← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 320

حاشية الخرشي منتهى الرغبة في حل ألفاظ النخبة

الخرشي = الخراشي

Полный текст (886 стр.). Показаны 395–434 · переход к 400.

стр. 395

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي كتابةٍ: هذا التعليل وهو قوله: «لأنَّ بينهما ... إلخ» إنَّما يدلُّ على أنَّهما نوعان تحت جنس المخالَفة، لا يَصدُق واحدٌ منهما على شيء ممَّا يَصدُق عليه الآخر، لا على العموم والخصوص من وجه بالمعنى المتعارف، وهو اجتماعهما في الصدق وافتراقُهما عليه (١). وقال (هـ) (٢): اسم الإشارة في قوله: «وعُرِفَ بهذا» راجعٌ للتفصيل المذكور، وفي مَعْرِفة «أنَّ بين الشَّاذِّ والمُنْكَر عمومًا وخصوصًا» فيه نظرٌ لا يَخْفى، وإنَّما بينهما من النِّسَب: المبايَنةُ الكُلِّيَّة؛ فلا شيء من الشَّاذِّ بمُنْكَرٍ ولا عكسه، ولم يَجْتَمِعا في مُطْلَق المخالَفة المذكورة في الشَّاذِّ؛ لأنَّها مقيَّدةٌ بالثقة، أو لا تُطلَق المخالَفةُ المذكورة في المُنْكَر؛ فإنها مقيدة بالضَّعف، وليس هذا كالحيوان والأسود؛ فإنهما اجتمعا في مُطْلَق الحيوان الأسود، وأمَّا هنا فلم يجتمعا في فرْد مِن أفراد المُنْكَر، ولا في فرْد مِن أفراد الشَّاذِّ كما اجتمع الحيوان الأسود في فرْد من أفراد الحيوان، فكان بعض الحيوان أسود وبعض الأسود حيوان؛ فإن شرط العموم مِن وَجْهٍ: صحة الإيجاب الجزئيِّ من الجانبين. [قوله] (٣): «في اشْتِرَاطِ المُخَالَفَةِ»: إنْ أراد في تمام المخالَفة فهو فاسدٌ؛ لاختلاف مَنْ تضاف إليه فيهما كما مَرَّ،

стр. 396

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وإنْ أراد في مُطْلقها فهو لاغٍ؛ لوجوب اعتبار المُقْسَمِ في كلٍّ من الأقسام. (أ/٨٤) [قوله] (١): «أو صَدُوقٍ»: هذا يقتضي أنَّ ما رواه الصَّدوق المتَّصفُ بسوء الحفظ أو كثرة الغفلة مثلًا وخالفه فيه العدْلُ يكون من الشَّاذِّ، وهو خلاف ما مَرَّ مِنْ أنَّه: يُعتبَرُ في راوي الصَّحيح والحَسَن عدَمُ ذلك. وقال (هـ) (٢): «أوْ صَدُوق»، «أو» للتنوع؛ فإنَّ الثقة اصطلاحًا هو: العدْل الضابط، والصدوق كذلك، هو: الذي لم يكن مُجَرَّبًا في كذِبٍ لكن ليس عنده من الضبط ما (هـ/٩٩) يُشْترط في القَبول بلا مُتابِعٍ ولا شاهد كما قدَّمناه عن المؤلِّف في نُكَتِه على ابن الصَّلاح. [قوله] (٣): «رِوَايَةُ ضَعِيفٍ»: إمَّا ضعفًا مُطْلَقًا، أو في بعض الأحوال، أو في بعض المشايخ؛ يُرَدُّ، وكذلك المستور ونحوه مِنْ كلِّ مَنْ لا يُحْكَم لحديثهم بالقَبول بغير عاضد كما مَرَّ عن النُّكت. [قوله] (٤): «وقد غَفَلَ مَنْ سَوَّى بَيْنَهُما»: هو من باب نَصَر، والذي «سَوَّى بينهما» هو ابن الصَّلاح (٥)، أي: ادَّعى أنَّ كلًّا منهما مساوٍ للآخَر، حيث قال في المُنْكَر: إنَّه بمعنى الشَّاذِّ! ووَجْهُ الغَفلة ظاهرٌ مما قدَّمناه عن النُّكت، بل دعوى غيرِ المبايَنةِ غَفلةٌ أيضًا.

стр. 397

وَما تَقدَّم ذِكرُهُ مِن الفَرْدِ النِّسْبِيِّ إِنْ وُجِدَ -بعدَ ظَنِّ كونِه فَرْدًا- قَدْ وَافَقَهُ غيرُهُ، فهُو المُتابِعُ -بكسرِ الباءِ المُوَحَّدةِ. [قوله] (١): «وما تَقَدَّمَ ذِكرُهُ مِن الفَرْدِ النِّسْبِيِّ»: قيل: كان الأَولى أن يقول: والفَرْدُ النِّسْبيُّ المتقدِّم ذِكْرُه؛ ليَسْلَمَ من تغيير إعراب المَتْن، قُلْتُ: له أُسوة بجماعة من المحقِّقين نَزَّلوا المَتْنَ والشرح مَنْزِلةَ كلامٍ واحد، خصوصًا ورَبُّهما هنا واحدٌ، وقد تقدَّم أنَّه التَزَم ذلك، فقول (ب): الفرْد في المَتْن مبتدأٌ فهو مرفوع، وفي الشرح مجرور، وهو مُخِلٌّ بالمَتْن حينئذٍ، ونحوه للكمال؛ فيه تأمُّل، قاله (هـ) (٢). وفي كتابةٍ: «والفَردُ النِّسْبيُّ» أي: ما يكون التَّفرُّدُ فيه أثناءَ السَّنَد، وهذا شروع في بيان الاعتبار والمتابَعات والشواهد الآتية فيها، فبيَّن الانفراد وعدمه المبني عليها أمرُ الشَّاذِّ والمُنْكَر وما يقابلهما، ثُمَّ لا اختصاص في كلام العراقيِّ وشارحيه للمتابعة والاستشهاد بالنِّسبيِّ، بل يكون للمُطْلَق، مع أنَّ التقْييد في عبارات المصنفين لشيءٍ يفيد نفيَ الحُكْم عمَّا عداه، على أنَّ المثال الذي ذكره للمتابَعة من الفرْد المُطْلَق كما لا يَخْفى. وقال (هـ) (٣): إنَّما قيَّد بالنِّسبيِّ؛ لأنَّ الفرْد المُطْلَقَ لا يَتأتَّى فيه المتابَعةُ؛ لأنَّه الذي ينفرد بروايته واحدٌ عن الصحابيِّ، فما وُجِد له مُتَابِعٌ لم يكن فرْدًا مُطْلَقًا،

стр. 398

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كذا قيل، وفيه نظرٌ؛ لأنَّه ليس الكلام مفروضًا فيما ثَبَتَتْ فرْدِيَّتُه، بل فيما يُشَكُّ في فرديَّته، وأيُّ مانعٍ من ظنِّ فرديَّة مُطْلَقَةٍ لحديثٍ فيُسْبَرُ ويُعتبَر فيُوجَد غير فرْدٍ مُطْلَقًا، كما أنَّ الفرْد النِّسبيَّ كذلك، ولِعِلْمِ التقْييد باعتبار الكثير، وكلام ابن الصَّلاح (١) والعراقيِّ ظاهرٌ، بل صريحهما ذلك، ولفظ العراقيِّ في شرحه لألفيَّته (٢): «الاعتبار: أنْ تأتيَ إلى حديث لبعض الرُّواة، فتعتَبِرَه بروايات غيره من الرواة بسَبْر طرق الحديث، فتَعْرِفَ هل شاركه في ذلك الحديث أو غيره فرواه عن شيخه أو لا؟ فإن يكن شاركه أحدٌ ممن يُعتبر بحديثه، أي: يَصْلُحُ أنْ يُخَرَّج حديثُه للاعتبار به والاستشهاد به، فيُسمَّى حديثُ هذا الذي شاركه: تابعًا، وسيأتي بيان مَن يُعتَبَر بحديثه في مَراتبِ الجرْح والتعديل، وإنْ لم تَجِد أحدًا تابَعَه عليه عن شيخه فانظر: هل تابَعَ أحدٌ شيخَ شيخِه فرواه متابِعًا له أم لا؟ فإن وجدتَ أحدًا تابع شيخَ شيخه عليه فرواه كما رواه؛ فسَمِّهِ أيضًا: تابعًا، وقد يُسَمُّونه: شاهدًا كما مَرَّ، فإن لم تجد لأحد ممن فوقه متابِعًا عليه فانظر: هل أتى بمَعناه حَديثٌ آخَرُ في الباب أم لا؟ فإن [فعل ذلك فيمن فوقه الى آخر السَّنَد حتى في الصحابيِّ، فكل من وُجِدَ له تابع فَسَمِّه: تابعًا، وقد يُسَمُّونه: شاهدًا كما مَرَّ، فإن لم تجد لأحد ممن فوقه تابعًا عليه فانظر: هل] (٣) أتى بمعناه حديث آخر فسَمِّ ذلك الحديثَ شاهدًا، وإن لم تجد حديثًا آخر يؤدي معناه فقد عُدمت المتابعات والشواهد؛ فالحديث إذن فرْدٌ» انتهى.

