← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 320

حاشية الخرشي منتهى الرغبة في حل ألفاظ النخبة

الخرشي = الخراشي

Полный текст (886 стр.). Показаны 675–714 · переход к 680.

стр. 675

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كما أشار إليه (ق) (١)، زاد (هـ) (٢) قُلْت: ما ذكره [لم يظهر] (٣) لنا، [ولكنَّا] (٤) نختار الثاني. [قوله] (٥): «فذلك مُؤْمِنٌ به ... إلخ»: ممنوع؛ لاحتمال ألَّا يكون بَلَغَه لا إجمالًا ولا تفصيلًا أنَّ نبيَّه أخْبَره بأنَّه مُكلَّفٌ باتباعه إنْ أدْرَكه ﷺ ، وبتقديره فقد لا يَثْبُت عنده بأول الملاقاة أنَّه هو؛ فلا يؤمِن به، وقد يموت قبل أنْ يتقرَّر عنده بعثَته ونبوته، وأمَّا مَنْ رآه قبل البعثة وهو مؤمن بغيره وبما جاء به وكان مؤمنًا بأنَّه ﵊ سيُبْعَث فليس بمؤمِنٍ به شرعًا؛ لعَدَم موجِب صِدْقِه وثبوت نبوته حتى يحكم له بالصحبة، فيجب الاحتراز عنه؛ إذ هو مؤمن شرعًا بغيره، فقد وَرَدَ الشَّرع بالاعتداد بإيمان مَنْ لم يغيِّر ولم يُبَدِّل من الأمم المتأخرة عن أنبيائها (أ/١٥٠) الذين ماتوا قبل بعثته ﵊، كقُسِّ بن ساعدةَ الإيادي، وزيد بن عَمرو بن نُفَيلٍ، وبَحِيرَى الراهب، ووَرَقَة بن نَوفَلٍ على قول، وقيل: إنَّه لم يَمُتْ إلَّا بعد البعثة والإرسال، وعليه فهو صحابيٌّ، كخديجة ﵂.

стр. 676

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «فيه نَظَرٌ»: وجه النظر (٢): أنَّه لم يكن قبل البعثة مُتَّصِفٌ بالنُّبوَّة ظاهرًا، ولكنَّه مُتَّصِفٌ بها في عِلْم الله؛ فبالاعتبار الأوَّل لا يَصْدُق على مَن لَقِيَه قبل النُّبوَّة أنَّه لَقِيَ النبيَّ، وبالاعتبار الثاني يَصْدُق، وهذا مثل بَحِيرَى الراهب، وزيد بن عمرو بن نُفَيلٍ، لكنْ لا يخفى أنَّ الإيمان: التصديقُ بما عُلِم مجيءُ الرسول به ضرورةً، وحينئذ فلا يَنْطَبِقُ على ما ذُكِرَ أنَّه مؤمِنٌ، قاله (ج) (٣). [قوله] (٤): «كعُبيد الله بن جَحْشٍ»: عُبَيد بالتصغير، «وابن خَطَلٍ» أي: وعبد الله بن خَطَلٍ. ودَخَلَ بالكاف: رَبيعَةُ بن أُمَيَّة بن خَلَفٍ؛ فإنَّه لَقِيَه مؤمِنًا به، ورَوَى عنه، واستمر إلى [خلافة] (٥) عُمَر وارتَدَّ ومات على ذلك.

стр. 677

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «في حَيَاتِه»: كعبد الله بن أبي سَرْحٍ؛ لأنَّه أسلَم ثُمَّ ارتَدَّ في حياته ﵊ (٢) [ولَقِيه مُسْلِمًا بعد مراجعته الإسلام في حَيَاته ﵇ (٣). وقوله: «أو بَعْدَهُ»: عطف على «حَيَاته» أي: ورجع إلى الإسلام بعد موت النبيِّ ﷺ ، وبهذا التقرير سقط ما يقال: الأولى «أم» بعدها؛ لمطابقة حَيَاته، وذلك [كجعدة] (٤) بن هُبَيْرَة (٥)، والأشعث بن قَيْس.

