← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 320

حاشية الخرشي منتهى الرغبة في حل ألفاظ النخبة

الخرشي = الخراشي

Полный текст (886 стр.). Показаны 570–609 · переход к 575.

стр. 570

ولا يَجُوزُ تَعَمُّدُ تَغْييرِ صورَةِ المَتْنِ مُطلقًا، ولا الاختصارُ منه بالنَّقْصِ، ولا إِبْدالُ اللَّفْظِ المُرادِفِ باللَّفْظِ المُرادِفِ لهُ؛ إِلَّا لِعَالِمٍ بمَدْلولاتِ الألْفاظِ، وبِما يُحيلُ المَعاني على الصَّحيحِ في المسأَلَتَيْنِ: [قوله] (١): «ولا يَجُوزُ تَعَمُّدُ تَغْييرِ صورَةِ المَتْنِ»: المراد بـ «صورة المتن» هو لفظ النبيِّ ﷺ وقوله وهيئته التركيبيَّة؛ بدليل ما بعده. وقوله: «مُطْلَقًا»: قال (ق) (٢): «أي: سواء كان في المفردات أو في المركبات» انتهى. قُلْتُ: هو بيانٌ قاصِر، والأوْلى أنَّ تفصيل هذا الإطلاق يُعْلَم من تفصيل مقابل الأكثرين في المسألتين الآتيين، نعم: استُفيد منه ما يَدْفع حَيْرة كبيرة، وهو بيان أنَّ الإطلاق في الشَّرح في مقابلة التقْييد الواقع فيه لا الواقع في المتن، وإلَّا تناقض الكلام؛ فإنَّ النَّقص والإبدال بالمرادف تغْييرٌ لصورة المَتْن، وقد حُكِم بمَنْع تعَمُّدِ تغْييرها مُطْلَقًا، فتدبَّره. وقوله: «المُرَادِفِ»: لا يريد به خصوص المترادفين صناعةً بل لغةً؛ فيصدُق بإبدال أحد المتساويين بالآخر؛ ولذا عبَّر المَحَلِّيُّ بالمساوي في المراد منه وفهمه، [قاله] (٣) (هـ) (٤).

стр. 571

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي كتابة: اعلمْ أنَّ هذه الجملة أعني قوله: «ولا يجوز ... إلخ» مُشتمِلة [على] (١) مسألتين: (أ/١٢٤) الأولى: رواية الحديث بالمعنى ولو بلفظ مرادف في قوله بعد: «ولا إبدال اللفظ ... إلخ» من تتمة هذا، أو كان حقُّه أنْ يقدَّمه على قوله: «ولا الاختصارُ منه بالنَّقْصِ ... إلخ». والثانية: ذِكْرُ بعض الحديث وحَذْف بعضه، أي: يَذْكُر بعض اللفظ ويحذِف بعضه من غَير أنْ يحصل فيه تغْير بذلك، وأشار لهذه بقوله: «ولا الاختصارُ منه بالنَّقْصِ». [قوله] (٢): «ولا إِبْدالُ اللَّفْظِ» من تتمة المسألة الأولى وهي روايته بالمعنى؛ ففي كلامه تشتت، فقوله: «ولا يَجُوزُ تَغْييرُ صورَةِ المَتْنِ مُطْلَقًا» أي: بأنْ يرويَه بالمعنى بلفظٍ غَيرِ مرادفٍ للفظه ومعناه مُطْلَقًا، سواء كان في المفردات أو المركبات، وسواء كان التغْيير في جميع لفظه أو بعضه، ومقتضى كلام الشارح جَعل الإطلاق شاملًا لما ذُكِر، ولمن يستحضِر لفظ الحديث، أو يستحضِر معناه فقط، وسواء كان من يستحضر معناه فقط حَفِظ لفظه قبل ذلك ونسيه أو لم يَنْسَهُ. وإنَّما قُيِّد بقولنا: غير مرادِف؛ لأنَّه يَذْكره بعدُ بقوله: «ولا إِبْدالُ اللَّفْظِ المُرادِفِ باللَّفْظِ المُرادِفِ لهُ». وقوله: «إلَّا لعالِمٍ» راجع للثلاثة، ومفهومه جواز ذلك للعالم، أمَّا في رواية الحديث بالمعنى فهو (هـ/١٤٤) قول الأكثر، وأمَّا في مسألة النَّقص فهو القول الصَّحيح. وفي كتابة قوله: «لا يجوز تعمُّد تغْيير المَتْن بالنَّقص والمرادِف إلا لعالمٍ بما يُحِيل المعاني» هكذا المَتْن فتتعلَّق بالسببيَّة في قوله: «بالنَّقص» وما عطف عليه

стр. 572

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بـ «التغْيير» بيانًا لنوعيه، ولمَّا زاد الشارح لفظ الاختصار تعلق المتعاطفان به ففسَد المعنى؛ لعدم شموله للتغْيير بمرادِفٍ لا ينشأ منه اختصار، اللهمَّ إلَّا أنْ يُجْعل قوله: «[ولا الاختصار ولا الإبدال] (١)» بتقدير مضاف، أي: ولا تعمُّد الاختصار ولا تعمُّد الإبدال، مع «ولا الاختصار ولا الإبدال» معطوفين (٢) على «تعمُّد التغْيير» عطف مفصَّل على مجمل (٣)، [و] (٤) لا يخفى ما فيه من التَّعَسُّف. ثُمَّ إنَّه يعتبر في الرواية بالمعنى: تساويهما في فَهْم المعنى من كلٍّ في الجلاء والخفاء؛ فلا يُبدَل لفظٌ ظاهر الدلالة على ذلك المعنى بأخفى منه، ولا العكس؛ لأنَّه ينشأ تقديم ما رُتبته التأخر أو العكس؛ لوجوب تقديم جَليِّ الخبرِ من المتعارضين على مخالِفه، قاله الجلال المَحلِّي. ثُمَّ إنَّ الخلاف في الرواية بالمعنى يُستثنى منه مسائلُ اتُّفِقَ على المَنْع فيها: «أحدها: ما تُعبِّد بلفظه من الأذكار؛ كالأذان وتكبير الصلاة. ثانيها: ما هو من جوامع الكلم نحو: « ... الخَراج بالضَّمان» (٥)، و «فِعْلُ العَجْماء جُبَارٌ» (٦) و «لا ضرَر ولا ضِرارَ» (٧).

стр. 573

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الثالثة: المتشابِه لا يجوز روايته بالمعنى، بل يُنْقل بلفظه؛ ليقع الإيمان بلفظه من غير تأويل أو به، على خلاف في ذلك» انتهى. وفي عبارة: «ومحلُّ الخلاف في غير ما تُعبِّد بألفاظه من الأحاديث، أمَّا هو فلا يُروى بالمعنى كالأذان والتشهد والتعليم» قاله المحلِّي، وقياسه: ألفاظ الأذكار الواردة عن النبيِّ ﵊ من تسبيح وغيره، وينبغي أنَّ أعدادَها من هذا القبيل أيضًا، ولعلَّه مَدْرَك من مَنَع الزيادة والنقصان فيها؛ ولذا مَنَع رواية القرآن بالمعنى أنَّه متعبَّدٌ بألفاظه إجماعًا. وفي كتابة: قوله: «إلَّا لعالمٍ» راجعٌ للحُكمين السابقين، و «اللام» بعد «إلَّا» مُنبِّهة على جَعلها ملاحظة مع المستثنى منه، أي: لا يجوز شيء من الأمرين المذكورين لأحدٍ إلا لعالمٍ ... إلخ. فإنْ قُلْتَ: العِلْمُ بمدلولات الألفاظ لا حاجة لذِكْره بل ما اقتصر عليه في المَتْن كافٍ، قُلْتُ: لمَّا عَبَّر به وبعضهم بما في المَتْن جمع المؤلِّف بين العبارتين متنًا وشرحًا، وإنْ أغنى أحدُهما عن الآخر، وجَعَل العطف تفسيريًّا أو قريبًا منه؛ لئلا يُتوهَّم التخالُفُ كما لا يَخْفى، والحقُّ ترادف العلم والمعرفة، فالعالم والعارف كذلك. [قوله] (١): «في المسألتين»: أي: مسألةِ الاقتصار على بعض الحديث، ومسألةِ الرواية بالمعنى، المشار إلى أُولاهما بقوله: «بالنَّقص»، وإلى ثانيهما بقوله: «والمرادِف».

стр. 574

أَمَّا اخْتِصارُ الحَديثِ ؛ فالأكْثَرونَ على جَوازِهِ بِشرطِ أَنْ يكونَ الَّذي يختَصِرُهُ عَالِمًا؛ لأنَّ العالِمَ لا يَنْقُصُ مِن الحديثِ إِلَّا ما لَا تَعلُّقَ لَهُ بما يُبْقيهِ منهُ؛ بحيثُ لا تختِلفُ الدَّلالةُ، ولا يختَلُّ البَيانُ، حتَّى يكونَ المَذكورُ والمَحذوفُ بمَنزِلَةِ خَبَرينِ، أَو يَدُلُّ ما ذَكَرَهُ عَلَى ما حَذَفَهُ، بخِلافِ الجاهِلِ، فإِنَّهُ قد يَنْقُصُ ما لَهُ تعلُّقٌ؛ كتَرْكِ الاستِثْناءِ. وَأَمَّا الرِّاويةُ بالمَعْنى؛ فالخِلَافُ فيها شَهيرٌ، والأكثرُ على الجَوازِ أَيضًا، ومِن أَقوى حُجَجهِم: الإِجماعُ على جَوازِ شرحِ الشَّريعةِ للعَجَمِ بلسانِهِم للعارِفِ بهِ، فإِذا جازَ الإِبدالُ بلُغةٍ أُخرى، فجوازُهُ باللُّغةِ العربيَّةِ أَوْلَى. وَقيلَ: إِنَّما يَجُوزُ في المُفْرَداتِ دونَ المُرَكَّباتِ. [قوله] (١): «فالأَكْثَرُونَ ... إلخ»: مقابلُ قول الأكثرين قولان؛ أحدهما: المَنْع مُطْلَقًا؛ لأنَّ رواية الحديث ناقصًا تقطعُه وتغَيِّره عن وجهه، وثانيهما: الجواز إنْ أتمَّ إيراد الحديث منه أو مِن غيره مرةً أخرى؛ ليُؤمَن (أ/١٢٥) بذلك من تفويت حُكْمٍ أو نحوه، وإلَّا فلا، ولو جوَّز قائله الرواية بالمعنى -كما قاله ابن الصَّلاح وغيره- فليس في المسألة على هذا عند الشارح إلَّا ثلاثة أقوال: المنع مُطْلَقًا، والجواز كذلك، والتفصيل؛ لأنَّه جَعَل موضوع الخلاف: اقتصار العالم بمدلولات الألفاظ وبما يخل المعنى، فلا يتأتَّى القول الرابع وهو: جواز ذلك للعالم دون غيره، وهذا ما حرره المؤلِّف في غير هذا الكتاب معترِضًا به على العراقيِّ في الرابع بقوله:

стр. 575

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . «ينبغي ألَّا يكونَ قولًا برأسِه» بل يحصُل شرطًا لمن أجاز، فإنَّ مَنْعَ غيرِ العالِم من ذلك لا يُخالف فيه أحدٌ. [قوله] (١): «بِشَرْطِ أنْ يَكونَ ... إلخ»: لا فائد في التَّصريح بهذا الاشتراط هنا؛ لأنَّه هو موضوع الخلاف (هـ/١٤٥) كما علمت، اللهمَّ إلَّا أنْ يريد زيادة التنبيه على أنَّه شرْطٌ في محلِّ الخلاف لا قولٌ مستقل كما وقع للعراقيِّ (٢) وابن الصَّلاح (٣) وغيرهما، حتى اعترَض العراقيُّ القول بالجواز مُطْلَقًا بِناءً على جَعْل التفضيل بين العالِم وغيره قولًا رابعًا بقوله: «وينبغي تقْييد الإطلاق بما إذا لم يكن المحذوف متعلِّقًا بالمأتي به تَعلُّقًا يُخِلُّ بالمعنى حذفُه؛ كالاستثناء والحال ونحو ذلك كما سيأتي في القول الرابع، فإنْ كان كذلك لم يَجُزْ بلا خلاف، وبه جزم أبو بكر الصَّيرفيُّ وغيرُه، وهو واضح». تنبيه: وهذا كلُّه إذا لم يكن الحديث الواحد يَشتِمل على أحكام عدة، أمَّا إنْ كان كذلك وقُطِّع في الأبواب على قَدْر الحاجة الداعية للاحتجاج بقطعه؛ فهو جائزٌ قد فعله الأئمة: كمالكٍ وأحمدَ والبخاري وأبي داودَ وغيرهم، ولا ينافيه حكاية الخلّال عن أحمدَ: أنَّه ينبغي ألَّا يفعل؛ لأنَّ ابن الصَّلاح قال (٤) -مع كونه يرى

стр. 576

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . جواز أنَّه لا يخلو عن كراهية-: «قال الكِرمانيُّ: ويُسمَّى الحديثُ المحذوف بعضه مخرّوما» ومثله للشارح (١). [قوله] (٢): «أَو يَدُلُّ ما ذَكَرَهُ»: عطفٌ على صلة الموصول أو صفة الموصوف وهي: «لا تَعلُّق له بما يُبقيه منه» أو على «ما لا تعلُّق له» لكن بتقدير أنَّه حذف الموصول أو الموصوف، والمعنى: أنَّ العالم لا يَحْذِف من الحديث إلَّا ما [لا] (٣) تعلُّق له به منه، أو ما له به منه تعلُّق لكن يكون ما ذكره يدلُّ على [ما] (٤) حَذَفه [منه] (٥)؛ وبهذا ظهر لك حذف ضميرٍ من متعلَّق «يَدلُّ». تنبيه: في هذا إشارة إلى ما اصطلح عليه أرباب الأطْراف؛ حيث يأخذون من الحديث الطرفَ الذي فيه دَلالةٌ على باقيه، ثُمَّ يحذفون ذلك الباقي كترك الاستثناء، أي: مثل الذي في قوله ﵊: «لا يُباع الذهب بالذهب إلا سواء بسواء» (٦)، وهذا ممتنع بلا خِلاف. ولو أدخل الكاف في «تَرْك» على

стр. 577

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . «الاستثناء» كان أَولى؛ لتدْخل الغايةُ نحو: «نهى ﵊ عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها» (١)، والوصف والحال ونحوها. [قوله] (٢): «فالخِلافُ فيها شَهِيرٌ»: أي: فالخلاف في: جوازها مُطْلَقًا، ومنْعِها مُطْلَقًا، والتفصيل، على ما يُفْهَم من كلامه الآتي. [قوله] (٣): «والأكثرُ فيها على الجَواز»: وهو الذي يَشْهَد به أحوال الصحابة والسلف الأوَّلين، فكثير ما كانوا ينقلون معنًى واحدًا في أمرٍ واحدٍ بألفاظ مختلفة؛ وذلك لأنَّ تعويله إنَّما هو على المعنى دون اللفظ، وقد ورد في المسألة حديثٌ مرفوع رواه ابن منده في «معرفة الصحابة» من حديث عبد الله بن سليمان بن أُكَملَةَ الليثيِّ قال: «قُلْتُ: يا رسول الله: إني أسمع منك الحديث لا أستطيع أن أرويَه كما أسمَعُ منك؛ يزيدُ حرفًا وينقص حرفًا، فقال: إذا لم تحلوا حرامًا ولم تحرموا حلالًا وأصَبتم المعنى؛ فلا بأس» (٤)، فذُكِرَ للحَسَن فقال: «لولا هذا ما حدَّثنا». على هذا القول لا فرق بين لفظ الخبر ولفظ الإنشاء خِلافًا لمن مَنَع الخبر، ولا فَرْق بين حديث النبيِّ ﵊ وغيره ممَّا سِوى القرآن، كما أنَّه لا فَرْق بين مَنْ كان يحفظ لفظ الحديث ومَنْ نسيه، ولا فرْق

стр. 578

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بين أنْ يأتي بلفظٍ مرادِف أو لفظ غير مرادف سواء كان المعنى غامضًا أو لا، ولا فَرْق بين كونه في الخبر أو في الإنشاء، ولا يَخْفى إجمال «الأكثر»، وفسَّره بعضهم بقوله: من المحدِّثين والفقهاء والأصوليين. تنبيه (١): (أ/١٢٦) نوقِش في الدليل الذي ذكره الشارح وهو: «الإجماع على جواز شَرْح الشَّريعة (٢) للعَجَم بلسانهم» بأنَّه قد يُقال: إن المحلَّ محلُّ ضرورةٍ، وقياسه في الرواية بالمعنى ألَّا يجوز إلَّا حيث يتعذر اللفظ؛ لأنَّ الضروراتِ تتقدر بقدْرها. وفي كتابة: قوله: «على جواز ... إلخ» (هـ/١٤٦) فإنْ قيل: قد مرَّ أنَّ شرط الرواية بالمعنى: أن يتساوى لفظ ما ورد به وما أتى به لغة في المراد منه وفهمه فيستويان في الجلاء والخفاء، وكيف يتأتى هذا فيما يَدلُّ باللغة العجمية؟ قُلْتُ: لا شكَّ في بُعد هذا؛ إلَّا أنْ يُقال: المراد استواؤهما في ذلك عند مَنْ يَعْرِف اللغتين؛ تأمل.

стр. 579

وَقيلَ: إِنَّما يَجُوزُ لمَن يستَحْضِرُ اللَّفْظَ ليتَمَكَّنَ مِن التَّصرُّفِ فِيهِ. وَقيلَ: إِنَّما يَجوزُ لمَن كانَ يحفَظُ الحَديثَ، فنَسِيَ لفظَهُ، وبَقيَ معناهُ مُرْتَسمًا في ذِهنِهِ، فلهُ أَنْ يروِيَهُ بالمعنى لمصلَحَةِ تحصيلِ الحُكْمِ منهُ بخِلافِ مَنْ كانَ مُسْتَحْضِرًا لِلَفْظِهِ. وَجَميعُ ما تقدَّمَ يتعلَّقُ بالجَوازِ وعَدَمِهِ، ولا شكَّ أَنَّ الأَوْلى إِيرادُ الحَديثِ بأَلفاظِهِ دُونَ التَّصرُّفِ فيهِ. قَالَ القَاضي عِياضٌ: «يَنْبَغِي سَدُّ بابِ الرِّاويةِ بالمَعْنَى؛ لئلَّا يتَسَلَّطَ مَن لَا يُحْسِنُ ممَّن يظنُّ أَنَّهُ يُحْسِنُ، كما وقَعَ لِكثيرٍ مِن الرُّواةِ قديمًا وحَديثًا»، واللهُ المُوَفِّقُ. فَإِنْ خَفِيَ المَعْنَى بأَنْ كَانَ اللَّفْظُ مُسْتَعْمَلًا بقِلَّةٍ، احْتيجَ إِلى الكُتُبِ المُصنَّفَةِ في شَرْحِ الغَريبِ؛ ككتابِ أَبي عُبَيْدٍ القاسِمِ بنِ سلامٍ، وهو غيرُ مُرتَّبٍ، وقد رتَّبَهُ الشيخُ مُوفَّقُ الدِّينِ ابنُ قُدامَة على الحُرُوفِ. وأَجْمَعُ منهُ كتابُ أَبي عُبيدٍ الهَرَوِيِّ، وقد اعتَنَى بهِ الحافظُ أَبو موسى المَدينِيُّ، فنَقَّبَ عليهِ واسْتَدْرَكَ. وَللزَّمَخْشَرِيِّ كتابٌ اسمُهُ: «الفائِقُ»، حَسَنُ التَّرتيبِ. ثمَّ جَمَعَ الجَميعَ ابنُ الأثيرِ في «النِّهايةِ»، وكتابُهُ أَسْهَلُ الكُتُبِ تَناوُلًا، مع إِعوازٍ قليلٍ فيهِ. وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ مُستَعْملًا بكثرةٍ، لَكنَّ في مَدلُولِهِ دِقَّةً، احْتِيجَ إلى الكُتُبِ المُصنَّفَةِ في شَرْحِ مَعَاني الأخْبارِ، وبيانِ المُشْكِلِ منها. وقَدْ أَكثرَ الأئمَّةُ مِن التَّصانيفِ في ذلك؛ كالطَّحاويِّ، والخَطَّابيِّ، وابنِ عبدِ البَرِّ، وغيرِهم. [قوله] (١): «وقيل: يجوز لمَنْ يَستحضِرُ اللَّفظَ ... إلخ»: المناسب أن يقول: لمن يَستحضِر اللفظ والمعنى؛ إذ من يستحضر اللفظ ولا