стр. 399

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قال (ب) في حواشيه (١): «أي: مطلقًا، قال: وعبارة ابن الصَّلاح: فقد تحقق الفرْدُ المُطْلَق حينئذٍ، وينقسم عند ذلك إلى: مردود منكر، وغير مردود كما مَرَّ، وإذا قالوا في مثل هذا: تفرَّد به أبو هريرة، وتفرَّد به عن أبي هريرة: (أ/٨٥) ابنُ سِيرينَ، وتفرَّد عن ابن سيرينَ: أيوبُ، وتفرَّد به عن أيوبَ: (هـ/١٠٠) حمادُ بنُ سلَمةَ، وكان ذلك إشعارًا بانتفاء وجوه المتابعات فيه، ثُمَّ إنه قد يدخل في باب المتابَعة والاستشهاد روايةُ مَن لا يُحْتَجُّ بحديثه وحدَه، بل يكون معدودًا في الضعفاء، وفي كتابي البخاريِّ ومُسْلِمٍ جماعةٌ من الضعفاء ذكراهما في المتابَعات والشواهد، وليس كلُّ ضعيف يَصْلُحُ لذلك؛ ولهذا يقول الدارقطنيُّ وغيرُه في الضعفاء: فلانٌ يُعتبَرُ به، وفلان لا يُعتبَر به» انتهى. ومحلُّ الشاهد أنهما جَعَلَا المُقْسَمَ مُطْلَق الحديث، كان فردًا مُطْلَقًا أو نِسْبيًّا؛ بدليل قوله: «وإن لم يجد حديثًا ... إلخ». نعمْ بعد عِلْم الفرْدِيَّةِ المُطْلَقة والفَرْدِيَّة النِّسْبِيَّةِ لا تكون المتابَعةُ إلَّا في الفرْد النِّسْبيِّ، ويُمكِن حَمْلُ كلامه على هذا. [قوله] (٢): «غَيْرُهُ»: أَطْلَق فيه؛ فيَشملُ الثقةَ وغيرَه ممن يُعتبَر بحديثه وغيره، وقيَّده العراقيُّ وغيرُه بمن يُعتبَر بحديثه كما مَرَّ، وفي الغَزِّيِّ و (ب): «قيل: الذي يظهر من تصرفاتهم عدمُ التفرقة بين الواهي وغيرِه في تسميته مشاركة كل منهما،

стр. 400

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . و [متابعة] (١) إن كانت متابعة الواهي لا تفيد المقصود وهو الحُجِّيَّةُ إذا كانت الطريق الأخرى غيرَ قوية» انتهى. قُلتُ: هذا القِيلُ هو ظاهر إطلاق المؤلِّف هنا، هذا لفظ الأول، وأمَّا الثاني فجزم به ولم يذكره بقيل. تنبيه: لو أسقط «على» مِن قوله: «على مَراتِب» كان أخصَرَ وأظهر، ثم إنَّه لم يذكر من تلك المراتب إلَّا اثنتين، فالمراد بالجَمْعِ: ما زاد على الواحد، وَقد يُجْعَلُ قولُه: «إنْ حَصَلَ ... إلخ» بيانًا لبعض تلك المراتب، على أنَّ القاصرة وحدَها على مراتبَ؛ لأنَّها إما في: الشيخ، أو شيخه، أو شيخ شيخه، وهَلُمَّ جَرًّا، فقد كان أحد القسمين مُشتمِلًا على مراتبَ عدَّةٍ، قاله (هـ) (٢). [قوله] (٣): «فهو المُتَابِعُ»: أي: فذلك الغير الذي وافق «هو المتابِع»، بصيغة اسم الفاعل، فالضمير المرفوع المتصل راجع لقوله: «غيره»، و] المتابَع (٤) بفتح الموحدة اصطلاحًا: [وُجْدانُ] (٥) راوٍ غير صحابيٍّ موافق لراوٍ ظنَّ أنَّ مرْويَّه فرْدٌ نِسْبيٌّ، أو لشيخه،

стр. 401

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أو لشيخ شيخه في لفظٍ ما رواه أو في معناه. وتخصيصه ذلك بالفرْد النِّسبيِّ فيه نظرٌ كما مَرَّ، ويَرِدُ على قوله: «أو في معناه» أنَّه صادق بما إذا اتَّحَد الصحابيُّ أو تعَدَّد، معَ أنَّ الأول هو المراد؛ إذ الموافَقة في المعنى لا تكون متابَعةً حيث اختلف الصحابُّي. وقال (هـ) (١): فهو المتابِع، قال (ب): «يعني ذلك الغير هو المتابع» انتهى. قُلْتُ: ولو قال: فهو التابِع وأسقط الميم كان أنسَبَ بمقابلته بالشاهد؛ فإن المتابِع وصفُ الراوي، والتابِعَ لَقَبٌ للحديث عُرفًا وإن صحَّ لغةً أنه الراوي، تأمل. تنبيه: المتابَعة عُرفًا: مشاركة راوٍ غيره فيما حمله عن: شيخه، أو شيخ شيخه وهَلُمَّ جَرًّا كذلك، وقول بعضهم: «وُجدانُ راوٍ غير صحابيٍّ موافق لراوٍ ظنَّ أنَّه فرْد نِسبيٌّ أو بشيخه أو شيخ شيخه في لفظ ما رواه أو في معناه؛ فيه نظرٌ من وجوه، منها: ذِكْر الوِجدان؛ فإنَّه ثمرة السَّبْر لا نفْسُ المتابَعة. ومنها: قوله: «غير صحابيٍّ»؛ فإنَّه سيأتي أنَّ الصحابيَّ كذلك. ومنها: قوله: «ظنَّ أنَّه فرْدٌ نِسبيٌّ» مع تصريحه بأنَّها تكون في الفرْد المُطْلَق» انتهى.

стр. 402

وَ المُتَابَعَةُ عَلَى مَرَاتِبَ: لأنَّهَا إِنْ حَصَلَتْ للرَّاوي نفسِهِ، فهِي التَّامَّةُ، وَإِنْ حَصَلَتْ لشيخِهِ فمَنْ فوقَهُ، فَهِيَ القاصِرةُ . ويُسْتَفادُ منها التَّقويةُ. [قوله] (١): «على مَرَاتِبَ»: لأنَّها تارَةً تكون لنفْس الراوي، وتارةً لشيخه، وتارةً لشيخ شيخه،] و] (٢) هكذا. وقوله: «فهي التامَّة»: ظاهرُه: وإنْ كان] رواها (٣) عن شيخ المتابَع -بالفتح- من طريقٍ غير طريقِ ما رواه الآخر، كما إذا كان حديثٌ يرويه مالكٌ من [طريق (٤) فرواه عنه الشافعيُّ من إحدى الطريقين، ورواه عنه غيره من الطريق الأخرى. وذكر شيخ الإسلام أنَّ المتابَعةَ التَّامَّةَ لا بُدَّ فيها أنْ يتفق المتابِع والمتابَع في رجال السَّنَد كلِّهم. وَقال (هـ) (٥): سُمِّيَتْ بالتَّامَّة؛ لمشاركته في رجال السَّنَد كلِّهم، ويقال لها: متابَعة حقيقيَّة (٦). [قوله] (٧): «فهي القَاصِرَةُ»: سُمِّيَتْ بذلك؛ لقُصورها عن مشاركته هو، وكُلَّما بَعُد المتابِع كانت أقصرَ. (أ/٨٦) [قوله] (٨): «ويُسْتَفادُ منها التَّقْوِيَةُ»: الضمير راجع لمُطْلَقِ المتابَعة، تامةً كانت أو قاصرة (٩).

стр. 403

مِثالُ المُتابعةِ التامة: ما رواهُ الشَّافعيُّ في «الأُمِّ»، عن مالِكٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ، عن ابنِ عُمرَ أَنَّ رسولَ الله صلى الله تَعالَى عليه وآله وسلَّم قَالَ: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وعِشْرُونَ، فلا تَصُوموا حتَّى تَروُا الهِلالَ، ولا تُفْطِروا حتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيكُمْ، فأَكْمِلوا العِدَّةَ ثَلَاثينَ». فَهَذا الحديثُ بهذا اللَّفظِ ظَنَّ قومٌ أَنَّ الشافعيَّ ﷺ تَفرَّدَ بهِ عن مالِكٍ، فعَدُّوهُ في غرائِبِهِ؛ لأنَّ أَصحابَ مالِكٍ روَوْهُ عنهُ بهذا الإِسنادِ، وَبلفظِ: «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَاقْدُرُوا لهُ»! لَكِنْ وَجَدْنا للشَّافعيِّ مُتابِعًا، وهو عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ القَعْنَبِيُّ، كَذَلكَ أَخرجَهُ البُخاريُّ عنهُ، عن مالكٍ. فهَذِهِ مُتابَعةٌ تامَّةٌ. وقوله: «مِثالُ المُتَابَعَةِ»: أي: مثال ما وقعت فيه المتابَعة، وقرينته ظاهرة، خصوصًا قوله: «لكِنْ وجَدْنا للشَّافعيِّ مُتابِعًا ... إلخ»، [فالاعتراض (١) عليه بأنَّ هذا ليس مثالًا [للمتابعة] (٢) وإنَّما مثالها ما ذَكَرَه بعدُ من قوله: «لكِنْ وجَدْنا للشَّافعي إلخ»؛ من ضِيق الصَّدر. [قوله] (٣): «ظَنَّ قَوْمٌ ... إلخ»: من المحدِّثين، منهم البَيْهَقِيُّ [كما قاله بعض شراح الألفية] (٤).

