلٌ يُنْبئ عن تعظيم المنعِم بسبب كونه منعِمًا، سواءٌ كان ذلك الفعلُ اعتقادًا بالجَنان، أو قولًا باللسان، أو عملًا بالأركان، وهل الأداة (٦) فيه للاستغراق، أو للجنس، أو للعَهد؟ أقوال مبسوطة في المُطَوَّلات (٧). [و] (٨) ذُكر معه الاسم الكريم الجامع لمعاني الأسماء والصفات؛ إذ يُضاف إليه

стр. 50

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . غيرُه، ولا يضاف إلى غيرِه، فيُقال: الرحمن -مثلًا- اسم الله، ولا يُقال: الله اسم الرحمن؛ إشارة لاستحقاقه -تعالى- الحمدَ لذاته ولصفاته. قولُه: «الذي لم يَزَلْ عالِمًا»: أي: بجميع الكليَّات والجزئيَّات؛ وذلك لأنَّ ما احتوى عليه العالَمُ من دقائق الصُّنع وعجائبِ الأسرار التي تَعْجِزُ العقول عن الإحاطة بمادَّتها يستحيل صدورُها عن الجاهل بها (أ/٢) على سبيل الاتِّفاق. وقال ابن عربي (١):

стр. 51

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . «لا يَشكُّ مؤمنٌ ولا غيرُ مؤمن في كمال عِلمِ الله تعالى، حتى الذين قالوا: «إنَّ عِلمه لا يتعلق بالجزئيَّات»، فإنهم لم يريدوا نفيَ العلم بها عنه تعالى، وإنما قصدوا بذلك أنَّ الحق تعالى لا يتجدد له علمٌ نفْسي، بل علمه بالجزئيَّات مُندرِجٌ في علمه بالكليَّات، لا يَحتاج علمُه بها إلى تفصيل كما هو شأن الخلْق، وأثبتوا له تعالى العلمَ بها، مع كونهم غيرَ مؤمنين، وقصدوا تنزيهَه في ذلك وأخطؤوا في [التعبير] (١)» انتهى. (٢) وفي كتابة أخرى (٣): اعلمْ أنَّ تعلُّق علمِه -تعالى- بالكليات وجزئياتِها واحدة [لا] (٤) يختلف بخلاف تعلُّقِ علمِنا بهما، وحينئذٍ فمرادُ مَن قال: «[الله] (٥) لا يعلم الجزئيات»، أنَّه لا يعلمها على وجهٍ موافِق لعِلمنا، بل في ضِمن الكليات؛ فلا إشكال. (٦)

стр. 52

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قوله: «قديرًا»: أي: ذا قدرة تامَّة، وهي صفةٌ تؤثِّر في [المقدور] (١) عند تعلُّقها به، والمراد بالمقدور: الممكن؛ فالمستحيل والواجب كلٌّ منهما لا تتعلق به القُدرةُ، لا لقصورٍ وعجْز فيها، بل لعدم قابليَّتِها لها؛ فلم يَصلُحا محِلًّا لتعلُّقها بهما (٢). وعدَلَ عن: «قادر» إلى «قدير»؛ للسجع، ولا يقال: لقصد التنبيه على تمام القدرة؛ لئلَّا يَرِدَ عليه أنَّه ينبغي إبدال: «عالمًا» بـ «عليم». وقوله: «الذي ... إلخ» (٣): نعْتٌ لله، ولا يخفاك أنَّ هذا النعتَ يصحُّ أن يكون محمودًا به ومحمودًا عليه؛ إذ هُما في بعض المواضع قد يتَّحِدان ذاتًا، ويختلفان اعتبارًا، كما قالوا في حمْدِنا له تعالى على ذاته وعلى صفاته الذاتيَّة.

стр. 53

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . تنبيه (١): ليس في ذِكر هذه الأسماء براعةُ استهلال (٢)، ولا يضرُّ ذلك في بلاغة المؤلف؛ لقصده بذلك التنبيهَ على جواز ترك الأَولى؛ لئلَّا يَتوهَّمَ القاصِرُ لزومَه [بلاغةً] (٣)، أو لأنَّه يَرى [كراهة] (٤) السجع المتكلَّف. وبراعةُ الاستهلال: عبارة عن أن يأتيَ المتكلِّمُ في مَطلَع كلامه بما يشير إلى مجامعِ المؤلَّف فيه؛ كقول البعض: الحمد لله الذي علَّمنا من تأويل الأحاديث، ونحو ذلك. [قوله] (٥): «حيًّا»: أي: ذا حياةٍ أزليَّة، أي: صفةٍ أزليَّة تُوجِب صحةَ قيامِ العِلم والقدرة وغيرِهما، ممَّا يَتوقَّف عليهما ممن قامتْ به. [قوله] (٦): «قيُّومًا»: أي: قائمًا بالموجودات في ذاتها وصفاتها وتدبيرها وحِفظِها ورزقها قيامًا مستمرًّا. وقيل: القيُّوم: القائم بنفسه، المُقيم لغيره (٧). ووجه (هـ/٢) المبالغة على الوجهين زيادة الكَمِّ والكَيف في المتعلَّقات.

стр. 54

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي المصباح: «وهذا قَوَامه -بالفتح والكسر-، وتُقلب الواوُ ياءً جوازًا مع الكسر، أي: [عِماده] (١) الذي يقوم به، ومنهم مَن يقتصر على الكسر، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٤]، والقِوام -بالكسر-: ما يُقيم الإنسانَ من القُوت، وبالفتح: العدل والاعتدال، قال تعالى: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]، أي: عَدْلًا، وهو حسَن» (٢). [قوله] (٣): «سميعًا بصيرًا»: أي: لكل موجود مما يُسمَعُ ويُبصَر. وأجمع العلماء قاطِبةً من المتكلمين والحكماء وغيرِهم على كونه تعالى عالمًا قديرًا، وهذا في جميع الصفات، لكنهم يختلفون في كون الصفات: عينَ الذات، أو غيرَ الذات، أو لا عينٌ ولا غيرُ. ومذهب أهلِ السُّنة: أنها زائدة على الذات. قالوا: وقول المعتزلة: «إنَّ في هذا استكمالًا بالغير، وتكثيرًا للقدماء» ممنوع؛ لأنها لا عينٌ ولا غيرُ، والكفر إنَّما يَلزَم مَنْ دلَّ مَقالُه على تعدُّد الذات القديمة كما لزِم النصارى، لا مَن دلَّ مقالُه على تعدُّد الصفات، أي: لأنَّ قِدَمَها إنما هو تابعٌ لِقِدَم الذات (٤). [قوله] (٥): «وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ»: أي: أَعلَمُ [وأتيقن] (٦).

стр. 55

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قوله: «وَحْدَه»: حالٌ لتأكيد توحيد الذات. قوله: «لا شَريكَ له»: توكيدٌ لتوحيد الصِّفات، وهو ردٌّ على المعتزلة. ثم زاد مقامَ الخَطابةِ بالثَّناء عليه بالكبرياء بقوله: «وأُكَبِّرُه تكبيرًا» (١): أي: أُعظِّمُه تعظيمًا، وأَتى به؛ امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١]، وأَتى بالتشهُّد لحديث أبي داودَ وغيرِه: «كُلُّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَشَهُّدٌ فَهِيَ كَالْيَدِ الْجَذْمَاءِ» (٢)، أي: المقطوعةِ البَرَكة، وعطَفَ الجملة الفعليةَ على الاسميَّة محافظةً على الصيغة المتعبَّدِ بها في الحمد والتشهد في الصلاة والذكرِ خارجَها في الخطب وغيرها، وجهةُ الوصل بينهما أنَّ كلًّا منهما إنشائية، وذِكْرُ الله وكذا قوله: «صَلَّى اللهُ» جملة فعلية إنشائية، وَرَدَ بهذه الصيغة آخر القُنوت في رواية النَّسائي (٣). وفي كتابة أخرى (٤): لا شَكَّ أنَّ القصد [بقوله: «وأشهد ... إلخ»] (٥) الإخبارُ عمَّا انطوى عليه الاعتقاد، وجَزَم به القلبُ [حينئذٍ] (٦) مع الإذعان، فإنْ كانت جملةُ الحمدِ إنشائيةً فالواو [للاستئناف] (٧)، وإلا فهي للعطف.

