← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 320

حاشية الخرشي منتهى الرغبة في حل ألفاظ النخبة

الخرشي = الخراشي

Полный текст (886 стр.). Показаны 640–679 · переход к 645.

стр. 640

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والمعلَّق المرفوع دُونَ الموقوف والمقطوع، ويعلم هذا من قوله الآتي: «سواء كان ذلك الانتهاء بإسناد متَّصِلٍ أم لا». [قوله] (١): «ويَقْتَضي لَفْظُهُ»: أي: لفظ المَتْن المنتهي إلى النبي ﵊. «أنَّ المنقول بذلك الإسناد» وهو المَتْن، «من قوله ﵊ ... إلخ»: ولو فسَّر «المنقول بذلك الإسناد» بالحُكم مثلًا كان أَولى؛ ليَسْلَمَ من اقتضاء الشيء لنفسه؛ إذ لا بُدَّ من مُغايرَة المقْتَضَى للمقْتَضِي، وذلك مع تفسيره بالحُكْم أظهر من اعتبار المغايَرَة بينهما بالعموم والخصوص، ولا يخفاك أنَّ ما ذكره من هذه التقديرات لا يَكَاد المَتْن يدلُّ عليها، اللهمَّ إلَّا مراعاة مقدَّر يكون من قوله: «وما بعده» بيانًا له ضرورة امتناع كونه بيانًا للإسناد أو للنبيِّ أو لـ: تصريحًا أو: حُكمًا، وهذا المقدَّر مدخول لحرف الجر، نبَّه عليه قوله قبله: «إلى المَتْن والمَتْن ... إلخ»، وأنَّ التقدير: إلى خبر أو حال أو مضاف النبي ﵊ مثلًا، وحينئذٍ فـ «تصريحًا أو حُكْمًا» حالان من القَول وما بعده، قُدِّما عليه؛ مراعاة لذلك المقدَّر المبيَّن بما ذُكِر، وربَّما يرشد إلى هذا قوله: «مثال المرفوع من القول ... إلخ». ويمكِن أيضًا جَعْل «تصريحًا أو حُكْمًا» مصدرين منصوبين. «ينتهي» أي: [انتهاء] (٢) مصرَّحًا، أو انتهاء في حُكْم المصرَّح به، ولا يتأكده قوله: «مثال المرفوع من القول ... إلخ»؛ لجواز جَعْل «تصريحًا أو حُكمًا» في تلك المواضع الآتية حالًا من المرفوع أو مفعولًا مُطْلَقًا منصوبًا به، لا حالًا من القول والفعل

стр. 641

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . منها، وإنْ كان هذا أَولى، وبهذا ظهر أنَّ ما قدَّره في الشرح تقدير معنى لا تقدير إعراب؛ فتدبره بإنصاف كما قاله (هـ) (١). وقال (ج) (٢): مقتضى المَتْن أنَّ قوله: «تصريحًا أو حُكمًا» معمول لـ «ينتهي»، ومقتضى كلام الشَّارح خلافه؛ فإنَّه قال عقب قوله: «إمَّا أنْ ينتهي إلى النبيِّ ﵇» ما نصُّه: «ويقتضى لفظه إمَّا تصريحًا أو حُكمًا أنَّ المنقول بذلك الإسناد مِنْ قوله ﷺ ... إلخ» فجَعَله معمول «يقتضي» مقدَّرًا، وجَعَل قوله: «مِنْ قَولِه» متعلِّقًا بمقدَّر وهو المنقول، والضمير في «لفظه» يرجع للراوي، أي: ويقتضي لفظُ الراوي وهو المَتْن والسَّنَد: أنَّ المَتْن من لفظ النبي ... إلخ. ثُمَّ اعلم أنَّه لا يتوقف استفادة كونه من المَتْن من لفظه ﵊ على مجموع المَتْن والسَّنَد؛ فإنَّه قد يستفاد كونه من لفظ النبيِّ من السَّنَد، وقد يُستفاد ذلك منه من المَتْن، ككونه لا مجال للرأي فيه، وأمَّا ما تَسَلسَل به الحديث من صفة أو حالة فهذا خارج عن المُقْسَم؛ فلا تجري فيه الأقسام. [قوله] (٣): «أنْ يقول الصَّحابيُّ ... إلخ»: جعله مثالًا للصيغة، وكذا ما كان من شمائله ﵊، [الصادرة] (٤) من الصحابيِّ تصريحًا قوله: سَمِعْتُ الرَّسول وحدَّثنا، وجَعْله نحو: قال رسول الله كذا، أو عن رسول الله أنَّه قال كذا ... من الصحابيِّ أو غيره منها: يفيد أنَّ غير الصحابيِّ لو قال: سَمِعْتُ رسول الله، أو حدَّثنا لا يكون من المرفوع، بل وقوع

стр. 642

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ذلك منه مِن الكذب الذي لا يَصْدُر (هـ/١٦٦) عن عدْلٍ. وقال (هـ) (١): قوله: «أنْ يقول الصحابيُّ» فيه نظرٌ؛ لأنَّ السَّماع والتحديث منه ﵊ لا يختصُّ بالصحابيِّ، فقد قَدِم حكيم بن حِزامٍ المدينة على جاهليَّته في فَكِّ أُسارى بدرٍ؛ «فسمِعه عليه الصلاة و السلام يقرأ في المغرب بالطور» (٢) ورواه بعد إسلامه وصحبته، وسمِع منه ﵊ مَن تأخَّر إسلامه عن موته ﵊ وأدى؛ حينئذٍ كان مرفوعًا متَّصِلًا، وحينئذٍ يُشْكِل تخصيصه: سمعت وحدثنا بالصحابيِّ، اللهمَّ إلَّا أنْ يقال: إنَّ التقْييد جَرْيٌ على الغالب. [قوله] (٣): «أوْ يقولُ هو»: أي: الصحابيُّ أو غيره: قال رسول الله، يعني: بدُون «لي» أو «لنا»، والمراد: صيغةٌ لا تقتضي الاتصال، كقيل قال، ذَكَر وحَدَّث ... غير مقرون بالضمير، وأمَّا مع «لي» أو «لنا» فيختصُّ (أ/١٤٣) بالصحابيِّ على البحث السابق، ومثل «عن»: «أنْ» أيضًا. وقوله: «أنَّه قال كذا» بيانٌ لما يُحكى به المُعَنْعَن والمؤَنْأَنِ لا على وجه التقْييد. وقوله: «فَعَل كذا» تخصيص الصحابيِّ بالذِّكْر جريٌ على الغالب؛ فإنَّ الكافر إذا أدى بعد أنْ أسلم بعد موت الرسول كان مرفوعًا متَّصلًا. [قوله] (٤): «كان الرسول ... إلخ»: إنَّما جاء بكان؛ لتدُلَّ على الماضي، فكل ما كان دالًّا عليه كذلك، نحو: فَعَل، أو صَدَر عنه كذا.

стр. 643

وَمِثالُ المَرْفوعِ مِنَ التَّقريرِ تَصريحًا: أَنْ يقولَ الصَّحابيُّ: فَعَلْتُ بحضرَةِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كذا، أَو يقولَ هُوَ أَو غيرُه: فعَلَ فُلانٌ بحَضْرَةِ النبيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كذا، ولا يذكُرُ إِنكارَهُ لذلك. [قوله] (١): «ومثال المَرْفُوع من التَّقرير»: لم يَقُل تصريحًا؛ لعلَّه من التصريح به مع نظائره السابقة، ولمقابلة هذه الأمثلة بأمثلة الحُكْمِيِّ. [قوله] (٢): «أنْ يقول الصحابي فعلت ... إلخ»: لا شك أنَّ قول الصحابي هنا أيضًا جريٌ على الغالب، وإلَّا فلو فَعَل كافرٌ فِعلًا بحضرة المصطفى، أو قال قولًا وأقره عليه ثُمَّ أسلَم بعد موت الرسول، وقال: فَعَلْتُ أو قُلْتُ بحضرة الرسول كذا؛ كان حديثًا مرفوعًا؛ لأنَّه ﵊ لا يُقرُّ على مُنْكَرٍ من قول أو فعل مِنْ أحدٍ ولو كافرًا؛ فيجِب أنْ يكون كلُّ واحدٍ من ذلك القول أو الفعل كقوله أو فعله ﷺ في الدلالة على جوازه من ذلك الفاعل وغيره، حتى لو سبق تحريم ذلك الفعل كان الإقرارُ نسخًا له، بل ذَكَر الأصوليون أنَّه لا فرق في من يُقرِّه بين مُكَلَّفٍ وغيره، ووجَّهه بعض المتأخرين بأنَّه يمنع ولِيّه من تمكينه من ذلك. [قوله] (٣): «فَعَلَ فلانٌ»: الظاهر أنَّ تعْيين الفاعل وصفٌ طرديٌّ حتى لو أبهِم كان الحُكم كذلك. [قوله] (٤): «ولا يذكَر إِنْكاره»: أمَّا لو ذُكِر الإنكار لذلك الفعل كانت الحجيَّة فيه، وكان من باب القول.