стр. 404

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «لكِنْ وجَدْنا للشَّافعيِّ ... إلخ»: هذا يقتضي أنَّ رواية أصحاب مالك: «إنْ غُمَّ عليكم فاقدروا» (٢) ليس بمتابعة] لِما] (٣) رواه الشافعيُّ، وهذا واضح على مَن يَخُصُّ المتابَعة بما حصل فيه الموافقة في اللفظ والمعنى ولو من رواية صحابيٍّ آخَرَ، وهي إحدى الطريقتين، لكن ما ذَكَرَه بَعْدُ في المتابَعة يُفيد أنَّ: المتابعة تجري فيما وافَق معنًى أيضًا، هذه هي الطريقة الثانية، وعليها الجمهورُ كما يأتي عن شيخ الإسلام، وهي مختصَّةٌ بكونها من رواية الصحابي الذي عَيَّنه مَن ظَنَّ تفرده؛ فكلامه أوَّلًا يقتضي أنَّه جرى على طريقةٍ من الطريقتين في المتابعة، وآخِرُه يقتضي أنَّه جرى على الأخرى. وقال (هـ) (٤): «لكن وجدنا ... إلخ» إنْ قُلْتَ: كيف هذا مع ضبط مالك وجودةِ حِفظِه؟ قُلْتُ: لا إشكالَ؛ لجواز أنْ يكون مالكٌ حَمَلَه عن عبد الله بن دينار بالوجهين، ثُمَّ رواه لكل فريق بوجهٍ، وهكذا يقال في بقية رجال السَّنَد إلى النبيِّ ﵊.

стр. 405

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «القَعْنَبيُّ»: بفتح القاف، وسكون المهملة، وفتحِ النون وموحَّدة: أبو عبد الرحمن عبد الله بنُ مَسْلَمةَ بنِ قَعنَب، من أهل المدينة، سَكَن البصرة ومات بها سنة إحدى وعشرين ومائتين، وكان ثقة، فقد نُسِب إلى جَدِّه قَعنَب، وهو في الأصل: الصُّلب الشديد، والأسد. [قوله] (٢): «كذلك أَخرجَهُ البُخاريُّ»: أي: بلفظ: «فإنْ غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين» (٣). [قوله] (٤): «وهَذهِ متابَعةٌ تامَّةٌ»: اسم الإشارة راجعٌ إلى موافقة القعنبي للشافعي؛ فظهر ما قلناه من أنَّ الأوَّل مثالٌ لِما وقعت فيه المتابعة، وهذا مثال لنفْس المتابَعة، وجعْلُه مثالًا للوجدان ركيكٌ لفظًا ومعنًى كما أشرنا إليه فيما مَرَّ، قاله (هـ) (٥).

стр. 406

ووَجَدْنا لهُ أَيضًا مُتابَعَةٌ قَاصرةً في «صحيحِ ابنِ خُزَيْمةَ»، مِن روايةِ عاصمِ بنِ محمَّدٍ، عن أبيهِ مُحمَّدِ بنِ زيدٍ، عن جَدِّهِ عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ بلفظِ: «فَكَمِّلُوا ثَلَاثِينَ». وَفي «صحيحِ مسلمٍ» من روايةِ عُبيدِ اللهِ بنِ عُمرَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عُمرَ بلفظ: «فَاقْدُروا ثَلَاثينَ». ولَا اقْتِصارَ في هذِهِ المُتابعةِ -سواءٌ كَانتْ تامَّةً أَمْ قاصرةً- عَلَى اللَّفْظِ، بَلْ لَو جاءَتْ بالمعنى لكَفَتْ، لكنَّها مُخْتَصَّةٌ بكونِها مِن روايةِ ذلك الصَّحابيِّ. وإِنْ وُجِدَ مَتْنٌ يُروى مِن حديثِ صحابيٍّ آخَرَ يُشْبِهُهُ في اللَّفظِ والمَعْنى، أَو في المَعْنى فَقطْ؛ فهُوَ الشَّاهِدُ. [قوله] (١): «عُبَيْدُ الله بن عُمَرَ»: هو العُمَريُّ ثقةٌ ثَبْتٌ. [قوله] (٢): «فَاقْدُرُوا لَهُ»: هو بكسر الدال، فإنَّ في مختصر النهاية ما يفيد أنَّه من الثلاثيِّ؛ فلا تُقطع همزته، وهو بكسر الدال؛ لأنه من باب ضَرَبَ وقَتَل، ولكن الرواية بالكسر، أي: قدِّروا عدد الشهر فكمِّلوا شعبان [ثلاثين]. [قوله] (٣): «ولا اقْتِصار»: لو قال: ولا تُقْصَر المتابَعة على اللفظ؛ كان أظهَرَ وأخصر.

стр. 407

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «لكِنَّها مُخْتَصَّة ... إلخ»: والتعقب هنا غَفلةٌ عن طريق الشارح؛ فإنَّه يجعل هذا شاهدًا لم يأتي، والتَّعقُّب المشار إليه بقوله يعارضه أنَّ ابن الصَّلاح (٢) ثم العراقيَّ (٣) نقَلَا عن ابن حِبَّانَ تمثيلَ المتابعة بما يقتضي أنَّ: رواية صحابيٍّ غير ذلك الصحابيِّ الحديثَ عن النبيِّ ﵊ متابعةٌ لذلك الصحابيِّ، ولم يتعقَّباه، نعمْ لم يقع في صحيح البخاريِّ ونحوه ذكرُ المتابعة إلَّا لغير صحابيٍّ بالنِّسبة إلى رواية الصحابيِّ الراوي لذلك الحديثِ. [قوله] (٤): «يُشْبِهُهُ»: الضمير المضاف إليه عائد لِمَا يُظنُّ أنَّه فرْد (٥). قوله: «فهو الشَّاهِدُ»: «فهو» في الاصطلاح مَتْنٌ بمعنى الفرْد النِّسبيِّ وبلفظه، أو بمعناه دون لفظه من رواية صحابيٍّ آخَرَ، وسيأتي أنَّ بعضهم خصَّ الشاهدَ بما كان بالمعنى دُون اللفظ، سواءٌ كان من رواية صحابيٍّ آخَرَ أم لا، واستظهره بعض المحدِّثين، وسيأتي.

стр. 408

ومثالُهُ في الحديثِ الَّذي قَدَّمناهُ: ما رَواهُ النَّسائيُّ مِن روايةِ محمَّدِ بنِ حُنَينٍ، عن ابن عبَّاسٍ ﵄، عن النبيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فذَكَرَ مثلَ حديثِ عبد اللهِ بنِ دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ، سواءً. فَهَذَا باللَّفظِ. وأَمَّا بالمَعْنى، فهو ما رواهُ البُخاريُّ مِن روايةِ محمَّدِ بنِ زيادٍ، عن أَبي هُريرةَ بلفظ: «فَإِنْ غُمَّ عليكُمْ، فأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبانَ ثلاثينَ». وخَصَّ قومٌ المُتابعةَ بما حَصَلَ باللَّفظِ؛ سَواءٌ كانَ مِن روايةِ ذلك الصَّحابيِّ أَمْ لا، والشاهدَ بما حصلَ بالمَعْنى كَذَلك. [قوله] (١) «ومِثالُه في الحديث الذي قَدَّمْناهُ»: أي: وهو الحديث الذي ظُنَّ أنَّ الشافعيَّ تفرَّد به. [قوله] (٢): «محمد بن زياد»: هو الجُمَحِيُّ، ثقةٌ ثَبْتٌ، ربَّما أرسَل، قاله (ب) (٣). [قوله] (٤): «بلفظ: غُبِّيَ عليكم ... إلخ»: إنَّما كان بالمعنى؛ لأنَّ الواقع في الأول: «فإن غُمَّ» وفي هذا: «غُبِّي» (هـ/١٠٢) بالغين المعجمة المضمومة وبالباء الموحدة المشددة، وبفتح المعجمة وتخفيف

стр. 409

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الباء وكسرها بعدها ياء، ومعناه: خَفِى عليكم، وهو من الغَباوة، وهو عدم الفِطنة؛ إشارة لخفاء الهلال. ولبعضهم: «أُغْمِيَ» بضم الهمزة وزيادة ياء، مبنيًّا للمفعول، من الإغماء، يقال: أَغْمى قلبه الخير، إذا استعجم، (أ/٨٧). ولبعضهم: «غُمَّ» بضم المعجمة وتشديد الميم، قال في القاموس: «حالَ دُونه غَيمٌ رقيق» انتهى. وقال المؤلِّف (١) في شرح البخاري: «وأُغْمَى وغُمَّى -بتشديد الميم وتخفيفهما- فهو مغموم، الكلُّ بمعنًى». [قوله] (٢): «وخَصَّ قومٌ»: منهم: ابنُ الصَّلاح (٣) والعراقيُّ (٤) وابنُ حِبَّانَ (٥)، وهذا الذي جَزَم به المؤلِّف هنا عَزاه بعض تلامذته للجمهور، وتواردت كلمة أتباع المؤلِّف على اختياره وردِّ طريق ابن الصَّلاح. [قوله] (٦): «بما حَصَلَ بالمَعْنى كذلك»: أي: سواءٌ كان من رواية ذلك الصحابيِّ أو لا. وفي كتابةٍ: واعلم أنَّه يستفاد من هذا أنَّ المَتْن الذي بمعنى الفرْد النِّسْبيِّ فقط من رواية صحابيٍّ آخَرَ شاهِدٌ باتفاق القولين، وأمَّا الذي بمعنى الفرْد النِّسبيِّ ولفظه من رواية صحابيٍّ آخَرَ فهو محلُّ اختلاف القولين.