стр. 56

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وتَخالُفُ الجملتين في الاسمية والفعلية خِلافُ الأَولى (أ/٢) فقط، على أنَّ عطفَ الخبر على الإنشاء وعكسَه فيه خلافٌ؛ منعَه البيانيُّون وبعضُ النحْويين، وأجازه بعضُهم بتفصيلٍ ودونِه. (هـ) (١). قوله: «وحدَه»: حالٌ من «الله»، مؤكِّدة لمضمون انحصار الألوهيَّة فيه تعالى، وهو مِن الألفاظ المعرَّفةِ لفظًا المنكَّرةِ [معنًى] (٢)؛ فلذا لم تَمنع إضافَتها لمعرفةٍ حاليَّتُها (٣). وقوله: «لا شريكَ له»: تفسيرٌ لمعنى الوَحدة، ومدلولُه نفيُ الشريكِ مُطلقًا، ويمكِنُ على بُعْدٍ جعلُ أحدِهما للتوحيد بالذات، والأخرى للتوحيد بالأفعال (٤). وقوله: «وأكبِّره تَكْبِيرًا»: أي: وأُعظِّم اللهَ تعظيمًا، عطفٌ على «أَشهد»؛ قُصِد به الامتثالُ لقوله تعالى: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١]. وأَسْقَطَ الشهادة مِن المَتْن حملًا لحديث: «كلُّ خطبةٍ ليس فيها شهادةٌ فهي كاليَدِ الجَذْمَاء» (٥)، على خُطبة الجمعة، وذَكَرها في الشرح لاحتمال إبقائه على عمومه (٦).

стр. 57

وصلَّى اللهُ عَلى سَيدِنا مُحَمَّدٍ الذي أَرْسَلَهُ إِلى النَّاسِ كافةً بَشيرًا ونَذيرًا، وعلى آلِ محمدٍ، وصَحْبِهِ، وسَلَّمَ تَسْليمًا كثيرًا. [قوله] (١): «على سيِّدِنا محمَّدٍ»: السيد: المُتولِّي للسَّواد، أي: الجماعةِ الكثيرة، ويُنسَبُ إلى ذلك؛ فيُقال: سيِّدُ القوم، ولا يُقال: سيِّد الثوب، وسيِّد الفرَس، ولمَّا كان من شرط مُتَولِّي الجماعة الكثيرةِ أنْ يكون زكيَّ النفْس، مُطَهَّرَ الطَّبْع، قيل لكلِّ مَنْ كان فاضلًا في نفْسه. (هـ/٥) و «محمَّد»: بدَلٌ من «سَيِّدنا»، لا يُقال: جَعْلُه بدلًا يقتضي أنْ يكون إثباتُ السِّيادةِ له ﵊ غيرَ مقصود أصلًا، مع أنه ليس كذلك؛ لأنَّا نقول: المراد بكون المُبدَلِ منه في نيَّة الطرح (٢) أنه غير مقصود بالذات، بل ذُكر توطئةً للبدل، وتمهيدًا له، وهو هنا كذلك؛ إذِ المقصود بالذات الصلاةُ على محمد، ويجوز أنْ يكون عطفَ بَيان، جيء به للمدح؛ نظرًا إلى أنَّ إثباتَ السيادة له ﵊ بالصراحة مقصودٌ. قوله: «الذي أَرسلَه للناسِ كافَّةً»: بمعنى الجماعةِ، والناس: يعُمُّ الإنسَ وغيرَهم ممَّا يتحرك، بِناءً على أنَّه مِن ناسَ يَنُوسُ، إذا تحرَّك، وأصل النَّاس: أُناس -بضم الهمزة- حُذفت، وعُوِّض عنها حرفُ التعريف؛ ولذلك لا يكاد يُجمَع بينهما، وهو اسمُ جمع [إذ] (٣) لم يَثبُتْ فُعَال في أبنية الجمع، مأخوذ من: أنِسَ؛ لأنهم يستأنسون بأمثالهم، أو

стр. 58

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [مِن] (١): آنَسَ، ولكونِهم ظاهرين مُبصَرين سُمُّوا بشرًا، كما سُمِّي الجنُّ جِنًّا لاجتنانِهم، أي: استتارِهم، كما في البَيْضاوي (٢). فقوله: «وهو» أي: أُناس، اسم جمع، وقوله: «مأخوذ مِن أنِسَ» -بكسر النون- يُقال: أَنِسْتُ به أُنْسًا وأَنِيسةً وأَنَسَةً، وهو خلاف الوَحْشَة، وفيه لغةٌ وهي: أَنَسْتُ به أُنْسًا، على مثال: كَفَرْتُ به كُفرًا. وقوله: «أو آنَسَ» -بمدِّ الهمزة- بمعنى أَبْصرَ، يقال: آنَسَ يُؤانِسُ إيناسًا، سُمِّيَ بنو آدم ناسًا؛ لأنهم ظاهِرون مُبصَرون (٣). قوله: «الَّذي أرسَلَه»: نعتٌ لمحمد، واقتصارُه على الناس مع كونِه مفهوم لقب ليس للتَّخصيص، بل للاهتمام بشرف المُرسَل إليهم، مع الاتِّفاق في الجنسية، أو يُجعل مِن النَّوْسِ وهو التحرُّك فيَعُمُّ الجن، وإلا فلا خلاف في عموم الرسالة إلى الإنس والجن، والأكثر على عدم بَعثتِه إلى الملائكة. وقوله: «كافَّةً»: قال ابن برهان: «إنَّ كافَّة لا تُستعمَلُ إلا حالًا»، (٤) والظاهر أنَّه حال من الناس، ويجوز -على بُعْدٍ- جَعلُه حالًا من محمد، والتاء فيه للمبالغة لا للتأنيث

стр. 59

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . على ما جوَّزه الزَّجَّاج، وردَّه ابنُ مالك بأنَّ إلحاقَ التاء للمبالغة مقصورٌ على السماع، ولا يتأتَّى غالبًا إلَّا في أبنية المبالغة كعلَّامة، وكافَّة بخلاف ذلك. [قوله] (١): «بشيرًا ونذيرًا»: قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأنعام: ٤٨]، أي: مبشِّرينَ للمؤمنين ومنذِرينَ للكافرين، ويمكن أن يقال: البِشارةُ للفريقين، أمَّا المؤمنين فظاهر، وأمَّا الكفارُ فبتقدير أنْ يؤمنوا، وأمَّا جَريان النِّذارة فيهما فأمْرٌ مكشوف. فإن قلتَ: ما هذا الحصر مع أنَّ أحوال النُّبوَّة والرسالة لا تنحصر فيهما؟ قلتُ: أجاب المفسِّرون بأنَّه حصر إضافيٌّ، أي: لا [ليقترح] (٢) عليهم، وتُطلَب منهم الأمور [وتنتهي] (٣) بهم. وفي قوله: «بشيرًا ونذيرًا» من أنواع البديع: الطِّبَاقُ، وهو الإتيان بلفظين متقابلين في الجملة، وقدَّم الوصف بالبِشارة على النِّذارة؛ إشارةً إلى سَبْق الرحمة للغضب (٤). [قوله] (٥): «وعلى آلِه»: المراد بهم في هذا المقام أتباعُه؛ فذِكْرُ الصَّحْب بعدَهم مِن عطف العامِّ على الخاصِّ، والصَّحْب: اسم جمْعٍ لصاحب بمعنى الصَّحابيِّ.

