← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 320

حاشية الخرشي منتهى الرغبة في حل ألفاظ النخبة

الخرشي = الخراشي

Полный текст (886 стр.). Показаны 185–224 · переход к 190.

стр. 185

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . «جامع الأصول»، ووافقهما على ذلك من الفقهاء: إبراهيم ابن عُلَيَّةَ، والمَيَانَجِيُّ من المحدِّثين، بل زاد أنَّ شرط الشيخين: أنْ يرويَه عن المصطفى اثنان فأكثرُ، ويرويَه عن كلٍّ منهما أربعةٌ، ويرويَه عن كلٍّ منهم أكثر من أربعة! وردَّه المؤلِّف لأنَّه لو قيل له: إنَّه ليس في الصحيحين حديثٌ واحدٌ بهذه الصِّفة لم يَبْعُد، قال شيخ شيخنا الغَيطِيُّ: «والإيماء في كلام الحاكم مِن قوله: «كالشهادة على الشهادة» فإنَّه يقتضي: أنْ يكون الحديثُ رواه اثنان عن اثنين عن الصحابي الذي زال عنه اسمُ الجهالة إلينا، لكنه لم يَشترط أن يرويَه اثنان عن النبيِّ ﵊ كما اشترطه غيرُه» انتهى، وبذلك عُلِم أنَّ اشتراط العدد ليس خاصًّا ببعض المعتزلة، بل عليه جماعةٌ من المحدِّثين وغيرهم؛ فقول المؤلِّف في نُكَته على ابن الصلاح: «إنَّه خاصٌّ ببعض المعتزلة» غيرُ صحيح، فقوله: «الصحيحُ: أن يرويَه ... إلخ» معناه: الحديث الصحيح ذو أنْ يرويه، أو حال الحديث الصحيح، أو شرط الحديث الصحيح: أن يرويَه ... إلخ، ويجوز أنْ يؤوَّلَ المصدرُ باسم المفعول، أي: الحديث الصحيح مَرويُّ الصحابيِّ الزائل عنه اسمُ الجهالة عن رُواته بأنْ يكون مشهورًا بالرواية عمَّن روى عنه (١). [قوله] (٢): «بأَنْ يكونَ لهُ»: أي: لذلك الصحابيِّ لا للحديث «راوِيانِ»، سواءٌ رَوَيَا ذلك الحديثَ عنه أم

стр. 186

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لا، هذا بالنَّظر لكلام الحاكم، وأمَّا بالنَّظر لِمَا فهمه الشارح عنه فالضمير للحديث، وإلَّا لم يبقَ فيه اشتراطُ وصفِ العَزيز في صحة الصحيح، و «باؤه» للسببية متعلقة بـ: «زائل»، وللتصوير، أي: الزائل عنه الجهالة مُصَوَّرٌ بأنْ يكون له راويان. [قوله] (١): «ثمَّ يَتدَاوَلَهُ أَهلُ الحَديثِ إِلى وَقْتِنِا»: أي: «ثم يَتدَاولَه أهل الحديث» الزائل عنهم [اسم] (٢) الجهالة أيضًا كذلك، كما يُرشد له قولُه «كالشَّهادةِ عَلى الشَّهادةِ»؛ إذْ لا بُدَّ فيها من زوال الجهالة بثبوت (هـ/٤٤) العدالة للناقل كالمنقول عنه، وأنْ يَنقل اثنان عن الأصل، وكذا عن كلِّ ناقلٍ عنه، ثم كذلك، وقد مَرَّ أنْ هذا يقتضي ما فهِمه الشارح، وأنَّ مذهبَ الحاكِم ليس كذلك، وقد حرَّرناه بما لا مزيد عليه آنفًا، ونصُّه عند قوله: «الصَّحيحُ أَنْ يَرْوِيَهُ الصَّحابِيُّ ... إلخ». قال (ب): «ليس مرادُ الحاكم أنَّ الراويَيْنِ للحديث، بل لراوي الحديث حتى لا يكون مجهولًا، قال النواوي في مقدمة «شرح مسلم» (٣): قال في «المدخل»: الصحيح من] الحديث] (٤) عَشَرةُ أقسام: خمسة متفق عليها، وخمسة مختلف فيها؛ فالأول من المتفق عليه: اختيار البخاريِّ ومسلمٍ، وهو الدرجة الأولى من الصحيح، وهو ألَّا يَذْكُرا إلا ما رواه صحابيٌّ مشهورٌ

стр. 187

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بالرواية عن النبيِّ] ﷺ (١) له راويان ثقتان فأكثَرُ، ثم يرويه عنه تابعيٌّ مشهورٌ بالرواية عن الصحابيِّ له أيضًا راويان ثقتان فأكثر، ثم يرويه عنه مِن أتباع الأتباع الحافظُ المتقِنُ المشهور. زاد غير النووي: وله رُواةٌ ثقات من الطبقة الرابعة، ثم يكون شيخ البخاريِّ ومسلمٍ متصفًا مشهورًا بالعدالة، ثم رُواته على ذلك الشرط، ثم كذلك. قال الحاكم: الأحاديث المرْوية بهذا الشرط لا يبلغ عددها عشرة آلاف حديث» انتهى. فقوله: ثم يرويه [عنه] (٢) تابعيٌّ، يعني أنَّ الراويين للصحابيِّ مُطلقًا لا للحديث؛ لأنه لو كان للحديث لقال: تابعيَّان أو راويان ونحو ذلك، وكذا ما بعده وهو واضح. وقال النووي في أوائل التوحيد من «شرح مسلم» (٣) في حديث وفاة أبي طالب (أ/٣٦): «إنَّ الشيخين اتفقا عليه من رواية سعيد بن المسيِّب عن أبيه، ونُقل عن الحافظ أنَّه لم يرو عن المسيب ﵁ (٤) إلا ابنه سعيد، قال: وفيه ردٌّ على الحاكم في قوله: «لم يُخَرِّج البخاريُّ ولا مسلمٌ عن أحدٍ لم يَرو عنه إلا واحدٌ»، قال: ولعلَّه أراد من غير الصحابة» انتهى. وحاصلُه: أنَّ مذهبَ الحاكِم أنَّ الصحيح لا بُدَّ من زوال الجهالة عن راويه،

стр. 188

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بأنْ يكون مشهورًا بالرواية عمَّن روى عنه، فإنْ كان صحابيًّا روى عنه ﷺ فلا بُدَّ من شهرته بالرواية عنه ﵊، ويكون له راويان عنه سواءٌ رَوَيَا ذلك الحديثَ أو غيَره، وهكذا فيمن بعده إلى أن يصل إلينا، فما رواه من ليس له إلَّا راوٍ واحدٍ ليس واقعًا في الصحيحين. قال النواوي بعد نقله إثر كلام الحاكم كلامَ الجُبَّائيِّ وقد قال إثره (١): «وسنتكلم عليه بعد حكاية قول الجُبَّائيِّ ما لفظه: وأما قول الحاكم: إنَّ من لم يرو عنه إلَّا راوٍ واحدٌ فليس هو من شرط الشيخين، فمردود غلَّطه الأئمة] فيه] (٢) بإخراجهما حديث المسيِّب بن حَزْن، والد سعيد بن المسيِّب ﵁ في وفاة أبي طالب، ولم يَرو عنه غير ابنِه سعيدٍ، وبإخراج البخاريِّ حديثَ عمرو بن تَغْلِب: «إني لأُعطي الرَّجُلَ والَّذي أَدَعُ أحَبُّ إليَّ» (٣)، ولم يرو عنه غيرُ الحسن، وحديثَ قيس بن أبي حازم عن مِرْدَاسٍ الأَسْلَميِّ: «يَذهَبُ الصالحون ... إلخ» (٤) ولم يَروِ عنه غيرُ قَيسٍ، وبإخراج مسلم حديثَ رافع بن عمرو الغِفاري (٥) ولم يَرو عنه غير عبد الله بن الصامت، وحديث ربيعة بن كعب الأسلمي (٦) ولم يرو عنه غير أبي سلمة، ونظائر في الصحيحين لهذا كثيرةٌ [واقعة] (٧) والله أعلم» انتهى.

стр. 189

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وهو صريحٌ فيما فهِمه المُحَشِّي من كلام الحاكم، وأما ما نقله المُحَشِّي عن النووي من تأويل كلام الحاكم في أوائل التوحيد فهو كما] قاله] (١) ذكره في ترجمة: الدليل على صحة إسلام من حضره الموت ما لم يَشرع في النزع وهو الغرغرة ... إلى آخر الترجمة. وهو تأويل حسنٌ نافٍ للغلط الذي قضى به عليه ابن الصَّلاح وغيره، وتبِعهم العراقيُّ في ألفيَّته، وقد ظهر بهذا [كلِّه (٢) مخالفةُ مذهبِ الحاكِم لظاهر ما فهِمه الشارح عنه، على ما يُشعر به ظاهر قوله: «كالشَّهادةِ على الشَّهادةِ»؛ إذ لا بُدَّ أنْ ينقلها عن الأصل اثنان، فإن احتجنا لنقلٍ ثانٍ فلا بد أنْ يَنقل عن (هـ/٤٥) كل واحدٍ منها اثنان، ثم كذلك، وقد نقل/ المُحَشِّي (٣) عن الشارح (٤) فيما علَّقه على شرح ألفيَّة العراقيِّ له ما يوهم نحو ظاهر كلامه هنا أيضًا، حيث قال (٥): «قال شيخنا -يعني: ابنَ حجر-: وبعضُ أهل الحديث يَشترط العددَ في الرواية، حتى ادعى ابنُ العربي في أوائل «شرح البخاري» أنَّ ذلك شرطُ البخاريِّ، وتعقَّبه ابن رُشَيد في كتابه «ترجمان التراجم»، وحكاه أبو محمد الجُوَيْنيُّ عن أصحاب الحديث، وحكى الحازِميُّ عن الحاكم وهو مِن أجَلِّ علماء الحديث: أنَّ شرط الشيخين العدد، وقال الحافظ أبو حفص المَيَانجي:

