← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 320

حاشية الخرشي منتهى الرغبة في حل ألفاظ النخبة

الخرشي = الخراشي

Полный текст (886 стр.). Показаны 535–574 · переход к 540.

стр. 535

ثمَّ المُخَالفَةُ ، وهُوَ القسمُ السَّابعُ، إِنْ كَانتْ واقعةً بسببِ تَغْييرِ السِّياقِ -أي: سياقِ الإسنادِ- فَالواقعُ فيهِ ذَلكَ التَّغييرُ هو مُدْرَجُ الإِسْنادِ، وهو أَقسامٌ: الأَوَّلُ: أَنْ يَرْوِيَ جَماعةٌ الحديثَ بأَسانيدَ مُختلفةٍ، فيرويهِ عنهُم راوٍ، فيَجْمَعُ الكُلَّ على إِسنادٍ واحِدٍ مِن تلكَ الأسانيدِ، ولا يُبَيِّنُ الاختلافَ. [قوله] (١): «ثُمَّ المُخالفَةُ»: صرَّح به كما قال الشارح في: «ثُمَّ الوهم» وتركه هنا؛ [لعلمه] (٢) بالمقايسة، وأَطْلَق في المخالَفة؛ ليشمل صدورها في أيِّ راوٍ كان من الرواة. [قوله] (٣): «فمُدْرَجُ الإِسْنادِ»: نُقل عن الماوَرْدِيِّ والرُويانيِّ وابن السَّمعانيِّ أنَّهم قالوا: «إنَّ مَنْ تَعَمَّد الإدراجَ ساقطُ العدالة، وهو ممَّن يُحَرِّف الكَلِم عن مواضعه، وكان مُلْحَقًا بالكذابين» (٤). وفي كتابة: أي: يُسمَّى عُرفًا مدرَج الإسناد، واعتُرض بأنَّ: «الواقع فيه التغيير هو السَّند، وليس هو مُدْرَج الإسناد، بل مدرَجٌ فيه؛ فتعبيره غير قويم»

стр. 536

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . انتهى، ويُدْفع بأنَّ [فيه] (١) سببيَّة، ولا شكَّ أنَّ الواقع بسببه ذلك التغيير هو مدْرَج الإسناد. [قوله] (٢): «الأوَّلُ: أَنْ يَرْوِيَ جماعةٌ ... إلخ»: مثاله: حديث رواه الترمذي عن [بُنْدار] (٣)، عن عبد الرحمن بن مَهْدي، عن سُفْيانَ الثَّوْريِّ، عن واصل، ومنصور والأعمش، عن [أبي وائل] (٤)، عن عَمرو بن شُرَحْبِيل، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «قلت: يا رسولَ اللهِ، أيُّ الذَّنْبِ أَعظَمُ» (٥) الحديثَ، وهكذا رواه محمد بن كثير العَبديُّ، عن سُفيانَ فيما رواه الخطيب (٦)، فرواية واصل هذه مدْرَجة على رواية منصور والأعمش؛ لأنَّ واصلًا لا يذكر فيه عَمرًا، بل عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود، كما رواه كذلك شعبة المهدي بن ميمون ومالك بن المغول وسعيد بن مسروق، عن واصل كما ذكره الخطيب (٧)، فإنَّ أبا وائل أخذه عن ابن مسعود بواسطة عمرو

стр. 537

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . تارة، وهو رواية غير واصلٍ عنه، وبدونه أخرى وهو رواية واصلٍ عنه، كما ذكره الخطيب، وقد بيَّن الإسنادين معًا يحيى بن سعيد القطان في روايته عن سفيان، وفصل أحدَهما من الآخر: البخاريُّ في صحيحه في كتاب المحاربين، عن عمرو بن علي، عن يحيى، عن سفيان، عن منصور والأعمش، كلاهما عن أبي وائل، عن عمرو، عن عبد الله (١)، وعن سفيان، عن واصل، عن أبي وائل، عن عبد الله من غير ذِكْر عمرو بن شُرَحْبِيل، قال عمرو بن عليٍّ: فذَكَرت لعبد الرحمن وكان حدَّثنا عن سفيانَ عن الأعمش ومنصور وواصل عن أبي وائل عن أبي ميسرة يعني عمرًا؛ فقال: [دعه] (٢). وللعراقيِّ فيه كلام (٣). (أ/١١٦) [وقوله] (٤): «ولا يُبَيِّنُ/ الاخْتِلافَ»: أمَّا لو بَيَّنَه فقال: لفظ فلان كذا، وزاد فلان كذا، وحذف منه فلان كذا، كما يفعله مسلم كثيرًا؛ لم يكن من إدراج الإسناد في شيء.

стр. 538

وَالثَّاني: أَنْ يكونَ المتنُ عندَ راوٍ إِلَّا طَرفًا منهُ؛ فإِنَّه عندَه بإِسنادٍ آخَرَ، فيرويهِ راوٍ عنهُ تامًّا بالإِسنادِ الأوَّلِ. وَمنهُ: أَنْ يَسْمَعَ الحديثَ مِن شيخِهِ إِلَّا طرفًا منهُ، فيَسْمَعَهُ عَن شيخِهِ بواسطةٍ، فيرويهِ راوٍ عنهُ تامًّا بحَذْفِ الواسِطةِ. الثَّالِثُ: أَنْ يكونَ عندَ الرَّاوي مَتْنانِ مُخْتَلِفَانِ بإِسنادينِ مختلفينِ، فَيَرْويهِما رَاوٍ عَنهُ مُقْتَصِرًا عَلَى أَحدِ الإِسنادينِ، أَو يروي أَحَدَ الحَديثينِ بإِسنادِهِ الخاصِّ بهِ، لَكنْ يَزيدُ فيهِ مِن المَتْنِ الآخَرِ ما ليسَ في المَتْنِ الأوَّلِ. الرَّابعُ: أَنْ يَسُوقَ الرَّاوي الإِسنادَ، فيَعْرِضُ لهُ عارِضٌ، فيقولُ له كَلامًا مِن قِبَلِ نفسِهِ، فيظنُّ بعضُ مَنْ سَمِعَهُ أَنَّ ذَلكَ الكلامَ هُو متنُ ذَلكَ الإسنادِ، فيَرويهِ عنهُ كذَلكَ. هذهِ أَقسامُ مُدْرَجِ الإِسنادِ. [قوله] (١): «إِلاَّ طَرفًا منهُ»: مستثنًى من مقدَّر دلَّ عليه آخرُ الكلام، أي: أنْ يكون الحديث كلُّه عند راويه بإسنادٍ إلَّا طرفًا منه فإنَّه عنده بإسنادٍ آخَرَ، فيجمع الراوي عنه طرَفي الحديث بإسناد أحد الطرفين الأول أو الثاني، ولا يَذْكُر إسناد الطرف الآخر، مثاله: حديث رواه أبو داودَ (٢) من رواية زائدةَ وشَرِيكٍ والنَّسائيُّ (٣)

стр. 539

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . من رواية سفيانَ بنِ عُيَيْنةَ، كلهم عن عاصم بن كُليب، عن أبيه، عن وائل بن حُجْرٍ في صفة صلاة رسول الله ﷺ ، وقال فيه: « ... ثُمَّ جئتُهم بعد ذلك في زمان فيه برد شديد؛ فرأيت الناس عليهم جُلُّ الثياب وتحرك أيديهم تحت الثياب». قال موسى بن هارون الحمال (١): وذلك عندنا وَهْم، فقوله: «ثُمَّ جئتهم» ليس هو بهذا الإسناد، وإنَّما أُدرِج، وهو من رواية عاصم، عن عبد الجبار بن وائل، عن بعض أهله، عن وائل، وهكذا رواه مبيَّنًا: زهير بن معاوية وأبو بدر شجاع بن الوليد، فزادا قصة تحريك الأيدي من تحت الثياب وفصَلاها من الحديث، وذَكَرا إسنادها كما ذكرناه، قال موسى بن هارون الحمال: وهذه رواية مضبوطة اتفق عليها زهير وشجاع بن الوليد، فهما أثبت له برواية من روى رفع الأيدي من تحت الثياب عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل، قال ابن الصَّلاح: إنَّه الصواب. (هـ/١٣٥) تنبيه: أشرت بقولي: أحد الإسنادين الأوَّل أو الثاني إلى أنَّه لا مفهوم لقوله: «بالإسناد الأول». وفي كتابة: لو قال: بأحد الإسنادين؛ لكان أحسَنَ، قال العراقي: ومنهُ جَمْعُ ما أَتَى كُلُّ طَرَفْ ... منهُ بإسنادٍ بواحدٍ سَلَفْ (٢) ... إلخ، فقوله: «بواحد» أي: من الإسنادين، وهو متعلق بـ «جَمَع».