стр. 580

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يعرف المعنى لا يتمكَّن من التصرُّف فيه، ثُمَّ إن من يَستحضِر المعنى دون اللفظ يتمكَّن من التصرُّف فيه، بأنْ يُعبِّر بأيِّ لفظٍ يفيده، فلو قال: وقيل: لمن يَستحضِر اللفظ والمعنى أو لمن يستحضر المعنى فقط ليتمكَّنَ ... إلخ؛ لكان شاملًا للقِسمين. [قوله] (١): «لمَصلحةٍ ... إلخ»: أورَدَ عليه بعضهم بأنَّ لازمه: أنَّه إذا رواه غيره ممن يقوم بروايته الحجَّة امتنعت الرواية بالمعنى. تنبيه: قال البُلقيني: يجوز حذف الزيادة المشكوك فيها بلا خلاف بين الأئمة، كما فعله مالك وغيره، تورعا حيث لا تعلُّق لها بالمذكور (٢). [قوله] (٣): «ولا شكَّ ... إلخ»: ظاهره أنَّه جارٍ في مسألة الرواية بالمعنى فقط كما يؤخذ مِنْ نقلِه عن القاضي، وينبغي جريانه أيضًا في مسألة الاقتصار على بعض الحديث.

стр. 581

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «ممَّن يَظُنُّ ... إلخ»: قال (ق) (٢): «أي: يرى نفسه أنَّه يُحْسِن، وليس كذلك» انتهى، ومنه يؤخذ أنَّ: «يَظُنُّ» مبنيٌّ للفاعل. [قوله] (٣): «بأَنْ كانَ اللَّفْظُ مُسْتَعْمَلًا بقلَّةٍ»: حاصل كلامه: أنَّ الغريب هو: اللفظ القليل الاستعمال، وأنَّ المُشْكِل هو: اللفظ الكثير الاستعمال الذي في مدلوله دقَّة وخفاء، وهو غير محرَّر؛ إذ لا بد في الغرابة أيضًا من خفاء المعنى، إذ الغرابة في اللفظ: أنْ تكون الكلمة وحْشيةً غير ظاهرة الدلالة ولا مأنوسة الاستعمال، اللهمَّ إلَّا أنْ يقال: إنَّ قلَّة الاستعمال مَظِنَّةُ خفاء المعنى؛ فبان بأنَّ «كان» سببيَّةٌ لا تصويريَّة. [قوله] (٤): «فَنَقَّب عَلَيهِ»: أي: ففَتَّش على أمور زل فيها أو فاتته؛ فقوله: «واسْتَدْرَكَ»: عطفٌ تفسيريٌّ. [قوله] (٥): «وقد أكثَرَ الأئمَّةُ مِنَ التَّصانيفِ في ذلك»: أي: في بيان المُشْكِل والمتشابه. [قوله] (٦): «الجَهالةُ»: أي: من أوجُه الطعن، ففيه حَذْف الخبر، ولو حذف الواو من قوله: «وسبَبُها»؛ لكان أظهر، وكان هو الخبر.

стр. 582

ثمَّ الجَهَالةُ بالرَّاوِي، وَهِيَ السَّببُ الثَّامِنُ في الطَّعْنِ، وسَبَبُها أَمْرانِ: أَحَدُهُما: أَنَّ الرَّاوِيَ قَدْ تَكْثُرُ نُعوتُهُ مِن اسمٍ، أَو كُنْيَةٍ، أَو لَقَبٍ، أَو صِفَةٍ، أَو حِرْفةٍ، أَو نَسَبٍ، فيشتَهِرُ بشيءٍ مِنها، فيُذْكَرُ بِغَيْرِ مَا اشْتُهِرَ بِهِ لِغَرَضٍ مِن الأغْراضِ، فيُظنُّ أَنَّه آخرُ، فيَحْصُلُ الجهْلُ بحالِهِ. وَصنَّفُوا فِيهِ -أَيْ: في هذا النَّوعِ- «المُوضِحَ لأَوْهَامِ الجَمْعِ والتَّفريقِ»، أَجادَ فِيهِ الخَطيبُ، وَسبَقَهُ إِلَيْه عَبدُ الغنيِّ بنُ سعيدٍ المِصْريُّ، وَهُوَ الأَزْدِيُّ أيضًا، ثمُّ الصُّورِيُّ. وقوله: «بالراوي»: يُحْتمل: بحال الراوي التي يتميَّز بها، ويُحْتمل: بعينه، والأوَّل يدلُّ على ما يأتي من قوله: «فَيَحْصُل الجهل بحاله». واعلم أنَّ موضوع المسألة أنَّه معلوم، غير أنَّ تسميته بغير ما به اشتُهِر أوجَب الجهالة به. وقال (هـ) (١) قوله: «وهي السَّبَبُ ... إلخ» لو قال: وهي السبب الثامن من أسباب الطعن، كما عبَّر به مع البدعة؛ كان أوضح ممَّا قاله هنا، ونحوه للكمال. [قوله] (٢): «قد تَكْثُرُ [نُعُوتُه] (٣)»: مرادهم بـ «نُعُوت»: الألفاظ الدالَّة على المُسمَّى، وبعضهم يعبِّر عنها بالتعريفات، فالمراد بالنعوت: المعرِّفات كانت أوصافًا أو لا؛ ولذا بيَّنهما الشارح بقوله: «من اسم أو كنية ... إلخ». تنبيه: هذا النَّوع عندهم بِمَن ذكر بنعوت متعدِّدة، ومن فوائد معرفة هذا النَّوع:

стр. 583

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الأمْنُ من توهُّم الواحد اثنين فأكثر، والأمن من اشتباه الثقة بالضعيف وعكسه، وأكثرُ النَّاس ارتكابًا لفعل هذا المدلِّسون، ويسمى هذا: تدليس الشيوخ، وقد يَقَع من غيرهم كالبخاريِّ وغيره ممن لم يدلِّس، ثُمَّ قد يكون ذلك من راوٍ واحدٍ: بأنْ يُعرِّفه بنعتٍ تارةً وبآخَرَ أخرى، وقد يكون من جماعة: بأنْ يُعَرِّف كلٌّ منهم بغير ما عَرَّف به الآخر (١). وفي كتابة: قوله: «نُعُوتُه» أي: ما يدل عليه، ولو عبَّر به ليشملَ جميع ما ذَكَرَه من قوله: «اسم ... إلخ» بالمطابقة. (هـ/١٤٧) [قوله] (٢): «من اسمٍ أو كُنْيَةٍ ... إلخ»: «أو» لمنع الخُلو، فلا يُمْنَع الجَمْع، ولم يذكر المؤلِّف ما الذي يسمى به هذا القسم، وكذا فيما بعده، وقد ذكره في «شرح النَّظم»: أنَّ الأول من تدليس الشيوخ، وسيأتي للمؤلِّف أنَّ الثاني يسمَّى: مجهول العين، حيث سمَّى من روى عنه وإن لم يُسمَّ، فذَكَر الكمال (٣) أنَّه (أ/١٢٧) المنقَطِع كما يأتي؛ فتأمله، قاله (ج) (٤). وقال (هـ) (٥): المراد بـ «الاسم» هنا: العَلَم المقابل للكنية واللقب، مفردًا كان أو مركبًا. والكُنية: ما صُدِّرت (٦) بأبٍ وأمٍّ، زاد بعضهم: أو ابن أو بنت. واللَّقب: ما دلَّ على رِفعة المُسمَّى أو على صفته؛ كزَينِ العابدين وأنف الناقة. والصِّفة: ما دلَّ

стр. 584

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . على معنًى قائم بالموصوف؛ كالأحول والأحدَب. والحِرْفة: ما دَل على تَكَسُّبه، وهي الصنْعة؛ كالنجار. والنِّسبَة: إلحاق الشخص بأبٍ أو أمٍّ، أو حيٍّ أو بلدٍ أو قبيلةٍ، أو حِرْفة؛ كالزبيريِّ والفاطميِّ المكيِّ والزيَّات. [قوله] (١): «لغَرَضٍ ... إلخ»: كأنْ يكون ذلك الراوي ضعيفًا متى ذُكِر باسمه [المشهورِ] (٢) به فَطِنَ له النَّاسُ، وهذا يَقْدَح في فاعله، وهو من التَّدليس المُضرِّ، وأضرُّ منه تكنيةُ الضعيف بكُنية الثقة، أو يكون: صغير السِّن بالنِّسبة للناقل عنه. [قوله] (٣): «المُوضِّح»: هو اسم فاعل وضَّح كفرَّح مضعَّفًا، ولا يخفاك أنَّه من اختصار العلم بقرينة ما ذَكَره بعده في الشَّرح؛ فإن اسم الكتاب مجموع لك (٤). [قوله] (٥): «وسَبَقَهُ إلى ذلك»: أي: سبق الخطيبَ إلى التصنيف في هذا النَّوع: عبدُ الغنيِّ (٦). [قوله] (٧): «المِصْرِيُّ»: بالصاد المهملة، والصُّوريُّ كذلك، وهو تلميذ عبد الغنيِّ وشيخ الخطيب.