стр. 678

وَقَوْلي: «ولَوْ تَخَلَّلَتْ رِدَّةٌ»، أَيْ: بَيْنَ لُقِيِّهِ لَهُ مُؤمِنًا بهِ، وَبينَ موتِهِ على الإِسْلَامِ؛ فإِنَّ اسمَ الصُّحبةِ بَاقٍ لهُ؛ سَواءٌ أَرجَعَ إِلى الإسلامِ في حياتِهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أَو بَعْدَه، وَ سواءٌ أَلَقِيَهُ ثانيًا أَمْ لا. وقَوْلي: «فِي الأصحِّ»؛ إِشارةٌ إِلى الخِلافِ في المسأَلَةِ. ويَدلُّ على رُجْحانِ الأوَّلِ: قِصَّةُ الأشْعَثِ بنِ قيسٍ؛ فَإِنَّهُ كَانَ مِمَّنِ ارتَدَّ، وَأُتِيَ بِهِ إِلَى أَبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَسيرًا، فَعادَ إِلى الإسلامِ، فقَبِلَ منهُ ذَلكَ، وزَوَّجَهُ أُخْتَهُ، ولم يَتخلَّفْ أَحدٌ عنْ ذِكْرِهِ في الصَّحابةِ، ولا عَنْ تخريجِ أحاديثِهِ في المَسَانيدِ وغَيْرِها. وقوله: «سواءٌ لَقِيَهُ ثانيًا أم لا»: هذا على مذهب الشافعيِّ لا على مذهب مالكٍ كما هو معلوم. [قوله] (١): «إِشَارَةٌ إلى الخِلَاف في المَسْأَلَة»: يعني مسألة الارتداد. [قوله] (٢): «أُخْتُه»: فاعل «زَوَّجَه»: أبي بكر ﵁، وإليه يعود ضمير «أُخْتِهِ» واسمها: أمُّ فَرْوَة. (هـ/١٧٥)

стр. 679

تَنْبيهَانِ: أَحَدُهما: لَا خَفاءَ برُجْحانِ رُتْبةِ مَنْ لازَمَه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وَقاتَلَ مَعَهُ، أَو قُتِلَ تَحْتَ رايتِهِ، على مَن لم يُلازِمْهُ، أَو لم يَحْضُرْ مَعهُ مَشْهدًا، وعَلَى مَن كلَّمَهُ يَسيرًا، أَو مَاشَاهُ قَليلًا، أَوْ رَآهُ على بُعْدٍ، أَو في حَالِ الطُّفولَةِ، وإِن كَانَ شَرفُ الصُّحْبَةِ حَاصِلًا للجَميعِ. وَمَنْ ليسَ لَهُ مِنهُمْ سَماعٌ منهُ، فحديثُهُ مُرْسَلٌ من حيثُ الرِّوايةُ. وهُمْ معَ ذَلكَ مَعْدُودونَ في الصَّحابةِ؛ لما نَالوهُ مِن شرفِ الرُّؤيةِ. و ثَانِيهما: يُعْرَفُ كونُهُ صَحابيًّا بالتَّواتُرِ، أَو الاستفاضَةِ، أَو الشُّهْرةِ، أَو بإِخبارِ بعضِ الصَّحابةِ، أَو بعضِ ثِقَاتِ التَّابِعينَ، أَو بإِخبارِهِ عَنْ نَفْسِهِ بأَنَّهُ صَحابيٌّ إِذا كانَ دَعْواهُ ذَلكَ تدخُلُ تحتَ الإِمكانِ! وَقَد استَشْكَلَ هذا الأخيرَ جَماعَةٌ مِن حيثُ إِنَّ دَعْواهُ ذلك نظيرُ دَعْوى مَن قَالَ: أَنا عَدْلٌ! ويَحْتاجُ إِلى تأَمُّلٍ! [قوله] (١): «مُرْسَلٌ مِنْ حيثُ الرِّوَايَةُ (٢)»: أي: لا مِنْ حيثُ عَدَمُ الاحتجاج به؛ لضَعْف احتمال روايته عن التابعين، وإنْ كان الاحتمال في رواية من له سماعٌ أضعفُ، قال المؤلِّف: «وهذا يُلْغَزُ به فيُقال: صحابيٌّ حديثه مُرْسَلٌ بالاتفاق» أي: لا يَطْرُقه الاحتمال الذي في مراسيل