стр. 540

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «أَو يَرْوِي أَحَدَ الحَدِيثَينِ ... إلخ»: حاصله: أنْ يُدرِج بعضًا من حديث في آخر مخالِف له في السَّند. مثاله: حديث رواه سعيد بن أبي مريم، عن مالك، عن الزُّهْريِّ، عن أنس ﵁، أنَّ الرسول قال: «لا تَباغَضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابَروا، ولا تنافسوا» (٢) الحديثَ، فقوله: «ولا تنافسوا» مدْرَجٌ في هذا الحديث، أدرَجه ابن أبي مريم فيه من حديثٍ آخَرَ لمالك، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﵊: «إياكم والظنَّ؛ فإن الظنَّ أكذَبُ الحديث، ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا» (٣)، وكِلا الحديثين متفق عليه من طريق مالك، وليس في الأوَّل: «ولا تنافسوا»، وهي في الحديث الثاني، وهكذا الحديثان عند رُواة الموطأ: عبد الله بن يوسف، والقَعْنَبي، وقُتَيْبةَ، ويحيى بن يحيى، وغيرهم. قال الخطيب (٤): وقد وَهِم فيها ابنُ أبي مريم على مالك، عن ابن شهاب، وإنما يرويها مالك في حديثه عن أبي الزِّناد، ولو روى ابن أبي مريم عن مالك الحديثين بسند أحدهما كان مثالًا لما قبله. [قوله] (٥): «الرَّابعُ: أَنْ يَسُوقَ الإِسنادَ ... إلخ»: جَعَل هذا من مدْرَج الإسناد، وتقدم لنا أنَّ ابن الصَّلاح والعراقيَّ جعلاه

стр. 541

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . نوعًا من الموضوع، والظاهر أنَّه لا تخالُف؛ لاختلاف المدْرَك، فمَنْ رأى أنَّه نَسَب للنبيِّ ﵊ ما لم يَقُله جعله من الموضوع، ومَنْ رأى [أنَّ] (١) ذلك السَّنَد ليس مَسُوقًا لرواية المذكور البتَّةَ جَعَله من مدْرَج السَّنَد، ولعلَّ الأوَّلَ أقربُ للصواب، ويأتي الخلاف فيه في القولة بعد هذه. [قوله] (٢): «فيَعْرِضُ لهُ عارِضٌ ... إلخ»: مثاله: حديثُ رواه ابن ماجه (٣) عن إسماعيل بن محمد الطلحي، عن ثابت ابن موسى الزاهد، عن شَريك، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر مرفوعًا: «من كثرت صلاته بالليل حَسُنَ وجهُه بالنهار» قال أبو حاتم الرازيُّ: «كتبتُه عن ثابت فذكرته لابن نُمير فقال: الشيخ -يعني: ثابت- لا بأس به، والحديث مُنْكَرٌ»، وقال أبو حاتم: «والحديث موضوع» (٤). وقال الحاكم (٥): دخَل ثابت بن موسى على شَريك بن عبد الله القاضي والمستملي بين يديه، وشَريك يقول: حدَّثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: قال النبيُّ ﷺ : ... (أ/١١٧)، ولم يَذْكر المتن، بل سكتَ ليَكتب المستملي ما ألقاه عليه، فلما نظر إلى ثابت بن موسى أثناء سكوته قال ممازحًا له: من كثرت صلاتُه بالليل حَسُنَ وجهُه بالنهار، ولم يُرد التحديث، وإنما أراد ثابتًا؛ لزهده وورعه،

стр. 542

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وظن ثابتٌ أنَّه رَوى هذا الحديث مرفوعًا بهذا الإسناد؛ فكان يُحدِّث به عن شَريك، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر. وقال ابن حبان (١): وهذا قول شَريك قاله عقب حديث الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر: «يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم»، فأدرجه ثابت في الخبر، ثُمَّ سرقه منه جماعة ضعفاء وحدثوا به عن شَريك؛ فعلى هذا هو من أقسام المدرج. وقال ابن عدي (٢): إنَّه حديث مُنْكَرٌ لا يُعرف إلَّا بثابت، وسرقه منه الضعفاء: عبد الحميد بن بحر، وعبد الله بن شُبرُمة الشريكيُّ، وإسحاقُ بن بِشر الكاهليُّ، وموسى بن محمد أبو الطاهر المقدسيُّ، إلى آخر كلام العراقي (٣). وقد صرَّح بأنَّه مدْرَج على ما قاله ابن حِبَّان، و [بأنَّه موضوع على ما قاله أبو حاتم، وقد جَزم في المَتْن] (٤) بأنَّه موضوع، لم يقصدوا (هـ/١٣٦) [وضعه] (٥) وإنما وقع بطريق السهو والغفلة، ومثله ما صرح به في الشرح وقال ابن الصَّلاح: إنَّه يشبه الوضعَ (٦).

стр. 543

وَأَمَّا مُدْرَجُ المَتْنِ، فهُو أَنْ يَقَعَ في المتنِ كلامٌ ليسَ منهُ، فتارةً يكونُ في أَوَّلِهِ، وتارةً يكون في أَثنائِهِ، وتارةً يكون في آخِرِهِ -وهو الأكثرُ- لأنَّهُ يقعُ بعطفِ جُملةٍ على جُملةٍ، أو بِدَمْجِ مَوْقوفٍ مِن كلامِ الصَّحابةِ أَو مَنْ بَعْدَهُم بِمَرْفوعٍ مِن كلامِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مِن غيرِ فَصْلٍ، فهذا هُو مُدْرَجُ المَتْنِ. [قوله] (١): «وأَمَّا مُدْرَجُ المَتْنِ، فهُو: أَنْ يَقَعَ في المتنِ كَلَام ... إلخ»: يصدُق بما إذا كان الإدْراج من حديثٍ آخَرَ، أو من غير كلام النبيِّ ﵊، أي: سواء كان من كلام الصحابيِّ أو غيره، وسيأتي التمثيل لهما، قاله الكمال (٢)، وهذا يُبحث فيه من وجهين: الأول: إذا كان الإدْراج من حديثٍ آخَرَ، فقد قدَّم أنَّه مدرج الإسناد حيث قال: «أو يُروى أحدُ الحديثين بإسناده الخاص به، لكن يزيد فيه من المَتْن الآخر ما ليس في الأوَّل»، ويجاب بأنَّ هذا فيما إذا كان كلُّ واحد من الحديثين بإسناد عنده، وما هنا ما زاد فيه ليس إسناده عنده. الثاني: أنَّه يَذكر في مدْرَج المَتْن ما يفيد قصْره على دَمْج موقوف بمرفوع، وهو يخرج دمْج مرفوع بمرفوع، ودمْج غير موقوف بمرفوع، والأول هو الموافق للعراقيِّ كما يأتي، ومما يخرج أيضًا دمْج موقوفٍ بمقطوع أو بما دونه قاله (ج) (٣).

стр. 544

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي كتابة: «اعترُض قوله: «فهو أن يقع في المتن ... إلخ» بوجهين: أحدهما: أنَّ المدْرَج في المتن هو الواقع لا الوقوع. ثانيهما: أنَّه منطبِق على المدْرَج في الآخرِ؛ لأنَّه يُطلق عليه أنَّه في المتن» انتهى بمعناه. ويجاب عن الأول: بأنَّ الأصل هو أنْ يقع، أو حال مدْرَج المَتْن أنْ يقع، على أنَّ الحذف من الثاني أو من الأول. وعن الثاني: بأنَّ «في» للمصاحبة (هـ) (١)؛ فيصدُق الكلام بما في الأول، وبما في الأثناء، وبما في الوسَط؛ إذ المصاحبة العرفيَّة كذلك. [قوله] (٢): «فَتَارَةً ... إلخ»: مِثال ما أُدْرِج في أوَّل الحديث: ما رواه الخطيب من رواية أبي قَطن وشبَابة، عن شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أسْبغوا الوضوءَ، ويلٌ للأعقاب من النار» (٣)، فقوله: «أسبغوا الوضوء» من قول أبي هريرة، وُصل في الحديث في أوله كما بيَّنَتْه روايةُ البخاري في صحيحه عن آدم بن أبي إيَاس، عن شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة قال: «أسبغوا الوضوء؛ فإن أبا القاسم ﷺ قال: ويلٌ من الأعقاب من النار» (٤).