стр. 585

وَمِن أَمثلتِهِ: مُحمَّدُ بنُ السَّائِبِ بنِ بِشْرٍ الكَلْبِيُّ، نَسَبَهُ بعضُهم إِلى جَدِّهِ، فَقَالَ: مُحمَّدُ بنُ بِشْرٍ، وسَمَّاهُ بعضُهم: حَمَّادَ بنَ السَّائبِ، وكَنَّاهُ بعضُهُم: أَبا النَّضرِ، وبَعْضُهُم: أَبا سعيدٍ، وبعضُهم: أَبا هِشامٍ، فَصَارَ يُظَنُّ أَنَّهُ جَمَاعةٌ، وهو وَاحِدٌ، ومَنْ لا يعرِفُ حقيقةَ الأمرِ فيهِ، لا يعرِفُ شيئًا مِن ذلك. وَالأمرُ الثَّاني: أَنَّ الرَّاويَ قد يكونُ مُقِلًّا مِن الحديثِ، فلا يَكْثُرُ الأَخْذُ عَنْهُ. وَقَدْ صَنَّفوا فِيهِ: «الوُحْدانَ» -وهو مَن لم يَرْوِ عنهُ إِلَّا واحِدٌ، ولو سُمِّيَ- فمِمَّنْ جَمَعَهُ: مُسلمٌ، والحسنُ بنُ سُفيانَ، وغيرُهما. [قوله] (١): «محمد [بن] (٢) السائب»: هو محمد بنُ السائب بنِ بِشرٍ الكوفيُّ الكَلبيُّ، كان علَّامة في الأنساب، أحد الضعفاء والكاذبين، نسبة إلى كَلْبِ بن وبرة. [قوله] (٣): «وسمَّاهُ بعضُهم ... إلخ»: وهو أبو أسامة حمَّاد بن أسامة (٤). [قوله] (٥): «وكَنَّاه بعضُهم»: وهو محمد بن إسحاق، أبا النضر بالضاد المعجمة، ثُمَّ إنَّه ليس في كلامه بيان الاسم الذي اشتهَر به، والمتبادَر أنَّه: محمد بن السائب، وهو ظاهر كلام العراقيِّ.

стр. 586

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «وبعضُهم: أبا سعيدٍ»: وهذا البَعض: عطية بن سعد بن جُنادة العَوفيِّ، قال الخطيب (٢): «إنَّما فَعَل ذلك؛ ليوهِمَ النَّاس أنَّه يروي عن أبي سعيد الخُدْريِّ». [قوله] (٣): «وبعضُهم: أبا هشامٍ»: هذا البعض: القاسم بن الوليد الهَمْدانيُّ، وقد كان له ابن يُسمَّى هشامًا، ولم يذكر هذا الوجه ابن الصَّلاح؛ فهو مما زاده عليه الشارح. [قوله] (٤): «وَمَنْ لا يَعْرِفُ ... إلخ»: أي: من لا يعرِفُ أنَّ هذه الأسماء لمُسمًّى واحدٍ لا يَعْرِفُ شيئًا مَّما ذُكِر. وفي كتابة: قوله: «لا يعرِفُ ... إلخ» مثل: محمد بن السائب: سالم المراديُّ، عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري وعثمان وعائشة وسعد بن أبي وقاص، فيعبِّرون عنه بسالمٍ أبي عبد الله المدنيِّ، وسالمٍ مولى مالك بن أوس، وسالمٍ مولى شَدَّاد بن الهادي، وسالمٍ مولى دَوسٍ، وسالمٍ مولى المهديِّ، وأبي عبد الله مولى شدَّاد، ومثلهما في ذلك: محمَّد بن قيسٍ الشاميُّ المصلوب الوضَّاع، دلِّس اسمه قيل: على خمسين وجهًا، وقيل: بل على مئة. واستعمل الخطيب شيئًا كثيرًا من هذا، قال الجلال السيوطي (٥): وتبِع الخطيبَ في ذلك المحدِّثون

стр. 587

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . خصوصًا المتأخرين، كشيخ الإسلام ابن حجر في ولد الحافظ العراقي، قال: ولم أرَ العراقي في «أمَالِيه» يصنع شيئًا من ذلك، وهذا النَّوع عويصٌ جدًّا. [قوله] (١): «والأمر الثاني»: أي: من أمرَي، سبب الجهالة، «والأخْذِ» بصيغة اسم الفاعل لا بالمصدر؛ إذ لا يلزم من كثرة الأخذ كثرةُ الآخذين؛ لتحقُّقها في الواحد، والظاهر أنَّ المراد بكثرة الآخذين عنه: ما زاد على الواحد؛ بقرينة قوله: «وهو مَنْ لم يَرْوِ ... إلخ». تنبيهان (٢): (هـ/١٤٨) الأول: قوله: «من الحديث» بعد قوله: [«مُقِلًّا»] (٣)، يُحْتمل أنَّ المراد به المعنى المصدريُّ، أي: التحديث، ولو كان عنده منه كثير، ويُحْتمل أنَّ المراد به: الحديث اصطلاحًا، بألَّا يكون عنده منه ما يحتاج إليه الناس؛ فلا يُكثِرون الأخْذَ عنه. الثاني: يجِب أنْ يُقيَّدَ هذا النَّوع بأنْ يكون المرويُّ عنه مشهورًا بالحديث والعِلْم، لكن لم يروِ عنه إلَّا واحدٌ؛ فغايَر مجهول العين؛ إذ يُعتَبَر فيه: ألَّا يكون المجهول معروفًا بالعِلْم. ويؤخَذ ذلك من قوله: «قد يكون مُقِلًّا» ففيه تصريحٌ باتصافه بالعلم واشتهاره به إلَّا أنَّه قليل التحديث أو الحديث، وتُرك ذلك في المجهول فلا بُدَّ من عَدَمِه فيه، واعتُبر الوَحْدة في الراوي في «الوُحْدان» دُونَ التسمية، واعتُبر عَدَم التسمية في المُبهَم دُونَ عدد الراوي عنه؛ فتميز الآحاد عن المجهول العين (أ/١٢٨) بالشهرة، وعن المبهَم بالتسمية؛ فتغايرت الأقسام الثلاثة، مع أخذ ما به التغايُر من كلامه، فلا تكن من الغافلين.

стр. 588

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «وقد صَنَّفُوا ... إلخ»: الجملة استئنافية، وربما يتوهَّم أنَّه أشار بذكر «قد» إلى أنَّ الجملة حاليَّة، ولا وَجه له. «وهو» أي: النَّوع المُسمَّى بالوحدان. «من لم يرو عنه إلا واحدٌ» مثل: عامر بن شَهْر، ووَهْبُ بن خَنْبَشٍ صحابيَّان؛ فإنَّه لم يروِ عن كلِّ واحدٍ منهما غيرُ الشعبي (٢). وقد زَعَم الحاكم (٣) أنَّ هذا النَّوع ليس في الصحيحين، وغَلِط في ذلك؛ ففي الصحيحين: المُسيِّب بن حَزْن صحابيٌّ ولم يروِ عنه غيرُ ابنه سعيد فيما قاله مُسْلِمٌ والأزْدِيُّ، وانفرد البخاريُّ بابن تَغْلِب -بفتح المثناة فوق وكسر اللام- وهو صحابيٌّ واسمه عمرو، ولم يروِ عنه غيرُ الحَسَن البصريِّ. [قوله] (٤): «ولو سُمِّيَ»: بالبناء للمجهول، ولو أسْقَط منه «لو»؛ كان أولى كما يأتي. قوله: «[فمِمَّن] (٥) جَمَعَهُ»: أي: جَمَع فيه، بمعنى: صنَّف فيه ... إلخ. ومن فوائد معرفة هذا النَّوع: معرفة المجهول إذا لم يكن صحابيًّا (٦).

стр. 589

أَوْ لَا يُسمَّى الرَّاوِي اخْتِصَارًا مِن الرَّاوي عنهُ؛ كقَوْلِهِ: أَخْبَرَني فُلَانٌ، أَوْ شيخٌ، أَو رجلٌ، أَو بعضُهم، أَو ابنُ فلانٍ. ويُستَدَلُّ على معرفَةِ اسمِ المُبْهَمِ بوُرُودِه مِن طريقٍ أُخرى مسمًّى فيها. وَصَنَّفوا فِيهِ: «المُبْهَمات». [قوله] (١): «أو لا يُسمَّى»: الظاهر -بحسَب المَتْن قبل وجود الشرح- أنَّه عطف على قوله: «فلا يَكثُر الآخْذُ عنه»؛ فهو قسيمٌ له، وكلاهما قِسم من كون الراوي مُقِلًّا، وهو القِسم الثاني من قِسمَيِ الجهالة، وقد يُتَوهَّم عطفه على «قد يكون مقلًّا» وليس بشيءٍ؛ لأنَّه يؤدي إلى أنَّ للجهالة ثلاثة أسباب -القسمة الأولية-، وليس كذلك عند المؤلِّف، وعلى الأول يتوجَّه أنَّ قَسيم الشيء لا بُّد أنْ يكون مباينًا له، وليس كذلك هنا؛ لأنَّ عدم كثرة الأخذ عنه تجامِع عدم تسميته، وقد يجاب بأنَّ: اشتراط تباين الأقسامِ إنَّما هو عند الحكماء، وأما الأدباء ومن يجري مجراهم من أرباب الفنون فيصح عندهم في المتغايرَين بوجْهٍ مّا -كالعموم والخصوص- أن يُجعل أحدهما قَسيمًا للآخر، و [لا] (٢) شكَّ أنَّهما هنا كذلك؛ إذ يجتمعان (٣) فيمن قلَّ الأخذ عنه ولم يُسمَّ فهو مبهَم ووُحْدان، وينفرِد الثاني فيمن كَثُر الأخذ عنه ولم يُسمَّ فهو مبهَم فقط، وينفرِد الأول فيمن روى عنه واحدٌ وسُمِّي، وهذا التقرير هو المأخوذ من كلام المؤلِّف وظواهر كلامهم، وبه يسقط دعوى أن صواب قوله: «ولو سُمِّي» إسقاط «لو» وأن يقول: وسمي، وأمَّا بحسب الشَّرح

стр. 590

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فيظهر أنَّه عطفٌ على «سُمِّي» لكن بقَيد وَحدة الراوي عنه كما قررناه، وحينئذ إتيانه معه بـ «لو» لا يوجِب تَكرارًا في الكلام كما لا يخفى، وبعضهم جعل «لو» بمعنى «أو»؛ فقال: أي منها، أي: الوحدان ألَّا يسمى ... إلخ، وهو مجازفة بلا شُبهة. تنبيه (١): لو قال الشارح بعد قوله: «أو لا يُسمَّى» أي: المروي عنه اختصارًا من الراوي عنه؛ لكان أبعَدَ من (هـ/١٤٩) الالتباس؛ إذ المبهَم هو الشيخ المروي عنه وإن كان راويًا في نفس الأمر عن غيره أيضًا، والمختصر هو الراوي عنه كما لا يَخْفى. [قوله] (٢): «فُلانٌ»: المراد به هذا اللفظ، يعني أنه ذَكر كناية العلَم دونه. [قوله] (٣) «أو: ابنُ فُلانٍ»: أي: في بعض الأحيان فإنَّه يكون اختصارًا بالنسبة لمن اسمه عبد الرحمن لا لمن اسمه زيد، وانظر من شاركه غيره في اسمه ولم يتميَّز ممن شاركه، هل هو من الجهالة -وهو الظاهر- أم لا؟ في كتابةٍ: قوله: «أو ابن فلان»، نحو: ابن مِرْبَع الأنصاريِّ، وهو بكسر الميم وسكون الراء وفتح الموحَّدة وبمهملة، هو: زيد أو عبد الله أو يزيد (٤). هذا الذي ذكره من الإبهام في الإسناد واقتَصَر عليه؛ لأنَّ كلامه في المردود.

