← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 320

حاشية الخرشي منتهى الرغبة في حل ألفاظ النخبة

الخرشي = الخراشي

Полный текст (886 стр.). Показаны 220–259 · переход к 225.

стр. 220

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وإحضار الكفن، وغير ذلك مما جرت العادة ألَّا] يُفعل] (١) لغير] ولده] (٢)، وقال الأكثرون: لا يفيده، وما ذُكِر من القرينة قد يوجد مع حصول الإغماء مثلًا، واعتُرِض بأنَّ: هذا قدحٌ في المثال الجزئيِّ، ولا يَلزم منه القدح في المدَّعَى الكليِّ، ودُفِعَ بما هو مبسوط في المطوَّلات، (هـ/٥٤) وقال أحمد: يفيد العلم بلا قرينةٍ بشرط العدالة؛ لإيجابه العمل بمقتضاه، ولا يجب العمل إلَّا بما يفيد العلم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ] ﴿الإسراء: ٣٦﴾، ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ] ﴿النجم: ٢٨﴾. وأُجيبَ: بأنَّ ذلك فيما يُطلب فيه اليقينُ من العقائد لا ما ثبت من وجوب العمل بالظنِّيَّات في الفروع، وقال ابن فُورَك والأستاذ: يفيد المستفيضُ من خبر الواحد علمًا نظريًّا، قال المحقِّق المحَليُّ (٣): جَعَلاه واسطةً بيْن: المتواتر المفيد للعلم الضروري، والآحادِ المفيد للظنِّ، ومثَّلَهُ الأستاذ بما] يتفق] (٤) عليه أئمةُ الحديث، إذا علِمتَ هذا علمتَ أن في قصر الخلاف على المشهور والعزيز والغريب نظرًا، وعلمتَ أنَّ الخلاف في المسألة حقيقيٌّ لا لفظيٌّ، وعلمتَ أنَّ المراد بالعلم المُفاد منها بالقرائن: العلْمُ اليقينيُّ لا الظنيُّ؛ إذ قد لا يتوقف إفادةُ بعضها إيَّاه على قرينة،] يمكن] (٥) الجواب بأنَّه: إنَّما خصها بذلك؛ نظرًا] للفنِّ] (٦)، وللقرائن

стр. 221

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الآتية الخاصَّةِ به، وأنَّ الخلاف [الحقيقيَّ] (١) غيرُ اللفظيِّ المراد هنا -وهو إفادة ما أخرجه الشيخان أو أحدُهما العلْمَ- هل المرادُ منه القطعُ أو الظنُّ؟ فقيل: القطعيُّ، وقيل: الظنيُّ ... إلخ ما يأتي، قاله (هـ) (٢). وفي كتابة: «الباءُ» في قوله: «بالقرائن» للسببية؛ وحينئذٍ يَرد أن كلامَه يقتضي: أنَّ الآحاد مع القرائن قد تفيد العلمَ وقد لا تفيده، وهو خلافُ ما في «جمع الجوامع» ومَن وافَقَه، مِن أنَّه إذا حُفَّ بالقرائن أفاد العلمَ في أحد الأقوال، وهذا خلاف ما ذكره المؤلِّف هنا، وأراد بالنظريِّ: حقيقتَه، وهو ما يتوقف على النظر، وهو ترتيب] أمور] (٣) [إلخ] (٤)، لا ما يتوقف حصولُه على نظر أو غيره من حَدْس أو تجرِبة وغيرِهما كما استظهره (ج) (٥). (أ/٤٥) [قوله] (٦): «خِلافًا لِمَنْ أَبى ذلك»: أي: إكسابَها وإفادتها العلم النظريَّ بالقرائن. وتقدَّم إعراب: خلافًا لكذا (٧).

стр. 222

والخِلافُ في التَّحْقيقِ لَفْظيٌّ؛ لأنَّ مَنْ جَوَّزَ إِطلاقَ العِلْمِ، قَيَّدَهُ بِكونِهِ نَظَريًّا، وهُو الحاصِلُ عن الاسْتِدلالِ، ومَنْ أَبى الإِطلاقَ، خَصَّ لَفْظ العِلْمِ بالمُتواتِرِ، وما عَداهُ عِنْدَهُ كُلُّهُ ظَنِّيٌّ، لكنَّهُ لا يَنْفِي أَنَّ ما احْتفَّ بالقرائِنِ أَرْجَحُ ممَّا خَلا عَنها. [قوله] (١): «والخِلافُ ... إلخ»: لا يَنْهَضُ ما تضمنه من الاستدلال عَلى المدَّعى وهو كونُ الخلاف لفظيًّا؛ لأن كون ما احتفَّ بالقرائن أرجَحَ مما خلا عنها لا يستلزم إفادتَه العلمَ، فقد يكون مفادُه الظنَّ الراجح على الظن الحاصل بخبرٍ] خالٍ] (٢) عن القرينة لا العلم؛ فالخلاف معنوي. وقال (هـ) (٣): مُراده بالتحقيق: الحقيقةُ ونفْسُ الأمر وهذه طريق له كما مَرَّ، كأنَّه استدراك منه على المختلفِين، ومعنى قوله: «لَفْظيٌّ» أنَّه عائد] على] (٤) اللفظ والتسمية. وقوله: «لأنَّ مَنْ جَوَّزَ ... إلخ»: بيانٌ للفظيَّةِ الخِلاف، وحاصله أنَّه يقول: لا خلاف في إفادة خبرِ الآحاد العلمَ النظريَّ بالقرائن، وإنما الخلاف: هل يُطلَقُ على ما أفاده بواسطة القرائن لفظُ العلْمِ أم لا؟ فمَن قال: لا يُطلَق لفظُ [العلْم] (٥) على ما كان ضروريًّا أو بديهيًّا

стр. 223

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مَنَع إطلاقه على ما أفاده خبرُ الآحاد، ومَن قال: بل يُطلَق على يقين كان كَسْبيًّا أو غيرَه جَوَّز إطلاقه عليه؛ فالآحاد المحتَفُّ بالقرائن يتَّفَق على إفادته العلْمَ، وإنَّما الخلاف في جواز إطلاق لفظ العلْم عليه، وقد اعترضه (ب) بأنَّ الخلاف معنويٌّ؛ لأنَّ من أَطلَق عليه العلْم هو عنده يفيد اليقين بالنَّظريِّ، ومن أَبى إطلاقه العلْم فإنَّه وإنْ لم يَنْفِ] أرجحيَّتَه] (١) لا يُرقِّيه عن غلبة الظنِّ؛ فلم يَصِلْ عنده إلى اليقين، وهو مخالفٌ لِمَن يقول بإفادته في المعنى بلا ريبٍ. و [قال] (٢) (ق) (٣): أيضًا بأنَّ التحقيق خلافُ هذا التحقيق (٤). وقوله: «بالمُتواتِرِ» أي:] بمفيد] (٥) المتواتر. [قوله] (٦): «لَكِنَّهُ»: أي: مَن أبى إطلاقَ لفظ العلْم على الحاصل من الآحاد، «لا ينفي] أن] (٧) ما» أي: الخبر الذي «احتف بالقرائن» جمع قرينة، وهي أمرٌ يدلُّ لا بالوضع، والمراد بها هنا: الجنسُ؛ فيَصدُقُ بالواحد فأكثر.

стр. 224

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «أَرْجَحُ»: أي: في إفادة الظنِّ الراجح لا العلْم كما هو ظاهر كلامه؛ ليتمَّ له قولُه: «والخلاف في التحقيق لفظيٌّ ... إلخ»، لكنْ قد علِمتَ ما فيه. وقال (هـ) (٢): أرجحُ] ممَّا] (٣) خلا عنها، أي: عن جنسها، (هـ/٥٥). قال (ق) (٤): «قلتُ: نعم، ومع أنَّه أرجح لا يفيد العلْمَ؛ فالحاصل عند مَن يقول: إنَّ الآحاد لا تفيد العلْمَ أنَّ الدليل الظنيَّ على طبقات، وليس منها ما يفيد العلم» انتهى. أي: فيبطُلُ كونُ الخلاف لفظيًّا، ونعني به أنَّه مَعنويٌّ، وهو جيد، على أنَّ الخلاف في إفادته العلْمَ لا في الرجحان، نعمْ إنْ أراد مَنْ أبى الإطلاقَ بالعلْم الذي يفيده المتواتر وهو الضروريُّ؛ كان الخلاف لفظيًّا، لكنْ لا دليل على إرادته ذلك، بل ولا قرينة.