стр. 680

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الصحابة أنَّها مرفوعة حقيقة كما عليه الأكثر. وقال (هـ) (١): «قوله: «مرسَلٌ منْ حيثُ الروايةُ» وأمَّا مِنْ حيث الحجيَّةُ فهو حجَّة، ولو على قول من لا يَحْتَجُّ بالمرسَل؛ لأنَّ مرسَل الصحابيِّ حجَّةٌ، قال المؤلِّف: «وهو مَقْبولٌ بلا خِلاف»، والفَرْق بينه وبين التابعيِّ حيث اخْتُلِف فيه مع اشتراكهما في احتمال الرواية عن التابعين: أنَّ احتمال رواية الصحابيِّ عن التابعيِّ بعيدةٌ، بخلاف احتمال رواية التابعيِّ عن التابعيِّ؛ فإنَّها ليست بعيدة، قال المؤلِّف: (ويلغز به فيقال حديث مرسل يحتج به بالاتفاق)» انتهى. كما نقل (ق) (٢): وعبارة ابن الشحرور (٣) قال المؤلِّف أبقاه الله: وهذا يلغز فيقال: صحابيٌّ حديثه مرسَل بالاتفاق، ولا يطرقه الاختلاف الذي في مراسيل الصحابة. [قوله] (٤): «بالتَّواتُرِ»: كما في صُحبة الخلفاء الأربعة. وقوله: «أو الشُّهْرَة»: بعد قوله: «أو الاسْتِفاضَة»؛ يُشْعِر بتغايرهما، وهو رأي بعضهم، قيل: وعليه؛ فالاستِفاضَة: دَوَرانُ الخبر على ألسنة جَمْعٍ كثير لم يَبْلُغ حدَّ التواتر، والشُّهرة: دوران الخبر على ألسنة ثلاثة أو أربعة فأكثر ما لم يَبْلُغ عددَ التواتر،

стр. 681

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فمثال الأول: أبو سعيدٍ الخُدْرِيُّ، ومثال الثاني: عُكَّاشةُ بن مِحْصَنٍ، وضِمَام بن ثَعْلَبة، والراجح عندهم كما صرح به شيخ الإسلام الأنصاريُّ: أنَّهما سواء، وأنَّ الشُّهْرة تسمى: استفاضة، ومثَّلها بما مَرَّ ذكرهما. [قوله] (١): «أو بأَخْبار بعضِ الصَّحابةِ أو بعضِ ثِقَاتِ التَّابعينَ»: أي: عن غيره، وصرح مع التابعين بقَيْدِ الثِّقَة دُونَ الصَّحَابة؛ لاختلاف الأصل في الفريقين كما لا يخفى، ولا فَرْق بين الإخبار الصريح الضِّمنيِّ أو، كـ: فلانٌ صحابيٌّ، أو كُنْتُ وهو عند النبيِّ ﵊ وقد عُلِم تقدُّم إسلامه. [قوله] (٢): «أو بإخْبَاره عن نَفْسِه بأنَّه صَحَابيٌّ»: لا بُدَّ في قَبول هذا عند المحدِّثين من قيدين؛ أحدهما: ثبوت عدالته قبل دعواه ذلك، وثانيهما أشار إليه بقوله: «إذا كان دَعْوَاه ذلك تَدْخُل تحت الإمْكان»، وأولى منه قول العراقيِّ: «ولا بُدَّ مِنْ أنْ يكون ما ادعاه ممَّا يقتضيه الظاهر، أمَّا لو ادعى بعد مُضيِّ مئة سنة من حين وفاته ﵊ فإنَّه لا يُقْبَل وإنْ ثَبَتَتْ عدالته قبل ذلك، كرَتَن الهنديِّ الدجَّال الكذاب؛ لقوله ﵊ في الخبر الصحيح: «أرأيْتَكم ليلتَكم هذه فإنَّه على رأس مئة سنة منها لا يبقى على وجه الأرض ممن هو اليومَ عليها أحدٌ» (٣) (أ/١٥١) قاله في سنة وفاته قبل