стр. 190

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . شرطهما ألَّا يُدخِلا فيه إلا ما صحَّ، وهو ما رواه عن رسول الله ﷺ اثنان فصاعدًا، وما نقله عن كلِّ واحدٍ من الصحابة أربعةٌ من التابعين فأكثر، وأن يكون نَقَلَه عن كلِّ واحدٍ من التابعين أكثرُ من أربعة؛ فقد عُلم بهذا: أنْ اشتراط العدد ليس خاصًّا ببعض المعتزلة» انتهى (١). ثم رأيتُ الغزي كالنووي نقلًا عن البَيْهَقيِّ في رسالته لأبي محمد الجُوَيْنيِّ ما نصُّه: «الذي عندنا من مذهب الإمامين: أنَّهما إنَّما يشترطان أنْ يكون للصحابيِّ الذي يَروي الحديث راويان فأكثر؛ ليَخْرُجَ بذلك عن حدِّ الجهالة، وكذلك مَن دُونه، ثُمَّ إنِ انفرد أحد الراويَينِ عنه بحديث وانفرد الآخر بحديثٍ] آخَر] (٢) قُبِل» انتهى (٣). قال: «ولعلَّ هذا مرادُ الحاكم، ولو سُلِّم فإنَّما يقتضي التزامهما لتخريج ما تعدد راويه من الصحيح لا اشتراط التعدد فيه، وهو ظاهرٌ» انتهى. ولأجْل هذا سيأتي لنا صَرْفُ كلام ابن العربيِّ عن موافقة كلام الحاكم، وأنَّه يَشترط التعدُّد حتى عن النبيِّ ﵊، ويَدُلُّ له جوابُه؛ حيث ضمَّنه الأمرين، أعني: التعدُّدَ عن النبيِّ ﵊، والتعدُّد عن [الراوي] (٤) عنه، وبهذا يسقط الاعتراض الآتي، قاله (هـ) (٥).

стр. 191

وَصَرَّحَ القَاضي أَبُو بَكْرٍ بنُ العَربيِّ في «شَرْحِ البُخَاريِّ» بأَنَّ ذَلكَ شَرْطُ البُخاريِّ، وأَجابَ عَمَّا أُورِدَ عَليهِ مِنْ ذَلكَ بِجَوَابٍ فِيهِ نَظرٌ؛ لأَنَّهُ قَالَ: «فَإِنْ قيلَ: حَديثُ: «الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ» فَرْدٌ، لم يَرْوِهِ عَنْ عُمَرَ إِلَّا عَلْقَمَةُ! (أ/٣٧) [قوله] (١): «أَبو بَكْرٍ بنُ العربيِّ» (٢): بتنوين «بَكْر» وتركه، وهذا ابن العربي باللام، وأمَّا محمد بن عبد الله الحاتميُّ الطائيُّ الصُوفيُّ فابن عربي بدون لام كما في القاموس. [قوله] (٣): «بأَنَّ ذلك»: أي: وجودَ وصْفِ العَزيز في الحديث الصحيح كما أشرنا إليه، وليس اسمُ الإشارة راجعًا لِما شَرَطَه الحاكم؛ لأنَّه غير طريق ابن العربي كما نبَّهْناك عليه آنفًا، ثمَّ ذلك لأصل الكلامين من خارجٍ مع قطع النَّظر عمَّا فهِمه الشارح، أمَّا بالنَّظر لِما فهمه الشارح عنهما فاسمُ الإشارة لِمَا شرطه الحاكم؛ لاتِّحاد كلامهما عنده، كما قاله (هـ) (٤). [قوله] (٥): «شَرْطُ البُخاريِّ»: أي: مشروطه المأخوذ من صَنيعِه وتتبُّع كلامه؛ لأنَّه لم يوجَد عنه تصريحٌ بشرط معيَّن، وإنَّما يُؤخَذ ذلك من معنى [تسمية] (٦) الكتاب، فإنَّه سمَّاه: «الجامع الصحيح

стр. 192

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . المسند المختصر من أمور رسول الله ﵊ وسننِه»، فعرَفنا بقوله: «الجامع» أنَّه لم يختصَّ بصِنف دون صِنف، ولهذا أورَدَ فيه: الأحكام والفضائل والأخبارَ المحْضة عن الأمور الماضية والأمور الآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. وبقوله: «الصحيح» أنَّه ليس فيه ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضعُ قد انتقدَها غيره، وحصل الاعتناء بالجواب عن ذلك في مقدمة «الشرح الكبير»، ويصرح بذلك قولُه: «ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ». [وبقوله] (١): «المسنَد» أنَّ مقصوده الأصليَّ يُخَرِّج الأحاديث التي اتصل إسنادها ببعض الصَّحابة عن النبيِّ ﵊، سواءٌ كانت من قول النبيِّ أو فعله أو تقريره، وأنَّ ما وقع فيه مما يخالف ذلك فإنَّما وقع فيه تبعًا وعَرَضًا، لا أصلًا وقَصْدًا. [قوله] (٢): «وأَجاب»: أي: القاضي أبو بكر بن العربي، «عما أُورِد عليه من ذلك» أمَّا اسمُ الإشارة فعائدٌ إلى البخاريِّ بمعنى الكتاب، وأمَّا ضمير «عليه» فيُحتمل أنَّه راجع إلى ابن العربي، ومعنى «أُورِد عليه» (هـ/٤٦) بالبناء للمفعول، أي: على زَعمه من أنَّ ذلك شرطُ البخاري، ويُحتمل أنَّه راجعٌ إلى الشرط الذي زعمه، ويُحتمل أنَّه عائد على البخاريِّ بمعنى الشخص المُشترِط لِما ذُكِر، والكلُّ صحيح، والمراد: عمَّا أُورِد من الأحاديث التي ذُكرت في الجامع خاليةً عن ذلك الشرط.

стр. 193

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «فيهِ نَظرٌ»: أي: بحث، ولو أبدل قوله: «لأَنَّهُ قال ... إلخ» بـ: لفظُهُ أو نصُّهُ، لكان أظهر؛ إذ لا يظهر لهذا التعليل وجهٌ إلَّا بتكلف، وجعْله تعليلًا لكينونة النَّظر في جوابه يتأكده توجه النظر على جوابه، سواءٌ قال هذا المجموع أو لا، فإنْ قلتَ: النَّظر في الجواب، فما قاله ضَمَّ له السؤال، قلتُ: محافظةً على الظهور والإيضاح من بيان حَيْثيَّةِ ارتباط الجواب به. [قوله] (٢): «فَرْدٌ»: بالرفع خبر: «حديث»، ويجوز إضافة «حديث» لـ: «الأعمال بالنِّيَّات» إضافةً بيانيةً فلا يُنوَّنُ حديث، وقَطْعُه عنها فيُنوَّنُ ويرفع «الأعمالُ بالنِّيَّاتِ» على أنَّه: بدلٌ منه أو بيانٌ. [وقوله] (٣): «لم يَرْوِهِ عَنْ عُمَرَ إِلَّا عَلْقَمَةُ»: نعتٌ مفسِّر] لفرْدٍ] (٤) كاشفٌ عن حقيقته، وفي بعض النسخ: «إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ» والإعراب كما قلناه لا يَختلف.

стр. 194

قالَ: قُلْنا: قَدْ خَطَبَ بِهِ عُمَرُ ﵁ عَلَى المِنْبَرِ بحَضْرةِ الصَّحابَةِ، فلَوْلَا أَنَّهُمْ يَعْرِفونَهُ لأنْكَرُوهُ!»، كَذَا قَالَ. [قوله] (١): «قالَ: قُلْنا»: لا حاجة إلى إعادة «قال»؛ لإغناء «قال» المحكي بها كلامه أولًا عنها، وفي نسخة (ق) (٢) إسقاطه. [وقوله] (٣): «عَلى المِنْبَرِ»: من النَّبرَة وهي الارتفاع، سمِّي بذلك؛ لارتفاعه عن الأرض، أو لارتفاع الخطيب عليه، والمراد: مِنبَرُ المدينة. [قوله] (٤): «بحَضْرةِ الصَّحابَةِ»: أي: بحضور جمعٍ منهم لا جميعهم؛ لانتشارهم في البلدان وأنواع الولايات، ومعنى: «لولا أنَّهم يَعرِفون» لولا أنَّهم كانوا عارفين به قبل سماعه من عُمر، ولولا ذلك لأنكروه. وقوله: «كذا قالَ»: مستغنًى عنه كما مَرَّ. وفي كتابة قوله: «قلنا ... إلخ» لا يُلاقي السؤال؛ لأنَّ حَقَّ الإيراد: تفرد بهِ عَلَقْمة عن عُمر، ولا يَلزم من خطبة عمر به أنْ يكون رواه غيرُ علقمة؛ إذ لا يلزم من السماع الرواية. وقوله: «ولولا ... إلخ» إنَّما يلاقي السؤال أنْ لو كانت جملةُ الإيراد: تفرَّد به عمر عن النبيِّ ﵊، وبتقدير ذلك أيضًا فالتعقُّب المذكور متَّجهٌ.