стр. 545

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قال الخطيب (١): وهمَ أبو قَطَن عمرو بن الهيثم وشبابة بن سوار في روايتهما هذا الحديثَ عن شعبة على ما سقناه، وذلك أنَّ قوله: «أسبغوا الوضوء» كلامُ أبي هريرة. وِمثال ما أُدرِج في وسَط الحديث: ما رواه الدَّارَقُطْنيُّ في «سننه» (٢) من رواية عبد الحميد بن جعفر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن بُسرة بنت صفوان أنَّها قالت: سمِعتُ الرسول ﵊ يقول: «مَن مَسَّ ذَكَرَه أو أُنثَيَيْهِ أو رُفغَهُ فليتوضأ». قال الدارقطنيُّ (٣): «كذا رواه عبد الحميد عن هشام، ووهم في ذكر الأنثيين والرُّفغ، وإدراجه ذلك في حديث بُسرة»، قال: «والمحفوظ أنَّ ذلك من قول عروة غير مرفوع، وكذلك رواه الثقات عن هشام، منهم: أيوب السَّختِيانيُّ وحمَّاد بن زيد وغيرهما»، [ثُمَّ رواه] (٤) من طريق أيوبَ (أ/١١٨) بلفظ: «من مسَّ ذكره فليتوضأ» (٥)» قال: «وكان عروة يقول: «إذا مسَّ رُفغيه أو أنثييه أو ذكره فليتوضأ»، وقال الخطيب: «تفرَّد عبد الحميد بذكر الأنثيين والرفغين، وليس من كلام الرسول، وإنَّما هو من قول عروة بن الزبير، فأدرَجَه الراوي في متن

стр. 546

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الحديث، وقد بيَّن ذلك حمادٌ وأيوب» انتهى (١). ومثال ما أُدْرج في آخر الحديث: ما رواه أبو داود: [قال: حدَّثنا عبد الله بن محمد العُقيليُّ، حدَّثنا زُهيرٌ] (٢)، حدَّثنا الحَسَن بن الحُرِّ، عن القاسم بن (هـ/١٣٧) مخُيمِرَة قال: أخذ علقمة بيدي فحدَّثني: «أنَّ عبد الله بن مسعود أخذ بيده، وأنَّ رسول الله أخذ بيد عبد الله وعلمنا التشهدَ والصلاة» قال: فذكر مثل حديث الأعمش: «إذا قلت هذا وقضيت هذا فقد قضيتَ صلاتك، إن شئت أن تقوم فقُمْ، وإن شئت أن تقعد فاقعد» (٣)، فقوله: «إذا قلت هذا ... إلخ» وصَله زُهير بن معاوية أبو خيثمة بالحديث المرفوع في رواية أبي داود (٤) هذه، فقال الحاكم: «قوله: «إذا قلت» هذا مُدْرجٌ في الحديث من كلام عبد الله بن مسعود» (٥). [قوله] (٦): «وَهُو الأَكْثَرُ ... إلخ»: أي: وقوعه في الآخر الأكثر، شِبه اعتذار عمَّا هو [ظاهر] (٧) كلامه كالعراقيِّ من أنَّه: لا يكون إلَّا في آخر الخبر.

стр. 547

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قوله: «لأنَّه يَقَعُ بِعْطْفِ جُمْلَةٍ ... إلخ»: لا يَصلُح تعليلًا للأكثريَّة، ولا لقوله: «وأمَّا مُدْرَج المَتْنِ ... إلخ»، والظاهر أنَّ الشيخ قَصَد تقسيم الإدْراج إلى: «ما يقع بعطف جملة على جملة» وإلى: «ما يقع بدمج موقوف» دون عطف، حينئذٍ فاللائق أنْ يقال: وإدراج المتن يقع بعطف جملة على أخرى، أو بدمج موقوف بمرفوع دون عطف. مثال ما وقع دون عطف: إدراج زُهير بن معاوية آخر حديث ابن مسعود «إذا قلت هذا ... إلخ». ومثال ما وقع فيه الإدراجُ بعطف جملة على أخرى: إدراج «ولا تنافسوا» في مَتْن: «ولا تباغضوا ... إلخ» كما مَرَّ. فقوله: «بمرفوع» يُحْتمل لأنْ تكون الباء بمعنى «مع»، أو بمعنى «من» كقوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ] ﴿الإنسان: ٦﴾، كما هو مذكور في عامَّة كتب النَّحو، وبه يُرَدُّ قولُ (ق) (١): «لم أقف على استعمال الباء بمعنى من»، نعمْ: لا معنى لمن التبعيضيَّة في هذا المَحِل، وقد يُقال باستقامة المعنى بتضمين الدَّمْج معنى التصيير، أي: بتصيير الموقوف بعض المرفوع. وقال (هـ) (٢): «قوله «لأنَّه يقع ... إلخ»، قال (ب): «لا يصلُح تعليلًا؛ لأنَّه لا فرق» انتهى. ونحوه قول الكمال في صلاحيَّته تعليلًا لما ذكر وقفه للمتأمِّل» انتهى. ويمكن أن يقال: إنَّه تعليل مطابِق؛ إذ الغالب في الإدْراج الواقع في الآخر العطف

стр. 548

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . المُشْعر بالتبعيَّة وعدم استقلال المعطوف، بخلاف ما يَقَع في الأوَّل فإنَّه يَدُلُّ على الاعتناء به؛ فَيُحمل على أنَّه من النُّبوَّة، وكذا ما في الوسَط، على أنَّه يمكِن حَمْل العطف على معناه اللُّغويِّ، والمعنى: أنَّ الجملة المتأخرة تعود على المتقدمة بتقْييد أو تفسير غريب أو نحو ذلك، تأمل. [قوله] (١): «أو بدَمْجِ مَوْقُوفٍ»: أي: وصله، ويقال: بدمش -بالشين- بَدَل الجيم، ومنه قوله: إذ ذاك إذ حبل الوصال مُدْمَشُ أي: مدمج. وفي قوله: «من كلام ... إلخ» إشارةٌ إلى أنَّ المراد: الموقوف اللُّغويُّ لا الصناعيُّ، وهو قَصْرُه على الصحابيِّ، ومن الأمثلة التي ذكرناها للأحكام التي ذكرها يُعلم ذلك، قاله (هـ) (٢). [قوله] (٣): «بمرفُوعٍ»: ممَّا فسرنا به الدَّمْج عُلِم أنَّ: «الباء» للإلصاق على حالها، وقد تحيَّر فيها المؤلِّف فقال: يُحْتمل أنْ تكون بمعنى «مِنْ»، أو بمعنى «مع»، إلى آخر ما نَقل (ق) (٤)، وقد

стр. 549

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . اعترضه (هـ) (١) بما يعلم الوقوف عليه، ثُمَّ قال: «فإن قُلْتَ: ما مثالُ وَصْلِ الموقوف بالمرفوع؟ قُلْتُ: ما يأتي في حديث الشِّغار من قوله، وهو: «البُضْعُ بالبضع»»، وكذا ما ذكرناه من قصة ثابت: «مَن كثُرت صلاته بالليل حَسُنَ وجهُه بالنهار». [قوله] (٢): «مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ»: أي: [بين] (٣) الحديث وبين ذلك المُدْمَج فيه، بألَّا يأتيَ بما يدلُّ على تميِيزه منه بصريح قول أو إشارة، وذلك بألَّا يَذْكُر قائله، ولا يأتي بما يشير إلى ذلك؛ فيَلْتَبِس على ما لا يَعْلَم حقيقة الحال، ويتوهَّم أنَّ المجموع مرفوع. تتمة: سببُ الإدراجِ الحامل عليه: إمَّا تفسير غريبة في الخبر كحديث النهي عن الشغار، حيث أدرَج (هـ/١٣٨) (أ/١١٩) فيه رواية، وهو: «البُضْع بالبُضْع» تفسيرًا للشغار؛ لغرابته على رأي، أو استنباط مما فهِمه من أحد رواته، كما فهِم عُروة بن الزبير من خبره: أنَّ الوضوء ينتقض بمسِّ ما هو مظنة للشهوة؛ فأدرَج: الأنثيين، والرفغ -بضم الراء وفتحها-: أصل الفخذ.

стр. 550

وَيُدْرَكُ الإِدراجُ: * بوُرُودِ روايةٍ مُفَصِّلةٍ للقَدْرِ المُدْرَجِ مِمَّا أُدْرِجَ فيهِ. * أَو بالتَّنصيصِ على ذَلكَ مِن الرَّاوي، أَو مِن بعضِ الأئمَّةِ المُطَّلعينَ. * أَوْ باسْتِحَالَةِ كونِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقولُ ذلك. وقَدْ صنَّفَ الخَطيبُ في المُدْرَجِ كتابًا، وَلخَّصْتُهُ وَزدتُ عليهِ قَدْرَ ما ذكَرَ مرَّتينِ أَو أَكثرَ، وللهِ الحمدُ. * أَوْ إِنْ كَانَتِ المُخالفةُ بِتَقْدِيمٍ أَو تَأْخيرٍ؛ أَيْ: في الأسماءِ كَمُرَّةَ بنِ كعبٍ، وكَعبِ بنِ مُرَّةَ؛ لأنَّ اسمَ أَحدِهِما اسمُ أَبي الآخَرِ، فهذا هو المَقْلُوبُ، وَللخَطيبِ فيهِ كتابُ يُسمى: «رافعِ الارْتِيابِ». [قوله] (١) «ويُدْرَكُ الإدْراجُ ... إلخ»: بيانٌ لما يوصل به للحكم بالإدراج، وذَكَر منه أربعة طرق، وكلُّها واضحة بما ذكرناه من الأمثلة. ومثال ما يستحيل قول النبي ﵊: ما في الصحيح عن أبي هريرة مرفوعًا: «للعبد المملوك أجران، والذي نفسي بيده لولا الجهادُ والحج وبرُّ أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك» (٢)، فقوله: «والذي ... إلخ» من كلام أبي هريرة؛ لأنَّه يمتنع عليه ﵊ الرِّق، وليست أمُّه إذ ذاك موجودة حتى يمنعه برُّها من تمنِّي ذلك.