стр. 591

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ومن هذا القبيل نحو: عمُّ فلان كزياد بن عِلاقة عن عمِّه، هو: قُطْبَة بن مالك (١). وكرافع بن خَديجٍ بن رافع عن بعض عمومته، هو: ظَهير بن رافع (٢). ومنه أيضًا نحو: حُصين بن مِحْصَنٍ عن عمَّة له، هي: أسماء (٣). ومنهم المبهَم في المُتُون نحو: زوجته كخبر: جاءت امرأة رِفاعة القُرَظِيِّ، هي: تَمِيمَة بنت وهب -بالتكبير، وقيل: تُمَيمَة -بالتصغير- (٤). ومنه أيضًا: زوج فلان كخبر سُبَيْعةَ أم سليم: «أنَّها ولَدَت بعد وفاة زوجها بليالٍ» (٥)، هو: سعد بن خَوْلَة. ومنه أيضًا نحو: ابن أمه كخبر أم هانئٍ أنَّها قالت: «زعم ابن أمي أنَّه قاتلٌ رجُلًا أجَرْتُه» الحديثَ (٦)، هو أخوها: علي بن أبي طالب. ونحو ابن أم مَكْتوم، هو: عبد الله بن زائدة أو عمرو بن قيس. والحاصل: أنَّ المبهَم هو من (أ/١٢٩) لم يُسمَّ، سواء كان في الحديث أو في رُواته، كما عرف من الأمثلة [التي ذكرت] (٧).

стр. 592

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . تنبيه: إنَّما اقتَصَر الشارح على المبهَم من الرواة دون المبهَم في الحديث؛ لأنَّ كلامه في المردود من الحديث فقط، وليس منه إلَّا ما أُبهِم أحد رواته، وأمَّا الحديث الذي فيه مبهَم غير راوٍ فقد لا يكون مردودًا، وفائدة مَعْرِفة هذا النَّوع: زوال الجهالة، لا سِيَّما الجهالة التي يُرَدُّ معها الحديثُ حيث يكون الإبهام في الإسناد. [قوله] (١): «وصنَّفوا فيه: المُبْهَمَاتُ»: كلام المؤلِّف في الإبهام في السَّنَد؛ إذ هو الذي يحصل به القَدْح، وإنْ كان الإبهام يكون في المَتْن أيضًا ولكنَّه ليس بقادح، كحديث: «دخل رجُل من باب الصفا والنبيُّ يخطب ... إلخ». والضمير في قوله: «فيه» لمن أُبهِم، قاله (ج) (٢). وقال (هـ) (٣): «قال (ق) (٤): أي: في فنِّ من أُبهِم» انتهى، وكأنَّه جواب عن الاعتراض على المؤلِّف بأنَّ كلامه يوهِم أنَّ التصنيف في المبهَم من الرواة فقط، وليس كذلك، بل هو في المبهَمَات مُطْلَقًا، كانوا في السَّنَد أو في الحديث على ما ظهر؛ لكن ممَّا مَرَّ من الأمثلة وتلخيص الجواب: أنَّ الضمير راجع للمُقَيَّد دون قَيْده.

стр. 593

ولَا يُقْبَلُ حَديثُ المُبْهَمِ ما لم يُسَمَّ؛ لأنَّ شَرْطَ قَبولِ الخَبَرِ: عَدالَةُ راويهِ، ومَن أُبْهِمَ اسمُهُ لا تُعْرَفُ عَيْنُهُ، فكيفَ تُعْرَفُ عَدالَتُهُ؟! وكَذَا لا يُقْبَلُ خَبَرُهُ، وَ لو أُبْهِمَ بِلَفْظِ التَّعْديلِ؛ كأَنْ يقولَ الرَّاوي عنهُ: أَخْبَرَني الثِّقةُ؛ لأنَّهُ قد يكونُ ثقةً عندَه، مَجْروحًا عندَ غيرِهِ، وهَذَا عَلى الأصَحِّ في المسأَلةِ. [قوله] (١): «ولا يُقْبَلُ حَدِيثُ المُبْهَمُ ما لم يُسَمَّ»: ينبغي أنْ يكون قوله: «ما لم يُسَمَّ» خبرًا لمبتدأ محذوف، أي: وهو ما لم يسم، إذ ما سُمِّي يخرج عن كونه مبهمًا، وليس المراد: أنَّ المبهَم تارةً يقع فيه التسمية وتارةً لا. وقال (هـ) (٢): «ما» مصدريَّة ظرفيَّة، أي: مدة عَدَم تسميته في السَّنَد، وفي مفهومه تفصيل، وهو أنَّه: أنَّ ما سُمِّي ووُجدت فيه شرائطُ القَبول قُبِل، وإلا فلا، إذا عرَفت هذا فالاعتراض عليه بأنَّ قضيته: أنَّه لو سُمِّي كان مقبولًا وخرج عن الإبهام، غير متوجِّه. وقوله: «عدالة رواته» ضُبِط بالإفراد والجمع، يعني: أو تعدُّد الطرق الجائزة على ما مَرَّ في الحَسَنِ لغيره؛ فليتأمل. [قوله] (٣): «فَكَيْفَ عَدَالَتُه؟»: أي: فكيف يُعْرَف مع جَهْلِ عَينِه عدالتُه؟ هذا عجبٌ؛ فالاستفهام للتعجب مثل: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ] ﴿البقرة: ٢٨﴾.

стр. 594

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «وكذا لا يُقْبَلُ خَبَرُه»: أي: المُبْهَمِ. (هـ/١٥٠) [قوله] (٢): «ولو أُبْهِمَ»: بالبناء للمفعول، و «بِلفظِ التَّعديل» من إضافة الدالِّ للمدلول، أي: باللفظ الدالِّ على التعديل. تنبيه (٣): التعديل المبهَم مقبولٌ، وهو أنْ يُسمَّى الراوي ويوصف بالعدالة من غير تعْيين لأسبابها، وتعديل المبهَم مردودٌ، وهو أنْ يوصَف من لم يُسمَّ بالعدالة، وكلام المؤلِّف إنما هو في الثاني دُونَ الأول. واعلم أنَّ التجريح المبْهَم غير مقبول، والفَرْقُ بَيْنَه وبَيْن التعديل المبهَم أنَّ: أسباب العدالة كثيرة، فلو كلَّفْنا المعدِّل بيانها شَقَّ عليه ذلك، والجَرْح يكفي في ثبوته خَصْلَة من خصال القَدْحِ، وهي لا يَشُقُّ ذِكْرُها، وأيضًا: ربما جَرَح الجارح بما لا يكون عند غيره قادحًا؛ لاختلاف النَّاس في أسبابه، فقد قيل لشعبة بن الحجاج: لمَ تركت حديث فلانٍ؟ فقال: رأيتُه يركُضُ على بِرْذَون. وهذا لا يضرُّ ما لم يكُن بموضعٍ لا يليق فيه، وتدارُ على وجهٍ لا يليق به، ولا ضرورة تدعو إليه. ولو روى الثقة عن إنسانٍ سمَّاه لم تكن تعديلًا له، خلافًا لزاعمه، ولو كان لا يروي إلَّا عن ثقة كالشيخين

стр. 595

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . خلافًا لابن الجَوزيِّ في هذا، بخلاف ما لو قال: كل من أروي عنه وأسمِّيه فهذا عدْل، وكما لا يُقْبَلُ الجَرْح إلَّا مُفَسَّرًا لا يُقبل أيضًا تضعيف الحديث إلا كذلك. [قوله] (١): «كأَنْ يَقُولَ الرَّاوي عنهُ: أَخْبَرَني الثِّقُةُ»: أو العدْلُ أو من لا أتَّهِم، بل قال الخطيب (٢): لو قال الراوي: جميع أشياخي ثقاتٌ مَن سمَّيتُ منهم ومن لم أُسَمِّ، ثُمَّ روى عمَّن لم يسمِّه منهم؛ رُدَّت روايته عنه للعلَّة التي قالها الشارح، أما لو قال: كلُّ من أروي لكم عنه وأسمِّيه فهو عدْلٌ مرْضيٌ؛ كان تعديلًا منه لكلِّ من روى عنه وسمَّاه، كما جَزَم به الخطيب. [قوله] (٣): «لأنَّهُ قد يَكونُ ثِقةً عَنْدَهُ»: لا يقال: يلْزَم من هذا تقديمُ الجَرْح المتوهَّم على التعديل الثابت، وهو خِلافُ النظر؛ لأنَّا نقول: ليس هذا تعديل ثابت لإبهام [المعدِّل] (٤) فتعديله كَلَا تعديل؛ فليس هذا من تقديم الجرْح في شيء، بل الردُّ هنا لعَدَم ثبوت العدالة لا لثبوت الجَرْح. [قوله] (٥): «على الأصَحِّ»: هو قول أبي بكرٍ الخطيبِ (٦)، وأبي نصر ابن الصباغ، وأبي بكرٍ الصَّيرفيِّ، واختاره ابن الجزريِّ (٧).