стр. 410

وقَدْ تُطْلَقُ المُتَابعةُ على الشَّاهدِ، وبالعكسِ، والأمرُ فيهِ سَهْلٌ. [وقوله] (١): «وبالعَكْسِ»: هو خِلافُ ما للنوويِّ في «شرح مسلم»؛ فإنَّه قال (٢): «وتُسمَّى المتابَعةُ شاهدًا أو لا يُسمَّى الشاهدُ متابَعةً». وممَّا يجب التنبُّهُ له أنَّه لا يُقتصر في التابع والشاهد على الثقة، بل يكونان بالضعيف أيضًا؛ إذ لا اعتماد عليه بل على مَن قبله، نصَّ عليه السَّخَاويُّ (٣) وغَيرُه. [قوله] (٤): «وقد تُطْلَقُ المُتابَعةُ ... إلخ»: ظاهرُه سواءٌ كانت تامَّةً أو قاصرةً، كما يطلق الشاهد على كلٍّ منهما أيضًا، هذا ظاهر كلامه، وكلام العراقيِّ (٥) يُوهِم أنَّه: إنما يُطْلَقُ الشاهد على المتابعة القاصرة دون التامَّة، وأقرَّه (ب) في حواشيه (٦)، حيث قال: وقد يُسمَّى، أي: الحديثُ الذي شُورِكَ فيه الشيخُ شاهدًا، أي: وهي المتابَعةُ القاصرة، وأمَّا التامَّةُ وهي متابعة الراوي نفْسِه عن شيخه فلا يُسمَّى شاهدًا؛ لأنَّها هي المتابعة الحقيقيَّة، ومتى كانت المشاركة في ذلك الصحابيِّ فهي متابعةٌ، سواء كانت باللفظ أو بالمعنى، تامَّةً أو قاصرةً، فإن كان آخذًا بظاهر كلام الأصل فليُحذَر، وإن كان لموافقة النقل كان الأوْلى أنْ يُصَرِّح به.

стр. 411

وَاعْلمْ أَنَّ تَتَبُّعَ الطُّرُقِ مِنَ الجَوَامعِ والمسانيدِ والأجزاءِ لذَلكَ الحديثِ الذي يُظنُّ أَنَّه فردٌ لِيُعْلَمَ هَلْ لهُ مُتَابِعٌ أَم لا، هُوَ: الاعتبارُ. [قوله] (١): «واعْلَمْ أنَّ تَتَبُّعَ الطُّرُقِ»: لا يَخْفى أنَّ عبارة المَتْن: «وتتبُّع الطُّرُق»، وما ذَكَرَه في الشرح يقتضي أنَّ «تتبُّعَ» بالنصب بأن المقدَّرة، وحذْفُ أنْ وبقاءُ عملها لا يجوز، فإذا قُرئ بالرفع فلا يَرِدُ عليه ما ذُكِر، لكنَّ تقديره يأبى ذلك. وقال (هـ) (٢): «تتبُّع» مصدرٌ غُيِّر في الشرح إعرابُه؛ لِما مَرَّ مِرارًا، وبه يَندفِع اعتراض (ب) في قوله: هو في المَتْن مرفوع وفي الشرح منصوب، وليس من طريق المَزج في شيءٍ. وقوله: «مِن الجَوَامِعِ»: كالصحيحينِ، والسنن، والموطأ، وكمسند البَزَّارِ والطَّيالِسيِّ وغيرِه. وفي كتابة: «مِنَ الجوامع» أي: الكتب المرتَّبة على ترتيب الأبواب الفقهيَّة أو غيرها، والمَسانيدُ: هي التي جُمِع فيها مُسْنَدُ كلِّ صحابيٍّ على حِدَةٍ كما يأتي آخر الكتاب. وقوله: «لِيُعْلَمَ هلْ لهُ متابِعٌ أَمْ لا؟»: بدلُ اشتمالٍ من قوله: «لذلك الحديث»، والعلة الحاملة على التتبُّع هي قوله: «لِيُعْلَم ... إلخ». وقوله: «هل له تابِعٌ» أي: أو شاهد، كما يدُلُّ عليه ما بعده.

стр. 412

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقال (هـ) (١): [قوله] (٢): «لذلك الحديثِ الذي يُظنُّ أَنَّه فردٌ» متعلِّقٌ بالطرُق، ولو قدَّمه على قوله: «من الجوامع ... إلخ»؛] كان] (٣) أوْلى. وأَطْلَق هنا في الفرديَّة إمَّا اعتمادًا على ما هو موضوع المَبْحَث عندهم من تقْييده بالفرْد النِّسبيِّ، وإمَّا لكونه هنا يَراه قِسْمًا، وقد عَلِمتَ ما فيه. وقوله: «لِيُعْلَمَ»: متعلِّق بـ «تتبُّع» علةٌ له، وجملة «له متابِع أم لا» سادٌّ مسَدَّ مفعولَيْ يُعْلَم المعلق عنهما (هـ/١٠٣) بالاستفهام لصدارته، والمعنى: لِيُعْلمَ جوابُ هذا السؤال بأنْ يُعْلَم أنَّ له أصلًا إنْ وجِد له متابِعٌ أو شاهدٌ، أو يُعْلَم، أي: يُظَنُّ أنَّه لا أصل له إنْ لم يُوجَد. [قوله] (٤): «هو الاعْتِبَارُ»: أي: يُسمَّى بذلك، ويقال له: السَّبْرُ أيضًا؛ فظهر أنَّ الاعتبار هو: تفتيش المحدِّثِ بطونَ الكتب والروايات للوقوف على طريق الحديث؛ لأجْلِ معرفة المتابعات والشواهد، وحقيقتُه أنْ يُكثر التأمل فيعبر من الشيء إلى غيره؛ ليتوصَّلَ إلى أمور دقيقة وربما يتعجب من خفاياها يستدل بها على انتفاء فَرْديَّةِ الحديث،

стр. 413

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . غير أنَّك لا تنتقل إلى راوٍ أعلى مع وجودِ أقربَ إلَّا بعد تعذر الوقوف على متابعةٍ للأقرب، سواءٌ في ذلك: الراوي، وشيخه، وشيخ شيخه وهلُمَّ جَرًّا، كما في كلام العراقيِّ الذي نقلناه عنه فيما مَرَّ، نعمْ قوله [فيه] (١): «فإن لم يجد أحدًا تابعه عليه عن (أ/٨٨) شيخه فانظر: هل تابع [أحد] (٢) شيخ شيخه» منتقَد؛ حيث أوهَم ظاهرُه الانتقالَ بعد الراويإلى شيخ شيخه، مع أنَّ الانتقال بعده إنَّما هو لشيخه، فمن حقه أنْ يقول: فانظر هل تابَعَ أحدٌ شيخَه، فإن فقد فانظر في شيخ شيخه، وكذا ... إلخ، كما في مثال ابن حِبَّانَ حيث قال: فطريق الاعتبار أن يرويَ حمادٌ مثلًا حديثًا لم يُتابَعْ عليه، عن أيوبَ، عن ابن سِيرينَ، عن أبي هريرة، عن المصطفى ﵊، فيُنظر: هل رواه ثقة غير أيوب عن ابن سيرين، فإن وُجِد عُلِم أنَّ له أصلًا يُرجع إليه، وإلا فثقة غير ابن سيرين رواه عن أبي هريرة، وإلا فصحابيٌّ غير أبي هريرة رواه عن المصطفى، فإن وُجِد عُلِم أنَّ للحديث أصلًا، وإلَّا فلا.

