← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 320

حاشية الخرشي منتهى الرغبة في حل ألفاظ النخبة

الخرشي = الخراشي

Полный текст (886 стр.). Показаны 500–539 · переход к 505.

стр. 500

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . تنبيه (١): خصَّ المؤلِّفُ الكذب برواية ما لم يقله ﵊ عنه؛ جريًا على الغالب، وتبرُّكًا بالحديث، وإلَّا فالفعل والعزم والهمُّ والوصف كذلك، كما لا يَخْفى. وقال (ج) (٢): «ومقتضى قوله: «ما لم يقله ... إلخ» أنَّ ما روي عنه مما لم يقله سهوًا أو غلطًا لا يكون موضوعًا» وليس كذلك، وقد حَذف قَيْد العَمْد في «شرح النَّظم»، ويأتي في كلام الشارح ما يوافقه، لكن ما يذكره في التنبيه بينه وبين الفسق يقتضي اعتبار العَمْد؛ لأنَّه قال: «وبَيْنَه» أي: ما فيه الطعن بالفسق، «وبَيْن الأوَّل» وهو ما فيه الطعن لكذب [الأثر (عموم) ... ] (٣).

стр. 501

أو تُهْمَتِهِ بذلكَ؛ بأَلَّا يُرْوى ذلك الحديثُ إِلَّا مِن جِهتِهِ، ويكونَ مُخالِفًا للقواعِدِ المعلومةِ، وكذا مَنْ عُرِفَ بالكذبِ في كلامِهِ، وإِنْ لم يَظْهَرْ منهُ وُقُوعُ ذَلكَ في الحَديثِ النبويِّ، وهذا دُونَ الأوَّلِ. أَو فُحْشِ غَلَطِهِ، أي: كَثْرَتِهِ، أَو غَفْلَتِهِ عن الإِتْقانِ. أَو فِسْقِهِ، أي: بالفعلِ والقَوْلِ ممَّا لا يبلُغُ الكُفْرَ. وَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الأوَّلِ عُمُومٌ وخصوص مطلق، وإِنَّما أُفْرِدَ الأوَّلُ؛ لكونِ القَدْحِ بهِ أَشدَّ في هذا الفَنِّ. [قوله] (١): «أَوْ تُهْمَتِهِ بذلك؛ بأَلَّا يُرْوَى ذلك الحَدِيثُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ، وَيَكُونَ مُخالِفًا للقَوَاعِدِ المَعْلَومَةِ»: أي: مخالَفةً كاملة، وهي التي لا يمكِن معها التوفيق، والمراد بـ «المعلومة» بحسَب الإطلاق: المعلومةُ من الدين بالضرورة، زاد (ب) والكمال (٢) قيدًا آخرَ بقوله: «أي: ولا يكون في السَّنَد مَنْ يليق أنْ يُتَّهم بالكذب إلَّا هو». وقال (ج) (٣): وهذا يقتضي أنَّه إذا رُوِي من غير جهته، وكان مخالفًا للقواعد لا تحصل التهمة بذلك؛ لانتفاء أحد الاثنين، لكن صرَّح غيره بأنَّ: كلَّ حديثٍ أوهم باطلًا ولم يَقبل التأويل، أو خالَف القواعد الكليَّة القطعيَّة المجمَع عليها يكون مكذوبًا عليه. (أ/١٠٨)

стр. 502

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «وهذا دُونَ الأوَّلِ»: إنْ كانت الإشارة راجعةً لقوله: «وكذا مَنْ عُرِفَ بالكذبِ في كلامِهِ» و «الأوَّل» هو قوله: «بألَّا يُروَى ذلك الحديث ... إلخ» كما ذكره (ب)؛ فيكون هذا غيرَ مستفاد مما مَرَّ، وإن كانت الإشارة راجعةً لقوله: «أو تُهْمَتِه بذلك» والمراد بـ «الأوَّل» ما كان الطعن فيه لكذب الراوي كان هذا مستفادًا من قوله: «بعضها أشَّدُّ في القَدْح من بعضٍ»، ثُمَّ إنَّه على الاحتمال الأول المراد بكونه «دون الأوَّل»: أنَّ الأوَّل أشَدُّ منه في القدح، وقال (هـ) (٢) قوله: «وهذا دُونَ الأول» لو أتى بالفاء كان أوْلى، يصير بمنزلة الفَذْلكة لما قبله، فلم يتوجَّه عليه قول (ق) (٣): «إنَّ هذا مستغنًى عنه» يعني بقوله أوَّلًا: «وهي ترتيبها على الأشَد فالأشَد من موجَب الردِّ ... إلخ»، هذا إذا كان اسم الإشارة راجعًا لما فيه تهمة الراوي، وكان المراد بـ «الأوَّل» تعمُّد الكذب، لكن حمله (ب) على أن المراد بـ «الأوَّل» ما قبله، وهو المخالف للقواعد، وعليه فلا إشكال وإنْ كان بعيدًا؛ لأنَّ كليهما من تهمة الكذب فلا أوَّليَّة ولا ثانويَّة.

стр. 503

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «أي: كَثْرَتِه»: المتبادر منها أنْ يَزيد غلطُه على إصابته، وأمَّا مَنْ يكون غلطه كإصابته فهو سيِّئُ الحفظ. [قوله] (٢): «أَو غَفْلَتِهِ»: لا شكَّ في عطفه على «الأوَّل» كما هو المشهور، لكن قوله فيما سيأتي: «أو كثرة غَفلته» ربما يوهم عطفه على «غلطه»؛ ليكون «فُحش» داخلًا عليه. تنبيه: قال البعض: «وفي كونها أشَدَّ من الفسق نظر» انتهى، قلت: من تأمَّل وَجَد ضرر الغَفلة في الحديث أشدَّ من ضرر الفسق؛ إذ ربما يكون شديدًا متحريًا في الرواية، والمغفَّل لا يتأتى منه التحرِّي، وهذا معنى الأشديَّة، فتدبَّره، قاله (هـ) (٣). (هـ/١٢٦) [قوله] (٤): «أو فِسْقِهِ»: هو لغة: الخروج، ومنه: فَسَقَت الثمرة؛ إذا بَرَزت وخرجت من أكمامها، فكأنَّ الفاسق خرج عن طاعة ربه إلى معصيته. وفي بعض النُّسخ بدله: «أو معصيته»، وبالجملة فالمراد الظاهر.

стр. 504

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «أي: بالفِعْلِ ... إلخ»: الذي ينبغي: حَمْله على ما يعُمُّ فِعْل القلب كالكِبْر والحسَد، وإلَّا لخرج عن أنواع الفسق وليس بصحيح. [قوله] (٢): «ممَّا لا يَبْلُغُ الكُفْرَ»: إنَّما قَيَّد بهذا؛ لأنَّ الكلام في القادح بعد تحقق الأهليَّة في الجملة، والكافر لا أهلية له البتَّةَ، على أنَّ في رواية الكافر تفصيلًا يأتي. [قوله] (٣): «وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الأَوَّلِ عُمُومٌ»: المرادُ بـ «الأوَّل»: تعمُّد الكذب، والمراد: عموم مُطْلَقٌ، كما هو المتبادر عند الإطلاق، يجتمعان في الكذب عليه ﵊ عَمْدًا، وينفرد الفِسْق في مثل: زنًا وعقوق الوالدين، وفي بعض النسخ: «مُطْلَق»، وفي بعضها: «عموم وخصوص من وجه»، وهذا غير صحيح بالنظر إلى تقْيد الكذب بالتعمد؛ بقرينة أنَّ الكلام في القوادح. وقوله: «وإِنَّما أُفْرِدَ الأوَّلُ»: جواب أن يقال: هذا جواب أن يغني عن الأول؛ فكان الاقتصار عليه أخصر.