стр. 596

ولهذِهِ النُّكْتةِ لم يُقْبَلِ المُرْسلُ، ولو أَرْسَلَهُ العَدلُ جازِمًا بهِ لهَذَا الاحتمالِ بعينِهِ. وَقيلَ: يُقْبَلُ؛ تَمسُّكًا بالظَّاهِرِ؛ إِذ الجَرْحُ على خِلافِ الأصْلِ. وقيلَ: إِنْ كانَ القائلُ عَالِمًا، أَجْزأَ ذلك في حقِّ مَن يُوَافِقُهُ في مَذْهَبِهِ. وهَذَا ليسَ مِنْ مباحِثِ عُلُومِ الحَديثِ، واللهُ المُوفِّقُ. فَإنْ سُمِّيَ الرَّاوي، وانْفَرَدَ راوٍ واحِدٌ بالرِّوايةِ عَنْهُ، فهو مَجْهولُ العَيْنِ ؛ كالمُبْهَمِ، فَلَا يُقْبَلُ حديثُهُ إِلَّا أَنْ يُوَثِّقَهُ غيرُ مَنْ ينفَرِدُ عنهُ على الأَصحِّ، وكَذَا مَنْ يَنْفَرِدُ عَنهُ على الأصح إِذا كانَ مُتَأَهِّلًا لذلك. أَوْ إِنْ رَوَى عنهُ اثنانِ فَصاعِدًا، ولم يُوَثَّقْ؛ فَهو مَجْهولُ الحالِ ، وهُو المَسْتورُ، وقد قَبِلَ روايتَهُ جماعةٌ بغيرِ قيدٍ، وردَّها الجُمهورُ. [قوله] (١): «ولهذه النُّكتة»: قد مَرَّ أنَّها: الدَّقيقة، وهي هنا كونه لا يَلْزم من كونه ثقة عنده ألا يكون مجروحًا عند غَيره، فقوله بعد: «فهذا الاحتمال» حشوٌ لا طائل تحته. (أ/١٣٠) [قوله] (٢): «وقِيل: يُقْبَلُ»: أي: تعديل المُبهَم، وهذا القول حكاه ابن الصباغ في العُدة عن أبي حنيفة، وهو ماشٍ على قول من يَحْتَج بالمرسل وأَولى بالقَبول، غير أنَّهم علَّلُوه بأنَّه: مأمونٌ في الحالين معًا، أي حال التَّسمية والإبهام، يعني أنَّه إذا سُمِّي كان تعْيينه ممَّن سمَّاه مؤكِّدًا فكذا إذا أبهمه، وأما تعليل الشُّيوخ فيُشبه أنَّه تعميمٌ له، فتأمل. [قوله] (٣): «وقيل: إنْ كان القائلُ عالِمًا»: كقول الشافعيِّ: أخبرني الثقة.

стр. 597

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . تنبيه (١): اتفقَت الأقوال كلُّها على كونه حجَّة في حقِّ ذلك المعدِّل؛ فيَلْزَمه العمل بخبره، وإنَّما الخلاف في قيام الحجَّة على غيره. [قوله] (٢) «فإن سُمِّي الراوي»: بأنْ يقول: حدثني فلان ولم يذكر اسمه ... إلخ، مثاله: جبار الطائي وعبد الله بن أعز (٣) بالزاي، فإن كلًّا منهما لم يروِ عنه إلا أبو إسحاقَ السَّبيعيُّ، ولكنَّهما سمِّيا، وكان الأولى أن يقول: فإن سُمِّي، أي: المروي عنه، وانفرد الراوي عنه؛ لأنَّه أبعد من حيرة المتعلِّم. تنبيه: لا بُدَّ مع الانفراد عن المروي عنه المذكورمن كونه لم يَشتهِر بنفسه بطلب العلم ولا يعْرِفه العلماء، ومن كون حديثِه لا يُعرَف إلَّا من جهته فيكون مجهول العين. فائدة: (هـ/١٥١) قال العراقيُّ (٤): بيَّن بعض العلماء من أَبهمَه مالك والشافعي بقولهما: الثقة من شيوخهما، فحيث قال مالك: عن الثقة عن بُكير بن عبد الله بن الأشَجِّ؛ فالثقة: مَخْرمة بن بُكير. وحيث قال: عن الثقة عن عمرو بن شعيب؛ فقيل: الثقة عبد الله بن وَهب،

стр. 598

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقيل: الزُّهْريُّ، ذكر ذلك أبو عُمر ابن عبد البرِّ. وقال أبو الحسن محمد بن الحسين بن إبراهيم السِّجِسْتانيُّ في «فضائل الشافعيِّ»: سمِعت بعض أهل المعرفة بالحديث يقول: إذا قال الشافعي في كتبه: أخبرنا الثقة عن ابن أبي ذئب؛ فهو ابن أبي فُدَيك. وإذا قال: أخبرنا الثقة عن الليث بن سعد؛ فهو يحيى بن حسَّان. وإذا قال: أخبرنا الثقة عن [الوليد بن كثير؛ فهو أبو أسامة. واذا قال: أخبرنا الثقه عن] (١) الأوزاعيِّ؛ فهو عَمرو بن أبي سَلَمة. وإذا قال: أخبرنا الثقة عن ابن جُرَيج؛ فهو مُسْلِم بن خالد. وإذا قال: أخبرنا الثقة عن صالحٍ -مولى التَّوأَمَة-؛ فهو إبراهيم بن أبي يحيى. [قوله] (٢): «فهو»: أي: المرويُّ عنه المُسمَّى الذي لم يرو عنه إلا واحدٌ فقط، «مجهول العين» أي: المُسمَّى اصطلاحًا بذلك، وفي مجهول العين خمسة أقوال، صحَّح بعضُهم عدمَ القَبول، وقد عَرَفْت آنفًا ما هو الحقُّ [كما] (٣) قاله (هـ) (٤). [قوله] (٥): «إلَّا أنْ يُوثِّقه ... إلخ»: أي: إذا كان أهلًا لذلك، فحَذَفه من هنا لذِكْرِه في الثاني، وقد أشار الشيخ

стр. 599

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . (ق) (١) لهذا مع زيادة فقال: «قُيِّد الموَثِّق بكونه من أهل الجَرْح والتعديل، وقد أهمله المؤلِّف، ثُمَّ إنَّه يقال: إنْ كان الذي انفرد عنه راو واحد من التابعين فينبغي قَبولُ خَبرِه ولا يضرُّه ما ذُكِر؛ لأنَّهم قبلوا المبهَم من الصحابيِّ، وكذا مرسَل الصحابيِّ، وقالوا: كلُّهم عدولٌ، ولو استدل الخطيب في الكفاية على ذلك بحديث: «خير القرون قرني ثُمَّ الذين يلونهم» (٢)، وهذا الدليل بعينه جارٍ في التابعيِّ؛ فيكون الأصل العدالة إلى أنْ يقوم دليل الجَرْح، والأصل لا يُترك للاحتمال، والله أعلم» انتهى. قُلْتُ: وهو يفيد أنَّه إذا كان المبهَم صحابيًّا فإنَّه يُقْبل حديثه، وهو ظاهر [ما] (٣) ذكره من أنَّ الدليل يفيد أنَّ التابعيَّ كالصحابيِّ، فيُبحَث فيه بأنَّ الحديث المستدَلَّ به تَكرَّر فيه: «ثُمَّ الذين يلونهم» مرتين، بل ثلاثًا على ما ذَكَره بعضهم؛ فيُفِيد أنَّ تابع التابعين كذلك، وهذا غير ظاهر، وقد ذَكَروا أنَّ الخيريَّة في القرن الأول وما بعده مختلِفة المعنى، قاله (ج) (٤). وقال (هـ) (٥): «قوله: «كالمبهَم» بيان لحُكْم حديثه، يعني فيُرَدُّ حديثُه، وقوله: «إلَّا أنْ يوثِّقَه ... إلخ»: قال (ق) (٦): هذا اختيار ابن القطان، وقُيِّد الموثِّق

стр. 600

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بكونه من أئمة الجرح والتعديل، وقد أهمله المؤلِّف، ثُمَّ يقال: إن كان الذي انفرد ... إلخ قوله: والأصل لا يُترك للاحتمال» انتهى، وليس مِثل قول ابن كَثيرٍ: المبهَم إذا سُمِّي ولم تعرف عينُه لا تقبل روايته عند أحدٍ عَلِمْناه إلَّا إذا كان من عصر التابعين؛ لأنَّ هذا إنما أشار لمَحِل الخلاف وليس فيه أنَّه مختارٌ له، ولا يخفاك بقرينة آخر كلامه أنَّ مراده: أنَّ المجهول من التابعين بالمعنى (أ/١٣١) المذكور ينبغي قَبول خبره كما في المجهول من الصحابة؛ لثبوت عدالة التابعين بهذا الحديث كما هي ثابتة للصحابة، وهذا غير صحيح؛ لأنَّ الثابت الخيريَّة لمجموع القرن الثاني، وذلك لا يستلْزِم ثبوتها لكلِّ فرْدٍ فَرْدٍ منه؛ بدليل وجود كثير من أهل الجرْح في القرن الثاني، ولكلِّ فرْدٍ فرْدٍ من أهل القرن الأول كما حمله على ذلك الأئمة، ومنهم النوويُّ في «شرح مُسْلِمٍ»؛ فقول المُحَشِّي (هـ/١٥٢): «فيكون الأصل العدالة» إنْ أراد في الجملة فمسَلمٌ، لكنَّه لا يفيد؛ لاحتمال أنَّ هذا الفردَ ليس متصفًا بها، وإنْ أراد بهذا الفرْد [فليس] (١) في الحديث ما يدلُّ عليه، وأمَّا أصل القياس على الصحابة فهو قياس بلا جامعٍ؛ لما مَرَّ. وأمَّا قوله: «وقد أهملَه المؤلِّف» إنْ سُلم الإهمال فهو لا يضرُّه للحُكْم به؛ لأنَّ التوثيق والتعديل كالتجريح لا يعتد بها إلَّا إذا صَدَرتْ من المتأهِّلين لها، لكنَّا لا نسلِّمُه؛ لجواز أن يكون قول الشارح: «إذا كان متأهِّلًا لذلك» راجعًا للصورتين جميعًا، بل هذا هو الصواب، وبه يندفع قوله المبني على هذا الفَهْم. قد يُقال: ما الفَرْقُ بَيْن من ينفرد عنه وبَيْن غيره حتى شَرَط تأهُّل غير المنفرِد

