وَالتَّحقيقُ: أَنَّ روايةَ المستورِ ونحوِهِ ممَّا فيهِ الاحتِمالُ لا يُطلَقُ القَوْلُ بِرَدِّها، ولا بِقَبولِها، بَلْ يقال هي موقوفةٌ إِلى اسْتِبانَةِ حالِهِ كما جَزَمَ بهِ إِمامُ الحَرَمينِ.
ونحوُهُ قولُ ابنِ الصَّلاحِ فيمَنْ جُرِحَ بجَرْحٍ غيرِ مُفَسَّرٍ.
[قوله] (١): «والتَّحْقِيقُ ... إلخ»: هذا التحقيق هو قول إمام الحرمين السابق، لكنَّه لم يَذْكُره إلَّا في القِسم السادس كما عَرَفت، على أنَّ توافق طريقي المحدِّثين والأصوليين غيرُ لازم، قاله (هـ) (٢).
[قوله] (٣): «ونحوِهِ ممَّا فيهِ الاحتِمالُ»: فسَّره الكمال بمن جُرِح ولم يفسَّر جَرْحُه كما جَزَم به إمام الحرمين، أي: في المستور ونحوه، هذا ظاهر كلامه، ولكن ما تقدم يقتضي أنَّ قول إمام الحرمين هذا في المجهول الحال فقط، قاله (ج) (٤).
وقال (هـ) (٥): [قوله] (٦): «ونحوه» أي: المستور، وأنت خبيرٌ بأنَّ المستور عنده شاملٌ للقِسمين الباقيين من أقسام المجهول، فماذا أراد بالنَّحو المبين بما فيه احتمال؟ ويمكِن أنْ يكون أراد به المبهَم الذي لم يوَثَّق، ويكون معنى ردِّه: عدم قَبول روايته حتى يتَبَيَّنَ حاله بعد ذلك، كما يمكِن أنْ يكون أراد به من جُرِح جرحًا غير مفسَّر الآتي عن ابن الصَّلاح، وهذا صواب قولِه: (هـ/١٥٤) «ونحوُهُ قولُ ابنِ الصَّلاحِ» أي: ونحو القول بالوقف في المستور قول ابن الصَّلاح، فالجملة من المبتدأ والخبر مستأنفة، وليس لفظ: «نحو» مثالًا لنحو السَّابق وضميره له كما توهَّمه ضَعَفَة الطَّلبة.
стр. 606
ثمَّ البِدْعَةُ، وَهِيَ السَّببُ التَّاسعُ مِن أَسبابِ الطَّعْنِ في الرَّاوي، وهي إِمَّا أَنْ تَكونَ بمُكَفِّرٍ؛ كأَنْ يعتَقِدَ ما يستَلْزِمُ الكُفْرَ، أو بِمُفَسِّقٍ:
[قوله] (١): «ثُمَّ البِدْعَةُ»: يعني بالاعتقاد، وأما بالجوارح فهي الفِسْق السابق حُكْمه، وهي مأخوذة من الإبداع، وهو: إخراج الشيء على غير مثال؛ فكأنَّ المخالِف في قواعد الاعتقاد الشرعيِّ أخْرَج اعتقاده على غير ما طلبه الشارع منه وبيَّنه له. قوله: «في الراوي» لغو متعلِّق بـ «الطَّعن».
[قوله] (٢): «وهي إمَّا أنْ تَكُون بِمُكَفِّرٍ ... إلخ»:
اعلم أنَّ تقدير الشارح «وهي» فيه إخراج للمَتْن عن ظاهره؛ إذ لفظ المَتْن: «ثُمَّ البدعة إِمَّا بمكَفِّرٍ إلخ»، وعلى ما فعله الشارح فيُقدَّر للبدعة خبرٌ.
قوله: «كأَنْ يَعْتَقِدَ ما يَسْتَلْزِمُ الكُفْرَ»: هذا مبنيٌّ على أنَّ لازم المَذْهَبِ مَذْهَبٌ، وهو قولٌ مرجوح، وظاهر هذا أنَّ مَحِلَّ الخلاف في هذا الموضِع، وأنَّ من حصل منه ما هو كُفْرٌ ليس فيه هذا (أ/١٣٣) الخلاف، وأنَّه يُرَدُّ قَطْعًا.
وقوله: «فالمُعْتَمَد أنَّ الذي تُرَدُّ روايتُه ... إلخ»:
يقتضي وجود الخلاف في هذا، ويفيد أنَّ من اعتقد ما يستَلْزِم الكُفْر لا يُقال فيه: إنَّ روايته تُردُّ -على المُعتَمد-، وما ذكره في المَتْن من عود ردِّه للجمهور واقتصاره عليه يفيد خِلاف هذا، وأنَّ المُعتَمَد رَدُّ حديث من اعتقد ما يَستلزِمُ الكُفْرَ. فإنْ قيل: قوله: «كأنْ يَعْتَقِد ... إلخ» يقتضي أنَّ مَحِلَّ الخلاف ليس مقصورًا على هذا؛ لقوله: «كأنْ يَعْتَقِد ... إلخ» حيث لم يَقُلْ: بأنْ يعتقد ... إلخ؛ فيشمل من أتى بالكُفْر صريحًا، قُلْنا: هذا يقتضي أيضًا أنَّ المُعْتَمَدَ ردُّ رواية من اعتقد ما يستَلْزِم
стр. 607
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الكُفْر، وهو خلاف مفادِ قوله: «فالمُعْتَمَد أنَّ الذي ... إلخ»، ويفيد الاختلاف في رواية من اتُّفِق على تكفيره.
واعلم أنَّ مقتضى ما ذكره الكمال بن أبي شريف في «حاشية جمع الجوامع» (١): أنَّ المبتدِع إنْ أتى بما يستَلْزِم الكُفْر جرى الخلاف في قَبول روايته، وأمَّا من أتى بما هو صريح الكُفْر فإنَّ روايته لا تُقبَل قَطعًا بلا خلاف، ومقتضى كلام غيره كالعراقيِّ، والحافظ ابن حجر، وشيخ الإسلام في «شرح ألفيَّة العراقيِّ» و «حاشية جمع الجوامع» (٢):
أنَّ الخلاف جارٍ في هذا الثاني أيضًا، وفيه نظرٌ؛ فإنَّ قَبول رواية الأول إنَّما هو مبنيٌّ على عَدَم كُفْره، إذا تَمَهَّد هذا فقوله: «فالمعتمد ... إلخ» يقتضي الخلاف فيمن أتى بما هو كُفْرٌ صريح، ومقتضى كلام الكمال خلافه، وأنَّه تُردُّ روايته من غير خِلاف، ولكنَّه موافقٌ ظاهر ما للعراقيِّ ومن تَبِعه، وبعد ذلك يَرِدُ عليه: أنَّه يقتضي أنَّ من أتى بما يستَلْزِم الكُفْرَ لا يكون المُعْتَمَد رد روايته، وهو خِلاف مقتضى كلامه في المَتْن وما شرحه به؛ فتأمله، قاله (ج) (٣).
قال (هـ) (٤): قوله: «إِمَّا أنْ تكون بِمُكَفِّرٍ ... إلخ» أي: إما ذو أن تكون، والفِعل يَحْتمل التمام والنقصان، وقوله: «بِمُكَفِّرٍ» أي: بسبب اعتقاد أمرٍ مكفِّرٍ لغو أو مستقر.
وقوله: «كأنْ يَعْتَقد ... إلخ»
قال (ق) (٥): «في التكفير باللازم كلام لأهل العِلْم» انتهى. والحقُّ في المسألة: أنَّ اللازم إن كان بيِّنًا والتزمه صاحب ذلك الاعتقاد كان كُفْرًا وإلَّا فلا، فكلُّ من
стр. 608
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنكر مُجمَعًا عليه معلومًا من الدين بالضَّرورة كفَر سواء كان فيه نصٌّ أو لا، ومعنى العِلْم بالضرورة: أنْ يكون ذلك المعلوم من أمور الإسلام الظاهرة التي يشترك في معرفتها الخواصُّ والعوامُّ. وقال الكمال: ليس المراد بِمَنْ كَفَر ببدعته: من أتى بما هو صريح كُفْر كالعُرابية ونحوهم، بل من يأتي بالشهادتين مُعْتَقِد الإسلام غير (هـ/١٥٥) أنَّه ارتكب بدعة يلزمها أمرٌ هو كُفْر؛ فكَفَّره مَنْ يرى لازم المذهب مذهبًا كالمجسمة، فإنَّه يلْزم قولهم الجهل بالله، والجهل بالله كفرٌ، ويلْزَمه: أنَّ العابد لجسم غير عابد لله، وهو كُفْر، ومن لا يُكَفِّرهم يجيب عن الأول بأنَّ الجهل بالله -من بعض الوجوه- ليس بِكُفْر بعد الإقرار بوجوده ووجوبه ووحدانيَّتِه، وأنَّه الخلاق العليم الأزليِّ القديم، وبرسالة الرسل، وعن الثاني بِمَنْع كونه عابدًا لغير الله، بل هو معتقد في الله ما لا يجوز عليه مما جاء به الشرع على تأويلٍ ولم يُأَوِّله؛ فلا يكون كافرًا.
قال الغزاليُّ (١): وعدم التكفير أقرب إلى السلامة، وجزم النوويُّ في «المجموع» (٢) بالتكفير، واختاره ابن عرفة المالكيُّ في المُجَسِّم.
إذا عرَفت هذا؛ فمثال كلام المؤلِّف: المجسِّمة، ومعتقِدُو [عدم] (٣) تَعلُّق علمه تعالى بالجزئيات أو بالمعدوم إنْ قلنا بتكفيرهم بذلك.
[قوله] (٤): «أو بِمُفَسِّقٍ»:
عطفٌ على «بمُكَفِّر»، أي: ويكون بسبب اعتقاد أمر مفسِّق غير مكفِّر.
стр. 609
فَالأَوَّلُ: لَا يَقْبَلُ صَاحِبَها الجُمْهورُ. وَقيلَ: يُقْبَلُ مُطلقًا. وَقيلَ: إِنْ كانَ لا يَعْتَقِدُ حِلَّ الكَذِبِ لنُصْرَةِ مقالَتِهِ قُبِلَ.
والتحقيق: أنَّه لا يُرَدُّ كُلُّ مُكفَّرٍ ببدعَتِهِ؛ لأَنَّ كُلَّ طائفةٍ تدَّعي أَنَّ مُخَالِفيها مُبْتَدِعةٌ، وقَدْ تُبالِغُ فتُكفِّرُ مخالِفها، فلو أُخِذَ ذلك على الإِطلاقِ؛ لَاسْتَلْزَمَ تكفيرَ جميعِ الطَّوائفِ، فالمُعْتَمَدُ أَنَّ الَّذي تُرَدُّ روايتُهُ: مَنْ أَنْكَرَ أَمرًا مُتَواتِرًا مِن الشَّرعِ، مَعْلومًا مِن الدِّينِ بالضَّرورةِ، وكَذَا مَن اعتقدَ عَكْسَهُ.