стр. 505

وأَمَّا الفِسقُ بالمُعْتَقَدِ، فَسَيأْتِي بيانُهُ. أَو وَهَمِهِ بأَنْ يَرْوِيَ على سبيلِ التوهُّمِ. أَو مُخالَفَتِهِ، أَي: للثِّقاتِ. أو جَهالَتِهِ؛ أي بأَلَّا يُعْرَفَ فيهِ تعديلٌ، ولَا تَجريحٌ مُعيَّنٌ. أَو بِدْعتِهِ، وهي اعتقادُ ما أُحْدِثَ على خِلَافِ المَعْروفِ عن النَّبيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لا بِمُعَانَدَةٍ، بل بنَوْعِ شبهةٍ. [قوله] (١): «وأمَّا الفِسْقُ بالمُعْتَقَدِ»: أي: بالاعتقاد، وهو المعبر عنه بـ: البدعة، ويأتي بعد نحو سطر ونصف؛ إذ العبرة بما في التقسيم دون التفصيل، فالإتيان بنحو: سيأتي ما يفيد زيادة تأخيره لا يليق. [قوله] (٢): «بأَنْ يَرْوِيَ على سَبِيلِ التَّوَهُّمِ»: أي: يُقْدِم على رواية ما لا يتحقَّق: لفظه، أو معناه، أو لفظه ومعناه، أو ما لا يتحقَّق من راويه وحديثه، أو لا يتحقَّق كونه حديثًا على وجه أنَّه حديث، أو ما لا يتحقَّقه من ذلك الحديث. تنبيه: في «الصِّحاح» (٣): «وَهِمتَ في الحساب -بالكسر- وَهَمًا إذا غلطتَ [فيه] (٤) وسهوتَ، ووهَمت في الشيء -بالفتح- أَهِمُ وهمًا إذا ذهب وهمك إليه وأنت

стр. 506

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . تريد غيرَه» انتهى، وفي النهاية (١): «يُقال: أَوهَمتُ الشيء إذا تركتَه، وأوهمت في الكتاب والكلام إذا أسقطتَ منه شيئًا، ووهَم إلى الشيء -بالفتح- يهِم وهمًا؛ إذا ذهب وهمه إليه، ووهِم يوهِم وَهَمًا بالتحريك إذا غلِط»، إذا عرَفت هذا فالظاهر أنَّ الوهم هنا بمعنى: ذهاب الوهم لما يُراد غيره، لا بمعنى الغلط ولا بمعنى الإسقاط، وإلَّا كان الواجب أن يعبِّر بالإيهام، أو يَلْزم التَّكرار مع ذكر الغلط، وعند تأمل قول الشارح: «بأن يروى ... إلخ» لا يتوجَّه إرادة شيء من هذه المعاني البتَّةَ، تأمَّلْ فيه جدًّا. [قوله] (٢): «أَي: للثِّقاتِ»: إنَّما يعتبر هذا وهو ثقة، وأمَّا مخالفته لغيرهم فلا يضرُّه، وأمَّا لو كان غير ثقة فحديثه مردود ولو لم يخالِف أحدًا ما لم يجئْ من طريقٍ آخَرَ صالح للحُجِّيَّة. [قوله] (٣): «أو جَهَالَتِه»: مصدر مضاف للمفعول، أي: جهالة حاله في العدالة باطنًا وظاهرًا، وهو (أ/١٠٩) أحدُ أقسام المجهول الثلاثة في كلام ابن الصَّلاح. [قوله] (٤): «ولا تَجْرِيحٌ مُعَيَّنٌ»: قَيْد التَّعْيين خاصٌّ بالتجريح، ويُحْترز به عما لم يُعيَّين فيه التجريح، بأن يقول: فلانٌ ضعيف أو مجروح، فلا يُردُّ بمجرد قوله، بل يتوقف عن الرواية عنه حتى يتَبَيَّنَ حاله، أو يُعرَف القَصْد بقوله.

стр. 507

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي كتابة: قوله: «مُعَيَّنٌ» قَيْد خاص بـ «تجريح»؛ إذ هو بغير مُعيَّن لا يُقبل بخلاف التعديل، والمراد بالتعْيِين في بابَيِ الجرْح والتعديل: تعْيِين السبب الذي كان الجرْح والتعديل لأجْله. [قوله] (١): «على خِلاف المَعْرُوفِ»: خَلاف مَا كان معروفًا عنه ﵊ بنصٍّ أو باقتضاء القواعد، ويؤخذ من كلامه: أنَّ البدعة لا تكون إلَّا في الشرعيَّات دون العاديَّات، وهو الأصحُّ من قولين حَكَاهما العلماء. [قوله] (٢): «لا بِمُعانَدَةٍ»: قُيِّد بهذا ليمتازَ عن الفِسْق والكفر، فإن ما عُونِد به مع الاستحلال كفرٌ (هـ/١٢٧) ولو صغيرة، ودونه فِسْقٌ، وفيه بحث؛ إذ الخطأ في العقائد موجب للإثم كالعمد، وحينئذٍ فالمبتدِع فاسقٌ تعمَّد أم لا؛ فلا يكون هذا القَيْد مميِّزًا. [قوله] (٣) «بَلْ بنوع شبهة»: أي: بل اعتقاد ما أُحْدث على خِلاف المعروف عن النبيِّ عليه الصلاة و [السلام] (٤) «بنَوع شُبهة» وإنْ ضعفت، أخذًا من التنكير وهي ما يُظنُّ دليلًا وليس بدليل.

стр. 508

أَو سوءِ حِفْظِهِ، وهِيَ عبارةٌ عن أَلَّا يكونَ غَلَطُهُ أَقلَّ مِن إِصابتِهِ. فالقِسْمُ الأوَّلُ -وهُوَ الطَّعْنُ بكَذِبِ الرَّاوي في الحَدِيثِ النَّبويِّ- هو المَوضوعُ ، والحُكْمُ عليهِ بالوَضْعِ إِنَّما هُو بطريقِ الظَّنِّ الغالِبِ لا بالقَطْعِ؛ إِذ قَدْ يَصْدُقُ الكَذوبُ، لكنَّ لأهلِ العلمِ بالحديثِ مَلَكَةً قويَّةً يُميِّزون بها بين ذَلكَ، وإِنَّما يَقُومُ بذَلكَ منهُم مَنْ يكونُ اطِّلاعُهُ تامًّا، وذِهْنُهُ ثاقِبًا، وفَهمُهُ قَويًّا، ومَعرِفتُهُ بالقَرَائنِ الدَّالَّةِ على ذَلكَ مُتَمَكِّنَةً. [قوله] (١): «وهي عِبارَة»: الضمير الراجع للمذكر وهو «سوء الحفظ» رعاية لمطابقة الخبر الذي هو «عبارة»، كما هو الراجح في كلِّ ضمير وقع مبتدأً بين مَرجع مذكر وخبر مؤنث وعكسه، نعمْ قوله: «عمن ... إلخ» تقديره عن حال من: «يكون ... إلخ»، أو (٢) سوءَ (٣) الحفظ ليس هو «من يكون» بل حاله، وقوله: «وهي عبارة ... إلخ» مخالِف لما يأتي في تفسير السَّبب المباشر من تفصيل ذلك، فإنَّه قال: «والمراد به: مَنْ لم يَتَرجَّح جانب إصابته على جانب خطئه»، فلو قال هنا: وهي عبارة عمن لا يكون غلطه أقلَّ من إصابته؛ لوافق ذلك، وتقع هذه العبارة في بعض النسخ الجيدة. [قوله] (٤): «وهُو الطَّعْنُ»: لا يخفاك ما فيه من المسامحة، فإنَّ القِسم الأوَّل هو الموضوع، وهو المطعون

стр. 509

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . في راويه [بالكذب] (١)، فلعلَّ الطعن بمعنى المطعون فيه، غايته: أنَّه أقام الظاهر وهو قوله: «في الحديث» مُقامَ المضْمر، أو يُقال: في الكلام مضافٌ مقدَّر، أي: ذو الطعن ... إلخ، والموضوع من: وَضَع الشيء إذا [حَطَّه] (٢)؛ سُمِّي بذلك لانحطاط رتبته دائمًا بحيث لا ينجبِر أصلًا، وظاهر كلام المؤلِّف أنَّه لا واسطة بين الموضوع والمتروك، وقد جعل الذهبي بين الموضوع والضعيف نوعًا سماه: المطروح، قال: «وهو ما نزل عن رتبة الضعيف وارتقى عن رتبة الموضوع»، ومثَّل له: «بحديث عَمرو بن [شَمِر] (٣)، عن جابر الجُعْفيِّ، عن الحارث، عن عليٍّ، وبحديث جُوَيْبِر، عن الضَّحَّاك، عن ابن عباس» انتهى (٤)، قُلْتُ: وجزم المؤلِّف في غير هذا التعليق بأنَّه من أفراد المتروك، قاله (هـ) (٥). وفي كتابة: قوله: «الموضوع» إمَّا من الوَضْع بمعنى الإلصاق؛ لأنَّه أُلصِق به ﷺ ما لم يقله، أو بمعنى الحط والإسقاط؛ لأنَّه وُضِع عليه ﷺ ما هو ساقط عنه وهو من كلام غَيْره. [قوله] (٦): «بِطَرِيقِ الظَّنِّ»: الإضافة فيه بيانيَّة، «لا» بطريق هو «القطع»، وقوله: «إذ ... إلخ» علة للنفي،

стр. 510

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . و [الظاهر] (١) أنَّ قوله: «لكن لأهل العلم ... إلخ» والله أعلم، أنَّ هذه المَلَكة هي المرادة بقول الربيع بن خُثَيم: إنَّ للحديث [ضوءًا] (٢) كضوء النهار تعرفه، وظلمة كظلمة الليل تنكره (٣)، ويقول ابن الجَزريِّ: اعلم أنَّ الحديث المنكر يقْشَعِر له جلدُ طالب العلم، وينفر منه قلبه في الغالب، لا ما يعطيه ظاهر الكلاميين (٤). [قوله] (٥): «[يُمَيِّزُونَ] (٦) بها ذلك»: أي: الوضع أو الموضوع، «وإنما يَقُوم بذلك» أي: بالتمْيِيز المذكور، «منهم» أي: مِنْ أهل العِلْم بالحديث. [قوله] (٧): «مَنْ يَكُونُ ... إلخ»: المراد: من يكون حائزًا لهذه الأوصاف، وهم الجهابذة الذين عنَاهُم ابن المُبارك لمَّا قيل له: هذه الأحاديث الموضوعة كيف تعرف؟ فقال: تَعَيَّنَت لها الجهابذة؛ ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] ﴿الحجر: ٩﴾. [قوله] (٨): «على ذلك»: أي: الوضع.