стр. 414

وقَوْلُ ابنِ الصَّلاحِ: «معرفةُ الاعتبارِ والمتابعاتِ والشَّواهِدِ» قد يُوهِمُ أَنَّ الاعتبارَ قَسيمٌ لهُما، وليسَ كَذَلكَ، بل هُو هيئةُ التوصُّلِ إِليهِما. وجَميعُ ما تَقدَّمَ مِن أَقسامِ المَقبولِ تَحْصُلُ فائدةُ تقسيمِهِ باعتبارِ مَراتِبِهِ عندَ المُعارضةِ، واللهُ أَعلمُ. [قوله] (١): «وقول ابنِ الصَّلاح ... إلخ»: قال (ق) (٢): «ما قاله ابن الصَّلاح صحيحٌ؛ لأنَّ هيئة التوصل إلى الشيء غير الشيء» انتهى. قلت: هو كلام عجيبٌ يرفع الوثوق به في كثير من الأماكن؛ إذ مجرد مغايرة الشيء لشيء آخَرَ لا يوجِب كونه قسيمًا له، فإنَّ قِسْم الشيء: ما كان مندرِجًا تحته وأخصَّ منه؛ كالإنسان والفرس للحيوان، وقَسيم الشيء: ما كان مُباينًا له ومندرِجًا معه تحت أصل كليٍّ؛ كالإنسان للفرس، هذا مثال المذكور ومدعى الشارح: أنَّ كلام ابن الصَّلاح يوهم أنَّ الاعتبار قَسيمٌ لكل من المتابعات والشواهد لا أنَّه عينهما؛ فإن حُمل على مجرَّدِ الإخبار عن كلام ابن الصَّلاح بالصحة من غير رَدٍّ لاعتراض الشارح كان لاغيًا لفَهمه من كلام الشارح، فلا تكن من تاركي القوانين. [قوله] (٣): «هو هَيْئَةُ التَّوَصُّلِ إليهِما»: لو قال: هو طريق التوصُّلِ، لكان أحسَنَ؛ إذ التوصل إليه يحصُل بتتبُّع الطرق،

стр. 415

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . إذ الهيئة هي: صورة الشيء وصِفَتُه، وليس شيء منهما باعتبار. وقال (هـ) (١): «قال (ب): هو التوصل لا هيئة التوصل، فتأمل». قُلْتُ: تأمَّلْناه فوجدْناه وقوفًا مع الظواهر التي لا يحملُ عليها إلَّا القاصر؛ لأن قولهم: تتبُّع أو توصل إلخ، محمول على التسمح في الجميع، والمراد: كيفيَّة التوصل، أي: الكيفية التي بها يتوصل ... إلخ، فالهيئة بمعنى الحالة والكيفيَّة المخصوصة. [قوله] (٢): «وجَميعُ ما تَقَدَّمَ ... إلخ»: قال المؤلِّف: «يعني إذا تعارض حديثان: صحيحٌ لِذاتِه وصحيحٌ لغيره أو حسَنٌ كذلك، قُدِّم الذي لِذاتِه على الذي لغيره» كذا قرَّره المؤلِّف. وتعقَّبَه [ق] (٣): [بأنهم] (٤): «لم يُراعوا في ترجيحاتهم هذا الاعتبارَ، ويُعْرَفُ هذا من صنيع البَيْهَقيِّ في «الخلافات»، والغَزاليُّ في كتاب «تحصين المآخذ» وغير ذلك» انتهى. قُلْتُ: وذكر ابن السُّبكيِّ (٥) أيضًا ما يفيد خلافَ ذلك؛ فإنَّه قال مع من تكلم عليه: «فيرجح بكثرة الرواة وقلة الوسائط وفقه الراوي وعلمه بالعربية وأفضليته

стр. 416

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وحسن اعتقاده وكونه صاحب الواقعة وجليس المحدثين ومختبرًا ومعدلًا بالعمل على روايته وبكثرة المزكين وبحثهم وعلمهم وحفظه وزيادة ضبطه ولو لألفاظه ﷺ ودوام عقله وشهرته وشهرة نسبه وعدم القياس اسمه وتأخر إسلامه» (١) انتهى. وهذا يُفيد أنَّ ما اشتمل على مُرجِّحٍ من هذه وإن كان حديثُه حَسَنًا لغيره يُقَدَّمُ على الحسن لذاته بل على الصَّحيح لذاته العاري عن مُرَجِّحٍ منها ... إلخ. وقد يقال: إنَّ ما ذَكَرَه -أي: المؤلِّفُ- حيث تعارَضَ حديثان، وليس في رواية أحدهما [مرجح] (٢)، ولم يُوجد في الآخر شيء من المرجِّحات؛ لأنَّه إن سَلِم من المعارَضة، أي: لم يأتِ خبرٌ يُضادُّه (٣)؛ فهو الحُكْم، والمعارَضةُ هي: الإتيان بخبر يُضادُّ الآخَرَ، والسلامة منها هي: الإتيان بالخبر المذكور، وحينئذٍ فتفسير المعارضة بالمصدر، وهو الإتيان بالخبر الذي يُضاد لا بالخبر المضاد، وبهذا يسقط اعتراض (ق) (٤) عليه بأنَّ: المعارضة مصدر، والخبر

стр. 417

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الذي يضاد اسم فاعل، ولا حامل على هذا الاستعمال مع تَيَسُّر الحقيقة، قاله (ج) (١). وقال (هـ) (٢): قوله: «باعْتِبار مَراتِبِه» أي: مراتبه التي وضعه فيها المؤلِّف على ترتيبها المتقدم؛ فيُرَجَّح باعتبارها عند المعارضة. قال (ق) (٣): قال المؤلِّف: يعني إذا تعارَضَ حديثان، إلى أنْ قال: قُلْتُ: لم يُراعوا في ترجيحاتهم هذا الاعتبار، إلى آخر ما نقل. قُلْتُ: ما قاله الشارح هو المشهور المعروف للأصوليين (أ/٨٩) والفقهاء والمحدِّثينَ عند التعارض وتعذُّرِ الجمع، وكان على المُحَشِّي أن ينقل مِن كلام مَن ذُكِر ما يُعارِض هذا الأصل المشهور، على أنَّه لو نَقَل منه ما يخالف صنيع الشارح وجَبَ ردُّه؛ لمخالفته المشهورَ، والله أعلم.

стр. 418

ثمَّ المَقبولُ يَنْقسِمُ أَيضًا إلى: مَعمولٍ بهِ، وغيرِ مَعْمولٍ بهِ؛ لأنَّهُ إِنْ سَلِمَ مِنَ المُعارَضَةِ -أَيْ: لم يَأْتِ خبرٌ يُضادُّهُ- فَهُوَ المُحْكَمُ، وأَمثلتُهُ كثيرةٌ. وَإِنْ عُورِضَ، فلا يَخْلو إِمَّا أَنْ يكونَ مُعارِضُهُ مقبولًا مثلَه، أَو يكونَ مَرْدُودًا، فالثَّاني لَا أَثرَ لهُ؛ لأنَّ القويَّ لا تُؤثِّرُ فيهِ مُخَالفةُ الضَّعيفِ. [قوله] (١): «ثُمَّ المقْبُولُ»: أي: الحديث المقبول من حيث هو كذلك. وقوله: «أي: لم يَأْتِ خَبَرٌ يُضَادُّهُ»: أشار به إلى أنَّ المراد بالمعارضة: المضادَّةُ، وهو قريبٌ من قول الجدَليِّينَ وغيرِهم: معناها إقامةُ الدَّليلِ على خلاف ما أقام الخصمُ عليه الدليلَ، فلا بُدَّ [من] (٢) قرينة في الخبر المضادِّ له من كونه مقبولًا وفي مرتبته أيضًا، ونُكتة تفسير المعارضة التي هي: تَقَابُلُ الدليلين بالمضادَّة؛ للإشارة إلى أنَّه لا بُدَّ من تعذُّرِ ظهور الجَمعِ الغير متكلَّفِ حال الاعتبار أيضًا (٣). [قوله] (٤): «فهو المُحْكَمُ»: أي: فذلك السالم من المعارَضة المذكورة، «المُحْكَمُ» اسم مفعول، سُمِّي بذلك؛ لإحكام أمرِه من النسخ وصيانته عنه.

стр. 419

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «وأَمْثِلَةُ ذلكَ كَثيرةٌ»: [جمع مثال، وهو مَثَلٌ يُذْكر لإيضاح القاعدة، وإنَّما كانت كثيرة] (٢)؛ لأنَّها غالب السُّنَّةِ الواردة عنه ﷺ . [قوله] (٣): «وإنْ عُورِضَ»: أي: المقبول، بأنْ جاء خبرٌ يُضادُّه مقبولًا مثله، قال (ق) (٤) و (ب) (٥): نحو حديث: «إنَّ أشدَّ [الناسِ] (٦) عذابًا يومَ القيامةِ الَّذينَ يُشَبِّهونَ خَلْقَ الله» (٧)، وحديثِ: «لا يَقْبَلُ اللهُ صَلاةً بغَيْرِ طُهورٍ، ولا صَدَقةً مِن غُلولٍ» (٨)، وحديثِ: «إذا وُضِعَ العَشاءُ وأُقيمَتِ الصَّلاةُ، فابْدَؤُوا بالعَشاءِ» (٩)، وقد صنَّف فيه الدَّارِميُّ كتابًا حافلًا، قال المؤلِّف في تقريره: «المراد أصل القَبول لا التساوي فيه، حتى لا يكون القويُّ ناسخًا للأقوى، بل الحَسَنُ يكون ناسخًا للصحيح؛ لوجود أصل