стр. 601

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . للتوثيق دون المنفرِد، وحينئذٍ فصواب عبارته إسقاط «غير» من الأول وإثباتها في الثاني، كما هو كلام الشرح الذي استشكله. [قوله] (١): «وكذا مَنْ يَنْفَرِدُ عنه ... إلخ»: ظاهره أنَّ فيه خلافًا، وأنَّ الأصحَّ فيه القَبول؛ إذ الأصل في التشبيه التمام، ولا شكَّ أنَّ التوهُّم في عدم قَبول توثيق هذا أقوى منه في مَنْ قبله. [قوله] (٢): «إذا كان متأهِّلًا لذلك»: أي: للتوثيق؛ بأنْ يكون من الحفَّاظ المطَّلِعين المتقِنين، والظاهر: أنَّه لا كبير فائدة في هذا باعتبار خصوص هذا الموضِع؛ إذ كلُّ تعديلٍ أو تجْريح لا بُدَّ فيه من أهليَّة المعدِّل والمجرِّح. واعلم أنَّ هذا القِسم من أقسام المجهول رَدَّه أكثر العلماء فلا يقبلونه مُطْلَقًا، وهو الصحيح؛ للإجماع على عدم قَبول غير العَدْل، والمجهول ليس عدْلًا، ولا في معناه في حصول الثقة به، ولأنَّ الفِسْق مانعٌ من القَبول، كالصِّباء والكُفر؛ فيكون الشكُّ فيه مانعًا من ذلك كما أنَّه منهما كذلك. قوله: «أو: إنْ روى ... إلخ»: أشار بتقدير «إن روى عنه» إلى «اثنان» في المَتْن معطوف على «واحد» عطْفَ الجُمَل، و «إن انفرَد» معطوف على «سُمِّي»؛ فإفادة الشرط داخلة عليه تقديرًا، وأنَّ قوله: «ولم يُوثَّق» راجع لهما معًا، وملخصه: أنَّ مجهول الحال

стр. 602

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قِسْمٌ واحدٌ، وهو: مَنْ سُمِّي وروى عنه اثنان فصاعِدًا ولم يوثَّق، هو المستور، وقد بيَّن حُكْمه في الشرح، وهذا غير وافٍ ببيان حقيقة الحال، والكشف عنها بالمقال: أنَّ القِسم الثاني من أقسام المجهول هو: مجهول الحال في العدالة في الظاهر والباطن مع كونه معروفَ العين برواية عَدْلين عنه، وفيه أقوال: «أحدُها -وهو قول الجماهير كما حكاه ابن الصَّلاح (١) -: أنَّ روايته غيرُ مقبولة مُطْلَقًا. والثاني: أنَّها تُقْبَل مُطْلَقًا وإن لم تُقْبَل رواية القِسم الأول، قال ابن الصَّلاح (٢): «وقد يَقْبَل رواية المجهول العدالة من لا يَقْبَل رواية المجهول العين». والثالث: إنْ كان الراويان أو الرُّواة عنه فيهم من لا يروي عن غير عدل قُبِل وإلَّا فلا» انتهى كلام العراقيِّ (٣)؛ فقد عرَفتَ أنَّ مذهب الجمهور في هذا القِسم رَدُّ روايته مُطْلَقًا، وأنَّ الراويين عنه لا بُدَّ من كونهما عَدْلين، وقد حكى ابن السُّبْكِيِّ (٤) في هذا القِسم: أنَّ روايته مردودة بالإجماع. وأمَّا القِسم الثالث من أقسام المجهول، وهو: مجهول العدالة الباطنة فقط مع كونه عدْلًا في الظاهر، بمعنى أنَّه في الظاهر لم يُطَّلع فيه على قادحٍ ولم يُزكَّ، وهذا يَحتَجُّ به بعض من رَدَّ القِسمين الأولين، وبه قَطَع الإمام سليم بن أيوب الرازيُّ، قال: «لأنَّ [الأخبار] (٥) تُبنى على حُسْن الظَّنِّ بالراوي، ولأنَّ رواية

стр. 603

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الأخبار تكون عند من يتعذر عليه معرفة العدالة في الباطن؛ فاقتُصر (هـ/١٥٣) فيها على معرفة ذلك في الظاهر، وتُفارق الشَّهادة بأنَّه قد تكون عند الحُكام ولا يتعذر عليهم ذلك؛ فاعتُبر فيها العدالة في الظاهر والباطن»، وعَزاه النووي (١) لكثير من المحقِّقين وصححه أيضًا. قال ابن الصَّلاح (٢): «ويُشبه أن يكون العمل على هذا الرأي في كثير من كتب الحديث المشهورة (أ/١٣٢) في غير واحدٍ من الرواة الذين تقادَم العهد بهم وتعذَّرت الخبرة الباطنة بهم، والله أعلم». ولما ذَكَر ابن الصَّلاح هذا القِسم قال: «وهو المستور» بعد: «قال بعض أئمتنا: المستور من يكون عدلًا في الظاهر ولا تعرف عدالته باطنًا» انتهى، ومراده بذلك البعض الذي لم يُسمِّه: البَغَويُّ. تنبيه: لا بُدَّ في هذا القِسم الأخير من زيادة رواته على اثنين من غير أن يوثقوهم ولا غيرهم، ومن غير أن يجرِّحوه أيضًا كذلك، وقد جَزَم ابن السُّبْكيِّ (٣) بما قاله البَغَويُّ من أنَّ: «المجهول باطنًا هو المستور، وجَزَم برَدِّ حديثه، ونَقَل عن إمام الحرمين أنَّه توقف عن القَبول لحديثه والردِّ له إلى أنْ يظهر حاله بالبحث عنه، كما أنَّه يجب الانكفاف عما ثبت حِله بالأصل إذا روى هذا المجهول فيه التحريم إلى ظهور حاله احتياطًا، وإنْ ردَّه بعضُهم بأنَّ الحِلَّ ثابتٌ بالأصالة فلا يرتفع بالتحريم المشكوك فيه بروايته» انتهى.

стр. 604

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . إذا عَلِمْتَ هذا؛ فاعلم أنَّ القِسم الأول متميِّز في كلام المؤلِّف بلا شُبهة، وأنَّ القِسمين الأخيرين جمعهما المؤلِّف في وصفٍ واحدٍ وهو المشهور، حيث قال: «أو: إنْ روى عنه اثنان فصاعِدًا ... إلخ» جازمًا بما قاله: البَغويُّ والرافعيُّ وابن الصَّلاح وابن السُّبْكِيِّ، مُخَالِفًا للنوويِّ (١). وتفصيلهما: أنَّ القِسم الثاني من الأقسام الثلاثة التي فصَّلناها أشار له بـ «مَن روى عنه اثنان»، وأنَّ الثالث منهما أشار له بقوله: «فصاعِدًا»، لكنَّك عَرَفْت ممَّا فصَّلناه أنَّ حُكْم القِسم الأول: الردُّ مُطْلَقًا، وقد خالف الشارح هذا ففصَّل في حُكْمه جريًا على اختيار بعض الأقوال فيه، وأنَّ حُكْم القِسم الثاني: الردُّ مُطْلَقًا عند الأكثرين، وقد [خالف] (٢) الشارح فيه فاختار فيه الوَقْف حتى يتبين الحال، كما اختار مثل ذلك في القِسم الثالث، الذي قد عَرَفْت أنَّ حُكْمه: القَبولُ عند المحقِّقين وابن الصَّلاح. وقوله: «ولم يُوَثَّقْ»: يريد ولم يجرَّح أيضًا، وإلَّالم يكُن مجهولًا، قاله (هـ) (٣). [قوله] (٤): «وهو المَسْتُورُ»: لعلَّه أراد به المعنى اللُّغويَّ؛ فإنَّ القِسم الأول منه إنَّما هو معروف عندهم كمجهول الحال، كما أنَّ الثاني عندهم معروف بمجهول العدالة، قاله (هـ) (٥).

стр. 605

وَالتَّحقيقُ: أَنَّ روايةَ المستورِ ونحوِهِ ممَّا فيهِ الاحتِمالُ لا يُطلَقُ القَوْلُ بِرَدِّها، ولا بِقَبولِها، بَلْ يقال هي موقوفةٌ إِلى اسْتِبانَةِ حالِهِ كما جَزَمَ بهِ إِمامُ الحَرَمينِ. ونحوُهُ قولُ ابنِ الصَّلاحِ فيمَنْ جُرِحَ بجَرْحٍ غيرِ مُفَسَّرٍ. [قوله] (١): «والتَّحْقِيقُ ... إلخ»: هذا التحقيق هو قول إمام الحرمين السابق، لكنَّه لم يَذْكُره إلَّا في القِسم السادس كما عَرَفت، على أنَّ توافق طريقي المحدِّثين والأصوليين غيرُ لازم، قاله (هـ) (٢). [قوله] (٣): «ونحوِهِ ممَّا فيهِ الاحتِمالُ»: فسَّره الكمال بمن جُرِح ولم يفسَّر جَرْحُه كما جَزَم به إمام الحرمين، أي: في المستور ونحوه، هذا ظاهر كلامه، ولكن ما تقدم يقتضي أنَّ قول إمام الحرمين هذا في المجهول الحال فقط، قاله (ج) (٤). وقال (هـ) (٥): [قوله] (٦): «ونحوه» أي: المستور، وأنت خبيرٌ بأنَّ المستور عنده شاملٌ للقِسمين الباقيين من أقسام المجهول، فماذا أراد بالنَّحو المبين بما فيه احتمال؟ ويمكِن أنْ يكون أراد به المبهَم الذي لم يوَثَّق، ويكون معنى ردِّه: عدم قَبول روايته حتى يتَبَيَّنَ حاله بعد ذلك، كما يمكِن أنْ يكون أراد به من جُرِح جرحًا غير مفسَّر الآتي عن ابن الصَّلاح، وهذا صواب قولِه: (هـ/١٥٤) «ونحوُهُ قولُ ابنِ الصَّلاحِ» أي: ونحو القول بالوقف في المستور قول ابن الصَّلاح، فالجملة من المبتدأ والخبر مستأنفة، وليس لفظ: «نحو» مثالًا لنحو السَّابق وضميره له كما توهَّمه ضَعَفَة الطَّلبة.