стр. 511

وقَدْ يُعْرَفُ الوَضعُ بإِقرارِ واضِعِهِ، قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ ﵀: «لَكنْ لا يُقْطَعُ بذَلكَ؛ لاحتمالِ أَنْ يكونَ كَذَبَ في ذلك الإِقرارِ». اهـ وفَهِمَ منهُ بعضُهم أَنَّهُ لا يُعْمَلُ بذلك الإِقرارِ أَصلًا، وليسَ ذلكَ مُرَادَهُ، وإِنَّما نفى القَطْعَ بذلك، ولا يلزَمُ مِن نَفْيِ القَطْعِ نفيُ الحُكْمِ؛ لأنَّ الحُكْمَ يَقعُ بالظَّنِّ الغَالِبِ، وهُوَ هُنا كَذلكَ، ولَوْلَا ذلك لَمَا ساغَ قتْلُ المُقرِّ بالقتلِ، ولا رَجْمُ المُعْتَرِفِ بالزِّنا؛ لاحتمالِ أَنْ يكونا كاذِبَيْن فيما اعْتَرَفا به! وَمِنَ القَرائنِ الَّتي يُدْرَكُ بها الوَضْعُ: ما يُؤْخَذُ مِن حالِ الرَّاوي؛ كما وقَعَ لِمَأْمونِ بنِ أَحمدَ أَنَّه ذُكِرَ بحضرَتِهِ الخلافُ في كونِ الحسنِ سَمِعَ مِن أَبي هُريرةَ أَوْ لَا؟ فَسَاقَ في الحالِ إِسنادًا إِلى النَّبيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أَنَّهُ قالَ: سَمِعَ الحسنُ مِن أَبي هُريرة. [قوله] (١): «ويُعْرَفُ الوضعُ بإِقرارِ واضِعِه»: ويُنزل منزلته أنْ يُحدِّث (أ/١١٠) عن شيخ ويُسأل عن مولده؛ فيذكرَ تاريخًا [يُعلم] (٢) منه موتُ ذلك الشيخ قبْلَه، ولا يُعرف ذلك الحديث إلَّا عنده، وهذا يقتضي أنَّه إذا كان الحديث عند غير من حدث عند أنَّه لا يكون ذلك من الموضوع، وذلك لأنَّ الخطأ وقع في نسبة أَخْذِ الحديث لغير من أُخِذَ عنه. [قوله] (٣) «قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ»: جعل كلام ابن دَقِيق العِيد بيانًا للمراد والواقع لا إشكالًا له. (هـ/١٢٨)

стр. 512

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «وفَهِمَ منهُ بَعْضُهُمْ»: وهو الذَّهبيُّ (٢) «أنَّه لا يُعمَل بذلك الإقرار أصلًا» [فقضيته] (٣) أنَّه فَهِم أنَّه أَلْغى الإقرار وأبقى الحديث على العمل به والحُجِّيَّة، وفيه نظرٌ، والظاهر أنَّه إنَّما فَهِم أنَّ الحديث لا يؤخذ به من جهة هذا الراوي ولا من جهة أخرى، قال بعض تلامذة المؤلِّف: وهذا كلُّه مع التجرد عن القرائن، أمَّا إن انضم إلى ذلك قرائنُ تدُلُّ على ما أقرَّ به؛ قُطِع بوضعه ... إلخ، وهو حَسَنٌ. [قوله] (٤): «نَفْيُ الحُكْمِ»: المراد به: الحُكْم بوضع الحديث الذي أقرَّ راويه بوضعه، والحكم عليه بذلك يلزمه ردُّه وعدم العمل بمقتضاه؛ لأنَّ الحُكْم بذلك يقع بالظنِّ الغالب. وقوله: «وهُو»: أي: الحُكْم بوضعه، «هنا» أي: فيما أقرَّ الواضع بوضعه، «كذلك» أي: ثابت بالظنِّ الغالب. [قوله] (٥): «وَلَوْلَا ذلك»: أي: اعتبارُ الظنِّ الغالب. [قوله] (٦): «لَمَا ساغ ... إلخ»: قد يُنازع في التَّنظير؛ بأنَّ المقر على نفسه بالقتل لا يَحْمله على ذلك غير الاعتراف بمطابقة الواقع؛ إذ النُّفوس مَطْبوعة

стр. 513

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . على حبِّ الحياة لا الرغبة فيما عند الله، بخِلاف المُقرِّ بالكذب في الحديث؛ إذْ ربما اسْتبْهَل الأدب في جانب حرمان المسلمين من العمل بمقتضاه، وربما يجري مثله في التنظير لرجم المعترف بالزنا واحتمال بَذْلِ نفْسِه [لثلم] (١) عِرض من ادَّعى الزنا بها بعيدٌ، ويجابُ: بأنَّه ليس من باب إثبات الحكم بالقياس، وإنَّما هو من باب التمثيل والتنظير للاستئناس. [قوله] (٢): «لاحْتِمَالِ ... إلخ»: أنت خبيرٌ بأنَّ الاحتمال هنا ليس معناه إلَّا التجويز العقلي، لا ما يَحْصُل عن ظنٍّ لأمرٍ اقتضاه، ومثله لا يعارِض [الظاهر] (٣). [قوله] (٤) «أَنَّهُ قال: سَمِعَ الحَسَنُ ... إلخ»: من الظاهر الذي لا يخفى فتح همزة «أنَّه» على أنَّها بدل من: «ما وَقَع لمأمون»، أو خبر لمبتدأ محذوف أي: مضمونه أنَّه قال: ... إلخ، ولو قال: فساق إسنادًا إلى أنْ قال: سَمِع الحَسَن عن أبي هريرة أن رسول الله قال: ... إلخ، كان أوضحَ؛ لأنَّ كلامه يوهم أن النبيَّ قال: سَمِع الحسن من أبي هريرة، وهو لا يصحُّ فتدبَّرْه.

стр. 514

وكَمَا وقعَ لِغياثِ بنِ إِبراهيمَ حيثُ دخَلَ على المَهْدي، فَوجَدَهُ يلعبُ بالحَمَام، فَساقَ في الحالِ إِسنادًا إِلى النبيِّ ﷺ أَنَّه قَالَ: «لَا سَبَقَ إِلَّا في نَصْلٍ، أَو خُفٍّ، أَوْ حَافِرٍ، أَو جَنَاحٍ»، فَزَادَ في الحديثِ: «أَو جَنَاحٍ»، فَعَرَفَ المهديُّ أَنَّه كذبَ لأجلِهِ، فأَمرَ بذَبْحِ الحَمَامِ. وَمِنها مَا يُؤخَذُ مِن حالِ المَرويِّ؛ كأَنْ يكونَ مُناقِضًا لنَصِّ القُرآنِ، أَو السُّنَّةِ المُتواتِرَةِ، أَو الإِجماعِ القطعيِّ، أَو صَريحِ العَقْلِ، حيثُ لا يَقْبَلُ شَيءٌ مِن ذلك التَّأْويلَ. ثمَّ المَرويُّ تارةً يَخْتَرِعُهُ الواضِعُ، وتارةً يأْخُذُ مِن كلامِ غيرِهِ كبَعْضِ السَّلفِ الصَّالحِ، أَو قُدماءِ الحُكماءِ، أَو الإِسرائيليَّاتِ، أَو يَأْخُذُ حَديثًا ضَعيفَ الإِسنادِ، فيُرَكِّبُ لَهُ إِسنادًا صحيحًا ليَرُوجَ. [قوله] (١): «فَأَمَرَ بِذَبْحِ الحَمَامِ»: تتمة: أنَّه لما عُوتب في ذلك قال: إنَّما حَمَلته على ذلك. والسَّبَقُ -مُحرَّكُ الموحدة-: المال الذي يقع المسابقة عليه. [قوله] (٢): «كأنْ يَكُونَ ... إلخ»: الظاهر أنَّه مثال. [قوله] (٣): «المتواترةِ»: خَرَج بها الآحاد؛ إذ مخالفتها لا تدلُّ على الوضع، ولو لم يمكن تأويل كما مَرَّ.