стр. 225

وَالخَبَرُ المُحْتَفُّ بالقَرائِن أنواعٌ: مِنْها: مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخانِ في «صَحيحَيْهِما» ممَّا لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ المتواتِرِ، فإِنَّهُ احْتُفَّتْ بِهِ قرائِنُ؛ منها: * جَلالتُهُما في هذا الشَّأْنِ. * وتَقَدُّمُهُمَا في تَمْييزِ الصَّحيحِ على غيرِهما. * وتَلَقِّي العُلماءِ كِتابَيْهِما بالقَبُولِ، وهذا التَّلقِّي وحدَهُ أَقوى في إِفادةِ العلمِ مِن مُجَرَّدِ كَثْرَةِ الطُّرُقِ القاصرةِ عَنِ التَّواتُرِ. [قوله] (١): «والخَبَرُ المُحْتَفُّ بالقَرائِن»: أي: والخبر المفيد للعلم المصحوب بالقرائن [المتصلة] (٢) حالية (٣) كانت أو مَقاليَّة (٤). [قوله] (٥): «مِنْها مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخانِ»: هذا على مذهب ابن الصَّلاح (٦) دُون النووي (٧) كما يأتي. [قوله] (٨): «ممَّا لَمْ يَبْلُغِ حدَّ التَّواتُرِ»: مبنيٌّ على وجود المتواتر في الصحيح، وهو كذلك عند (هـ) (٩) كما سبق؛

стр. 226

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فلا تغفُل، وفيه رَدٌّ على من أوهم كلامُه قصرَ الخلاف على ما أخرجاه أو أحدهما، [ويمكن (١) حَمْلُ [كلامه (٢) عليه بقرينة ما مَرَّ، وعلى كلِّ حالٍ: المراد: أخرجاه اجتماعًا أو انفرادًا، أو ليُحمل كلُّه بعدَه على نمطه من ضمائر وغيرها، ولو أبدَل: «أخرجاه» بـ: «أسْنَداه» كان محرَّرًا. [قوله] (٣): «منها»: أي: من القرائن. «جَلَالَتُهما»: أي عظَمَتُهما وتمكُّنُهما، ورفعةُ] قَدْرِهما (٤) في] إتقان] (٥) هذا الفن. و [منها:] (٦) «تقدُّمُهما ... إلخ»، و «وتَلَقِّي العُلماءِ لكتابهما بالقَبُولِ» أي: تصريح العلماء بأنَّ مستَنَد ما ذهبوا إليه في الجملة من الأحكام ما ذكراه أو أحدهما، ومما بيَّن أنَّه ليس في الكتابين حديث أجمعت (٧) الأمة على تركه وعدم

стр. 227

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . العمل به، بل لا بُدَّ من] قائل] (١) [بما] (٢) فيهما في الجملة، وهذا لا يَستلزِم اتفاقَ أرباب المذاهب على كلِّ ما فيهما؛ إذ من أرباب أحدٍ إلا وقد ترَكَ الأخذَ بكثير مما فيهما سالكًا في ذلك طريق التأويل والترجيح، فحرَّر العبارة حيث جَعل المُتلَقَّى بالقَبول الكتابين لا كلَّ ما فيهما؛ إذ بعضه منتقَدٌ كما يُعلم مما بعده (٣). [قوله] (٤): «وهذا»: أي: تلقِّي العلماء بالقَبول -على تسليم صحته- وإن كان عن ظنٍّ من كلِّ المجتهدين؛ لأنَّ ظنَّ مجموعهم لعصمتهم عن الخطأ لا يُخطئ؛ فيفيد القطع بالصحة، وهو العِلْم. ] قوله] (٥): «مِن مُجَرَّدِ ... إلخ»: يعني إذا كانت واقعةً في غير الصحيحين، وهو متعلق بـ] «أقوى»] (٦).

стр. 228

إِلَّا أَنَّ هَذا مُخْتَصٌّ بِمَا لَمْ يَنْقُدْهُ أَحدٌ مِنَ الحُفَّاظِ مِمَّا في الكِتابينِ، وبِما لَمْ يَقَعِ التَّجاذُبُ بينَ مَدْلولَيْهِ مِمَّا وَقَعَ في الكِتابينِ، حيثُ لا تَرْجيحَ لِاستِحالَةِ أَنْ يُفيدَ المُتناقِضانِ العِلْمَ بصِدْقِهِما من غيرِ ترجيحٍ لأَحدِهِما على الآخرِ. [قوله] (١): «إِلاَّ أَنَّ هذا»: أي: ما يفيد العلْمَ ممَّا أخرجاه أو أحدُهما، «يختص» أي: يفيد بغير ما انتقده (أ/٤٦) الناسُ عليهما؛ إذ قد انتُقد عليهما: مائتان وعَشَرةٌ من [الأحاديث (٢)، يُختصُّ البخاريُّ منها بثمانين إلا اثنين، ومسلمٌ بمئة، ويشتركان في اثنين وثلاثين، وهذه وإن كانت كثيرةً في نفْسها لكنَّها بالنِّسبة لِما يُنتقَد عليهما يسيرة؛ فلا يُنافي قولَ ابن الصِّلاح (٣): «سِوى أحرفٍ يسيرة تكلَّم بعض أهل النقد عليها». قال العراقيُّ في «النكت» (٤): «وقد أجاب عنها العلماء، وقد جمَعْتُها في تصنيف مع الجواب عنها». [قوله] (٥): «وبِما لَمْ يَقَعِ التَّجاذُبُ بَيْنَ مَدْلُولَيْهِ»: أي: التجاذُبُ الذي لا يمكن معه الجمعُ، ويَحصُلُ معه التناقضُ، حيث لم يكن أحدهما ناسخًا للآخر. وقال (هـ) (٦): «وبما لم يَقَع التجاذُب بين مَدلولَيه» معطوف على: «لم يَنتقِده أحدٌ» والمراد بـ «التجاذب»: التعارضُ والتخالف، سواءٌ كان له مدلولان أو

стр. 229

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مدلولات، ولا بُدَّ من نفي الترجيح، ومن نفي الجَمع بينهما، وتعليل الشارح ذلك بـ: «استحالَته أنْ يُفيد المتناقضان العِلْمَ بصِدْقِهِما» أي:] بِصِدْق] (١) مدلوليهما صحيحٌ، كما هو موضوع المبحث من أنَّ المتواتر: يُفيد العلْمَ بمدلوله، والآحادَ: لا يُفيد العلْمَ بمدلوله إلا بقرينة الخبر، فقول (ق) (٢) في قوله: «وبِما لَمْ يَقَعِ التَّجاذُبُ بيْنَ مَدْلُولَيْهِ» لقائل أنْ يقول: لا حاجة إلى هذا؛ لأنَّ الكلام (هـ/٥٦) في إفادة العلْم بالخَبر، لا في إفادة العلْم بمضمونه، فيه نظرٌ، [غرَّه] (٣) فيه قولُ الشارح: «وما عدا ذلك/ فالإجماع حاصل على تسليم صحته»، وما علِم أنَّه [تسلم (٤) الصحة معه العلْم -كما يأتي-. [قوله] (٥): «مِن غيرِ تَرجيحٍ لأحَدِهِما على الآخَرِ»: قال بعضُهم: لا يَخفى أنَّهما إذا كان في أحدهما ترجيحٌ لا يفيدان العلْم بصدقهما. قلتُ (٦): وتعليقه [بالمتناقضان] (٧) كذلك، وعندي أنَّ المفهوم مفيد؛ لإفادة الراجح العلْمَ وحْدَه، وأنَّه متعلق بـ «يُفيد» وهذا المعنى منه] مستفيد] (٨)، (٩).

стр. 230

وما عَدَا ذلك فالإِجماعُ حاصِلٌ على تَسْليمِ صِحَّتِهِ. فَإِنْ قِيلَ: إِنَّما اتَّفَقوا على وُجوبِ العَمَلِ بِهِ لا عَلى صِحَّتِهِ، مَنَعْنَاهُ. وسَنَدُ المَنْعِ أَنَّهُمْ مُتَّفِقونَ عَلى وُجوبِ العَمَلِ بِكُلِّ مَا صَحَّ ولوْ لَمْ يُخْرِجْهُ الشَّيْخانِ، فلمْ يَبْقَ للصَّحيحينِ في هذا مَزيَّةٌ، والإِجماعُ حاصِلٌ على أَنَّ لهُما مَزِيَّةً فيما يَرْجِعُ إِلى نَفْسِ الصِّحَّةِ. [قوله] (١): «وما عَدا ذلك؛ فالإِجماعُ ... إلخ»: والإجماع عن مجتهدي الأمَّةِ على أنَّه صحيح، وإنْ قالوا ذلك عن ظنٍّ؛ فإنَّه لعصمتهم عن الخطأ لا يَخفى (٢). فقوله: «على تَسْليمِ صِحَّتِهِ»: [أي] (٣): تسليم القطع بها، إن قلتَ: يَرِد على عمومه التعليقُ الذي لم يَجْزِما به فإنَّه لم يُجمع على صحته، قلتُ: هو داخل فيما انتقدَه العلماء عليهما ولو إجمالًا، ولو سُلِّم خروجُه عنه فالكلام كان مفروضًا فيما أخرجاه بالإسناد المتصل؛ فلا يصدُق على ما] ذُكِر] (٤). فإنْ قلتَ: الكلام] مفروض] (٥) في إفادة ما فيهما العلْم لا في صِحة ما فيهما وعدمها، فوجْهُ الكلام: فالإجماع حاصلٌ على إفادته العلم، قلت: العُذر في العدول أنَّه لم ينعقد إجماع على إفادة ما فيهما بالمعنى السابق العِلْم،

