فَإِنْ عُرِفَ وَثَبَتَ المُتَأَخِّرُ بِهِ، أَو بأَصرحَ منهُ، فهو النَّاسِخُ، والآخَرُ المَنْسُوخُ.
وَ «النَّسْخُ»: رَفْعُ تَعلُّقِ حُكْمٍ شرعيٍّ بدليلٍ شرعيٍّ متأَخِّرٍ عنهُ.
وَ «النَّاسخُ»: ما يدلُّ على الرَّفعِ المذكورِ.
وتسميتُهُ ناسِخًا مجازٌ؛ لأنَّ النَّاسخَ في الحقيقةِ هو اللهُ تعالى.
وقوله: «وثَبَتَ المُتأَخِّر»:
يعني من حيث تأخُّرُه، ويُحْتمَلُ: وثَبَت تأخُّرُ المتأخِّر؛ الحاصل: أنَّ الثابت بالتاريخ وما معه إنَّما هو وصفُ المتأخِّر لا ذاته؛ لثبوتها بالرواية.
و قوله: «به»:
أي: بالتاريخ.
وقوله: «أو بأصرَحَ منه»:
يُفهَم منه خُلو الأصرح عن التاريخ مع أنَّه لا يَنْفَك عنه، ويُجاب بأنَّ: المقصود في الأوَّل أنَّ مُستَنَد النَّسخ: عِلْمُ التاريخ، وفي الثاني: الأصرحيَّةُ ووجود التاريخ معها لا يضرُّ؛ لأنَّه تابِع غيرُ مقصودٍ، على أنَّه لازم لها، ومرتبة اللازم متأخِّرة عن الملزوم، وإنْ كان النَّسخُ في الحقيقة لا يكون إلا بمتأخِّر.
تنبيهات (١):
الأول: مثالُ ما هو أصرَحُ من التاريخ حديثُ: «كنتُ نَهَيْتُكُم عن زيارةِ القُبورِ فزُورُوها» (٢)، وهذا الذي حَمَلْنا عليه العبارة لا شكَّ في صحته حينئذٍ،
стр. 431
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وحَمَلَها بعضُهم على أنَّ المراد: المتأخِّر لا بُدَّ أن يَثْبُت بالتاريخ أو بمقبول أقوى منه، فاعْتُرض بأنَّ العبارة تُفْهِم أنَّ المتأخِّر لا يَثْبُت بمثله ولا بمقبولٍ دُونه، وليس كذلك، فلو قال: به أو بمقبول غيرِه؛ سَلِم من ذلك. انتهى. وهو هذيانٌ بيِّنُ البُطلان، كيف ولو كان كذلك لقال: أو بأقوى منه لا بأصرَحَ.
الثاني: دَخَل في الأوَّل المتواتر إذا كان المتأخِّر آحادًا على الأصح لِمَا قدَّمناه؛ لأنه إنْ كان قطعيَّ المَتْنِ لكنَّه ظنِّيّ الدلالة، ولو سُلِّمت قطعيَّةُ دَلالتِه فدوامُها ظنِّيٌّ فيَقبل النسخ.
الثالث: قوله: «وثَبَت المتأخِّر» يعني تأخُّرَ المتأخِّر، أو المراد: المتأخر من حيث تأخُّرُه. انتهى المراد من تعليق (هـ) (١)، وانظر الأمثلة في شراح «جمع الجوامع» (٢).
[قوله] (٣): «وهو النَّاسِخُ»:
أي: فالمتأخِّر الثابت تأخُّره بما ذُكِر، هو النَّوع المُسمَّى بـ «النَّاسخ»، «والآخر» هو الثابت تقدُّمُه، هو النَّوع المُسمَّى بـ «المنسوخ»، ويُحتمل [أنَّ] (٤) التسمية لمجموع الأمرين بمجموع الاسمين، ويُبعِده قولُه: «والآخر».
стр. 432
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله] (١): «والنَّسْخُ ... إلخ»:
هو لُغةً: الإزالة، ومنه: نَسخَتِ الشمسُ الظِّلَّ، والنَّقل وَالتحويل، ومنه: نَسَخْتُ ما في الكتاب، أي: نقَلْتُه، بمعنى أنك أوجَدْتَ مِثلَه في محلٍّ آخَرَ، والمُناسخات؛ لانتقال (أ/٩٢) المال فيها من وارثٍ إلى وارثٍ، وهل هو حقيقة في الإزالة مجاز في النقل، أو بالعكس، أو مشترك بينهما؟ فيه مذاهبُ حكاها ابن الحاجب (٢) من غير ترجيح، وفي العُرف: ما قاله، وانظر بَسطه في شراح الأصول.
[قوله] (٣): «والنَّاسخ ... إلخ»:
ما ذكرناه من معنى النسخ لغةً يُعرف معنى الناسخ لغة، وأمَّا عُرفًا فهو ما ذَكَرَه، لكن يَرِد عليه أنَّه يَصْدُق عليه تعالى وعلى جبريلَ وعلى النبي ﵊؛ إذ كلٌّ منهما دَلَّ على الرفع المذكور، وهو: رَفع تعلُّقِ حُكمٍ شرعي ... إلخ، وربما يُرفع بتفسير ما بخطاب شرعيٍّ أو بدليل شرعيٍّ.
[قوله] (٤): «وتسميتُهُ ناسِخًا مجازٌ»:
فيه بحث؛ لأنَّه إنَّما يتوجه إنْ أريد بالمجازيَّةِ بحسَب الأصل، وأمَّا الآن فالظاهر أنَّه حقيقةٌ عُرفيَّةٌ خاصَّةٌ؛ كالحَسَن والصَّحيح والمضطرب والمقلوب. (هـ/١٠٨)
стр. 433
ويُعْرَفُ النَّسْخُ بأُمورٍ:
أَصْرَحُها: ما ورَدَ في النَّصِّ؛ كحديثِ بُريدَةَ في «صحيحِ مسلمٍ»: «كُنْتُ نَهَيْتُكُم عن زِيَارَةِ القُبُورِ ألا، فَزُورُوها؛ فَإِنَّها تُذَكِّرُ الآخِرَةَ».
وَمِنْهَا ما يَجْزِمُ الصَّحابيُّ بأَنَّه متأَخِّرٌ؛ كقولِ جابرٍ: «كانَ آخِرَ الأَمْرَيْنِ مِن رَسُولِ الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: تَرْكُ الوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ»، أَخرَجَهُ أَصحابُ السُّنَنِ.
وَمِنْها ما يُعْرَفُ بالتَّاريخِ، وَهُو كَثيرٌ.
[قوله] (١): «ويُعْرَفُ ... إلخ»:
من المَعرفة لا من التَّعريف، وظاهره أنَّ هذه الأمورَ خارجةٌ عن عِلْم المتأخِّر، والتحقيق أنَّها طُرُقٌ لعلم المتأخِّر، وهذا كالتفصيل لقوله: «ويثبت المتأخِّر به أو بأصرَحَ منه».
وقوله: «بُرَيدَة»:
تصغير بُردة -بضم الموحدة-، ابن الحُصَيْبِ -بمهملة -كزُبَيْر، الصحابي.
[قوله] (٢): «أَصْرَحُهَا ... إلخ»:
الظاهر أنَّ التفضيل مرادٌ كما في الباقي من أصل الصراحة؛ فلا حاجة إلى أنَّ المراد الصريح من بينها.
قوله: «ما يَجْزِمُ الصَّحابيُّ بأنَّه مُتَأخِّرٌ»:
يُحتمل أنْ يُقيَّدَ الجَزمُ بما كان كمثاله، بأن يكون فيه التنصيصُ على المتأخِّر
стр. 434
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مع عِلْم النَّاسِخ والتصريح بنسبته للنبيِّ ﵊، وهي طريق الأصوليين الذين لا يَقبلون قولَ الرَّاوي في النسخ: هذا ناسخ فقط؛ لجواز أنْ يقوله عن اجتهادٍ، بِناءً على أنَّ قوله ليس بحجَّة، ويُحتمل مجرَّدُ جزمه بأنَّ كذا ناسخٌ لكذا، وَمفْهِم أنه ما ذُكِر ولم يَذْكُر مستنَده في حكمه بالنَّسخ، وهو طريق المحدِّثين.
قال العراقيُّ (١): وما قاله المحدِّثون أوضَحُ وأشهر؛ إذ النَّسخ لا يُصار إليه بالاجتهاد والرأي، وإنَّما يُصار إليه عند معرفة التاريخ، والصحابة أورَعُ من أنْ يَحْكُمَ أحدٌ منهم على حكم شرعي بنسخ من غير أنْ يَعرِف تأخُّرَ النَّاسخ عنه، وفي كلام الشافعيِّ ما يوافق المحدِّثين، أما قول الراوي الصحابيِّ: هذا هو الناسخ، فيما عُلِم أنَّه منسوخ وجُهِل عينُ ناسخه؛ فمقبول عند الفريقين.