стр. 644

وَمِثَالُ المرفوعِ مِن القولِ حُكْمًا لا تَصْريحًا: أَنْ يقولَ الصَّحابيُّ -الَّذي لم يأْخُذْ عَنِ الإِسرائيليَّاتِ- ما لا مَجالَ للاجْتِهادِ فيهِ، ولا لهُ تَعلُّقٌ ببَيَانِ لُغةٍ، أَو شرحِ غريبٍ؛ كالإِخْبارِ عنِ الأمورِ الماضيةِ مِن بدْءِ الخَلْقِ، وأَخْبارِ الأنبياءِ عليهم الصلاة والسلام، أَو الآتيةِ كالملَاحِمِ والفِتَنِ، وأَحوالِ يومِ القيامةِ. وَكَذا الإِخْبارُ عمَّا يحْصُلُ بفِعْلِهِ ثوابٌ مَخْصوصٌ، أَو عِقابٌ مَخْصوصٌ. وإِنَّما كَانَ لهُ حُكْمُ المَرفوعِ؛ لأنَّ إِخبارَهُ بذلك يقتَضي مُخْبِرًا لهُ، وما لا مَجالَ للاجتِهادِ فيهِ يَقتَضي مُوقِفًا للقائلِ بهِ، ولا مُوقِفَ للصَّحابَةِ إِلَّا النبيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، أَو بعضُ مَن يُخْبِرُ عَن الكُتُبِ القديمةِ، فلهذا وقعَ الاحْتِرازُ عنِ القسمِ الثَّاني، وإِذا كَانَ كذلك، فلهُ حُكْمُ ما لو قالَ: قالَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فهُو مَرْفوعٌ؛ سواءٌ كانَ ممَّا سمِعَهُ منهُ أَو عنهُ بواسِطةٍ. [قوله] (١): «ومِثالُ المرفوعِ حُكْمًا ... إلخ»: «مِثال» مبتدأ، و «ما يقول ... إلخ» خبره، و «حكمًا من المرفوع» ولعله لأنَّ المضاف في حُكم الخبر، إذ لو قلنا: المرفوع قول الصحابي ... إلخ صحَّ المعنى واستقام اللفظ أيضًا، والظاهر أنَّ «ما» من: «ما يقول» مصدريَّة، ومن قوله: «ما لا مجال ... إلخ» موصولة أو موصوفة معمولة ليقول، أو مدلولها الحُكْم، وإنْ كان لا يُقال، لكن يُقال اللفظ الدالُّ عليه، وقد يُحْمل على الحديث وهو يُقال، والظاهر -كما قاله بعضهم- نفي الحالية ظاهرا من غير تكلُّف، وهو حَسَنٌ لا بأس به. و «الاجتهاد» هنا: بَذْلُ الوُسْع في تحصيل العِلْم بحُكمٍ شرعيٍّ، ومِثال الصحابي الذي لم يأخذ عن الإسرائيليَّات: الخلفاء الأربعة، ومثال من أَخَذَ منها عنهم: عبد الله بن سَلَام، قيل: وعبد الله بن عمرو بن العاصي؛ فإنَّه لمَّا فُتِح الشام

стр. 645

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أَخَذ حِمْل بَعيرٍ من كتب أهل الكتاب وكان يحدِّث منها؛ فلذا اتقى النَّاس نَقْل حديثه، وإنْ كان أكثر حديثًا من أبي هريرة باعترافه، والمراد بها: قصص بني إسرائيل وما جاء في كتبهم (١). قال (ب) في حواشي شرح الألفية (٢): «ثُمَّ إنَّ القول (هـ/١٦٧) السَّديد في أصل المسألة: أنَّ ما يأتي عن الصحابة ممَّا لا مجال للرأي فيه إنْ كان حُكْمًا من الأحكام فهو مرفوعٌ؛ لأنَّ الاحكام لا تؤْخَذ إلَّا بالاجتهاد، أو بقول من له الشَّرع، وقد فرضنا أنَّه فيما لا يُجْتَهد فيه؛ فانحصر أنَّه من قوله ﵊، وإنْ لم يكن من الأحكام فإنْ كان ذلك الصحابيُّ لم يأخُذْ عن الإسرائيليات فكذلك؛ لأنَّه لا مجال للرأي فيه، لا بُدَّ للصحابيِّ فيه من مُوَقِّفٍ، فيكون هو النبيُّ ﵊؛ إذ المسألة مفروضة فيمن لم يأخذ عن أهل الكتاب، وإلَّا فموقوف؛ لاحتمال أنْ يكون سَمِعَه من أهل الكتاب. [قوله] (٣): «ولا له تَعَلُّقٌ ببيان لغة ... إلخ»: ما يتعلَّق به بيان اللُّغة يشمَل الغريب وغيره، والبيان واقع فيه بالمعنى اللُّغويِّ، و «شَرْحُ الغَريب» هو بيان الغريب سواء بُيِّن بالمعنى اللُّغويِّ أو بغيره كالمعنى المجازي؛ فبينهما عموم وخصوص، تأمل. [قوله] (٤): «ولا له تَعَلُّقٌ ... إلخ»: لكونه من أهل اللسان لا يحتاج فيه إلى توْقِيف. وقال (هـ) (٥):

стр. 646

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «ولا له» أي: لذلك الحكم تعلُّق ببيان لغةٍ أو شرح غريب لا خصوصية لهما، بل سائر تفاسيره التي تنشأ من معرفة طرق البلاغة واللغة وغيرهما مما للرأي فيه مجال؛ فهو معدود من الموقوفات لا من المرفوعات، غيرَّ أنَّ عطفه قوله: «ولا له ... إلخ» على ما قبله يوهِم عدم إغناء الأول عنه، وليس كذلك (أ/١٤٤)؛ إذ هذه الأمور ممَّا للرأي فيها مجالٌ، فالاحتراز عنها حاصل بما قبلها، وأمَّا ما فسَّره الصحابيُّ من آي القرآن فما كان من تفسيره يرجع للأحكام الاجتهادية فموقوف، وما كان منه لا يرجع إلى ذلك فهو محمول عندهم على بيان أسباب نزولها التي يتصف بالرفع، وعليه يُحْمل كلام الحاكم وعزاه للشيخين؛ لأنَّ أسباب النزول لا مجال فيها للاجتهاد، نحو قول جابر: «كانت اليهود تقول عمَّن أتى امرأته من دُبُرِها في قُبُلِها جاء الولدُ أحول؛ فأنزل الله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ] ﴿البقرة: ٢٢٣﴾ الآية» (٢) وكتفسيره أمرًا مغيَّبًا من أمور الدنيا والآخرة؛ كتعْيين ثوابٍ أو عقاب. تنبيه: مثَّلوا ما لا مَدْخل للاجتهاد فيه بقول أبي هريرة: «ومن لم يُجِبِ الدعوةَ فقد عصى اللهَ ورسولَه» (٣)، وقول ابن مسعود: «من أتى ساحرًا أو عرَّافًا فقد كفر بما أنزل على محمد ﵊» (٤)، ونوقش في حديث ابن مسعود بأنَّ التمثيل به غير صحيح؛ لأنَّه يمكِن أنْ يُقال من جهة الرأي، فإنَّ الحديث جاء في

стр. 647

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بعض طرقه تقْييد الكُفْر بأنْ يصدِّقه، والعرَّاف يدعي علم الغيب فمن صدَّقه في هذه الدَّعوى فقد كذَّب بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ] ﴿النمل: ٦٥﴾، ومن كذَّب بحرفٍ من القرآن فقد كفر، وأيضًا فقد أخبر النبيُّ ﵊ أنَّهم ليسوا بشيء، وأنَّهم كذَبةٌ، فمن صدَّقهم فقد كَفَر بتكذيبه ﷺ ، ومن أتى السَّاحر مُصدِّقًا بسِحْره، أي: مُؤمِنًا بأنَّه حَقٌّ، أو أنَّه يؤثِّر بطبعه فقد كذَّب بقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ] ﴿البقرة: ١٠٢﴾ الآيةَ، وفيه نظرٌ مع قول بعضهم لا بُدَّ أنْ تكون المدخَلِيَّة ظاهرة، والأمر ليس كذلك. [قوله] (١): «مِنْ بَدْءِ الخَلْقِ ... إلخ»: لو قال: كبَدء الخَلْق؛ لَسَلِم من كون البيان قاصرًا عن المبين. و «أخبار الأنبياء»: قصصُهم ووقائعهم مع أممهم وغيرهم. وقوله: «أو الآتية»: عطف على «الماضية» أو «الملاحِم»، جمع: مَلْحَمَة، وهي المعركة؛ سُمِّيَت بذلك لالتحام الأبطال فيها بعضِهم ببعضٍ، أو لكثرة اللحم فيها، أي: القتلى. وقوله: «والفِتَنِ»: جمع فِتْنَة، من ذِكْر العامِّ بعض الخاصِّ. وقوله: «ثَوَابٌ مَخْصُوصٌ»: وكذا لو أَخبَر عن مجرد ما فِعله طاعة أو معصية فقط من غير تعين ثوابٍ

стр. 648

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولا عقابٍ كذلك، كما يأتي آخر المبحث (هـ/١٦٨). [قوله] (١): «فلذا»: أي: لكون التَّوقيف يَحْصُل ممَّن يخبر عن الكتب القديمة، الاحتراز عن القِسم الثاني، وهم: «من يُخْبِر عن الكتب القديمة»، والاحتراز عنه وَقَعَ بقوله: «الذي لم يأخذه عن الإسرائيليَّات». [قوله] (٢): «بواسِطَةٍ»: ولا يَضُرُّ جَهْل حالة هذه الواسطة؛ لأنَّ الصحابة محمولون على العدالة حتى يثبت القادح (٣). قيل: يُحْتَمل أنْ يكون أخبَر به شخصٌ بحضرته ﵊ وأقرَّه، فنَقَل بعضُ من سَمِعَ من الصحابة لذلك؛ فيكون من المرفوع تقريرًا، ومقابِل الأصح أنَّه لا يُحْتج به؛ لاحتمال أنْ يكون سَمِعه من تابعيٍّ، وعليه الأستاذ أبو إسحاق، وعليه جرى القاضي (٤) في «التقريب»، وممَّن حكى الخلاف [ابن برهان] (٥) في «الأوسط» والآمِديُّ (٦) وغيرُهما.