стр. 231

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . نعمْ تسليم القطع بالصحة معه إفادة العِلْم كما [سيأتي] (١). ] قوله] (٢): «فإِنْ قِيلَ: ... إلخ»: هذا مفرَّعٌ على قوله: «وما عَدا ذلك؛ فالإِجماعُ ... إلخ»، فالضمير في: «به» راجع لـ: «ما» في قوله: «وما عَدا ذلك» أي: وجوب العمل به لا يقتضي صحته؛ [إذ] (٣) الحسَنُ يجبُ العملُ به. وقوله: «مَنَعْنَاهُ» أي: منعنا قوله، «لا عَلى صِحَّتِهِ» وحاصل الجواب: أنَّ ما صح أو حَسُنَ وجب العمل به وإنْ لم يكن من مرويِّهما، وقد ثبت أنَّ لهما مزيةً، وهي: كونُ ما فيهما من الحسن في أعلى رُتَبِ الحُسْن؛ فيكون من الصحيح، فمزيَّتهما كونُ حَسَنِهما من الصحيح؛ لكونه أعلى الحَسَن، هكذا أشار غير واحدٍ ممن كتب عليه، فقوله: «فكل ما صَحَّ» أي: أو حَسُنَ. وقوله: «فلمْ يَبْقَ للصَّحِيحَينِ في هذا مَزيَّةٌ»: مع أنَّ المزيَّةَ ثابتةٌ لهما، وهي كونُ حَسَنهما من الصحيح؛ لعُلُوِّ مرتبته في الحُسْن، فثبت من هذا: أنَّ كل ما فيهما ممَّا عدا المنتقَدَ ومتجاذب المدلول صحيحٌ، وما ذكرناه من أنَّ: حَسَنَهما صحيحٌ يخالف ما يأتي من أنَّ الحسَن إنَّما يصير صحيحًا إذا جاء من طرق أخرى لا] بغير] (٤) ذلك، وبهذا لا يتم قوله: «فالإجماع ... إلخ». قلتُ: وقد يُقال: إنَّ مزيَّتهما كونُ ما خرَّجاه معًا أو أحدُهما

стр. 232

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . صحيحًا، وليست] هي] (١) أنَّ حَسَنَهما أو أحدَهما صحيح، وسيأتي. [قوله] (٢): [«و يُحتمل ... إلخ»: «ويُحتمل أنْ يُقال» هي القطع بصحة ما أسنداه، أو أسنده أحدهما على ما ذهب إليه ابن الصَّلاح قاله (ج) (٣) (٤). [قوله] (٥): «أَنَّهُمْ مُتَّفِقونَ»: أي: العلماء مجمعون، فالاتفاق لُغَويٌّ. [قوله] (٦): «ولوْ لَمْ يُخْرِجْهُ الشَّيْخانِ»: فيه تَكرارٌ معنويٌّ، فالأَولى: مما لم يخرِّجه الشيخان. [قوله] (٧): «في هذا»: أي: وجوب العمل بما فيهما. والواو من قوله: «والإجماع» واو الحال. [قوله] (٨): «إِلى نَفْسِ الصِّحَّةِ»: أي: المستلزمة للعلم بمدلول ما صحَّ ممَّا سلف.

стр. 233

ومِمَّن صَرَّحَ بإِفادَةِ مَا خَرَّجَهُ الشَّيْخانِ العِلْمَ النَّظَرِيَّ: الأُسْتاذُ أَبو إِسْحاقَ الإِسْفَرايِينِيُّ، ومِن أَئِمَّةِ الحَديثِ: أَبو عبدِ اللهِ الحُمَيْدِيُّ، وأَبو الفَضْلِ بنُ طاهِرٍ، وَغيرُهُما. ويُحْتَمَلُ أَنْ يُقالَ: المَزِيَّةُ المَذْكُورَةُ كَوْنُ أَحادِيثِهِما أَصَحَّ الصَّحيحِ. ومِنها: المَشْهورُ، إِذا كانَتْ لهُ طُرُقٌ مُتبايِنَةٌ سَالِمَةٌ مِنْ ضَعْفِ الرُّواةِ والعِلَلِ. وَممَّن صَرَّحَ بإِفادَتِهِ العِلْمَ النَّظَرِيَّ: الأُسْتاذُ أَبو مَنْصورٍ البَغْدادِيُّ، والأُسْتاذُ أَبو بَكْرِ بنُ فُورَكٍ - بضم الفاء -، وَغَيْرُهُما. [قوله] (١): «الأسْتاذُ»: بالذال المعجمة، و «الإِسْفَرايِينِيُّ» بفتح الفاء والراء بعدها ألفٌ بعده مثناة من أسفل مكسورة بعدها نون وياء آخر الحروف، وبكسر الفاء وفتح الراء بعدها ألف لينة بعدها همزة مكسورة يليها ياء مثناة آخر الحروف بعدها نون وياء كذلك (٢). [قوله] (٣): «أَصَحَّ (أ/٤٧) [الصَّحِيحَينِ] (٤)»: وهو يتضمن صحة ما فيهما [ويُحتمل أيضًا تلقي الناس لكلامهما] (٥) بالقَبول، ويُحتمل أيضًا أنْ ما قالاه يفيد القطع بصحته ... إلخ ما تقدمت الإشارة لذلك. [قوله] (٦): «ومنها»: أي: من أنواع الخبر المحتفِّ بالقرائن المفيدة للعلم: «المشهورُ» أي:

стр. 234

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الحديث المسمى عند المحدِّثين (هـ/٥٧) بهذا اللقب (١). وقوله: «متباينة»: يُحتمل أنَّه نعت كاشفٌ لبيان الواقع؛ إذ لا تكون الطرق إلَّا متباينةً، وإلا ارتفع التعدُّد، ويُحتمل أنَّه للاحتراز عمَّا إذا رجعت أو بعضُها لشخصٍ واحدٍ يدور عليه الحديث، وهو الظاهر (٢). وقوله: «سالمة»: يجوز نصبه على الحال من «طرق» لوصفها بـ: «مُتباينة» أي: كل طريق منها تباينُ الآخرَ، ويجوز] رَفعُه] (٣) على أنَّه نعتٌ ثانٍ. وقوله: «من ضعف الرواة» كالكذب وجهل الحال. وقوله: «والعلل»: ينبغي أنْ تختَصَّ بالخفية كما يُعلم مما يأتي، وإلا كان فيه نوعُ تَكرار مع ضعف الرواة، [تأمل] (٤). [قوله] (٥): «النَّظَرِيَّ»: أي: المستفادَ بالنظر والاستدلال.

стр. 235

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «ابنُ فُورَكَ»: بضم الفاء أوله، فارسيٌّ، والكاف في آخره للتصغير في لغة الفُرس، ومعناه بالعَربيَّة: فُوَير، تصغير فار، يظهر من هذا أنَّه لا ينصرف للعلميَّة والعجمة كما قاله ابن أبي شريف، لكن نظر في الضبط ومَنَع الصرفَ بَعضُ من كتب على المقدمة. وقال (هـ) (٢): «ابن فُورَك: محمَّد بنُ الحسَن بن فُورَك -بضم الفاء وفتح الراء-، أعجميٌّ ممنوع من الصرف للعلميَّة والعُجمة»، ونقل (ق) (٣) عن المؤلف أنَّه قال: «فُورَك ممنوع من الصرف، فإنهم يُدخلون الكافَ عِوضَ ياءِ التصغير، ومثله: زَبْرك، قلتُ: هذا ليس علةَ مَنْعِ الصَّرف على ما عُرف في العربيَّة» انتهى. ويمكن أنْ يقال: إنه لا يُخالِف ما في العربيَّة، ومعنى قوله: «يدخلون الكاف إلخ» أنَّ أصل الاسم عربيٌّ؛ لأنَّه] الفُور] (٤) فنقلوه إلى الأعجمي بزيادة الكاف عوضًا عن ياء التصغير في لغتهم، فيرجع إلى أنَّ المانع من الصرف: العلميَّة والعُجمة (٥).