стр. 60

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وهو لغةً: مِن صَحِب غيرَه، أي: رآه وجالسَه، ويُطلَق مجازًا على مَن تَمَذْهَبَ بمذهب مِن مذاهب الأئمة؛ فيُقال: أصحاب الشافعيِّ مثلًا. واصطلاحًا: مَنْ لَقِيَ الرسول ﵊ يقظةً بعد النبوة وقبل وفاته، مسلِمًا ومات على ذلك؛ فيخرج مَن رآه بيْن الموت والدفن كأبي ذئب (١). [قوله] (٢): «وَسَلَّمَ تسليمًا كثيرًا»: (أ/٣) أَتى بالصلاة والسلام معًا؛ خروجًا مِن كراهة إفراد أحدِهما عن الآخر على ما فيه. وقوله: «وسلَّمَ»: بصيغة الماضي، عطفٌ على «صلَّى» (هـ/٦) بمعنى: طَلَبَ [باب] (٣) السلامةَ من الآفات والنقائص، أو التحية والتعظيم، وهذا أَولى. ولم يؤكِّد الصلاة وأكَّد السلام؛ تبَعًا للآية الشريفة. وعقَّب التسليمَ بـ «كثيرًا» ولم يفعل مثلَه مع الصلاة؛ لذِكرِها قبل ذِكر المشارك له ﵊ فيها، بخلاف السلام؛ لتأخُّره عن ذِكر المشارك المتعدِّد المناسب له طلبُ الكثرة مِن التسليم بحسَب الكثرة، فليتأمل.

стр. 61

أَمَّا بَعْدُ: فإِنَّ التَّصانيفَ في اصْطِلاحِ أَهلِ الحَديثِ قَدْ كَثُرَتْ للأئمةِ في القديمِ والحَديثِ: فَمِن أَوَّلِ مَن صَنَّفَ في ذَلكَ: القَاضي أَبو مُحمَّدٍ الرَّامَهُرْمُزِيُّ في كتابِهِ: «المُحدِّث الفَاصل»، لَكنَّه لَمْ يَسْتَوْعِبْ. [قوله] (١): «أمَّا بَعدُ»: «أمَّا» حرف فيه معنى الشرط، بدليل لزوم الفاء لجوابه غالبًا، نحو: أمَّا زيد فمُنطلقٌ. و «بَعدُ» ظرف مكان مقطوعٌ عن الإضافة لفظًا لا معنًى؛ ولذا بُني على الضمِّ، أي: بعد البَسملة والحمدلة والصلاة على رسوله، وتُستعمل في الخُطب والكلام الفصيح؛ لقَطْعِ ما قبلها عمَّا بعدها، وفي أول مَن نطق بها اختلافٌ (٢)، وتُستعمل مع «أمَّا» كما هنا؛ فدخول الفاء بعدها مع «أمَّا» واضح لِما تضمَّنته «أمَّا» مِن معنى الشرط، ومع عدمها [فإمَّا] (٣) على توهُّم «أمَّا» والواو استئنافية؛ وعليه فالعامل في «بعد» الفعلُ المقدَّر، أي: بعد كذا وكذا فأقولُ. أو على تقدير «أمَّا» في نَظْم الكلام، والواو عِوضٌ منها أو دون تعويض؛ وعليه فعامل «بَعد»: «أمَّا» المحذوفة؛ لنيابتها عن فعل الشرط، أو فعل الشرط نفسه المقدَّر بـ: مهما يكنْ من شيء بعد البسملة والحمدلة والصلاة على النبيِّ فإنَّ ... إلخ.

стр. 62

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي عبارة: أصل «أمَّا بَعدُ»: مهما يكن مِن شيء بعدَ الحمد والصلاة والسلام على مَن ذُكِر فإنَّ ... إلخ. فـ «مَهْمَا» مبتدأ، ومعناه: ما لا يَعقِل غير الزمان مع تضمُّن معنى الشرط، وخبره: فعلُ الشرط، أو الجواب، أو مجموعهما على الخلاف في ذلك، و «يكن» تامَّة، بمعنى: يوجد، وفاعلُه ضميرٌ يعود على «مهما»، و «مِن شيء» بيان له، وفائدةُ هذا البيان: عمومٌ مهما، وأَنَّه ليس عبارةً عن خصوص زمان أو مكان أو غيرِهما. وقيل: «مِن» زائدة، و «شيء» فاعل «يكن»، ورُدَّ بلزوم خُلُوِّ خبرِ المبتدأ مِن عائد، ثم حُذف «مهما» و «يكن»، وأُقيمت «أمَّا» مقامَها تخفيفًا، وفائدتها: الاختصار، واستدرار إصغاء السامع، وتفصيل المجمَل الواقع في ذهنه، وحين وقعت موقعَ اسمٍ هو المبتدأ، وفعلٍ هو الشرط، وتضمنت معناهما؛ أُلزِمت لُصوقَ الاسم والفاء، وعَمِلت في الظرف؛ قضاءً لحق ما كان، وإبقاءً له بقدر الإمكان، والمراد مِن بيان أصل «بعد» المعدولة عنه تعليقُ هذا المؤلَّف على وجود شيء في الكون مِن حمدٍ وغيرِه وجوده محقَّق، فوجود هذا المؤلَّف محقَّق. [قوله] (١): «فإنَّ التَّصانيفَ في اصطِلاحِ أهلِ الحديثِ قد كَثُرتْ»: «التَّصانيف» جمْعُ تصنيف، بمعنى المُصنَّف -بفتح النون-؛ بدليل الجمع هنا وفيما [يأتي] (٢)؛ فالمراد: المصنَّفات، أي: المجعولُ كلُّ واحدٍ منها أصنافًا، جمع «صِنف»، وهو المقول على كثيرين متفقين بالحقيقة وبعضِ الأعراض؛ فهو أَخَصُّ مِن «النوع» المقول على كثيرين متفقين بالحقيقة مطلقًا، ومِن «الجنس» المقول على كثيرين مختلفين بالحقيقة.

стр. 63

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والتصنيف والتأليف واحد في المعنى، مُختلِفان في اللفظ كسائر المترادفات. وقيل: مختلفان؛ فالتصنيف: اختراع عِلم واصطلاح مِن عند نفْسه، والتأليف: جمع كلامِ الغَير. والاصطلاح: هو مصدر اصطلح على كذا، فهو من باب الافتِعال؛ أُبدِلت تاؤه طاءً؛ لتعسُّر النطق بها بعد حرف الصفير، وهو بمعنى المفعول كما يأتي تعبيرُ المتن به، أي: المُصطلَح عليه بين أهل الحديث مِن استعمال الألقاب الخاصة في مُسمَّياتها الخاصَّة؛ كالمُرسَل والموقوف، وكالإجازة والسَّماع، وكالآحاد والمُتواتر، وكالجَرْح والتعديل، مُستَعمَلات في معانٍ عرفيَّة خاصَّة تنصرف إليها بيْنهم عند الإطلاق، وهذا معنى قول القائل: «الاصطلاح: اتِّفاق قومٍ على تسمية الشيء باسمٍ نُقل عن موضوعه الأول»، ثم المراد أنَّ الكتُب المذكورةَ اشتملت على الاصطلاح لا أنَّها قُصِرتْ عليه؛ لاشتمالها على أحوال الرِّجال والعِلَل، وغيرِ ذلك، ولا يخفى أنَّ «في» هنا مستعارةٌ للدَّلالة بأن شبه الارتباط الذي بين الدالِّ والمدلول بالارتباط الذي بين الظرف والمظروف، ثم استُعملت فيه لفظة «في»، وأشار السَّعْدُ (١) في بعض تعاليقه إلى تقدير مضافٍ بعدها، أي: في بيان علم اصطلاح؛ مبالغةً، كأنَّ البيان عمَّ جميعَه حتى صار ظرفًا للتصانيف. وفي كتابة أخرى: «الاصطلاح: اتِّفاق قوم على تسمية الشيء باسم ما يُنقل عن موضوعه الأول»، وليس المراد هنا مجردَ الاصطلاح (أ/٤) المذكور، بل مع المشتَمِل على أحوال الرجال والعِلل، ونحو ذلك مما يصير به الرجل نَقَّادًا كما يأتي،