فأَمَّا مَنْ لم يَكُنْ بهذهِ الصِّفَةِ، وانْضَمَّ إِلى ذَلكَ ضَبْطُهُ لِما يَرويهِ مَعَ وَرَعِهِ وتَقْواهُ، فلا مَانِعَ مِن قَبولِهِ أصلًا.
وقوله: «فالأوَّل»: أي: فالنَّوع الأول من نوعي البدعة، وهو: ما كان بمكفِّر؛ «لا يَقْبَل صاحبَها الجمهورُ» يُعني مُطْلَقًا؛ لعِظَم بدعته وقبحها، وفيه تصريح بوجود الخلاف في قَبول رواية هذا القسم، وهو طريق الأصوليين، ولم يحك ابن الصَّلاح في رَدِّ روايته خلافًا (١)، ووافقه النوويُّ في «تقريبه» (٢)، فإنْ كان قد قَصَد الردَّ عليه فتطابُق الطريقين غير لازم كما عَلِمْتَ مرارًا، وإنْ قصد بيان الواقع قَرُب.
وقوله: «وقيل: يُقْبَلُ مُطْلَقًا»: هذا قولٌ لم يَحْكِه ابن الصَّلاح (٣)، وهو: قَبول خبر المبتدعة مُطْلَقًا وإن كانوا كفَّارًا أو فسَّاقًا بالتأويل مع اعتقاد حرمة الكذب، وهذا أضعف الأقوال، وقد عَلِمْتَ أنَّه مقيَّد بأنْ يكون لهم تأويل، فلا بُدَّ منه على هذا القول.
стр. 610
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقوله: «كُلُّ مُكَفَّرٍ بِبِدْعَةٍ»:
اسم مفعول، يعني أنَّ التحقيق (أ/١٣٤): أنَّه لا يُرَدُّ كلُّ من تكلَّم النَّاس في تكفيره ببدعة؛ «لأنَّ كل ... إلخ» قاله (هـ) (١).
[قوله] (٢): «وقَدْ تُبَالِغُ»:
أي: طائفة، وأشار بهذا إلى أنَّ التصريح بالتَّكْفِير الواقع من الطوائف على من ينطبق عليه الضابط الآتي إنَّما هو على سبيل المبالغة، أي: والتنفير والطردُّ عن اتباعهم في اعتقاداتهم الباطل إنْ لم يكن كُفْرًا، وقد يُراد بالكُفر تغطيةُ الحقِّ بالباطل، ومنه سُمِّي الحارث كافرًا؛ لسَتْره البَذْر بالحَرْث.
وقوله: «فلو أُخِذَ ذلك»:
أي: تكفير المبتدِع «على الإطلاق؛ لاستلْزَم تكفير جميع الطوائف»، أي: فيَستَلْزِم ردَّ رواية جميع الطوائف، وهو يُنافي احتمال عدم التكفير الذي يقتضيه قوله: «قد تُبالِغ بتكفير مخالِفِيها»؛ إذ يَحْتمل ألَّا تبالِغ فلا تُكَفِّر.
[قوله] (٣): «فالمُعْتَمَدُ ... إلخ»:
أي: أنَّ المعتمد أنَّ البِدْعيَّ الذي تُردُّ روايته ... إلخ. الذي ينبغي أنْ يُفهم عليه كلامُ الشارح أنَّه قصَد تحرير مَحِلِّ الخلاف، وأنَّ تلك الأقوال التي قالها الأصوليين إنَّما هي في مُبتدِعٍ رُمِي بالتكفير على وجه المبالغة أو نحوها، أمَّا المُبتدِع الذي بدعته أدَّته إلى إنكار «أمرٍ متواترٍ من الشرع، معلوم من الدين
стр. 611
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالضرورة ... إلخ» فرَدُّ روايته متَّفقٌ عليه [ليس] (١) من مَحِل الخلاف في شيء؛ لأنَّه كافر، وقد اتفقوا على ردِّ روايته وعدم قَبولِها، إلَّا أنْ يُسْلم ويصير عَدْلًا ثُمَّ يؤدي، وعليه حُمِل كلام النوويِّ وابن الصَّلاح وأضرابهما، وعلى هذا فقوله: «الذي تُرَدُّ روايته» معناه: الذي يُتَّفق على ردِّ روايته، لا الذي يترجَّح ردُّ روايته؛ لعرائه عن الفائدة كما يُعلم بأدنى إصغاء.
[قوله] (٢): «وكذا مَنِ اعْتَقَدَ عَكْسَهُ»:
وهو مَنْ أثبت بقوله الدالِّ على عَقْده أمرًا معلومًا انتفاؤه من (هـ/١٥٦) الدين بالضَّرورة منقولًا بالتواتُر، كمن أثبت صلاة زائدة على الصلوات الخمس، ونحو ذلك.
[قوله] (٣): «فأمَّا مَنْ لم يكن مُتَّصِفًا ... إلخ»:
يعني: والفَرض أنَّه ممَّن رُمِي بالكُفر.
وقوله: «فلا مانِعَ ... إلخ»:
يريدُ من غير خلاف، وعليه يحمل كلام صاحب «المحصول»، ولا بُدَّ أنْ يَنْضَمَّ إلى ذلك أيضًا: ألَّا يكون داعِيَةً.
فقوله: «مَعْ وَرَعِه وَتَقْوَاه»:
يريد على زَعْمه فلا إشكال، هذا ما انقَدَح [لي] (٤) في تمشية كلامه، ولم أقف لتلامذته ولا مُحَشِّيه على كلام فيه، وبالله أستعين، قاله (هـ) (٥).
стр. 612
والثاني: وهو مَنْ لا تَقْتَضي بدعَتُهُ التَّكفيرَ أَصلًا، وَ قَد اختُلِفَ أَيضًا في قَبُولِهِ ورَدِّهِ:
فَقِيلَ: يُرَدُّ مُطلَقًا، وهُو بَعيدٌ.
وأَكثرُ مَا عُلِّلَ بهِ أَنَّ في الرِّوايةِ عنهُ تَرْويجًا لأمرِهِ، وتَنْويهًا بذِكْرِهِ.
وعَلَى هَذا، فيَنْبَغي أَلَّا يُرْوى عنْ مُبْتَدعٍ شيءٌ يُشارِكُهُ فيهِ غيرُ مُبتدعٍ.
وَقيلَ: يُقْبَلُ مُطْلقًا إِلَّا إِن اعْتَقَدَ حِلَّ الكَذِبِ، كما تقدَّمَ.
وَقيلَ: يُقْبَلُ مَنْ لَمْ يَكُنْ داعِيةً إِلى بِدعَتِهِ؛ لأنَّ تزيينَ بِدعَتِهِ قد يَحْمِلُهُ على تَحريفِ الرِّواياتِ وتَسويَتِها على ما يقتَضيهِ مذهَبُهُ، وهَذَا في الأصَحِّ.
وأَغْرَبَ ابنُ حِبَّانَ، فادَّعى الاتِّفاقَ على قَبُولِ غيرِ الدَّاعيةِ مِن غيرِ تفصيلٍ.
نَعَمْ، الأكثرُ على قَبُولِ غيرِ الدَّاعِيَةِ إِلَّا إنْ رَوَى ما يُقَوِّي بِدْعَتَهُ، فيُرَدُّ عَلَى المَذْهَبِ المُخْتارِ، وَبِهِ صرَّحَ الحافِظُ أَبو إِسحاقَ إِبراهيمُ بنُ يعقوبَ الجُوزَجانِيُّ شيخُ أَبي داودَ، والنَّسائِيُّ في كتابِهِ «معرفة الرِّجال»، فَقَالَ في وَصْفِ الرُّواةِ: «وَمِنهُم زائغٌ عن الحَقِّ -أَيْ: عنِ السُّنَّةِ- صادقُ اللَّهجَةِ، فليسَ فيهِ حيلةٌ إِلَّا أَنْ يُؤخَذَ مِن حديثِه غير ما لا يكونُ مُنْكرًا إِذا لم يُقَوِّ بهِ بدْعَتَهُ». اهـ.
[قوله] (١): «والثَّاني»:
أي: النَّوع الثاني من نوعي البدعة، هي: بدعة من لا يقتضي بدعته التكفير أصلًا، لا حقيقةً ولا مَجازًا، وبهذا غايَر ما قبله.
قوله: «وهو بَعِيدٌ»:
قال ابن الصَّلاح (٢): إنَّه بعيد مُباعِدٌ للشائع عن أئمة الحديث؛ فإنَّ كتبهم
стр. 613
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
طافِحَة بالرواية عن المبتدعة غير الدُّعاة.
[قوله] (١): «وأكْثرُ ما عُلِّلَ به»:
لا يُحمل على غاية ما عُلِّل به كذا؛ لِمَا علمت من العلَّة المذكورة؛ إذ هي أقوى ممَّا ذَكَره فلا يَنْهَض حجَّة، فيُحْمل على كثرة الاستعمال فيما تداولوه بينهم، وهذا القول هو الذي نقله الآمِديُّ (٢) عن الأكثرين، وجَزَم به ابن الحاجب (٣)، ومعنى الإطلاق فيه: سواء كان داعية أو غير داعية، كما هو قاعدة وقوع الإطلاق في مقابلة تفصيل سابِقٍ أو لاحَقٍ، ثُمَّ إنَّ مُجَرَّد الرواية عنه لا يقتضي ترويجًا، وإنَّما يقتضي ذلك قَبولَ روايته؛ ففي الكلام حَذفٌ يقتضيه المقام، فإنَّ بقَبول روايته يُتَطرَّق لقَبول بدعته، خصوصًا مع اتصافه ظاهرًا -بزعمه- بصفات القَبول؛ من: عدالته وضبطه وعدم اتهامه؛ إذ لا يُقبل إلَّا روايةُ من هو كذلك، فتروج بدعته أنْ يَقبل وتجوز، من: راجت الدراهم؛ إذا تُعُومل بها وجازت بين النَّاس ولم تُرد.
وأمَّا التنويه: أي: الإعلام بذِكْره فهو موجود مع الرواية عنه مُطْلَقًا كما لا يخفى، ولقائل أنْ يقول: كيف ساغَ توثيق مبدَّع، وحدُّ الثقة: العدالة والإتقان، فكيف يكون عدلًا من هو صاحب بدعة؟ وعندي أنَّ الجواب هو: أنَّ العدالة كافية ولو بالنظر لدعوى صاحبها حيث لم يُعرَف بذنبٍ يرفعها، والمتأوِّل هذا حاله.
стр. 614
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله] (١): «وعلى هذا»:
اسم الإشارة راجعٌ للتعليل المذكور.