стр. 236

وَمِنْهَا: المُسَلْسَلُ بالأئمَّةِ الحُفَّاظِ المُتْقِنينَ، حيثُ لا يكونُ غَريبًا؛ كالحَديثِ الَّذي يَرْويهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ مَثلًا، ويُشارِكُهُ فيهِ غَيْرُهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ، ويُشارِكُهُ فيهِ غَيرُهُ عَنْ مالِكِ بنِ أَنسٍ؛ فَإِنَّهُ يُفِيدُ العِلْمَ عندَ سَامِعِهِ بِالاستِدْلالِ مِن جِهَةِ جَلالَةِ رُواتِهِ، وأَنَّ فيهِمْ مِنَ الصِّفاتِ اللاَّئِقَةِ المُوجِبَةِ للقَبولِ مَا يقومُ مَقامَ العَدَدِ الكَثيرِ مِنْ غَيْرِهِم. ولا يَتَشَكَّكُ مَنْ لَهُ أَدْنَى مُمارَسَةٍ بالعِلْمِ وأَخْبارِ النَّاسِ أَنَّ مَالِكًا -مَثلًا- لو شَافَهَهُ بخَبَرٍ أَنَّهُ صَادِقٌ فيهِ، فَإِذَا انْضافَ إِليهِ مَنْ هُو في تِلْكَ الدَّرَجَةِ؛ ازْدَادَ قُوَّةً، وبَعُدَ عَمَّا يُخْشَى عليهِ مِنَ السَّهْوِ. وكَوْنُ غيرِهِ لا يَحْصُلُ لهُ العِلْمُ بصِدْقِ ذَلكَ لِقُصورِهِ عَن الأَوْصافِ المَذكورَةِ- لا يَنْفي حُصولَ العِلْمِ للمُتَبَحِّرِ المَذْكورِ، واللهُ أَعلمُ. [قوله] (١): «ومِنها: المُسَلْسَلُ ... إلخ»: ما مثَّل به لا يجري فيما رواه الشيخان؛ لأنَّ الشافعيَّ لا رواية له في الصحيحين [كما] (٢) ذكَره الكمال (٣). وفي كتابة: مراده المسلسل بالأئمة الحفَّاظ مع كونه في الصحيحين وطرقه متعددة لا خصوص الأئمة الذين مثَّل بهم؛ لأنَّ الشافعيَّ لا رواية له فيها. وظاهر قوله: «فلا يَبْعُدُ ... إلخ» أنَّ وجود واحدٍ من الثلاثة يَبْعُدُ معه القطع بالصِّدْق؛ لأنَّ المخالفة في إفادته القطع تمتنع إفادة تلك القرينة، والقرائن القطع.

стр. 237

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقال (هـ) (١): «أي: ومن أنواع الخبر المحتف بالقرائن المفيدة للعلم: المسَلسل، من [التسليس] (٢)، وهو التتابع، سُمِّيَ بذلك؛ لتتابع نقلته على وصفٍ ما، يَرجِع [لهم] (٣) ويَرجِع للسَّنَد، وإفادة هذا النوع العلْمَ مبنيَّةٌ على ما مرَّ له من أنَّ الصفاتِ العَليَّةَ تقوم مقام العدد، وستعرف حقيقة المسَلسَل بعد ذلك». [قوله] (٤): «المتقنين»: لعلَّ المُراد بالإتقان: معرفةُ ما يُراد من الحديث إطلاقًا وتقييدًا، وتعميمًا وتخصيصًا، لا مقابل الشك والتردد لأغنى] للحفظ] (٥) عنه، على أنَّ مراتب الحفظ متفاوتة كما لا يَخْفى، وقد يُحتمل أنَّه وصفٌ كاشفٌ (٦). [قوله] (٧): «حيثُ لا يكونُ غَريبًا»: الظاهر أنَّه حيثيَّةُ تقييدٍ، لا حيثيَّة تعليل ولا إطلاق. وقوله: «عندَ سَامِعِهِ ... إلخ» متعلقان بـ «يفيد» (٨).

стр. 238

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «مِن جِهَةِ] جَلالَةِ] (٢) ... إلخ»: لو أسقط: «جهة»، وأدخل: «مِن» على] جلالة] (٣)، وجَعَلَها تعليليَّةً، أو أبدلها بلام العلة لكان أخصرَ وأظهرَ؛ لأنَّ] إضافة] (٤) «جهة» بيانيَّة. [قوله] (٥): «وأنَّ فيهم ... إلخ»: عُطِفَ على مدخول الفاء، ويصح عَطْفُه على: «جلالة رُواته». وفي كتابة: [الواو للعطف التفسير] (٦) «لجلالة رُواته»، و «اللائقة» المراد بها: العالية السابقة، و «الموجِبة»: نعتُ «الصِّفات»، واسم «أنَّ»: «ما يقوم»، والمراد بالإيجاب: العُرْفيُّ الشرعيُّ. [قوله] (٧): «مِن غَيْرِهِم»: أي: غيرِ هؤلاء الرُّواة (٨). [قوله] (٩): «ولا يتشكك ... إلخ»: هذا شروع في بيانِ إفادة هذا المسَلسل العلْمَ بطريق الوِجْدان، أي: لما يقبل

стр. 239

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . التشكيك من أي شخص كان. والممارسة: المخالطة للشيء مع التمرن عليه، والمُشَافَهة: المكالَمة والمخاطَبة. تنبيه: (هـ/٥٨) قوله: «أَنَّ مالِكًا» [فيه] (١) مقدرة متعلقة بتشكيك. وقوله: «أَنَّهُ صادِقٌ» يَظهر أنَّه معمول] لأنه] (٢) تشكك [المحذوف] (٣) الواقع جوابا لـ: «لَوْ»، ويَحتمل -على بُعدٍ- أنَّه بَدَلٌ من: «أنَّ (أ/٤٨) مالكًا ... إلخ» وضمير «إليه»: راجعٌ إلى مالك، و «تلك الدَّرجة» المراد بها اتِّصافُه بالصفات اللائقة الموجبة للعلم، وضمير «عليه»: راجعٌ لمالك مثلًا، ويُحتمل رجوعه للخبَر، وأنتَ خبيرٌ بأنَّ الأنواع المذكورةَ ثلاثةٌ. وقوله: «منها ... إلخ»: متعلِّق بتحصيل ويُحتمل أنَّه حالٌ من الخبر، أي: حال كونه بعضها، وهو المطابق] لقولِه] (٤): «ويمكن اجتماع ... إلخ»، وعلى كلِّ حالٍ ضمير «منها»: هو الرابط لجملة الخبر بالمبتدأ وهو: «هذه الأنواع». تتمتان: الأُولى: قال (ق) (٥) في قوله: «أنَّه صادقٌ» إنْ أراد أنَّه لم يتعمد الكذب؛

стр. 240

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فليس محلَّ النزاع، وإنْ أراد أنَّه لا يجوز عليه السهو والغفلة؛ فمحلُّ تأمُّل» انتهى. قلتُ: لا نختار الأول ولا الثاني، بل نختار احتمالًا ثالثًا وهو: أنَّ الأغلب في مجاري العادة؛ فمَنْ جَمَع تلك الصفاتِ وانضاف إلى مَن جمَعها أيضًا الصِّدقُ بحيث يَبْعُدُ صدورُ الكذب منه سهوًا أو نسيانًا فضلًا عن تعمُّده عادةً، وكفى بهذا موجِبًا للعلْم بحسَب] مجاري] (١) العادات، ألا ترى إلى قوله: «وَبعُدَ ما يُخشى عليه من السهو»؛ فإنه صريح في ذلك. الثانية: قال (ق) (٢) أيضًا قوله: «وهذه الأنواع ... إلخ» يُقال عليه: لو سُلِّم حصولُ ما ذُكر لم يكن محل النِّزاع؛ إذ الكلام فيما هو سببُ العلْمِ للخلْق لا لبعض الأفراد» انتهى. قلتُ:] نريد] (٣) بعامَّة الخلق لا «لخصوص العالم بالحديث المتبحر فيه العارف ... إلخ» كما اعترف به الشارح، ولا يَخفاك أنَّ هذا الخاطر سرى له [ما] (٤) وقع في أوائل مقدمات العقائد من التكلم على العلْم للخلْق و [وذلك غير لازم] (٥)؛ فإنَّه كان كلامهم في أسباب حصول العلْم لكلِّ مَن شأنه أن يخاطَبَ بالتوحيد والعقائد، وليس الكلام هنا إلَّا فيمن يَستدل

стр. 241

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بالأدلة السمعيَّةِ على المطالب الشرعيَّة، وهم المجتهدون ومَن جرى مجراهم؛ فالحكم على أحد الفريقين بما أصَّله الفريقُ الآخَرُ خلطٌ (١). [قوله] (٢) «المتبحِّر»: أي: الواسع الاطلاع الذي صار -لِسَعَتِه- كالبَحر، والمراد بـ «أحوال الرُّواة»: أحوال القَبول والرَّد عدالةً وجَرحًا وغيرهما. والمراد من «العِلَل»: العِلَلُ الخفيَّة؛ فإنها المتبادرة عند الإطلاق، وقد يُطلقُونها على كل قادحٍ، حتى إنَّ بعضَ المحقِّقين ربَّما سَمَّى النَّسخَ علةً؛ لكونه مانعًا من العمل بالمنسوخ، ولا مانع من حمْلها على هذا المعنى (٣). [قوله] (٤): «وكَوْنُ»: بالرفع مبتدأٌ، خبرُه: «لا يَنفي ... إلخ»، وهو جواب سؤالٍ مقَدَّرٍ ظاهر التقدير. [قوله] (٥): «بصِدْقِ ذلك»: أي: المذكورِ من الأنواع الثلاثة، وظاهره نفيًا وإثباتًا شُمول مرويِّ الصحيحين، وهو بَيِّن.