стр. 64

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ويُطلق على ألفاظ مخصوصةٍ لأهل فنٍّ مِن الفنون العلمية يتداولونها بينهم للدَّلالة على مقاصدهم، وهذا هو اللائق بهذا المحلِّ. [قوله] (١): «للأئمَّة في القديمِ والحديثِ»: الأئمَّة جمْع إمام، مِن أَمَّكَ إذا صار أمامَك، أي: متقدِّمًا عليك بحق أو بباطل، إنسانًا كان أو كتابًا مثلًا، وصفَهم بذلك؛ لتقدُّمِهم على كثير، ووزْنُه: أَفْعِلَة، كأَرْغِفَة، نُقلت حركة الميم إلى الهمزة الثانية قبلها فقُلبت ياءً، وأُدغمت الميم فيما بعدها فقيل: أئمة، وهو شاذٌّ، والقياس قلْبُها ألِفًا؛ لأن الهمزتين إذا الْتَقَتا وثانيتهما ساكنة وجب قلبُها بحرف حركة ما قبلها وهو هنا الألْف؛ فالقياس: آمَّةً، كطامَّة. وقوله: «في القديم والحديث»، كِلاهما [صفة] (٢) للزمن المقدَّر، فالمراد مِن القِدَم معناه اللُّغويُّ، وفيه طِباق، ثم إنَّ الكثرة في مجموع الزمانين؛ فلا يَرِدُ أنها في الزمن الأولِ أكثرُ من الثاني. قوله: «فمِنْ أوَّل مَن صنَّف في ذلك القاضي أبو محمد»: اسمه: الحسَنُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ خَلَّاد (٣). وقوله: «الرَّامَهُرْمُزِيُّ» (٤): نسبة إلى رامَهُرْمُزَ، وهو مِن المركَّب المَزْجي، واعلم أنَّ عند النحاة في النسب إلى المركب المزجي خمسةَ أوجُهٍ:

стр. 65

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الأول: مَقيس اتفاقًا، وهو أن تَنسب إلى صدره، وعليه اقتصر ابن مالك (١)، فيقال في النسب إلى بَعْلَبَكَّ: بَعْليٌّ، وإلى رام هُرْمُزَ: رَامِيٌّ. الثاني: أنْ تَنسب إلى عَجُزِه، فتقول: بَكِّيٌّ، وهُرْمُزِيٌّ، وهذا الوجه أجازه الجَرْمِيُّ (٢)، ولا يُجيزه غيرُه؛ إذْ لم يُسمع النسب إلى العَجُزِ مُقتصَرًا عليه. الثالث: أنْ تنسُب إليهما معًا مواليًا تركيبهما فتقول: بعليٌّ بكيٌّ، و: راميٌّ هُرْمُزيٌّ، وهذا الوجه أجازه قوم (٣). الرابع: أن تنسب إلى مجموع المركب فتقول: بَعْلبَكِّيٌّ ورامَهُرْمُزِيٌّ. الخامس: أنْ تبنيَ مِن جزئَيِ المركَّب اسمًا على وزن فَعْلَلَ -بفتح الفاء وسكون العين وفتح اللَّامينِ- وتنسبَ، فتقول في النسب إلى حضرموت: حَضْرَمِيٌّ، وهذان الوجهان شاذَّان يُقتصر فيهما على ما سُمع. إذا عرَفت هذا؛ فاعرف أنَّ «رامَهُرْمُزَ» كُورةٌ من كُوَر الأهواز من بلاد خُوزَستان (٤)، وأنَّ قياس النسبة إليها رامِيٌّ على المختار؛ لأن المركب إنما يُنسب إلى صدره عليه، وإنْ راعيتَ ما أجازه الجَرميُّ قلت: هُرمُزِيٌّ، وجاءت النسبة هنا إلى الجزئين على النُّدرة والشذوذ (٥).

стр. 66

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي كتابة أخرى: (هـ/٧) الرَّامَهُرْمُزي -بفتح الراء والميم الأولى وضم الهاء والميم الثانية- وأخرى زاي نسبة إلى رامَ هُرمُزَ، كُورةٌ من كُوَر الأهواز من بلاد خُوزَستان -بضم الخاء وسكون الواو وفتح الزاي المعجمة ثم سين مهملة ثم مُثَنَّاة فوق- بلاد بين فارسَ والبصرة، ويقال لها الخُوز، يقال: إنَّ سلمان الفارسيَّ كان منها وقد وَلِيَ قضاءها. [قوله] (١): «في كتابه: المحدِّث الفاصل، لكنَّه لم يَستوعِب»: وإنما لم يحذف «في»؛ للإشارة إلى أنَّ ذلك بعضُ كتابه المذكور، و «المحدِّث» بتشديد الدال المكسورة، و «الفاصل» بالصاد المهملة، سمَّى أبو محمد كتابه: «المحدِّث الفاصل بين الراوي والواعي»، «لكنه لم يَستوعِب» أي: لم يستكمل جميع مسائل أنواع الحديث؛ لكونه أولَ مَن اخترَع ذلك ووضَعه. والاستيعاب: الأخذ للشيء جميعًا، يُقال: وَعَبَ يَعِبُ -كوَعد يَعِدُ- استوفى، و «في كتابه: المحدِّث الفاصل» هذا جزء الاسم، وتمامه: «بين الراوي والواعي»؛ ففيه الاقتصار على جُزء العَلَم، وتردَّد فيه بعض الأكابر، والمأخوذ من فعل العلماء قديمًا وحديثًا جوازُه، ولا يُنافيه قولُ بعض أهل الأصول: «إنَّ العَلَميَّة تحفظ الاسمَ عن التصرُّف فيه»؛ لأنَّ المراد: عن التصرُّف فيه بالمجاز والاستعارة. وضبَط بعضُهم [«الفاصل» بالصاد المهملة] (٢)، وهو المشهور على الألسنة كما هو في كثير من النسخ (٣).

стр. 67

والحَاكِمُ أبو عبدِ اللهِ النَّيْسَابوريُّ، لكنَّه لم يُهَذِّبْ، ولم يُرَتِّبْ. وتَلَاه أَبو نُعَيْم الأَصْبَهانِيُّ، فعَمِلَ على كتابهِ: «مُسْتَخْرَجًا»، وأَبْقَى أَشياءَ للمُتَعَقِّبِ. [قوله] (١): «والحاكمُ أبو عبدِ الله النَّيْسابوريُّ، لكنَّه لم يُهذِّبْ ولم يُرتِّبْ»: هذا عطفٌ على «القاضي»، فهو مِن أول مَن [صنَّف] (٢) أيضًا، وهو: أبو عبدِ اللهِ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ حَمْدَويْه الضَّبِّيُّ، الإمامُ الرحَّال الشافعي، المعروف بابن [البَيِّع] (٣)، أحد الأعلام، ثِقةٌ ثَبْتٌ، كان يسُبُّ معاوية. قال السُّبْكِيُّ: «والإنصاف أنَّه ليس برافضيٍّ كما زعمه ابن الطاهر» (٤). «لكنَّه لم يُهذِّبْ» كتابَه الذي ألَّفه في أنواع علوم الحديث، «ولم يُرتِّبْ» أبوابَه. والتهذيب: التصفية والتخليص، وهذَّبه أي: نقَّاه وأخلصه، بل ذكر فيه أشياءَ مُستغنًى عنها، وأمورًا متداخِلَة مختلطة المسائل، وتهذيب الذهب: تصفيتُه وتخليصه. والترتيب: وضعُ كلِّ شيء في مرتبته، والضمير لكل، ومقابلة الجمع بالجمع تقتضي انقسامَ الآحاد على الآحاد فلا فساد؛ إذ المعنى وضعُ كل فردٍ (أ/٥) في مرتبته اللائقة به دون غيرها (٥). وفي كتابة: الحاكم: هو مَن أحاط بجميع الأحاديث متنًا وإسنادًا، أو جَرْحًا وتعديلًا وتاريخًا، ويليهِ الحُجَّة: وهو مَن أحاط بثلاث مئةِ ألْفِ حديث، ويليه الحافظ: وهو مَن أحاط بمئة ألف حديث. والحاكم هذا هو المستَدرِك على الصحيحين،