стр. 195

وتُعُقِّبَ بأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِم سَكَتُوا عَنْهُ أَنْ يَكُونوا سَمِعوهُ مِنْ غَيْرِهِ، وبأَنَّ هَذَا لَو سُلِّمَ في عُمَرَ، مُنِعَ في تَفَرُّدِ عَلْقَمَةَ عنهُ، ثمَّ تَفَرُّدِ مُحَمَّدِ بنِ إِبْراهيمَ بِه عَنْ عَلْقَمَةَ، ثُمَّ تَفَرُّدِ يَحْيَى بنِ سَعيدٍ بهِ عَنْ مُحَمَّدٍ، عَلى مَا هُوَ الصَّحيحُ المَعْرُوفُ عِنْدَ المُحَدِّثينَ. [قوله] (١): «وتُعُقِّبَ»: بضم أوله مبنيًّا للمفعول، وضميره لابن العربي، وضمير «أنَّه» للشأن، والتعقُّب معناه: الاعتراض، والمتعقِّب له: ابن رُشيد في «ترجمان التراجم» كما مَرَّ، قال (ق) (٢): «ظاهر التعقُّب أنَّه على اشتراط التعدُّدِ في الصحابيِّ ومَنْ بعده، وظاهر كلام الحاكم وابن العربي: أنَّه لا يُشترَط التعدُّد في الصحابيِّ، وإنَّما يُشترَط فيمن بَعدَه» انتهى. قلتُ (٣): قد علِمتَ الصواب من كلام الحاكم (أ/٣٨) في الصحابيِّ وفيمن بعده، لا كما قاله، وأمَّا ابنُ العربيَّ فجوابه مصرِّحٌ باشتراط التعدُّد في الصحابيِّ ومَن بعدَه؛ فالتعقُّب خاصٌّ به في الواقع لا بحسَب كلام الشارح؛ إذ هما عنده سواء كما قدمناه، كما قاله (هـ) (٤). [قوله] (٥): «سَكَتُوا عنهُ»: أي: عن إنكاره، «أن يكونوا سمِعوه» أي: الحديثَ، «مِنْ غَيرِه» وهذا مُؤَوَّلٌ

стр. 196

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بمصدر فاعل «يَلزم» المنفيِّ، وإنما انتفى لزومُ ما ذُكر؛ لجواز أنْ يكون تركهم الإنكارَ -إن سُلِّم- انتفاؤه بالقلب لأجْل قَبول خبر الواحد العَدل، وكفايته في وجوب العمل بمقتضاه (١). وفي كتابة: قوله: «مِنْ غَيْرِهِ» أي: من غَير عُمرَ بأنْ سمِعوه من النبيِّ أو من صحابيٍّ عنه؛ إذ يُحتمل احتمالًا ظاهرًا أنَّهم قَبِلوه عن عُمرَ لعلوِّ مرتبته في الدين وفي الصُّحبة. وقال (ج) (٢): وكلامه يقتضي أنَّه لو عُلِم أنَّهم سمِعوه من غيره بقرينةٍ أو بقولهم] صحة] (٣) كلام ابن العربيِّ، وليس كذلك؛ إذ هذا لا يوجِب عدمَ تفرُّد عَلْقَمةَ الذي رواه عن عمرَ؛ فالجواب الذي ذَكَره فيه نظرٌ؛ ولهذا قال (ق) (٤): حاصل السؤال: أنَّه لم يَروِه عن عمرَ إلا واحدٌ، وحاصل الجواب: أنَّه رواه عُمرُ وغيرُه، فلا يُلابِس هذا الجوابَ السؤالُ. [قوله] (٥): «وبأَنَّ هذا»: أي: وتعُقِّب ابنُ العربي أيضًا، «بأنَّ هذا الجواب لو سُلِّم» جريانُه وصحتُه، «في (هـ/٤٧) عُمَر، مُنِع في تفرُّد عَلْقمةَ»: ابنِ أبي وقَّاصٍ الليثيِّ من كبار التابعين عن عُمر بروايته عنه (٦).

стр. 197

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «ثمَّ تَفَرُّدِ مُحَمَّدِ بنِ إِبْراهيمَ بِه عَنْ عَلْقَمَةَ»: هو محمد بن إبراهيم بن الحارث خالد التَّيْميُّ، من أوساط التابعين (٢). [قوله] (٣): «يَحْيَى بنِ سَعيدٍ»: هو الأنصاريُّ، اسمُ جدِّه: قيس بن عَمرو، وهو صحابيٌّ، ويحيى من صِغار التابعين (٤). [قوله] (٥): «عَنْ مُحَمَّدٍ»: هو ابن إبراهيمَ السابق، «على ما هُو الصَّحيحُ المُعْروفُ عِندَ المُحَدِّثينَ» متعلِّقٌ بـ: «تفرُّد» الأولِ وما بعده، وهو الظاهر، ويُحتمل أنَّه متعلق بمحذوفٍ دلَّ عليه السياق، أي: بَنَيْنا مَنْعَ جريان الجواب في تفرُّد مَن ذُكِر بعد عُمرَ على ما هو القول الصحيح المعروف عند المحدِّثين؛ لأنَّ المتابَعاتِ لهم عليه لا يُعتبَرُ بها (٦).

стр. 198

وقَدْ وَرَدَتْ لَهُمْ مُتَابعاتٌ لا يُعْتَبَرُ بِهَا لِضَعْفِهَا. وَكَذَا لا نُسَلِّمُ جَوَابَهُ في غَيْرِ حَدِيثِ عُمَرَ ﵁. [فقوله]: «وقَدْ وَرَدَتْ ... إلخ»: بيان المقابل [القول] (١) الصحيح، وقوله: «وقَدْ وَرَدَتْ ... إلخ» جوابُ سؤالٍ مقدَّر، وستأتي المتابَعات والشواهد والأفراد، وقد رأيتُ أنْ أذكر هنا كلامًا للنواوي فيه شرحُ هذا الكلام منطوقًا ومفهومًا، ولفظُه في مقدمة مسلم: «فصل في معرفة الاعتبار والمتابَعات والشواهد والأفراد والشَّاذِّ والمنكَر: فإذا رَوَى حمادٌ مثلًا حديثًا، عن أيوبَ، عن ابن سِيرينَ، عن أبي هريرة ﵁، عن النبيِّ ﵊: يُنظر: هل رواه ثقةٌ غيرُ حمادٍ عن أيوبَ؟ أو عن ابنِ سِيرينَ غيرُ أيوبَ؟ أو عن أبي هريرة غيرُ ابنِ سِيرينَ؟ أو عن النبيِّ ﵊ غيرُ أبي هريرة؟ فأيُّ ذلك وُجد عُلِم أنَّ له أصلًا يرجع إليه، فهذا النظر والتفتيش يُسمَّى: اعتبارًا، وأمَّا المتابَعة بأنْ يَرويَه عن أيوبَ غيرُ حمادٍ، أو عن ابن سيرين غير أيوب، أو عن أبي هريرة غير ابن سيرين، أو عن النبيِّ غير أبي هريرة، فكل واحد من هذه الأقسام يسمَّى] متابعَةً] (٢)، وأعلاها: الأُولى وهي متابعة حمادٍ في الرواية عن أيوب، ثُمَّ ما بعدها على الترتيب، وأمَّا الشاهد بأنْ يُروى حديثٌ آخَرُ بمعناه، وتسمَّى المتابعةُ شاهدًا، ولا يسمَّى الشاهدُ متابعةً، وإذا قالوا في نحو هذا: انفرد به: أبو هريرة أو ابنُ سيرين أو أيوبُ أو حمادُ كان مُشعِرًا بانتفاء وجودِ المتابَعاتِ كلِّها. واعلَمْ أنَّه يدخل في المتابعات والاستشهاد روايةُ بعض الضعفاء ولا يصلح لذلك ضعيف، وإنَّما يفعلون هذا لكون المتابَع لا اعتماد عليه، وإنَّما الاعتماد على ما قبله، وإذا

стр. 199

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . انتفت المتابَعات وتمحَّض فردًا فله أربعة أحوال: حالٌ يكون مخالفًا لرواية مَنْ هو أحفظُ منه؛ فهذا ضعيف، ويسمى: شاذًّا ومُنكَرًا، وحالٌ لا يكون مخالِفًا ويكون هذا الراوي: حافظًا ضابطًا متقنًا؛ فيكون صحيحًا، وحالٌ يكون قاصِرًا عن هذا ولكنه قريب من درجتهِ؛ فيكون حديثه حَسَنًا، وحالٌ يكون بعيدًا عن حاله؛ فيكون شاذًّا مُنكَرًا مردودًا، فجَعَل أنَّ الفرد قسمان: مقبول ومردود، والمقبول ضربان: فردٌ لا يخالَف وراويه كامل الأهْليَّة، وفردٌ من هو قريب منه، والمردود (أ/٣٩) أيضًا ضربان: فردٌ مخالِف للأحفظ، وفردٌ ليس في راويه من الحفظ والإتقان ما يَجْبُر تفرُّدَه» (١). و] كل هذا] (٢) يأتي في كلامه مَتْنًا وشرحًا، ومُلَخَّصُه: أنَّ المتابعة مُشاركَةُ راوٍ معتبَرٍ به لراوي الحديث في رواية ذلك الحديث في شيخه أو شيخ شيخه وهَلُمَّ جَرًّا، والمعتبَرُ هو الذي يَصلُح أنْ يُخَرَّج حديثُه كالاعتبار والاستشهاد به. وقال (ق) (٣): «وأشار بقوله هذا -يعني بقوله: «لا يُعْتَبَرُ بها» - إلى أنَّ المتابَعاتِ التي وردت لهذا الحديث لا تُخْرِجُه عن كونه فردًا لضعفها»، قلت: وهو جواب عن مَنْع التفرُّد، وحاصله: أنَّ المتابعة الواهية كالعدم. [قوله] (٤): «وكَذا»: التشبيه في المَنع؛ فقوله: «لا نُسَلِّمُ جَوابَهُ» تصريحٌ بوجه الشَّبه في «غير حديث عُمرَ»، كما في آخِرِ حديث في البخاريِّ. (هـ/٤٨)