стр. 420

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . القَبول ونحوه» نقله الكمال (١) أيضًا، فقال: «النافي أي: لا يُشترط ذلك، أي: نفي التساوي حتى ينشأ عنه عدم نسخ القوي للأقوى، بل يكون الحَسَنُ ناسخًا للصحيح المقبول، واعتبار الترجيح يدُلُّ على هذا؛ لأنهما لو كانا متساويين لم يأتِ الترجيح» انتهى، وهذا كلام محتمل لعل صوابَه إسقاط لفظتي: (نفي) و (عدم) (٢) كما لا يخفى. تنبيه: لا يخفاك أنَّ المراد من قوله: «فلا يخلو ... إلخ» ما صَدَقه بحسَب ما وُجد في الخارج؛ لأنَّ تلك الأوصافَ إنما هي مُعتبَرةٌ فيما وُجد فيه، و «أوْ» في هذه العبارة أجود من الواو، كما أشار إليه (هـ/١٠٥) بعض المتأخرين، انتهى. وفي كتابةٍ: قوله: «مقبولًا مِثْلَه» المراد بالمثلية في أصل القَبول، لا المماثلة في الرُّتبة من الضبط والإتقان، بدليل مقابلته بالمردود؛ لأنَّ اعتبار الترجيح فيما بعد يدُلُّ على أنَّ المراد ما ذكرنا. وقوله: «أَوْ يَكونَ مَرْدُودًا»: هذا كلُّه في القوليين؛ فيخرُج الفعليان فلا يتعارضا كما في «المختصر» و «المنهاج»، والقوليُّ والفِعليُّ في تعارضهما خلافٌ، وتفصيل في المطولات.

стр. 421

وإِنْ كانتِ المُعارضةُ بِمِثْلِهِ، فلا يَخْلو إِمَّا أَنْ يُمْكِنَ الجَمْعُ بين مَدْلولَيْهِما بغيرِ تَعَسُّفٍ أَوْ لَا: فَإِنْ أَمْكَنَ الجَمْعُ، فهو النَّوعُ المُسمَّى: مُخْتَلِفَ الحَديثِ، وَمَثَّلَ لهُ ابنُ الصَّلاحِ بحديثِ: «لَا عَدْوى، ولَا طِيَرَةَ، وَلَا هَامَّةَ، ولَا صَفَر، ولَا غُولَ»، مع حديث: «فِرَّ مِنَ المَجذومِ فِرارَكَ مِنَ الأسَدِ». وَكَلاهُما في الصَّحيحِ، وَظاهِرُهما التَّعارُضُ! [قوله] (١): «بِغَيرِ تَعَسُّفٍ»: فيه إشارةٌ إلى أنَّه إذا لم يمكِن الجمع إلَّا بتعسُّف انتقلنا إلى ما بعده من المراتب؛ لأنَّ ما كان بتعسُّف فلخَصْمٍ أن يَرُدَّه، وهذا القَيد لم يذكره صاحب «جمع الجوامع»، وأقرَّ شارحُه كلامَه، ونصُّ «جمع الجوامع»: «عاطفًا على مدخول الأصحِّ، وأن العمل بالمتعارضين ولو من وجهٍ أَوْلى مِن إلغاء أحدهما» انتهى، قال شارحُه (٢) عَقِبَه ما نصُّه: «بترجيح الآخر عليه، وقيل: يُصار إلى الترجيح» انتهى، ثُمَّ ذَكَر مثاله فقال: «مثالُه حديث التِّرْمِذيِّ وغيرِه: «أيُّما إهابٍ دُبِغَ فقد طَهُرَ» (٣)، مع حديث أبي داودَ والتِّرْمِذيّ وغيرهما: «لا تَنتَفِعوا مِنَ المَيْتةِ بإهابٍ ولا عَصَبٍ» (٤) الشاملِ للإهاب المدبوغ وغيره، فحمَلْناه على

стр. 422

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . غيره؛ جمعًا بين الدليلين» انتهى المراد منه. والباقي قوله: «بترجُّح الآخر» سببيَّة متعلقة بإلغاء، أي: الترجيح بسبب إلغاء المرجوح، وقوله: «ولو من وجه» أي: بأنْ يُخصَّصَ العامُّ منهما بالآخَر، أو يقَيَّدَ المُطْلَقُ منهما بالآخر، أو يؤوَّلَ الظاهر منهما بما يوافق الآخَرَ الذي هو نصٌّ» انتهى، قاله (ج) (١). وقال (هـ) (٢) قوله: «بغير تَعَسُّفٍ» أي: بأنْ يكون موافقًا للقوانين اللُّغويَّةِ أو الشرعيَّة أو العقليَّة بحيث لا يُخالِفُ القواطعَ منها، وأصله من العَسْف وهو الأخذ على غير الطريق، كأنَّ الخارج عن تلك القوانين مشى في غير طريقه، وهو غاية الوضوح، و (أ/٩٠) السكوت عنه إنَّما هو للعلم بأنَّ ما كان تَعسُّفًا بالمعنى الذي ذَكَرناه يكون من قبيل العبث أو الهذيان من حيث مخالفةُ اللسان؛ فالقدح فيه بأن صاحب «جمع الجوامع» (٣)، وغيره أطلقوا ولم يَتَعقِّبه مُتَعَقِّبٌ لا يَضُرُّ لِمَا ذَكَرْناه، ومن حق الساكت عنه اعتباره لِما عرَفت. [قوله] (٤): «فهو»: أي: ما يُمكِنُ الجمعُ بينه من الأحاديث بغير تَعَسُّفٍ. [قوله] (٥): «وكِلاهُما في الصَّحيح»: قال (ب): ففي البخاريِّ في الطِّب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 423

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . «لا عَدْوَى ولا طِيَرةَ ولا هامَةَ ولا صَفَرَ، وفِرَّ مِنَ المَجْذُومِ كما تَفِرُّ مِنَ الأَسَدِ» (١)، وللشيخين عنه أنَّه ﵊ قال: «لا عَدْوَى ولا صَفَرَ ولا هامَةَ. وقال أعرابيٌّ: يا رسولَ اللهِ، ما بالُ الإبلِ تَكونُ في الرَّملِ كأنها الظِّباءُ فيأتي البَعيرُ الأجرَبُ فيَدخُلُ فيها فيُجْرِبُها؟ فقال: فمَن أَعْدَى الأوَّلَ» (٢)، ولهما عنه أنَّه ﵊ قال: «لا عَدْوَى لا طِيَرَةَ» (٣)، وأنَّه ﵊ قال: «لا يُورِدُ مُمْرِضٌ على مُصِحٍّ» (٤)، والطِّيَرةُ: ما يُتشاءم به مِن الفأل، وأصله أنَّ الصيد مِن طير أو غيره كان إذا زجر مِن اليمين إلى اليسار تشاءموا به، ويُسمَّى: البارِح، فإذا فعل ضدَّ ذلك تيمَّنوا به، ويُسمَّى: السانِح، ومعنى قولهم: مَنْ لي بالسانِح بعد البارح؛ مَنْ لي بالمبارك بعد المشؤوم. والصَّفر: داء في البطن يَصْفَرُّ منه الوجه، يعتقدون أنه مُعْدٍ. والهامَة: الصَّدَى، وهو طائر تزعم الجاهليَّة أنَّه يخرج من رأس القتيل فلا يزال يَصيحُ حتى يُؤْخَذ بثأره. [قوله] (٥): «وَظاهِرُهما التعارُض»: فيه إشارةٌ إلى أنَّ التعارض إنَّما يقع في كلام الشارع بحسَب الظاهر وما وصلت إليه عُقولنا، لا بحسَب الحقيقة؛ إذ لا تعارُضَ بالنسبة لها وما في نفْس الأمر، كما صرح به أئمة الأصول والكلام.

стр. 424

ووَجْهُ الجمعِ بَيْنَهُما أَنَّ هَذِهِ الأمراضَ لَا تُعْدي بِطَبْعِها، لَكنَّ اللهَ جَعَلَ مُخالطةَ المريضِ بها للصَّحيحِ سببًا لإعدائِهِ مَرَضَه. ثمَّ قَدْ يتخلَّفُ ذَلكَ عن سبَبِهِ كما في غيرِهِ من الأسبابِ، كذا جَمَعَ بَيْنَهما ابنُ الصَّلاحِ تَبعًا لغيرِه. [قوله] (١): «ووَجْهُ الجمعِ بَيْنَهُما»: أي:] الحَدِيثين] (٢) المذكورين، بل المنبَّه [بهما] (٣) على غيرهما؛ فيُقاس عليهما فيه. (هـ/١٠٦) وقوله: «بها»: أي: الأمراض. وقوله: «للصَّحيح»: متعلق بـ: «مُخالَطَة»، وقوله: «سَببًا»: مفعولٌ ثانٍ لـ «جَعَلَ». وقوله: «مَرَضَهُ»: مفعول ثان «لإعْدَائه»، وضمير «إعْدائه» للصحيح، و «مَرَضَه» للمريض. وقوله: «ثُمَّ قد يَتَخَلَّفُ ذلك»: أي: المرضُ عن سببه وهو المخالَطةُ، «كذا جَمع بينهما ابن الصَّلاح ... إلخ» (٤) وحاصل ما جَمَع به هو ومَن تبِعه تبَعًا للشافعيِّ في ذلك، كما أفاده المؤلِّف في غير هذا الكتاب، وقد ذَكَره هنا تأدُّبًا: أنَّ المَنفيَّ العَدْوَى بالطَّبع، والأمر بالفِرار والنهي عن المخالطة إنما هو خشية العَدْوى بالعادة، فإنَّ المخالَطَة جعَلَها الله تعالى سببًا عادةً للإعداء، وقد يَتخَلَّفُ خَلْقُ اللهِ المرضَ عند المخالَطة، كما في النَّار والطعام كما هو مقرَّر في محله.