[قوله] (٢): «بالتَّاريخ وهو كثير»: كحديث: «أَفْطَرَ الحاجِمُ والمَحْجومُ» (٣)، وكحديث: «احتَجَمَ وهو صائمٌ ﷺ » (٤)، فبيَّن التابعي ﵁ أنَّ الأول كان سَنَة ثمانٍ، والثاني: عشر.
стр. 435
وليسَ مِنْها مَا يَرْويهِ الصَّحابيُّ المُتأَخِّرُ الإِسلامِ مُعارِضًا للمُتَقَدِّمِ عليهِ؛ لاحْتمالِ أَنْ يكونَ سَمِعَهُ مِن صَحابيٍّ آخَرَ أَقدمَ مِنَ المُتَقَدِّمِ المَذْكورِ، أو مثلِهِ، فأَرْسَلَهُ.
لكنْ؛ إِنْ وَقَعَ التَّصريحُ بسماعِهِ لهُ مِن النَّبيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فيَتَّجِهُ أَنْ يَكُونَ ناسِخًا بشَرْطِ أَنْ يكونَ المُتَأَخِّرُ لَمْ يَتَحمَّلْ مِنَ النَّبيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- شَيْئًا قبلَ إِسلامِهِ.
وأَمَّا الإِجماعُ، فليسَ بناسِخٍ، بل يدُلُّ على ذَلكَ.
[قوله] (١): «وليس منها ما يَرْويه الصَّحابيُّ ... إلخ»:
قال (ب) (٢): قال المؤلِّف: إنَّما قلتُ هذا؛ لأنَّ النبيَّ ﵊ قال ليلةَ العَقَبة: «المصائبُ بالذُّنوبِ كفَّارةٌ لها»، قال: «فمَن أصاب مِن ذلك شَيئًا فعُوقِبَ به فهو كفَّارةٌ له»، [و] (٣) روى أبو هريرةَ -[وهو متأخِّرُ الإسلام عن ليلة العَقَبةِ بنحو سبعِ سِنينَ] (٤) - أن النبيَّ ﵊ قال: «لا أدري بالحدود كفَّارةٌ لأهْلِها أوْ لا» (٥) وهذا خبرٌ لا يجوز النسخ فيه، وذلك أنَّه رواه عن أحد ممن أسلم ليلةَ العَقَبةِ، والله أعلم.
стр. 436
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله] (١): «بشرْط أنْ يكون ... إلخ»:
بل يُشترَطُ أيضًا أنْ يكون متقدِّمُ الإسلام سمِعَ الحديث المعارِضَ قبْلَ سماع متأخِّرِ الإسلام، بأن يُعْلَمَ ذلك بنقلٍ أو قرينةٍ، فهو راجع للتاريخ؛ فيُحمل التاريخ على ما صَرَّح به أو على القرينة.
[قوله] (٢): «قَبْلَ إسلامِه»:
يعني: ألَّا يكونَ المتقدِّمُ الإسلامِ سَمِع الحديثَ المعارِضَ بعد سماع المتأخِّر الإسلام، ولا بُدَّ من الاحتراز عن هذا؛ لأنَّ المتقدِّم الصُّحبة يُحتمل أنْ يَسمَع حديثًا بعد ما سمِع مقابله المتأخِّر فيها، أي: الصحبة، ذَكَرَه الكمال الشريف (٣) و (ب) (٤).
[قوله] (٥): «فليس بناسِخٍ»:
لأنَّه إنَّما يَنعقِدُ بعد وفاته ﵊؛ إذ في حيثيات الحجة في قوله دُونه ولا نسخ بعد وفاته [لك] يتضمن النسخ لأنَّ الإجماع لا بُدَّ له من مستند يسنده من كتاب أو سُنة وهو الناسخ.
стр. 437
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال (هـ) (١) قوله: «وأمَّا الإجماع ... إلخ» مثاله: إجماعُهم على ترك العمل بحديث قتل الشارب في المرة الرابعة، وهذا الإجماع معه عاضِدٌ وهو حديث: «لا يَحِلُّ دَمُ امرئٍ مُسلِمٍ إلا بإحدى ثلاثٍ» (٢)، بل وحديث ابن أبي ذئب: «أنَّه ﵊ بعد أمْرِه بقتلِ مَن شَرِبَ في الرَّابِعةِ أتيَ برجُلٍ قد شَرِبَ فيها فضَرَبَه [الحدَّ] (٣) ولم يَقْتُلْهُ» (٤).
تنبيه: (أ/٩٣)
هل يَمتنعُ نسخُ الإجماع وهل يُنسَخُ به أم لا؟ وقع في كلٍّ خلافٌ، والمختار عند الآمدي (٥) وابنِ الحاجب (٦) وغيرِهما: أنه لا يُنسَخُ، ولا يُنسَخُ به غيرُه، وانظر أدلة ذلك في كتب الأصول.
стр. 438
وَإِنْ لمْ يُعْرَفِ التَّاريخُ، فلا يخلو إِمَّا أَنْ يُمْكِنَ ترجيحُ أَحدِهِما على الآخَرِ بوَجْهٍ مِن وجوهِ التَّرجيحِ المُتعلِّقَةِ بالمَتْنِ أَو بالإِسنادِ، أَوْ لَا:
فَإِنْ أَمْكَنَ التَّرجيحُ، تعيَّنَ المصيرُ إِليهِ، وإِلَّا فلَا.
فَصَارَ مَا ظاهِرُهُ التَّعارُضُ واقِعًا على هَذَا التَّرتيبِ:
* الجَمعُ إِنْ أَمكَنَ. * فَاعْتبَارُ النَّاسِخِ والمَنْسوخِ.
* فَالتَّرْجيحُ إِنْ تَعيَّنَ. * ثمَّ التوقُّفُ عنِ العَمَلِ بأَحدِ الحَديثينِ.
والتَّعبيرُ بالتوقُّفِ أَوْلَى مِن التَّعبيرِ بالتَّساقُطِ؛ لأَنَّ خفاءَ ترجيحِ أَحدِهِما عَلَى الآخَرِ إِنَّما هُوَ بالنِّسبةِ للمُعْتَبِرِ في الحالةِ الرَّاهنةِ معَ احتِمالِ أَنْ يظهَرَ لغيرِهِ ما خَفِيَ عليهِ، واللهُ أعلمُ.
[قوله] (١): «بوَجْهٍ مِن وُجوهِ التَّرجيحِ ... إلخ»: يأتي تفصيلُها قريبًا.
وقوله: «المُتَعَلِّقةِ بالمَتْنِ»:
بسماعه من (هـ/١٠٩) الشيخ وقراءتِه عليه مع أخذِ مقابِله عرضًا أو [إجازة] (٢)، «وبالإسناد» كزيادة الضبط، وزيادة العدالة.
وقوله: «أو بالإسنادِ»: قال (ق) (٣): «قد يُقال: هذا لا معنى له؛ لأنَّ ركن المعارَضة تساوي [الحُجِّية] (٤) في الثبوت، فإذا كان أحدُ السَّنَدين أرجحَ لم تتحقق المعارَضة» انتهى.
стр. 439
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهو كلامٌ ساقط؛ لِما أشَرْنا إليه فيما مَرَّ مِن أنَّ التعارُضَ إنما هو بحسَب الظاهر، ثم يُنظَرُ في المرجِّحات، على أنَّه لا خصوصية للإسناد بهذا لتأتِّيه في سائر المرجِّحات، والجواب ما قلنا: من أنَّ النظر في التعارُضِ سابقٌ على النظر في المرجِّحات، ولَيْتَهُ تنبَّه لقول الشارح: «فصار ما ظاهِرُه التعارض» مع أنَّه مشروحه، وهو مصرِّح بما أشرنا إليه وأخَذْناه من كلامه.
[قوله] (١): «] أو لا] (٢)»:
أي: أو لا يمكن ترجيحُ أحدِهما على الآخر بوجه من وجوه الترجيح.
وقوله: «وإِلَّا»:
أي: وإلَّا يمكِن الترجيح فلا يصار إليه؛ لتعذُّرِه. ثُمَّ هذا مما يؤنسك بما قلناه مرارًا من جَعْل الشارح المَتْنَ والشرح شيئًا واحدًا، لما التزماه بصريح قوله السابق: «حتى يُغيِّر إعراب أحدهما ومعناه لأجْلِ الآخر»، وليت شِعري ما الذي منع المعترض عليه فيما مرَّ من الاعتراض عليه بهذا وما بعده هنا؛ فإنَّ «فاء الجزاء» في المَتْنِ صارت للعطف، واضمَحَلَّ عن مدخولها الغرضُ والتعليق (٣).
[قوله] (٤): «فصارَ ما ظاهِرُهُ التَّعارُضُ واقِعًا على هذا التَّرتيبِ ... إلخ»:
قال (ق) (٥): «مقتضى النَّظر طلب التاريخ أولًا لتنتفيَ المعارضة إن وُجدت،
стр. 440
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإلا فتتحقق للجهل بالتاريخ» انتهى، وحاصله: أنَّ المؤلِّف ظاهرُ كلامه أنَّ المعارَضةَ وُجِدت، وحينئذٍ فينبغي طلب التاريخ أولًا؛ إذ معه تنتفي المعارَضة، وهو ساقط؛ لأنَّها قد لا تنتفي بالتاريخ لصدور فعلٍ وقولٍ متعارضين ظاهرًا في آنٍ واحدٍ، أو قول أو فعل مع تقدير كذلك، وحينئذٍ فالتوجيه إلى ما معه يمكن إعمال الدليلين أولًا خصوصًا وهو في خطاب التكليف.