стр. 242

ومُحَصَّلُ الأَنْواعِ الثَّلاثَةِ الَّتي ذَكَرْناها: أنَّ الأَوَّلَ يَخْتَصُّ بالصَّحيحينِ. والثَّانِي بِما لَهُ طُرُقٌ مُتَعَدِّدَةٌ. والثَّالِثُ بِما رَوَاهُ الأئمَّةُ. ويُمكِنُ اجْتماعُ الثَّلاثةِ في حَديثٍ واحِدٍ، فلا يَبْعُدُ حِينَئذٍ القَطْعُ بِصِدْقِهِ، واللهُ أَعْلمُ. [قوله] (١): «ومُحَصَّل الأنواع»: أي: ما يَتَحَصَّل منها، ويرجع إليه على سبيل الإجمال؛ ولذا أهمل شروطها هنا لعلمها تفصيلًا مما مَرَّ (٢). [قوله] (٣): «ويمكن ... إلخ»: أي: باعتبار أنَّ الأخير مسَلسَلٌ بإطلاق الأئمة الحفَّاظ لا بقَيد مَنْ مَثَّل به؛ فإنَّ الشافعيَّ لا رواية له في الصحيحين، قاله الكمال الشريف (٤). [قوله] (٥): «فلا يَبْعُدُ حينئذٍ»: أي: حينئذٍ اجتمعت الأنواع الثلاثة في حديثٍ واحدٍ «القطع بصِدقه» [بيِّن] (٦)، ولو قلنا بمذهب مَنْ يرى أنَّ كلَّ واحدٍ منها بمفرده إنَّما يُفيد الظنَّ؛ فلا يُنافي ما مَرَّ له من كلِّ واحدٍ منها عنده يفيد العلم (٧).

стр. 243

ثمَّ الغَرابَةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ في أَصلِ السَّنَدِ؛ أَيْ: في الموضعِ الَّذي يَدُورُ الإِسنادُ عليهِ ويَرْجِعُ، ولو تَعَدَّدَتِ الطُّرقُ إِليهِ، وهو طرَفُهُ الَّذي فيهِ الصَّحابيُّ، أَوْ لَا يَكونُ كَذَلكَ بأَنْ يَكونَ التَّفَرُّدُ في أَثنائِهِ، كأَنْ يَرْوِيَهُ عَنِ الصَّحابيِّ أَكثَرُ مِنْ واحِدٍ، ثمَّ يَتَفرَّدَ بروايَتِهِ عَنْ واحِدٍ مِنْهُم شَخْصٌ واحِدٌ. [قوله] (١): «ثُمَّ الغَرَابةُ ... إلخ»: تنبيهات: الأول: قَسَّم الغَرابة إلى هذين القسمين، ولم يُقَسِّمِ العِزَّةَ ولا الشُّهرة إليها؛ فأمَّا العِزَّةُ فلا يتأتَّى فيها ذلك، وأما الشُّهرة فقد قَسَّموها إلى قسمين أيضًا: شهرةٌ مُطْلَقةٌ بيْن المحدِّثين وغيرِهم؛ كحديث مسْلم: «المُسْلِمُ مَن سَلِمَ المُسْلِمونَ مِن لِسانِه ويَدِهِ» (٢)، وشهرةٌ مقصورةٌ على المحدِّثين؛ (هـ/٥٩) كحديث أنسٍ: «أنَّ النبيَّ ﵊ قَنَتَ بعد الركوع شهرًا يدعو على رِعْلٍ وذَكْوانَ» (٣)؛ فإنَّه مشهور عند المحدِّثين عن التَّيميِّ، عن أبي مِجْلَز، عن أنس، أما غيرُهم فيَستَغرِبُ رواية التَّيميِّ عن أنس بواسطة، بل المعروف لهم إنَّما هو روايته عنه بلا واسطة. الثاني: اعلمْ أنَّ كُلًّا من المشهور والعَزيز والغريبِ ينقَسِم ثلاثةَ أقسام: صحيحٌ وحسَنٌ وضعيفٌ؛ فمجموع الأقسام تسعة كما قاله المحقِّقون، وإنْ لم

стр. 244

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يُعرِّج ابن الصَّلاح بانقسام العزيز إلى: صحيح وضعيف، وقد ذَكَر العراقيُّ أمثلتها في شرح ألفيَّته فراجِعه (١)، وسيأتي أنَّ كلام المؤلِّف منطبقٌ على الجميع، المقبول منها في أقسام المقبول، والمردود منها في أقسام المردود، كما نُبيِّنه (أ/٤٩) عند المرور به إن شاء الله. الثالث: سُمِّي الحديث الموصوفُ بالغرابة غريبًا؛ لانفراد راويهِ عن غيره، كالغريب الذي شأنُه الانفراد عن وطنه. الرابع: الغرائب وإنِ انقسَمت إلى: صحيحٍ وحسَنٍ وضعيفٍ، لكن الغالب عليه عدمُ الصحة، بخلاف الأوَّلَينِ، فلا يُعمل بأكثره إلَّا في الفضائل، ومِن هنا كَرِه جمعٌ من الأئمة تتبُّعَ الغرائب، منهم: أحمد؛ فقال: لا تكتبوها؛ فإنَّها مَناكيرُ، وعامَّتها في الضعيف ... إلخ (٢). [قوله] (٣): «في أصلِ السَّنَدِ»: قال (ق) (٤): «المؤلِّف في تقريره: أصلُ السَّنَد وأوله ومنشأه وآخره ونحو ذلك، يُطلَقُ ويُراد به: مِن جهة الصحابيِّ، وقد يُراد به: الطرف الآخر، بحسَب المَقام» انتهى.

стр. 245

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقال (ب): «المُراد بالنِّسبة إلى التابعيِّ بألَّا يرويَ عن الصحابيِّ إلا تابعيٌّ واحدٌ، ولا يُتوهَّمُ أنَّه بالنِّسبة إلى الصحابيِّ؛ لأنَّ تفرُّدَ الصحابيِّ لا يلحق فيه شيء من الوهَن، قاله [المؤلِّف] (١)» (٢). [قوله] (٣): «و يرجع ... إلخ»: عطف تفسير على:] يدور] (٤). [قوله] (٥): «وهو»: أي: الموضع المذكور «طَرَفُه الذي فيه الصحابيُّ»، ولو قال: الذي يَتَّصِلُ بالصحابيِّ؛ كان أظهر، فتُجعل «في» بمعنى: «عند» توسُّعًا. وفي كتابة: طرَفه الذي فيه الصحابيُّ، قال المؤلِّف: «أي: الذي يروي عن الصحابيِّ وهو التابعي، وإنَّما يُتكلم في الصحابيِّ؛ لأنَّ المقصود ما يترتب عليه من القَبول والرَّدِّ، والصحابة كلُّهم عدول، وهذا بخلاف ما مرَّ في حدِّ العَزيز والمشهور، حيث قالوا: إن العَزيز لا بُدَّ فيه ألَّا يَنُقصَ عن اثنين من الأول إلى الآخر، وأنَّ إطلاقه يتناول ذلك، ووجْهُه: أنَّ الكلام هناك في وصف السَّنَد بذلك، وهنا فيما يتعلق بالقَبول والرَّدِّ» انتهى، ومُفاد كلامه: أنَّ الصحابي في