стр. 649

وَمِثالُ المَرْفوعِ مِن الفِعْلِ حُكْمًا: أَنْ يَفْعَلَ الصَّحابيُّ ما لا مَجَالَ للاجْتِهَادِ فِيهِ، فَيُنَزَّلُ على أَنَّ ذلك عندَه عنِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما قالَ الشَّافعيُّ ﵁ في صلاةِ عَليٍّ في الكُسوفِ في كُلِّ ركعةٍ أَكثرَ مِن رُكُوعَيْنِ. وَمِثَالُ المَرْفوعِ مِن التَّقريرِ حُكْمًا: أَنْ يُخبِرَ الصَّحابيُّ أَنَّهُم كانُوا يفْعَلونَ في زَمَانِ النبيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كذا، فإِنَّهُ يكونُ لهُ حُكمُ الرَّفعِ مِن جهةِ أَنَّ الظَّاهِرَ هو اطِّلاعُهُ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على ذَلكَ؛ لتوفُّرِ دَواعِيهِم على سُؤالِهِ عن أُمورِ دِينِهم. وَلأنَّ ذَلكَ الزَّمانَ زَمانُ نُزولِ الوَحْيِ، فلا يَقعُ مِن الصَّحابةِ فِعْلُ شَيْءٍ، ويَسْتَمرُّونَ عليهِ إِلَّا وهُو غيرُ ممنوعِ الفعلِ. وقدِ استدلَّ جابِرٌ وأَبو سعيدٍ الخُدريُّ ﵄ على جوازِ العَزْلِ بأَنَّهُم كانوا يفعَلونَه والقرآنُ يَنزِلُ، ولو كانَ ممَّا يُنْهَى عنهُ لنَهى عنهُ القُرْآنُ. [قوله] (١): «فَيُنَزَّلُ»: أي: يُحْمل بالبناء للمفعول، على أنَّ ذلك الفعل مرويٌّ؛ إذ لا مجال للاجتهاد فيه. [قوله] (٢): «كما قال الشافعيُّ ... إلخ»: قال (ب) (٣): أظن قوله: «في الكُسوف» وهْمًا، وإنَّما هو في الزَّلزلة، فقد رواه البيهقي (٤) في «السنن» و «المعرفة» عن الشافعي فيما بلَغه عن عبَّاد، عن عاصم الأحول، عن خُزيمة، عن عليٍّ ﵁، عنه ﷺ : «في الزلزلة ست ركعات في أربع

стр. 650

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . سجدات، خمس ركعات وسجدتين في ركعة، وركعة وسجدتين في ركعة»، قال الشافعي: ولو ثبت هذا عن عليٍّ كرَّم الله وجهَه لقُلْت به، وهم يثبتونه ولا يأخذون به (١)، وأمَّا الكسوف فقد رُوي عن النبيِّ ﵊: أنَّ في كل ركعة أكثر من ركوعين (٢)، من عدة طرق فلا يُحْتاج فيه إلى التمسك بفعل عليٍّ ﵁ ... إلخ. تنبيه: ولبعضهم مناقشة في المثال الذي ذكره المؤلِّف قائلًا: «لا يتأتَّى جعلُه مرفوعًا حُكمًا؛ لاحتمال أنْ يكون عن قوله ﷺ [لا] (٣) عن فعله، بأنْ أخبر بجواز ذلك الفعل مثلًا وبين كيفيَّته (أ/١٤٥) بالقول، ففعله الصحابيُّ مُعْتَمِدًا على ذلك؛ فظهر أنَّه لا يَلْزم من كون الفعل عند الصحابيِّ عن النبي أنْ يكون عنده من فعله عيله الصلاة والسلام؛ لجواز أنْ يكون عنده مِنْ قوله» انتهى. قُلْتُ: المناقِش في ذلك الشمُنِّيُّ، ولا يخفى أنَّ مناقشته ليست خاصَّة بهذا المِثال، بل هو مُنْكِرٌ لتحقُّق وجود الرَّفع الحُكْميِّ في الأفعال مُطْلَقًا. ويمكِن أنْ يُقال: عُهِد منه ﵊ البيان بالقول والبيان بالفعل، وعُهِد من الصحابة نَقْل بيانه القوليِّ كما هو إمَّا باللفظ وإمَّا بالمعنى على سبيل المحافظة والملازمة؛ فصار ما سكتوا عنه من الأفعال الصادرة عنهم التي لا مجال للرأي فيها محمولة على أنَّهم شاهدوا فعله ﵊ إيَّاها كذلك، والمسألة ظنيَّة يكفي فيها الظهور، قاله (هـ) (٤).

стр. 651

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «أنَّهُم كانوا يَفْعَلُون»: أو يقولون، أو يرون كذا جائزًا، ويمكن جَعْلُ «يَفعلون» كفايةً. وما جَزَم به من كون هذا النَّوع مرفوعًا حُكْمًا هو مذهب الحاكم والرازيِّ، قال النوويُّ: «وهو أقوى الأقاويل من حيث المعنى»، وسواء قَيَّد الصحابي بعصر النبي أو لم يقَيِّده به على هذا القول، والذي ذهب إليه ابن الصَّلاح التفصيل، وهو أنَّه إنْ صرحَّ بعَصْر النبيِّ كان له حُكْم المرفوع، وإلَّا كان موقوفًا، ونحوه للخطيب. وقوله: «في زَمَانِ النَّبِيِّ»: ومِثله ما لو قال: على عَهْد النبيِّ ﵊ وما في معناه، أمَّا لو قال الصحابيُّ: كنَّا نفعل كذا ولم يضفه إلى عهد النبيِّ ﵊ فهل له حكم المرفوع؟ كما قاله الحاكم من المحدِّثين والإمام فخر الدين من الأصوليين، وقال ابن الصباغ في «العدة»: إنَّه الظاهر، ومثله قول عائشة ﵂: «كانت اليد لا تقطع في الشيء التافه» (٢)، ونَقَله النوويُّ (٣) في «شرح المهذَّب» عن كثيرٍ من الفقهاء، وقال: «إنَّه قوي من حيث المعنى»، أو: ليس له (هـ/١٦٩) حُكْم المرفوع كما قال الخطيب (٤) ثُمَّ ابن الصَّلاح.

стр. 652

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «وقد استدَلَّ جابرٌ ﵁ ... إلخ»: أنت خبيرٌ بأنَّ جابرًا قيَّد بالعصر النبويِّ فيما ذَكَرَه هنا: «والقرآن يَنْزِل»، وفيما حكاه غيره: «كنَّا نَعْزِلُ على عَهْد الرسول»، وكقوله: «كنا نأكل لحوم الخيل على عَهْد النبي ﵊» (٢)، والأوَّل مُتَّفق عليه، والثاني أخرجه النَّسائيُّ وابن ماجَهْ. تنبيهان (٣): الأول: «إذا قال التابعيُّ: كنَّا نفعل كذا أو نحوه، فليس بمرفوع قطعًا، ولا بموقوف إنْ لم يُضِفْه [إلى] (٤) زمن الصحابة بل مقطوعٌ، فإنْ أضافه احْتَمل الوقف وعدمه» انتهى كلام بعضهم. الثاني: قوله: «ولأنَّ ذلك الزَّمان زمان نزول القرآن ... إلخ» علَّة لرَفْع مَنْع اطِّلاع النبيِّ عليه وعِلْمه به، وحاصل الرَّفع أنَّه لو كان ممنوعًا لأعْلَمَه الله به إنْ لم يكن عَلِمَ به؛ فالاعتراض به على التَّمثيل ذهولٌ.