стр. 551

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وحُكْم الإدْراج بأقسامه: أنَّه حرام بإجماع أهل الحديث والفقه (١)، لكن قال ابن السَّمعانيُّ (٢): «عندي أنَّ ما أُدرج لتفسير غريب لا يمتنع»، وكذلك فعله الزُّهْريُّ وغيره، والكتاب الذي ألَّفه المؤلِّف في هذا النَّوع يسمَّى بـ: «قرب المنهج بترتيب المدرج». [قوله] (٣): «كمُرَّةَ بنِ كَعْبٍ»: ومُسْلِم بن الوليد والوليد بن مُسْلِم، والأسود بن يزيد ويزيد بن الأسود. [قوله] (٤): «فهذا هو المَقْلُوبُ»: أي: النَّوع المُسمَّى بذلك، وسبب القَلْب فيه: اشتباهه بحسَب الذهن بأنْ يقع فيه أنَّ أحد الاسمين هو الآخر، وضابطه: أنْ يكون اسمُ أحد الراويين كاسم أبي الآخر خطًّا ولفظًا، واسم الآخر كاسم أبي الأول؛ فينقلِب على بعض أهل الحديث فيجعل أحد الاسمين مكان الآخر، كما انقلَب على البخاري في «تاريخه» ترجمة: مُسْلِم بن الوليد المدنيُّ، فجعله: الوليد بن مُسْلِم، كالوليد بن مُسْلِم الدمشقيِّ المشهور، وربما وقع مع ذلك تقديم وتأخير في بعض حروف الاسم المشتبه كأيوب بن يسار ويسار بن أيوب، وهذا الذي قُلناه هو ظاهر قوله

стр. 552

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . في الشرح: «لأنَّ اسم أحدهما -أي الراويين- اسم أبي الآخر»، ثُمَّ من أقوى القرائن على إرادة هذا المعنى: تصريحه باسم كتاب الخطيب المصنَّف فيه بأنَّه لم يصنَّف إلَّا في هذا النَّوع، وحينئذ فإمَّا أنَّه اختصر العَلَم كما هو الشائع إذ عَلَمُ هذا النَّوع -كما في الألفيَّة-: المشتبه المقلوب، وإمَّا أنَّهم قد يسمُّونه بأحدهما كما يسمونه بمجموعهما، ولا يمكِن حمله على ما نقله جمعٌ من تلامذته من أنَّه أراد بالمقلوب نوعًا آخَرَ ضابطُه كما قاله المؤلِّف، واللفظ لـ (ب) (١): «أنْ تختلِف الرواة في اسم واحدٍ؛ فيرويه بعضهم على الصواب ويَهِمَ بعضهم فيجعله أباه ويجعل أباه ابنه، كمُرَّة بن كَعب يجعله بعضهم: مرة بن كعب؛ لأنَّه يُنبئ عنه الشرح ويخالفه وضع الكتاب المصرح باسمه» انتهى، و «يَهِمُ» من الوهْم وهو الغلط. قوله: «رافع الارْتِيابِ»: اختصارٌ للعَلم، فإن اسمَ الكتاب: «رافع الارتياب في المقلوب من الأسماء والأنساب».

стр. 553

وقَدْ يَقَعُ القَلبُ في المتنِ أَيضًا؛ ويصير كحديثِ أَبي هُرَيرةَ ﵁ عندَ مُسْلمٍ في السَّبعةِ الَّذينَ يُظِلُّهُم اللهُ تحتَ ظلِّ عَرْشِهِ، ففيهِ: «وَ رَجُلٌ تَصدَّقَ بصدَقةٍ أَخْفاها حتَّى لا تَعْلَمَ يمينُهُ ما تُنْفِقُ شِمالُهُ»، فهذا ممَّا انْقَلَبَ على أَحدِ الرُّواةِ، وإِنَّما هو: «حتَّى لَا تعْلَمَ شِمالُهُ ما تُنْفِقُ يمينُهُ»؛ كما في «الصَّحيحينِ». أَوْ إِنْ كانتِ المُخالفةُ بِزيادةِ راوٍ في أَثناءِ الإِسنادِ، ومَنْ لم يَزِدْها أَتقَنُ ممَّن زَادَها، فَهَذا هُوَ المَزيدُ في مُتَّصِلِ الأَسانِيدِ. وشَرْطُهُ: أَنْ يقعَ التَّصريحُ بالسَّماعِ في مَوْضِعِ الزِّيادةِ، وإِلَّا فمتى كانَ مُعَنْعَنًا -مثلًا- ترجَّحَتِ الزِّيادةُ. [قوله] (١): «وقَدْ يَقَعُ القَلْبُ في المَتْن»: فيه إشارةٌ إلى قِلَّته، وضابطه أنْ يُعطي أحد الشيئين ما اشتَهر لغيره، ومثَّله البُلقينِيُّ بحديث رواه خُبيبُ بن عبد الرحمن، عن عمته أنيسة مرفوعًا: «إذا أذَّن ابن أم مَكتوم فكلوا واشربوا، وإذا أذَّن بلال فلا تأكلوا ولا تشربوا» (٢) الحديث، رواه أحمد وابن حِبَّان، والمشهور حديث ابن عمر وعائشة: «إن بلالًا يؤذن بليل، فكُلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مَكتوم» (٣)، ففي الرواية الأولى قَلْبٌ، ومَثَّله الجلال بما رواه الطبرانيُّ عن أبي هريرة: «إذا (هـ/١٣٩) أمرتكم بأمر فأتوه، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ما استطعتم» (٤)، ففيه قَلْبٌ؛ لأنَّ المعروف ما في الصحيحين: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم» (٥).

стр. 554

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . تتمة: صرحَّ بعض المشايخ بأنَّ شرط هذا النَّوع: ألا يَقَعَ عمْدًا كما يؤخذ مما يأتي للمؤلِّف. [قوله] (١): «أوْ بِزِيَادَةِ رَاوٍ»: وهو من إضافة المصدر لمفعوله مع حذف فاعله. [قوله] (٢): «فهذا هُو: المَزِيدُ في مُتَّصِلِ الأَسانِيدِ»: أي: النَّوع المُسمَّى بذلك، مثاله: ما روى ابن المبارك قال: حدَّثنا سفيان بن عبد الرحمن بن يزيد، حدَّثني بسر بن عبيد الله، سمعت أبا إدريسَ (أ/١٢٠) الخَوْلانيَّ، سَمِعتُ واثلة [يقول: سَمِعتُ] (٣) أبا مَرْثَدٍ يقول: سمعت الرسول يقول: «لا تَجْلِسوا على القُبور، ولا تُصَلُّوا إليها»، فذِكرُ سفيانَ وأبي إدريسَ في هذا الإسناد زيادةٌ ووهْمٌ، لكن الوهْم في سفيان عمن دون ابن المبارك؛ لأنَّ الثقات رَوَوْه عن ابن المبارك عن ابن يزيد (٤)، ومنهم مَنْ صرَّح فيه بالإخبار (٥)، والوهم في أبي إدريس من ابن المبارك؛ فإن الثقات رووه عن عبد الرحمن فلم يذكروا أبا إدريس، وقد حكم الأئمة كالبخاريِّ وغيره على ابن المبارك بالوَهْم

стр. 555

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فيه (١)، وقد صنف الخطيب في هذا النَّوع كتابا سماه بـ: «المَزِيد في مُتَّصِلِ الأسانيد». [قوله] (٢): «وَشَرْطُهُ»: أي: وشَرْط إلغاء المزيد، بمعنى جَعْل الحُكم للنَّاقص دون الزائد، «أنْ يَقَع التَّصريح من النَّاقص بالسَّماع في مَوْضِع تلك الزيادة» بتحقُّق سماعِه بدون واسطة، ولو عبر بدل السَّماع بما يدل على الاتصال ليَشْمَل: حدَّثنا، وسَمِعْت، وأخبرنا، وأنبأنا، وقال لي -على الراجح-؛ لكان أولى، وأنت إذا تأمَّلتَ وجدتَّ الشَرْط مجموع أمرين هذا أحدهما، وثانيهما: كون من لم يَذْكر تلك الزيادة أوثق ممَّن زادها، وإلَّا «ترجَّحَت الزيادة» أو الوقف، وقوله: «مَثلًا» [لعله] (٣) ذكره ليَدْخل [المؤنْأَنُ] (٤) والمرويُّ من غير حرف جر، وكلُّ ما لا يدل على الاتصال، وإنَّما ترجَّحَت الزيادة؛ لأنَّها من الثقة مقبولة. تنبيه: إذا وُجد الشَّرطُ قُدِّمت رواية من لم يزد للرجحان كما مَرَّ، ولاحتمال أنْ يكون مَن دُونَ الساقط أخذ الحديث عمن فوقه تارةً بواسطة الساقط، وتارةً بدون واسطة؛ فجاز أنْ يكون اقتَصر على روايته عنه دون الواسطة، وهذا كله ما لم تَقُم قرينةٌ تدلُّ على وهْم مَن زاد في الراوي الذي زاده، وإلَّا فلا كلام في تقديم النَّاقص عليه.