[قوله] (٢): «شارَكَه فيه»:
أي: في روايته غير مبتدِع؛ كي لا يكون ترويجًا لبدعة المبتدِع وتنويهًا بذكره من غير ضرورة؛ لاندفاعها بوجود رواية غيره، والضرورة تتقدر بقَدْرها، وفي هذا نظر: إذا كان مع المبتدِع علو أو زيادة ضبط ونحو ذلك (أ/١٣٥).
[قوله] (٣): «وقيل: يُقْبَلُ مَنْ لم يَكُنْ دَاعِيَةً»:
يدعو النَّاس إلى بدعته، و «الهاء» للمبالَغة كعلَّامة، بخلاف الدَّاعية فلا يُقبل؛ للتعليل الذي ذَكَره المؤلِّف، فهو تعليل لمفهوم عبارة المَتْن لا لمنطوقها، ومقتضاه: أنَّه لو روى ما ليس كذلك أنَّه يُقبَل حيث وُجدت شروط القَبول، وهي أنَّه لا يستحِلُّ الكذب، وألَّا يكون داعية إلى بدعته، وألَّا يروى ما يُقَوي بدعته، فإن استحل أو دعا إلى بدعته أو روى ما يُقَوي به؛ لم يقبل، انظر «جمع الجوامع» (٤).
وقال (هـ) (٥): ومفهوم قوله: «مَنْ لم يَكُن ... إلخ» أنَّ الدَّاعية الذي يدعو الناس إلى بدعته لا يُقبل؛ لأنَّ تزيين بدعته ... إلخ؛ فالتعليل في الشرح راجع للمفهوم لا للمنطوق.
стр. 615
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيه:
مثل الدَّاعية عند أهل المُفَصِّل في الردِّ: من لم يَعْتَقِد حرمة الكذب سواءٌ كُفِّر ببدعته أم لا، [و] (١) من كان يُحَرِّمه ولكنَّه كُفِّر ببدعته كالمجسِّم عند الأكثر كما قدَّمه الشارح، ولا يذهب عليك: أنَّ (هـ/١٥٧) تاء داعية للمبالغة، كتاء علَّامة ونسَّابة، فمقتضاه أنَّه لا يردُّ إلَّا من بالغ في الدعوة لبدعته، والذي ينبغي: ردُّ الداعي مُطْلَقًا، بالغ أو لم يبالغ، فلو قال: من لم يكن دَاعيًا؛ أجاد، لكنه تَبِع القوم فيما ظاهره غير مراد لهم.
قوله: «وتَسْوِيَتِها (٢) ... إلخ»:
الظاهر أنَّه عطفٌ تفْسيريٌّ على قوله: «تحريف»، وأنَّه لا يُنافي قول المَحَليِّ؛ لأنَّه لا يؤمَن فيه أنْ يضع الحديث على وَفقها؛ لأنَّه إذا سوَّاها على ما يقتضيه مذهبه فقد كذَبَها؛ فتكون موضوعة.
[قوله] (٣): «وهذا في الأَصَحِّ»:
اسم الإشارة راجع للتفصيل، و «الأصحِّ» للقول، أي: وهذا التفصيل في قول الأصحِّ، ويصح في اسم الإشارة أن يكون عائدًا على الحُكْم المفصَّل فيه، وهذا القول ذهب إليه الإمام أحمد كما قاله الخطيب (٤)، وهو مذهب الأكثر، وهو أعدَلها.
стр. 616
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله] (١): «وأَغْرَبَ ابنُ حِبَّانَ ... إلخ»: وليس كما زَعم، بل الخلاف مُحقَّق (٢).
تنبيه (٣):
قال الشارح: ابن حِبَّان أَغْرَب في دعوى الاتفاق المذكور، ولم يقل إنَّه أغْرَب في دعوى عَكسِه، وهو أنَّ الدَّاعية مردود الرواية اتفاقًا، حيث قال: «الدَّاعية إلى البدع لا يجوز الاحتجاج به عن أئمتنا قاطبةً، لا أعْلَم بينهم فيه خِلافًا» (٤) انتهى.
لأنَّه لم يَنفرد بهذا فقد، حَكى بعض أصحاب الشافعيَّ: أنَّه لا خلاف بين أصحابه أنَّه لا يُقْبَل الدَّاعية، وأنَّ الخلاف بينهم فيمن لم يَدْعُ إلى بدعته.
تتمة (٥):
في الصحيحين كثير من أحاديث المبتدعة غير الدَّاعية احتجاجًا واستشهادًا، كعِمرانَ بنِ حِطَّانَ، وداودَ بنِ الحُصَين، وخالد بن مَخْلَدٍ القَطَوَانيِّ، وعبيد الله بن موسى العَنْسيِّ، وعبد الرزاق بن همَّام، وآخرين (٦).
[قوله] (٧): «نَعَمْ؛ الأكثر ... إلخ»:
هذا منطوق قول من لم يكن داعية، أعاده؛ ليربِط به الاستثناء، ولم يظهر لي وجهُ تقديم المفهوم بتعليله حتى احتاج لإعادة المنطوق.
стр. 617
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله] (١): «إلَّا أنْ يَرْوِيَ ما يُقَوِّي ... إلخ»:
فإن قُلْتَ: اشتراط هذا يغني عن اشتراط ألَّا يكون داعية، قُلْتُ: ممنوع؛ لأنَّه قد لا يروي ما يقوي مذهبه، لكنه يحرف الروايات التي تَرُدُّ مذهبه أو تعارضه، أو ليُفسد على مخالفيه عبادتهم وأحكامهم، فصَدَق الأول بما لم يصدُق به الثاني.
[قوله] (٢): «الجُوْزَجَانِيُّ»:
بضم الجيم الأولى وسكون الواو وفتح الزاي والجيم الأخيرة، نسبة إلى جوزجان من كور خراسان.
[قوله] (٣): «زائِغٌ»:
أي (٤): في اعتقاده، ولَمَّا أوهَم قوله: «عن الحقِّ» أنَّه خرج عن الإسلام فسَّره بما يرفع ذلك التوهُّم فقال: «أي: عن السُّنَّة» بمعنى الطريقة التي عليها الجماعة.
[قوله] (٥): «صادِق اللَّهْجَة»:
أي: الكلام أو النطق به.
стр. 618
وما قالَه مُتَّجِهٌ؛ لأنَّ العلَّةَ التي لَهَا رُدَّ حديثُ الدَّاعيةِ- وَارِدةٌ فيما إِذا كَانَ ظاهِرُ المرويِّ يُوافِقُ مَذْهَبَ المُبْتَدِعِ، ولَوْ لم يَكُنْ داعيةً، واللهُ أَعْلَمُ.
ثمَّ سُوءُ الحِفْظِ، وهو السَّببُ العاشِرُ مِن أَسبابِ الطَّعْنِ، والمُرادُ بهِ: مَنْ لم يُرَجَّحْ جَانِبُ إِصابتِهِ على جانِبِ خَطَئِهِ، وهُوَ على قسمينِ:
إِنْ كانَ لَازِمًا للرَّاوي في جَميعِ حالاتِهِ، فهُو الشَّاذُّ على رَأْيِ بعضِ أَهلِ الحَديثِ.
[قوله] (١) «وما قاله»:
أي: الجُوْزَجانِيُّ من قَبول حديث المبتدع غَيْر الدَّاعية إلَّا إذا روى ما يقوي مذهبه.
وقوله «مَتَّجِهٌ»:
أي: له وجهٌ من النظر، هو ما علَّله به، ومن تعليله نشأ سؤال: أغنى اشتراط ألَّا يكون داعية عن اشتراط ألا يروي ما يقوي مذهبَه أو بالعكس، وتقدَّم جوابه.
[قوله] (٢): «ثُمَّ سُوءُ الحِفْظِ وهو السَّببُ العاشِرُ مِن أَسبابِ الطَّعنِ (٣)»:
قال بعضهم: كان ينبغي أن يقال: «وهو القِسم العاشر من أقسام الطَّعن ... إلخ» انتهى، أقول: قد جَعَل الردَّ إما لسَقْط أو لطَعْن، ثُمَّ عدَّد سبب الطَّعْن وجَعَله عشرة، فما سلكه هنا هو المناسب، وإنَّما يأتي ما ذَكَره المعترِض لو كان التقسيم الواقع في عبارته للطَّعْن، إذ كلُّ واحدٍ منها (أ/١٣٦) حينئذٍ قِسمٌ من أقسام الطَّعن؛ فكان الأَولى التعبير في كلِّ واحد بالقِسم الفلاني، وإنْ (هـ/١٥٨) سُلِّم هذا فتخصيص الاعتراض بهذا غير مُتَّجِه، قاله (ج) (٤).
стр. 619
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[وقوله] (١): «والمراد به ... إلخ»:
قال المؤلِّف: هذا صادقٌ بما إذا ترجَّح جانب خطئه، أو تساوى [جانب] (٢) خطئه مع جانب إصابته، وفيه نظرٌ؛ إذ يكون حينئذٍ من ترجَّح جانب خطئه من المُنْكَر؛ لأنَّه جَعل من أقسام المنكر: رواية من فَحُش غلطه كما مَرَّ، ومن الشَّاذ أو المُخْتَلَط كما ذكره هنا، مع أنَّ مقتضى تقسيمه: أنَّ الأقسام متباينة، وفي كلام (ق) (٣) نظر؛ حيث سَلَّم ما ذكره المؤلِّف، انظر حاشية (ج) (٤).
وقال (هـ) (٥) قوله: «والمراد به من لم يترجح جانب إصابته على جانب خطئه» صادقٌ بمن تساوى خطؤه وإصابته، وبمن رُجِّح جانب خطئه على جانب إصابته، وهو خلاف ما قدَّمه في التقسيم السابق من أنَّه: الذي يَغلب صوابُه على خطئه.
وقال (ق) (٦) أيضًا: «وهذا ينافي ما مَرَّ من قوله: «أو سوء حِفظه» وهو عبارة عمن يكون غلطُه أقلَّ مِن إصابته، وقد أصلحه بلفظ نحو: من إصابته، وقال المؤلِّف: وفُهم ممن لم يرجح، إمَّا أن يرجح جانب خطأه أو استويا. قُلْتُ: وهذا يؤيد أنَّ قوله فيما تقدم في حدِّ سوء الحفظ: «وهي عبارة عمَّن يكون خطؤه
стр. 620
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كإصابته» من النُّسخ الصحيحة، بخلاف نسخة: «أقلّ من إصابته»؛ فإنَّها مخالفة لما هنا، وليست صحيحة من جهة المعنى؛ لأنَّ الإنسان ليس بمعصوم من الخطأ؛ فلا يقال لمن وقع له الخطأ مرة أو مرتين: إنَّه سيِّئ الحفظ، وإن كان يصدق عليه أنَّ خطأه أقلُّ من إصابته؛ إلَّا أنَّه لا يصدُق أنَّه لم ترجُح إصابته» انتهى، ونحوه للمُحَشِّي الآخر في المبحث السابق، هو الجاري على قول العراقيِّ وغيره: «إنَّ طريق معرفة ضبط الراوي: أن يُعْتَبر حديثه بحديث الثقات الضابطين، فإنْ وافقهم في روايتهم في اللفظ أو في المعنى ولو في الغالب عَرَفنا حينئذٍ كونه ضابطًا، وإنْ كان الغالب على حديثه المخالفة لهم وإنْ وافقهم نادرًا عرَفنا حينئذ خطأه وعَدَم ضبطه ولم نَحتَجَّ به» انتهى.