стр. 68

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وأما الحاكم [أبو أحمد] (١) فمتقدِّمٌ عليه، والنَّيْسابوري: بفتح النون وسكون المثنَّاة التحتية فمُهملة فألف ليِّنة وضم الباء الموحدة، نسبة إلى «نَيْسابور»، أحسن مُدن خراسان وأجمعها للخيرات، سُمِّيَت بذلك؛ لأنَّ «سابُورَ ذا الأكتاف» أحدَ ملوكِ الفرس المتأخرة لَما رأى أرضها قال: «يَصلُحُ أنْ تكون هنا مدينةٌ»، وكانت قصبًا فأمر بقطعه، وأنْ تُبنى مدينة، فقيل: «نَيْسابور». واحترز عما شاركه في الشهرة بـ: «الحاكم» كأبي أحمدَ محمدِ بن محمد بن محمد بن أحمد محدِّث خراسانَ، وهو نَيْسابوري أيضًا، مُتقدِّم على أبي عبد الله (٢). [قوله] (٣): «وتَلاه أبو نُعيم الأصبَهانيُّ، فعَمِل على كتابه مُستخرَجًا، وأبقى أشياء للمتعقِّب»: أي: جاء بعده الحافظُ «أبو نُعَيم» بضم النون وفتح العين، مُصغَّر: نَعِيم، ضد: العَذاب، وهو: (هـ/٨) أحمد بن عبد الله بن أحمد الصوفيُّ، الفقيه الشافعيُّ الحافظ، أخذ عن الطَبَرانيِّ وغيرِه (٤)، «الأصبَهانيُّ» نسبة إلى «أصبهان»، بلد معروف، هي أشهر بلدة بالجبال (٥). فيه: [الفاء والباء] (٦)، وفتح الهمزة وكسرها، ممنوع من الصرف؛ للعلمية وزيادة الألف والنون (٧).

стр. 69

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فعمِل على كتاب الحاكم المسمَّى بـ «علوم الحديث»: «مستخرَجًا»، وجمع شيئًا كثيرًا بالنسبة لمَنْ تقدَّمَه، ولكنَّه «أبقى شيئًا للمتعقِّب»؛ لكونه لم يستوعِب، والمراد: أنَّه فاتَه جمْعُ أشياءَ يُتعقَّبُ ويُعترَض باستدراكها عليه ممَّن يريد الاستيعاب. وقوله: «أَبقَى» عطفٌ على «عَمِل». وفي كتابة أخرى: «الأصبَهانيُّ» بفتح الهمزة وكسرها، وبفتح الباء، ويُقال بالفاء، قاله بعضُهم، وبعبارة: بكسر الهمزة وفتحِها، وبالباء وبالفاء، وكلٌّ منهما في [لسان] (١) الفُرْس، كما في الكِرْمانيِّ (٢)، وهو الإمام الحافظ الكبير: أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاقَ، المحدِّث الجليل الصوفيُّ، صاحب «حِلْية الأولياء» وغيرِها من التآليف البديعة. وأما الخطيب أبو بكر فهو: أحمد بن عليِّ بن ثابت، حافظ المشرق، عَصْرِيُّ [ابنِ عبد البر] (٣) حافظ المغرب. وقوله: «مُستخرَجًا»: بصيغة اسم مفعول. مفعول: «عَمِل»، وفاعله: «أبو نُعَيم»، وهو مشتَقٌّ مِن الاستخراج، وهو: إيراد المحدِّث أحاديثَ كتابٍ من الكتب بأسانيدَ لنَفْسه، مِن غير طريق ذلك الكتاب إلى أنْ يَلتقي مع صاحب ذلك الكتابِ في شيخه أو في مَن فوقه، بحيث لا يصل إلى شيخٍ أبعدَ مع وجود سَنَدٍ يوصِّله إلى الأقرب إلا لغرض؛ مِن: علُوٍّ، أو زيادة حُكم، أو نحوِه، وإلا فلا يُسمَّى مُستخرَجًا.

стр. 70

ثمَّ جَاءَ بَعْدَهم الخَطيبُ أبو بَكْرٍ البَغْدَاديُّ، فَصنَّفَ في قَوَانينِ الرِّوايَةِ كتابًا سَمَّاه: «الكفايةَ»، وفي آدَابِهَا كتابًا سَمَّاه: «الجَامعَ لآدابِ الشَّيْخِ والسَّامِعِ». وَقَلَّ فَنٌّ مِن فُنُونِ الحَدِيثِ إِلَّا وقَدْ صَنَّفَ فيهِ كتابًا مُفْرَدًا، فكانَ كَمَا قَالَ الحَافظُ أبو بكرِ بنُ نُقْطَةَ: «كلُّ مَنْ أَنْصَفَ، عَلِمَ أَنَّ المحَدِّثينَ بعدَ الخَطيبِ عِيالٌ على كُتُبِهِ». ثمَّ جاءَ بعدَهُم بَعضُ مَن تَأَخَّرَ عنِ الخطيبِ، فأَخَذَ مِن هذا العلمِ بنَصيبٍ: فجمَع القاضي عِياضٌ كتابًا لطيفًا سمَّاهُ: «الإِلْماع». [قوله] (١): «ثم جاء بعدَهم الخطيبُ أبو بكر البَغداديُّ فصنَّف في قوانين الرواية كتابًا سماه: الكِفاية»: أي: ثم جاء بعد جميعِهم الحافظُ الخطيب أبو بكر أحمد بن عليِّ بن ثابت البغداديُّ الفقيه [الشافعي] (٢)، فصنَّف في قواعد الرواية كتابًا سماه: «الكفاية في قوانين الرواية». «وفي آدابها كتابًا» آخَرَ «سماه: الجامع لآداب الشيخ والسامع» أي: سماه بمجموع الموصوف والصفة، «وقَلَّ فنٌّ» أي: نوع [إلا تفرع] (٣)، «من فُنون الحديث إلَّا وقد صنَّف فيه كتابًا مفردًا» حتى زادت تصانيفه على الخمسين؛ «فكان كما قال الحافظ أبو بكر بن نُقْطة:» بضم النون وسكون القاف، «كلُّ مَن أَنصَفَ» من الإنصاف، وهو: «العدل في القول والفعل»، «عَلِمَ» أي: اعتقَد اعتقادًا جازمًا مطابقًا، «أنَّ المُحَدِّثين» الذين وُجدوا، «بَعدَ الخطيب عِيَالٌ على كُتبه» أي: محتاجون لمن يعطيهم كفايتهم ويقوم بهم في هذا الشأن، وقد كفاهم مُؤنَةَ ذلك؛ حيث لم يَحتاجوا مع وجود كُتبه إلى غيرها، وعالَ اليتيمَ: إذا قام بكفايته.

стр. 71

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فقوله: «في قوانين» جمع قانون، وهو الأصل والقاعدة: ألفاظٌ مترادفة، معناها: «قضيةٌ كليَّة يُتعرَّف منها أحكامُ جزئياتِ موضوعها»، والكُتُب مِن الكَتْب، وهو الضمُّ والجمع، وعُرِّفَ بـ: «ضم الحروف بَعضها إلى بعضٍ بالخط»، وهو في الأصل: «اسمٌ للصحيفة مع المكتوب فيها». قوله: «وقد صَنَّف ... إلخ»: جملة حاليَّة مستثناةٌ مِنْ أعمِّ الأحوال استثناءً [مفرغًا] (١)؛ [لمجيء] (٢)، قَلَّ وقَلَّما وأقلَّ بمعنى النفي، كأنه قيل: لا يوجد فنٌّ متلبِّسًا بحال ووصف إلا [يوصف] (٣) بكونه صنَّف فيه. وقوله: «فكان كما قال ... إلخ»: يجوز أنْ يكون اسمَ كان ضميرًا عائدًا إلى «الخطيب»، وجملة «كلُّ مَن أَنصَفَ ... إلخ»، خبرها، بتأويل: مقولًا في حقِّه، أو بتقدير مضافين في الاسم والخبر؛ أي: فكان حاله، أي: الخطيب، مضمون كل من أنصف ... إلخ. (أ/٦) وقولُه: «كما قال» حالٌ من قوله: «كلُّ مَن أنصَفَ»، أي: على إرادة لفظه؛ فيكون (هـ/٩) في حكم [المفرد] (٤)، وجعل «ما» موصولة محذوفة العائد، ويجوز أن يكون اسمُها: ضميرَ الشأن، وخبرُها: «كلُّ مَن أنصَفَ ... إلخ». [وقوله] (٥): «كما قال» على ما مرَّ، و «نُقْطَة» اسمُ جاريةٍ [رَبّت] (٦) والد الحافظ أبي بكر؛ فنُسِب إليها، وتقدَّم أنَّه -بضم النون وسكون القاف- عَلَمٌ، كما في القاموس.