стр. 606

ثمَّ البِدْعَةُ، وَهِيَ السَّببُ التَّاسعُ مِن أَسبابِ الطَّعْنِ في الرَّاوي، وهي إِمَّا أَنْ تَكونَ بمُكَفِّرٍ؛ كأَنْ يعتَقِدَ ما يستَلْزِمُ الكُفْرَ، أو بِمُفَسِّقٍ: [قوله] (١): «ثُمَّ البِدْعَةُ»: يعني بالاعتقاد، وأما بالجوارح فهي الفِسْق السابق حُكْمه، وهي مأخوذة من الإبداع، وهو: إخراج الشيء على غير مثال؛ فكأنَّ المخالِف في قواعد الاعتقاد الشرعيِّ أخْرَج اعتقاده على غير ما طلبه الشارع منه وبيَّنه له. قوله: «في الراوي» لغو متعلِّق بـ «الطَّعن». [قوله] (٢): «وهي إمَّا أنْ تَكُون بِمُكَفِّرٍ ... إلخ»: اعلم أنَّ تقدير الشارح «وهي» فيه إخراج للمَتْن عن ظاهره؛ إذ لفظ المَتْن: «ثُمَّ البدعة إِمَّا بمكَفِّرٍ إلخ»، وعلى ما فعله الشارح فيُقدَّر للبدعة خبرٌ. قوله: «كأَنْ يَعْتَقِدَ ما يَسْتَلْزِمُ الكُفْرَ»: هذا مبنيٌّ على أنَّ لازم المَذْهَبِ مَذْهَبٌ، وهو قولٌ مرجوح، وظاهر هذا أنَّ مَحِلَّ الخلاف في هذا الموضِع، وأنَّ من حصل منه ما هو كُفْرٌ ليس فيه هذا (أ/١٣٣) الخلاف، وأنَّه يُرَدُّ قَطْعًا. وقوله: «فالمُعْتَمَد أنَّ الذي تُرَدُّ روايتُه ... إلخ»: يقتضي وجود الخلاف في هذا، ويفيد أنَّ من اعتقد ما يستَلْزِم الكُفْر لا يُقال فيه: إنَّ روايته تُردُّ -على المُعتَمد-، وما ذكره في المَتْن من عود ردِّه للجمهور واقتصاره عليه يفيد خِلاف هذا، وأنَّ المُعتَمَد رَدُّ حديث من اعتقد ما يَستلزِمُ الكُفْرَ. فإنْ قيل: قوله: «كأنْ يَعْتَقِد ... إلخ» يقتضي أنَّ مَحِلَّ الخلاف ليس مقصورًا على هذا؛ لقوله: «كأنْ يَعْتَقِد ... إلخ» حيث لم يَقُلْ: بأنْ يعتقد ... إلخ؛ فيشمل من أتى بالكُفْر صريحًا، قُلْنا: هذا يقتضي أيضًا أنَّ المُعْتَمَدَ ردُّ رواية من اعتقد ما يستَلْزِم

стр. 607

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الكُفْر، وهو خلاف مفادِ قوله: «فالمُعْتَمَد أنَّ الذي ... إلخ»، ويفيد الاختلاف في رواية من اتُّفِق على تكفيره. واعلم أنَّ مقتضى ما ذكره الكمال بن أبي شريف في «حاشية جمع الجوامع» (١): أنَّ المبتدِع إنْ أتى بما يستَلْزِم الكُفْر جرى الخلاف في قَبول روايته، وأمَّا من أتى بما هو صريح الكُفْر فإنَّ روايته لا تُقبَل قَطعًا بلا خلاف، ومقتضى كلام غيره كالعراقيِّ، والحافظ ابن حجر، وشيخ الإسلام في «شرح ألفيَّة العراقيِّ» و «حاشية جمع الجوامع» (٢): أنَّ الخلاف جارٍ في هذا الثاني أيضًا، وفيه نظرٌ؛ فإنَّ قَبول رواية الأول إنَّما هو مبنيٌّ على عَدَم كُفْره، إذا تَمَهَّد هذا فقوله: «فالمعتمد ... إلخ» يقتضي الخلاف فيمن أتى بما هو كُفْرٌ صريح، ومقتضى كلام الكمال خلافه، وأنَّه تُردُّ روايته من غير خِلاف، ولكنَّه موافقٌ ظاهر ما للعراقيِّ ومن تَبِعه، وبعد ذلك يَرِدُ عليه: أنَّه يقتضي أنَّ من أتى بما يستَلْزِم الكُفْرَ لا يكون المُعْتَمَد رد روايته، وهو خِلاف مقتضى كلامه في المَتْن وما شرحه به؛ فتأمله، قاله (ج) (٣). قال (هـ) (٤): قوله: «إِمَّا أنْ تكون بِمُكَفِّرٍ ... إلخ» أي: إما ذو أن تكون، والفِعل يَحْتمل التمام والنقصان، وقوله: «بِمُكَفِّرٍ» أي: بسبب اعتقاد أمرٍ مكفِّرٍ لغو أو مستقر. وقوله: «كأنْ يَعْتَقد ... إلخ» قال (ق) (٥): «في التكفير باللازم كلام لأهل العِلْم» انتهى. والحقُّ في المسألة: أنَّ اللازم إن كان بيِّنًا والتزمه صاحب ذلك الاعتقاد كان كُفْرًا وإلَّا فلا، فكلُّ من

стр. 608

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أنكر مُجمَعًا عليه معلومًا من الدين بالضَّرورة كفَر سواء كان فيه نصٌّ أو لا، ومعنى العِلْم بالضرورة: أنْ يكون ذلك المعلوم من أمور الإسلام الظاهرة التي يشترك في معرفتها الخواصُّ والعوامُّ. وقال الكمال: ليس المراد بِمَنْ كَفَر ببدعته: من أتى بما هو صريح كُفْر كالعُرابية ونحوهم، بل من يأتي بالشهادتين مُعْتَقِد الإسلام غير (هـ/١٥٥) أنَّه ارتكب بدعة يلزمها أمرٌ هو كُفْر؛ فكَفَّره مَنْ يرى لازم المذهب مذهبًا كالمجسمة، فإنَّه يلْزم قولهم الجهل بالله، والجهل بالله كفرٌ، ويلْزَمه: أنَّ العابد لجسم غير عابد لله، وهو كُفْر، ومن لا يُكَفِّرهم يجيب عن الأول بأنَّ الجهل بالله -من بعض الوجوه- ليس بِكُفْر بعد الإقرار بوجوده ووجوبه ووحدانيَّتِه، وأنَّه الخلاق العليم الأزليِّ القديم، وبرسالة الرسل، وعن الثاني بِمَنْع كونه عابدًا لغير الله، بل هو معتقد في الله ما لا يجوز عليه مما جاء به الشرع على تأويلٍ ولم يُأَوِّله؛ فلا يكون كافرًا. قال الغزاليُّ (١): وعدم التكفير أقرب إلى السلامة، وجزم النوويُّ في «المجموع» (٢) بالتكفير، واختاره ابن عرفة المالكيُّ في المُجَسِّم. إذا عرَفت هذا؛ فمثال كلام المؤلِّف: المجسِّمة، ومعتقِدُو [عدم] (٣) تَعلُّق علمه تعالى بالجزئيات أو بالمعدوم إنْ قلنا بتكفيرهم بذلك. [قوله] (٤): «أو بِمُفَسِّقٍ»: عطفٌ على «بمُكَفِّر»، أي: ويكون بسبب اعتقاد أمر مفسِّق غير مكفِّر.

стр. 609

فَالأَوَّلُ: لَا يَقْبَلُ صَاحِبَها الجُمْهورُ. وَقيلَ: يُقْبَلُ مُطلقًا. وَقيلَ: إِنْ كانَ لا يَعْتَقِدُ حِلَّ الكَذِبِ لنُصْرَةِ مقالَتِهِ قُبِلَ. والتحقيق: أنَّه لا يُرَدُّ كُلُّ مُكفَّرٍ ببدعَتِهِ؛ لأَنَّ كُلَّ طائفةٍ تدَّعي أَنَّ مُخَالِفيها مُبْتَدِعةٌ، وقَدْ تُبالِغُ فتُكفِّرُ مخالِفها، فلو أُخِذَ ذلك على الإِطلاقِ؛ لَاسْتَلْزَمَ تكفيرَ جميعِ الطَّوائفِ، فالمُعْتَمَدُ أَنَّ الَّذي تُرَدُّ روايتُهُ: مَنْ أَنْكَرَ أَمرًا مُتَواتِرًا مِن الشَّرعِ، مَعْلومًا مِن الدِّينِ بالضَّرورةِ، وكَذَا مَن اعتقدَ عَكْسَهُ. فأَمَّا مَنْ لم يَكُنْ بهذهِ الصِّفَةِ، وانْضَمَّ إِلى ذَلكَ ضَبْطُهُ لِما يَرويهِ مَعَ وَرَعِهِ وتَقْواهُ، فلا مَانِعَ مِن قَبولِهِ أصلًا. وقوله: «فالأوَّل»: أي: فالنَّوع الأول من نوعي البدعة، وهو: ما كان بمكفِّر؛ «لا يَقْبَل صاحبَها الجمهورُ» يُعني مُطْلَقًا؛ لعِظَم بدعته وقبحها، وفيه تصريح بوجود الخلاف في قَبول رواية هذا القسم، وهو طريق الأصوليين، ولم يحك ابن الصَّلاح في رَدِّ روايته خلافًا (١)، ووافقه النوويُّ في «تقريبه» (٢)، فإنْ كان قد قَصَد الردَّ عليه فتطابُق الطريقين غير لازم كما عَلِمْتَ مرارًا، وإنْ قصد بيان الواقع قَرُب. وقوله: «وقيل: يُقْبَلُ مُطْلَقًا»: هذا قولٌ لم يَحْكِه ابن الصَّلاح (٣)، وهو: قَبول خبر المبتدعة مُطْلَقًا وإن كانوا كفَّارًا أو فسَّاقًا بالتأويل مع اعتقاد حرمة الكذب، وهذا أضعف الأقوال، وقد عَلِمْتَ أنَّه مقيَّد بأنْ يكون لهم تأويل، فلا بُدَّ منه على هذا القول.
следующие страницы →