стр. 653

ويَلْتَحِقُ بقَولي: «حُكْمًا»: ما وَردَ بصيغةِ الكنايةِ في موضعِ الصِّيَغِ الصَّريحةِ بالنِّسبةِ إِليه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ كقولِ التَّابعيِّ عنِ الصَّحابيِّ: يرفعُ الحَديثَ، أو: يرويهِ، أو: يَنْميهِ، أَو: روايةً، أَو: يبلُغُ بهِ، أَو: رَواهُ. وقَدْ يَقْتَصِرونَ على القولِ معَ حَذْفِ القائلِ، ويُريدُونَ بهِ النَّبيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ كقولِ ابنِ سيرينَ عنْ أَبي هُريرةَ ﵁ قالَ: قالَ: «تُقَاتِلونَ قَوْمًا ... »، الحديث. وفي كلامِ الخَطيبِ أَنَّه اصْطِلاحٌ خاصٌّ بأَهلِ البَصرَةِ. وَمِنَ الصِّيَغِ المُحْتَمِلَةِ: قَولُ الصَّحابيِّ: «مِن السُّنَّةِ كذا» ، فالأكثرُ على أَنَّ ذلك مرفوعٌ. [قوله] (١): «ما رواه بِصِيغَة الكِنايَة»: أي: ما وضعت فيه صيغة الكناية عن الرَّفع مكان الصِيغة الصَّريحة في الرَّفع، كقول البخاريِّ عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباسٍ: «الشِّفا في ثلاث: شربة عسل، وشرطة مِحجَم، وكَيَّةِ نار، وأنهى أمَّتي عن الكَيِّ» (٢) رفع الحديث. وكحديث مُسْلِمٍ عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة يَبْلُغُ به: «الناس [تبعٌ] (٣) لقريش» (٤)، وكحديث الصحيحين (٥) عن سعيد بن المسيَّب، عن أبي هريرة رواية: «الفطرة خمس»، وكحديث مالك في «الموطأ» (٦) عن أبي حازمٍ،

стр. 654

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . عن سهل بن سعد قال: «كان الناس يؤمَرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة»، قال أبو حازم: لا أعْلَم إلَّا أنَّه [يَنْمِي] (١) ذلك. وقوله: «بالنِّسبة» الظاهر تعلقه بموضع الصيغ الصريحة، وقوله: «كقول التابعي» مِثال لما يقتضي تخصيص لمن دون التابعي إذا صدرت منه هذه الألفاظ بعد ذكر الصحابيِّ كالتابعيِّ، وكذا لو وَقَعت هذه الألفاظ من صحابيٍّ بعد ذكر صحابيٍّ آخَرَ؛ فإنَّ الحديث معهما يكون مرفوعًا. قال بعض المتأخرين: «وعبارة الألفيَّة تَشمَله، وإنْ لم أجدْ له مثالًا»، قال: «وقد يقع ذلك من الصحابيِّ بعد ذِكْره النبيَّ عليه (أ/١٤٦) الصلاة والسلام، كأنْ يقول عن النبيِّ ﵊ يرفعه، فهذا في حكم قوله: عن الله تعالى، ومثاله حديث أبي هريرة: «قال رسول الله ﷺ (٢) يرفعه: إنَّ المؤمن عندي بمنزلة كلِّ خير يحمدني وأنا أنزع نفسه من بين جنبيه» (٣)، حديث حَسَنٌ رواه البزار في «مسنده»، وهو من الأحاديث الإلهيَّة» انتهى، وعزاه للشارح. وفي كتابة: المراد بالكناية: لفظٌ حُذِف متعلَّقه أو فاعله أو مفعوله لا المصطلح عليها عند البيانين.

стр. 655

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «أو رَوَاهُ»: أي: أو رفعه أو مرفوعًا، أو أسْنَده أو يُسْنِده، أو أثَره أو يَأْثُره. [تنبيه] (٢): لو قال راوٍ عن تابعيٍّ: يرفعه، يبْلُغ به رواية، يرويه، يَنْمِيه وما معه؛ كان الحديث مرسَلًا مرفوعًا بلا خلافٍ بين أهل الحديث. [قوله] (٣): «وقد يَقْتَصِرُونَ»: أي الرواة بَصْرِيين كانوا أم لا، فقوله بعد: «وفي كلام الخطيب» مقابل على أنَّ ابن سيرين لا يتقَيد رفع ما يَرويه عن أبي هريرة بتَكرير قال، بل هو مُطْلَقٌ، فإنَّه كلُّ ما حدَّث به عن أبي هريرة فهو مرفوع؛ فجَعْلُ الخطيب هذا الحكم مقصورًا على البصريين، بل على محمد بن سيرين منهم عجيب، بل الكلام إنَّما هو فيما إذا وَرَدَ هذا التَّكرير ممَّن لم يُعْرَف له اصطلاح. [قوله] (٤): «ومِن الصِّيَغ [المُجْمَلة] (٥) ... إلخ»:

стр. 656

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كقول عليٍّ كما في سنن أبي داود: «من السُّنَّة وضع الكَفِّ على الكَفِّ [في الصلاة] (١) تحت السُّرَّة» (٢). (هـ/١٧٠) وقوله: «فالأَكْثَرُ على ذلك: أنَّ ذلك مَرْفُوعٌ»: أي: معنًى، أو محكوم له بِحُكم المرفوع، سواء قاله في عصر النبيِّ أو بَعْده بقريبٍ أو ببعيدٍ، وسواء قاله الصحابيُّ في مَحِل الاحتجاج أم لا. [قوله] (٣): «فالأَكْثَرُ ... إلخ»: مقابِل الأكْثَر قَولُ الصَّيْرَفِيِّ ومن معه الآتي وقوله: «ونَقَل ابن عبد البرِّ ... إلخ» يأتي فيه التنظير آنفًا.

стр. 657

ونقلَ ابنُ عبدِ البرِّ فيهِ الاتِّفاقَ، قالَ: «وإِذا قالَها غيرُ الصَّحابيِّ، فكذلك ما لم يُضِفْها إِلى صاحِبِها كسُنَّةِ العُمَرينِ». وفي نَقْلِ الاتِّفاقِ نَظَرٌ، فعَنِ الشَّافعيِّ في أَصلِ المسأَلةِ قولانِ. وذَهَبَ إِلى أَنَّهُ غيرُ مرفوعٍ: أَبو بكرٍ الصَّيرفيُّ مِنَ الشَّافعيَّةِ، وأَبو بكرٍ الرَّازيُّ مِن الحنفيَّةِ، وَابنُ حزمٍ مِن أَهلِ الظَّاهِرِ، واحتَجُّوا بأَنَّ السُّنَّةَ تَتردَّدُ بينَ النبيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وبينَ غيرِهِ، وأُجِيبوا بأَنَّ احْتِمالَ إِرادةِ غيرِ النَّبيِّ ﷺ بعيدٌ. [قوله] (١): «قال: وإذا قَالَهَا»: أي: قال ابن عبد البرِّ: وإذا قال غير الصحابيِّ وهو التابعيُّ الصيغةَ المذكورة، وهي: «من السنة كذا»؛ فإنَّه يكون حُكْمه الرفع، «مالم يُضِفْهَا» أي: مُدة عَدَم إضافتها، «إلى صاحبها» أي: إذا كان صاحبها غَيرَ النبيِّ ﵊، «كالعُمَرين» وذلكَ كقول عُبَيدِ الله بن عبد الله بن عُتبة التابعيِّ كما في «سنن البيهقي» (٢): «السنة تكبير الإمام يوم الفطر ويوم الأضحى حين يجلس على المِنبر وقبل الخطبة تسعَ تكبيرات»، فإنَّ المنقول عن القوم تَصحيح أنَّه موقوفٌ على الصحابيِّ لا مرفوعٌ، وحكى النوويُّ فيه وجهين عن الأصحاب: أحدهما: أنَّه موقوف متَّصِل، ثانيهما: أنَّه مرفوع مرسَل، وصحَّح هو أولهما أيضًا، كما ذَهَب إليه الأكثر؛ فما قاله ابن عبد البرِّ مقابِل المُصحَّح وقول الأكثرين، وفيه إجمالٌ؛ إذ قضيَّته أنَّه مرفوع متَّصِل، اللهمَّ إلَّا [أن] (٣) يكون سَكَت عن الإرسال لوضوحه.

стр. 658

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فإنْ قُلْتَ: على المُصحَّح وقول الأكثرين أيُّ فرقٍ بين هذه الصيغة وبين ما قبلها من الصيغ المحتملة، مِثل يرْفَع الحديث وما معها؟ قُلْتُ: قال العراقيُّ (١): يمكِن أنْ يُجاب عنه بأنَّ قوله: يرفع الحديث؛ تصريحٌ بالرَّفع، وقريبٌ منه الألفاظ المذكورة معه، وأمَّا قوله: «من السُّنَّة» فكثيرًا ما يعبَّر به عن سنة الخلفاء الراشدين أو سنة العلماء، ويترجَّح ذلك إذا قاله التابعيُّ، بخلاف ما إذا قاله الصحابيُّ؛ فإنَّ الظَّاهر أنَّ قوله ذلك إنَّما هو لسُنَّة النبيِّ؛ فهو أضعف احتمالًا من التابعيِّ، وألحَق الشافعيُّ في «الأمِّ» (٢) بالصحابيِّ: سعيدَ بن المسيَّب في قوله: «السُّنَّة كذا»؛ فَيُحْتمل أنَّه مستثنًى من التابعين، والظاهر حمله على ما إذا اعتضد بغيره، كنظير ما في مرسله. تنبيه: الواقع في الأصول: «الصحابيُّ» كما مَرَّ، و «إذا قالها غير الصحابيُّ» وهو الصواب، وفي نسخة (ق) (٣): «غير التابعيِّ»؛ فقال: «يظهر أنَّ هذا من التنبيه بالأدْنى على الأعلى، فإذا قالها التابعيُّ فهو كذلك من باب أولى» انتهى، وفي تعديَة هذا الحكم لمن دون التابعيِّ نظرٌ، ولا يحضُرني الآن مَن نصَّ عليه، فالصواب النُّسخة الأولى، قاله (هـ) (٤).