ولا يخفاك أنَّ التعويل إنما هو على مفهوم القِسم الأول من كلامه؛ فمتى تساوى صوابه وخطؤه كان من القسم الثاني، وإذا كان هذا ضابطًا لمن جهلنا حاله كان ضابطًا في من عَلِمْنا حاله من باب أَولى، وقد مَرَّ أنَّه لا يظهر مغايرة سوء الحفظ لفُحش الغلط على هذا [الاعتبار] (١)، فمن حَفِظ ثلاثة آلاف حديث مثلًا فأخطأ في خمسين منها صَدُق عليه أنَّه فَحُش غَلَطُه وكثُر، ولم يَصْدُق عليه أنَّه ساء حفظه، فإنْ أخطأ في ألفين منها أو في ألف وخمسين يصدق عليه أنَّه ساء حفظه وفحُش، أي: كثر غَلَطه، وبالجُملة هذه التفرقة ما وَقَفْتُ عليها لغير المؤلِّف؛ فمَن وجدها فليضم لها بيانها ابتغاء لوجه الله.
стр. 621
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله] (١): «وهو على قِسْمَينِ»: أي: مُشتَمِل عليها اشتمال الكليِّ على جزئياته بمعنى تحقُّقه في ضمنها.
[قوله] (٢): «في جَمِيع حَالَاتِه»: ظاهره: صغرًا وكِبرًا، صحةً ومرضًا، ومع وجود الكتب وعدمها، وفيها حالتي: العمى والبصر، والأظهر أنَّ المراد بجميع الحالات: ما كان لسبب طارئٍ أو لغير سببٍ، بأنْ كان أصليًّا، وإلَّا ربَّما تعذَّر وجود الشاذِّ فتدبَّره، على أن المقابلة بين اللازم، أي: الأصليِّ الغير طارئٍ وبين الطارئ خيرٌ من هذا التعميم.
[قوله] (٣): «فهو الشَّاذُّ على رأي بَعْضِ أهلِ الحَديثِ»: وتقدَّم أنَّ الشَّاذَّ هو: الذي يُخالف الراوي فيه مَن هو أولى منه بالإتقان أو الحفظ، ثُمَّ إن في كلامه نظرًا من جهة أنَّ فيه إخراجَ المَتْن عن ظاهره؛ (هـ/١٥٩) لأنَّ المَتْن: «على رأيٍ» بالتنوين، وقدَّر المضاف إليه وهو يَمْنَع تنوينه؛ فلذا قال الكمال (٤): «كان اللائق أنْ يُقال: هو رأيٌ لبعض أهل الحديث» انتهى، وأخصرُ منه أنْ يقول عَقِبَ قوله: «على رأي لبعض أهل الحديث».
وقال (هـ) (٥): قوله: «فهو الشَّاذُّ على رأي» أي: فمرويُّ مَن هذه صفتُه هو المُسمَّى بالشَّاذِّ على رأي بعض أهل الحديث، وعلى رأي الجمهور هو من مُطْلَق الضعيف، والإضافة العارضة من مَزْج الشرح بالمَتْن منعت تنوين «رأي» الذي كان ثابت له قبلها في المَتْن وهو جائز؛ (أ/١٣٧) فالاعتراض عليه فاسدٌ، وقد مَرَّ الكلام في المسألة مِرارًا.
стр. 622
* أَوْ كَانَ سوءُ الحفظِ طَارِئًا على الرَّاوي؛ إِمَّا لكِبَرِهِ، أَو لذَهابِ بصرِهِ، أَوْ لاحتِراقِ كُتُبِهِ، أَو عَدَمِها بأَنْ كَانَ يعْتَمِدُها، فرَجَعَ إِلى حفظِهِ، فساءَ، فَهَذَا هو المُخْتَلِطُ.
[قوله] (١): «أَوْ كانَ سُوءُ الحِفْظِ»:
يُحْتمل أنَّه قدَّر هذا البيان المعني دون الإعراب، ويُحْتمل أنَّه للإعراب، وأنَّ «طارئ» [ليس] (٢) معطوفًا على «لازمًا» بل معمول المقدَّر المذكور، وتكون المسألة من عطف الجُمَل، والظاهر الأوَّل (٣).
قوله: «إِمَّا (٤) لِكِبَرِهِ»:
كعطاء بن السائب، وقال ابن حِبَّان (٥): اخْتَلَط آخرَ عُمُرِه ولم يَفْحُش خطؤه.
قال ابن معين (٦): وممَّن سمِع منه قبل اختلاطه: شُعبة وسفيان الثوري، وممَّن سَمِع منه بعد الاختلاط: جَرير بن عبد الحميد وخالد بن عبد الله الواسطي في آخرين.
وكأبي مسعود سَعيد بن إياس الجُرَيريُّ، وممَّن سَمِع منه قبل التغَيُّر: شعبة وسفيان الثوري والحمادان في آخرين، وممَّن سَمِع منه بعد التغَيُّر: محمد بن أبي عَدِي وإسحاق الأزرق ويحيى بن سعيد القطان -ولم يحدِّث عنه بشيء لذلك- في آخرين.
وكسعيد ابن أبي عَرُوبةَ مِهران، فممَّن سمِع منه قبل اختلاطه: عبد الله بن المبارك ويزيد بن زُرَيع في آخرين، وممَّن سَمِع منه في حال اختلاطه: أبو نُعَيم
стр. 623
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الفَضْل بن دُكَين والمعافَى بن عِمران المَوصليُّ، وعَبدة بن سليمان (١).
[قوله] (٢): «أوْ لِذَهَابِ بَصَرِهِ»:
كعبد الرزاق بن همَّام الصَّنْعانيِّ، قال أحمدُ (٣): أتيناه قبل المائتين وهو صحيح البصر، وممَّن سَمِع منه بَعدَما ذَهَب بصرُه فهو ضعيف السَّمَاع. وقال أيضًا: كان يُلَقَّن بَعدَما عَمِي. فممَّن سَمِع منه قبل اختلاطه: أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهَوَيْهِ ويحيى بن مَعِين وعليُّ بن المَدينيُّ ووكيع في آخرين، وممَّن سَمِع منه بعد الاختلاط: أحمد بن محمد بن شبّوية ومحمد بن حماد الطهرانى وإسحاق بن إبراهيم الدبري في آخرين.
وقوله: «أوْ لاحْتِراقِ كُتُبِهِ»:
كما وَقَع لبعضهم (٤) أنَّه كان يَعْتمد على كُتُبه في تحديثه فاحترقت باحتراق مَحِلِّها، فحدَّث مِنْ حِفْظِه؛ فأخطأ وخانَه حِفْظُه.
стр. 624
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله] (١): «أوْ عَدَمِهَا»:
أي: بغير الاحتراق؛ لئلَّا يَلْزم عطفُ الخاصِّ على العامِّ بـ «أو» وهو ممتَنِعٌ.
[قوله] (٢): «بأنْ كان يَعْتَمِدُها ... إلخ»:
«الباء» بمعنى مع، و «أنْ» والفعل في تأويل المصدر؛ مع كونه يعْتَمِدها، والضمير يُحْتمل رجوعه لكُتُب، ويُحْتمل عوده للبصر وللكتُبُ التي تَلِفَت بالاحتراق وللتي تَلِفَت بغيره.
[قوله] (٣): «فهذا هو المُخْتَلِطُ»:
أي: فالطارئ عليه سوءُ الحِفْظ بسبب من تلك الأسباب هو المراد عندهم بالمُختلِط، والاختلاط: فساد العقل بحيث لا ينتظم الأقوال مع الأفعال، والمراد هنا: مُطْلَق الاختلاط المُنَافي للضَّبط.
تنبيه (٤):
قال فيما قبلَه: «فهو الشَّاذُّ على رأي»، وقال في هذه: «فهذا هو المُختلِط» فعبَّر في هذا بما هو وَصْف الراوي، وعبر في الأول باسم المرويِّ؛ لأن الأول مما لِمَرْوِيِّه لقبٌ عند بعض العلماء، وليس الثاني كذلك.
стр. 625
والحُكْمُ فِيهِ: أَنَّ ما حَدَّثَ بهِ قَبْلَ الاختلاطِ إِذا تَميَّزَ قُبِلَ، وإِذا لم يَتَمَيَّزْ تُوُقِّفَ فِيهِ، وكَذَا مَن اشتَبَهَ الأمرُ فيهِ، وإِنَّما يُعْرَفُ ذَلكَ باعْتِبَارِ الآخِذينَ عنهُ.
[قوله] (١): «والحُكْمُ فيهِ»:
أي: في الحديث الذي رواه المُختلِط (هـ/١٦٠). واعلم أنَّ عبارة العراقيِّ (٢) أدلُّ على المراد من هذه العبارة مع زيادة البيان، ولفظه: «ثُمَّ الحُكْم فيمن اختَلَط: أنَّه لا يُقْبل من حديثه ما حدَّث به في حال الاختلاط، وكذا ما أبهِم أمره وأَشكِل فلم يُدْرَ حدَّث به قبله أو بعده، وما حدَّث به قبل الاختلاط قُبِل، وإنَّما يتبين ذلك باعتبار الرواية عنهم، فمنهم مَنْ سَمِع منهم قَبل الاختلاط، ومنهم من سَمِع بعده فقط، ومنهم من سَمِع في الحالين ولم يتميَّز».
إذا عرَفت هذا؛ فمفهوم قوله: «قَبل الاختلاط» أنْ يُرَدَّ ما حَدَّث به بعد اتصافه به، وقوله: «إذا تميَّز» شرطٌ في قَبول ما حدَّث به قبل الاختلاط؛ فالمراد بـ «عُرِف» تميُّزه عما حدَّث به بعد اتصافه بالاختلاط، لا تميُّزه في نفسه؛ لوجوب ذلك للاعتراض بالذات.
وقوله: «وإِذا لم يَتَمَيَّزْ»:
تصريحٌ بمفهوم الشرط، وهذه هي الأحوال الثلاثة التي صرحَّ بها العراقيُّ.