[قوله] (١): «إنْ تَعَيَّنَ»:
أي: الترجيح، وهل المراد بتعيُّنه ألَّا يمكنَ غيرُه؟ فيه نظرٌ؛ لإمكان التوقُّفِ إذن، أو المراد بتعيُّنه وجودُ ما يوصل إليه، وهو الظاهر لكن مع تعذر (٢) ما قبله.
وقوله: «ثُمَّ التَّوَقُّفُ»:
عطف بثُمَّ؛ لبُعدِه عن المرتبة الأُولى، كما عطف ما قبله بالفاء؛ لقُربِه منها.
[قوله] (٣): «والتَّعْبيرُ بالتَّوَقُّفِ أَوْلى»:
مقصوده الاعتراضُ على ما عَبَّر به السُّبْكِيُّ وغيرُه من «التَّساقُط».
стр. 441
ثمَّ المَرْدُودُ: ومُوجِبُ الرَّدِّ إِمَّا أَنْ يكونَ لِسَقْطٍ مِن إِسنادٍ، أَوْ طَعْنٍ من إسناد في رَاوٍ على اخْتِلافِ وُجُوهِ الطَّعْنِ- أَعَمُّ مِن أَنْ يكونَ لأمْرٍ يَرْجِعُ إِلى دِيانةِ الرَّاوي، أَو إِلى ضَبْطِهِ.
[قوله] (١): «ثُمَّ المَرْدودُ»:
عطف على «المقبول»؛ فهو شروعٌ في بيان أحكام الحديث المردود.
وقوله: «ومُوجِبُ الرَّدِّ»:
لو تركه وأجرى المَتْن على ظاهره من كون التعليلِ للرَّد الذي هو جزءُ مدلول المردود؛ لسَلِمَ من لزوم جعلِ الشيء علةً لنفْسه؛ إذ الموجِب لردِّ الحديث هو السقط المذكور. ويمكِن أنْ يُجاب بأنَّ «يكون» تامة، بمعنى يَثْبُت ويتقرَّر، والموجِب بمعنى الحُكْم، أي: والحكم بالرد إمَّا أنْ يَثْبُتَ ويتقرَّر لسَقْطٍ ... إلخ، لكنَّه لا يخلو عن تكلُّف. ولو يُقرأ: وموجَب -بالفتح- لاندفع الإيراد؛ إذ المراد منه: ترك العمل والاحتجاج به.
وقوله: «من إسناد»:
هو هنا بمعنى السَّنَد، وتقدَّم ما فيه، قاله (هـ) (٢).
وفي كتابةٍ: اللام في «لِسَقْطٍ» في غير موضعه؛ لأنَّ السَّقط والطعنَ هما الموجِبان لا علتان لموجِبه، واللائق أنْ يُقال: والمردود إمَّا أنْ يكون ردُّه لسَقْطٍ أو طعن.
стр. 442
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي (ج) (١): «عبارة المَتْن: «ثُمَّ المردود إمَّا أنْ يكون لِسَقْطٍ ... إلخ»، وعبارة الشارح عقب قوله: «المردود»؛ «ومُوجِب الرَّدِّ إمَّا أنْ يكون ... إلخ»، وهذا الذي ذكره الشارح غيَّر معنى الأصل وأوجَبَ خَللًا في المعنى وفي اللفظ؛ أمَّا في (هـ/١١٠) المعنى: فلأنَّ الضمير في «يكون» راجعٌ إلى ما قدَّره؛ فيكون التقدير: إمَّا أنْ يكون موجِب الرَّدِّ لسَقْط إلخ، مع أن السَّقْطَ نفْسَه هو وما بعده كلٌّ منهما موجِب الرَّدِّ، ولو جُعل ضمير «يكون» لرد المفهوم من المردود مع حذف «موجِب الرَّدِّ»؛ لكان في غاية الحُسْن. وأمَّا الخَللُ اللَّفظيُّ: فلأنَّ قوله: «ثُمَّ المردود» (أ/٩٤) على ما قدَّره ليس له خبرٌ في اللفظ، ولولا ما قدَّره لكان خبرُه: «إمَّا أنْ يكون ... إلخ». فإنْ قيل: خبره جملة «وموجِب الرَّدِّ ... إلخ»، قُلتُ: صحة هذا يتوقف على أمرين؛ أحدهما: أن يُقال: إنَّ «الْ» في «الرَّدِّ» عِوَضٌ عن الضمير، أي: وموجِب ردِّه، الثاني: أنَّ الجملة الواقعة خبرًا لا تقترن بالواو، وقد منعه ابن هشام؛ فالصواب أنَّه على تقدير الشرح المذكور يكون الخبرُ محذوفًا، أي: ثُمَّ المراد ما فيه سَقْطٌ أو طعن» انتهى المراد من كلامه.
стр. 443
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله] (١): «أَوْ طَعْنٍ»:
مصدر طَعَن يطعَن بفتح عين المضارع، إذا قدَح في: نَسَبٍ أو عِرضٍ أو مروءةٍ، أمَّا بضمِّها فهو طَعْنٌ بالرُّمح.
وقوله: «على اخْتِلافِ وُجُوهِ الطَّعْنِ»:
الظاهر أنَّه مُتَعَلِّقٌ بوصفٍ محذوفٍ، حالٌ من «طَعْنٍ» لوصفه بـ «في راوٍ» أي: طَعْنٌ في راوٍ مُشتمِلًا «على اختلاف وجوه الطَّعن»، والمراد: على وجوه الطَّعن المختلِفة، وفيه إقامة الظاهر مقامَ الضمير.
وقوله: «أَعَمُّ ... إلخ»:
بدَلٌ أو بيان مفسِّرٌ لاختلاف وجوه الطَّعن.
стр. 444
والسَّقْطُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ مَبادِئِ السَّنَدِ مِن تَصرُّفِ مُصَنِّفٍ، أَوْ [من] آخِرِهِ -أَيْ: الإِسنادِ بعدَ التَّابعيِّ- أَو غَير ذَلكَ، فَالأوَّلُ المُعَلَّقُ ؛ سَواءٌ كانَ [السَّاقِطُ] واحدًا أَو أَكثرَ.
[قوله] (١): «فالسَّقطُ»:
«الفاء» في جواب شرط مقدَّرٍ، وهذا تفسير للإجمال السابق، وجَمَع بينهما ولم يقتصر على التفصيل؛ حرصًا على فوائدِ الإجمال والتفصيل التي من جملتها: تمكُّنُ الحُكْمِ في نَفْس المخاطَب.
[قوله] (٢): «مِنْ مَبَادِئِ السَّنَد»:
لو قال: من مَبدأ السَّنَد؛ لكان أظهَرَ وأخصر، وحَمْلُه على التجوز في تسمية غير الأول مَبادئ إضافيَّة تكلُّفٌ لا طائل تحته، بل يُوجِب فسادًا؛ لصرْفه عما حُذف منه الثاني دون الأول، قاله (هـ) (٣).
وفي كتابةٍ: «من مبادئ السَّنَد» هذا يَصدُق بما إذا سَقَط منه الراوي الثاني، فلو عبَّر بدله بـ: أول؛ لكان أولى. وقوله: «مِنْ تصرُّف مُصنِّف» هذا التقْييد جريٌ على الغالب.
واعلم أنَّ أقسام السَّقط من: مُعلَّق ومرسَلٍ ومعضَل ليست أقسامًا متباينةً، أي: لأنَّها قد تجتمع في سندٍ واحدٍ.
стр. 445
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال (هـ) (١): «قوله: «من تصرف مصنِّف» لا مفهوم له؛ إذ غيرُه كذلك ولو مِنَّا اليوم في غير تصنيف»، ويأتي للمُحَشِّي أنَّه اعتبر مفهومه وما وَقَفتُ عليه، ويظهر أنَّ التقْييد به للغالب لا لإخراج المذاكرة.
وقوله: «أو مِنْ آخِره»:
عطف على: «مبادئ السَّنَد»، وقوله: «أو مِنْ غَيْر ذلك» عطف على: «أنْ يكون».
[قوله] (٢): «فالأوَّل: المُعَلَّق»:
يعني بالأوَّل: المردودَ لسَقطِ راوٍ من أوَّل سنده لوجوب اعتبار المُقسَم في جميع الأقسام؛ فاندفع أنَّ الأول في التفصيل هوَ سَقْط أيِّ راوٍ من مبدأ السَّنَد، وهو تعليق لا مُعلَّق، فهو على حذف أي: فما فيه الأوَّل ونحوه: «المعلَّق»، أي: يُسمَّى في الاصطلاح بذلك، مأخوذ من: تعليق الجدار وتعليق الطلاق ونحوه، بجامع قَطعِ الاتصال، وظاهرُ كلامه أنَّه بعد سَقط الأوَّل لا فرق بين أنْ يورِدَه بصيغة الجَزم أو بصيغة التمريض، مثل: ذُكِر ورُوِي ويُذْكَر ويُروى، كما قاله النوويُّ (٣) وغيرُه، فلا تغترَّ بظاهر الألْفيَّة (٤).