стр. 246

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . العَزيز والمشهور حُكمُه حُكمُ مَن بعده من الطِّباق؛ فلا بُدَّ في المشهور: أنْ يَزيد عددُه على اثنين، وفي العزيز: أنْ يكون اثنين فأكثر؛ فحُكمُه حُكم الطِّباق الذي بعده، والفرْق: أنَّ الكلام في العزيز والمشهور بالنِّسبة لوصف السَّنَد بذلك، وهنا بالنِّسبة للقَبول والرَّدِّ. قلتُ: وفيه نظرٌ؛ من وجوهٍ: الأول: أنَّه حينئذٍ يكون لنا قِسْمٌ خارجٌ عما ذَكَره المؤلِّف، ولا يُدرى اسمُه، وهو: ما كان كلُّ طبقة من طِباقه ما عدا طبقة الصحابيِّ لا يَنقص عن اثنين، وهنا طبقة الصحابيِّ نَقصت عنهما، وليس] بغريب] (١)؛ لأنَّ المُعتبَر في] الغريب] (٢) أنْ يكون في طبقةٍ من طِباقه عدا طبقةِ الصحابيِّ واحدٌ، وليس بمشهور، وهو واضحٌ، ويَجري مِثلُ ذلك في المشهور، فإذا كانت كلُّ طبقة من طِباق الحديث ثلاثةً فأكثر ما عدا طبقةَ الصحابيِّ، وطبقة الصحابيِّ واحدٌ؛ لم يكن عَزيزًا ولا غريبًا ولا مشهورًا. الثاني: أنَّ قوله: «ووجْهُه: أنَّ الكلام هنا ... إلخ» غيرُ ظاهرٍ، بل الكلام هنا أيضًا في وصف السَّنَد بالغرابة والفرْديَّة المُطلَقةِ والنِّسبية، وهو ظاهر. (هـ/٦٠) الثالث: أنَّه على ما ذَكَره يكون قوله: «مع حَصْر] بما] (٣) فوق الاثنين أو بهما» يجري حتى في الصحابيِّ، وقوله: «أو بواحد» أي:] فيمن] (٤) بعد الصحابيِّ؛

стр. 247

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ففيه توزيعٌ لا قرينة عليه، والمُخلِّصُ مِن هذا كلِّه أنْ يُقالَ باستواءِ الغريب والعَزيز والمشهور في أنَّه لا يُنظر لتعدُّد الصحابيِّ، ولا لعدم ذلك في الجميع، وحينئذٍ يُراد بآخر السَّنَد: مَنْ يروي عن الصحابيِّ وهو التابعيُّ، وفي كلام بعضِهم إشارةٌ إليه، أو يُقال: إن الصحابيَّ حُكمُه في كلِّ واحدٍ منها حُكم ما بَعدَه من الطِّباق، والأول هو ظاهر كلام بعضهم، قاله (ج) (١). [قوله] (٢): «أو لا يكون كذلك»: أي: أو لا تكون الغرابةُ في أصل السَّنَد بالمعنى المذكور. وقوله: «بأنْ يكون التفرُّد في أثنائه»: «الباء» فيه للسببيَّة متعلِّقة بالنفي، [أي] (٣): عدم كون الغرابة بالمعنى المذكور أولًا، بسبب كون التفرد في أثنائه فقط، ثُمَّ مثَّل بقوله: «كأنْ يرويَه عن الصحابيِّ أكثرُ من واحدٍ ... إلخ». قال (ق) (٤): «قال المؤلِّف: «إنْ روى عن الصحابيِّ تابعيٌّ واحدٌ فهو: الفرْد المُطلَق، سواءٌ استمرَّ التفرُّدُ أم لا بأنْ رواه عنه جماعة، وإن رَوى عن الصحابيِّ أكثرُ من واحدٍ ثُمَّ تفرَّد عن أحدهم واحدٌ فهو: الفرْد النِّسْبيُّ، ويُسمَّى مشهورًا؛ فالمَدار على أصله» انتهى. قلتُ: يُستفاد من هذا أنَّ قوله فيما مَرَّ: «أو مع حَصْرِ

стр. 248

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . عددٍ بما فوق الاثنين» ليس بلازم في الصحابيِّ (أ/٥٠) والله أعلم» انتهى. قلتُ: يريد بقوله: «] روى] (١) عن الصحابيِّ أكثرُ من واحدٍ» ما فوق اثنين، وهذا في هذا المَحلِّ سُمِّي مشهورًا، وفي مَحلِّ التفرُّد يُسمَّى فردًا. وقوله: «فالمَدار على أصله» (٢) يعني: في الفرْديَّة المطْلَقة والفرْديَّة النَّسْبيَّة لا في الشهرة؛ إذ لا يختلف حالها في اعتبار التعدُّد في رُواة حديثها بما فوق [اثنين] (٣) لا بالنِّسبة لصحابيٍّ ولا بالنِّسبة لغيره. وقوله: «ويُسمَّى مشهورًا» يعني: في مَحلِّ زيادة رُواته بما فوق اثنين؛ فقوله فيما مَرَّ: «أوْ مع حَصْر بما فوق اثنين» صحيح الإطلاق، مُلتزم الظاهر في الصحابيِّ وغيره، ولو يُحمل على ما قاله ناقَض ما نقلَه عنه آنفًا من قوله: «وهذا بخلاف العَزيز والمشهور ... إلخ»، وحَمْله على الاتفاق دون اللزوم ممَّا لا يُسمِنُ ولا يغني من جوع؛ فأحسِن التأمُّل ولا تكن من الغافلين، قاله (هـ) (٤).

стр. 249

فَالأوَّلُ: الفَرْدُ المُطْلَقُ؛ كَحديثِ النَّهْيِ عَنْ بيعِ الوَلاءِ، وعَنْ هِبَتِهِ، تَفرَّدَ بهِ عبدُ اللهِ بنُ دِينَارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ. وقَدْ يَتَفَرَّدُ بِهِ رَاوٍ عَنْ ذَلكَ المُتفرِّدِ؛ كحديثِ شُعَبِ الإِيمانِ؛ وقد تَفرَّدَ بهِ أَبو صَالِحٍ عَنْ أَبي هُريرةَ، وتَفرَّدَ بهِ عبدُ اللهِ بنُ دِينَارٍ، عَنْ أَبي صَالحٍ. وقَدْ يَسْتَمِرُّ التفرُّدُ في جميعِ رواتِهِ أَوْ أَكْثَرِهمْ، وَفِي «مُسْنَدِ البَزَّارِ»، وَ «المُعْجَم الأَوْسَط» للطَّبرانيِّ أَمثلةٌ كثيرةٌ لذَلكَ. [قوله] (١): «فالأوَّلُ: الفَرْدُ المُطْلَقُ»: أي: فالقِسم الأول وهو: ما كانت الغَرابة في أصل سنَده «الفرْدُ المُطْلَقُ» أي: يُسَمَّى عندهم بذلك، كما يُسمَّى بالغريب، وحَمْل الفرْد المطابِق عليه مُشْعِرٌ باتخاذ الغريب والفرْد] مطلقه بمطلقه] (٢) و [نِسبِيِّه بنِسبِيِّه] (٣)، وهو كذلك كما يُصرِّح به قريبًا، وقدَّمنا أنَّ كلام ابن الصَّلاح مُشْعِرٌ بأنَّ بينهما عمومًا وخصوصًا مُطْلَقًا؛ فكلُّ غريبٍ فرْدٌ وليس كلُّ فرْدٍ غريبًا على مَا مَرَّ (٤). [قوله] (٥): «كحديث النَّهيِ ... إلخ»: تجوز فيه الإضافة البيانيَّة وتركها فيُنَوَّن «حديث»، وما بعده: بدلٌ منه أو

стр. 250

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . عطفُ بيانٍ عليه، وهذا مثالُ] الغريب] (١) المُطلَق، ومثالُ الغريب النِّسْبيِّ حديث: «أنَّ النبيَّ ﵊ أَوْلَمَ على صَفيَّة بسَويقٍ وتَمْرٍ» (٢)؛ فإنَّه لم يروِه عن بكر إلا أبوه: وائل بن داود، ولم يروِه عن وائلٍ إلا ابنُ عُيَيْنَةَ؛ فهذا غريبٌ؛ ولذا قال الترمذيُّ: إنَّه حسنٌ غريبٌ (٣)، ولا يَلزم من تفرُّد وائلٍ به عن ابنه بكر تفرُّدُهُ به مُطلَقًا؛ فقد ذَكَر الدارقُطنيُّ في علله (٤): أنَّه رواه محمد بن الصَّلت التَّوَّزي، عن ابن عُيَيْنةَ، عن زياد بن] سعد] (٥)، عن الزُّهْريِّ، قال: «ولم يُتابَع عليه، والمحفوظ عن ابن عُيَيْنةَ، عن وائلٍ، عن ابنه، ورواه جماعة عن ابن عُيَيْنةَ، عن الزُّهْريِّ بلا واسطةٍ».