стр. 556

أَوْ إِنْ كَانَتِ المُخَالفةُ بِإِبْدَالِهِ -أَيْ: الرَّاوي- ولا مُرَجِّحَ لإِحْدَى الرِّوَايَتَينِ على الأخرى، فهَذَا هو المُضْطَرِبُ ، وهو يَقَعُ في الإِسنادِ غَالبًا، وقد يَقعُ في المَتْن. [قوله] (١): «أوْ بإبْدَالِه»: أي: الراوي، مقتضى كلامه حَصْرُ المُضْطَرِب في هذا، وليس كذلك؛ إذ منه ما رواه راوٍ واحدٌ بوجهين مختلفين، كما أشار له العراقيُّ بقوله: مُضْطَرِبُ الحَديثِ ما قَدْ وَرَدَا ... مُختَلِفًا مِن واحِدٍ فأَزْيَدَا (٢) وقال (هـ) (٣): «قوله: «بإبداله» أي: الراوي، قال (ب): أي: بإبدال الشيخ المرويِّ عنه، كأنْ يروي اثنان حديثًا فيرويَه أحدهُما عن شيخ، والآخر عن آخر، ويتَّفِقان فيما بعد ذلك الشَّيخ» انتهى. وبه تعرِف أنَّه من إضافة المصدر إلى مفعوله مع حذف فاعله، نعم في قوله: «راويان» فيه نظر، يُعْلَمُ ممَّا ذَكَرْناه فيما بعده، كما هو في المعطوف عليه وهو: «زيادة راوٍ» كذلك. [قوله] (٤): «ولا مُرَجِّح»: أي: فإنْ ترجَّحت إحدى الروايتين بمرجِّح لحِفْظ راويهما، أو كثرة صحبة (٥) لمن روى عنه، أو غير ذلك من وجوه المرجِّحات؛ فالحُكْم للراجح ولا يكون الحديث مضطربًا، والرواية الأخرى شاذَّةٌ أو مُنْكَرَةٌ على ما مَرَّ.

стр. 557

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . واعلم أنَّ الاضطراب يوجِب الضَّعفَ في الحديث؛ لإشعاره (١) بعدم الضبط الذي هو شرط الصحة أو الحُسْن، كذا أطْلَقه النوويُّ كابن الصَّلاح، لكن قال المؤلِّف: «إنَّ الاضطراب قد يُجامِع (هـ/١٤٠) الصِّحة، وذلك بأنْ يقع الاختلاف في اسم رجلٍ واحد وأبيه ونسبه ونحو ذلك، ويكون ثقة؛ فيُحْكم للحديث بالصِّحة، ولا يضرُّ الاختلاف في ذلك مع تسميته مضطربًا، وفي الصحيحين أحاديثُ كثيرة بهذه المثابة»، وسبقه لذلك الزركشيُّ في «مختصره» فقال: «قد يدخُل القَلْب كالشُّذوذ والاضطراب في قِسمَيِ الصحيح والحَسَن»، قاله (ج) (٢). [قوله] (٣): «فهذا هو: المُضْطَرِبُ»: بكسر الراء، وهو نوع من المعلَّلِ. واعلم أنَّ المضطرِب: ما وقع فيه الاختلاف ولو من راوٍ واحد في متن، أو في سَندٍ، أو فيهما، اختلافًا لا يمكِن معه الجَمْعُ من غير مرجِّح. فإنْ قُلْتَ: لأي شيءٍ اقتصر على إبدال الراوي؟ قُلْت: جريًا على الغالب، كما يُشير إليه بعده بقوله: «وقد يَقَعُ له في المَتْن ... إلخ». واحترزوا بقولهم: «ولا مُرَجِّح» عمَّا لو ترجَّح أحدُ جانبي الاختلاف على الآخر بوجه من وجوه الترجيح؛ فلا اضطراب لا للراجحة ولا للمرجوحة، نعم المرجوحة تكون شاذَّةً أو منكرة على ما مَرَّ، ويكون الحُكْم للراجحة، كما أنَّه لا اضطراب إذا أمكن

стр. 558

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . (أ/١٢١) الجمع بين جانبي الاختلاف، بحيث يمكن أنْ يُعبِّر المتكلم بمجموع فعل الألفاظ عن معنًى واحد أو يكون لفظ منها دالًّا على معنًى غير المعنى الذي دَلَّ عليه الآخر بحيث لا مناقضة وإن لم يترجَّح شيء، ويُستفاد من ذكر هذا النَّوع في قسم المردود: أن الاضطراب الذي لا يمكِن معه الجمع يوجِب ضَعْفَ الحديث؛ لإشعارٍ بعدم ضبط رَاويه أو رُواته المشترَط في صحَّة الحديث وحُسْنِه (١). تنبيه: أطْلَق النوويُّ (٢) وابن الصَّلاح (٣) القولَ بأنَّ الاضطراب يوجِب الضَّعف، وقال المؤلِّف: إنَّ الاضطراب يجامِع الصِّحة، وذلك بأنْ يَقَع الاختلاف في اسم ... إلى آخِرِ ما مَرَّ. [قوله] (٤): «وهو»: أي: الاضطراب المفهوم من المضطرِب «يَقَعُ في الإسناد غالبًا»، مثاله: سند حديث الخَطِّ المرويِّ بلفظ: «فإذا لم يجد عصًا ينصبها بين يديه فليَخُطَّ»، فقد اختُلِف فيه على رواية إسماعيل بن أُمية، فإنَّه روي عنه عن أبي عمرو بن (٥) محمد بن حُرَيث، عن جده حُرَيث، عن أبي هريرة، وروي عنه عن أبي عمرو بن محمد بن عمرو بن حُريث، عن جده حُريث بن سليم، عن أبي هريرة، وروي

стр. 559

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . عنه عن محمد بن عمرو بن حُريث، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة، وروي عنه غير ذلك؛ ومن ثَمَّ حَكَم غيرُ واحدٍ من الحفَّاظ باضطراب سنده، لكنَّ بعضهم صحَّحه ترجيحًا للرواية الأولى، بل قال الشارح: «هذه الروايات كلُّها قابلة لترجيح بعضها على بعض، والراجحة منها يمكِن التوفيق بينها وبين معارضتها»، قال: «والحق أنَّ التمثيل إنَّما يليق بحديثٍ لولا الاضطرابُ لم يضعف، وهذا الحديث ليس كذلك؛ فإنَّه ضعيف بدونه؛ لأنَّ شيخ إسماعيل مجهول». [قوله] (١): «وقد يَقَعُ في المَتْنِ»: مثاله: حديث فاطمة بنت قيس قالت: سألت، أو سئُل النبيُّ ﵊ عن الزكاة، فقال: «إنَّ في المال لحقًّا سوى الزكاة»، فرواه الترمذي (٢) هكذا، ورواه ابن ماجَهْ (٣) عنها بلفظ: «[ليس] في المال حقٌّ سوى الزكاة»، «لكنَّ سند الترمذي ضعيف؛ فلا يصلح مثالًا لما مَرَّ، على أنَّه يمكِن الجَمْع بحَمْل الحقِّ في الأوَّل على المستحب، وفي الثاني على الواجب» انتهى كلام بعض تلامذة المؤلِّف، وفيه بحثٌ: فإنَّ في المال حقًّا واجبًا غير الزكاة: كالمواساة، ونفقة من تجب نفقته من رَقيقٍ ونحوه، فالأَوْلى قول من قال: ليس في عَين المال حق سوى الزكاة، فتأمل.