стр. 659

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي كتابة: قوله: «وإذا قَالَه غيرُ الصَّحَابيِّ فكذلك» هكذا في كثير من النُّسخ، وهذا يصدُق بما إذا كان قائله تابعيًّا أو من دونه، وفي بعض النُّسخ: «وإذا قاله غير تابعيٍّ فكذلك» وفيه تنبيه بالأدنى على الأعلى، ثُمَّ الذي صدر به العراقيُّ هنا تصحيح القول بوقفه لكنه لم يتعرض لما إذا كان قائله من دون التابعيِّ، فإنَّه قال: وَإنْ يَقُلْ (عَنْ تَابعٍ) فَمُرْسَلُ ... قُلْتُ: مِنَ السُّنَّةِ عَنْهُ نَقَلُوْا تَصْحِيْحَ وَقْفِهِ وَذُو احْتِمَالِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . إلخ (١) انظره إنْ شئت. (أ/١٤٧) قوله: «فَعَن الشَّافعيِّ ... إلخ»: «الفاء» واقِعة مَوْقِع لام التعليل. وقوله: «في أصل المسألة» يعني به قولَّ الصحابيِّ: من السُّنَّة كذا. فإن قُلْتَ: لم يَنْقِل ابن عبد البرِّ الاتفاقَ إلَّا فيه؛ فالتصريح بـ «أصلٍ» لأيِّ معنًى؟ قُلْتُ: لَمَّا حكى عن ابن عبد البرِّ (٢): أنَّ التابعيَّ في ذلك كالصحابيِّ؛ خشيَ أنْ يتوهَّم متوهِّمٌ تعْدِيةَ الاتفاق إليه، أو حَمْلَ خلاف الشافعيِّ عليه؛ فخصَّصَ بقوله: في أصل المسألة مَحِل النزاع. [قوله] (٣): «واحتجوا ... إلخ»: ضميره للصَّيْرَفِيِّ، والرَّازيِّ وابن حزمٍ السابقين عليه.

стр. 660

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . تنبيه: يُفهم ممَّا احتجوا به: أنَّ مَحِل الخلاف -كما قاله ابن دَقِيقِ العِيدِ- إذا كان للاجتهاد في المرويِّ (هـ/١٧١) مجالٌ، وإلَّا فحكمه الرفع قَطعًا اتفاقًا، كما إذا أضاف السُّنَّة إلى صاحبها كسنَّة العُمَرينِ؛ لم يَكُن حُجَّة اتفاقًا إلَّا عند من يرى قول الصحابيِّ مثلًا حُجَّة. [قوله] (١): «بأنَّ احتمال ... إلخ»: الاستبعاد في الصحابيِّ مُسَلَّم كما هو أصل المسألة، وأمَّا في التابعيِّ فممنوع؛ لِمَا عَلِمْت آنفًا.

стр. 661

وقَدْ روى البُخاريُّ في «صحيحِه» في حديثِ ابنِ شِهَابٍ، عن سالِمِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، عن أَبيهِ في قصَّتِهِ معَ الحجَّاج حينَ قالَ لهُ: إِنْ كُنْتَ تُريدُ السُّنَّةَ، فهَجِّرْ بالصَّلاةِ يومَ عَرَفَةَ. قالَ ابنُ شِهَابٍ: فقُلْتُ لسالِمٍ: أَفَعَلَهُ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؟ فَقَالَ: وهل يَعْنونَ بذَلكَ إِلَّا سُنَّتَهُ صلَّى الله تعالى عليه وآله وسلم؟! فنَقَلَ سالمٌ -وهو أَحدُ الفُقهاءِ السَّبعَةِ مِن أَهلِ المدينةِ، وأَحَدُ الحُفَّاظِ مِن التَّابعينَ عنِ الصَّحابَةِ- أَنَّهم إِذا أَطلَقوا السُّنَّةَ، لا يُريدونَ بذلك إِلَّا سُّنَّةَ النبيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. وَأَمَّا قولُ بعضِهِم: إِذا كَانَ مرفوعًا، فَلِمَ لا يقولونَ فيهِ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ ؟ فَجَوابُهُ: إِنَّهُمْ تَرَكوا الجَزْمَ بذلك تَورُّعًا وَاحتِياطًا. وَمِنْ هَذَا: قولُ أَبي قِلَابةَ عن أَنسٍ: «مِنَ السُّنَّةِ إِذَا تَزوَّجَ البِكْرَ على الثَّيِّبِ أَقامَ عندَها سَبعًا»، أَخرَجاهُ في الصَّحيحينِ. قالَ أَبو قِلابةَ عن أنس لو شِئْتُ لقُلْتُ: إِنَّ أَنسًا رفَعَهُ إِلى النَّبيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. أَيْ: لَوْ قُلتُ، لَمْ أَكْذِبْ؛ لأَنَّ قولَه: «مِن السُّنَّةِ» هَذَا معناهُ، ولَكنَّ إِيرادَهُ بالصِّيغَةِ التي ذَكَرها الصَّحابيُّ أَوْلَى. ومِن ذَلكَ: قَولُ الصَّحابيِّ: أُمِرْنا بكَذَا، أَوْ: نُهينا عَنْ كذا ، فالخِلافُ فيهِ كالخِلافِ في الَّذي قَبْلَهُ؛ لأنَّ مُطْلَقَ ذلك يَنْصَرِفُ بظاهِرِه إِلَى مَنْ لهُ الأمرُ والنَّهْيُ، وهُو الرَّسولُ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. وَخَالفَ في ذَلكَ طَائفةٌ وتمَسَّكوا باحْتِمالِ أَنْ يَكونَ المُرادُ غيرَه؛ كأَمرِ القُرآنِ، أَو الإِجماعِ، أَو بعضِ الخُلفاءِ، أَو الاستِنْباطِ!

стр. 662

وَأُجيبوا بِأَنَّ الأصلَ هُوَ الأَوَّلُ، وما عَداهُ مُحْتَمَلٌ، لكنَّهُ بالنسبةِ إليهِ مَرْجوحٌ. وأَيضًا؛ فمَنْ كَانَ في طاعةِ رئيسٍ إِذا قَالَ: «أُمِرْتُ»، لا يُفْهَمُ عنهُ أَنَّ آمِرَهُ ليس إِلَّا رئيسُهُ. وأَمَّا قَولُ مَنْ قَالَ: «يُحْتَمَلُ أَنْ يُظنَّ ما ليسَ بأمرٍ أمرًا»، فلَا اخْتِصاصَ لهُ بهذهِ المسأَلَةِ، بَلْ هُوَ مذكورٌ فيما لو صَرَّحَ، فَقالَ: أَمَرَنا رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بكذا. وهُوَ احْتِمالٌ ضعيفٌ؛ لأنَّ الصَّحابيَّ عدلٌ عارفٌ باللِّسانِ، فلا يُطلقُ ذلك إِلَّا بعدَ التحقُّقِ. [قوله] (١): «فَهَجِّرْ بالصَّلَاةِ»: أي: بَكِّر بها وأوقِعْها في أوَّل وقت الهاجِرة. و «سالِمٌ» هو أحد فقهاء المدينة السبعة الذين كانوا يُنتهى إلى أقوالهم وافتائهم، وهم: خارجة بن زيد الأنصاريُّ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وعروة بن الزبير الأسديُّ، وسليمان بن يسار، الهلاليُّ، وعُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود، وسعيد بن المسيِّب، هؤلاء الستة متَفَق عليهم، وأمَّا السابع فقد اختُلف فيه، فالذي جَزَم به الشارح هنا: أنَّه سالِمُ بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وبه قال جماعة أيضًا، وقيل: إنَّه أبو سَلَمة ابن عبد الرحمن بن عوف، وهذا عليه الأكثرون، وما ذُكِر من أنَّهم سبعة هو المشهور، وبلغ بهم يحيى بن سعيد اثني عشر؛ فنقص وزاد، فانظره إن شئت (٢).

стр. 663

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «وأمَّا قول بعضِهم ... إلخ»: اسم «كان» عائدٌ على الحديث الذي عبروا معه بصيغة الكناية موضع الصيغة الصريحة، والبعض المذكور هو ابن حزم، كما أفاده المؤلِّف في مَحِلٍّ آخَرَ. [قوله] (٢): «فَلِمَ لا ... إلخ»: هو سؤال عن العلة، وهي محركة الميم ولا يجوز إسكانها إلَّا في الضرورة، كقوله: يا أسد يا لِمْ أكلتِيه لِمَه (٣) وإذا وُقِف عليها لحِقَتها هاء السكت، وقد جمع هذا البيت الأمرين جميعًا. [قوله] (٤): «فَجَوَابه ... إلخ»: فيه إجحافٌ في الاختصار، وإيضاحه قول بعضهم: «والحامِل على العُدُول عن التَّصريح بالرَّفع إمَّا الشكُّ في الصيغة التي سَمِع بها أهي: قال رسول الله أو نبي الله، أو نحو ذلك: كسمِعت أو حدَّثَني، وهو ممن لايرى الإبدال؟ وإمَّا التخفيف والاختصار أو غير ذلك» انتهى. فمعنى فيعدِل عما شك فيه للاحتياط والخروج عن عُهْدة الكذاب تورعًا، غير أنَّك عرَفت أنَّ العُدُول لا ينْحَصِر في الاحتياط.