стр. 446
وبينَهُ وبينَ المُعْضَلِ الآتِي ذِكْرُهُ عمومٌ وخُصوصٌ مِن وَجْهٍ.
فَمِنْ حيثُ تعريفُ المُعْضَلِ بأَنَّهُ سقَطَ منهُ اثنانِ فصاعِدًا، يجتَمِعُ معَ بعضِ صُورِ المُعَلَّقِ.
ومِن حيثُ تقييدُ المُعَلَّقِ بأَنَّه مِن تصرُّفِ مُصَنِّفٍ مِن مبادئِ السَّنَدِ، يَفْتَرِقُ منهُ؛ إِذْ هُو أَعَمُّ مِن ذَلكَ.
وَ مِن صُوَرِ المُعَلَّقِ: أَنْ يُحْذَفَ جَميعُ السَّندِ، ويُقالَ مثلًا: قالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
[قوله] (١): «وبَيْنَه وبَيْنَ المُعْضَلِ الآتي ذِكْرُه ... إلخ»: وكذا بينه وبين المُنقطِع مِثل ما قُرِّر به في المُعضَل (٢).
وفي كتابة: أي: فيصدُق التعليق فقط فيما حُذف من مبدأِ إسنادِه واحدٌ فقط، وقد صرَّح المؤلِّف بما يصدُق به المعضَل فقط، وبما يصدقان به معًا.
وقوله: «إذْ هو»: أي: المعضَلُ أعمُّ، سواء في وقوعه في أثناء السَّنَد أو أوَّله، ولم يَذْكُرِ الشارحُ المادَّةَ التي ينفرِد بها التعليق، وهي: ما إذا كان المحذوفُ من أول الإسناد واحدًا فقط، وكان ينبغي أنْ يَذْكُره؛ لتتمَّ دعواه العموم من وَجْه.
و (هـ/١١١) بعبارة: «اثنان فصاعدًا» أي: من غير تقْييد يكون لذلك، من الوسط أو من الأوَّل أو من الآخر. فإن قُلْتَ: صنيع المؤلِّف يقتضي التقْييدَ بكون ذلك من الوسَط؛ لأنَّ قوله «أو غير ذلك» المراد به الوسَط؛ لأنَّه غير الأول
стр. 447
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والآخر، وسيأتي أنَّه جعَلَ المُعضَلَ من هذا، قُلْتُ: قوله: «أو غير ذلك» عطفٌ على قوله: «أنْ يكون»؛ فالتقدير: السَّقْطُ إمَّا أنْ يكون خاصًّا بالأوَّل أو بالآخر، أو مغاير لذلك بألَّا يكونَ خاصًّا بواحدٍ منهما؛ فيَشملُ: ما إذا كان في الأوَّل، وما إذا كان في الآخِر، و (أ/٩٥) ما إذا كان في الوسط، لكنه حينئذٍ خلافُ ما عليه حُذَّاقُهم من أنَّه: يُعتبر في المُعضَلِ أنْ يكون من وسَط السَّنَد.
وقوله: «ومن حيث تقْييدُه ... إلخ»:
بيانٌ لجهة افتراق المُعضَلِ من المعلَّق، وإنْ كان ظاهر عبارته أنَّه بيان لافتراق المُعلَّق من المُعضَل، وقد حمله (ق) (١) على ذلك، وعلى ما ذكرنا فضمير «يَفْتَرِق» للمُعضَل.
وقوله: «منه»:
أي: من المُعلَّق، ثُمَّ إنَّ كون النِّسبة بالعموم والخصوص من وَجهٍ بين المعلَّق والمُعضَل لا يقتضي أنْ تكون النِّسبةُ بين المُعلَّق والمنقطِع كذلك، وهو كذلك؛ إذ النِّسبةُ بينهما العموم والخصوص المُطلَق؛ بِناءً على أنَّه ما لم يَتَّصِلْ سَنَدُه، إمَّا على أنَّه: ما حُذف منه راوٍ فقط قبل الصحابيِّ، سواءٌ كان يلي الصحابيَّ أو لا؛ فبيْنهما عمومٌ وخصوص من وجه، فيجتمعان فيما إذا حُذف واحدٌ من أوَّل السَّنَد من جهتنا، وينفرد المنقطِع فيما إذا حُذف منه واحدٌ بين الصحابيِّ وبين أوَّل السَّنَد، وينفرد المعلَّق فيما إذا حُذف اثنان متواليان من أوَّل السَّنَد.
стр. 448
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقوله: «يَفْتَرِقُ مِنْهُ»:
الضمير في «يَفتَرِق» للمعضَل، أي: يصحُّ أنْ يفتَرِق المعضَل من المعلَّق، كما إذا كان الساقط اثنين فأكثر من غير أوَّل السَّنَد وآخِرِه، وبقيَ صورة افتراق المعلَّق من المعضَل، وهو: ما إذا كان الساقط من أوَّل السَّنَد واحدًا.
وقوله: «وَمِنْ صُوَرِ المُعَلَّقِ ... إلخ»:
لأنَّ اعتبارهم الحذفَ من أول السَّنَد لا يُنافي حذْفَ بقيَّتِه؛ فالمُعلَّقُ ما حُذف أوَّلُ سَنَده، سواءٌ حُذف بقيَّتُه أيضًا أم لا، قاله (ج) (١).
وفي كتابة: قوله: «بأنْ سَقط ... إلخ» الواجِب: ما سقط، فهو من حَذف الموصوف وإبقاء صفته، وتقدَّم أنَّ هذه العبارة لا يتقَيَّد فيها ما قبْل «الفاء» بما بعدها بحسب الصِّدق، بل يكفي فيه ما قبْلها، وقوله: «اثنان» أي: مِن أيِّ موضع كان، وهذه صورة الاجتماع.
وقوله: «وَمِنْ حَيْثُ تَقْيِيدُ المُعَلَّقِ ... إلخ»:
صورة انفراد المعلَّق، لكنَّه ترك منها قيدًا لا بُدَّ منه للعلم به من وجوب مغايرة صورة الاجتماع لصورَتَيِ الافتراق، وهو: مع اتحاد الساقط، وعَلِمتَ صورةَ انفراد المعضَل من إشارته إليه بقوله: «إذ هو» أي: المعضَل «أَعَمُّ منه» أي: من المعلَّق، وهي أنْ يَسقُط اثنان أو أكثرُ مِن غير مبدأِ السَّنَد، فتدبَّرْهُ.
стр. 449
ومِنْهَا: أَنْ يُحْذَفَ جميع السند إِلَّا الصَّحابيَّ أَوْ إِلَّا الصَّحابيَّ والتَّابعيَّ معًا.
ومِنْها: أَنْ يَحْذِفَ مَنْ حَدَّثَهُ، ويُضيفَهُ إِلى مَنْ فَوقَهُ، فَإِنْ كَانَ مَن فَوْقَه شيخًا لذَلكَ المصنِّفِ، فقد اخْتُلِفَ فيه: هل يُسمَّى تعليقًا أَوْ لَا؟
والصَّحيحُ في هَذَا: التَّفصيلُ؛ فَإِنْ عُرِفَ بالنَّصِّ أَو الاستِقْراءِ أَنَّ فَاعِلَ ذلك مُدَلِّسٌ، قُضِيَ بهِ، وإِلَّا فتَعليقٌ.
وإِنَّما ذُكِرَ التَّعليقُ في قِسْمِ المردودِ؛ للجَهْلِ بحالِ المحذوفِ.
[قوله] (١): «إلَّا الصَّحابيَّ أَوْ إلَّا التَّابعيَّ والصَّحابيَّ معًا»:
أمَّا لو أسْقط مِن قبل التابعيِّ ممن هو أسفل منه مع الصحابيِّ أيضًا؛ لكان منقطِعًا مرسَلًا، [ولو كان مع التابعَين لكان معضَلًا منقطِعًا مرسَلًا] (٢)، وإن كانوا جميعَ الإسناد أو من أوله كان مع ذلك معَلَّقًا أيضًا (٣).
[قوله] (٤): «أنْ يَحْذِفَ مَنْ حَدَّثَهُ»:
أي: أنْ يَحذِفَ المحدِّثُ البخاريُّ كان أو لا شيخَه الذي حدَّثه ذلك، ويُضيف ذلك الحديثَ إلى مَن فوق شيخه الذي حدَّثه به، إذا كانت تلك الإضافة بغير صيغة تحديث أو إخبارٍ أو سماع ونحوها [مما يدُلُّ على] (٥) استعمالها مذاكرة.