стр. 200

قَالَ ابْنُ رُشَيْدٍ: «ولَقَدْ كَانَ يَكْفي القاضيَ في بُطْلانِ مَا ادَّعَى أَنَّهُ شَرْطُ البُخاريِّ أَوَّلُ حَديثٍ مَذْكُورٍ فيهِ». [قوله] (١): «ابنُ رُشَيْدٍ»: هو بضم الراء وفتح المعجمة وسكون الياء، منقولٌ من مصغر: رُشدة، أو رَشيد ضد سفيه (٢). وهو: محمد بن عمر بن محمد عمر بن محمد بن إدريس، السَّبْتيُّ الأندلسيُّ المالكيُّ، المتوفَّى سنة اثنين وعشرين وسبع مئةٍ بفاس، عن خمس وستين. [قوله] (٣):] «ولَقَدْ] (٤) كانَ يَكْفي ... إلخ»: فاعل «يكفي»: «أولُ حديث»، و «القاضي» بالنصب مفعول: «يكفي»، و «أنه شرطُ البخاري» مفعول: «ادَّعى» وعائد «ما» المضاف إليها «بُطلان»: محذوف إنْ لم تُجعل مصدريَّة، والظاهر جَرُّ «مذكور» صفةً لحديث، ويجوز رفعه صفة لـ: «أول»، وحاصله: رمْيُه بالغفلة عن ما هو في أول] مشروحه] (٥). [قوله] (٦): «مَذكورٍ فيهِ»: فإنَّه رُوي بالآحاد حديثُ الأعمال، وكذا آخِرُ حديثٍ مذكور فيه؛ فإنَّ أبا هريرة تفرَّد به عن الرسول، وتفرَّد به عنه أبو زُرعة، وتفرَّد به عنه عُمارَة بن القَعْقَاع، وتفرَّد به عنه محمد [بن فُضَيل] (٧)، وعنه اشتُهر فرواه عنه ابن إشْكابَ وغيرُه، وهذا وجه قول الترمذيِّ: إنَّه غريبٌ.

стр. 201

وادَّعَى ابنُ حِبَّانَ نقيضَ دَعْواهُ، فَقَالَ: «إِنَّ رِوَايَةَ اثْنَيْنِ عَنِ اثْنَيْنِ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ، لَا تُوجَدُ أَصْلًا». [قوله] (١): «وقال ابنُ] حِبَّانَ] (٢)»: بكسر المهملة وتشديد الموحدة وترك التنوين؛ لأنه بزِنَة «فِعْلان»، الحافظ المشهور صاحب المسنَد، وهو: أحمد بن سِنان القَطَّان (٣)، و] حبَّان] (٤) بالفتح والضم كثيرون. [قوله] (٥): «نقيضَ دَعْواهُ»: أي: نقيض دعوى ابن العربيِّ، لكنْ بطريق اللزوم؛ لأنَّه إذا نفى وجود العَزيز البتَّةَ لزِم أنَّه غير موجودٍ في البخاريِّ، وهو يرفع دعوى أنَّه شرط البخاريِّ، وليس بخارج عنه، ولو عاد ضمير: «دعواه» [للجُبَّائي] (٦) لصحَّ، لكنْ بعيدٌ وخلافُ الواقع، إلَّا أنَّ المناقضة عليه على ظاهرها، ولو جعل ضمير: «دعواه» لمن ذَكَر شَملَهما، ولكن الحال فيه كالذي قبله. [قوله] (٧): «إِنَّ رِوايَةَ اثنَيْنِ عَنِ اثنَيْنِ»:] صادقٌ بصوَر] (٨)،] قوله: بأنْ يرويَ] (٩) عن كلِّ واحد من الأوَّلَينِ واحدٌ من الاثنين الباقيين، وبأن يرويَ الاثنان عن كلِّ واحدٍ من الأولين، وبأنْ يرويَ أحدُهما عن أحدِهما والآخر عن الاثنين جميعًا، وقوله: لا يوجَد في شيء من الجوامع ولا المسانيد وغيرها.

стр. 202

قُلْتُ: إِنْ أرَادَ بِهِ أَنَّ رِوايَةَ اثْنَيْنِ فَقَطْ عَنِ اثْنَيْنِ فَقَطْ لا تُوجَدُ أَصْلًا، فيُمْكِنُ أَنْ يُسَلَّمَ، وأَمَّا صُورَةُ العَزيزِ الَّتي حَرَّرْناها فمَوْجودَةٌ بأَلَّا يَرْوِيَهُ أَقَلُّ مِن اثْنَيْنِ عَنْ أَقَلَّ مِنَ اثْنَيْنِ. مثالُهُ: ما رَوَاهُ الشَّيْخانِ مِنْ حَديثِ أَنَسٍ، والبُخاريُّ مِن حديثِ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِليهِ مِنْ وَالِدِهِ ووَلَدِهِ ... »، الحديث. وَرَوَاهُ عَنْ أَنَسٍ: قَتادَةُ، وَعَبدُ العزيزِ بنُ صُهَيْبٍ، ورَوَاهُ عَنْ قتادَةَ: شُعْبَةُ وَسعيدٌ، ورَوَاهُ عَنْ عبدِ العزيزِ: إِسماعيلُ بنُ عُلَيَّةَ، وَعَبدُ الوارِثِ، ورَوَاهُ عن كُلٍّ جَماعةٌ. [قوله] (١): «وأَمَّا صُورَةُ العَزيزِ الَّتي حَرَّرْناها»: يعني في قوله: «والمرادُ بقولِنا: «أَنْ يَرِدَ باثْنَيْنِ» أي: لا يَرِدَ بأقَلَّ مِنهُما، فإنْ وَرَدَ بأَكثَرَ في بعضِ المَواضِعِ مِن السَّنَدِ الواحِدِ لا يَضُرُّ؛ إذ الأقلُّ في هذا يَقْضي على الأكْثَرِ»، ثُمَّ لا يَخْفَاك أنَّ قوله: «وأَمَّا صُورَةُ العَزيزِ ... إلخ» في قوَّة: وإنْ أراد الصورة التي حررناها فهو ممنوع؛ ولذا أسقَط ذِكرَ الشِّق الثاني من الترديد، وأنَّ قوله: «بألَّا يرويَه ... إلخ» متعلِّقٌ بـ «حرَّرْناها»؛ فلا تَغفُل كما قاله (هـ) (٢). [قوله] (٣): «مثالُهُ ... إلخ»: اعتَرض هذا الشيخُ [نجم الدين] (٤) بأنَّه: «كان ينبغي أنْ يأتيَ براويين عن أبي هريرة وأنس، لا عن أنسٍ فقط كما فَعَل، [وكذا] (٥) يأتي براويين

стр. 203

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . عن الراويين عنهما، وهكذا؛ فاقتصاره على هذا الوجه غير جيدٍ» انتهى. وما ذَكَره هو المطابق لقوله: «كالشهادة على الشهادة»، لكنْ قد علِمتَ أنَّ هذه طريقةُ الحاكم، بل طريقه أخصُّ من هذا كما يُعلَم ممَّا قدَّمناه، لكن أجاب عن هذا (هـ) (١) ونصُّه: «تنبيهان: الأول: ذِكرُه سعيد -يعني: ابنَ أبي عَروبةَ- مقبول؛ لأنَّه عَدْلٌ ثقة ضابط حافظ؛ فلا يُلتَفت لقول السَّخاويِّ: «لم نقف عليه بعد التتبع والكشف» (٢). الثاني: اعترض شيخ شيخنا نجم الملة والدين بأنَّ تمثيله لا يطابق الصورة المردودة ولا الصورة] المحرَّرة (٣)، لأنَّه كان ينبغي على مطابقة المردودة: أنْ يَذْكُر راويًا عن أبي هريرة وراويًا عن أنس، لا براويَيْنِ عن أنسٍ فقط كما فعل، ثُمَّ يأتي براويَيْنِ عن الراويَيْنِ عنهما وهكذا، وعلى مطابقة (أ/٤٠) الصورة المحرَّرةِ: أنْ يَذْكُرَ عن كلٍّ عن أنسٍ وأبي هريرة راويَينِ فأكثرَ، ثُمَّ عن الراويَيْنِ عنهما راويَيْنٍ، [وهَلُمَّ جَرًّا، لكنَّه ذَكَر عن أنسٍ راويَيْن، وعن أحد الراويَيْن عنه راويَيْن] (٤) ثمَّ كذلك لا يُوجد عَزيز هكذا، قلتُ: ويَرُدُّه أنَّ قوله: «ورواه عن كلٍّ (هـ/٤٩) جماعةٌ» راجعٌ للجميع؛ فوُجدت المطابقةُ بلا تردُّدٍ» انتهى.

стр. 204

* والرَّابِعُ: الغَريبُ، وَهُوَ ما يَتَفَرَّدُ بِرَوايَتِهِ شَخْصٌ وَاحِدٌ في أَيِّ مَوْضِعٍ وَقَعَ التَّفَرُّدُ بِهِ مِنَ السَّنَدِ عَلَى مَا سيقسمُ إِليهِ؛ الغَريبُ المُطْلَقُ، والغَريبُ النِّسبيُّ. وكُلُّها -أَيْ: الأَقْسَامُ الأَرْبَعَةُ المَذْكُورَةُ سِوَى الأَوَّلِ وهُوَ المُتواتِرُ- آحَادٌ، ويُقَالُ لكُلٍّ مِنْها: خَبَرُ واحِدٍ. [قوله] (١): «وهُو: ما يَتَفَرَّدُ بِروايَتِهِ شَخْصٌ واحِدٌ ... إلخ»: ويوجَد في بعض النسخ هنا: يعني في اصطلاح المحدِّثين، لفظ: «ما» فيه عموم؛ فيَشمَل كلَّ المتْنِ وبعضَه وبعضَ السَّنَد، فالأول: كانفراد عبد الله بن دينار بحديث النهي عن بيع الوَلاءِ وهِبَتِه عن ابن عمر (٢)؛ فإنَّه لم يصحَّ إلَّا من حديثه، والثاني: كانفراد مالكٍ بزيادة: «] من] (٣) المسلمين» في حديث زكاة الفطر عن سائر رُواته (٤)، ومثال الثالث: [انفراد] (٥) الدَّراوَرْدِيِّ برواية حديث أمِّ زَرْعٍ عن هشام عن أبيه بلا واسطة (٦)، والمحفوظ فيه: رواية عيسى بن يونسَ وغيرِه، عن هشام بن عروة، عن أخيه عبدِ الله، عن] أبيهما] (٧). تنبيه: لم يُبين مرتبة الشيخ الذي انفرد راوي الغريب بروايته عنه؛ فظاهره سواء كان من