стр. 251

والثَّانِي: الفَرْدُ النِّسْبِيُّ، سُمِّيَ نسبيًّا؛ لكونِ التفرُّدِ فيهِ حصلَ بالنسبةِ إِلى شخصٍ مُعيَّنٍ، وإِنْ كَانَ الحَديثُ في نفسِهِ مشهورًا. [قوله] (١): «والثاني»: أي: والقِسْمُ الثاني من قِسْمَيِ الغريب ما يُسمَّى بالفرْد النِّسبيِّ؛ فقوله: «سُمِّي نِسبِيًّا» (هـ/٦١) معناه: أنَّ هذا المجموع المرَكَّبَ تركيبًا توصيفيًّا نُقِل وجُعِل عَلَم جنسٍ لهذه الحقيقة الخاصَّةِ عُرْفًا. ومن الفرْد النِّسبيِّ أنْ يَنفرِد أهلُ بلدٍ -كالبَصرة مثلًا- بنقل حديث لم يشاركْهم فيه غيرُهم، مثالُه: حديث أبي داود، عن أبي الوليد الطَّيالِسيِّ، عن هَمَّام، عن قَتادةَ، عن أبي نَضْرةَ، عن أبي سعيد الخُدْريِّ قال: «أمرَنا الرسولُ أنْ نقرأَ بفاتحةِ الكِتابِ وما تَيَسَّرَ» (٢)؛ فإنَّه لم يروِ هذا الحديثَ غيرُ أهل البَصرة، فقد قال الحاكم (٣): «إنهم تفرَّدوا بذِكْر الأمر فيه من أول الإسناد». ومثالُه في أهل مصر: حديث عبد الله بن زَيدٍ في صفة وُضوء رسول الله ﷺ (٤)، حيث قال الحاكم فيه (٥): «إنَّ قوله: «ومَسَحَ رأسَه بماءٍ غيرِ فَضْلِ يَدِه» تفرَّد به أهل مصر». قلتُ (٦): ومن الفرْد النِّسبيِّ أنْ ينفرد ثقةٌ برواية الحديث من بين سائر رُواته، ومثالُه قول القائل في حديثٍ: «قرأ النبيُّ ﵊ في الأضحى والفطر بقاف واقتربت»؛ فإنَّه لم يروه ثقةٌ إلَّا ضَمْرَةُ بن سعيد المازنيُّ، فقد انفرد به عن عبيد الله

стр. 252

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ابن عبد الله، عن أبي واقدٍ اللَّيْثيِّ، عن النبيِّ ﵊، رواه مسلم وغيره (١)، وَإنما قُيِّد بالثقة لرواية الدارقطني له من رواية ابن لَهِيعةَ (٢) -وقد ضعَّفه الجمهور-، عن خالد بن يزيد، عن الزُّهْريِّ، عن عُروةَ، عن عائشة ﵂. تنبيه: الأفراد النسبيَّة كيف كانت لا ضَعفَ فيها من حيث التفرُّدُ، نعمْ إذا قالوا: لم يروه ثقةٌ إلا فلانٌ نُظِرَ في فلانٍ: هل بلغ رتبة مَن يُحتج بتفرُّده أم لا؟ وفي غير الثقة -وإنْ كانت روايتُه كلا روايةٍ- هل بَلَغ رُتبة مَن يُعتبَر حديثُه أم لا؟ (٣) فائدتان: الأولى: مِنَ الفرْد المُطلَق قولُهم: هذا من أفراد البصريين مثلًا، مريدين أنَّه تفرَّد به بعضُهم تَجوُّزًا في الإضافة، كما يُضاف فِعلُ واحد من [قبيلة] (٤) إليها مجازًا، نحو حديث: «كلوا البلح بالتمر» (٥)، فقد قال (أ/٥١) الحاكم (٦): «هو من أفراد البصريين/ عن] المدنيين] (٧)». وأراد واحدًا منهم. الثانية: قال ابنُ دَقيقِ العِيدِ (٨): إذا قيل في حديثٍ: تفرَّدَ به فلانٌ عن فلانٍ،

стр. 253

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . احتمَل أنْ يكون تفرُّدًا مُطلَقًا، وأنْ [يكون تفرَّد به عن هذا المعيَّنُ] (١) خاصَّةً، ويكون مرويًّا عن غير ذلك المعيَّن؛ فليُتنبَّه لذلك. [قوله] (٢): «بالنِّسبةِ إِلى شخصٍ معيَّنٍ»: وقد يكون بالنِّسبة إلى بلدٍ معيَّن، كأنْ يُقال: هو من أفراد الكوفيِّينَ أو الشاميين، فإن أراد قائلُ ذلك أنَّه رواه واحدٌ منهم فهو من الفرْد المُطْلَق، فإنْ قلتَ: الفرْدُ المُطْلَق حَصَل فيه التفرُّدُ بالنِّسبة إلى شخصٍ معيَّن، قلتُ: قد لا يحصُل ذلك؛ لأنَّه قد يَقع التفرُّد في جميع السَّنَد، والحاصل: أنَّ النِّسبة في الفرْد النِّسبيِّ لازمةٌ، وليست بلازمةٍ في الفرْد المُطْلَق، وأيضًا مُناسبة التسمية لا يَلزم اطِّرادُها، مثال التفرُّد بالنسبة إلى شخصٍ معيَّن ما يأتي في حديث النهي عن بيع الوَلاء وهِبَتِه، ومثال التفرُّد في جميع السَّنَد ما رواه أصحاب السنن الأربعة من طريق سُفْيانَ بنِ عُيَيْنةَ، عن وائل بن داود، عن [ابنه] (٣) بكر بن وائل، عن الزُهْريِّ، عن أنس: «أنَّ المصطفى أْوْلَمَ على صَفيَّةَ بسَويقٍ وتمرٍ» (٤)، قال ابن طاهر (٥): «تفرَّد به وائل عن ابنه، ولم يَروِه عنه غيرُ سُفيانَ». [قوله] (٦): «في نَفْسِه»: أي: في حد ذاته.

стр. 254

ويقلُّ إِطلاقُ الفَرْدِيَّةِ عليهِ؛ لأنَّ الغَريبَ والفَرْدَ مُترادِفانِ لُغةً واصْطِلاحًا إِلَّا أَنَّ أَهْلَ الاصطِلاحِ غَايَروا بَيْنَهُما من حيثُ كَثْرَةُ الاستِعمالِ وقِلَّتُهُ. فَالفرْدُ أَكْثَرُ ما يُطْلِقونَهُ على الفَرْدِ المُطْلَقِ. وَالغَريبُ أَكثرُ ما يُطْلِقونَهُ عَلى الفَرْدِ النِّسْبيِّ. [قوله] (١): «ويَقِلُّ ... إلخ»: أي: ويَقِلُّ استعمال ذي الفرديَّة فيه، وهو لفظ «فرْد» المأخوذ من: «الفرْدية»، بأنْ يُقال فيه: إنَّه فرْد من غير تقييد بالنِّسبيَّة، فالإطلاق بمعنى الاستعمال، و «على» بمعنى: «في»، مثله: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا] ﴿القصص: ١٥﴾. ويُمكن أنْ يُراد بالإطلاق: الحَمْل؛ فـ: «على» باقيةٌ على حالها، أي: ويَقِلُّ حمل ذي الفرْدية عليه، بأنْ يُقال: هذا فرْد، (هـ/٦١) من غير تقييد أيضًا بالنِّسبيَّة، والأول أقْرَب، وبهذا يسقط الاعتراض بخفاء العبارة في إفادة المراد، قاله (هـ) (٢). [قوله] (٣): «لأنَّ الغَريبَ والفَرْدَ مُترادِفانِ لُغةً واصْطِلاحًا»: فيه نظرٌ من وجهين: الأول: أنَّ كلامَ أهل اللغة يفيد عدَّم التَّرادُف؛ لاختلاف] مفهوميهما] (٤)، وأنَّ بيْنهما: إمَّا عموم وخصوص مُطْلَق، أو من وجهٍ. قال ابن فارس في «المُجْمَل» (٥): «غَرُبَ: بَعُدَ، والغَرَابة: الاغتراب عن الوَطن،