стр. 560

لَكنْ قلَّ أَنْ يَحْكُمَ المُحدِّثُ على الحديثِ بالاضطرابِ بالنِّسبةِ إلى الاختلافِ في المَتْنِ دونَ الإِسنادِ. وقَدْ يَقَعُ الإِبدالُ عَمْدًا لمَن يُرادُ اخْتِبارُ حِفْظِهِ؛ امتحانًا مِن فاعِلِهِ، كما وقعَ للبُخاريِّ والعُقَيْليِّ وغيرِهِما، وشَرْطُهُ: أَلَّا يُستمرَّ عليهِ، بل ينتهي بانْتهاءِ الحاجةِ. فلَوْ وَقَعَ الإِبدالُ عمدًا لَا لمَصْلحةٍ، بل للإِغرابِ مثلًا، فهو مِن أَقسامِ الموضوعِ، ولو وقعَ غَلَطًا، فهُو مِن المقلوبِ أو المُعَلَّلِ. * أَوْ إِنْ كَانَتِ المُخالفةُ بتَغْييرِ حرفٍ أَو حُروفٍ مَعَ بَقاءِ صورةِ الخَطِّ في السِّياقِ. [قوله] (١): «لكِنْ قَلَّ ... إلخ»: «لأنَّ تلك وظيفة المجتهِد في الحُكْم» انتهى، وإيضاحه: أنَّ الفحص عن (هـ/١٤١) أحكام المُتون وظيفةُ المجتهدين وهم قليل، بخلاف الأسانيد، ويمكِن أنْ يوجَّه أيضًا بما قال (ق) (٢): «عَرَفْتَ أنَّ المضطرِب نوع من المعلَّل، والعلَّة تجيء غالبًا في السند فتقدَح في المتن، وقد لا تقدْح، كما مَرَّ». [قوله] (٣): «وقد يَقَعُ الإِبْدَالُ عَمْدًا»: ربما تشعر «قد» بقلَّة، ولعلَّ المراد بها النِّسبيَّة؛ فلا يعارضه قول العراقيِّ في هذا النَّوع من القَلْب: «وهذا يفعله أهل الحديث كثيرًا»، قال: «وممَّن فعله: شعبة، وحماد بن سلمة».

стр. 561

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «امْتِحانًا»: إمَّا لحفظه، أو لأنْ يَقبلَ التَّلقين أم لا؟. [قوله] (٢): «كما وَقَع للبُخاريِّ ... إلخ»: وذلك أنَّه لَما قدِم بغداد وسمع به أصحاب الحديث؛ اجتمعوا وعَمدوا إلى مئة حديث، فقَلَبوا مُتُونها وأسانيدها، وجعلوا مَتْن هذا الإسناد لإسنادٍ آخَرَ، وإسناد هذا المَتْن لمَتْنٍ آخَرَ، ودفعوها إلى عشَرة رجال، لكلِّ رجل منهم عشرة أحاديث، وأمروهم إذا حضروا المجلس أنْ يُلْقوا تلك الأحاديث على البخاريِّ، وأخذوا موعدًا للمجلس، فلمَّا حضروا المجلس شَهِده جماعة من أهل الحديث من الغرباء من أهل خراسانَ وغيرهم، فلما اطمأن المجلس بأهله، انتَدَب إليه رجلٌ من العشرة فسأله عن حديثٍ من تلك الأحاديث؛ فقال البخاري: لا أعرفه، ولم يزل يُلقي عليه واحدًا بعد الآخر حتى فرغ من عَشَرته، والبخاري يقول: لا أعرفه، ثُمَّ انتَدَب إليه: الثاني والثالث والرابع والخامس والسادس والسابع والثامن والتاسع والعاشر كذلك، فلمَّا فرغوا وعَرَف ذلك؛ التفت إلى الأوَّل منهم فقال: أمَّا حديثُك الأول فسنده (أ/١٢٢) كذا، وحديثك الثاني سنده كذا، على الولاء حتى أتى على تمام العشَرة، فرَدَّ كلَّ مَتْنٍ إلى

стр. 562

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . إسناده، وكلَّ إسنادٍ إلى مَتْنِه، وفعل بالآخرين كذلك؛ فأقرُّوا له بالحفظ والفضل (١). [قوله] (٢): «والعُقَيْليِّ»: بضم العين وفتح القاف (٣). [قوله] (٤): «وشَرْطُه»: أي: وشرط جوازه المفهوم من المقام، «أنْ [لا] (٥) يُسْتَمَرَّ» بالبناء للمفعول، أي: لا يداوم عليه «بل يُنتهَى» بالبناء للمفعول، والأصل: يُنتهى عنه، ويُحْتمل البناء للفاعل فيما أنْ لا يَسْتَمرَّ الفاعل له لغرضٍ صحيح عليه، بلْ ينتهي عنه بانتهاء الحاجة لا أزيد؛ لئلا يظن أنَّ المبدَّل عن صورته ورَدَ عنه ﷺ كذلك. [قوله] (٦): «فلو وَقَعَ الإبدالُ ... إلخ»: الظاهر أنَّه جواب سؤال مقدر ظاهر التقدير، وكذا قوله بعد: «ولو وَقَعَ غَلَطًا ... إلخ».

стр. 563

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقوله: «بل لإِغْرَابٍ»: أي: لقَصْد الإغراب بحيث يعده الناس غريبًا، أي: أمرًا مُستغرَبًا مستظرفًا نفيسًا عزيزًا؛ فيرغبون فيه، ويهْتَبلون بأخذه عند سماعه منه، فالمراد: الغرابة اللُّغويَّةُ لا العُرْفيَّة، وممَّن كان يفعله: حمَّاد بن عمرو النَّصيبيُّ، حيث روى الحديث المشهور بسُهيل بن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا: «إذا لقيتم المشركين في طريق فلا تبدؤوهم بالسلام» (١) الحديثَ، عن الأعمش، عن أبي صالح ليُغْرب به، وهو لا يُعرف عن الأعمش كما صرح به أبو جعفر العُقَيْليُّ، وللخوف من ذلك كَرِه أهل الحديث تتبُّعَ الغرائب (٢). وقوله: «فهو مِن المَقْلُوبِ أو المُعَلَّلِ»: يَحْتمل هذا الترديد الشَّك، ويَحْتمل التنويع. وفي كتابة: قوله: «ولو وَقَع غَلَطًا ... إلخ» اعلم أنَّ العراقيَّ جَعَل من المقلوب: ما وقع فيه القَلْبُ عَمْدًا، وليس هذا بمُنافٍ لما هنا؛ وذلك لأنَّ حاصل ما يفيده كلام العراقيِّ: أنَّ القَلْب يكون عَمْدًا ويكون خَطأً، وهذا لا ينافي أنَّ ما هنا من القسم الثاني، ونص العراقيِّ: وَقَسَّموا المَقْلُوبَ ... إلخ.

стр. 564

فَإِنْ كَانَ ذَلكَ بالنِّسبةِ إِلى النَّقْطِ؛ فالمُصَحَّفُ. وَإِنْ كانَ بالنِّسبةِ إلى الشَّكْلِ؛ فالمُحَرَّفُ، ومَعْرفةُ هذا النَّوعِ مُهمَّةٌ. وقَدْ صنَّف فِيهِ: العَسْكَريُّ، والدَّارَقُطنِيُّ، وغَيرُهما. وأَكثرُ ما يقعُ في المُتُونِ، وقد يَقعُ في الأسماءِ الَّتي في الأسانيدِ. [قوله] (١): «فإنْ كان كذلك ... إلخ»: يعني التغْيِيرَ «بالنِّسبة إلى النَّقط» يُحْتمل فتح النون مع سكون القاف، مصدر نَقَطَ ينْقُطُ، مثل: كتب يكتب، ويُحْتمل ضم النون مع فتح القاف جمع نُقطة كنُكتة، وحاصله: أنَّ المُصَحَّف: ما غُيِّر نَقْطه، كان معه تغْيير هيئتة كتغْير «سِتًّا» من شوال: «شيئًا»، وكـ «بَشير» مُكبرًا بِـ «بُشَير» مصغرًا، أو لا: كتغْيير «صانعًا» بِـ «ضائعًا»، و «ندَر» ب «بذَر». وقوله: «وإنْ كان»: أي (٢): التغْيير «بالنِّسبة إلى الشَّكل» يعني فقط، والمراد به هنا: الهيئيَّة اللاحقة للألفاظ، مثل تحريف: [«قُرس» بـ «فُرس»] (٣)، و «عُود الخشب» (٤) بـ «عَود الإبل» وهو مسنها (٥).