стр. 205

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . شأنه أنْ يُجمَع حديثه لجلالته أو لا، وهو الراجح، وقيَّده ابنُ مَنْدَهْ بشيخ شأنه أنْ يُجمَع حديثه سواءٌ جُمع بالفعل كمالكٍ، أو لم يُجمَعْ كابن شِهاب وقَتادةَ. ولَمَّا ذَكَر المؤلِّف المتواترَ من جملة الأقسام تتميمًا للفائدة وإنْ لم يكن من مبحوثات علم الإسناد ناسَبَ أنْ يضُمَّ إليه ما يَشتبه به وهو المشهور، ثم يضُمَّ للمشهور ما يَقرُب منه وهو العَزيز، وبالضرورة يختم بالغريب؛ فعلى هذا سلك طريق التدلي والترقِّي، والطريقان جائزٌ ارتكابُهما، وبهذا يندفع قول مَن قال: اللائق أنْ يقدِّم الغريب على العَزيز، والعَزيز على المشهور؛ لأنَّ الغريب من العَزيز بمنزلة البسيط من المركب، كما أن العزيز من المشهور. وكذلكَ [قوله] (١): «في أَيِّ مَوْضِعٍ وَقَعَ التَّفَرُّدُ بِهِ مِنَ السَّنَدِ» سواءٌ كان في أوله أو وسَطه أو آخره، في جميع طباقه أو بعضِها، بأنِ انفرد به الصحابيُّ ثم التابعيُّ وهَلُمَّ جَرًّا وفي بعضها، وبهذا عرَفتَ أنَّ كلامَه ينطبق على الغريب المُطْلَق والنِّسبيِّ، وسيأتي التفصيل، ويظهر أنَّه حالٌ من: «ما ينفرد» و «الهاء» من: «به» عائدةٌ عليها، وضمير الموصوف بجملة «وَقَع» محذوف أي: فيه يقدر بعد به، و «من السَّنَد» حالٌ من: «موضع» أو صفة له. [قوله] (٢): «على ما سيُقْسَمُ إِليهِ الغَريبُ المُطْلَقُ والغَريبُ النِّسبيُّ»: هذا يقتضي أنَّ كُلًّا من الغريب المطلَق والغريبِ النِّسبيِّ مقسَّم، وليس كذلك؛

стр. 206

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بل هما قسمان للغريب، فكان ينبغي أنْ يقول: من الغريب المطلق والغريب النِّسْبي؛ لأنَّ الذي يأتي هو تقسيم الغريب إلى فرْدٍ مُطلَقٍ وفرْدٍ نِسبيٍّ. انتهى. وقد يُوجَّه بأنَّ التقدير: مقسَّمًا على ما سيقَسَّم هو إليه، ثم أبدِل من: «ما» بدل مُفصَّل من مُجمَل. قوله: «الغَريبُ ... إلخ» مجْروران على اللفظ، أو منصوبان على المَحِل. وقال (هـ) (١): قوله: «عَلى مَا سَيُقْسَّمُ ... إِلخ» متعلِّق بمحذوف تقديره: بِناءً على ما سيقسَّم، أي]: ببناء] (٢) هذا التعميم على شموله لمَا سيقسَّم من الغريب المطلَق والغريب النِّسْبيِّ. اعلم أنَّ الغريب المطلَق عند المؤلِّف هو: الذي انفرد به عن الصحابيُّ راوٍ واحدٌ، والغريبَ النِّسْبيَّ: ما وقع تفرُّد راويه به في أثناء إسناده في أيِّ مَوضعٍ كان، والذي جرى عليه العراقيُّ: أنَّ الغريبَ المطلقَ هو: الذي ينفرد بروايته راوٍ واحدٍ متْنًا وإسنادًا وشيخًا، وأن الغريب النسبيَّ هو: غريب الإسناد فقط بأن يكون متْنُه معروفًا برواية جماعة من الصحابة ينفرد به راوٍ من حديث صحابيٍّ آخَرَ؛ فهو من جهته غريب، مع أنَّ متْنه غيرُ غريبٍ، ومنه: غرائب الشيوخ في متون الأحاديث الصحيحة، كما قاله ابن الصَّلاح (٣). تنبيه: الفرْدُ قسمان أيضًا: فرْدٌ مطلَق، وهو: ما انفرد به الراوي عن غيره، وفرْد نسْبيٌّ، وهو: ما قُيِّد بثقةٍ (هـ/٥٠) أو بلد أو شخصٍ معيَّن،] كلمْ يَقُلْهُ إلَّا فلان

стр. 207

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [أو (١) (٢) لم يروه إلا أهل البصرة، أو لم يروه عن فلان إلَّا فلانٌ؛ فمن هنا قيل: لا فرق بين الغريب والفرد، لكنْ قال ابن الصَّلاح: «وليس كلُّ] ما يُعَدُّ (٣) (أ/٤١) (٤) من أنواع الأفراد معْدودًا من أنواع الغريب، كما في الأفراد المضافة إلى البلاد كأهل البصرة» انتهى، ولعل حاصلَ كلامِه: أنَّ بينهما عمومًا وخصوصًا، وهو خلاف ما يأتي للمؤلِّف من ترادُف الفرد والغريب، والذي جرى عليه شيخ الإسلام (٥) هو الأول حاكيًا الثاني بقيل، ويمكن كونُ الخلاف لفظيًّا بأنْ يريد المؤلِّفُ بالغريب: الذي ينصرِف إليه الاسمُ عند الإطلاق، والأفراد المضافة للبلدان ليست كذلك؛ فكلُّ غريب فردٌ وكلُّ فردٍ غريبٌ بهذا المعنى. [قوله] (٦): «وكُلُّها أي: الأقسامُ الأرْبَعَةُ المَذْكورةُ سِوى الأوَّلِ، وهو المُتواتِرُ، آحادٌ»: اعلم أنَّ الكلَّ على قسمين: مجموعي: وهو: ما كان الحُكم فيه على مجموع الأفراد من حيث هو مجموعٌ، نحو: كلُّ رجال البلد يحملون الصخرة العظيمة. وجميعي: وهو: ما كان الحُكم فيه على كل فرد فرْد من حيث انفرادُه، نحو: كلُّ رجلٍ يُشبعه رغيفان.

стр. 208

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والظاهر أنَّ كلام المؤلف من الأول لا الثاني؛ لأجْل قوله في الشرح: «ويُقال لكلِّ واحد منهما]: خبر] (١) واحد»؛ لأنَّه ظاهر في إرادته بالمعنى الأول، ولو حُمِل على الثاني كان صحيحًا أيضًا، ويكون المعنى: أنَّ كلَّ فرْدٍ منهما يُقال له: آحادٌ، أي: خبر آحاد، ويكون العطفُ في قوله: «ويقال إلخ» تفسيريًّا (٢). [قوله] (٣): «آحادٌ»: أي: أخبار آحاد، كما يُعلَم من كلامه، والأصل: أوحاد؛ لأن الجموع ترُدُّ الأشياء إلى أصولها، ثُمَّ قلبت الواو همزة، ثُمَّ أُبدِلت الهمزة ألفًا من جنس حركة حرف ما قبلها، ويُحتمل أنَّه جمع: أحد؛ فأُبدلت الهمزة ألِفًا، ومحل ردِّ الجمع الأشياء إلى أصلها إذا كان مستعملًا، وبالجملة: هو أفعال، كفرس وأفراس (٤). [قوله] (٥): «ويُقالُ لكُلٍّ منها: خَبَرُ واحِدٍ»: أي: اصطلاحًا، فهي تسمية عرفيَّة، فيُقال للمشهور والعَزيز: خبر واحدٍ، مع أنَّ أقلَّ رُواة الأول: ثلاثةٌ، وأقلَّ رُواة الثاني: اثنان، وقوله: «لكلٍّ منها» أي: لكلِّ واحدٍ من آحادٍ بانفراده.

стр. 209

وَخَبَرُ الواحِدِ في اللُّغَةِ: ما يَرْويهِ شَخْصٌ وَاحِدٌ. وَفِي الاصْطِلَاحِ: ما لَمْ يَجْمَعْ شُرُوطَ المُتواتِرِ. وَفيها -أَيْ: في الآحَادِ- المَقْبولُ، وهو ما يَجِبُ العَمَلُ بِهِ عِنْدَ الجُمْهُورِ. [قوله] (١): «وخَبَرُ واحِدٍ»: أي: ومدلول هذا اللفظ لغةً من غير اعتبار مفهوم المضاف إليه جزءًا من مفهومه، على حدِّ قولهم: العَمى عدم البصر، فلا يُتوهم ورود الدَّوْرِ (٢). وقوله: «ما»: أي: خبرٌ «يرويه شخص واحد» فقط؛ فلا يَصْدُق بحسَبه عرفًا إلا على الغريب، فإنْ قلتَ: ما النكتةُ في تعرُّضه لبيان خبر الواحد لغةً وليس من مبحوثات الفن؟ قلتُ: هي بيان المناسبة التي لأجْلها سُمِّي غيرُ المتواتر بالآحاد، وهي أنَّه يَطرُقه ما يَطرُق خبرَ الواحد حينئذٍ من احتمال الصدق والكذب، قاله (ب) (٣). [قوله] (٤): «وفي الاصطِلاحِ»: أي: عُرْف المحدِّثين أنَّ مدلول خبر الواحد، «ما» أي: خبر، «لم يجمع شروط التواتر» في كلامه العطف على معموليْ عاملين مختلفين؛ لأنَّ «في الاصطلاح»: عطف على «في اللغة»، وهو حالٌ إمَّا من المبتدأ عند سيبويه، والخبر عند غيره، وعامله: الاستقرار المقدر، و «ما لم يجمع»: عطف على «ما يرويه»، وعامله المبتدأ بِناءً على الراجح منْ أنَّ المبتدأ عامل في الخبر، فلعله ممن يرى جوازه مطلقًا،