стр. 664

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «لَكِنَّ إيرَادَه ... إلخ»: هذا بيان لكونه راجعًا للرواية بالمعنى، وتقدَّم أنَّ الرواية باللفظ مقدَّمة منه عليها. [قوله] (٢): «أُمِرْنَا بِكَذا»: هو بالبناء للمفعول وكذا ما بعده، ومثله: أُمِر فُلانٌ، وكنَّا نُؤْمَر، كذلك: رُخِّص، وأبيح لنا، وأوْجَب أو حَرَّم علينا ونحوها، كقول أمِّ عَطيَّة كما في الصحيح: «أُمِرنا أن نُخرج في العيدين: العواتق وذوات الخدور، وأمِر الحُيَّضَ أن يعتزلن مصلى المسلمين، ونُهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا» (٣)، وهو مقيَّد بما إذا كان للرأي فيه مجال كما في الذي قبله، وإلَّا كان مرفوعًا قَطعًا، أمَّا إذا صرَّح الصحابيُّ بالأمر كقوله: «أمرنا رسول الله» فلم أَرَ فيه خلافًا، ولا يقْدَح فيه ما روي عن داود وغيره أنَّه ليس بحجَّة؛ لأنَّ عدم الحجيَّة لا تُنافي الرَّفع، على أنَّ العراقيَّ (٤) قال في قول داود: «إنَّه ضعيف»: «مردود، إلَّا أنْ يراد بكونه غير حجَّة أنَّه ليس حجَّة في الوجوب».

стр. 665

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . واحترز بقوله: «غير الصحابيِّ ... إلخ» عما لو قال التابعيُّ: أمرَنا فلان، أو أمِر فلان بكذا، أو نهينا ونحو ذلك، فإنَّ [القرافي] (١) قال: إنَّه يكون مُحْتمِلًا للإرسال أو الوقف. ولم يجْزِم في المستصفى (٢) بواحدٍ منهما ولم يرجِّحه، لكِنْ يؤخَذ من كلامٍ ذَكَرَه عقب ذلك تَرْجِيح أنَّه مرسَلٌ مرفوعٌ. [قوله] (٣): «إلَّا رئيسَهُ ... إلخ»: ولا شَكَّ أنَّه لا رئيس للصحابة بالحقيقة إلَّا النبيُّ ﷺ ؛ (هـ/١٧٢) إذ هو الآتي بالقرآن والمبيِّن له، وقول بعضهم: هذا لا يخرج احتمال القرآن ولا الخلفاء؛ ممنوعٌ.

стр. 666

ومن ذَلكَ: قولُهُ: كنَّا نَفْعَلُ كَذا، فلَهُ حُكْمُ الرَّفعِ أَيضًا كما تَقدَّمَ. ومِنْ ذَلكَ: أَنْ يَحْكُمَ الصَّحابيُّ على فِعلٍ مِن الأفعالِ بأَنَّه طَاعةٌ للهِ تعالى، أَو لرسولِهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، أَو معصيةٌ؛ كقولِ عَمَّارٍ: «مَنْ صامَ اليومَ الَّذي يُشَكُّ فِيهِ، فَقدْ عَصى أَبا القاسِمِ ﷺ ». فلهَذَا حُكْمُ الرَّفعِ أَيضًا؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ ذلك ممَّا تَلقَّاهُ عنِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. أَوْ تَنْتَهي غَايةُ الإِسنادِ إلى الصَّحابِيِّ كَذلكَ؛ أَي: مِثْلَ ما تَقدَّمَ في كونِ اللَّفْظِ يَقْتَضي التَّصريحَ بأَنَّ المَقُولَ هُو مِن قولِ الصَّحابيِّ، أَو مِن فعلِهِ، أَو مِن تقريرِهِ، ولَا يَجيءُ فِيهِ جَميعُ ما تَقدَّمَ، بَلْ مُعْظَمُه. والتَّشبيهُ لا تُشْتَرَطُ فِيهِ المُسَاواةُ مِن كلِّ جِهَةٍ. [قوله] (١): «ومن ذلك قَوْله: كنَّا نَفْعَلُ كذا»: قال المؤلِّف: «وهو أنْزَلُ رُتْبَةً من قولهم: كنَّا نَفْعَل في عَهْد (أ/١٤٨) النبيِّ ﵊؛ لأنَّ هذا أورَدَه مُحتجًّا به، يَحْتمل أنْ يريد الإجماع أو تقرير النبيِّ؛ [فالاحتجاج صحيح، وفي كونه من التَّقرير التردُّد»] (٢). انتهى تنبيه (٣): ضمير قول للصحابِّي المصرَّح به فيما قبله، واحترز به عن قول التابعيِّ: كنا نفعل كذا ونحوه؛ فإنَّه ليس مرفوع قَطعًا، ولا بموقوف إذا لم يُضِفْه إلى زمن

стр. 667

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الصحابة بل مقطوع، فإنْ أضافه احتمل الوَقْف وعَدَمه، قاله شيخ الإسلام الأنصاريُّ في شرح الألفيَّة (١). [قوله] (٢): «أو يَنتهي غايةُ الإسناد إلى الصحابيِّ»: كذلك لفظ «غاية» لا يفيده المَتْن بل يفيد إسقاطه، لكنَّ ذِكْره ليس فيه خَللٌ إلَّا أنَّ ترَكْه أولى؛ لئلا يُوهِم توقَّف المعنى عليه. وقال (هـ) (٣): قد عَلِمْتَ ممَّا مَرَّ أنَّ غاية الإسناد هو المَتْن، ومن هنا يُعْلَم ما أشرنا إليه فيما مَرَّ من تقدير المضاف قَبْل النبيِّ ﵊. قوله: «يَقْتَضِي التَّصْريح ... إلخ»: ظاهره أنَّه لا يُعْتَبَر هنا ما يقتضي لفظه، أي: لفظ التابعيِّ أنَّ المنقول: من قول الصحابيِّ، أو من فعله، أو من تقريره حُكْمًا وهو واضحٌ؛ لأنَّ المرفوع حُكمًا اعتُبِر فيه أنْ يَدُلَّ على أمر ليس فيه للاجتهاد دَخْلٌ، وهنا لا يتأتى من جانب الصحابيِّ فلا يكون لنا الموقوف حُكمًا، ثُمَّ إنَّ قوله: «ولا يَجِيءُ فيه جَمِيعُ ما تَقَدَّم» فيه نوع تَكرار مع ما أفاده مفهوم التصريح. وقال (هـ) (٤): ولو أبْدَل «الواو» في قوله: «ولا يَجِيءُ فيه» بـ «الفاء» إشعارًا

стр. 668

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بتفرُّعه على ما قبله من قَصْره على الصَّريح دون غيره؛ كان أظهر، وشمول لفظه لصور التصريح الثلاث، وهي: قول صريح، وفعل صريح، وتقرير صريح بَيِّنٌ، وينبغي أنَّ القول الحُكميَّ نحو: الإشارة المفهمة كالقول الصريح، وأمَّا الفِعل الحُكميُّ والتقرير الحُكميُّ فلا يتأتيان فيه؛ لأنَّه لما كان غير معصوم لم يَستحِلْ عليه صدور المنكر بحضرته، ومن هُنا [قال] (١): «بل مُعْظَمُه». وفي كتابة: قوله «بل مُعْظَمُه» الذي لم يجئْ هنا هو تقرير الصحابيِّ حُكْمًا، كأن يقول التابعيُّ: كانوا يفعلون في زمن الصَّحابة كذا؛ فإنَّه لا يكون له حُكْم الرَّفع، كذا بخط شيخ الإسلام (٢). وقوله: «والتَّشْبيه ... إلخ»: جواب سؤالٍ مقدَّر بِيِّنُ التقدير.

стр. 669

وَلمَّا أَنْ كانَ هَذَا المُخْتَصرُ شَامِلًا لجَميعِ أَنواعِ عُلُومِ الحَدِيثِ اسْتَطْرَدْتُ مِنْهُ إِلى تَعريفِ الصَّحابيِّ مَنْ ما هو، فقُلْتُ: وهُوَ مَنْ لَقِيَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ تَعالى عليهِ وآلهِ وسلَّمَ- مُؤْمِنًا بهِ، وماتَ عَلى الإِسلامِ، ولو تَخَلَّلَتْ رِدَّةٌ فِي الأَصَحِّ. والمُرَادُ باللِّقاءِ: ما هُوَ أَعمُّ مِن المُجالَسَةِ والمُمَاشاةِ، ووُصُولِ أَحدِهِما إِلى الآخَرِ وإِنْ لم يُكَالِمْهُ، وتدخُلُ فيهِ رُؤيَةُ أَحدِهما الآخَرَ؛ سواءٌ كانَ ذَلكَ بنفسِه أَو بغَيْرِهِ. والتَّعْبيرُ بـ «اللُّقِيِّ» أَوْلَى مِن قولِ بَعْضِهم: الصَّحابيُّ مَنْ رأَى النَّبيَّ صلَّى الله تعالى عليه وآله وسلَّم؛ لأنَّهُ يخرُجُ حِينَئذٍ ابنُ أُمِّ مَكْتومٍ ونَحوُهُ مِن العُمْيانِ، وهُمْ صَحَابةٌ بلا تَرَدُّدٍ، واللُّقيُّ في هذا التَّعريفِ كالجِنْسِ. [قوله] (١): «ولَمَّا أنْ كان»: إسقاط «أنْ» صواب؛ لأنَّ «لَمَّا» مختصَّةٌ بالجملة الفعليَّة الماضية حقيقةً أو حُكْمًا، و «أَنْ» موجِبَةٌ للتأويل بالاسم المنافي للفعل، وأمَّا ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ] ﴿يوسف: ٩٦﴾ الآيةَ، فـ «أنْ» فيها زائدة، وزيادتها (٢) مقصورة على السَّمَاع. والمراد بـ «المُخْتَصر» هنا المَتْن. وقوله: «شامِلًا لجَمِيعِ ... إلخ»: أنت خبيرٌ بأنَّ المخْتَصَر بعد اتصافه بالشُّمول لجميع أنواع الحديث بالفعل لا يتأتَّى أنْ يُزادَ فيه ما ذُكِر؛ لأنَّه من جملة مباحثه، ولأجل هذا الاعتراض