стр. 450
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله] (١): «هل يُسمَّى تَعْليقًا»:
وبه جَزَمَ الحُمَيدِيُّ (٢)، وبعضُ متأخري المغاربة سمَّاه بـ: التعليق المتصل من حيث الظاهرُ المنفصل، من حيث المعنى، وكلام المؤلِّف ربما صدق به.
[قوله] (٣): «أَوْ لا»:
أي: أو لا يُسمَّى تعليقًا، بل يكون حُكْمُه حُكْمَ الحديث المُعَنْعن؛ فيكون متَّصِلًا (هـ/١١٢) إنْ تعاصرا وثبت اللُّقيُّ، أو أمكن وانتفى التدليس.
[قوله] (٤): «والصَّحِيحُ في هذا»:
أي: في محلِّ الخلاف، وهو مبتدأ، خبره «التفصيل».
[قوله] (٥): «بالنَّصِّ»:
أي: نصِّ إمامٍ من أئمة الحديث، و «الاستقراء» التتبُّع بأن فتَّشْنا تصرفاتِه فوجَدْناه يدلِّس بذلك الصنع أو غيره.
[قوله] (٦): «أنَّ فاعل ذلك»:
أي: المذكور مِن حَذْف مَن حدَّثه وأضاف الحديث إلى مَن فوقه؛ «قُضِيَ
стр. 451
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
به» أي: قُضِي عليه بالتدليس، أي: بحُكْمِه، وهو أنَّه إنْ كان غيرَ ثقة رُدَّ حديثُه، إلَّا أن يأتيَ من طريقٍ آخَرَ لا مدخل له فيها من الطرق المقبولة إنْ كان ثقة ولا يصرِّح بالتحديث أو السماع (أ/٩٦) فكذلك، إلَّا في الصحيحين؛ فإنَّ عَنْعَنَتَه فيهما محمولةٌ على الاتصال (١)، وإنْ صرَّح بما ذُكِر قُبِل عند الأكثرين.
[قوله] (٢): «وإلا فتعليق»:
أي: وإن لم يُعرف بتدليسٍ فاعلُ ذلك؛ قُضِيَ عليه [بحكم] (٣) التعليق وأُلحِق به، وسكت المؤلِّف عن مفهوم [قوله] (٤): «فإِنْ كان مَن فَوْقَه شيخًا لذلك المصنِّفِ» وهو ما إذا لم يكن شيخًا له؛ لوضوحه، (٥) فإنَّه يُتَّفَقُ على أنَّه تعليق، والظاهر أنَّ التقْييدَ بالمصنِّف هنا كما مَرَّ أوَّل المبحث.
стр. 452
وقد يُحْكَمُ بصحَّتِهِ إِنْ عُرِفَ بأَنْ يجيءَ مُسمًّى مِن وجهٍ آخَرَ، فإِنْ قالَ: جميعُ مَن أَحْذِفُهُ ثقاتٌ، جَاءتْ مسأَلةُ التَّعديلِ على الإِبهامِ.
وَعِنْدَ الجُمهورِ لا يُقْبَلُ حتَّى يُسمَّى.
[قوله] (١): «إنْ عُرِفَ»:
أي: الراوي المحذوفُ. و «الباء» من قوله: «بأنْ يجيءَ مسمَّى مِنْ وجهٍ آخَرَ» سببيَّةٌ متعلقة] بعُرِفَ] (٢).
[قوله] (٣): «فإِنْ قالَ: جَميعُ مَن أَحْذِفُهُ ثقاتٌ ... إلخ»:
راعى معنى «جَميع» فجمَع الخبر، ولو راعى لفظه أفرده، وأحْرى إذا كانت عادته أنَّه لا يحذِفُ إلَّا ثقةً كسُفْيانَ بنِ عُيَيْنَةَ، أو كانت عادتُه أنَّه لا يَروي إلا عن ثقة؛ لأنَّه قد يخالف عادته، وقد يكون ثقةً عنده غيرَ ثقة عند غيره، وهذا طريق المحدِّثين، وأمَّا الأصوليين فعندهم: مَن صرَّح بأنَّه لا يروي إلا عَن ثقة أو عُرِف ذلك من عادته فهو مقبول الرواية معمولٌ بحديثه، كما قال ابن السُّبْكِيِّ (٤) وغيرُه (٥).
[قوله] (٦): «جاءتْ مسأَلةُ التَّعديلِ»:
معنى «جاءت» صارت، أي: صارت المسألةُ بذلك القولِ هي المسألةَ
стр. 453
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المسماة بـ: التعديل على الإبهام، وتعديلُ المُبهَمِ أن يُعدَّلَ مَن لم يُسَمَّ؛ لأنَّ من سمَّاه مع كونه لم يُفصِّل أسباب تعديله لأنَّها لتعذر الإحاطة بها لا يُشترَط تفصيلها، بخلاف الجَرْح لا بُدَّ أنْ يُعَيِّن النَّوعَ الذي جُرح به ذلك الراوي؛ إذ يكفي فيه فردٌ واحدٌ في إسقاط العدالة، وهذه هي مسألة: التعديل المُبهَم، وفيها أقوالٌ: مذهب الجمهور فيها، وإليه ذهب ابن الصَّبَّاغِ والخطيبُ (١) والصَّيْرَفيُّ: ما قاله المؤلِّف، وهي: لا تُقْبَلُ؛ إذ لا يَلْزَمُ مِن كونه عدلًا عنده أنْ يكون عند غيره كذلك، فلعلَّه إذا سمَّاه يُعلَمُ حاله. وقيل: يُعتبَر مُطلَقًا. وقيل: إنْ صَدَر التعديل مِنْ عالمٍ قُبِل لا مِن غَيرِه. وقيل: يُقبَلُ مِن العالم في حقِّ مَن قلَّده دون غيره.
وقول (ق) (٢) بعد قولهم: وإنما شرطوا تسميته؛ لاحتمال أنْ يكون ثقةً عنده (٣) دون غيره، فإذ ذكروه يُعْلَم عنده، ما نصُّه: «وليس هذا شيء؛ لأنَّه تقديم الجَرْح (٤) المتوهَّمِ على التعديل الصريح» انتهى، فيه نظر؛ لأنَّ التعديل الصريحَ إنما يُكتفى به إذا سمِّي العدل، ومسألة التعديل على الإبهام ليست كذلك؛ لافتراق المسألتين، بل هو من باب الوقف عن الأخذ بمرويه للارتياب حتى يَبِينَ حالُه من جَرْح أو تعديلٍ كما قاله ابن الصَّلاح (٥).
стр. 454
لَكنْ قالَ ابنُ الصَّلاحِ هُنَا: إِنْ وَقَعَ الحَذْفُ في كتابٍ، التُزِمَتْ صحَّتُهُ؛ كالبُخاريِّ، فما أَتى فيه بالجَزْمِ، دلَّ على أَنَّه ثَبَتَ إِسنادُهُ عِندَه، وإِنَّما حُذِفَ لغَرَضٍ مِنَ الأَغْراضِ.
ومَا أَتى فِيهِ بغيرِ الجَزْمِ، ففيهِ مقالٌ.
وقد أَوْضَحْتُ أَمثلةَ ذَلكَ في «النُّكتِ على ابنِ الصَّلاحِ».
[قوله] (١): «إنْ [وَقَع] (٢) [الحَذْفُ] (٣)»:
أي: حَذْفُ كلِّ الإسناد أو حَذْفُ بعضِه، كقال النبيُّ ﵊، أو قال ابن عباس، أو قال الزُّهْريُّ، ممَّا هو من صِيَغِ تعليق المحدِّثين.
وفي كتابةٍ: «بالجَزْم» كذَكَر، وزاد: وقال، ورَوى وغيرها، وصيغة التمريض كيُروى، ورُوِي (٤)، وقيل، ويُذْكَر، بالبناء للمجهول في الكلِّ.
وفي قوله: «كالبخاريِّ»:
إشعارٌ بعَدَم قَصْر هذا التفصيل على الصحيحين، خلافًا لما [تُوهِمه] (٥) (هـ/١١٣) عبارة العراقيِّ، قال شيخ الإسلام (٦): «وكتعليقها تعليق كلُّ من التزم الصحة». (أ/٩٧)
стр. 455
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله] (١): «فما أتَى ... إلخ»:
أي: فالحذف والتعليق الذي أتى فيه بصيغة الجَزم كقال فلان ورَوى، دلَّ على أنَّه ثَبَت إسناده عنده، قلنا: سلَّمنا، لكنْ لا يلزم من ثبوته عنده ثبوتُه عندنا، كما قلنا [في] المعدَّل على الإبهام.
والجواب (٢):
أنَّه لما استُقرئ أمرُه فوجِد مُصيبًا في كلِّ مَن عدَّله صار أمره مخالفًا لأمر غيره، وجُعل من الركون إلى تصرُّفه ما لم يُجْعَلْ لغيره.
[قوله] (٣): «وإنَّما حُذِفَ»:
أي: إسنادُه، «لغَرَضٍ مِن الأَغْراض» من جملتها: كونُ رجال ذلك السَّنَدِ ليسوا على شَرْطه وإنْ كانوا مقبولين (٤).