стр. 210

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لا يُقال: أو يراه إذا تقدَّم المجرور؛ لأنَّا نقول: شرطُه ألَّا يُعادَ الجارُّ مع الثاني كما هنا، بل يكون مثل: في الدار زيد والحُجْرة عمرو، كما قاله (هـ) (١). «وفيها -أي: الآحاد-: المقبولُ» وكان الأولى منها: ومنها؛ إذ مِنْ هي التي عُهد استعمالها في التقسيم دون في، كقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ] ﴿النور: ٤٥﴾ الآيةَ، ولا يخفى أنَّ المراد: القَبول والرَّد من حيث صفاتُ ناقليها كما يُعلم من تقريره الآتي، لا من حيث نسبتُها وإضافتها (هـ/٥١) إليه ﷺ ؛ إذ ليس حالها من تلك الحيثيَّةِ إلا القَبول، كما أنَّ المراد بالقَبول والرَّد من حيث الظاهرُ لا القطع؛ إذ يُحتمل أن يكون المقبولُ مردودًا وعكسه فيما عند الله ونفْسِ الأمر. [قوله] (٢): «وهو: ما يَجِبُ العَمَلُ بِهِ عِنْدَ الجُمْهورِ»: ظاهره أنَّه تعريف للمقبول، وحينئذٍ يَلزم الدَّوْرُ؛ لأنَّ هذا حكمُ المقبول، وأخذ الحكم في التعريف يوجب الدَّوْرَ، مع أنَّه لا يَحسُن تعريف المقبول بهذا، وتعريف مقابله:] بما] (٣) لم يَرجَح صدق المخبر به. وفي كتابة: «ما يجِب العمل به» بيانٌ لحكم المقبول، لا تعريف له (أ/٤٢) بحكمه؛ اكتفاءً بفَهْمِ تعريفه من تعريف ضدِّه وهو المردُود؛ إذ يؤخذ منه تعريفُه بأنَّه: ما رَجَح صِدقُ المخبر به. وقوله: «يَجِبُ العَمَلُ بِهِ»: أي: بالنظر إلى إسناده وإنْ تعذر لعارضٍ، [كمعارضته (٤) بمثله، أو ورود ناسخٍ، فلا ينافي ما يأتي من أنَّ من المقبول

стр. 211

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . غيرَ معمول به، أي: لعارضٍ، و] قال] (١) (هـ) (٢): «وهو ما يجب العمل به» قال (ق) (٣): هذا حكم المقبول وهو أثرُه المرتب عليه؛ فلا يصح تعريفه، وقد ادَّعَوُا الدَّوْرَ في دون هذا؛ فكان الأَولى أنَّ المردود حيث كان هو: الذي لم يترجح صِدْقُ المخبِر به، أنْ يكون المقبول هو: الذي يترجح صِدْقُ المخبِر به» انتهى. و [قال] (٤) (ب): «قال قاضي القضاة -يعني: المؤلف-: حَذفتُ حدَّ المقبول للعلم به من التصريح بحد المردود» انتهى. قلتُ: فالأول بنى اعتراضه على أن ما ذُكِرَ تعريفًا للمقبول، وقد بَنى الثاني على أنَّه ليس تعريفًا له، وإنَّما هو بيان حُكم من أحكامه، وبه سقط ما يُقال: «من المقبول ما يجب العمل به، ومنه ما يُندب العمل به، كما أنَّ منه ما يدل على تحريم العمل وكراهته». وإنْ أمكن أنْ يجاب بتقدير تسليم إرادة التعريف بأنَّه رسمٌ لفظيٌّ ببعض خواصِّ المقبول، بِناءً على رأي المتقدمين من تجويز التعريف بالأخصِّ، وبأنَّه على تقدير مضاف في الكلام دلَّ عليه المَقام، أي: ما يجب] اعتقاد] (٥) مشروعيَّة العمل والفعل به، والدالُّ على النَّدب يجب اعتقاد مشروعية العمل به وإن لم يوجِب عملًا، نعم لا بُدَّ من رعاية تأويل العمل بالفعل لِيَصْدُقَ على الترك في النهي، بِناءً على أنَّه فِعلُ حبْسِ النفْس وكفِّها عن المنهيِّ عنه.

стр. 212

وَفيها المَرْدُودُ، وَهُوَ الَّذي لَمْ يَتَرَجَّحْ صِدْقُ المُخْبِرُ بِهِ؛ لتَوقُّفِ الاستدلالِ بِهَا عَلَى البَحْثِ عَنْ أَحْوَالِ رُوَاتِها دُونَ الأوَّلِ، وهو المُتَواتِرُ. [قوله] (١): «وفيها المَرْدُودُ، وهُو الَّذي لَمْ يرَجَّحْ صِدْقُ المُخْبِرِ بِهِ»: يشمل ما إذا ثَبَت كذِبُ الناقل، أو ترجَّح كذِبُه، أو لم يَثبت كذبه ولا صدقه، وهو ما تُوُقِّفَ فيه، وهذا يخالف ما يأتي من أنَّ المردود: ما ثَبَت كَذِبُ ناقله، وأنَّ ما تُوقِّف فيه إذا لم توجَد قرينةٌ تُلحِقه بأحد الاسمين؛ فإنه مُلحَقٌ بالمردود لا أنَّه مردُودٌ حقيقة، ويجاب بأنَّ قوله: «وهو الذي ... إلخ» محمول على ما ثَبَت كَذِبُ ناقله؛ بدليل ما ذكره بعده في التقسيم في قوله: «صار كالمردود»، وحَمْلُ الكلام على خلاف ظاهره لقرينة لا مانع منه ولا [خَلَل] (٢) فيه، ثُمَّ لا بُدَّ في تعريف المردود من زيادة على ما ذهب إليه مالك ومَن وافقه مِن تقديم عمَلِ أهل المدينة على خبر الآحاد المشتمل على المقبول؛ فيُقال عقب تعريفه كما تقدم: أو رَجَح صدقُه وعارَضَه عمَلُ أهل المدينة عند مالك. [قوله] (٣): «لتَوقُّفِ الاستدلالِ ... إلخ»: قال (ب): «علةٌ لاشتمال الآحاد] على] (٤) المقبول والمردود»، قلتُ: الذي يظهر أنَّه علة لدخول القَبول والرَّدِّ في الآحاد دون المتواتر، مع رعاية دَلالةِ المقام على أنَّ رواتها عند البحث عن أحوالهم يتبين: إمَّا اتِّصافُهم بصفات القَبول، وإمَّا اتصافُهم بصفات الرَّدِّ، وإمَّا ألَّا يتبينَ شيءٌ أصلًا، وهذا أحسَنُ مِن قول المُحَشِّي المذكور؛ لإيهامه أنَّه تعليل للتقسيم، وهو من باب التصورات، وهي لا يُستدل عليها (٥).

стр. 213

فكُلُّهُ مَقْبولٌ؛ لإِفادَتِهِ القَطْعَ بِصِدْقِ مُخْبِرِهِ بِخلافِ غَيْرِهِ مِنْ أَخبارِ الآحادِ. لكنْ، إِنَّما وَجَبَ العَمَلُ بالمَقْبولِ مِنها؛ لأَنَّها إِمَّا أَنْ يُوجَدَ فِيهَا أَصلُ صِفَةِ القَبُولِ -وهُوَ ثُبُوتُ صِدْقِ النَّاقِلِ- أَوْ أَصلُ صِفَةِ الرَّدِّ -وهُو ثُبُوتُ كَذِبِ النَّاقِلِ- أَوْ لَا: فكُلُّهُ مَقْبولٌ؛ لإِفادَتِهِ القَطْعَ بِصِدْقِ مُخْبِرِهِ بِخلافِ غَيْرِهِ مِنْ أَخبارِ الآحادِ. لكنْ، إِنَّما وَجَبَ العَمَلُ بالمَقْبولِ مِنها؛ لأَنَّها إِمَّا أَنْ يُوجَدَ فِيهَا أَصلُ صِفَةِ القَبُولِ -وهُوَ ثُبُوتُ صِدْقِ النَّاقِلِ- أَوْ أَصلُ صِفَةِ الرَّدِّ -وهُو ثُبُوتُ كَذِبِ النَّاقِلِ- أَوْ لَا: فَالأوَّلُ: يَغْلِبُ على الظَّنِّ ثُبُوتُ صِدْقِ الخَبَرِ؛ لِثُبُوتِ صِدْقِ ناقِلِهِ، فَيُؤخَذُ بِهِ. والثَّانِي: يَغْلِبُ على الظَّنِّ كَذِبُ الخَبَرِ؛ لِثُبُوتِ كَذِبِ نَاقِلِهِ، فيُطْرَحُ. والثَّالِثُ: إِنْ وُجِدَتْ قَرينَةٌ تُلْحِقُهُ بأَحَدِ القِسْمَيْنِ، الْتَحَقَ، وإِلَّا فَيُتَوَقَّفُ فيهِ، وإِذا تُوُقِّفَ عَنِ العَمَلِ بهِ، صارَ كالمَرْدودِ، لا لِثُبوتِ صِفَةِ الرَّدِّ، بل لكَوْنِهِ لَمْ تُوجَدْ فيهِ صفةٌ توجِبُ القَبُولَ، واللهُ أَعْلَمُ. وقد يَقعُ فيها -أَيْ: في أَخْبارِ الآحَادِ المُنْقَسِمَةِ إِلى مَشْهورٍ، وَعَزيزٍ، وغَريبٍ- مَا يُفيدُ العِلْمَ النَّظريَّ بالقَرائِنِ عَلى المُختارِ خِلافًا لِمَنْ أَبى ذلك. [قوله] (١): «فكُلُّهُ مَقْبولٌ»: أي: كل فرد فرد من أفراد المتواتر مقبول من حيث حصولُ العلم بمضمونه، (هـ/٥٢) من غير احتياج إلى قرينة. وقوله «مُخْبِرِهِ»: أصله: المُخبِر به. وقوله: «بِخلافِ غَيْرِهِ ... إلخ» [أي] (٢): فإنَّه لا يُقطع بصِدْق مخبِره إلا لقرينة.