стр. 255

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والفرْد: الوتر، والمفرد: المنفرد»، هذا كلام أهل اللغة، وليس فيه ما يقتضي التَّرادُف ولا ما يوهِمه، انتهى. الثاني: أنَّ كون الغريب والفرْدِ مترادِفَينِ لا يصلح علةً لقوله: «ويَقِلُّ إطلاقُ الفرْد عليه»، وقد أشار] بعضُهم إلى هذا] (١) مع زيادة، فقال: إنْ كان هذا التعليل لقلة إطلاق الفرْد عليه لم يَصِحَّ؛ لأنَّ التَّرادُفَ إنْ لم يَقتضِ التسوية في الإطلاق لم يقتض ترجيحَ أحد المترادفين فيه، وإنْ كان تعليلًا لإطلاق الفرْد المُطْلَق والفرْد النِّسبيِّ على الغريب لم يَصِحَّ أيضًا؛ لأنَّ التَّرادُف إنَّما هو بَيْن: مُطْلَقِ الفرد ومُطْلَقِ الغريب، لا بَيْن: الفرْد المقيَّد بالإطلاق أو بالنِّسبة وبَيْن الغريب؛ فأمعِن النظر فيه، قاله (ج) (٢). وقد يُقال: التَّرادُف بحسَب اللغة صحيحٌ؛ لأن الغُربة والاغترابَ فيهما انفراد عن الوَطن، والوتر والمنفرد فيهما انفراد عن الزوجية والغَير؛ فقد تَساويا في حاصل المعنى ومآلِ الاستعمال؛ فجاء الترادف بمعنى التساوي، كما هو الشائع بين الأقدمين في إطلاق الترادف على التساوي في كثير من المواضع. وقال (هـ) (٣): «قال ابن الصَّلاح (٤): الحديث الذي ينفرد به بعضُ الرواة يوصف بالغريب، وكذا الحديث الذي ينفرد فيه بعضهم بأمر لا يذكره فيه غيرُه: إما في مَتْنه، وإما في إسناده. قال العراقي (٥): ورُوينا عن أبي عبد الله بن

стр. 256

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مَنْدَهْ أنه قال: الغريب من الحديث كحديث الزُّهْريِّ وقَتادةَ وأشباهِهما من الأئمَّةِ ممن يُجْمَع حديثُهم إذا انفرد الرجل عنهم بالحديث يُسمَّى: غريبًا، فإذا رَوى عنهم رجلان أو ثلاثةٌ واشتركوا يُسمَّى: عَزيزًا، فإذا روى الجماعة عنهم حديثا سُمِّي: مشهورًا، وهكذا قال محمد بن طاهر المقدسيُّ، وكأنَّه أخَذَه من كلام] ابن منده (١)» انتهى. قلتُ: حاصلُ كلام] ابن منده (٢) أنَّ الغريب: ما انفرد به الراوي عن إمامٍ مِن شأنه أن (أ/٥٢) يُجْمعَ حديثُه؛ فهو أخصُّ مُطْلَقًا من كلام ابن الصَّلاح الذي اعتمده المؤلِّف، وبه صدَّر العراقيُّ (٣). [قوله] (٤): «مِنْ حيثُ كَثْرَةُ ... إلخ»: الظاهر أنَّها حَيثيَّةُ تقييد، وما [بعدها] (٥) من معطوف عليه ومعطوف: مرفوعان، والخبر محذوف، بِناءً على مذهب الجمهور] من] (٦) وجوب إضافة «حَيْثُ» إلى الجملة، خلافًا للكِسائيِّ حيث جَوَّز إضافتها إلى المفرد؛ وعليه فيجوزُ جرُّها أيضًا، و «ما» من قوله: «أَكْثرُ ما» في الموضعين مصدريَّة.

стр. 257

وَهَذَا مِن حيثُ إِطلاقُ الاسمِ عَلَيْهِما. وأَمَّا مِنْ حيثُ استِعْمالُهم الفِعْلَ المُشْتَقَّ، فلا يُفَرِّقونَ، فَيقولونَ في المُطْلَقِ والنِّسْبيِّ: تَفَرَّدَ بِهِ فُلانٌ، أَوْ: أَغْرَبَ بِهِ فُلانٌ. [قوله] (١): «وهذا ... إلخ»: لو قال بدله: من حيث إطلاقُ الاسم، كما في بعض النسخ كان أَولى؛ إذ الذي أطلقوه عليهما حَمْلًا واستعمالًا إنَّما هو الاسم لا الاسميَّة. [قوله] (٢): «الفِعْلَ المُشْتَقَّ»: لا يخفى أنَّ «المُشتَق» هنا من باب الوصف الكاشف، ثُمَّ يَحتمل الظاهر، ويَحتمل أنَّ المراد: المشتق من مصدرَي الاسمين المذكورين، وهما: الفرْديَّة والغَرَابة. [قوله] (٣): «فلا يَفْرُقون»: بسكون الفاء وضم الراء مخففة، وبفتح الفاء وكسر الراء مُشدَّدة، وأكثر ما يستعمل التشديد في الذوات، والتخفيف في المعاني. [قوله] (٤): «فيقولون ... إلخ»: أي: من غير تقييد بإطلاق ولا نسبة.

стр. 258

وَقَريبٌ مِن هَذَا اختِلافُهُم في المُنْقَطِعِ والمُرْسَلِ؛ وهَلْ هُمَا مُتَغايِرانِ أَوْ لَا؟ فأَكْثَرُ المُحَدِّثينَ عَلَى التَّغايُرِ، لَكنَّهُ عِنْدَ إطلاقِ الاسمِ، وأمَّا عندَ اسْتِعمَالِ الفِعْلِ المُشْتَقِّ فيَسْتَعْمِلونَ الإِرسالَ فقَطْ، فيَقولونَ: أَرْسَلَهُ فُلَانٌ؛ سواءٌ كانَ ذَلكَ مُرْسَلًا أَوْ مُنْقَطِعًا. ومِن ثَمَّ أَطْلَقَ غيرُ واحِدٍ مِمَّن لم يُلَاحِظْ مَوَاضِعَ اسْتِعمالِهِ على كَثيرٍ مِن المُحدِّثينَ أَنَّهُمْ لَا يُغايِرونَ بينَ المُرْسَلِ والمُنْقَطِعِ! وليسَ كَذلِكَ؛ لما حَرَّرناهُ، وقَلَّ مَنْ نبَّهَ على النُّكْتَةِ في ذَلكَ، واللهُ أعلمُ. [وقوله] (١): «قَريبٌ مِنْ هذا ... إلخ»: أي: التفصيل السابق أو التغاير المتقدم، وإنَّما قال: «قَريبٌ» ولم يَقُلْ: ومثل هذا؛ لأنَّ الراجح عنده في السابق: التَّرادُف، وفي هذا: التغايُر، وأيضًا فإنَّ الفعلين في السابق: مستعمَلان، وفي اللاحق: المُستَعمَلُ إنَّما هو أحدهما. [قوله] (٢): «و أمَّا عِندَ اسْتِعْمالِ ... إلخ»: أي: إرادة استعمال، وفي «المُشتق» هنا نظير ما مرَّ في نظيره آنفًا. [قوله] (٣): «فَيَستَعْمِلونَ الإرسالَ»: لم يقل: أرسل؛ لئلا يُتوهَّم نصُّهم على أنَّ استعمالهم خاصٌّ بالماضي (هـ/٦٣) دون المضارع، وهو خلاف المراد؛ فلا بُدَّ من تقدير مادَّة الإرسال أو المشتق منه، وهو أَولى؛ لمطابقته المراد؛ لأنَّ المراد أنَّهم يَستعمِلون الفعل دون الاسم، وإن كان الواقع في كلامهم إنَّما هو الماضي فيما رأيت كما هو بَيِّن.

стр. 259

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقوله: «فَقَطْ»: أي: دون الانقطاع، أي: دون مادَّته وما اشتُق منه، فلا يقولون: قطَعه فلانٌ لا في مُنقطِعٍ ولا مُرسَلٍ، وإنَّما عَدَلوا في المُنقطِع عن قولهم: قَطعَه فلانٌ إلى أرسله فلانٌ؛ لأنَّهم لو قالوا: قطعه فلانٌ لسَبَق إلى الذهن أنَّه مقطوع، والمقطوع غير المُنقطِع اصطلاحًا؛ إذِ المُنقطِعُ من أوصاف] السَّنَد] (١)، إذ هو: الساقط منه واحدٌ، والمقطوع من مباحث [المَتْن] (٢) إذ هو: الموقوف على التابعيِّ، أو هو أو مَن بعده، والانقطاع لازمٌ لا يُمكن إسناده إلى الراوي؛ فألجأهم ذلك إلى التعبير بأرسله. وبعبارة: لأنَّهم لو قالوا: قطعَه فلان، لأوهَمَ أنَّه أورده مقطوعًا، أي: من كلام التابعيِّ لا مُنقطِعًا؛ لأنَّ القطع لازمٌ لا يُمكن اتصال ضمير الراوي به؛ فلذا اقتصروا على استعمال: أرسله. [قوله] (٣): «ومِنْ ثَمَّ»: أي: ومِن هنا، أي: ومن أجْلِ أنَّهم يستعملون أرسَل في المرسَل والمنقطع، «أَطلَق» [أي (٤) تَقَوَّل ونَسَبَ، وعدل عنه تأدُّبًا، وضمير «استعمالهم» للمحَدِّثين، و «على كثير» متعلق بـ: «أَطلَق»؛ لتضمينه ما أشرنا إليه.
следующие страницы →