стр. 682

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . موته بشهر»، وقد اشترط الأصوليون في قَبُول ذلك زيادة على ما مَرَّ: معرفة معاصرته للنبيِّ ﵊. تنبيه: علَّلَ هذا الحكم بأنَّ عدالته تمنعه من الكذب في ذلك، وعلَّلَه بعضهم بأنَّ مقامه يمْنَعُه الكذب، والظاهر الثاني؛ إذ لمقام الصحبة من التَّحري ومجانَبة الهوى ما ليس لغيره، فكيف وقد انضم له عدالته ونزاهته، وما ذَكَرَه المؤلِّف من قَبُول دعوى الصحابيِّ الصُّحبة لنَفْسِه بالشَّرْط المذكور هو مذهب القاضي وطائفة، وهو الأصحُّ، واختاره ابن السُّبْكِيِّ (١)، وقيل: لا يُقْبَل قوله بذلك؛ لكونه مُتَّهَمًا بدعوى رُتْبَةٍ يثبتها لنفسه، وهذا معنى قوله: «وقد [اسْتَشْكَلَ] (٢) هذا الأَخِيرَ جَمَاعَةٌ ... إلخ». وقوله: «ويَحْتَاج» أي: الجواب عنه إلى تأمُّل، يُعْلَم (٣) وجه التأمُّل ممَّا أشرنا إليه بقولنا: «والظاهر ... إلخ»، مع (هـ/١٧٦) أنَّ الشَّهادة أضيق من الراوية؛ حيث يُغْتَفَرُ في الرواية ما لا يُغْتَفَرُ فيها؛ مِنْ رِقِّ الراوي وأنوثته. وفي كتابة: قوله: «وقد اسْتَشْكَل ... إلخ» لا يُقال بأنَّ الصحابة كلهم عدول لا يحتاج إلى البحث عن عدالتهم في رواية ولا شهادة بخلاف غيرهم؛ لأنَّا نقول: هذا فيمن ثَبَتَ اتصافه بالصحبة، وما هنا ليس كذلك.

стр. 683

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . تنبيه (١): قال أبو زُرْعَة الرَّازِيُّ (٢): «قُبِضَ الرسول عن مئة ألف وأربعةٍ وعشرين ألف صحابيٍّ روى عنه أو سمع منه». وممَّن اعتَبَر رواية الجنِّ: المؤلِّف؛ حيث قال في «الإصابة» (٣): «ويَدْخُل في قولنا: مؤمنًا به كلُّ مُكَلَّفٍ من الإنس والجنِّ»؛ فحينئذٍ يتعيَّن ذِكْرُ من حُفِظَ ذِكْرُه من الجنِّ الذين آمنوا بالشروط المذكورة، ثُمَّ يتردَّد النَّظر في دخول طريق ثُبُوتِ صُحْبَةِ الجنِّ في أيِّ هذه الطرق، ولا يَظْهَر أنَّه يَشْمَلُه إلَّا الأخير، وحينئذٍ يُنْظَرُ إشكال ثُبُوت الصُّحبة للجنِّ؛ لأنَّ الاطلاع على عدالتهم مُتَعَسِّرٌ أو مُتَعَذِّرٌ إلَّا بإخبارِ معصومٍ، أو كَشْفٍ من معاني الغيوب، وقد أخرج أبو نعيمٍ بسنده حديث: «المؤمن أخو المؤمن» (٤)، ودليله لا يُحْفَظُ إلَّا من حديث جِنِّيٍّ قال عن نفسه: إنَّه بقية النَّفر الذين رأوا رسول الله، وأخرج ابن أبي الدنيا بسنده حديث: «يا معشر الركب: إني سمعت الرسول ﵊ يقول: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحِبَّ للمسلمين ما يحبُّ لنفسه، ويكره للمسلمين ما يكره لنفسه، فسيروا إلى أَكَمَة كذا تجدوا الماء عن يسارها» (٥) عن جِنِّيٍّ. وقال الطبراني: حدَّثنا عثمان بن صالح، حدَّثني عمرو الجنِّيُّ، قال: كنت عند