وفي كتابة: «لِغَرَض ... إلخ» كأنْ يكون ليس على شرطه وإن كان مقبولًا، أو لم يسمعْه سماعًا عاليًا وهو معروف من جهة الثقات عن ذلك المرويِّ عنه، فيقتصر على صحته وشهرته من غير جهته، أو يكون ذكره في موضعٍ آخَرَ بالتحديث فترك إعادته.
стр. 456
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله] (١): «وما أَتَى ... إلخ»:
أي: والحذف والتعليق الذي أتَى فيه بصيغة غير الجزم كقيل ورُوي ويذكر، قيل: الرأي فيه أنَّه لا يُحْكَمُ بصحته عملًا بظاهر الصيغة، ولأنَّ استعمالها في الضعيف آثرُ منه في الصَّحيح، ولا يُحْكم بضَعفه أيضًا، ولكن إيراد المعلِّق لذلك في أثناء صحيحه يُشعِر بصحة الأصل له إشعارًا يؤْنَس به ويُركَنُ إليه، ويأتي قريبًا ما يَرِدُ عليه. فإن قُلْتَ: فما تصنع حينئذ بقول البخاريِّ: «ما أدخلتُ في كتابي الجامع إلَّا ما صحَّ»، وقولِ الأئمة: كلُّ ما فيه محكومٌ بصحته؟ قُلْتُ: حَمَله ابن الصَّلاح على أنَّ المراد: مقاصد الكتاب وموضوعه ومتون الأبواب، دُونَ التراجم والتعاليق ونحوها.
стр. 457
والثَّاني: وهو ما سَقَطَ مِن آخِرِهِ مَن بعدَ التَّابعيِّ، هُوَ المُرْسَلُ:
وصورَتُهُ أَنْ يقولَ التَّابعيُّ؛ سَواءٌ كانَ كبيرًا أو صغيرًا: قَالَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليهِ [وآلهِ] وسلَّمَ كَذَا، أو: فعَلَ كذا، أو: فُعِلَ بحضرتِهِ كذا، أو نحوُ ذلك.
[وقوله] (١): «[و] (٢) الثاني»:
فيه مناقشة تُعلَمُ ممَّا ذَكَرَه في قوله: «الأوَّل» إيرادًا وجوابًا.
[قوله] (٣): «ما سَقَط»:
أي: حديث (٤) مردود أو الحديث المردود الذي «سَقَط من آخره» أي: آخِرِ إسناده. ولو قال: ما سقط مِن سنده مَن بعد التابعيِّ أو ما سقط آخِرُه؛ كان أخَصَرَ وأظهرَ.
وفي كتابةٍ: قوله: «من آخره» أي: من آخر سنده؛ لأنَّ المرسَل صفة الحديث لا صفة الإسناد، وإنما قيَّد بمن بعد التابعيِّ؛ احترازًا من قول الأصوليين والفقهاء: إذا قال مَن دُون التابعيِّ: قال الرسول كذا؛ يسمَّى مرسَلًا، سواءٌ كان منقطِعًا أو معضَلًا، وباصطلاحهم قَطَع الخطيبُ (٥) إلَّا أنَّه جعل اصطلاح المحدِّثين الأكثرَ.
وقال (ج) (٦): «اعلم أنَّ كلام المؤلِّف هنا وفيما مَرَّ لا يُفيد اختصاصه بكون الراوي له هو التابعيَّ (٧)، بل يصدُق بما إذا روى غيرُ التابعيِّ حديثًا، أو أسقط مِن
стр. 458
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سنده مَن بعد التابعيِّ، ولكن قوله بعد: «وصورتُه أنْ يقول التابعيُّ ... إلخ» يقتضي اختصاصه بكون الراوي له هو التابعيَّ، وهذا يوافق قولَ العراقيِّ: (١) المرسَلُ مرفوعُ تابعيٍّ على المشهور، مرسل أو قيَّده بالكبير» انتهى المراد منه.
[قوله] (٢): «المُرْسَل»:
يُجْمَع على مَراسيل ومراسِل، مأخوذ من الإرسال، وهو: الإطلاق، كقوله تعالى: ﴿أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا] ﴿مريم: ٨٣﴾، إذا كان المُرسِل أطلق الإسنادَ ولم يقَيِّدْه بجميع رُواته حتى ينسبه لقائله (٣).
[قوله] (٤): «وصُورَتُه»:
أي: وتصويره «أنْ يقول ... إلخ» وبهذا صح الحمل واتحدت الصفة والمحل، لكن لا بُدَّ من تأويل صورة بمصور، وقولٍ بمقول، كما لا يخفى، وانظر لأي شيء لم يقُلْ: وحقيقته أنَّه مرفوع التابعيِّ، ويمكن أنْ يقال: إن ما ذَكَره عارضٌ من عوارضه؛ لذا أتى به [قَوام] (٥) حقيقته، فهو بمنزلة الحيوان الضاحك بالنِّسبة إلى الإنسان، وما ذَكَره في تصويره أحدُ أقوالٍ فيه، وقيل: ما سقط منه راوٍ من أي موضع كان، على ما حُكيَ عن الفقهاء والأصوليين، وقيل غيرُ ذلك. و (هـ/١١٤)
стр. 459
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قوله: «التابعيُّ» يعني الذي لم يكن له سماعٌ من الرسول ﵊ (١)، وإلا كان محكومًا لما أسنده إليه ﷺ بالاتصال، كالتَنُوخِيِّ رسولِ هِرَقلَ اجتمع وهو كافر بالمصطفى وسمِع منه حينئذ ثُمَّ أسلم وحدَّث عنه بما سَمِع، وخرج [بالتابعي] (٢) الصحابيُّ إذ أسقط صحابيًّا سمِع منه ذلك الحديث ولم يسمعه هو من النبيِّ ﵊ (٣) إلا بواسطة؛ فإنَّه يُحكم لحديثه بحُكم الاتصال، خلافًا للإسْفَرايني؛ لأنَّهم عدولٌ حتى يثبت القادح، فلا تضرُّ الجهالة بأعيانهم، ولا يَتَطرق فيهم من الاحتمال ما جرى في غيرهم، ولا فرق في هذا الصحابيِّ بين كونه كبيرًا كابن عُمرَ وجابر، أو صغيرًا كابني عباس والزُّبير، هذا إذا تقرَّر له منه ﵊ سماعٌ، وإلَّا كان حديثه مَحْكومًا [له] (٤) بحُكْمِ مراسيلِ غير الصحابة، مثل محمد بن أبي بكر؛ فإنَّه رأى النبيَّ ﵊ غير مميِّزٍ؛ بِناءً على مَن لم يَشترِطِ التمييزَ في الصحبة.
تنبيه:
لو قال الراوي: سمِعتُ من رجلٍ، أوْ حدَّثَنا رجلٌ أو امرأةٌ أو شيخٌ؛ فبعض المحدِّثين يسمِّيه منقطعًا، وبعض الأصوليين يسمِّيه: مرسَلًا، و [حينئذ] (٥) ينتقض به تعريفهما، وقد يجاب عن الأول بأن الراوي ساقطٌ حكمًا، قال
стр. 460
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
العراقي (١): «وكلٌّ من هذين القولين خلافُ ما عليه الأكثر على أنَّ هذا متصِل في إسناده مجهول، أي: مبهَمـ لكنه مقيَّد بما إذا لم يُسَم المبهَم في رواية أخرى، وإلَّا فلا يكون (أ/٩٨) مجهولًا، وبما إذا صرح من أبهمه بالتحديث ونحوه، وإلَّا فلا يكون حديثُه متصلًا؛ لاحتمال أن يكون مدلِّسًا، هذا كلُّه إذا كان الراوي عنه غيرَ تابعيٍّ، أو تابعيًّا ولم يصفه بالصحبة، وإلا فالحديث صحيح كما مَرَّ من أن الصحابة كلَّهم عدولٌ». ووقع في كلام البيهقي تسميتُه أيضًا مُرسَلًا، ومراده مجرد تسميته وإلا فهو حجَّةٌ كما صرَّح به في موضع كالبخاري، لكن قيَّده أبو بكر الصَّيرفيُّ من الشافعية: بأنْ يصرِّح التابعيُّ بالتحديث ونحوه، فإن عَنْعَنَ فمرسَلٌ؛ لاحتمال أنَّه روى عن تابعيٍّ، قال العراقيُّ: «وهو حَسَن مُتَّجهٌ، وكلام مَن أَطْلَق محمولٌ عليه» انتهى.
وتوقف فيه المؤلِّف بما حاصله: «أنَّ التابعيَّ إذا سَلِم من التدليس حُملت عَنعَنتُه على السماع» انتهى.
فالشارح قصَدَ تعريف المرسَل عند جمهور المحدِّثين خاصَّةً (٢).