стр. 515

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «القَطْعِيِّ»: وهو ما اتَّفَق المُعْتَبَرون على أنَّه إجماعٌ، بأنْ صرَّح كلٌّ من المجمعين بالحُكْم الذي أجمعوا عليه من غير أن يشك منهم أحدٌ؛ لإحالة العادة خطأهم جملة. [قوله] (٢): «أو صَرِيحِ العَقْلِ»: مراده به: القياسُ الجليُّ، وهو على الراجح: ما قُطع فيه [بنفي] (٣) الفارق والغاية، أو كان تأثير الفارق فيه ضعيفًا، فالأوَّل كقياس الأمَة على العبد في تقويم حصَّة الشريك على شريكه المُعتِق الموسِر وعتقُها عليه، والثاني كقياس العَمَى على العَوَر في المنع من التضحية، والثابت بحديث السنن الأربعة: «أربعةٌ لا تجوزُ في الأضاحي العَوراء البيِّن عورها» (٤) الحديث. [قوله] (٥): «حَيْثُ لا يَقْبَلُ شيءٌ مِنْ ذلك»: اسم الإشارة راجع للمذكورات كلِّها لتأويلها بالمذكور أو المتقدم، واحترز بذلك عمَّا إذا ناقض ما ذُكِر مناقضة ظاهرة تقبل التأويل، فإن أمكن الجمع فإن تلك المناقضة كالعدم؛ فلا يكون دليلًا على الوَضْع. [قوله] (٦) «ثُمَّ المَرويُّ»: بطريق الوضع، فهو شروع في تقسيم الموضوع، ولو عبَّر به لكان أَولى.

стр. 516

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «وتارةً يأْخُذُ كَلَامَ غيرِهِ»: أنت خبيرٌ بأنَّ هذه الجملة غير صالحة لأنْ تكون خبرًا عن المروي مع عطفها على خبره، فلو قال: ثُمَّ المروي إمَّا من كلام الواضع وإمَّا من كلام غيره؛ لكان (هـ/١٢٩) أظهر ولجرى على القواعد النَّحْويَّة. [قوله] (٢): «كبَعْضِ السَّلفِ الصَّالحِ»: كحديث: «حُبُّ الدنيا أسُّ كلِّ خطيئةٍ» (٣) فإنَّه من كلام مالكِ (أ/١١١) بن دينار، كما رواه ابن أبي الدنيا في «المكائد» (٤)، أو كلام عيسى ابن مريم ﵇ (٥) ورواه البَيْهقيُّ في كتاب «الزهد» (٦) انتهى، وعليه فهو مثال لما هو من الإسرائيليَّات. [قوله] (٧): «أو الحُكَمَاءِ»: كحديث: «المَعدة بيت الداء» و «الحِمْية رأس الدَّواء»، فإنَّه من كلام الحارث بن كِلدة طبيب العرب، وذكر في «شرح النظم» أنَّ هذا من الإسرائيليَّات (٨).

стр. 517

وَالحَامِلُ للواضِعِ على الوَضْعِ: * إِمَّا عَدَمُ الدِّينِ؛ كالزَّنادقةِ. * أَو غَلَبَةُ الجَهلِ؛ كبعضِ المتعبِّدينَ. * أَو فَرْطُ العَصبيَّةِ؛ كبعضِ المُقلِّدينَ. * أَو اتِّباعُ هَوى بعضِ الرُّؤساءِ. * أَو الإِغرابُ لقصدِ الاشتِهارِ! وكُلُّ ذلك حَرامٌ بإِجماعِ مَن يُعْتَدُّ بهِ، إِلَّا أَنَّ بعضَ الكَرَّاميَّةِ وبعضَ المُتصوِّفةِ نُقِلَ عنهُم إِباحَةُ الوَضْعِ في التَّرغيبِ والتَّرهيبِ، وهُوَ خطأٌ مِن فاعلِهِ، نشَأَ عَن جَهْلٍ؛ لأنَّ التَّرغيبَ والتَّرهيبَ مِن جُملةِ الأحكامِ الشَّرعيَّةِ. [قوله] (١) «والحَامِل لِلْوَاضِع ... إلخ»: هذا شروعٌ في تقسيم السَّبب الحامل على الوَضع (٢). قوله: «كالزَّنادقة»: بفتح الزاي، جمع زِنديق -بكسرها-، وهو من لا يؤمِن بالآخرة أو بالربوبيَّة، أو من يُبْطن الكفر ويُظهر الإسلام، منهم: عبد الكريم بن أبي العوجاء، الذي أمَرَ بضرب عنقه: محمدُ بن سُليمان بن عليٍّ، ومثلهم: بيان، الذي قتله: خالد القَسري، وحَرَّقه بالنار، وقد روى العُقيليِّ (٣) بسنده إلى حماد بن زيد قال: «وَضَعَتِ الزنادقةُ أربعةَ عَشَرَ ألْفَ حديثٍ».

стр. 518

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «أَو غَلَبَةُ الجَهْلِ؛ كبَعْضِ المُتَعَبِّدِينَ»: فإنَّهم لتَمَكُن الجهل منهم يعترفون بوضع أحاديث تتضمن الترغيب في بعض أنواع الخير، وهؤلاء أشدُّ الأنواع ضررًا في الدين؛ لأنَّ النَّاس يَظُنون بهم خيرًا فيَقْبَلون روايتهم، وهم لاعتقادهم بأنَّ ذلك قُرْبة لا يرجعون. [قوله] (٢): «أَو فَرْطُ العَصَبِيَّةِ»: أي: زيادة التعصب. وقوله: «كبَعْضِ المُقَلِّدِينَ»: تمثيل لتعصب أو زيادته؛ فيدخُل في ذلك من يَتَعَصَّب لِما أفتى به إذا أُلْجِئ إلى إقامة دليلٍ عليه، كما نُقِل عن أبي الخطاب بن دِحية. [قوله] (٣): «أَو اتِّباعُ هَوَى كبعضِ الرُّؤساءِ»: كما مَرَّ مِنْ فعل غِياث بن إبراهيم مع المهديِّ. [قوله] (٤): «أَو الإِغرابُ لقصدِ الاشتِهارِ»: بالغين المعجمة، وذلك بأن يكون الحديث مشهورًا براوٍ فيَجعل مكانه راويًا آخَرَ في طبقته؛ ليصيرَ بذلك غريبًا مرغوبًا فيه، كحديثٍ مشهورٍ بسالم فيَجعل مكانه نافعًا، كحديثٍ مشهورٍ بمالك فيجعل مكانه عبيد الله بن عمر، ونحو ذلك، وممن كان يفعله من الوَّضاعين: حماد بن عمرو النَّصِيبي،

стр. 519

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وإسماعيل بن أبي حيَّة، وبهلول بن عبيد الكندي، ومثاله حديثٌ رواه عمرو بن خالد الحراني، عن حماد بن عمرو النصيبي، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا: «إذا لقيتم المشركين في طريق فلا تبدؤوهم بالسلام» (١)، فهذا حديثٌ مقلوبٌ، قَلَبَه: حمادُ بن عَمرو، أحد المتروكين؛ فجعله عن الأعمش، وإنما هو معروف بـ: سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة كما رواه مسلم في صحيحه (٢). ولهذا يَكرهُ أهل الحديث تتبُّعَ الغرائب؛ فإنَّه قَلَّ ما يَصلُح منها كما هو مقرَّر في محله، وهذه المسألة أحد أنواع المقلوب، واحترز بـ «قَصْدِ الاشتهار» عما إذا فعل ذلك بقَصْد الامتحان؛ فإنَّه جائزٌ، كما يأتي لنا بيانُه كما قاله (هـ) (٣). [قوله] (٤): «حَرَامٌ»: يُسْتَثْنى: النَّوع الذي للإغراب إذا قُصِد به الامتحان، كما يُسْتَثنى: قَلْبُ مَتْنٍ لسند غيره (٥) فإنَّه حرام كما يأتي. [قوله] (٦): «إِلاَّ أَنَّ بَعْضَ ... إلخ»: استثناء منقطع؛ إذ ما بعده ليس داخلًا فيما قبله؛ لأنَّ الكَرَّاميَّة ومَن معهم لا عِبرةَ بهم.