وأمَّا قوله: «وكذا مَنِ اشتَبَهَ الأمرُ فيهِ» فالأظهر أنَّ معناه: أنَّ الشيخ الذي اختلف العلماء في اختلاطِه وعَدَمه، ولم يترجح لهم فيه مَقَال كمن ثَبَت اختلاطه، سواءٌ في تفصيل السَّماع منه إلى (أ/١٣٨) الأقسام الثلاثة كحُصين بن عبد الرحمن السُّلميِّ الكوفيِّ، أحد الثقات الأثبات، احتج به الشيخان، ووثَّقه:
стр. 626
أحمد وأبو زُرْعةَ والعِجليُّ وغيرهم، وذهب جماعة إلى أنَّه اختلَط، وقال أبو حاتم (١): ثقة ساء حفظه في الآخر، قال يزيد بن هارون: إنَّه اختلَط، [وقال] (٢) على بن عاصم: إنَّه لم يختلط.
ويَدْخُل: من اشتَبَه ابتداء اختلاطِه واخْتَلَف النَّاس فيه، كسعيد بن أبي عَروبةَ؛ قد اخْتُلف في ابتداء اختلاطه، وقال دحيم: اختلَط مَخْرَجَ إبراهيم، سنة: خمس وأربعين ومئة (٣)، وقال ابن معين: [اختلَط] (٤) بعد هزيمة إبراهيم بن عبد الله بن حسن، سنة: ثنتين وأربعين ومئة. والمعروف عند أهل التاريخ الأوَّل: أنَّه قُتل فيها يوم الاثنين بخمس ليالٍ بقين من ذي القَعدة، احتُزَّ رأسه. فيدخل فيه أيضًا من اختلَط ثُمَّ راجعه عقله ثُمَّ اختلَط ولم يتميَّز أحواله كعارِم، فقد قال أبو داود: بلغني أنَّ عارمًا أنْكَر عَقْلَه سنة: ثلاثةَ عَشْرةَ، ثُمَّ راجعه، واستحكَم به الاختلاط سنة: ستَّ عَشْرةَ. وقال ابن حِبَّان: اختلَط في آخر عمره وتغيَّر، حتى كان لا يدري ما يحدِّث به، حتى وَقَع في أحاديثه المناكير الكثيرة (٥).
وقال (ق) (٦): «قوله: «وكذا مَنْ اشتبه أمره فيه» إيهامٌ بأنَّ ظاهر السِّياق أنَّ حديثه كحديث المُختلِط، ولفظةُ «مَنْ» لمَن يَعِقل؛ فلا تصلُح للحديث، وإن استعملها فيمن يَعْقِل يكون قد انتقل من الحديث إلى الراوي وليس بظاهر» انتهى.
ولا يخفاك أنَّ الثاني هو المراد، ولا يلزم اختلاف السياق بأنَّ المعنى: وكذا
стр. 627
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحديث من اشتبَه الأمر فيه بدلالة السِّياق والسِّباق.
وفي كتابةٍ أخرى: قوله: «وإذا لم يَتميَّز» وذلك إذا اشتبه أمره فلم يُدْرَ: هل حدَّث به قبل الاختلاط أم بعده؟
وفي قوله: «[وكذا] (١) من اشتبه الأمر فيه» تَكْرارٌ وتشبيهٌ للشيء بنفسه، وصواب العبارة: والحُكم فيه أنَّ ما حدَّث به قبل الاختلاط يُقْبَل منه، وما حدَّث به بعد الاختلاط لا يُقْبَل، وكذا ما أَشْكل أمره ولم يُدْرَ هل حَدَّث به قَبْلُ أو بعدُ؟ وإنَّما يتميَّز ذلك باعتبار الرواة عنه؛ إذ منهم من سَمِع منه قَبْلَ الاختلاط، ومنهم من سَمِع منه بعده، ومنهم من سَمِع منه في الحالين مع تميُّز وبدونه، وهذا إذا كانت الرواية من حِفْظه، فإنْ كانت كتابة قُبِلَت.
وفي كتابةٍ: مراده أنَّ من استُبْهِم الأمر فيه فلا يُدري أهو مختلِط أم لا، أي: حَصَل الشكُّ في اختلاطه وعَدَمه؛ فإنَّه يُتَوَقَّف في حديثه، وهذا غير ما قبله؛ إذ ما قبله تحقَّق [حصول] (٢) سوء الحِفظ فيه، وشُكَّ فيما رواه هل قَبل ذلك أم بعده؟ وهنا شُكَّ في حصول سوء الحفظ له وعدمه؛ ولذا عَبَّر هنا بـ «مَنْ»، ولو عبر بـ «ما» لكان اشتبه الأمر فيه؛ إذ مدلوله هو مدلول قوله قبلَه: «وإذا (هـ/١٦١) لم يتمَّيز توقِّف فيه»؛ فيكون مَحْضَ تَكرار من غير فائدة، وكلام (ق) هنا مُعترَض، انظر حاشية (ج) (٣).
стр. 628
ومَتى تُوبِعَ السَّيِّئُ الحِفْظِ بِمُعْتَبَرٍ -أَيْ: كَأَنْ يكونَ فَوْقَهُ أَو مِثْلَه لا دُونَه، وَكَذا المُخْتَلِطُ الَّذي لم يتَمَيَّزْ، وَكذا المَسْتُورُ، وَالإِسنادُ المُرْسَلُ، وَكَذا المُدَلَّسُ إِذَا لم يُعْرَفِ المَحْذوفُ منهُ- صَارَ حَديثُهُم حَسنًا؛ لا لذاتِهِ، بل وَصْفُهُ بذَلكَ باعتبارِ المَجْموعِ مِن المُتَابِعِ والمُتَابَعِ؛ لأنَّ معَ كُلِّ واحدٍ منهُم احْتِمالَ كونِ روايتِهِ معه صَوابًا، أَو غيرَ صوابٍ على حدٍّ سواءٍ.
[قوله] (١): «ومتى تُوِبع سَيِّئُ الحِفْظِ بمُعْتَبَرٍ ... إلخ»: فيه بحثٌ؛ إذ قد تقدَّم في تعريف الصحيح لا لذاته ما نقله ابن أبي شريف في التمثيل له عن ابن الصَّلاح من أنَّ محمد بن عمر بن علقمة مشهورٌ بالصِّدق متصِفٌ بسوء الحفظ؛ لكن بروايته من وجه آخر التحَق بدرجة الصحيح. وقد يجاب بأنَّ المراد بسوء الحفظ في بيان الصحيح لا لذاته: ما لم يبْلُغ بصاحبه درجة من لم يُقْبَل تفرُّده، وفي هذا المقام ما بَلَغ تلك الدرجة [وذلك] (٢) لأنَّه له مراتب متفاوتة، فمن كان في أولها -أعنى: مرتبة التساوي- فحديثه حَسَنٌ؛ فيرتَقِي بالعاضد إلى درجة الصِّحة، ومن كان في المراتب الأخر حديثه متوقَّف فيه يبلغ بالعاضد درجة الحَسَن.
وفي كتابةٍ: مرادُه بالمُعتَبر [مَن] (٣) لا تُرَدُّ روايته بوجه من وجوه الرَّد؛ وحينئذ (٤) فحديثه إمَّا حَسَنٌ لذاته أو صحيح؛ فلا يصلُح قوله: «صار حديثه حَسَن لا لذاته».
стр. 629
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقوله: «بأنْ يكون فوقَه ... إلخ».
قال (ق) (١): «المراد بقوله: «فوقه أو مِثله» أي: في الدرجة من السَّنَد لا في الصِّفة» انتهى. وإنَّما كان المراد بذلك بأنَّ الغرض أنَّ المتابِع -بالكسر- معتبَر، والمتابَع -بالفتح- سيئ الحفظ؛ فلا يكون بينهما مماثَلة، وأيضًا يصِير قوله: «لا دُونَه» لا معنى له؛ إذ سيئ الحفظ لا يُقال فيمن دونه مُعتبَر، بل لا يُتَصَور الاتصاف بصفة دونه من صفات الطَّعن، وفيه شيء، انظر حاشية (ج) (٢).
وقال (هـ) (٣): ««ومتى تُوِبع ... إلخ» قال (ق) (٤): قال المؤلِّف: إذا تابع سيئَ الحفظ شخصٌ فوقه انتقل بسبب ذلك إلى درجة ذلك الشَّخص، وينتَقِل ذلك الشَّخص إلى (أ/١٣٩) أعلى من درجة نفسه التي كان فيها حتى يترجح على مساويه من غير متابعة من دونه. قُلْتُ: المراد بقوله: «فوقه أو مِثله» أي: في الدرجة من السَّنَد لا في الصِّفة» انتهى.
وما قاله المؤلِّف تنبيهٌ حَسَنٌ خفي المَدْرك لكن بعيدٌ من لَقَطَه، وأمَّا قوله: «قُلْت ... إلخ» فغير بَيِّن؛ إذ لا عبرة بالرُّتبة السَّنَديَّة، وإنَّما المدار على الرُّتبة الوصفيَّة المفسِّرة عندهم للاعتبار والمتابعات؛ فصواب العبارة: أي: في الصفة لا في الدرجة من السَّنَد، فإن أردت الحق فاعلمْ أنَّ قوله: «كأنْ يكون فوقَه أو مِثله» تمثيل للمُعتبَر، وليس معناه إلَّا مَنْ يصلُح حديثه للاعتبار به، وهو من قَدَح الأئمة فيه بقولهم:
стр. 630
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ضعيف، أو بمُنْكَر الحديث، أو بمضطرِبه، أو بِواهٍ، أو بـ: ضعَّفُوه، أو بلا يُحْتَجُّ به، وأخَفُّ من هذه المرتبة مَنْ قدحوا فيه بـ: فيه مقالٌ، أو مضعَّف، أو بـ: فيه ضَعْف، أو بليس بذاك، أو بليس بالمَتين، أو بـ: فيه خُلْف، أو بـ: طعنوا فيه، أو بسيئ الحفظ، أو بـ: تكلَّموا فيه.
وهذه -كلُّها- إنَّما هي دالَّةٌ على الأوصاف لا على الدرجات السَّندية كما لا يخفى، وإنْ كان صاحب البيت أدرى بالذي فيه ولكنْ رُبَّ مبلَّغٍ أوعى من سامع، فالمتبادَر «ممن يكون فوقه» أنْ يكون من أهل المرتبة الثانية هنا، و «ممن يكون دونه» أنْ يكون ممن قدَحوا فيه بـ: كذابٍ، أو وضَّاع، أو مُتَّهَمٌ بالكذب، أو بساقط، أو بهالك، أو بليس بالثقة، أو برد حديثه، أو بضعيف جدًّا، أو بـ: لا يساوي شيء؛ لأن أهل هذه الألفاظ وما في معناها لا يعتبَر بحديثه ولا يتابِع به؛ فقوله: «لا دونه» يعني أنَّه إذا توبِع ممَّن دُونه في المرتبة حفظًا وإتقانًا لا يَنْتَقل بذلك حديثه عن مرتبة الضعف إلى مرتبة الحُسْن.