[قوله] (٣): «سَواءٌ كان كَبيرًا ... إلخ»:
المراد بالكبير: مَنْ جُلُّ روايتُه عن الصحابيِّ؛ كعبد الله بن الخِيار، وبالصغير: من عداه، أي: مَنْ جُلُّ روايته عن التابعيِّ؛ كيحيى بن سعيد، وبعضهم فسَّر الكبير بـ: مَنْ لقيَ كثيرًا من الصحابة، والصغير بـ: مَن لَقِيَ القليلَ منهم.
стр. 461
وإِنَّما ذُكِرَ في قسمِ المَرْدُودِ؛ للجَهْلِ بحالِ المحذوفِ؛ لأَنَّه يُحْتَمَلُ أَنْ يكونَ صَحابيًّا، ويُحْتَمَلُ أَنْ يكونَ تابعيًّا، وعَلَى الثَّاني يُحْتَمَلُ أَنْ يكونَ ضَعيفًا، ويُحْتَمَلُ أَنْ يكونَ ثقةً، وعَلَى الثَّاني يُحْتَمَلُ أَنْ يكونَ حَمَلَ عن صَحابيٍّ، ويُحْتَمَلُ أَنْ يكونَ حَمَلَ عن تابعيٍّ آخَرَ، وعلى الثَّاني فيَعُودُ الاحتمالُ السَّابقُ ويَتَعدَّدُ، أَمَّا بالتَّجويزِ العقليِّ، فإِلى ما لا نهايةَ لهُ، وأَمَّا بالاستقراءِ، فإِلى سِتَّةٍ أَو سبعةٍ، وهُوَ أَكثرُ ما وُجِدَ مِن روايةِ بعضِ التَّابعينَ عن بعضٍ.
[قوله] (١): «وإنَّما ذُكِر في قِسْمِ المردود ... إلخ»:
هذا عند الشافعيِّ الذي لا يَحْتج بالمرسَل من غير عاضدٍ ظاهرٍ (٢)، وأمَّا عند مالك وأبي حنيفة وأحمدَ (٣) -في أشهر الروايتين عنه- فلا يُذكر في قِسْم المردود، وإنما يذكر في قسم المقبول؛ لأنَّه عندهم حجةٌ، واختاره الآمِديُّ (٤) مُطلَقًا، كان المرسِل من أئمة النَّقل كابن المُسيِّب والشَّعبيِّ أو لا، وفصَّل قوم: فقَبِلوه إنْ كان المرسِلُ من أئمة النَّقل ورَدُّوه مِن غَيْرِه. احتج الأولون بأنَّ العدل لا يُسقط الواسطةَ بينه وبين النبيِّ ﷺ إلا وهو عدْل عنده، وإلَّا لكان ذلك تدليسًا قادحًا فيه؛ لأنَّه تلبيس، ورُدَّ باحتمال طروق القادح، وبأنَّه قد يُظن عدالة مَن ليس بعدْل في نفْس الأمر، وإيَّاه اعتمد الشافعيُّ كما أشار إليه المؤلِّف
стр. 462
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بقوله: «للجهل بحال المحذوف ... إلخ».
[قوله] (١): «وعلى الثاني»:
وهو «أن يكون تابعيًّا»: «يُحْتَمل أنْ يكونَ ضعيفًا ... إلخ».
[قوله] (٢): «وعلى الثاني»:
وهو «أنْ يكون ثقةً»: «يُحْتمل أنْ يكون حَمَل عن صحابيٍّ». (هـ/١١٥)
قوله: «وعلى الثاني»:
وهو «أن يكون حَمَل عن تابعي آخَرَ»: «فيعود الاحتمال ... إلخ».
[قوله] (٣): «ويَتَعَدَّدُ أمَّا ... إلخ»:
بفتح الهمزة، أمَّا التي للتفصيل، أي: ما تعدد الاحتمال بحسَب التجويز العقلي، فهو ذاهب عند العقل بحسَب فرضه وتجويزه إلى ما لا نهاية له من الكيفيَّات التي يفرضها العقل ويُجَوِّزها، وبهذا سَقَط قول (ق) (٤): «محال عند العقل أن يجوِّز بَيْن التابعيِّ والنبيِّ ﵊ من لا يتناهى، كيف وقد وقع التناهي في الوجود الخارجي بذكر النبيِّ ﵊؟» انتهى، ونحوه قول [الكمال] (٥): «لو قال: فأتى بما لا ضابط له، أو قال: أمَّا بالتجويز العقليِّ فلا ضابط له؛ لكان مُتَّجهًا، وإلَّا فعدد التابعين مُتَناهٍ» انتهى. وسببُ الاعتراض حملُهم «ما لا يتناهى» على الرِّجال، ألا ترى
стр. 463
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُحَّشيَ عَبَّر بـ: «مَن» التي للعاقل، غيرَ مراعٍ للكيفيَّات التي يفرضها العقل، ويجوِّزها في الرجال الواقعة في البَيْن؟!
[قوله] (١): «وأمَّا الاستِقراءُ»:
أي: وأمَّا تعدُّد الاحتمال بحسَب الاستقراء، وهو هنا: تتبُّع الجزئيات الموجودة في الخارج، فالمراد به اللُّغويُّ لا الاصطلاحي، وهو: تتبُّعُ الجزئيات الخارجيَّة ليُثبِتَ حُكمَها الكليَّ.
[قوله] (٢): «فإلى ستة أو سبعة»:
أي: يتعدَّد رجاله من التابعين الذين يروي بعضُهم عن [بعض] (٣) إلى ستة رجال أو سبعة.
قال (ب) (٤): ««أو» هنا للشَّكِّ؛ لأنَّ السَّنَد الذي ورَد فيه سبعةُ أنفُسٍ اختُلف في أحدهم: هل هو صحابيٌّ أو تابعيٌّ؟ فإن ثَبَتَتْ صحبته كان التابعيون في السَّنَد ستةً وإلَّا فسبعة، وذلك أن الخطيب صنَّف في ذلك فروى عن شخصٍ من التابعين بينه وبين امرأة أبي أيوبَ ستةٌ، عن [أبي] (٥) أيوبَ، فقال الخطيب: إن كان امرأة أبي أيوب صحابيَّةً فهو ستة [و] (٦) إلَّا فسبعة» انتهى.
стр. 464
فَإِنْ عُرِفَ مِن عادةِ التَّابعيِّ أَنَّه لا يُرسِلُ إِلَّا عن ثِقةٍ، فذهَبَ جُمهورُ المحُدِّثينَ إِلى التوقُّفِ؛ لبقاءِ الاحتمالِ، وهُو أَحدُ قولَيْ أَحمدَ.
وثانيهِما -وهُو قَوْلُ المالِكيِّينَ والكوفيِّينَ: يُقْبَلُ مُطْلقًا.
[قوله] (١): «وإنْ عُرف مِنْ عادة التابعيِّ ... إلخ»:
اعلم أنَّ لنا أربعَ مسائل:
الأولى: أن يُرى من عادة التابعيِّ أنَّه لا يُرسِل إلَّا عن ثقة.
الثانية: أن يُعرَف من عادته أنَّه يرسِل عنه وعن غيره. (أ/٩٩)
الثالثة: أن يُعلم من عادته أنَّه يرسِل عن غير الثقات.
الرابعة: أن يُجهَل ذلك.
واعلمْ أنَّ مقتضى كلام «جمع الجوامع» ومَن تكلم عليه: [أنَّ] (٢) مالكًا وأبا حنيفة وأحمدَ يحتجُّون به إلا إذا عُلِم من عادته أنَّه يُرسِل عن العدول وغيرهم، وأَوْلى إذا عُلِم من عادته أنَّه يروي عن غير العدل فقط، كما يُستفاد من التعليل، ويدُلُّ له ما يأتي عن الباجي ﵀، وهو نحو ما كتبه بعض مشايخي على قوله: «واحَتَج به أبو حنيفة ... إلخ» فقال: «قيَّد ابن عبد البرِّ الخلافَ إذا لم يُعلم من عادة المرسِل -بالكسر- أنَّه يروي عن غير الثقات، فإنْ عُلِم من عادته ذلك فما أرسله مردودٌ إجماعًا» انتهى، وهو مستفاد مما ذكره الشارح هنا، ونحوه في «شرح التقريب» (٣)، إذا تمهَّد هذا فقوله: «فإنْ عُرِف من عادة التابعيِّ ألَّا يدلس إلخ»
стр. 465
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فيه نَظرٌ؛ لِما علِمتَ أنَّ قول الأكثر بعدم الاحتجاج به مقَيَّدٌ بغير مَن عُلِم من عادته أنَّه لا يروي إلا عن ثقة.