стр. 520

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . تنبيه: الكرَّاميَّة -بتشديد المهملة- نسبة إلى أبي عبد الله محمد بن كرام السجستاني العابد المتكلم، وبالتشديد قيَّده ابن ماكولا (١) والسمعانيُّ (٢) وغير واحد، قال الذَّهبيُّ (٣): «وهو الجاري على الألسنة». وقال ابن الصَّلاح: «إنَّه لا يُعدَل عنه». قال الذَّهبيُّ (٤): «وقد أنكر ذلك مُتَكَلِّمُهم محمد بن الهيصم وغيره من الكرَّاميَّة؛ فحكى فيه ابن الهيصم وجهين: أحدهما: كَرَام -بالتخفيف و [الفتح] (٥) -، وذكر أنَّه المعروف في ألسنة مشايخهم، وزعم أنَّه بمعنى كرام أو بمعنى كرامة. (هـ/١٣٠) والثاني: أنَّه كِرام -بالكسر على لفظ جمع كريم-، وحكى هذا عن أهل سجستان وأطال في ذلك». قال الذَّهبيُّ (٦): «ابن كرام ساقط الحديث على بدعته». وقال ابن حِبَّان (٧): «خُذِلُ حتى التَقَط من البراهين ومن الأحاديث أوهاها».

стр. 521

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقال أبو العباس السراج (١): «شَهِدت البخاريَّ ودُفع إليه كتابٌ من ابن كرام يسأله عن أحاديث منها: الزهري عن سالم عن أبيه مرفوعا: «الإيمان لا يَزيدُ ولا ينقص»؛ فكتب أبو عبد الله على ظهر كتابه: مَنْ حَدَّث بهذا استوجَب الضرب الشَّديد والحَبْس (أ/١١٢) الطويل». وقال ابن حزم (٢): «قال ابن كرام: الإيمان قولٌ باللسان، وإن اعتقد الكفرَ بقلبه فهو مؤمن». قال الذَّهبيُّ (٣): «قُلْتُ: هذا منافق محض الدَّرك الأسفل من النار قطعًا، فأيُّ شيء ينفع ابن كرام أن يسمِّيه مؤمنًا؟!». ومن بدع الكرامية قولهم في المعبود : إنه جسم لا كالأجسام، وقد سجن بنَيْسابُورَ لأجْل بدعته ثمانية أعوام. واعلم أنَّهم احتجوا على ما ذهبوا إليه: بأنَّ الكذب في الترغيب والترهيب للنبيِّ ﵊ (٤)؛ لكونه مقويًّا لشريعته لا عليه، والكذب عليه إنَّما هو كأنْ يقال له: سَاحر أو مجنون أو نحو ذلك، وتمسكوا في ذلك بظاهر خبر: «من كَذَب عليّ متعمِّدًا ليُضِلَّ به الناسَ فليتبَوَّأْ مَقعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (٥)، وتمسُّكهم مردودٌ؛

стр. 522

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لأنَّ ذلك كذِبٌ عليه في وَضْع الأحكام على ما أشار إليه الشارح بقوله: «لأن الترغيب ... إلخ»، وبيانُه: أنَّ الثواب والعقاب حُكْمان من أحكام الشرع، فإنَّ الثَّواب إنَّما يترتب على واجب أو مستحب، والعقاب إنَّما يترتب على الحرام؛ فهذه ثلاثة أحكام من الخمسة، ويتضمن ذلك: الإخبار عن الله تعالى بالوعد على ذلك العمل بالثواب والعقاب، وذلك باطل، ولأنَّ لفظة: «لِيُضِلَّ به النَّاسَ» اتفق الأئمة على ضَعفها، وبتقدير قَبولها فـ «اللام» ليست للتعليل ليكون لها مفهوم وخبر، بل للعاقبة كما في قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا] ﴿القصص: ٨﴾؛ لأنَّهم لم يلتقطوه لذلك، أو للتأكيد كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ] ﴿الأنعام: ١٤٤﴾، إذ افتراؤه الكذب على الله تعالى محرَّمٌ مُطْلَقًا، سواءٌ قُصِد به الإضلال أو لا. وفي عبارة: وليست «اللام» فيه للعلة، بل للصيرورة، كما فسِّر قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ] ﴿الأنعام: ١٤٤﴾، والمعنى: أنَّ مآل أمره إلى الضلال؛ إذ هو من تخصيص بعض أفراد العامِّ بالذِّكْر؛ فلا مفهوم له، كقوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً] ﴿آل عمران: ١٣٠﴾، و ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ] ﴿الأنعام: ١٥١﴾، أي: فَقْرٍ، فإنَّ: قَتْلَ الأولاد، ومضاعَفة الربا، والإضلال في هذه الآيات إنَّما هو لتأكيد الأمر فيها، لا لاختصاص الحُكْمِ بها.

стр. 523

واتَّفَقوا عَلَى أَنَّ تَعَمُّدَ الكذبِ على النبيِّ ﷺ مِنَ الكَبائِرِ. وبَالَغَ فيه أَبو مُحمَّدٍ الجُوَيْنِيُّ، فكَفَّرَ مَن تَعمَّدَ الكَذِبَ على النبيِّ ﷺ . واتَّفَقُوا عَلَى تَحْريمِ روايةِ الموضوعِ إِلَّا مَقْرونًا ببيانِهِ؛ لقولِه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذبٌ، فَهُو أَحَدُ الكَاذِبَيْنِ»، أَخرجَهُ مسلمٌ. وَالقسمُ الثَّاني مِن أَقسامِ المَرْدودِ، وهُوَ ما يَكُونُ بسَبَبِ تُهْمَةِ الرَّاوي بالكَذِبِ: هُوَ المَتْروكُ . [قوله] (١): «واتَّفَقَ العُلَماء»: ما عدا مَنْ ذُكِر، ومن ذُكِر أيضًا نظرًا لما قالوه من أنَّه: كذب له لا عليه. [قوله] (٢): «وبالَغَ أَبو مُحمَّدٍ ... إلخ»: هذا تأويل لكلام الجُوَيني، وأنَّه خَرج مَخْرج المبالغة في الزجر عن الكذب عليه ﷺ والتنفير عنه؛ لأنَّ من المعلوم أنَّه: لا يَكفر أحدٌ بذنب من أهل القبلة، ويُمْكِن تأويله أيضًا بمَنْ فَعله مُستَحِلًّا كالكراميَّة ومن معهم، لكن لا خصوصية له ﷺ . [قوله] (٣): «على رِوَايَةِ المَوضُوعِ»: لمَنْ كان عالمًا بوضعه في جميع أحواله، سواءٌ كان: في الأحكام، أو في القصص، أو في السِّيَر، أو في الترغيب والترهيب، أو غير ذلك، إلَّا في حال كونه

стр. 524

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مقرونًا ببيان (هـ/١٣١) أنَّه موضوع أو نحو ذلك. وقوله: «لِقَولِه ﵊: ... إلخ»: علة لتحريم رواية الموضوع، بل فيه دلالة على أعم من ذلك؛ لأن قضية كلامهم: أنَّ الحرمة منوطة بِعِلْم الوَضْع فلا يفهم منه تحريم رواية ما ظنَّ أنَّه موضوع، وفي الحديث دلالة على تحريمها؛ لأنَّ معنى قوله: «يُرى» مبنيًّا للمفعول: يُظَنُّ، كما فسَّره بذلك العلماء، وهو في الحديث أشهر من الفتح الذي معناه: يَعْلَم، وقوله: «فهو أحَدُ الكاذبين» (١) جُوِّز فيه التثنية باعتبار: المفتري والناقل، والجمع باعتبار: كثرة الناقلين. فإِنْ قُلْتَ: قضية الحديث المَنع ولو مع البيان، قُلْتُ: ممنوع؛ إذ قوله: «أحد الكاذبين» يرشد إلى عدم البيان؛ لأنَّه معه لا ينسب إليه الكذب. وقوله: «أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ»: أي: رواه في صحيحه. وفي كتابة: «يرى» بضم الياء وفتح الراء، بمعنى: يُظَنُّ، وبفتحها بمعنى: يَعْلم، وضمير «أنَّه» للحديث لا لِمَنْ حدَّث كما توهَّمه شارح «المشارق»؛ فلا حاجة إلى تقدير المضاف أي: ذو كذب، أو جَعل المصدر بمعنى الفاعل، ثُمَّ قوله: «كِذْب» بكسر الكاف (أ/١١٣) وسكون الذال، وبفتحها وكسر الذال، وفي «المشارق»: «وهو يرى» الواو للحال.