وملخصه (١):
أنَّ الضعف المجبَر هو الذي يكون خفيفًا؛ فلا ينجَبِر به الكذب وما جرى مجراه (هـ/١٦٢) مما أشرنا إليه في المرتبة الأخيرة وإنْ كثُرَت طرقه وتفرَّد عاضده، وذلك كما في طرق حديث: «مَن حَفِظَ على أُمَّتي أربعين حديثًا مِن أمر دينه بعثه الله يوم القيامة في زمرة العلماء والفقهاء» (٢)، فقد اتَّفق الحفَّاظ على ضَعفه مع كثرة طرُقه؛ لقوة ضَعفه وقصورها عن جبره.
стр. 631
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله] (١): «وكذا المُخْتَلِطُ»:
إذا توبِع بمعتَبَرٍ صار حسنًا لغيره؛ لانتفاء العلَّة التي لأجلها رُدَّ حديثه؛ بسبب المتابعة من المعتبَر، وكذا إذا توبِع «المستور» أي: المجهول، وهو: من لم تُعرَف عدالته الباطنة -على ما مَرَّ تفسيره- بمعتَبَرٍ؛ صار حديثه حَسَنًا؛ لانتفاء العلَّة التي لأجلها يُرَدُّ، وإليه أشار بقوله: «والمستور».
[قوله] (٢): «والإسناد المُرْسَلِ»:
الإسناد هنا بمعنى السَّنَد وهو الرجال أنفسهم، وإنَّما ترك أداة التشبيه معه كالذي قبله؛ لقربه مما هي داخلة عليه، ولذا أعادها مع ما بعده؛ لبُعده من مدخولها، ولعلَّه إنَّما قدَّر الإسناد مع المرسَل ويعتَبَر مثله مع «المدلَّس» لأجْل المتابعة؛ فإنَّها راجعة في الحقيقة إلى الإسناد؛ لأنَّ بالمتابعة من المعتَبَر يغلُب على الظَّنِّ إصابة الساقط في الإرسال والتدليس، ولأجْل قوله: «صار حديثهم» لئلا يلْزَم أنْ يكون للحديث المرسَل والحديث المدلَّس حديث، ولا يشترط في المرسَل خصوص المتابعة بالمسنَد، بل لو توبِع بمرسَلٍ يخرِجُه من لا يروي عن رجال الأول كفى في قَبوله، كما مرَّ صدر التعليق.
وقوله: «إذا لم يُعْرَفِ المَحْذُوفُ مِنْهُ»:
أي: كلٌّ من المرسَل والمدلَّس، وأمَّا لو عُرِف المحذوفُ منه عُمِل فيه بحسَب حاله من عدالةٍ أو جرْحٍ.
تتمة:
مثال سيِّئ الحفظ: ما رواه التِّرْمِذيُّ وحسَّنه من طريق شُعبة، عن عاصم بن
стр. 632
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه أنَّ «امرأة من بني فَزارةَ تزوجت على نَعْلين، فقال المصطفى: أرضيتِ من نفْسِكِ ومالِكِ بنعلين؟ قالت: نعمْ؛ فأجاز» (١)، قال التِّرْمِذيُّ: وفي الباب عن عمر وأبي هريرة وعائشة. فعاصمٌ ضعيف لسوء حِفظه، وقد حَسَّن التِّرْمِذيُّ هذا الحديثَ؛ لوُروده من غير وجه.
ومثال المرسَل مَرَّ في مبحثه.
ومثال المدلَّس: ما رواه التِّرْمِذيُّ وحسَّنه من طريق هُشَيمٍ، عن يزيد بن زياد، عن ابن أبي ليلى، عن البراء مرفوعا: «إنَّ حقًّا على المسلمينَ أنْ يغتسلوا يومَ الجُمُعةِ، ولْيَمَسَّ أحدُهم مِن طِيبِ أهلِه» (٢) (أ/١٤٠) الحديثَ، فهُشيم موصوف بالتدليس لكن تابعه كما عند التِّرْمِذيِّ أبو يحيى [التَّيميُّ] (٣)، وكان للمَتْن شواهد من حديث أبي سعيد وغيره [حَسَّنه] (٤).
والضمير في «حديثهم» راجع لكلٍّ من: المختلِط، والمستور، ورجال السَّنَد المرسل، ورجال السَّنَد المدلَّس إنْ ضُبِط بفتح اللام، أو نفْس الراوي المدلِّس إنْ ضبط بكسرها، وهذا لا غبار عليه. ومعنى «صار» التحول والانتقال ولو باعتبار الوصف كما هنا، ويرشِد إليه قوله بعد: «بل وصفه ذلك ... إلخ». وانظر ما الحكمة في عدوله عن أنْ يقول: لغيره، وهو أخصر من قوله: «لا لذاته»، مع أنَّ الحَسَن لا يخرج عن القسمين، ولعلَّها أنَّ الأصل في الحَسَن لغيره وقاعدته
стр. 633
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والكثير فيه: أنَّ السَّنَد المحكوم عليه بالحُسْن متَعَيِّن وهنا ليس كذلك؛ لأنَّ كلَّ واحد من الطريق بانفراده ضعيف، وإنَّما وصل الحَسَن بالنظر لمجموع الطريقين، أو الطُّرُق من حيث [إنَّه] (١) مجموع، تأمل.
[قوله] (٢): «بل»:
أي: صار «وَصْفه» أي: حديث كلِّ [واحد] (٣) ممن ذَكَره «بذلك» أي: بالحُسْن لا لذاته «باعتبار المجموع»، وقوله: «من المتابِعِ والمتَابَعِ» أحدهما مكسور الباء، والآخر مفتوحها؛ بيانٌ للمجموع.
وقوله (هـ/١٦٣): «لأنَّ كُلَّ واحدٍ ... إلخ»:
علَّة لوصف حديث من ذُكِر بالحُسْن باعتبار المجموع، وهذا لا يوجِب أنَّ الحَسَن: إمَّا لذاته، وإمَّا لغيره، وإمَّا للمجموع؛ لا بما قُلنا إنَّ قاعدة الحَسَن لغيره باعتبار كثرة إطلاقه: أنْ يكون السَّنَد المحكوم عليه بالحُسْن متميِّز، وهذا لا ينافي أنَّ منه ما قد لا يكون السَّنَد المحكوم عليه بذلك متميِّزًا؛ تأمل، قاله (هـ) (٤).
[قوله] (٥): «احْتِمَالُ كَوْنِ رِوَايَتِه ... إلخ»:
هو مرفوع بالابتداء، وخبره: «على حدٍّ سواء»، والجملة: خبر «أنَّ» والرابط موجود، ويُحْتمل نصبه على أنَّه بدل اشتمِال؛ فالمعنى: لأنَّ احتمال كون روايته، أي: كل واحد منهما صوابًا أم لا على حدٍّ سواء.
стр. 634
فَإِذَا جاءَتْ مِنَ المُعْتَبَرينَ روايةٌ مُوافِقةٌ لأحدِهِم، رُجِّحَ أَحدُ الجَانِبَيْنِ مِن الاحْتِمالَينِ المَذْكُورَيْنِ، ودَلَّ ذَلكَ على أَنَّ الحَديثَ مَحْفوظٌ، فارْتَقى مِن درَجَةِ التوقُّفِ إِلى دَرَجَةِ القَبُولِ، واللهُ أَعلمُ.
ومَعَ ارْتِقائِهِ إِلى دَرَجَةِ القَبولِ، فهُو مُنْحَطٌّ عنْ رُتْبَةِ الحَسَنِ لذاتِهِ، ورُبَّما توقَّفَ بعضُهم عنْ إِطلاقِ اسمِ الحَسَنِ عليهِ.
وقَد انْقَضى ما يَتعلَّقُ بالمَتْنِ مِن حيثُ القَبولُ والرَّدُّ.
ثمَّ الإِسْنادُ، وهُو الطَّريقُ المُوصِلَةُ إِلى المتنِ.
[قوله] (١): «من المُعْتَبَرِينَ»:
«مِنْ» هنا ابتدائية لمكان اعتباريٍّ، نحو: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ] ﴿النمل: ٣٠﴾، و: «من محمد رسول الله»، و «المعتبَرِين» هنا اسم مفعولٍ، أصله: المعتَبَر بهم، وضمير «لأحدِهم» مِثل ضمير قوله قبله: «لأنَّ كلِّ واحدٍ منهم» راجعٌ للمختَلِط وسيئ الحِفْظ ومن معهما.
[قوله] (٢): «رَجَحَ أَحَدُ ... إلخ»:
وبهذا التوجيه سَقَطَ ما يقال: كيف ينجَبِر الضعيف بمتابعة ضعيف ويصِير حجَّة مع أنَّه شُرِط في رواية كلِّ من الصحيح والحَسَن: الضبط والعدالة والتوثيق؟ وبيان سقوطه: أنَّ المتابَعة كاشفة عن ثبوت ذلك في نَفْس الأمر وإنْ لم يطلع على ذلك بِحَسَب الظاهر، وأمَّا الجواب عنه بأن يحصل من الهيئة الاجتماعيَّة قوة لم يكن حالة الانفراد؛ فيُرَدُّ بعدم اكتفائهم بكلِّ ما فيه هيئة اجتماعيَّة، بل لا بُدَّ أنْ تكون تلك الهيئة حاصلة بواسطة معتَبَر به، وبما بيَّنَّا به السقوط اندفع أنْ يتوجه على
стр. 635
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
جواب الشرح: أنَّ شهادة غير العدل إذا انضمَّت (هـ/١٦٤) إليها شهادة غير العدل لم يُعْمَل بهما ولا بأحدهما، على أنَّ باب الشَّهادة أضيق؛ لكونها عند من يُطلب منه التحقُّق من باب الرواية؛ لأنَّ المدار فيها على غَلَبةِ الظَّنِّ.
وفي كتابةٍ: لو قال: رَجَح جانب الإصابة؛ كان أحسن. وقوله: «على أنَّ الحديث محفوظ» أي: مقبول، وليس مراده المحفوظ بالمعنى المصطلح عليه؛ فإنَّه رواه مَن هو أولى بالإتقان والحِفْظ كما مَرَّ.
وقوله: «مُنْحَطٌّ عن رُتْبة الحَسَن لذاتِه»:
فيه نظرٌ؛ إذ المتابِع -بالكسر-: إمَّا حَسَنٌ لذاته وصحيح؛ فيكون حديث المتابَع -بالفتح- كذلك، بل أقوى لرواية المتابَع -بالفتح- له، وهي تقوي رواية المتابِع -بالكسر-.