стр. 684

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . النبيِّ ﵊: «فقرأ سورة النجم، فسجد وسجدت معه» (١). وقال ابن عَدِيٍّ في الكامل: حدَّثنا عثمان بن صالح، قال: رأيت عمرو بن طَلق الجِنِّيَّ فقُلْت له: رأيتَ رسول الله؟ فقال: «نعم، وبايعته وأسلمت وصليت خلفه الصبح، فقرأ سورة الحج فسجد فيها سجدتين» (٢)، قال الشارح في «الإصابة» (٣): عثمان بن صالح مات سنة تسع عشرة ومائتين، فإنْ كان الجنِّيُّ الذي حدَّثه بذلك صَدَقَ؛ فيُحْمَل الحديث الذي في الصحيح الدالُّ على أنَّ: رأس مئة سنة من العام الذي مات فيه [النبيُّ] (٤) ﵊ لا يَبْقَى على وجه الأرض أحدٌ ممن كان عليها حين المقالة المذكورة على الإنسان بخلاف الجِنِّ، قال الجلال: «وقوله -الحافظ ابن حجر- في حديث عثمان [بن صالح] (٥): «فإنْ كان الجنِّيُّ الذي حدَّثه بذلك صَدَقَ» يدلُّ على أنَّه يُتَوَقَّف في رواية الجنِّ؛ لأنَّ شرط الراوي: العدالة والضبط، وكذا مدعي الصُّحبة شرطه: العدالة، والجنُّ لا نَعْلَم عدالتهم، مع أنَّه وَرَدَ الإنذار بخروج الشياطين يحدِّثون النَّاس» انتهى، قاله (هـ) (٦) مع اختصار.

стр. 685

أَوْ تَنْتَهي غَايةُ الإِسنادِ إِلى التَّابِعيِّ ، وهُوَ مَنْ لَقِيَ الصَّحابِيَّ كَذلكَ، وهَذَا مُتعلِّقٌ باللُّقيِّ، ومَا ذُكِرَ مَعهُ إِلَّا قَيْدُ الإِيمانِ بهِ، فَذلكَ خاصٌّ بالنَّبيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. وهَذَا هُوَ المُخْتارُ، خلافًا لمَن اشْتَرَطَ في التَّابعيِّ طُولَ المُلَازَمةِ، أَو صُحْبَةَ السَّماعِ، أَو التَّمييزَ. وبَقِيَ بينَ الصَّحابةِ والتَّابعينَ طَبَقَةٌ اخْتُلِفَ في إِلْحاقِهِم بأَيِّ القِسْمَينِ، وهُمُ المُخَضْرَمونَ الَّذين أَدْرَكوا الجَاهِليَّةَ وَالإِسلامَ، ولم يَرَوا النبيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فعَدَّهُم ابنُ عبدِ البرِّ في الصَّحابَةِ. [قوله] (١): «أو يَنْتَهِي غاية الإسناد ... إلخ»: المراد من الغاية هنا: المَتْن المرويُّ بذلك الإسناد، وقد مَرَّ ما يتعلَّق بيانه به. [قوله] (٢): «وهذا متعلِّقٌ باللُّقِيِّ»: مرجع الإشارة قوله: «كذلك»، والمراد باللُّقي من قوله: «متعلِّقٌ باللُّقِيِّ» اللُّقِيُّ السابق في مبحث الصحابيِّ، والتقدير: التابعيُّ هو من لَقِيَ الصحابيَّ [كذلك] (٣)، أي: مِثْل لقاء الصحابيِّ للنبيِّ ﵊. وقوله: «مَنْ لَقِيَ الصَّحَابيَّ»: أي: جلسة ولو واحدة. وقوله: «وَ [ما] (٤) ذُكِرَ مَعَهُ» أي: من كونه مؤمنًا ومات على ذلك ولو تخلَّلَتْ رِدَّةٌ على الأصحِّ.