стр. 72

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقال ابن عبد الحق في فنِّ الحديث من «شرح النقاية»: «نَقْطة: بفتح النون» (١) انتهى؛ فيُحتمل أنْ يكون [أحدهما] (٢) سهوًا، ويحتمل أنْ يكون لهم «نقطة» بالضم، وآخر بالفتح، لم يقف عليه صاحب القاموس، وهو الأظهر (٣). وقوله: «ثمَّ جاء بعدَهم بعضُ مَن تأخَّر عن الخطيب، فأَخَذَ مِن هذا العِلمِ بنَصيب؛ فجمَعَ القاضي عِياضٌ كتابًا لطيفًا سمَّاهُ: الإِلماع»: أي: ثم جاء بعضُ مَن تأخر في الزمان عن الخطيب، فأخَذَ مِن هذا العلم بحظٍّ «فجمع»، أي: ضَمَّ ما شأنُه الافتراقُ والتنافُرُ بتقريب بعضِه من بعض، القاضي عِياضٌ المالكيُّ الإمام المشهور، كتابًا صغيرَ الحجم حسَنَ النَّظمِ، سَمَّاه: «الإِلْمَاع» بكسر الهمزة، أصلُه الإشارة بالثوب للإنذار (٤)، واستعمله القاضي لمطْلَق الإشارة. وقوله: «فجمَعَ القاضي»: هو وما بعده تفصيل المبعَّض المتأخِّرِ عن الخطيب. والقاضي عِياضٌ هو: ابن عمرو بن موسى بن عياض اليَحْصُبيُّ السَّبْتي -بفتح السين المهملة وسكون الموَحَّدة- نسبة إلى «سَبْتة» بلد بالأندلس، الإمام الحافظ الكبير، صاحب التصانيف الشهيرة كـ: «المشارق» و «الإكمال شرح مسلم» و «الشِّفاء»، وكتابه الذي ذكره هنا [كتاب] (٥): «الإلْماع إلى [أصول] (٦) الرواية والسماع».

стр. 73

وأبو حَفْصٍ المَيَانَجِيُّ جُزءًا سمَّاه: «ما لا يَسَعُ المُحَدِّثَ جَهْلُهُ». وأَمثالُ ذَلك مِنَ التَّصانيفِ الَّتي اشْتُهِرَتْ وبُسِطَتْ ليتوفَّرَ عِلْمُها، واخْتُصِرَتْ ليَتيسَّرَ فَهْمُها. [قوله] (١): «وأبو حفصٍ المَيَانَجِيُّ جزءًا سمَّاه: ما لا يَسَعُ المحدِّثَ جَهْلُه، وأمثالُ ذلك من التصانيف التي اشْتُهِرت وبُسِطت؛ ليتَوَفَّرَ علمها، واختُصِرَتْ؛ [ليَتَيَسَّرَ] (٢) فَهمُها»: أي: وجمَعَ «أبو حفص المَيَانَجِيُّ» بمثنَّاة تحتية مخففة وفتح النون وآخره جيم (٣). نسبة إلى «مَيانَجة» بفتح الميم والنون في آخره جيم، بلدة بأَذْرَبِيجانَ (٤). وهو أحدُ الفضلاء المشهورين، والفقهاء الشافعية المتورِّعين، «جُزءًا» لطيفًا -أيضًا-، «سماه: ما لا يَسَع المُحدِّثَ جَهْلُه، وأمثال ذلك من التصانيف التي اشتُهِرت» بين أهل الحديث، «وبُسِطت»؛ ليَكثُرَ العلم المستفاد منها، «واختُصرت؛ [ليَتيَسَّر] (٥) فهمها». وفي كتابة أخرى: «الميَانَجِيُّ» نسبة إلى «مَيانَجة» بلدة بأَذَرْبِيجَان، ولفظ ابن

стр. 74

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الأثير في «اللُّباب» (١): «المأْنَجِيُّ-بفتح الميم وسكون الألف وفتح النون وفي آخره جيم- هذه النسبة إلى موضعين، أحدهما: مَيَانَج، موضع بالشام». قال السمعاني: «ذكره أبو الفضل المقدسي، ولستُ أعرف أيَّ موضع هو؟ نُسِب إليه أبو بكر يوسف بن القاسم المَيَانَجِيُّ، سمِع محمدَ بن عبد الله السَّمَرْقَنْديَّ بالمَيَانَجِ، روى عنه أبو الحسن محمد بن عوف الدمشقيُّ. والثاني: منسوب إلى مَيانَة (٢)، بلدة بأَذْرَبِيجانَ، منها جماعةٌ؛ أحدهم: القاضي أبو الحسن على بن الحسن بن علي المَيَانَجِيُّ، أحدُ الفضلاء المشهورين (٣)، تفقَّه على القاضي أبو الطيب الطبري (٤)، وكان رفيقَ الشيخ أبي إسحاقَ الشِّيرازيِّ، سمِع أبا الحسنِ القَزْوِينيَّ، وأبا محمدٍ الخَلَّالَ، وغيرَهما، وروى عنه: أبو نصر محمد بن محمد بن الحسين الصائغُ، وابنُه [أبو بكر] (٥) محمد بن عليٍّ وغيرهما» (٦). وقوله: «ما لا يَسَعُ المُحدِّثَ جَهْلُه»: يصحُّ أن يكون «المحدِّث» فاعلًا، وأن يكون مفعولًا؛ أمَّا الأوَّل فالمعنى: أنَّه لا يكون «المحدِّثُ» ظرفًا لـ «جَهْلَه»، بل لا بدَّ أن يَضيقَ عن جَهلِه؛ فيكونَ جَهْلُه

стр. 75

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . خارجًا عنه؛ فيكونَ ظرفًا لعِلمِه؛ فيكونَ عِلمُه قائمًا به ووصفًا له، يعني: أنَّ المحدِّثَ لا يَستغني عنه، وإنْ جَهِلَه لم يكُن مُحدِّثًا. (هـ/١٠) وأما الثاني فالمعنى: أنَّ «جَهْلَه» لا يكونُ ظرفًا لـ «المُحدِّث» محيطًا به، بلْ لا بدَّ أن يكون «المحدِّث» خارجًا عن جَهْله؛ فيكونَ ظرفًا لعِلمِه. وقوله: «وأمثالُ»: بالرفع على الابتداء، وتقديرُ الخبر أي: كثيرة، أو بالنصب بتقدير: واذْكُر أمثالَ ذلك، أو بالجرِّ عطفًا على المعنى، كأنَّه قيل: كمُصَّنَف أبي محمد، ومصنَّفِ فلان وفلان، وأمثالِ ذلك. وقوله: «وبُسِطتْ ليَتَوفَّر عِلمُها»: المراد بالبَسْط: الإطْناب، وبالاختصار: الإيجاز، سواء أَخذتَ مِن أكثرَ أم لا، والإيجاز: «أداءُ المقصود بأقلَّ مِن عبارة المُتعارَف». يعني (١): مُتعارَف الأوساط مِن كلامهم في مَجْرى عرفهم في تأدية المعاني، والمراد بالأوساط: الذين ليسوا في غاية البلاغة ولا في غاية الفَهامة والإطناب، إذِ المقصود بأكثرَ مِن عبارة المتعارَف، وكما يطلَق الإيجاز على ما ذُكر يطلَق -أيضًا- على ما يكون أقلَّ مما يقتضيه المَقام بحسَب الظاهر.