стр. 670

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قال (ب) (١) اعتذارًا: «أي: أريد لأنْ يكون شاملًا» انتهى؛ لأنَّ الاستطراد فرع إرادة المؤلِّف أن يكون المختَصَر شاملًا لا فرع [شموله] (٢) بالفِعْل. [قوله] (٣): «عُلُومِ الحَدِيثِ»: جَمْع: عِلْم، لا بمعنى المَلَكَة، ولا بمعنى الإدراك، بل بمعنى القضية المعلومة على تجوُّزٍ ظاهرٍ، ولك أنْ تقول: حيث كان التجوُّز فلا فرق بين هذا المعنى ولا بين غيره (٤). وفي كتابة: «شاملًا لأنواع عُلُوم الحديثِ» أي: الغالب منها. وقوله: «اسْتَطْرَدْتُ مِنْهُ»: أي: انْتَقَلْتُ من الإسناد إلى تعريف الصحابيِّ؛ لأنَّ المناسب لِمَا يشتمل على جميع أنواع علوم الحديث أنْ يُذْكَر ما له تعلُّق به. وفي كتابة: إنَّما كان استطرادًا؛ لأنَّه ذَكَره أثناء ما هو بصدَدِه من تفضيل أحوال (هـ/١٧٣) الإسناد بطريق الاعتراض بين المتعاطفين، ولم يَفْعل له ترجمة على حِدَةٍ كما فَعَل القوم، ولا تنافي في ذِكْرِه استطرادًا بهذا المعنى كونه نوعًا من أنواع الحديث، وبه يَنْدَفع اعتراض (ب).

стр. 671

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقال (هـ) (١): «اعْلَم أن الاستطراد عند القوم: ذِكْر الشيء في غير مَوْضِعه لمُنَاسَبَة. وقوله: «منه» إن كان ضميره للمُخْتَصر؛ فـ «من» بمعنى «في»، أو المراد: من بعض مَباحِثه، أو من مَباحِثه مَبْحَثُ الصحابيِّ، وإن كان ضميره لجميع فلا وَجْه له إلَّا بتَكَلُّف لا يتضح، وهو: تضمين «استطردت» معنى انتقلت، وإن كان ضميره للإسناد فقريب، لكنَّه لا يخلو من غُموض؛ فالأظهر أنَّ ضمير «منه» راجع لنوع الموقوف المتضمن له جميع أنواع الحديث وإن لم يَسْلَم من عناية» انتهى. و «الصحابيّ» نِسبة إلى الصحابة بالمعنى المصدريِّ، ويطلق على الأصحاب أيضًا، قاله الجوهريُّ، وهو لغةً: من صَحِب غيرَه ما يُطْلَقُ عليه اسم الصُّحْبَة وإنْ قَلَّتْ، واصطلاحًا ما أشار إليه بقوله: «هو (أ/١٤٩) مَنْ لَقِيَ النبيَّ ﵊ مُؤْمِنًا ... إلخ» إذا كان لفظ «مَنْ» مدلوله من يعقل؛ تناول التعريف: الإنس والجنَّ، وبه صرح بعضهم في نحو: جِنِّ نَصِيبين، وربما يَدْخُل المعنى: المَلَك. وفي «الإصابة» للمؤلِّف: وهل يَدْخُل الملائكة في حَدِّ الصحابة؟ مَحِل نظرٍ، وقد قال بعضهم: إنَّ ذلك يبنى على أنَّه: هل كان مبعوثًا لهم أيضًا أم لا؟ وفي بناء هذه المسألة على هذا الأصل نظرٌ لا يخفى. وقوله: «مُؤْمِنًا» حال من فاعل «لَقِي» ولو قدمه على المفعول ليتَّصل الحال بصاحبه؛ كان أولى، وكان ينبغي أنْ يقول: حيًّا، أو قبل وفاته؛ ليَخْرج من رآه بعد وفاته؛ لأنَّ الصحبة إنَّما تثبت

стр. 672

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لرؤية ذاته الشريفة جسدًا ورُوحًا إنْ قلنا أنَّ المرئي بعد الوفاة هو مِثَال، وإنْ قُلْنا المرئي الذات الشريفة؛ فشَرْط الصُّحبة أنْ يراه وهو في عالم المُلك، وهذه رؤية وهو في عالم الملكوت وهي لا تُثْبِت الصُّحبة، وكذا من رآه فيما بين الموت والدفن كأبي ذؤيب؛ فإنَّ الإخبار الذي هو معنى النبوة انقطع ولا يُعَدُّ لُقِيًّا. [قوله] (١): «ويَدْخُل فِيهِ»: أي: في اللقاء، «رؤية أحدهما» أي: النبيِّ أو المُلاقي «الآخر» سواء كان ذلك اللُّقيُّ المذكور حَصَل بواسطة نَفْس المُلاقي واستقلاله بالمشي فيه كالرجال والنساء، أو حَصَل بواسطة غيره كالأطفال الذين حُمِلوا إلى النبيِّ ﵊ ولو للتَّحْنيك مثلًا، أو بشرط التَّمْيِيز على الخلاف. قال (ب): «تقْيِيد المسألة بالرؤية لا بُدَّ أنْ يكون أهل العُرْفِ يسمُّونه لِقاءً» انتهى؛ فَظَهر من مجموع الكلام: أنَّه لا يُشترط اتحاد المكان؛ إذ قد تَحْصُل الرؤية مع بُعْد المكان جدًّا على ما يُصَرِّح به، وفيه نظر ظاهر، كما ظهر من إطلاقه: أنَّه لا يُعتبر عِلْم أحدهما الآخر حال الاجتماع كما في الجيوش والجموع العظيمة في حجة الوداع وغزوة تبوك، ويقرِّبه قول من لا يشترط التمْيِيز في الأطفال، ويُبْعِده قول من اشترطه بالنظر إلى علم المُلاقي، ولا يخفى اختلاف العُرْف ... إلخ.

стр. 673

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي كتابة «ويَدْخُل فيه» أي: في اللقاء، «رؤية أحدهما الآخر» لكن سيأتي أنَّ من رآه النبيُّ [ولم ير هو النبيَّ] (١) لا يكون صحابيًّا، انظره عند قوله: «لكن ... إلخ». [وقوله: «سواء كان»: أي: سواء] (٢) كان اللقاء «بنَفْسه أو بغيره» كالصبي الذي يُحْمَل إليه، ولا يصحُّ عود الإشارة للرؤية؛ لأنَّ قوله: «أو بغيره» لا يجري في الممشاة ولا في الرؤية؛ لأنَّها إنَّما تكون من الرأي، وقول المُحَشِّي: «سواء كان ذلك أي الرؤية بنفسه أو بغيره» ليس على ما ينبغي، تأمَّل. [قوله] (٣): «أولى مِنْ قَوْل بَعْضِهم»: هو أبو عمرو بن الصَّلاح. وقوله: «لأنَّه»: أي: [لأنَّ] (٤) قَيْد الرؤية الذي ذكره (هـ/١٧٤) في التعريف يخرج اعتباره «ابن أم مكتوم ... إلخ»، واحترزنا بالاعتبار عمَّا إذا جعل النَّحو بيان الواقع، فإنَّه لا يقتضي إخراجًا. وقد يُقال: المراد بالرؤية ما هو أعمُّ من الرؤية ولو بالقوة، أو بالفعل، فالأعمى في قوة من يرى بالفعل لولا المانع، ولا يخفى أنَّ أَخْذَ المجاز في التعريف غير مضرٍّ حيث كان مشهورًا كما هنا.