وقوله: «وثانيهِما -وهو قول مالك والكوفيين-: يُقْبَلُ مُطْلَقًا»:
إن أراد بالإطلاق: سواءٌ عُلم من عادته أنَّه لا يَروي إلَّا عن ثقة، أو لم يُعْلَم من عادته شيءٌ [كان] (١) مخالِفًا لموضوع كلامه؛ فإنَّه جَعَل موضوعه: ما إذا عُلِم من عادته أنَّه لا يُرسِل إلَّا عن ثقة، وإنْ جُعِل معنى الإطلاق: سواءٌ اعتضد بمجيئه من وجهٍ آخَرَ أم لا؛ اقتضى: أنَّ مالكا والكوفيين إنَّما يَحتجَّان بمرسَلِ مَن عُلِم مِن عادته أنَّه لا يُرسل إلا عن ثقة، وأنَّ مَن لم يُعْلَمْ مِن عادته شيءٌ لم يَحتجَّا بمرسَله، وليس كذلك، بل ظاهر ما قدَّمناه احتاجهما به، وأمَّا مَن عُلِم مِن عادته أنَّه يُرسِل عن غير الثقات أيضًا فلا يَحتجَّان به مُطْلَقًا.
تنبيه: (هـ/١١٦)
يَرِد على تخصيصه -كغيره- المرسَلَ بالتابعيِّ: مَن سَمِع مِن الرسول وهو كافرٌ ثُمَّ أسلم بعد موت الرسول، فهو تابعيٌّ اتفاقًا، وحديثه غيرُ مرسَل، بل هو موصول لا خلاف في الاحتجاج به، كرسول هِرَقلَ، ومن رأى المصطفى وهو غير مميِّزٍ كمحمد بن أبي بكر ﵄، فإنَّه صحابيٌّ وحُكمُ روايته حُكْمُ المرْسَل لا الموصول؛ فلا يتأتَّى فيه ما قيل في مراسيلِ الصحابة؛ لأنَّ أكثر رواية هذا وشِبهه عن التابعين، بخلاف الصحابيِّ الذي أدرَك وسَمِع، قاله (ج) (٢).
стр. 466
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله] (١): «لبَقَاءِ الاحْتِمَالِ»:
السبب في بقائه: جوازُ أنْ يكون الثقةُ الذي أرسَله عن التابعيِّ روى عن تابعيٍّ غير ثقة، قاله (ب) (٢)، ولا يخفى أن بقاء الاحتمال يستلزِم وجودَه، على أنَّ المراد بقاءُ جزئيَّاته؛ فلا اعتراض.
[قوله] (٣): «وهو أَحَدُ قَوْلَي أَحْمَدَ»:
المشهور عنه: مقابله (٤)، ومراده بالكوفيين: الحنفيَّة، وإيَّاهم يعني مالكٌ بالعراقيين.
[قوله] (٥): «يُقْبَلُ مُطْلَقًا»:
هذا هو الذي جَزَم به ابنُ السُّبْكِيِّ، حيث قال هو وشارحه (٦): «فإن كان المُرسِلُ لا يروي إلَّا عن عدْل، كأنْ عُرِف ذلك من عادته كابن المسيِّب وأبي سلَمةَ بنِ عبد الرحمن يرويان عن أبي هريرة، قُبِل مرسَلُه؛ لانتفاء المحذور، وهو حينئذٍ مُسنَدٌ حُكْمًا؛ لأنَّ إسقاط العدلِ كذِكْرِه».
стр. 467
وقَالَ الشَّافِعيُّ ﵁: يُقْبَلُ إِنِ اعْتَضَدَ بمجيئِهِ مِن وجْهٍ آخَرَ يُبايِنُ الطُّرُقَ الأُولَى؛ مُسْنَدًا كانَ أَو مُرْسَلًا؛ ليترجَّحَ احتمالُ كونِ المحذوفِ ثقةً في نفسِ الأمرِ.
ونَقلَ أَبو بكرٍ الرَّازيُّ مِنَ الحنفيَّةِ، وأَبُو الوليدِ الباجِيُّ مِن المالِكيَّةِ أَنَّ الرَّاويَ إِذا كانَ يُرْسِلُ عنِ الثِّقاتِ وغيرِهم، لا يُقْبَلُ مُرسَلُهُ اتِّفاقًا.
وَالقِسْمُ الثَّالِثُ مِن أَقسامِ السَّقْطِ مِن الإِسنادِ: إِنْ كَانَ باثنَيْنِ فَصاعِدًا مَعَ التَّوالي، فهو المُعْضَلُ .
[قوله] (١): «وقال الشافعيُّ ... إلخ»:
اعلم أنَّ الشافعيَّ لا يَقبَلُ المرسَلَ إلَّا إذا كان مرسَلَ تابعيٍّ كبيرٍ، وكان ذلك التابعيُّ لا يروي إلَّا عن ثقة، بأنْ يكون حيث يسمِّي مَن يروي عنه لم يُسَمِّ مجهولًا ولا مرغوبًا عن الراوية عنه، ولا يلغي قوله: «لم آخُذ إلا عن الثقات» كما قدَّمنا، وكان ذلك الراوي المرسِل إذا شارك الحفَّاظَ في أحاديثهم وافقهم فيها ولم يخالِفْهم، فإنْ خالَفَهم بزيادة في اللفظ أو في المعنى رُدَّ حديثُه، وكذا إذا خالفهم بنَقصٍ في المعنى، وإن خالفهم بنَقصٍ في اللفظ فقط لا يضرُّ، ولا بُدَّ أنْ يعتضد ذلك المرسَل [بمجيئه] (٢) من وجهٍ آخَرَ مبايِنٍ للطريق الأُولى مسندًا أو مرسَلًا؛ لترجيح احتمال كونِ المحذوف ثقةً في نفْس الأمر، وأمَّا ابن الصَّلاح (٣) فعنده حيث اعتضد قُبل من غير تفصيل، وجَزَم السُّبْكِيُّ بكلام الشافعيِّ، فإنْ قيل: إذا اعتضد بمسند صحيح فالحجة فيه دون المرسل، قيل: صارَا دليلين؛
стр. 468
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أحدهما: لا يَحتاج إلى عاضد، والآخر: يَحتاج إليه، على أنَّ الرازيَّ حَمَل المسند العاضد على مُسندٍ لا يُحتَجُّ به منفردًا لضَعفه، بمنزلة ما إذا اعتضد المرسل بمثله. فإن قيل: (أ/١٠٠) كيف يُقوَّى الضعيفُ بالضعيف؟ قيل: لأنَّه يَحْصُل من الهيئة الاجتماعيَّة من القوَّة ما لا يكون [مع الواحد] (١) فقط؛ فيحصُلُ بانضمام أحدِهما إلى الآخر قوةٌ مفيدة للظن ليست ثابتة في حال الانفراد. فإن قُلْتَ: فما حُكْم مرسَل التابعيِّ الصغير كالزُهْريِّ عند الشافعيِّ إذ اعتضد؟ قُلْتُ: الردُّ مع العاضد له جميعًا. لا يُقال: عبارة الشارح قاصرة عن مراد الشافعيِّ؛ لأنَّه قيَّد ذلك برواية كبار التابعين؛ لأنَّا نقول: تَوَقُّف القَبولِ إنَّما هو على الاعتضاد فقط، والاعتضاد له شروط، منها: كون المرسَل رواه تابعيٌّ كبيرٌ (٢).
[قوله] (٣): «بِمَجِيئِهِ ... إلخ»:
ليس في عبارته ما يُفيد انحصار العاضد فيما ذُكِر، فلا ينافي أنَّه يعتضد عنده أيضًا بـ: قول صحابيِّ، أو فِعلِه، أو قول أكثر العلماء، أو انتشارٍ له من غير نكير، أو عمل أهل العصر على وَفْقه. فإن قُلْتَ: فإنْ بقيَ المرسَل بلا عاضدٍ عند من لا يَحتَجُّ به بدُونه، ولا دليل في الباب سِواه، وهو دالٌّ على المنع من شيء، قُلْتُ:
стр. 469
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال ابن السبكي (١): «الأظهر: وجوب الانكفاف عن ذلك الشيء للاحتياط، وقيل: لا يجب الانكفاف؛ لأنَّه ليس بحجةٍ حينئذٍ، أمَّا الوجوبُ فلا يؤخَذ به منه عنده البتَّةَ». (هـ/١١٧).
[قوله] (٢): «أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ»:
المشهور أنَّه نِسبة إلى الرَّي على خِلاف القياس، ووجِد بخط المحقِّق قُطب الدين الرازيِّ أنَّه: كان لذلك الإقليم مَلِكان؛ أحدهما يسمَّى رَيا، والآخر: رَازا، واتفقا في بناء مدينة رَمّى فلما كملت اختلفا في تسميتها بري أو راز ثُمَّ اتفقا على أن تسمى رعاية لاسمهما.
[قوله] (٣): «إنْ كان باثْنَين»:
أي: إنْ كان السَّقط المُطْلَقُ من السَّنَد حاصلًا بسقط اثنين ومتحقِّقًا في ضمنه تحقُّقَ الكليِّ في جزئيَّاته، وقد علِمتَ فيما مَرَّ أنَّ الراجح أنَّ: «فصَاعدًا» مما يُكتفى [فيه] (٤) بالمذكور على ما حكاه الرضِيُّ وغيره؛ فقولُ مَن قال: لو قال بدلَ «فصاعدًا»: أو أكثر؛ كان أَولى لئلَّا يُتوهمَّ عدمُ الاكتفاء بهما، لا يُلتفت إليه عند المحصِّلين (٥).