стр. 76

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قال السعد (١): «وإنما قلنا بحسَب الظاهر؛ لأنه لو كان أقلَّ مما يقتضيه المقام ظاهرًا وتحقيقًا لم (أ/٧) يكن في شيء مِن البلاغة مثال الإطلاق الثاني: قوله تعالى: [قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا] ﴿مريم: ٤﴾، فإنه إطنابٌ بالنسبة إلى المتعارَف، أعني قولنا: يا ربِّ شِخْتُ، وإيجاز بالنسبة إلى مقتضى المقام ظاهرًا؛ لأنَّه في مقام بيانِ انقراض الشباب وإلمام المَشيب، فينبغي أن يُبسَط فيه الكلامُ غايةَ البَسْط، وأما بالنسبة لتعارف الأوساط فمُساواة، وحينئذ فالإيجاز له عنده معنيان بينهما عموم وجهيٌّ، واختيار صاحب [التلخيص] (٢) -بعد اعتراضه على السكَّاكيِّ- أن يُقال: المقبول مِن طرق التعبير عن المراد تأديةُ أصلِه بلفظٍ مساوٍ، أو بلفظٍ ناقص عنه وافٍ به، أو بلفظٍ زائد عليه لفائدة؛ فالمساواة: أنْ يكون اللفظُ بمقدار أصل المراد، والإيجاز: أنْ يكون ناقصًا عنه وافيًا به، والإطنابُ: أنْ يكون زائدًا عليه لفائدة. ثم الإيجاز ضربان: -إيجاز القصر: وهو ما ليس بحذفٍ. -إيجاز الحذف. فمثال المساواة: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ] ﴿فاطر: ٤٣﴾، ومثال النوع الأول من الإيجاز: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ] ﴿البقرة: ١٧٩﴾.

стр. 77

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وأما النوع الثاني: منه فقد يكون بـ: حذف جملة، أو جزء منها، أو غيرها، نحو: ﴿فَانْفَجَرَتْ] ﴿البقرة: ٦٠﴾، إنْ قدِّر: فضربه بها، ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ] ﴿يوسف: ٨٢﴾، أي: أهلها، و: أَنَا ابنُ جَلَا. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . (١) أي: رَجُلاً جَلا. ومثال الإطناب: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي] ﴿طه: ٢٥﴾، فإنَّ: ﴿اشْرَحْ لِي] ﴿طه: ٢٥﴾ يفيد طلبَ الشرح لشيء [ما] (٢)، و ﴿صَدْرِي] ﴿طه: ٢٥﴾ يُفيد تفسيرَه، إلى غير ذلك مِنْ طرق الإطناب. وحملنا البَسط على الإطناب؛ لأجْل تصريحه في الشرح بعِلَّته، وهي توفُّر العِلم، أي: تكثُّره، مِن: الوَفْر، وهو الكثرة، ومنه: لقد عَلِمَ الأقوامُ لو أنَّ حاتمًا ... أراد ثَراءَ المالِ كانَ له وَفْرُ (٣) وذلك يقتضي تكثيرَ الفائدة؛ إذ التطويل: «أنْ يزيد اللفظُ على أصل المراد لا لفائدةٍ، ولا يكون اللفظُ الزائدُ متعيِّنًا»، نحو: وقدَّدَتِ الأديمَ لِراهِشَيهِ ... وأَلْفَى قولَها كذِبًا ومَيْنا (٤)

стр. 78

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وخرج بقولنا: «ولا يكون الزائد متعينًا» الحشوُ؛ لأنَّه ما ذُكِر مع الزيادة المتعينة. وهو على قسمين: -غيرُ مُفسِد، نحو: وأعلم عِلْمَ اليومِ والأمسِ قَبْلَهُ ... ولكنَّني عن عِلمِ ما في غَدٍ عَمِي (١) إذْ لفظةُ «قَبْلَه» حشوٌ غيرُ مفسِد. -ومفسد، كالنَّدى في قوله: ولا فضْلَ فيها للشَّجاعة والنَّدى ... وصبْرِ الفتى لولا لِقاءُ شَعُوبِ (٢) وضمير «فيها» للدنيا. وحملْنا الاختصارَ على الإيجاز؛ لمساواته له في عُرفهم. والفَهم: قيل: «قوة من شأنها أنْ تُعِدَّ النفْسَ لاكتساب الآراء والمطالب»، والذكاء: «جودة تلك القوة»، (هـ/١١). والذِّهْن: قيل: يُرادف الفهم، والحق: أنَّه تلك القوةُ، والفَهم: استعمالها، ثُمَّ المراد من الفهم هنا الإدراك، لا جودة الذهن المهيِّئة له لاقتناص ما يَرِدُ عليه من المطالب». انتهى (٣). وفي كتابة: ولا بُدَّ مع قوله: «واخْتُصِرَتْ ليتيسَّرَ فَهْمُها» من حذف مضاف، أي: ليَتيسَّر طريقُ فَهمِه، وهو حفظها؛ إذ الحفظ مما يُتيسَّر به الفَهْمُ، وبه يندفع ما أُورد على المؤلف: أنَّ الاختصار ليَتيسَّرَ الحفظُ لا لتَيسيرِ الفَهم.

стр. 79

إِلى أَنْ جاءَ الحافِظُ الفقيهُ تقيُّ الدِّينِ أَبو عَمْرٍو عُثْمانُ بنُ الصَّلاحِ عبدِ الرحمنِ الشَّهْرَزُوريُّ، نزيلُ دمشقَ، فجَمَعَ -لمَّا وَلِيَ تدريسَ الحديثِ بالمدرَسَةِ الأشرفيَّةِ- كتابَه المَشهورَ، فهَذَّبَ فنونَهُ، وأَملاهُ شيئًا بعدَ شيءٍ. [قوله] (١): «إِلى أَنْ جاءَ الحافِظُ الفقيهُ تقيُّ الدِّينِ أَبو عَمْرٍو عُثْمانُ بنُ الصَّلاحِ عبدِ الرحمنِ الشَّهْرُزُوريُّ نَزيلُ دَمشقَ، فجمَعَ - لَمَّا وَلِيَ تدريسَ الحديثِ بالمدرَسةِ الأشرفيَّةِ-، كتابَه المَشهورَ، فهَذَّبَ فنونَهُ، وأَمْلاهُ شَيئًا بَعْدَ شَيءٍ»: هذا غايةٌ لمقدَّر، أي: واستمَّر التأليف على هذين الوجهين المذكورين من البسط والاختصار، «إلى أنْ جاء الحافظُ الفقيه تقيُّ الدين أبو عمرٍو عثمان بن الصَّلاح (٢) عبد الرحمن -نَزيل دِمشقَ- فجمَع كتابه المشهور» أي: الفاشي بين الناس، فأنْقاه وخلَّصه من الشوائب، «وأمْلاه شيئًا بَعْدَ شيءٍ» على حسَب الدروس. والإملاءُ: إلقاء ما يشتمل عليه الضمير إلى اللسان قولًا، وعلى الكتاب رسمًا. قال في الصِّحاح: «وأملَيْتُ الكتابَ أُمْلِيه، وأَمْلَلْتُه أُمْلِلْه، [لغتان] (٣) جاء بهما القرآنُ المجيد» (٤)، قال في المختار: «قلتُ: أراد به قولَه تعالى: ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً] ﴿الفرقان: ٥﴾، وقولَه تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ] ﴿البقرة: ٢٨٢﴾» (٥).

стр. 80

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . واستمْلاه الكتابَ: سأله أن يُمليَه عليه، قاله (ج) (١). وفي كلام المؤلِف تقديمُ اللقب على الكُنية، و «عثمان»: اسمه، و «عبد الرحمن»: بدلٌ من «ابن الصلاح» (٢) وبَيانٌ له، وكان الواجب تأخيرَ اللقب عن الاسم، كما هو القاعدة في اجتماع هذه الأمور مِن جواز تقديم الكنية على الاسم واللقب وتأخيرها عنهما، وامتناع تقديم (أ/٨) اللقب عليه، خلافًا للمؤَرِّخين في جواز تقديمه، [وإياه] (٣) اعتمد هنا؛ والظاهر أنَّ «الصلاح» أصله: صلاح الدين، كما أنَّ الظاهر: أنَّ «الشَّهْرُزُوريّ» نعتٌ لـ: «تقي الدين»، ويحتمل لـ: «عبد الرحمن»، وفي هذه النسبة نظيرُ ما مرَّ، حَرفٌ بِحرفٍ. وفي كتابة أخرى: «ابن الصلاح» هو مُخَفَّف مِن اسم والده صلاح الدين أبي القاسم عبدالرحمن بن عثمان المَوصِليِّ، فقوله: «عبد الرحمن» بالجرِّ عطفُ بيانٍ للصَّلاح، وقوله: «الشَّهْرُزُوريُّ» بفتح المعجمة وسكون الهاء وضم الراء الأولى والزاي وسكون الواو، في آخره راءٌ أخرى، نسبة إلى «شَهرُزورَ»: بلدة بين المَوصِلِ وهَمْدَانَ، بناها: زُور بن الضَّحَّاك؛ فقيل: «شَهرُزور»، معناها: مدينة زُور، كذا في اللباب (٤).