стр. 425

والأَوْلَى في الجَمْعِ بَيْنَهُما أَنْ يُقَالَ: إِنَّ نَفْيَهُ ﷺ للعَدوى باقٍ على عُمومِهِ، وقد صحَّ قولُهُ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا يُعْدِي شَيْءٌ شيئًا»، وقَوْلُه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لِمَنْ عارَضَهُ بأَنَّ البَعيرَ الأجْرَبَ يكونُ في الإِبلِ الصَّحيحةِ، فيُخالِطُها، فتَجْرَبُ، حيثُ ردَّ عليهِ بقولِهِ: «فَمَنْ أَعْدَى الأوَّلَ؟»؛ يعني: أَنَّ اللهَ ابتَدَأَ ذلك في الثَّاني كما ابْتَدَأَ في الأوَّلِ. وأَمَّا الأَمْرُ بالفِرارِ مِنَ المَجْذومِ، فَمِن بابِ سَدِّ الذَّرائعِ؛ لئلَّا يَتَّفِقَ للشَّخْصِ الَّذي يخُالِطُهُ شيءٌ مِن ذلك بتقديرِ اللهِ ابتداءً، لَا بالعَدْوى المَنْفِيَّةِ، فيَظُنَّ أَنَّ ذَلكَ بسببِ مُخالطتِهِ، فيعتقدَ صِحَّةَ العَدْوى، فيقعَ في الحَرَجِ، فأَمَرَ بتجنُّبِهِ؛ حَسْمًا للمادَّةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. [قوله] (١): «والأَوْلى في الجَمْعِ بيْنهُما ... إلخ»: إنَّما كان ما قاله أَوْلى في الجمع ممَّا قاله ابن الصَّلاح؛ لأنَّ كلامه وكلام موافقيه تبَعًا للشافعيِّ اقتضى تخصيصَ الحديث] بنفي] (٢) عدْوى الطَّبع، وليس في الحديث ما يدُلُّ عليه؛ لأنَّه نَكِرةٌ في سياق النفي وهي للعموم، بل صريح ألفاظ الأحاديث الأُخَرِ مقتضٍ له؛ فإبقاؤه على ظاهره أَوْلى، فهو لنفي العَدْوى بالطَّبع وبالعادة جميعًا. فقوله: «وأمَّا الأَمْرُ»: جواب سؤال مقدَّر، لا يخفى تقديره على مَن له أدنى تأمُّل.

стр. 426

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «باقٍ على عُمُومِهِ»: أي: لا تأثير ولا سببية. وقوله: «وقد صَحَّ ... إلخ»: للإطلاق، ففُرِض بذِكْر هذا أنَّ الظاهر المقَّيد [لنفي العَدْوى مُطْلَقًا] (٢) أي: بالطَّبْع وغيره (٣)، فتفيد القطع بما يفيد الظاهر حينئذٍ؛ فلا يُقال: ما ذَكَرَه يَصْلُح حَمْلُه على ما حُمِل عليه حديث: «لا عَدْوَى» أي: بالطَّبع؛ تأمل. وحاصل الجواب الثاني: أنَّه لا دَخْلَ للمخالَطة في حصول المرض، وأنَّه يُحَلُّ بدونها بخلاف الأوَّل، ولَمَّا كان في الثاني بيانُ حِكمةِ الأمر بالفِرار كان أَوْلى من الأوَّل؛ لخُلُوِّه منها. [قوله] (٤): «سَدِّ الذَّرائِعِ»: هي كالوسائل، وزنًا ومعنًى، جمع: ذَريعة، بمعنى الوسيلة، وهي: ما يُتوسل (٥) به إلى الشيء، وأجيب أيضًا: بأنَّ إثباتَ العَدْوى في نحو: «المجْذوم» خاصٌّ، و «لا عَدْوى» عامٌّ؛ فيُحْمَلُ عليه، فكأنَّه قال: لا يُعدِي شيء شيئًا إلا الجُذام؛ فلا تعارُضَ.

стр. 427

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وأجيب أيضًا: الأمر بالفِرار من المجْذوم ليس للإعداء، وإنَّما هو لِمَا يُخاف عليه مِنْ كَسْرِ قلبه لمُشاهدة الصَّحيح، ولِمَا يُخاف على الصَّحيح من استقذاره إيَّاه. (أ/٩١) [قوله] (١): «للشَّخْصِ ... إلخ»: الضمير البارز من «يُخالِطُه» للشَّخص، و «شيءٌ»: فاعل «يَتَّفِق»، أي: لئلَّا يقعَ على سبيل موافقة قَدَر الله ومصادفته، بأنْ يكون قد سبق العلم والإرادة القديمان بترتب ذلك المُسَبَّبِ على ذلك السَّبب في ذلك الوقت على ذلك الوجه؛ فتتعلَّق القدرة بإبرازه لوقته على وَفق ذلك التعلُّق. وقوله: «لأن [العَدْوى]» (٢) عَطْفٌ على: «بتقدير الله تعالى» (٣). [قوله] (٤): «فَيَظُنَّ»: «فيعتقِدَ» «فيقعَ» منصوبات بالعطف على «يتفق». وقوله: «فأمر»: يجوز [فيه] (٥) البناء للفاعل وللمفعول، أي: فأمَرَ الشارع، وأمُر ذلك الشَّخصُ.

стр. 428

وقد صَنَّفَ في هذا النَّوعِ الإِمامُ الشافعيُّ كتابَ «اختِلافِ الحديثِ»، لكنَّهُ لم يَقْصِدِ استيعابَه. و قَدْ صنَّفَ فيهِ بَعْدَهُ: ابنُ قُتيبةَ، والطَّحاويُّ، وغَيرُهما. وإِنْ لم يُمْكِنِ الجمعُ، فلا يخْلو إِمَّا أَنْ يُعْرَفَ التَّاريخُ أوْ لَا: [قوله] (١): «في هذا النَّوع»: يعني المُسمَّى بـ «مُختَلف الحديث»، والمراد: أنَّه صنَّف فيما يُفيد معرفته، ويتميز به آحاده، والشافعيُّ أوَّل مَنْ صنَّف فيه الكتابَ المذكور من جملة كتاب الأمِّ له استقلالًا، وضمير استيفائه لذلك أبدعَ (النوع) (٢)، وكتاب الطَّحاوي يسمَّى «مُشْكِل الآثار» وقد جمع فأَوْعى، وشرحه العَيْنيُّ فأبدع] (٣). [قوله] (٤): «وغَيْرُهُما»: من غيرهما: ابنُ خُزيمة، وأجَلُّهم: محمد بن جَريرٍ الطَّبَريُّ؛ فإنَّه أحسَنُهم فيه كلامًا، حتى قال: لا أعرف حديثين متعارضين أصلًا. وبهذا نَعْرِفُ أنَّ التَّكَلُّمَ في هذا النوع من وظيفة الأئمة الجامعين بين: الفقه والحديث، وفنونِ التفسير والكلام، وقوانينِ اللُّغةِ والأدب، كما قد صرَّح به أهل هذا الفنِّ، وهذا مِن أهمِّ الفنون، ويُضْطَرُّ إلى معرفته جميعُ الفِرَق. (هـ/١٠٧).

стр. 429

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «وإِذا لم يُمْكِنِ الجَمْعُ»: أي: بين الحديثين المتعارضين في الظاهر، يعني أو أمكن لكن بتعسُّف، بألَّا يكونَ له طريقٌ يوصِّلُ إليه من: شرع أو لُغةٍ أو عقل كما مَرَّ؛ إذ ما خالفها والقواعد لا يُعَدُّ جَمْعًا وإنما يُعَدُّ لعبًا. [قوله] (٢): «إمَّا أنْ يُعْرَفَ التَّاريخُ»: يأتي بيان التاريخ آخر الكتاب، والمراد: عِلْم التاريخ للواقف على الحديثين المتعارضين من حيث إنَّه يحاول الجمع بينهما؛ فلا حاجة إلى أنْ يزيد المؤلِّف ولم يُنس، ثُمَّ هذا بقرينة السياق فيما يَقْبَلُ النَّسخ من الأخبار، وأمَّا صفات الباري فلا يتعارض فيها قطعيَّان، والقطعيُّ مقدَّمٌ على الظَّنِّيِّ، ويُقَدَّمُ من الظَّنِّيَّيْنِ أرجَحُهما، فإنْ تعذر الجَمعُ والترجيح فيهما فالظاهر أنَّه لا يَبعُدُ الحُكْمُ بالنسخ حينئذٍ، قاله (هـ) (٣). [قوله] (٤): «أو: لا»: أي: لا ولا يعرف التاريخ (٥).