стр. 214

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «لكنْ؛ إِنَّما وَجَبَ العَمَلُ ... إلخ»: قال (ق) (٢): «في كلامه نظرٌ من وجهين؛ الأول: أنَّ قوله: «إنما وجب العمل بالمقبول ... إلخ»، ظاهر السَّوق أنَّ قوله: «لأنها ... إلخ» دليل وجوب العمل بالمقبول، وليس كذلك، إنَّما هو دليل انقسامها إلى: المقبول والمردود»، قال: «ولو كان لي من الأمر شيءٌ لقلتُ بعد قوله الأول: فإن وُجد فيهم ما يُغلّب صدقهم فالأول، وإلَّا فإنْ ترجَح عدم الصِّدق فالثاني، وإن تساوى الطرفان فالثالث» انتهى، وفي قوله: «ولو كان لي من الأمر شيء» إشارةٌ إلى أنَّ المراد بوجود صفة القَبول ووجود صفة الرد أنْ يغلُب على الظنِّ وجودُ كلٍّ منهما، لا تحقُّق وجودهما، «الثاني: أنَّ قوله: «أو أصلُ صفة الردِّ وهو ثبوت كذب الناقل» يخالف ما قدمه في تفسير المردود؛ (أ/٤٣) فهو تناقضٌ» [انتهى] (٣). [ويمكن] (٤) الجواب عن الأول بما فيه تكلفٌ؛ وذلك لأنَّ دليل انقسامها إلى المقبول وغيره يتضمن دليلَ وجوب العمل بالمقبول، ففي الكلام حذفُ مضاف، أي: لتضمن قوله: «إنها إمَّا أنْ يوجَد فيها ... إلخ»، وقوله في الثاني: «إنَّه تناقضُ»؛ لأنَّ ما ذكره في تعريف المردود يَشملُ الثالثَ، مع أنَّه] جعله] (٥) ثالثًا؛ فيقتضي أنَّه مباينٌ له؛ لأنه قَسِيمه، وقَسِيمُ الشيء مباينٌ له، ثُمَّ إنَّ مالم يترجَّح صِدْقُ ناقله يشمل ما ترجح كَذِبُه؛ فهو بظاهره يشمل ثلاثةَ أقسام، وتقدم ما يفيد

стр. 215

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الجوابَ عن هذا، قاله (ج) (١). وقال (هـ) (٢): [قوله] (٣): «لكن إنما وجب ... إلخ» كلامٌ فيه غموض وخفاء؛ فإن التعليل الواقع فيه [لَمَّا] (٤) أنتَج وجوبَ العمل أنتَج وجوب الردِّ والوقف، فهو تعليلٌ بالأعمِّ، وهو لا يلزم أنْ يَصْدق بالأخص؛ فلا يفيد ثبوتَ خصوصَ الحكم المعيَّن المعلل الذي هو وجوب العمل بالمقبول، وأشار (ق) (٥) إلى الاعتراض، وهو حقٌّ، وأمَّا الجواب بأنَّه تعليل للانقسام إلى ما ذُكِر فبعيدٌ، بل فاسدٌ، أمَّا أولًا: فلا نقص له عن حُكمه ووقوعه بإزاء حُكمٍ آخَرَ، وأمَّا ثانيًا: فالتقسيم من باب التصورات وهي لا يُستدل عليها، وأمَّا ثالثًا: فإنْ جعله علةً للحكم بالانقسام إلى ما ذكر بمعنى الجزم باشتمالها على ما ذُكر، يعني عند قوله: «قيل: لتوقف الاستدلال بها على البحث ... إلخ». [قوله] (٦): «لأَنَّها ... إلخ»: أي: لأن شيئًا من الآحاد، «إمَّا أنْ يوجَد» فيه [شيء] (٧)؛ إذ المدار على وجود «أصل صفة القَبول» في فردٍ معيَّن منها بلَغَنا عِلمُه، لا في وجود فيها في الجملة من [حيث] (٨) هي كذلك، وبما ذَكَره علِمتَ أنَّ المراد بأصل صفة

стр. 216

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . القَبول: ما مَدارُ القَبول عليه أو لا، وبالذات] بحسَب] (١) [القصد] (٢) الأول بحيث لا يعتبر وجود غيره إلا بعد وجوده وتحقُّقِه، وهو الصدق كما ذكره؛ وحينئذٍ فمعنى كونِ أصل صفة الردِّ الكذب: أنَّ مع تحققه في الجملة لا يُعتبر ثبوت زائدٍ عليه، لا أنَّ غيره من القوادح لا يُعتبر إلا بعد وجوده. تنبيه (٣): يمكن حَمل كلام الشارح على أنَّه استئناف قُصد به بيان كيفيَّة البحث عن أحوال رُواة الآحاد إجمالًا، وفي كلامه اكتفاءٌ، والأصل: وإنما وجب العملُ بالمقبول وتركُ العمل بغيره؛ لأنها ... إلخ. وهذا الحكم وإنْ تقدم لكنْ لمحافظته على ربط بعض الكلام ببعض لم يتمكن من بيان كيفيَّة البحث عن أحوال رواتها؛ فأعاده] ليرتبط] (٤) به ذلك، غايتُه أنَّ «لكن» وقعت في غير موقعها، و [ربما] (٥) يُقر بها: أنَّهم قدروا بها الاستثناء المنقطع، وبه يسقُط الاعتراض الأول من كلام (ق) (٦)، ويسقُط من كلامنا وكلام (ب) أيضًا. [قوله] (٧): «وهُو ثُبوتُ صِدْقِ ... إلخ»: أي: أصل صفة القَبول، والظاهر أنَّه من إضافة الصفة للموصوف؛ لأن صفة

стр. 217

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الناقل: الصِّدْقُ الثابت لا ثبوتُه، وهكذا يُقال فيما بعده (١). (هـ/٥٣) [قوله] (٢): «أَوْ لَا»: أي: أو لا يوجَد في شيء معيَّنٍ منها أصلُ صفة القَبول، ولا أصل صفة الردِّ، وليس فيه حذف المعطوف، بل حذف جُزئه (٣). [قوله] (٤): «صِدْقُ الخَبَرِ»: هذا هو رابط الجملة الواقعة خبرًا بالمبتدأ؛ لمرادفته للأول، نحو: أبو سعيد الذي رَوَيت عن الخدْري، وكذا القول فيما بعده إنْ لم يجعل] يَغْلِب] (٥) في المواضع [مُضعَّفًا] (٦) وضميره للمبتدأ، وإلا كان ضميره هو الرابط (٧). وفي قوله: «يغلِب صدْق الخبر» وضع ظاهر [موقع] (٨) المضمر، أي: صدقه، وكذا قوله: «والثاني ... إلخ». [قوله] (٩): «الْتَحَقَ»: بالجزم؛ لأنه جواب الشرط، أي: التحَق بما قامت القرينةُ على التحاقه به. [قوله] (١٠): «وإِلَّا فَيُتَوَقَّفُ فيهِ»: أي: وإن لم يوجَد] منه] (١١) قرينةٌ تُلحِقه بأحدهما فيُتوقف في قَبوله، أي: يُمْسَك عن، وقرْنُهُ المضارع الصالح لمباشرة

стр. 218

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الأداة بالفاء جارٍ على أحد الوجهين الجائزين عند ابن الحاجب في المضارع المثبَت أو المنفي بلا، نحو: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ] ﴿المائدة: ٩٥﴾، واختاره الرَّضيُّ، والفعل في كلامه مبنيٌّ للمجهول. [قوله] (١): «وإِذا تُوُقِّفَ عَنِ العَمَلِ بهِ»: أي: بالخالي عما يُلحقه بأحد القسمين، والظاهر أنَّ هذا (أ/٤٤) جوابُ سؤالٍ تقديرُه: قد بان بما ذكره في التقسيم أنَّ أقسام الآحاد ثلاثة: مقبول ومردود ومتوقف فيه، فما ارتكبه في الأصل من التقسيم غير حاصرٍ؛ فيكون باطلًا، وملخص الجواب: أنَّه مندرِجٌ في أحد القسمين من حيث الحكمُ وإنْ خرج عنه من حيث الذات؛ فالتقسيم الواقع في الأصل تقسيم للآحاد من حيث حُكمُها، والواقع في الشرح تقسيم لها من حيث ذاتُها (٢). [قوله] (٣): «لا لِثُبوتِ صِفَةِ الرَّدِّ»: قال (ق) (٤): «وهو: ثبوت كذِب الناقل، وهذا يُخالف ما مَرَّ في تفسير المردود» انتهى، ويعني بما مَرَّ: أنَّ المردود ما لم يَرْجَحْ صدْقُ المخبِر به، وهذا موجود فيما لم يوجَد فيه قرينةٌ تُلحِقه بأحد القسمين؛ فلا يصح نفيُ صِدق الردِّ عنه»، قلتُ: أَشْكَلَ على المُحَشِّي الكلامُ باشتماله على حذفٍ يسيرٍ دلَّ عليه السِّياق والسِّبَاق، أي: لثبوت أصلِ صفةِ الردِّ؛ لأنه المحكوم عليه بالوجود والانتفاء، وتقدَّم أنَّ أصل صفة الردِّ: الكذِب الثابت، وفرْقٌ بين صفة الرد: وهي ما لم يرْجَح ... إلخ، وأصلِ صفة الرد؛