وقال (هـ) (١): «قوله: «فهو مُنْحَطٌّ ... إلخ» قال (ق) (٢): مقتضى النَّظر أنَّه أرجح من الحَسَنِ لذاته؛ لأنَّ المتابِع -بالكسر- إذا كان معتبَرًا فحديثه حَسَنٌ، وقد انضم إليه المتابَع -بفتح الباء-» انتهى.
قُلْتُ: سبحان الله! هذا اشتباه عجيب؛ فإنَّك قد عَرَفْتَ آنفًا: أنَّ المراد من المعتَبَر من يَصلُح أنْ يُخَرَّج حديثه للاعتبار والمتابعة والاستشهاد، وقد مَرَّ أنَّه شامل لمَنْ قُدِح فيه بقادِحٍ ممَّا مَرَّ بيانُه، ومن أين لمِثل هذا أنْ يكون حديثه حسنًا في نفْسِه وقد انضم إليه المتابَع -بالفتح-؟ وأين المعتبَرُ بهذا المعنى من المعتبَر بمعنى ذي الشأن الجليل الملتفت كما هو مدلوله اللُّغويُّ، ومَن يستضيء
стр. 636
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بإصباح لم يستضيء بمصباح! (أ/١٤١)
قوله: «وربَّمَا يوقِف اسم الحُسْن»:
أي: فيقول: هو صالحٌ، ولا بأس به، ونحو ذلك.
قوله: «ثُمَّ الإسناد ... إلخ»:
قد مرَّ أوَّل الكتاب تعريف الإسناد بأنَّه: حكاية طريق المَتْن؛ فهو مخالِفٌ لما هنا، ويتجه أنْ يُقال: السَّنَد هو الطريق الموصِّلة إلى المَتْن، وتلك الطريق هي روايته، والإسناد وذِكْر السَّنَد: بأنْ يَذْكُر أسماء الرواة وكناهم وألقابهم التي يمتازون بها، والمؤلِّف على طريق المحدِّثين في اتحاد معنى السَّنَد والإسناد؛ فيعَرِّف تارةً الإسناد بتعريف السَّنَد تارةً بأنَّه: حكاية السَّنَد. ونبَّه بقوله: «من الكَلام» على أنَّ المَتْن يتناول الحديث النبويَّ وغيرَه؛ كأقوال الصحابة والتابعين والأئمة المصنِّفين. وإضافة «غاية» إلى «ما ينتهى»: بيانيَّة؛ فسَقَط اعتراض تلميذه (ق) (١).
وفي كتابة: اعلم أنَّ «ما ينتهي إليه الإسناد» هو المَتْن، و «غايته» هي آخر حرف منه، وهذا غير مراد، وقد أشار إلى ذلك (ق) (٢) فقال: «لفظ «غاية» زائدة مفسِدٌ للمعنى؛ لأنَّ لفظ «ما» المراد به الكلام كما فسره بقوله: «من الكلام»، فيصير التقدير: غاية كلام ينتهى إليه الإسناد، فعلى هذا المَتْن حرف اللام من قوله ﵊: «مَن جاء مِنكُمُ الجُمُعةَ فلْيَغتَسِلْ» (٣)» انتهى. وجوابه: أنَّ إضافة «غاية» إلى ما بعده إضافةٌ بيانيَّة، وانظر لم جعل المؤلِّف المُقْسِمَ هنا الإسناد ولم يجعله المَتْن مع صحة جعله المَتْن على سنن ما قبله، والأول هو
стр. 637
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ظاهر قول العراقيِّ في المرفوع:
وَسَمِّ مَرْفُوْعاً مُضَافاً لِلنَّبي (١)
وقوله في الموقوف:
وَسَمِّ بالمَوْقُوْفِ مَا قَصَرْتَهُ ... بِصَاحِبٍ وَصَلْتَ أوْ قَطَعْتَهُ (٢)
وقوله في المقطوع:
وسَمِّ بالمقطوعِ قولَ التَّابِعي (٣)
ثُمَّ إنَّ تقدير الشارح يوجب أنْ يكون خبر «الإسناد» محذوفًا، أي: فيه تفصيل، كما في حاشية (ج) (٤).
وقال (هـ) (٥): «ما ذكره المؤلِّف من تفسير الإسناد بالطريق مبنيٌّ على جواز إطلاق كلٍّ من الإسناد والسَّنَد بمعنى الآخر، كما قاله القاضي وابن جَمَاعةَ، وهو اصطلاح مشهور بينهم لا يَخْتلف فيه اثنان»، وبه يندفع قول (ب): «ينبغي أنْ يقول: ثُمَّ السَّنَد، كما قرَّره في أول الكتاب من أنَّ الإسناد: حكاية طريق المَتْن لا الطرق نفسُها، أو يقول هناك: إنَّ السَّنَد والإسناد مترادفان، وهو الحقُّ الذي لا يَشُكُّ فيه محدِّثٌ» انتهى، وقد قدَّمنا بيان ما يندفع به تامًّا على أنَّه تقوَّل هنا في النَّقل عما سبق للمؤلِّف؛ إذ لم يقل ثمَّة: لا الطريق نفسُها، ولا يخفى أنَّ المصطلح عليه كالمصرَّح به. وأتى قوله: «الموصِّلة» بناء على تأنيث الطرق، وشَمِل كلامه المتَّصل وغيره.
стр. 638
و «المَتْنُ»: هُوَ غايَةُ ما يَنْتَهي إِليه الإِسنادُ مِن الكَلَامِ، وهُو إِمَّا أَنْ يَنْتَهِيَ إِلى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ويَقْتَضي لفظُهُ -إِمَّا تَصْريحًا أَوْ حُكْمًا- أَنَّ المَنْقُولَ بذلك الإِسنادِ مِن قولِهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، أَوْ مِن فِعْلِهِ، أو مِن تَقريرِهِ.
مِثالُ المَرفوعِ مِن القولِ تَصريحًا: أَن يقولَ الصَّحابيُّ: سَمعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ كذا، أَو: حدَّثَنا رَسُولُ اللهِ ﷺ بكَذا، أَو يقولُ هو أَو غيرُهُ: قَالَ رسولُ اللهِ ﷺ كذا، أَو: عنْ رسولِ اللهِ ﷺ أَنَّه قالَ كذا، أو نحوَ ذلك.
وَمِثالُ المَرفوعِ مِن الفِعْلِ تَصريحًا: أَن يقولَ الصَّحابيُّ: رأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فعَلَ كذا، أَو يقولَ هُوَ أَو غيرُهُ: كانَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يفعَلُ كذا.
وقوله: «هو غاية»:
قال (ق) (١): «لفظ «غاية» زائدة، مفسِد للمعنى ... إلخ»، [وأيضًا] (٢) قال: «الإسناد ينتهي إلى المَتْن وقد جعله غاية المنتهى إليه؛ فيكون غاية لنفسه» انتهى، وكلاهما كلام عجيب، أمَا ولا كيف يكون مفسدًا مع صحة الإضافة البيانيَّة، والمعنى: [أنَّ] (٣) «غاية» هي ما ينتهى إليه الإسناد، وأمَّا الثانية فقوله: إنَّ لفظ «ما» مراد به الكلام، وإنْ كان صحيحًا لكنه تمسَّك بظاهر البيان الآتي، وفيه نظرٌ؛ لِما سيأتي من أنَّ المنقول عن النبيِّ ﵊: تارةً يكون قولًا، وتارةً يكون فعلًا، وتارةً يكون [تقريرًا] (٤)؛ فالأَولى بعد جعل الإضافة بيانيَّة تفسيرها وتبْيِنها بالمروي، وتَسْمَع العُذْر عنه آنفًا.
стр. 639
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقوله: «من الكلام ... إلخ»:
بيان لما ينتهى ... إلخ. فإنْ قُلْتَ: [المُنهى] (١) إليه الإسناد يكون قولًا، ويكون فعلًا، ويكون تقريرًا؛ فكان الأولى أنْ يقول: من المرويِّ، قُلْتُ: لا شكَّ في الأولوية المذكورة ولكنَّه ليس بخطأ، وغاية الاعتذار أنَّه غلَّب القول؛ لكثرته على مقابلَيه، أو أنَّ غَير القول لا يُروى عنه ﵊ إلَّا بلفظٍ يدل عليه ويُحكى به، فذلك اللفظ هو الكلام الذي ينتهي إليه الإسناد؛ فقوله: «مِنْ» معناه: مِنْ كلامٍ دالٍّ على قوله ﵊، ومِنْ كلامٍ دالٍّ على فِعله، ومِنْ كلامٍ دالٍّ على تقريره، ولو بجعل «من» بمعنى «في» نحو: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ] ﴿الروم: ٢٥﴾، و «ما» مفسرة بمروي بقرينة السياق لم يكن فاسدًا، أو الظرفيَّة حينئذٍ مبنيَّة على ما اشتهر من أنَّ الألفاظ قوالب المعاني، أو على أنَّ (هـ/١٦٥) المراد بالكلام: جملة من صيغ الأداء والرجال والمَتْن، غايته أنَّه خلاف الظاهر.
وقوله: «وهو»:
أي: (أ/١٤٢) المَتْن، وبهذا ظهر أنَّ في كلامه في المَتْن تجوُّزًا؛ إذ المنتهي إلى النبيِّ ﵇، أو إلى الصحابيِّ، أو إلى التابعي هو المَتْن لا الإسناد بقرينة من قوله: «أمَّا ... إلخ» كما لا يخفى.
[قوله] (٢): «إِمَّا أَنْ يَنْتَهِيَ إِلى النَّبِيِّ عليه الصلاة [والسلام] (٣)»:
أي: سواء كان الذي أنهاه وأضافه إلى النبيِّ صحابيًّا أو غيره ولو منا؛ فيدخُل فيه: المتَّصِل المرفوع، والمرسَل المرفوع، والمنقطِع المرفوع، والمعضَل المرفوع،
стр. 640
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والمعلَّق المرفوع دُونَ الموقوف والمقطوع، ويعلم هذا من قوله الآتي: «سواء كان ذلك الانتهاء بإسناد متَّصِلٍ أم لا».
[قوله] (١): «ويَقْتَضي لَفْظُهُ»:
أي: لفظ المَتْن المنتهي إلى النبي ﵊.
«أنَّ المنقول بذلك الإسناد» وهو المَتْن، «من قوله ﵊ ... إلخ»:
ولو فسَّر «المنقول بذلك الإسناد» بالحُكم مثلًا كان أَولى؛ ليَسْلَمَ من اقتضاء الشيء لنفسه؛ إذ لا بُدَّ من مُغايرَة المقْتَضَى للمقْتَضِي، وذلك مع تفسيره بالحُكْم أظهر من اعتبار المغايَرَة بينهما بالعموم والخصوص، ولا يخفاك أنَّ ما ذكره من هذه التقديرات لا يَكَاد المَتْن يدلُّ عليها، اللهمَّ إلَّا مراعاة مقدَّر يكون من قوله: «وما بعده» بيانًا له ضرورة امتناع كونه بيانًا للإسناد أو للنبيِّ أو لـ: تصريحًا أو: حُكمًا، وهذا المقدَّر مدخول لحرف الجر، نبَّه عليه قوله قبله: «إلى المَتْن والمَتْن ... إلخ»، وأنَّ التقدير: إلى خبر أو حال أو مضاف النبي ﵊ مثلًا، وحينئذٍ فـ «تصريحًا أو حُكْمًا» حالان من القَول وما بعده، قُدِّما عليه؛ مراعاة لذلك المقدَّر المبيَّن بما ذُكِر، وربَّما يرشد إلى هذا قوله: «مثال المرفوع من القول ... إلخ».