стр. 430

فَإِنْ عُرِفَ وَثَبَتَ المُتَأَخِّرُ بِهِ، أَو بأَصرحَ منهُ، فهو النَّاسِخُ، والآخَرُ المَنْسُوخُ. وَ «النَّسْخُ»: رَفْعُ تَعلُّقِ حُكْمٍ شرعيٍّ بدليلٍ شرعيٍّ متأَخِّرٍ عنهُ. وَ «النَّاسخُ»: ما يدلُّ على الرَّفعِ المذكورِ. وتسميتُهُ ناسِخًا مجازٌ؛ لأنَّ النَّاسخَ في الحقيقةِ هو اللهُ تعالى. وقوله: «وثَبَتَ المُتأَخِّر»: يعني من حيث تأخُّرُه، ويُحْتمَلُ: وثَبَت تأخُّرُ المتأخِّر؛ الحاصل: أنَّ الثابت بالتاريخ وما معه إنَّما هو وصفُ المتأخِّر لا ذاته؛ لثبوتها بالرواية. و قوله: «به»: أي: بالتاريخ. وقوله: «أو بأصرَحَ منه»: يُفهَم منه خُلو الأصرح عن التاريخ مع أنَّه لا يَنْفَك عنه، ويُجاب بأنَّ: المقصود في الأوَّل أنَّ مُستَنَد النَّسخ: عِلْمُ التاريخ، وفي الثاني: الأصرحيَّةُ ووجود التاريخ معها لا يضرُّ؛ لأنَّه تابِع غيرُ مقصودٍ، على أنَّه لازم لها، ومرتبة اللازم متأخِّرة عن الملزوم، وإنْ كان النَّسخُ في الحقيقة لا يكون إلا بمتأخِّر. تنبيهات (١): الأول: مثالُ ما هو أصرَحُ من التاريخ حديثُ: «كنتُ نَهَيْتُكُم عن زيارةِ القُبورِ فزُورُوها» (٢)، وهذا الذي حَمَلْنا عليه العبارة لا شكَّ في صحته حينئذٍ،

стр. 431

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وحَمَلَها بعضُهم على أنَّ المراد: المتأخِّر لا بُدَّ أن يَثْبُت بالتاريخ أو بمقبول أقوى منه، فاعْتُرض بأنَّ العبارة تُفْهِم أنَّ المتأخِّر لا يَثْبُت بمثله ولا بمقبولٍ دُونه، وليس كذلك، فلو قال: به أو بمقبول غيرِه؛ سَلِم من ذلك. انتهى. وهو هذيانٌ بيِّنُ البُطلان، كيف ولو كان كذلك لقال: أو بأقوى منه لا بأصرَحَ. الثاني: دَخَل في الأوَّل المتواتر إذا كان المتأخِّر آحادًا على الأصح لِمَا قدَّمناه؛ لأنه إنْ كان قطعيَّ المَتْنِ لكنَّه ظنِّيّ الدلالة، ولو سُلِّمت قطعيَّةُ دَلالتِه فدوامُها ظنِّيٌّ فيَقبل النسخ. الثالث: قوله: «وثَبَت المتأخِّر» يعني تأخُّرَ المتأخِّر، أو المراد: المتأخر من حيث تأخُّرُه. انتهى المراد من تعليق (هـ) (١)، وانظر الأمثلة في شراح «جمع الجوامع» (٢). [قوله] (٣): «وهو النَّاسِخُ»: أي: فالمتأخِّر الثابت تأخُّره بما ذُكِر، هو النَّوع المُسمَّى بـ «النَّاسخ»، «والآخر» هو الثابت تقدُّمُه، هو النَّوع المُسمَّى بـ «المنسوخ»، ويُحتمل [أنَّ] (٤) التسمية لمجموع الأمرين بمجموع الاسمين، ويُبعِده قولُه: «والآخر».

стр. 432

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «والنَّسْخُ ... إلخ»: هو لُغةً: الإزالة، ومنه: نَسخَتِ الشمسُ الظِّلَّ، والنَّقل وَالتحويل، ومنه: نَسَخْتُ ما في الكتاب، أي: نقَلْتُه، بمعنى أنك أوجَدْتَ مِثلَه في محلٍّ آخَرَ، والمُناسخات؛ لانتقال (أ/٩٢) المال فيها من وارثٍ إلى وارثٍ، وهل هو حقيقة في الإزالة مجاز في النقل، أو بالعكس، أو مشترك بينهما؟ فيه مذاهبُ حكاها ابن الحاجب (٢) من غير ترجيح، وفي العُرف: ما قاله، وانظر بَسطه في شراح الأصول. [قوله] (٣): «والنَّاسخ ... إلخ»: ما ذكرناه من معنى النسخ لغةً يُعرف معنى الناسخ لغة، وأمَّا عُرفًا فهو ما ذَكَرَه، لكن يَرِد عليه أنَّه يَصْدُق عليه تعالى وعلى جبريلَ وعلى النبي ﵊؛ إذ كلٌّ منهما دَلَّ على الرفع المذكور، وهو: رَفع تعلُّقِ حُكمٍ شرعي ... إلخ، وربما يُرفع بتفسير ما بخطاب شرعيٍّ أو بدليل شرعيٍّ. [قوله] (٤): «وتسميتُهُ ناسِخًا مجازٌ»: فيه بحث؛ لأنَّه إنَّما يتوجه إنْ أريد بالمجازيَّةِ بحسَب الأصل، وأمَّا الآن فالظاهر أنَّه حقيقةٌ عُرفيَّةٌ خاصَّةٌ؛ كالحَسَن والصَّحيح والمضطرب والمقلوب. (هـ/١٠٨)

стр. 433

ويُعْرَفُ النَّسْخُ بأُمورٍ: أَصْرَحُها: ما ورَدَ في النَّصِّ؛ كحديثِ بُريدَةَ في «صحيحِ مسلمٍ»: «كُنْتُ نَهَيْتُكُم عن زِيَارَةِ القُبُورِ ألا، فَزُورُوها؛ فَإِنَّها تُذَكِّرُ الآخِرَةَ». وَمِنْهَا ما يَجْزِمُ الصَّحابيُّ بأَنَّه متأَخِّرٌ؛ كقولِ جابرٍ: «كانَ آخِرَ الأَمْرَيْنِ مِن رَسُولِ الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: تَرْكُ الوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ»، أَخرَجَهُ أَصحابُ السُّنَنِ. وَمِنْها ما يُعْرَفُ بالتَّاريخِ، وَهُو كَثيرٌ. [قوله] (١): «ويُعْرَفُ ... إلخ»: من المَعرفة لا من التَّعريف، وظاهره أنَّ هذه الأمورَ خارجةٌ عن عِلْم المتأخِّر، والتحقيق أنَّها طُرُقٌ لعلم المتأخِّر، وهذا كالتفصيل لقوله: «ويثبت المتأخِّر به أو بأصرَحَ منه». وقوله: «بُرَيدَة»: تصغير بُردة -بضم الموحدة-، ابن الحُصَيْبِ -بمهملة -كزُبَيْر، الصحابي. [قوله] (٢): «أَصْرَحُهَا ... إلخ»: الظاهر أنَّ التفضيل مرادٌ كما في الباقي من أصل الصراحة؛ فلا حاجة إلى أنَّ المراد الصريح من بينها. قوله: «ما يَجْزِمُ الصَّحابيُّ بأنَّه مُتَأخِّرٌ»: يُحتمل أنْ يُقيَّدَ الجَزمُ بما كان كمثاله، بأن يكون فيه التنصيصُ على المتأخِّر

стр. 434

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مع عِلْم النَّاسِخ والتصريح بنسبته للنبيِّ ﵊، وهي طريق الأصوليين الذين لا يَقبلون قولَ الرَّاوي في النسخ: هذا ناسخ فقط؛ لجواز أنْ يقوله عن اجتهادٍ، بِناءً على أنَّ قوله ليس بحجَّة، ويُحتمل مجرَّدُ جزمه بأنَّ كذا ناسخٌ لكذا، وَمفْهِم أنه ما ذُكِر ولم يَذْكُر مستنَده في حكمه بالنَّسخ، وهو طريق المحدِّثين. قال العراقيُّ (١): وما قاله المحدِّثون أوضَحُ وأشهر؛ إذ النَّسخ لا يُصار إليه بالاجتهاد والرأي، وإنَّما يُصار إليه عند معرفة التاريخ، والصحابة أورَعُ من أنْ يَحْكُمَ أحدٌ منهم على حكم شرعي بنسخ من غير أنْ يَعرِف تأخُّرَ النَّاسخ عنه، وفي كلام الشافعيِّ ما يوافق المحدِّثين، أما قول الراوي الصحابيِّ: هذا هو الناسخ، فيما عُلِم أنَّه منسوخ وجُهِل عينُ ناسخه؛ فمقبول عند الفريقين. [قوله] (٢): «بالتَّاريخ وهو كثير»: كحديث: «أَفْطَرَ الحاجِمُ والمَحْجومُ» (٣)، وكحديث: «احتَجَمَ وهو صائمٌ ﷺ » (٤)، فبيَّن التابعي ﵁ أنَّ الأول كان سَنَة ثمانٍ، والثاني: عشر.
следующие страницы →