стр. 525

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «والثاني ... إلخ»: تقديره ما قُدِّر للأَّول، وكذا في البواقي، ثُمَّ لا يصدُق على كل من الأقسام الثلاثة أنَّه مُنْكَرٌ إلَّا بقَيْدِ الانفراد. فائدة: يقعُ في كلامهم: فلانٌ متروك الحديث، وفلان متروكٌ، يستعملونه تارةً وصفًا للمرويِّ، وتارةً وصفًا للراوي. [قوله] (٢): «وَهُو ما يَكُون ... إلخ»: فيه نظرٌ؛ لأنَّ الذي حَصَل بتهمة الراوي: الردُّ لا القسم الثاني، وقد يقال: إنَّ قوله: «وهو» راجعٌ للمردود من حيث رَدُّه، أي: ما يكون رده بسبب ... إلخ. وقوله: «هُو: المَتْرُوكُ»: مَثَّل له المؤلِّف بحديث: صَدَقة الدمشقيِّ عن فَرقَدٍ عن مُرَّةَ عن أبي بكر، وحديث: عمرو بن شَمِر عن جابر الجُعْفيِّ عن الحارث عن عليٍّ، والسُّدِّي الصغير محمد بن مروان عن الكَلبيِّ عن أبي صالح عن ابن عباس، قال: «وهذه سلسلة الكذب لا الذهب».

стр. 526

وَالثَّالِثُ: المُنْكَرُ ، على رَأْيِ مَن لا يَشْتَرِطُ في المُنْكَرِ قيدَ المُخالفةِ. وكَذَا الرَّابِعُ والخَامِسُ، فمَنْ فَحُشَ غَلَطُهُ، أَو كَثُرَتْ غَفلَتُهُ، أَو ظهَرَ فِسْقُهُ، فحديثُهُ مُنْكَرٌ. ثُمَّ الوَهَمُ ، وهُوَ القِسمُ السَّادسُ، وإِنَّما أُفْصِحَ بهِ لِطولِ الفَصْلِ، إِنِ اطُّلعَ عَليهِ -أَيْ: على الوَهَمِ- بِالقَرائِنِ الدَّالَّةِ على وَهَمِ راويهِ مِن وَصْلِ مُرْسَلٍ أَو مُنْقَطعٍ، أَو إِدخال حَديثٍ في حَديثٍ، أَو نحوِ ذلك مِن الأشياءِ القادحةِ. [قوله] (١): «والثالث: ... إلخ»: إنْ قُلْتَ: هلَّا قدَّر الموصوف للثالث وما بعدَه، أي: القِسم، كما قدره للثاني؟ قُلْتُ: لِقُرب ما قدَّره معه منه وما بالعَهد مِنْ قِدَمٍ، وقدَّره مع الثاني لبعده بما يُشعر به. [قوله] (٢): «على رَأْي»: لفظ «رأيٍ» منون في المَتْن، قُدِّرَ له في الشرح ما أزال تنوينه وهو جائز كما مَرَّ مِرارًا بل الشارح قد التزمه؛ فقول الكمال (٣): «اللائق بالدَّمج أنْ يقول: على رأيِ من لا ... إلخ» من نَمَط ما أطبقوا عليه كما مَرَّ جوابه. تنبيه: المراد بالمخالَفة: مخالَفة من هو أحفظ منه وأضبط؛ فالمُنْكَر عند صاحب هذا الرأي: الفرْد ليس في راويه من الثقة والضَّبْط ما يَجْبُر تفرُّدَه.

стр. 527

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «وكذا الرَّابِع ... إلخ»: أي: يُسمَّى بالمُنْكَر أيضًا، كما يرشد إليه قول الشارح بعدُ: «فحديثه منكر»؛ إذ فيه إشارة إلى وَجه الشَّبَه. [قوله]: «وإنَّما أُفْصِحَ به ... إلخ»: إنَّما صُرِّح في المَتْن بقوله: «ثُمَّ الوهْم»، ولم يقل السادس كما فعل فيما قبله؛ لطول الفَصْل. تنبيه: إطلاق المصنف الوَهْمَ صادقٌ بكونه: في الضبط، أو في القول، أو في الكتابة. [قوله] (٢): «إِنِ اطُّلِعَ عليه ... إلخ»: ليس في كلامه تصريح بتعريفه، وفي كلام العراقيِّ ما حاصله: «أنَّ المعلَّلَ: حديثٌ اطُّلِع فيه على أسباب خفيَّة طرأت عليه وأثَّرت فيه» (٣). وأظهرُ منه أنْ يُقال: هو حديثٌ ظاهرُهُ السلامة اطُّلِع فيه بعد التفتش على قادحٍ، وبالجملة إنَّما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرْح فيها مَدخل (٤). مثاله: حديث ابنِ جُرَيجٍ في الترمذي وغيره عن موسى بن [عُقبة] (٥)، عن سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا: «مَن جَلَسَ مَجلِسًا فكَثُرَ

стр. 528

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فيه لَغَطُه فقال قَبْلَ أنْ يَقومَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبحَمْدِكَ» (١) الحديثَ، (هـ/١٣٢)؛ فإن موسى بن إسماعيل المنقري رواه عن وُهيب بن خالد الباهليِّ، عن سُهيل المذكور، عن عوف بن عبد الله، وبهذا أعلَّه البخاري فقال: «وهو مرويٌّ عن [موسى] (٢) بن إسماعيل، وأمَّا موسى بن عُقبة فلا يُعرف له سماع من سُهيل» (٣). [قوله] (٤): «راوِيهِ»: الظاهر أنَّ ضميره للقسم الثالث. وقوله: «مِنْ وَصْلِ ... إلخ»: بيانٌ للوهم. وقوله: «أو مُنْقَطِعٍ ... إلخ»: عطفٌ على «مرسَل»، فـ «وَصْل» داخلٌ عليه أيضًا. وقوله: «أَو إِدْخَالِ حَدِيثٍ في حَدِيثٍ»: عطفٌ على «وَصْل»، كما أنَّ قوله: «أَو نحوِ ذلك»: كذلك. وحاصله: أنَّ الإرسال الجليَّ، والقطع الجليَّ، والإدراج الجليَّ، وغيرها لا يُطْلَق عليه في الاصطلاح المشهور اسم العلَّة، وإنَّما يطلق على ما كان منها خفيَّا مع سلامة الحديث منها ظاهرًا. تنبيهان (٥): الأول: مِنَ العلماء مَنْ يُطلِق اسمَ العِلَّة على كل قادح من: فُتور راوٍ، أو غفلة، أو

стр. 529

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . جَرحه، ومنهم من يُعِلُّ الوصْل بالإرسال، والرَّفع بالوقْف، ومنهم من يُطْلِق العلَّة على غير قادحٍ كوصل الثقة ما أرسله غيره ولا مُرَجِّح، وقد أَطْلَق التِّرْمذِيُّ على النَّسخِ أنَّه علَّة، فإنْ أراد أنَّه علَّة في تعطيل العمل به فقريب، إلَّا أنَّه خِلاف الاصطلاح، وإنْ أراد أنَّه علَّة مباينةٌ لصحة الحديث فهو ممنوع؛ إذ في الصِّحاح كثيرٌ من الأحاديث الصحيحة المنسوخة. الثاني: (أ/١١٤) كثيرًا ما تجيء العلَّة في السَّنَد، وقد تجيء في المَتْن، على كلٍّ: [تارةً] (١) تكون قادحة، وتارةً لا بأنْ يتعدَّد السَّنَد ويقوى بالاتصال ونحوه، أو يكون الاختلاف في تعْيِين واحدٍ من ثقتين، كحديث: «البَيِّعانِ بالخِيارِ» (٢)، فإنَّ يَعْلى بن عُبيد الطَّنافِسي رواه عن عمرو بن دينار، وهو عندهم محفوظ عن أخيه عبد الله بن دينار، لكن كلاهما ثقة؛ فلا قَدْح، وهذا الإعلال في السند. ومثاله في المَتْن حديث نفي قراءة البسملة، فإنَّ حُميدًا لما سَمِع قول أنس: «صليت خلف النبي ﵊ وأبي بكر وعُمرَ وعثمانَ ﵃ فكانوا يستفتحون بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ] ﴿الفاتحة: ٢﴾» (٣)، ظنَّ أنَّ أنسًا نفى البسملة فزاد فيه: «لم يكونوا يفتتحون القراءة بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] ﴿الفاتحة: ١﴾»، وهو مخطئٌ في ظنِّه عند الشافعيَّة، ورواية أنس محمولة عند الشافعيِّ على أنَّهم

стр. 530

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يبتدؤون بقراءة أمِّ القرآن قبل السورة لا على أنَّهم كانوا يتركون البسملة، وقد سُئل أنس عن ذلك فقال: «لا أحفظ فيه شيء»، والحاصل: أنَّ الإعلال لا يُردُّ به الحديث إلَّا إذا لم يوجد مُرجِّح كما سيأتي. [قوله] (١): «أَو إِدخال حَديثٍ في حَديثٍ»: كدخول: «ولا تنافسوا» وهو من مَتْن: «إياكم والظنَّ؛ فإنَّ الظنَّ أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا» (٢)، إذ المرويُّ عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﵊ في مَتْن: «لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا» (٣)، والمرويُّ عن مالك، عن الزُّهْريِّ، عن أنسٍ، عن النبيِّ ﵊، والمُدرِج لها: ابنُ أبي مريم حين روى ذلك عن مالك وصيرهما مَتْنًا واحدًا بإسناد واحد وهْمًا منه، كما جزم به الخطيب، قال: «وخالَف في ذلك جميعَ الرواة عن مالكٍ». [قوله] (٤): «مِنَ الأَشْياءِ القَادِحَةِ»: بيانٌ لـ «نحو ذلك»، وأخرج به غير القادحة، كما في حديث: «البَيِّعانِ بالخيارِ» (٥) السابق.