стр. 81

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [وقوله] (١): «نَزيلُ دِمشقَ» في نسخة صحيحة: «قاضي دِمشقَ»، كلاهما صحيح؛ إذ هو كان قاضَيها ونزيلَها، وفي ميم دمشق -بكسر الدال-: الفتح والكسر، وهي تحت الشام. وقوله: «تَدريسَ» تفعيل، أي: فعل الدراسة والدرس، وهو لغةً: القراءةُ بسرعة وقدرةٍ عليها، كأنَّك تَجْعل الشيءَ تقرؤه مذلَّلًا، لأنَّ أصل الدَّرس: الموطئ والتذليل (٢). وأمَّا عُرفًا: إلقاء العِلمِ ولو إقرارًا إلى أهله، لا على طريق الإلزام والتخصيص. ودخل بقولنا: «إقرار» تحَمُّلُ الرواية بقراءة القارئ، كما خرج بـ: «إلقاء العلم» إقراءُ القرآن مُجردًا عن الحكم، وبقولنا: «والتخصيص» الإفتاء؛ وأما إقراءُ القرآن بالقراءات فهو داخل؛ لأنَّ المقصود حينئذ العِلمُ. و «المدرسة» مَفْعَلة؛ اسمٌ للمكان الذي يَكْثُرُ فيه التدريس، كما هو قاعدة بناءِ مَفْعَلَةٍ من المكان الذي يكثُر فيه الشيءٌ. و «الأشرَفيَّةِ»: نسبة إلى السلطان شعبان الأشرَف ﵀؛ لأنَّه أَنشأها بدمشق، ورتَّب (هـ/١٢) جِهاتِها ووظائفَها. و «الفنون»: الأنواع، جمعُ فنٍّ (٣).

стр. 82

فلهذا لمْ يَحْصُلْ ترتيبُهُ على الوضعِ المُتناسِبِ، وَاعْتَنى بتصانيفِ الخَطيبِ المُتفرِّقةِ، فَجمَعَ شَتاتَ مقاصِدِها، وَضمَّ إِلَيْها مِن غَيْرِها نُخَبَ فوائِدِها، فاجتَمَعَ في كتابِهِ ما تفرَّقَ في غيرهِ. [قوله] (١): «فلهذا لمْ يَحْصُلْ ترتيبُه على الوضعِ المُتناسِبِ»: أي: ولأجْلِ الإملاء شيئًا بعد شيءٍ، يعني في أزمنةٍ غيرِ مُتَتالية، وما كان كذلك يَبعُدُ فيه العَهدُ، وتغيبُ فيه رعايةُ التناسُب، وفي هذا تعريضٌ بمختصَر ابنِ الصلاح بأنَّه غير متناسِبِ الوضع يحتاج للتلخيص؛ فلهذا سأَلوه في تلخيصه، فلخَّصه، كما يأتي (٢). [قوله] (٣): «واعتنى بتصانيفِ الخَطيبِ المفرَّقةِ، فجمَعَ شَتاتَ مقاصِدِها (٤)، وضَمَّ إِليها مِن غَيْرِها نُخَبَ فوائِدِها، واجتَمَعَ في كتابِه ما تفرَّقَ في غيرِه»: الاعتناء: الاهتمام بالشيء. وضَمَّ إلى ما اشتَملَت عليه تلك الكتبُ مِن غيرها زُبَدَ فوائدِ تصانيفِ غيرِها، والنُخَبُ جمع نُخْبة، وهي: الشيء المختار، والفوائد: فواعلُ، غيرُ منصرِفةٍ، جمع فائدة، من الفُؤاد؛ لأنها تُعقَل به، وهي لغةً: ما استُفيد من عِلمٍ أو مال؛ «واجتمع في كتابه ما تفرَّق في غيرِه» في الكتب الكبيرة المستكثِرة بحيث لا يوجد في كل كتاب غيرِه إلا بعضُها، وراعَى لفظَ «ما»؛ فأفرد ضمير «تفرق»، وفي «النهاية»: «التفرق والافتراق سواء» (٥)، ومنهم من يجعل

стр. 83

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . التَّفرقة بالأبدان والافتِراقَ في الكلام، يُقال: فرَّقتُ بين الكلامَين فافْتَرقا، وفرَّقتُ بين الرجلين فتفرَّقا، وعبَّر بعضُهم بدلَ الكلام بالمَعاني. و «شَتاتَ» مصدر شَتَّ، وهو مِن إضافة الصفة للموصوف، والمراد: مقاصِدها [المتشتَّتة] (١)، أي: المتفرّقة، وفي هذا [تَعرُّض] (٢) للسبب الذي لأجله اعتَنَى ابن الصلاح بتلخيص كتب الخطيب، ولم يتركها للمستفيدين على حالها، أقحمَه هنا؛ لسكوته عن القدح فيها فيما مرَّ. والـ «نُخَبَ» بوزن الزُّمَر، جمع نُخبة، بمعنى خيار الشيء، مِن: انتخبتُ كذا من كذا، أي: اخترتُه منه. و «الفوائد» مجرور قطعًا؛ لإضافته، جمع فائدة، وهي لغةً: ما استُفيد مِن مالٍ أو عِلم، وعُرفًا: ما يصير به الشيءُ أحسنَ حالًا منه بدونه، وراعى في «غير» معنى الجَمْعية، أو اكتسابه التأنيث من المضاف إليه؛ فأنَّث الضميرَ العائد إليه من فوائده، وإلَّا فالواجبُ تذكيره؛ لأنَّ «غير» اسمٌ لمفردٍ مذكرٍ (٣). وقوله: «ما [تفرق في غيره] (٤)» أي: الفنون المتفرِّقة في غيره (٥).

стр. 84

فلهذا عَكَفَ النَّاسُ عليهِ، وَسَاروا بسَيْرِهِ، فلا يُحْصى كم ناظِمٍ له ومُختَصِرٍ، ومستَدْرِكٍ عليهِ ومُقْتَصِرٍ، ومُعارِضٍ لهُ ومُنْتَصِرٍ! [قوله] (١): «فلذا عَكَفَ النَّاسُ عليهِ، وساروا بسَيْرِه، فلا يُحْصى كَم ناظِمٍ له ومُختَصِر، ومُستَدْرِكٍ عليهِ ومُقْتَصِر، ومُعارِضٍ لهُ ومُنْتَصِر»: أي: فلأجْل اجتماع ما تفرَّق في غير كتاب ابن الصلاح فيه؛ «عَكَف الناسُ عليه» أي: التزَموه على وجه التعظيم له بالانشغال به، والنظر فيه، والاستفادة منه، (٢) وحاذَوْه ونسجوا على مِنْواله في جمع المقاصد دون الترتيب، إذ قدَّم أنه لم يوضع على التناسب فلا يُعَد إلا بضَبْط، ولا يُحاط بكثرةِ مَن نَسَج على مِنواله في (أ/٩) التصنيف نظمًا ونَثرًا مع الاقتصار والانتشار، ويشير بهذا الكلام إلى كثرة جُملة مَنِ اشتغل به نَظمًا لا كثرة كلٍّ مِن الناظمين والمختصِرين ومَن ذُكر منهم. فمِمَّن نظمه: القاضي الخويِّي؛ (٣) بضم الخاء المعجمة وتشديد الياء التحتيَّة مثل ياء
следующие страницы →