стр. 674

وَ في قَوْلِي: «مُؤْمنًا»؛ كالفَصْلِ، يُخْرِجُ مَن حَصَلَ لهُ اللِّقاءُ المَذْكورُ، لَكنْ في حالِ كونِهِ كافرًا. وَقَوْلي: «بِهِ» فصلٌ ثَانٍ يُخْرِجُ مَنْ لَقِيَهُ مُؤمِنًا، لكنْ بغَيْرِهِ مِن الأنبياءِ عليهم الصلاة والسلام. لَكنْ: هَلْ يُخْرِجُ مَنْ لَقِيَهُ مُؤْمِنًا بأَنَّهُ سَيُبْعَثُ ولَمْ يُدْرِكِ البِعْثَةَ فِيهِ نَظرٌ! وقَوْلي: «ومَاتَ على الإِسْلَامِ»؛ فَصْلٌ ثَالِثٌ يُخْرِجُ مَنِ ارتَدَّ بعدَ أَنْ لَقِيَه مُؤمِنًا بهِ، ومَاتَ على الرِّدَّةِ؛ كعُبَيْدِ اللهِ بنِ جَحْشٍ، وَابْنِ خَطَلٍ. وقوله: «كافرًا»: أي: ثُمَّ أسْلَم ولم يَجْتَمع به ﵊ بعد إسلامه. [قوله] (١): «وقولي: «به» فصلٌ ثانٍ ... إلخ»: فيه بحث؛ لأنَّه [إن كان] (٢) المراد بقوله: مؤمنًا بغيره أنَّه يؤمِن بأنَّ ذلك الغير نبيٌّ ولم يؤمِن بما جاء به كأهل الكتاب فهذا لا يُقال له مؤمنٌ؛ فلم يَدْخُل في الجنس فيُحْتاجَ إلى إخراجه بفَصْلٍ، وإنَّما هو لبيان متعلَّق الإيمان، وإنْ كان المراد: مؤمنًا بما جاء به غيره من الأنبياء؛ فذلك مؤمِنٌ به إنْ كان لقاؤه بعد البَعثة، وإنْ كان قبلها فهو مؤمِنٌ بأنَّه سيُبْعث؛ فلا يَصِحُّ أيضًا أنْ يكون فصلًا لما ذكره في قوله: لكن ... إلخ.

стр. 675

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كما أشار إليه (ق) (١)، زاد (هـ) (٢) قُلْت: ما ذكره [لم يظهر] (٣) لنا، [ولكنَّا] (٤) نختار الثاني. [قوله] (٥): «فذلك مُؤْمِنٌ به ... إلخ»: ممنوع؛ لاحتمال ألَّا يكون بَلَغَه لا إجمالًا ولا تفصيلًا أنَّ نبيَّه أخْبَره بأنَّه مُكلَّفٌ باتباعه إنْ أدْرَكه ﷺ ، وبتقديره فقد لا يَثْبُت عنده بأول الملاقاة أنَّه هو؛ فلا يؤمِن به، وقد يموت قبل أنْ يتقرَّر عنده بعثَته ونبوته، وأمَّا مَنْ رآه قبل البعثة وهو مؤمن بغيره وبما جاء به وكان مؤمنًا بأنَّه ﵊ سيُبْعَث فليس بمؤمِنٍ به شرعًا؛ لعَدَم موجِب صِدْقِه وثبوت نبوته حتى يحكم له بالصحبة، فيجب الاحتراز عنه؛ إذ هو مؤمن شرعًا بغيره، فقد وَرَدَ الشَّرع بالاعتداد بإيمان مَنْ لم يغيِّر ولم يُبَدِّل من الأمم المتأخرة عن أنبيائها (أ/١٥٠) الذين ماتوا قبل بعثته ﵊، كقُسِّ بن ساعدةَ الإيادي، وزيد بن عَمرو بن نُفَيلٍ، وبَحِيرَى الراهب، ووَرَقَة بن نَوفَلٍ على قول، وقيل: إنَّه لم يَمُتْ إلَّا بعد البعثة والإرسال، وعليه فهو صحابيٌّ، كخديجة ﵂.

стр. 676

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «فيه نَظَرٌ»: وجه النظر (٢): أنَّه لم يكن قبل البعثة مُتَّصِفٌ بالنُّبوَّة ظاهرًا، ولكنَّه مُتَّصِفٌ بها في عِلْم الله؛ فبالاعتبار الأوَّل لا يَصْدُق على مَن لَقِيَه قبل النُّبوَّة أنَّه لَقِيَ النبيَّ، وبالاعتبار الثاني يَصْدُق، وهذا مثل بَحِيرَى الراهب، وزيد بن عمرو بن نُفَيلٍ، لكنْ لا يخفى أنَّ الإيمان: التصديقُ بما عُلِم مجيءُ الرسول به ضرورةً، وحينئذ فلا يَنْطَبِقُ على ما ذُكِرَ أنَّه مؤمِنٌ، قاله (ج) (٣). [قوله] (٤): «كعُبيد الله بن جَحْشٍ»: عُبَيد بالتصغير، «وابن خَطَلٍ» أي: وعبد الله بن خَطَلٍ. ودَخَلَ بالكاف: رَبيعَةُ بن أُمَيَّة بن خَلَفٍ؛ فإنَّه لَقِيَه مؤمِنًا به، ورَوَى عنه، واستمر إلى [خلافة] (٥) عُمَر وارتَدَّ ومات على ذلك.

стр. 677

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «في حَيَاتِه»: كعبد الله بن أبي سَرْحٍ؛ لأنَّه أسلَم ثُمَّ ارتَدَّ في حياته ﵊ (٢) [ولَقِيه مُسْلِمًا بعد مراجعته الإسلام في حَيَاته ﵇ (٣). وقوله: «أو بَعْدَهُ»: عطف على «حَيَاته» أي: ورجع إلى الإسلام بعد موت النبيِّ ﷺ ، وبهذا التقرير سقط ما يقال: الأولى «أم» بعدها؛ لمطابقة حَيَاته، وذلك [كجعدة] (٤) بن هُبَيْرَة (٥)، والأشعث بن قَيْس.

стр. 678

وَقَوْلي: «ولَوْ تَخَلَّلَتْ رِدَّةٌ»، أَيْ: بَيْنَ لُقِيِّهِ لَهُ مُؤمِنًا بهِ، وَبينَ موتِهِ على الإِسْلَامِ؛ فإِنَّ اسمَ الصُّحبةِ بَاقٍ لهُ؛ سَواءٌ أَرجَعَ إِلى الإسلامِ في حياتِهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أَو بَعْدَه، وَ سواءٌ أَلَقِيَهُ ثانيًا أَمْ لا. وقَوْلي: «فِي الأصحِّ»؛ إِشارةٌ إِلى الخِلافِ في المسأَلَةِ. ويَدلُّ على رُجْحانِ الأوَّلِ: قِصَّةُ الأشْعَثِ بنِ قيسٍ؛ فَإِنَّهُ كَانَ مِمَّنِ ارتَدَّ، وَأُتِيَ بِهِ إِلَى أَبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَسيرًا، فَعادَ إِلى الإسلامِ، فقَبِلَ منهُ ذَلكَ، وزَوَّجَهُ أُخْتَهُ، ولم يَتخلَّفْ أَحدٌ عنْ ذِكْرِهِ في الصَّحابةِ، ولا عَنْ تخريجِ أحاديثِهِ في المَسَانيدِ وغَيْرِها. وقوله: «سواءٌ لَقِيَهُ ثانيًا أم لا»: هذا على مذهب الشافعيِّ لا على مذهب مالكٍ كما هو معلوم. [قوله] (١): «إِشَارَةٌ إلى الخِلَاف في المَسْأَلَة»: يعني مسألة الارتداد. [قوله] (٢): «أُخْتُه»: فاعل «زَوَّجَه»: أبي بكر ﵁، وإليه يعود ضمير «أُخْتِهِ» واسمها: أمُّ فَرْوَة. (هـ/١٧٥)

стр. 679

تَنْبيهَانِ: أَحَدُهما: لَا خَفاءَ برُجْحانِ رُتْبةِ مَنْ لازَمَه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وَقاتَلَ مَعَهُ، أَو قُتِلَ تَحْتَ رايتِهِ، على مَن لم يُلازِمْهُ، أَو لم يَحْضُرْ مَعهُ مَشْهدًا، وعَلَى مَن كلَّمَهُ يَسيرًا، أَو مَاشَاهُ قَليلًا، أَوْ رَآهُ على بُعْدٍ، أَو في حَالِ الطُّفولَةِ، وإِن كَانَ شَرفُ الصُّحْبَةِ حَاصِلًا للجَميعِ. وَمَنْ ليسَ لَهُ مِنهُمْ سَماعٌ منهُ، فحديثُهُ مُرْسَلٌ من حيثُ الرِّوايةُ. وهُمْ معَ ذَلكَ مَعْدُودونَ في الصَّحابةِ؛ لما نَالوهُ مِن شرفِ الرُّؤيةِ. و ثَانِيهما: يُعْرَفُ كونُهُ صَحابيًّا بالتَّواتُرِ، أَو الاستفاضَةِ، أَو الشُّهْرةِ، أَو بإِخبارِ بعضِ الصَّحابةِ، أَو بعضِ ثِقَاتِ التَّابِعينَ، أَو بإِخبارِهِ عَنْ نَفْسِهِ بأَنَّهُ صَحابيٌّ إِذا كانَ دَعْواهُ ذَلكَ تدخُلُ تحتَ الإِمكانِ! وَقَد استَشْكَلَ هذا الأخيرَ جَماعَةٌ مِن حيثُ إِنَّ دَعْواهُ ذلك نظيرُ دَعْوى مَن قَالَ: أَنا عَدْلٌ! ويَحْتاجُ إِلى تأَمُّلٍ! [قوله] (١): «مُرْسَلٌ مِنْ حيثُ الرِّوَايَةُ (٢)»: أي: لا مِنْ حيثُ عَدَمُ الاحتجاج به؛ لضَعْف احتمال روايته عن التابعين، وإنْ كان الاحتمال في رواية من له سماعٌ أضعفُ، قال المؤلِّف: «وهذا يُلْغَزُ به فيُقال: صحابيٌّ حديثه مُرْسَلٌ بالاتفاق» أي: لا يَطْرُقه الاحتمال الذي في مراسيل
следующие страницы →