стр. 531

وتَحْصُلُ مَعْرفةُ ذَلكَ بكثرةِ التَّتبُّعِ، وجَمْعِ الطُّرُقِ، فهذا هُوَ المُعَلَّلُ ، وهو مِن أَغْمَضِ أَنواعِ عُلُومِ الحديثِ وأَدقِّها، ولا يَقُومُ بهِ إلَّا مَن رَزَقَهُ اللهُ تعالى فَهْمًا ثَاقِبًا، وحِفْظًا واسِعًا، ومعرِفةً تامَّةً بمراتِبِ الرُّواةِ، ومَلَكَةً قَويَّةً بالأسانيدِ والمُتُونِ، ولهذا لم يتكلَّمْ فيهِ إِلَّا القليلُ مِن أَهلِ هذا الشأْنِ؛ كعليِّ بنِ المَدينيِّ، وأَحمدَ بنِ حنبلٍ، والبُخاريِّ، ويَعقوبَ بنِ شَيْبةَ، وأَبي حاتمٍ، وأَبي زُرعةَ، والدَّارَقُطنيِّ. وقَدْ تَقْصُرُ عبارةُ المُعَلِّل عَن إِقامةِ الحُجَّة على دَعْوَاهُ؛ كالصَّيْرَفيِّ في نَقْدِ الدِّينارِ والدِّرهَمِ. [وقوله]: «وتَحْصُلُ معرفةُ ذلك»: أي: وصْل المرسَل وما معه، وتعبيره «بكثرة التتبُّع» مُطْلَقًا مطابِقٌ لاعتبار الخفاء في العلَّة، ولو قال بدل «وتحصل»: فيضُمُّ تلك القرائن الدالة على ذلك إلى التتبُّع وجَمْع القرائن؛ كان أولى. وفي كتابةٍ: قوله: «وتَحْصُلُ مَعْرِفةُ ذلك» أي: الوهْم، «بكثرة التتبُّع»، ويحتمل رجوعه للقرائن أي: معرفة ما ذُكِر من القرائن. (هـ/١٣٣) وقوله: «وجَمْعِ الطُّرُقِ»: مِن عطف المسَبَب على السَّبب؛ إذ جَمْعُ الطُّرق متسبب عن كثرة التتبُّع. وقوله: «فهو المُعَلَّلُ»: لا يخفى أنَّ الوهْم ليس هو المعلَّل الذي اطلع عليه بما ذُكر قبل ما فيه الوهْم المذكور، ومفهوم قوله: «إن اطُّلع عليه بالقرائن ... إلخ» أن [ما] (١)

стр. 532

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . اطُّلع عليه بغير ذلك فإنَّه لا يكون كذلك، ويجري على ما سَبَقَ مما رُدَّ لسَقْطٍ أو طَعْنٍ، أو على ما يأتي في المدْرَج. وقوله: «فهو المعلَّلُ» قال العراقي: «الأجود المُعَلُّ، كما هو عبارة بعضهم، وأكثر عبارتهم في الفعل: عَلَّه فلان بكذا، وقياسه مُعَلٌّ، وهو المعروف، قال الجوهري: لا أعلَّك الله، أي: لا أصابك بعلَّة» انتهى، وقوله: «والأجود المعَلُّ»، أي: أجود من المعلول، أي: منه ومن المعلَّل تغليبًا، وإلَّا فالمعلَّلُ لا جودة فيه، فإنَّه لا يجوز أصلًا إلَّا بتجوُّز؛ لأنَّه ليس من هذا الباب، بل من التعليل الذي هو التشاغل والتلهي، ومنه تعليل الصبي بالطعام كما ذكره هو أيضًا، أمَّا مَعلُول فموجود، قاله (ج) (١). [قوله] (٢): «وجَمْعِ الطُّرُقِ»: ليطَّلعَ بها على خلافٍ أو تفرُّدِ راوٍ؛ فيُضَم لتلك القرائن التي قامت عنده، ويعمل بمقتضى ما ظهر له وغلَب على ظنه؛ من: وصل، أو إرسال، أو رفع، أو وقف عليه، أو يَبقى المتن على حاله؛ لعدم غلبة شيء منها على ظنِّه. [قوله] (٣): «فهذا هو المُعَلَّلُ»: أي: النوع المسمَّى بذلك، وتبِع فيه ابنَ الصَّلاح (٤) حيث قال: «فلا يُقال فيه: مَعلول؛ لأنَّه مردودٌ عند أهل العربية واللغة، وإن استعمله كثير من أهل الحديث

стр. 533

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والأصول والكلام والعَروض، وإنما يُقال له: مُعَلَّلٌ» انتهى. قال العراقي (١): «والأجودُ في تسميته: المعلَّلُ؛ لأنَّ المعلَّل: من علَّلَه بكذا، وإنما تستعمله أهل اللغة بمعنى لهاه بالشيء وشَغَله به، من تعليل الصبي بالطعام». قال: بعضُهم (٢): «ومراده: أنَّ مُعَلَّ أجودُ من (أ/١١٥) معلول؛ إذْ لا جَودة في معلَّل البتَّةَ من حيث استعمالُه في هذا المعنى، وقال الشارح: إن معلولًا موجود، وبه عبَّر في غير هذا الكتاب، بل قال: إنَّه الأولى؛ لوقوعه في عبارات أهل الفنِّ: كالتِّرْمذِيِّ والحاكم والدَّارَقُطْنيِّ وابنِ عَدِيٍّ والخليلي مع ثبوته في اللغة. قال شيخ الإسلام: ومن حفِظ حُجة على مَن لم يحفَظ، لكن الأعرف أنَّ فعله ثلاثيٌّ مزيد، يعني فالأجود المعلَّل كما قاله العراقي، وإن كان المعلول أولى؛ لِما مَرَّ» (٣) انتهى. تنبيه: جملة قوله: «فهذا هو المعلل»: جواب الشرط، والمجموع خبر المبتدأ، إلَّا أنَّ ظاهر العبارة توهِم أنَّ الوهم المطلعَ عليه بالطريق المذكور هو المسمَّى بالمعلَّل، وليس كذلك، وإنما المعلَّل هو: الحديث الذي اطُّلع على الوهْم المذكور فيه، وتأويله: فمَحِلُّ هذا الوهْم هو المعلَّل، سواءٌ رَجَع لمَتْنٍ أو سندٍ، والله أعلم.

стр. 534

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله]: «ومَلَكَةً»: أي: كيفيَّة راسخة في النَّفْس، وضمَّنها معنى المعرفة فعلق بها «بالأسانيد»، أو «الباء» بمعنى في، أي: مَلَكَةً في تمييز الأسانيد، أو على حالها، أي: مَلَكَة حاصلة بسبب ممارسة الأسانيد. [قوله] (١): «ولهذا»: أي: المذكور من: الغموض، والدِّقة، واختصاص الاطلاع بمن قامت به الأوصاف المذكورة؛ «لم يَتكلَّم فيه إلَّا القليل»، القِلَّة من اجتمعت فيه الأوصاف المذكورة من أهل هذا الشأن. [قوله] (٢): «وقد تَقْصُرُ عبارةُ المُعَلِّلِ ... إلخ»: هو اسمُ فاعلٍ، وحاصل كلامه: أنَّ المعلِّلَ قد يقوى ظنُّه بالعلة فيجْزِم بها، ويُمضِي الحُكْم بما جزم به من: وصلٍ، أو إرسالٍ، أو وقفٍ، وقد تتعارض عليه الظنونُ فيحْجِم عن الحُكْم بقَبول الحديث وعدمه احتياطًا. وقوله: «كالصَّيْرَفيِّ ... إلخ»: أي: كما يقوم بنَفْس الصَّيْرَفيِّ في جودة الدرهم أو الدينار أو رداءتهما، (هـ/١٣٤) وتَقْصُر عبارته عن إقامة الحجَّة على دعواه.