стр. 565

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي كتابة: قوله: «بتغيير حروف» أي: بتغْيير له مُلابَسة وتعلُّق بالحروف، أعمُّ من أنْ يكون تغْيير ذواتها أو هيئاتها؛ فالإضافة لأدْنى مُلابَسة، وبه يظهر وَجه العبارة وإن استَتَر على بعضٍ. وبعبارة: «وإنْ كانت المُخَالفَة ... إلخ» اعترضه (ق) (١) فقال: «قُلْتُ: لا يظهر لهذا السياق كبيرُ معنًى، ويَخْرُج من الشَّرح نظرٌ في المتن؛ لأنَّ صريح الشَّرح: أنَّ ما وقع التغْيير فيه بالنِّسبة إلى حركة الحروف، وصريح المتن: أنْ يكون بتغيير الحروف، وليس كذلك؛ فالتاء تاء سواء كانت مضمومة أو مفتوحة أو مكسورة، وإذا كان المراد أعمَّ من تغيير الذات والهيئيَّة فما وَجْهُه؟» انتهى. وقد يُقال: في الكلام حذف مضاف، أي: بتغْيير هيئة حرف، وتُجعل الهيئيَّة شاملة للفظ والشكل، والمراد بذات الحَرف: صورته الخطيَّة، والمراد بتغْيير الحرف: ما يشمَل تغْيير ذاته وتغْيير هيئته. واحترز بقوله: «مع بقاء ... إلخ» عمَّا يتبدل به صورة الخط بحيث لا يَشتبه، وإنْ أَطْلَق عليه المصنِّفون في هذا الفن اسمَ: التَّصْحيف، كقول ابنِ لَهِيعة في حديث زيد بن ثابت: «احتجم النبيُّ ﵊ في المسجد» مكان: «احتجر» أي: اتخذه حُجرة من حصيرٍ ونحوه، بإبدال الراء ميمًا (٢).

стр. 566

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقوله: «فالمُصَحَّفُ»: أي: فالواقع فيه ذاك المُصَحَّف بالنسبة إلى الشَّكل، مثاله: تصحيف بعضهم «العَنَزة» التي كان المصطفى يُصلي إليها، [وهي بالتحريك] (١): رُمحٌ فوق العصى ودون الرُّمح بـ «العَنْزَة» بالسكون، بمعنى الأنثى من المَعْز. وبعبارة: مثال المحرَّف قول الإسماعيليِّ في حديث عائشة: «قَرُّ الزُّجاجة» بالزاي، أي: المضمومة، وإنَّما هو الدَّجاجة بالدال المهملة. (أ/١٢٣) [قوله] (٢): «ومَعْرِفَة هذا النَّوْعِ ... إلخ»: المراد بالنَّوع ما تغَيَّرتْ حروفه مع بقاء صورتها الخطية في السياق؛ فيشمل المُصَحَّفَ والمحرَّف. تنبيه: في خط المؤلِّف: «مهمة»، ووقع عند بعضهم «مهم» ووَجْهُه: أنَّ المعرفة بمعنى الإدراك والعلم. [قوله] (٣): «العَسْكَرِيُّ»: هو أبو أحمدَ، نِسبة إلى العَسْكر، مدينة معروفة.

стр. 567

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «وأكثرُ ما يَقَع في المُتُون»: كتصحيف الصوليِّ «ستًّا من شوال»: «شيئًا»، في حديث: «من صام رمضان وأتبعه ستًّا»، وكتصحيف محمد بن المثنَّى «تَيْعَر» بـ: «تَنْعِر»، من حديث: «أو شاة تيعر» (٢)، وكتصحيف وكيع في حديث معاوية: «لعَن رسول الله ﷺ [الذين] (٣) يشققون الحطب» (٤) بفتح الحاء المهملة، وإنَّما هو بالخاء المعجمة، وصحَّف بعضهم حديث «زُرْ غبا تزدد حُبًّا» (٥): «زَرْعُنَا تَردَدْ حِنَّا»» وفسَّره بأنَّ قومًا كانوا لا يؤدون زكاة زرعهم فصارت كلُّها حِنَّاءَ (٦). [قوله] (٧): «وقد يَقَعُ (٨) في الأسماء ... إلخ»: كتصحيف محمد بن جرير الطَّبَري «عتبة بن الندر» بالنون والدال المهملة بـ: «البذر» بالموحدة والذال المعجمة، وكتصحيف يحيى بن معين «العوام بن مراجم» بالميم والراء المهملة والجيم بـ: «مزاحم» بزاي وحاء مهملة.

стр. 568

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . تنبيه (١): إنما يكثر التصحيف في المشتبه وما قاربه ومسمى اللفظ، ويقاربه تصحيف المعنى فقط مع بقاء اللفظ بحاله، كتصحيف أبي موسى محمد بن المُثنَّى العَنزيِّ -أحد مشايخ الأئمة الستة- «العَنَزة» -بفتحات-، بمعنى: الرمح القصير المركب في زُجٍّ من حديد، وهي التي كانت ترْكز بين يدي المصطفى ﷺ ليُصَليَ إليها بـ: القبيلة التي يُنسب إليها حيث قال يومًا: «نحن قوم لنا شرفٌ؛ نحن من «عَنَزَة» قد صلى النبيُّ إلينا» ذكره الدارقطنيُّ (٢). وقد يقع التصحيف في اللفظ والمعنى جميعًا، نحو ما رواه الحاكم عن أعرابي: أنه زعم في حديث: «أنه ﷺ [كان] (٣) إذا صلى نُصبت بين يديه عَنَزَة» فصحَّفها (٤): «عنْزة» بإسكان النون، يريد بها الشَّاة، ثُمَّ رواه على وجهه فأخطأ في ذلك من وجهين. ومن التصحيف نوع يسمَّى: تصحيف السَّمْع، وضابطه: أنْ يكون الاسم واللقب أو الاسم واسم الأب على وزن اسمٍ آخَرَ ولقبِه أو اسمٍ آخر واسمٍ آخر، والحروف مختلِفة شكْلًا ونقطًا، فيشتبه ذلك على السَّمع، كأنْ

стр. 569

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يكون الحديث لعاصم الأحول فيجعله بعضهم عن واصل الأحدب ذكره الدارقطنيُّ، وكذا عكسه. مثاله: ما ذكره النسائي (١) عن يزيد بن هارون، عن شعبة، عن عاصم، عن أبي وائل، عن ابن مسعود حديث: «أيُّ الذنب أعظم» الحديثَ، وذلك ذَكَره الخطيب في «المدرج» (٢): من طريق مهدي بن ميمون، عن عاصم الأحول، والصواب: واصل الأحدب مكان عاصم الأحول من طريق شعبة و مهدي وغيرهما (٣)، كما هو مبسوط في محله؛ فما ذَكَره المؤلِّف ينطَبِق على تصحيف اللفظ فقط، أو اللفظ والمعنى، كما ينطَبِق على تصحيف السَّمع أيضًا، وعلى ما يقع في المُشتبه وما يقع في غيره «كاحتجم» في «احتجَر»، ولا ينطبق على تصحيف المعنى فقط، ثُمَّ إنَّ ما قابَل تصحيف السَّمع من المُشتبه يسمَّى عندهم بتصحيف البصر؛ لالتباس حروفه على البصر.

стр. 570

ولا يَجُوزُ تَعَمُّدُ تَغْييرِ صورَةِ المَتْنِ مُطلقًا، ولا الاختصارُ منه بالنَّقْصِ، ولا إِبْدالُ اللَّفْظِ المُرادِفِ باللَّفْظِ المُرادِفِ لهُ؛ إِلَّا لِعَالِمٍ بمَدْلولاتِ الألْفاظِ، وبِما يُحيلُ المَعاني على الصَّحيحِ في المسأَلَتَيْنِ: [قوله] (١): «ولا يَجُوزُ تَعَمُّدُ تَغْييرِ صورَةِ المَتْنِ»: المراد بـ «صورة المتن» هو لفظ النبيِّ ﷺ وقوله وهيئته التركيبيَّة؛ بدليل ما بعده. وقوله: «مُطْلَقًا»: قال (ق) (٢): «أي: سواء كان في المفردات أو في المركبات» انتهى. قُلْتُ: هو بيانٌ قاصِر، والأوْلى أنَّ تفصيل هذا الإطلاق يُعْلَم من تفصيل مقابل الأكثرين في المسألتين الآتيين، نعم: استُفيد منه ما يَدْفع حَيْرة كبيرة، وهو بيان أنَّ الإطلاق في الشَّرح في مقابلة التقْييد الواقع فيه لا الواقع في المتن، وإلَّا تناقض الكلام؛ فإنَّ النَّقص والإبدال بالمرادف تغْييرٌ لصورة المَتْن، وقد حُكِم بمَنْع تعَمُّدِ تغْييرها مُطْلَقًا، فتدبَّره. وقوله: «المُرَادِفِ»: لا يريد به خصوص المترادفين صناعةً بل لغةً؛ فيصدُق بإبدال أحد المتساويين بالآخر؛ ولذا عبَّر المَحَلِّيُّ بالمساوي في المراد منه وفهمه، [قاله] (٣) (هـ) (٤).