стр. 219

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لعموم الأُولى وخصوص الثانية، ولا يَلْزمُ من نفي الأخصِّ نفيُ الأعمِّ، كما أنَّ صفة القَبول: ما لم تَرْجَح ... إلخ، وأصلها: الصدقُ الثابت ... إلخ؛ فقوله: «وهُو ثُبوتُ ... إلخ» ممنوع، بل هو اشتباه الشيء بأصله؛ فلا تكن من الغافلين. [قوله] (١): «وقد يَقَعُ فيها ... إلخ»: لعله من باب الكناية؛ فأطلق الوقوع اللازم له الورود من مكان عالٍ إلى مكانٍ سافل دُون قَصدٍ على لازمه، وهو مطلق الورود، فكأنَّه قال: ويَرد من الآحاد «ما يُفيد العلْمَ النظريَّ بالقرائن»، و «قد» للتكثير لا للتقليل. وقوله: «المُنْقَسِمةِ ... إلخ» نعت لـ: «أخبار» أو لـ: «آحاد»، فيُوهم تقييد محل الخلاف في كونه قطعيًّا أو ظنيًّا، وليس كذلك؛ فخبر الآحاد مطلقًا جرى فيه الخلاف، وهل يفيد العلمَ أم لا؟ ومحصِّل المسألة من أصلها: أنَّ خبر الواحد يفيد العلْمَ مع القرينة عند الإمامين: والغزالي (٢) والآمِديِّ (٣)، وابنِ الحاجب (٤) والبَيْضاويِّ (٥)، حيث قالوا: خبر الواحد لا يفيد العلْمَ إلا بقرينة، كإخبار الرجل بموت ولده المُشرِف على الموت، مع قرينة خروج الناعيات

стр. 220

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وإحضار الكفن، وغير ذلك مما جرت العادة ألَّا] يُفعل] (١) لغير] ولده] (٢)، وقال الأكثرون: لا يفيده، وما ذُكِر من القرينة قد يوجد مع حصول الإغماء مثلًا، واعتُرِض بأنَّ: هذا قدحٌ في المثال الجزئيِّ، ولا يَلزم منه القدح في المدَّعَى الكليِّ، ودُفِعَ بما هو مبسوط في المطوَّلات، (هـ/٥٤) وقال أحمد: يفيد العلم بلا قرينةٍ بشرط العدالة؛ لإيجابه العمل بمقتضاه، ولا يجب العمل إلَّا بما يفيد العلم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ] ﴿الإسراء: ٣٦﴾، ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ] ﴿النجم: ٢٨﴾. وأُجيبَ: بأنَّ ذلك فيما يُطلب فيه اليقينُ من العقائد لا ما ثبت من وجوب العمل بالظنِّيَّات في الفروع، وقال ابن فُورَك والأستاذ: يفيد المستفيضُ من خبر الواحد علمًا نظريًّا، قال المحقِّق المحَليُّ (٣): جَعَلاه واسطةً بيْن: المتواتر المفيد للعلم الضروري، والآحادِ المفيد للظنِّ، ومثَّلَهُ الأستاذ بما] يتفق] (٤) عليه أئمةُ الحديث، إذا علِمتَ هذا علمتَ أن في قصر الخلاف على المشهور والعزيز والغريب نظرًا، وعلمتَ أنَّ الخلاف في المسألة حقيقيٌّ لا لفظيٌّ، وعلمتَ أنَّ المراد بالعلم المُفاد منها بالقرائن: العلْمُ اليقينيُّ لا الظنيُّ؛ إذ قد لا يتوقف إفادةُ بعضها إيَّاه على قرينة،] يمكن] (٥) الجواب بأنَّه: إنَّما خصها بذلك؛ نظرًا] للفنِّ] (٦)، وللقرائن

стр. 221

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الآتية الخاصَّةِ به، وأنَّ الخلاف [الحقيقيَّ] (١) غيرُ اللفظيِّ المراد هنا -وهو إفادة ما أخرجه الشيخان أو أحدُهما العلْمَ- هل المرادُ منه القطعُ أو الظنُّ؟ فقيل: القطعيُّ، وقيل: الظنيُّ ... إلخ ما يأتي، قاله (هـ) (٢). وفي كتابة: «الباءُ» في قوله: «بالقرائن» للسببية؛ وحينئذٍ يَرد أن كلامَه يقتضي: أنَّ الآحاد مع القرائن قد تفيد العلمَ وقد لا تفيده، وهو خلافُ ما في «جمع الجوامع» ومَن وافَقَه، مِن أنَّه إذا حُفَّ بالقرائن أفاد العلمَ في أحد الأقوال، وهذا خلاف ما ذكره المؤلِّف هنا، وأراد بالنظريِّ: حقيقتَه، وهو ما يتوقف على النظر، وهو ترتيب] أمور] (٣) [إلخ] (٤)، لا ما يتوقف حصولُه على نظر أو غيره من حَدْس أو تجرِبة وغيرِهما كما استظهره (ج) (٥). (أ/٤٥) [قوله] (٦): «خِلافًا لِمَنْ أَبى ذلك»: أي: إكسابَها وإفادتها العلم النظريَّ بالقرائن. وتقدَّم إعراب: خلافًا لكذا (٧).

стр. 222

والخِلافُ في التَّحْقيقِ لَفْظيٌّ؛ لأنَّ مَنْ جَوَّزَ إِطلاقَ العِلْمِ، قَيَّدَهُ بِكونِهِ نَظَريًّا، وهُو الحاصِلُ عن الاسْتِدلالِ، ومَنْ أَبى الإِطلاقَ، خَصَّ لَفْظ العِلْمِ بالمُتواتِرِ، وما عَداهُ عِنْدَهُ كُلُّهُ ظَنِّيٌّ، لكنَّهُ لا يَنْفِي أَنَّ ما احْتفَّ بالقرائِنِ أَرْجَحُ ممَّا خَلا عَنها. [قوله] (١): «والخِلافُ ... إلخ»: لا يَنْهَضُ ما تضمنه من الاستدلال عَلى المدَّعى وهو كونُ الخلاف لفظيًّا؛ لأن كون ما احتفَّ بالقرائن أرجَحَ مما خلا عنها لا يستلزم إفادتَه العلمَ، فقد يكون مفادُه الظنَّ الراجح على الظن الحاصل بخبرٍ] خالٍ] (٢) عن القرينة لا العلم؛ فالخلاف معنوي. وقال (هـ) (٣): مُراده بالتحقيق: الحقيقةُ ونفْسُ الأمر وهذه طريق له كما مَرَّ، كأنَّه استدراك منه على المختلفِين، ومعنى قوله: «لَفْظيٌّ» أنَّه عائد] على] (٤) اللفظ والتسمية. وقوله: «لأنَّ مَنْ جَوَّزَ ... إلخ»: بيانٌ للفظيَّةِ الخِلاف، وحاصله أنَّه يقول: لا خلاف في إفادة خبرِ الآحاد العلمَ النظريَّ بالقرائن، وإنما الخلاف: هل يُطلَقُ على ما أفاده بواسطة القرائن لفظُ العلْمِ أم لا؟ فمَن قال: لا يُطلَق لفظُ [العلْم] (٥) على ما كان ضروريًّا أو بديهيًّا

стр. 223

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مَنَع إطلاقه على ما أفاده خبرُ الآحاد، ومَن قال: بل يُطلَق على يقين كان كَسْبيًّا أو غيرَه جَوَّز إطلاقه عليه؛ فالآحاد المحتَفُّ بالقرائن يتَّفَق على إفادته العلْمَ، وإنَّما الخلاف في جواز إطلاق لفظ العلْم عليه، وقد اعترضه (ب) بأنَّ الخلاف معنويٌّ؛ لأنَّ من أَطلَق عليه العلْم هو عنده يفيد اليقين بالنَّظريِّ، ومن أَبى إطلاقه العلْم فإنَّه وإنْ لم يَنْفِ] أرجحيَّتَه] (١) لا يُرقِّيه عن غلبة الظنِّ؛ فلم يَصِلْ عنده إلى اليقين، وهو مخالفٌ لِمَن يقول بإفادته في المعنى بلا ريبٍ. و [قال] (٢) (ق) (٣): أيضًا بأنَّ التحقيق خلافُ هذا التحقيق (٤). وقوله: «بالمُتواتِرِ» أي:] بمفيد] (٥) المتواتر. [قوله] (٦): «لَكِنَّهُ»: أي: مَن أبى إطلاقَ لفظ العلْم على الحاصل من الآحاد، «لا ينفي] أن] (٧) ما» أي: الخبر الذي «احتف بالقرائن» جمع قرينة، وهي أمرٌ يدلُّ لا بالوضع، والمراد بها هنا: الجنسُ؛ فيَصدُقُ بالواحد فأكثر.

стр. 224

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «أَرْجَحُ»: أي: في إفادة الظنِّ الراجح لا العلْم كما هو ظاهر كلامه؛ ليتمَّ له قولُه: «والخلاف في التحقيق لفظيٌّ ... إلخ»، لكنْ قد علِمتَ ما فيه. وقال (هـ) (٢): أرجحُ] ممَّا] (٣) خلا عنها، أي: عن جنسها، (هـ/٥٥). قال (ق) (٤): «قلتُ: نعم، ومع أنَّه أرجح لا يفيد العلْمَ؛ فالحاصل عند مَن يقول: إنَّ الآحاد لا تفيد العلْمَ أنَّ الدليل الظنيَّ على طبقات، وليس منها ما يفيد العلم» انتهى. أي: فيبطُلُ كونُ الخلاف لفظيًّا، ونعني به أنَّه مَعنويٌّ، وهو جيد، على أنَّ الخلاف في إفادته العلْمَ لا في الرجحان، نعمْ إنْ أراد مَنْ أبى الإطلاقَ بالعلْم الذي يفيده المتواتر وهو الضروريُّ؛ كان الخلاف لفظيًّا، لكنْ لا دليل على إرادته ذلك، بل ولا قرينة.
следующие страницы →