стр. 686

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «إلَّا قيدُ الإيمان به»: أي (٢): لا يُشْتَرط في التابعيِّ أنْ يكون وقت تحمُّله عن الصحابيِّ مؤمنًا بالنبيِّ، بل لو كان كافرًا ثُمَّ أسْلَم بعد موت الصحابيِّ [وروى] (٣) ما تحمَّله عنه؛ سمَّيناه: تابعيًّا وقَبِلناه (هـ/١٧٧)، وإنَّما اشترَطْنا الإيمان في الصحبة لشَرَفها؛ فاحْتَطْنا لها، ولأنَّ الله شَرَطَ في الصحابة (أ/١٥٢) كونهم مع النبيِّ، فقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ] ﴿الفتح: ٢٩﴾، ولا يكونون معه إلَّا إذا آمنوا به، وأمَّا التابعيُّ فلم يَقَعْ فيه هذا الشَّرط فهو من لَقِيَ الصحابيَّ ومات مُسْلِمًا، انتهى؛ فضمير «بِهِ» للنبيِّ ﵊ لا للصحابيِّ، لأنَّ إيمان التابعيِّ بالصحابيِّ الذي لقيه لا يُعْتَبر في صحة كونِه تابعيًّا، بل لا معنى له؛ لأنَّ الإيمان بالمَلْقِيِّ خاصٌّ بالنبيِّ ﵊، والعقل دلَّ على اختصاص النبيِّ بذلك عن الصحابيِّ؛ إذ لا يَتِمُّ الإيمان شرعًا وعقلًا إلَّا بالإيمان به ﷺ دون الصحابيِّ؛ إذ الإيمان به لم يَدُلَّ على وجوب اعتباره في التابعيَّة عَقْلٌ ولا نَقْلٌ، وبهذا تعرِف ردَّ ما فَهِمَه (ق) (٤). [قوله] (٥): «خلافًا ... إلخ»: هو مفعول مُطلَقٌ، و «اللام» بعده للتَّبْيِين، والمخالِف هو الخَطَّابيُّ. وكما يُقال: التابعيُّ -بالياء- يُقال أيضًا: التابِع -بلا ياء- (٦) كما ذكره النَّوويُّ.

стр. 687

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «أو صِحَّةَ السَّمَاعِ»: المراد: ثُبوت السَّماع، فقد ذكر مُسْلِمٌ وابن حِبَّانَ «سليمان بن مِهْران» في طبقة التابعين، وقال ابن حبان: «أخْرجْناه في هذه الطبقة لأنَّ له لُقيًّا وحفظًا، رأى أنس بن مالك وإنْ لم يصحَّ له سماع المُسْنَد عن أنسٍ»، وقال عليُّ بن المَدِينيِّ: «لم يَسْمع من أنسٍ، إنَّما رآه رؤيةً بمكة وهو يصلي». [قوله] (٢): «أو التَّمْيِيزَ»: يعني أنَّه لا بدَّ أنْ يكون الملاقي للصحابيِّ مميِّزًا على هذا القول، والمختار كما مَرَّ خلافه، وإذا لم يُشتَرَط التمْيِيز فلا يُشْتَرَط أن يكون التابعيُّ في سِنِّ من يَحْفَظُ خلافًا لابن حِبَّان في ذلك؛ ولذا عُدَّ «خَلَف بن خليفة» في أتباع التابعين وإنْ كان رأى «عمرو بن حُريث»؛ لكون خَلَفٍ كان صغير السِّنِّ في سِنِّ من يحْفَظ. [قوله] (٣): «وهم المُخَضْرَمُونَ»: المُخَضْرَم: بضم الميم، وبالخاء والضاد المعجمتين وأولاهما مفتوحة، وبفتح الراء أشهر من كسرها، قاله شيخ الإسلام في شرح الألفيَّة [له] (٤)، وقال (هـ) (٥): «المُخَضْرَمُون بفتح الراء أشْهَر من كَسْرها، مأخوذٌ من الخَضْرَمة، وهي في الأصل: قطع آذان الإبل، أو عدم معرفة النَّسَب، استعْمِلت فيمن لا يُعْرَف طبقتهم: من الصحابة هم أو من التابعين؟».