ويمكِن أيضًا جَعْل «تصريحًا أو حُكْمًا» مصدرين منصوبين. «ينتهي» أي: [انتهاء] (٢) مصرَّحًا، أو انتهاء في حُكْم المصرَّح به، ولا يتأكده قوله: «مثال المرفوع من القول ... إلخ»؛ لجواز جَعْل «تصريحًا أو حُكمًا» في تلك المواضع الآتية حالًا من المرفوع أو مفعولًا مُطْلَقًا منصوبًا به، لا حالًا من القول والفعل
стр. 641
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منها، وإنْ كان هذا أَولى، وبهذا ظهر أنَّ ما قدَّره في الشرح تقدير معنى لا تقدير إعراب؛ فتدبره بإنصاف كما قاله (هـ) (١).
وقال (ج) (٢): مقتضى المَتْن أنَّ قوله: «تصريحًا أو حُكمًا» معمول لـ «ينتهي»، ومقتضى كلام الشَّارح خلافه؛ فإنَّه قال عقب قوله: «إمَّا أنْ ينتهي إلى النبيِّ ﵇» ما نصُّه: «ويقتضى لفظه إمَّا تصريحًا أو حُكمًا أنَّ المنقول بذلك الإسناد مِنْ قوله ﷺ ... إلخ» فجَعَله معمول «يقتضي» مقدَّرًا، وجَعَل قوله: «مِنْ قَولِه» متعلِّقًا بمقدَّر وهو المنقول، والضمير في «لفظه» يرجع للراوي، أي: ويقتضي لفظُ الراوي وهو المَتْن والسَّنَد: أنَّ المَتْن من لفظ النبي ... إلخ. ثُمَّ اعلم أنَّه لا يتوقف استفادة كونه من المَتْن من لفظه ﵊ على مجموع المَتْن والسَّنَد؛ فإنَّه قد يستفاد كونه من لفظ النبيِّ من السَّنَد، وقد يُستفاد ذلك منه من المَتْن، ككونه لا مجال للرأي فيه، وأمَّا ما تَسَلسَل به الحديث من صفة أو حالة فهذا خارج عن المُقْسَم؛ فلا تجري فيه الأقسام.
[قوله] (٣): «أنْ يقول الصَّحابيُّ ... إلخ»:
جعله مثالًا للصيغة، وكذا ما كان من شمائله ﵊، [الصادرة] (٤) من الصحابيِّ تصريحًا قوله: سَمِعْتُ الرَّسول وحدَّثنا، وجَعْله نحو: قال رسول الله كذا، أو عن رسول الله أنَّه قال كذا ... من الصحابيِّ أو غيره منها: يفيد أنَّ غير الصحابيِّ لو قال: سَمِعْتُ رسول الله، أو حدَّثنا لا يكون من المرفوع، بل وقوع
стр. 642
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذلك منه مِن الكذب الذي لا يَصْدُر (هـ/١٦٦) عن عدْلٍ.
وقال (هـ) (١): قوله: «أنْ يقول الصحابيُّ» فيه نظرٌ؛ لأنَّ السَّماع والتحديث منه ﵊ لا يختصُّ بالصحابيِّ، فقد قَدِم حكيم بن حِزامٍ المدينة على جاهليَّته في فَكِّ أُسارى بدرٍ؛ «فسمِعه عليه الصلاة و السلام يقرأ في المغرب بالطور» (٢) ورواه بعد إسلامه وصحبته، وسمِع منه ﵊ مَن تأخَّر إسلامه عن موته ﵊ وأدى؛ حينئذٍ كان مرفوعًا متَّصِلًا، وحينئذٍ يُشْكِل تخصيصه: سمعت وحدثنا بالصحابيِّ، اللهمَّ إلَّا أنْ يقال: إنَّ التقْييد جَرْيٌ على الغالب.
[قوله] (٣): «أوْ يقولُ هو»:
أي: الصحابيُّ أو غيره: قال رسول الله، يعني: بدُون «لي» أو «لنا»، والمراد: صيغةٌ لا تقتضي الاتصال، كقيل قال، ذَكَر وحَدَّث ... غير مقرون بالضمير، وأمَّا مع «لي» أو «لنا» فيختصُّ (أ/١٤٣) بالصحابيِّ على البحث السابق، ومثل «عن»: «أنْ» أيضًا.
وقوله: «أنَّه قال كذا» بيانٌ لما يُحكى به المُعَنْعَن والمؤَنْأَنِ لا على وجه التقْييد.
وقوله: «فَعَل كذا» تخصيص الصحابيِّ بالذِّكْر جريٌ على الغالب؛ فإنَّ الكافر إذا أدى بعد أنْ أسلم بعد موت الرسول كان مرفوعًا متَّصلًا.
[قوله] (٤): «كان الرسول ... إلخ»:
إنَّما جاء بكان؛ لتدُلَّ على الماضي، فكل ما كان دالًّا عليه كذلك، نحو: فَعَل، أو صَدَر عنه كذا.
стр. 643
وَمِثالُ المَرْفوعِ مِنَ التَّقريرِ تَصريحًا: أَنْ يقولَ الصَّحابيُّ: فَعَلْتُ بحضرَةِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كذا، أَو يقولَ هُوَ أَو غيرُه: فعَلَ فُلانٌ بحَضْرَةِ النبيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كذا، ولا يذكُرُ إِنكارَهُ لذلك.
[قوله] (١): «ومثال المَرْفُوع من التَّقرير»: لم يَقُل تصريحًا؛ لعلَّه من التصريح به مع نظائره السابقة، ولمقابلة هذه الأمثلة بأمثلة الحُكْمِيِّ.
[قوله] (٢): «أنْ يقول الصحابي فعلت ... إلخ»: لا شك أنَّ قول الصحابي هنا أيضًا جريٌ على الغالب، وإلَّا فلو فَعَل كافرٌ فِعلًا بحضرة المصطفى، أو قال قولًا وأقره عليه ثُمَّ أسلَم بعد موت الرسول، وقال: فَعَلْتُ أو قُلْتُ بحضرة الرسول كذا؛ كان حديثًا مرفوعًا؛ لأنَّه ﵊ لا يُقرُّ على مُنْكَرٍ من قول أو فعل مِنْ أحدٍ ولو كافرًا؛ فيجِب أنْ يكون كلُّ واحدٍ من ذلك القول أو الفعل كقوله أو فعله ﷺ في الدلالة على جوازه من ذلك الفاعل وغيره، حتى لو سبق تحريم ذلك الفعل كان الإقرارُ نسخًا له، بل ذَكَر الأصوليون أنَّه لا فرق في من يُقرِّه بين مُكَلَّفٍ وغيره، ووجَّهه بعض المتأخرين بأنَّه يمنع ولِيّه من تمكينه من ذلك.
[قوله] (٣): «فَعَلَ فلانٌ»: الظاهر أنَّ تعْيين الفاعل وصفٌ طرديٌّ حتى لو أبهِم كان الحُكم كذلك.
[قوله] (٤): «ولا يذكَر إِنْكاره»: أمَّا لو ذُكِر الإنكار لذلك الفعل كانت الحجيَّة فيه، وكان من باب القول.
стр. 644
وَمِثَالُ المرفوعِ مِن القولِ حُكْمًا لا تَصْريحًا: أَنْ يقولَ الصَّحابيُّ -الَّذي لم يأْخُذْ عَنِ الإِسرائيليَّاتِ- ما لا مَجالَ للاجْتِهادِ فيهِ، ولا لهُ تَعلُّقٌ ببَيَانِ لُغةٍ، أَو شرحِ غريبٍ؛ كالإِخْبارِ عنِ الأمورِ الماضيةِ مِن بدْءِ الخَلْقِ، وأَخْبارِ الأنبياءِ عليهم الصلاة والسلام، أَو الآتيةِ كالملَاحِمِ والفِتَنِ، وأَحوالِ يومِ القيامةِ.
وَكَذا الإِخْبارُ عمَّا يحْصُلُ بفِعْلِهِ ثوابٌ مَخْصوصٌ، أَو عِقابٌ مَخْصوصٌ.
وإِنَّما كَانَ لهُ حُكْمُ المَرفوعِ؛ لأنَّ إِخبارَهُ بذلك يقتَضي مُخْبِرًا لهُ، وما لا مَجالَ للاجتِهادِ فيهِ يَقتَضي مُوقِفًا للقائلِ بهِ، ولا مُوقِفَ للصَّحابَةِ إِلَّا النبيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، أَو بعضُ مَن يُخْبِرُ عَن الكُتُبِ القديمةِ، فلهذا وقعَ الاحْتِرازُ عنِ القسمِ الثَّاني، وإِذا كَانَ كذلك، فلهُ حُكْمُ ما لو قالَ: قالَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فهُو مَرْفوعٌ؛ سواءٌ كانَ ممَّا سمِعَهُ منهُ أَو عنهُ بواسِطةٍ.
[قوله] (١): «ومِثالُ المرفوعِ حُكْمًا ... إلخ»:
«مِثال» مبتدأ، و «ما يقول ... إلخ» خبره، و «حكمًا من المرفوع» ولعله لأنَّ المضاف في حُكم الخبر، إذ لو قلنا: المرفوع قول الصحابي ... إلخ صحَّ المعنى واستقام اللفظ أيضًا، والظاهر أنَّ «ما» من: «ما يقول» مصدريَّة، ومن قوله: «ما لا مجال ... إلخ» موصولة أو موصوفة معمولة ليقول، أو مدلولها الحُكْم، وإنْ كان لا يُقال، لكن يُقال اللفظ الدالُّ عليه، وقد يُحْمل على الحديث وهو يُقال، والظاهر -كما قاله بعضهم- نفي الحالية ظاهرا من غير تكلُّف، وهو حَسَنٌ لا بأس به.
و «الاجتهاد» هنا: بَذْلُ الوُسْع في تحصيل العِلْم بحُكمٍ شرعيٍّ، ومِثال الصحابي الذي لم يأخذ عن الإسرائيليَّات: الخلفاء الأربعة، ومثال من أَخَذَ منها عنهم: عبد الله بن سَلَام، قيل: وعبد الله بن عمرو بن العاصي؛ فإنَّه لمَّا فُتِح الشام