стр. 535

ثمَّ المُخَالفَةُ ، وهُوَ القسمُ السَّابعُ، إِنْ كَانتْ واقعةً بسببِ تَغْييرِ السِّياقِ -أي: سياقِ الإسنادِ- فَالواقعُ فيهِ ذَلكَ التَّغييرُ هو مُدْرَجُ الإِسْنادِ، وهو أَقسامٌ: الأَوَّلُ: أَنْ يَرْوِيَ جَماعةٌ الحديثَ بأَسانيدَ مُختلفةٍ، فيرويهِ عنهُم راوٍ، فيَجْمَعُ الكُلَّ على إِسنادٍ واحِدٍ مِن تلكَ الأسانيدِ، ولا يُبَيِّنُ الاختلافَ. [قوله] (١): «ثُمَّ المُخالفَةُ»: صرَّح به كما قال الشارح في: «ثُمَّ الوهم» وتركه هنا؛ [لعلمه] (٢) بالمقايسة، وأَطْلَق في المخالَفة؛ ليشمل صدورها في أيِّ راوٍ كان من الرواة. [قوله] (٣): «فمُدْرَجُ الإِسْنادِ»: نُقل عن الماوَرْدِيِّ والرُويانيِّ وابن السَّمعانيِّ أنَّهم قالوا: «إنَّ مَنْ تَعَمَّد الإدراجَ ساقطُ العدالة، وهو ممَّن يُحَرِّف الكَلِم عن مواضعه، وكان مُلْحَقًا بالكذابين» (٤). وفي كتابة: أي: يُسمَّى عُرفًا مدرَج الإسناد، واعتُرض بأنَّ: «الواقع فيه التغيير هو السَّند، وليس هو مُدْرَج الإسناد، بل مدرَجٌ فيه؛ فتعبيره غير قويم»

стр. 536

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . انتهى، ويُدْفع بأنَّ [فيه] (١) سببيَّة، ولا شكَّ أنَّ الواقع بسببه ذلك التغيير هو مدْرَج الإسناد. [قوله] (٢): «الأوَّلُ: أَنْ يَرْوِيَ جماعةٌ ... إلخ»: مثاله: حديث رواه الترمذي عن [بُنْدار] (٣)، عن عبد الرحمن بن مَهْدي، عن سُفْيانَ الثَّوْريِّ، عن واصل، ومنصور والأعمش، عن [أبي وائل] (٤)، عن عَمرو بن شُرَحْبِيل، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «قلت: يا رسولَ اللهِ، أيُّ الذَّنْبِ أَعظَمُ» (٥) الحديثَ، وهكذا رواه محمد بن كثير العَبديُّ، عن سُفيانَ فيما رواه الخطيب (٦)، فرواية واصل هذه مدْرَجة على رواية منصور والأعمش؛ لأنَّ واصلًا لا يذكر فيه عَمرًا، بل عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود، كما رواه كذلك شعبة المهدي بن ميمون ومالك بن المغول وسعيد بن مسروق، عن واصل كما ذكره الخطيب (٧)، فإنَّ أبا وائل أخذه عن ابن مسعود بواسطة عمرو

стр. 537

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . تارة، وهو رواية غير واصلٍ عنه، وبدونه أخرى وهو رواية واصلٍ عنه، كما ذكره الخطيب، وقد بيَّن الإسنادين معًا يحيى بن سعيد القطان في روايته عن سفيان، وفصل أحدَهما من الآخر: البخاريُّ في صحيحه في كتاب المحاربين، عن عمرو بن علي، عن يحيى، عن سفيان، عن منصور والأعمش، كلاهما عن أبي وائل، عن عمرو، عن عبد الله (١)، وعن سفيان، عن واصل، عن أبي وائل، عن عبد الله من غير ذِكْر عمرو بن شُرَحْبِيل، قال عمرو بن عليٍّ: فذَكَرت لعبد الرحمن وكان حدَّثنا عن سفيانَ عن الأعمش ومنصور وواصل عن أبي وائل عن أبي ميسرة يعني عمرًا؛ فقال: [دعه] (٢). وللعراقيِّ فيه كلام (٣). (أ/١١٦) [وقوله] (٤): «ولا يُبَيِّنُ/ الاخْتِلافَ»: أمَّا لو بَيَّنَه فقال: لفظ فلان كذا، وزاد فلان كذا، وحذف منه فلان كذا، كما يفعله مسلم كثيرًا؛ لم يكن من إدراج الإسناد في شيء.

стр. 538

وَالثَّاني: أَنْ يكونَ المتنُ عندَ راوٍ إِلَّا طَرفًا منهُ؛ فإِنَّه عندَه بإِسنادٍ آخَرَ، فيرويهِ راوٍ عنهُ تامًّا بالإِسنادِ الأوَّلِ. وَمنهُ: أَنْ يَسْمَعَ الحديثَ مِن شيخِهِ إِلَّا طرفًا منهُ، فيَسْمَعَهُ عَن شيخِهِ بواسطةٍ، فيرويهِ راوٍ عنهُ تامًّا بحَذْفِ الواسِطةِ. الثَّالِثُ: أَنْ يكونَ عندَ الرَّاوي مَتْنانِ مُخْتَلِفَانِ بإِسنادينِ مختلفينِ، فَيَرْويهِما رَاوٍ عَنهُ مُقْتَصِرًا عَلَى أَحدِ الإِسنادينِ، أَو يروي أَحَدَ الحَديثينِ بإِسنادِهِ الخاصِّ بهِ، لَكنْ يَزيدُ فيهِ مِن المَتْنِ الآخَرِ ما ليسَ في المَتْنِ الأوَّلِ. الرَّابعُ: أَنْ يَسُوقَ الرَّاوي الإِسنادَ، فيَعْرِضُ لهُ عارِضٌ، فيقولُ له كَلامًا مِن قِبَلِ نفسِهِ، فيظنُّ بعضُ مَنْ سَمِعَهُ أَنَّ ذَلكَ الكلامَ هُو متنُ ذَلكَ الإسنادِ، فيَرويهِ عنهُ كذَلكَ. هذهِ أَقسامُ مُدْرَجِ الإِسنادِ. [قوله] (١): «إِلاَّ طَرفًا منهُ»: مستثنًى من مقدَّر دلَّ عليه آخرُ الكلام، أي: أنْ يكون الحديث كلُّه عند راويه بإسنادٍ إلَّا طرفًا منه فإنَّه عنده بإسنادٍ آخَرَ، فيجمع الراوي عنه طرَفي الحديث بإسناد أحد الطرفين الأول أو الثاني، ولا يَذْكُر إسناد الطرف الآخر، مثاله: حديث رواه أبو داودَ (٢) من رواية زائدةَ وشَرِيكٍ والنَّسائيُّ (٣)

стр. 539

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . من رواية سفيانَ بنِ عُيَيْنةَ، كلهم عن عاصم بن كُليب، عن أبيه، عن وائل بن حُجْرٍ في صفة صلاة رسول الله ﷺ ، وقال فيه: « ... ثُمَّ جئتُهم بعد ذلك في زمان فيه برد شديد؛ فرأيت الناس عليهم جُلُّ الثياب وتحرك أيديهم تحت الثياب». قال موسى بن هارون الحمال (١): وذلك عندنا وَهْم، فقوله: «ثُمَّ جئتهم» ليس هو بهذا الإسناد، وإنَّما أُدرِج، وهو من رواية عاصم، عن عبد الجبار بن وائل، عن بعض أهله، عن وائل، وهكذا رواه مبيَّنًا: زهير بن معاوية وأبو بدر شجاع بن الوليد، فزادا قصة تحريك الأيدي من تحت الثياب وفصَلاها من الحديث، وذَكَرا إسنادها كما ذكرناه، قال موسى بن هارون الحمال: وهذه رواية مضبوطة اتفق عليها زهير وشجاع بن الوليد، فهما أثبت له برواية من روى رفع الأيدي من تحت الثياب عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل، قال ابن الصَّلاح: إنَّه الصواب. (هـ/١٣٥) تنبيه: أشرت بقولي: أحد الإسنادين الأوَّل أو الثاني إلى أنَّه لا مفهوم لقوله: «بالإسناد الأول». وفي كتابة: لو قال: بأحد الإسنادين؛ لكان أحسَنَ، قال العراقي: ومنهُ جَمْعُ ما أَتَى كُلُّ طَرَفْ ... منهُ بإسنادٍ بواحدٍ سَلَفْ (٢) ... إلخ، فقوله: «بواحد» أي: من الإسنادين، وهو متعلق بـ «جَمَع».
следующие страницы →