стр. 571

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي كتابة: اعلمْ أنَّ هذه الجملة أعني قوله: «ولا يجوز ... إلخ» مُشتمِلة [على] (١) مسألتين: (أ/١٢٤) الأولى: رواية الحديث بالمعنى ولو بلفظ مرادف في قوله بعد: «ولا إبدال اللفظ ... إلخ» من تتمة هذا، أو كان حقُّه أنْ يقدَّمه على قوله: «ولا الاختصارُ منه بالنَّقْصِ ... إلخ». والثانية: ذِكْرُ بعض الحديث وحَذْف بعضه، أي: يَذْكُر بعض اللفظ ويحذِف بعضه من غَير أنْ يحصل فيه تغْير بذلك، وأشار لهذه بقوله: «ولا الاختصارُ منه بالنَّقْصِ». [قوله] (٢): «ولا إِبْدالُ اللَّفْظِ» من تتمة المسألة الأولى وهي روايته بالمعنى؛ ففي كلامه تشتت، فقوله: «ولا يَجُوزُ تَغْييرُ صورَةِ المَتْنِ مُطْلَقًا» أي: بأنْ يرويَه بالمعنى بلفظٍ غَيرِ مرادفٍ للفظه ومعناه مُطْلَقًا، سواء كان في المفردات أو المركبات، وسواء كان التغْيير في جميع لفظه أو بعضه، ومقتضى كلام الشارح جَعل الإطلاق شاملًا لما ذُكِر، ولمن يستحضِر لفظ الحديث، أو يستحضِر معناه فقط، وسواء كان من يستحضر معناه فقط حَفِظ لفظه قبل ذلك ونسيه أو لم يَنْسَهُ. وإنَّما قُيِّد بقولنا: غير مرادِف؛ لأنَّه يَذْكره بعدُ بقوله: «ولا إِبْدالُ اللَّفْظِ المُرادِفِ باللَّفْظِ المُرادِفِ لهُ». وقوله: «إلَّا لعالِمٍ» راجع للثلاثة، ومفهومه جواز ذلك للعالم، أمَّا في رواية الحديث بالمعنى فهو (هـ/١٤٤) قول الأكثر، وأمَّا في مسألة النَّقص فهو القول الصَّحيح. وفي كتابة قوله: «لا يجوز تعمُّد تغْيير المَتْن بالنَّقص والمرادِف إلا لعالمٍ بما يُحِيل المعاني» هكذا المَتْن فتتعلَّق بالسببيَّة في قوله: «بالنَّقص» وما عطف عليه

стр. 572

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بـ «التغْيير» بيانًا لنوعيه، ولمَّا زاد الشارح لفظ الاختصار تعلق المتعاطفان به ففسَد المعنى؛ لعدم شموله للتغْيير بمرادِفٍ لا ينشأ منه اختصار، اللهمَّ إلَّا أنْ يُجْعل قوله: «[ولا الاختصار ولا الإبدال] (١)» بتقدير مضاف، أي: ولا تعمُّد الاختصار ولا تعمُّد الإبدال، مع «ولا الاختصار ولا الإبدال» معطوفين (٢) على «تعمُّد التغْيير» عطف مفصَّل على مجمل (٣)، [و] (٤) لا يخفى ما فيه من التَّعَسُّف. ثُمَّ إنَّه يعتبر في الرواية بالمعنى: تساويهما في فَهْم المعنى من كلٍّ في الجلاء والخفاء؛ فلا يُبدَل لفظٌ ظاهر الدلالة على ذلك المعنى بأخفى منه، ولا العكس؛ لأنَّه ينشأ تقديم ما رُتبته التأخر أو العكس؛ لوجوب تقديم جَليِّ الخبرِ من المتعارضين على مخالِفه، قاله الجلال المَحلِّي. ثُمَّ إنَّ الخلاف في الرواية بالمعنى يُستثنى منه مسائلُ اتُّفِقَ على المَنْع فيها: «أحدها: ما تُعبِّد بلفظه من الأذكار؛ كالأذان وتكبير الصلاة. ثانيها: ما هو من جوامع الكلم نحو: « ... الخَراج بالضَّمان» (٥)، و «فِعْلُ العَجْماء جُبَارٌ» (٦) و «لا ضرَر ولا ضِرارَ» (٧).

стр. 573

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الثالثة: المتشابِه لا يجوز روايته بالمعنى، بل يُنْقل بلفظه؛ ليقع الإيمان بلفظه من غير تأويل أو به، على خلاف في ذلك» انتهى. وفي عبارة: «ومحلُّ الخلاف في غير ما تُعبِّد بألفاظه من الأحاديث، أمَّا هو فلا يُروى بالمعنى كالأذان والتشهد والتعليم» قاله المحلِّي، وقياسه: ألفاظ الأذكار الواردة عن النبيِّ ﵊ من تسبيح وغيره، وينبغي أنَّ أعدادَها من هذا القبيل أيضًا، ولعلَّه مَدْرَك من مَنَع الزيادة والنقصان فيها؛ ولذا مَنَع رواية القرآن بالمعنى أنَّه متعبَّدٌ بألفاظه إجماعًا. وفي كتابة: قوله: «إلَّا لعالمٍ» راجعٌ للحُكمين السابقين، و «اللام» بعد «إلَّا» مُنبِّهة على جَعلها ملاحظة مع المستثنى منه، أي: لا يجوز شيء من الأمرين المذكورين لأحدٍ إلا لعالمٍ ... إلخ. فإنْ قُلْتَ: العِلْمُ بمدلولات الألفاظ لا حاجة لذِكْره بل ما اقتصر عليه في المَتْن كافٍ، قُلْتُ: لمَّا عَبَّر به وبعضهم بما في المَتْن جمع المؤلِّف بين العبارتين متنًا وشرحًا، وإنْ أغنى أحدُهما عن الآخر، وجَعَل العطف تفسيريًّا أو قريبًا منه؛ لئلا يُتوهَّم التخالُفُ كما لا يَخْفى، والحقُّ ترادف العلم والمعرفة، فالعالم والعارف كذلك. [قوله] (١): «في المسألتين»: أي: مسألةِ الاقتصار على بعض الحديث، ومسألةِ الرواية بالمعنى، المشار إلى أُولاهما بقوله: «بالنَّقص»، وإلى ثانيهما بقوله: «والمرادِف».

стр. 574

أَمَّا اخْتِصارُ الحَديثِ ؛ فالأكْثَرونَ على جَوازِهِ بِشرطِ أَنْ يكونَ الَّذي يختَصِرُهُ عَالِمًا؛ لأنَّ العالِمَ لا يَنْقُصُ مِن الحديثِ إِلَّا ما لَا تَعلُّقَ لَهُ بما يُبْقيهِ منهُ؛ بحيثُ لا تختِلفُ الدَّلالةُ، ولا يختَلُّ البَيانُ، حتَّى يكونَ المَذكورُ والمَحذوفُ بمَنزِلَةِ خَبَرينِ، أَو يَدُلُّ ما ذَكَرَهُ عَلَى ما حَذَفَهُ، بخِلافِ الجاهِلِ، فإِنَّهُ قد يَنْقُصُ ما لَهُ تعلُّقٌ؛ كتَرْكِ الاستِثْناءِ. وَأَمَّا الرِّاويةُ بالمَعْنى؛ فالخِلَافُ فيها شَهيرٌ، والأكثرُ على الجَوازِ أَيضًا، ومِن أَقوى حُجَجهِم: الإِجماعُ على جَوازِ شرحِ الشَّريعةِ للعَجَمِ بلسانِهِم للعارِفِ بهِ، فإِذا جازَ الإِبدالُ بلُغةٍ أُخرى، فجوازُهُ باللُّغةِ العربيَّةِ أَوْلَى. وَقيلَ: إِنَّما يَجُوزُ في المُفْرَداتِ دونَ المُرَكَّباتِ. [قوله] (١): «فالأَكْثَرُونَ ... إلخ»: مقابلُ قول الأكثرين قولان؛ أحدهما: المَنْع مُطْلَقًا؛ لأنَّ رواية الحديث ناقصًا تقطعُه وتغَيِّره عن وجهه، وثانيهما: الجواز إنْ أتمَّ إيراد الحديث منه أو مِن غيره مرةً أخرى؛ ليُؤمَن (أ/١٢٥) بذلك من تفويت حُكْمٍ أو نحوه، وإلَّا فلا، ولو جوَّز قائله الرواية بالمعنى -كما قاله ابن الصَّلاح وغيره- فليس في المسألة على هذا عند الشارح إلَّا ثلاثة أقوال: المنع مُطْلَقًا، والجواز كذلك، والتفصيل؛ لأنَّه جَعَل موضوع الخلاف: اقتصار العالم بمدلولات الألفاظ وبما يخل المعنى، فلا يتأتَّى القول الرابع وهو: جواز ذلك للعالم دون غيره، وهذا ما حرره المؤلِّف في غير هذا الكتاب معترِضًا به على العراقيِّ في الرابع بقوله:
следующие страницы →