стр. 688

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقوله: «الَّذِين أَدْرَكُوا ... إلخ»: صفة كاشفةٌ، وذلك كـ: [سُوَيد] (١) بن غفلة، وأبي عمرو الشَّيْبَانيِّ، وكعب الأحبار، وشُرَيح بن هانئ، ويُسير أو أُسَير بن عمرو بن جابر، وعمرو بن جابر الأوديِّ، والأسود بن يَزيدَ النَّخَعيِّ، والأسود بن هلال المُحَارِبيِّ ونحوهم. وخرج بقوله: «ولم يَرَوُا النبيَّ ﵊» حكيمُ بن حِزام وأضرابه ممَّن أدْرَكَ الجاهليَّة والإسلام ولكنَّه رأى النبيَّ؛ فإنَّه لا يسمَّى بِحَسَب الاصطلاح مُخَضْرَمًا. [قوله] (٢): «فعدَّهم ابنُ عَبْدِ البَرِّ ... إلخ»: أي: على ما ذكره عِيَاضٌ، وأمَّا على ما قاله بَعْدُ فلم يَعُدَّهم فيهم، ولذا قال المُحَشِّي: ««في» بمعنى مع، أي: مع الصحابة؛ لما يأتي من أنَّه لم يعدَّهم فيهم ... إلخ، لكنْ على ما قرَّرْناه بكون قوله: «وادَّعَى عِيَاضٌ وغيره ... إلخ» هو دليل عدِّهم في الصحابة». وقال (هـ) (٣): «قال (ق) (٤): الأولى أنْ يقول: فعدَّهم معهم؛ لِما سيأتي من أنَّه لم يعدَّهم منهم» انتهى، ودعوى الأولوية ممنوعة؛ لأنَّ مقصود المؤلِّف بيان الخلاف في المسألة، وابن عبد البَرِّ نَقَل عنه جماعة من الأكابر أنَّه يقول بأنَّهم صحابة، وإن كان ما نقلوه عنه فيه بحث للشارح، ولو قال: فعدَّهم معهم، والمعيَّة تقتضي المغايَرَة، قُلْتُ: هذا التنبيه غايته أنَّ ظاهره يوهِم ما ذَكَرَه المُحَشِّي قبل الوقوف على تمامه. (هـ/١٧٨).

стр. 689

وَادَّعَى عِياضٌ وغيرُهُ أَنَّ ابنَ عبدِ البرِّ يَقُولُ: إِنَّهُم صَحابةٌ! وفيهِ نظرٌ؛ لأنَّهُ أَفصَحَ في خُطبةِ كتابِهِ بأَنَّهُ إِنَّما أَورَدَهُم ليكونَ كتابُهُ جامِعًا مُسْتوعِبًا لأهْلِ القرنِ الأوَّلِ. والصَّحيحُ أَنَّهُم مَعدودونَ في كِبَارِ التَّابعينَ؛ سواءٌ عُرِفَ أَنَّ الواحِدَ منهُم كَانَ مُسلمًا في زَمنِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ كالنَّجاشيِّ، أَمْ لا؟ لَكنْ، إِنْ ثَبتَ أَنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ليلةَ الإِسْراءِ كُشِفَ لَهُ عَنْ جَميعِ مَنْ في الأرْضِ فرَآهُمْ، فيَنْبَغِي أَنْ يُعَدَّ مَنْ كانَ مُؤمِنًا بهِ فِي حَيَاتِهِ إِذْ ذَاكَ -وإِنْ لَمْ يُلاقِهِ- في الصَّحابةَ؛ لحُصولِ الرُّؤيَةِ من جانِبِهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. [قوله] (١): «إنَّما أَوْرَدَهُمْ»: يعني المخَضْرَمين، والمراد من «كِتَابِه» المذكور: [«الاستيعاب» لا «التمهيد» كما توهَّمَه بعضهم، وذكر ذلك خطبة كتابه المذكور] (٢). وقوله: «مُسْتَوعِبًا»: أي: مستوفيًا. [قوله] (٣): «لأَهْلِ القَرْنِ الأَوَّلِ»: يعني صحابة كانوا أو لا حيث كانوا مسلمين، والصحيح أنَّ قَرْنَه ﵊ الصحابة، والثاني التابعون، والثالث تابعو التابعين. [قوله] (٤): «والصَّحِيحُ أنَّهم مَعْدُودُونَ ... إلخ»: عَبَّر بالصَّحيح؛ نظرًا لقول عِياضٍ على تقدير صحته، وإلَّا فهم ليسوا بصحابة اتفاقًا على ما ذكره. وقال (هـ) (٥): «وضمير «أنَّهم» عائد على «المُخَضْرَمين»، وكذا ضمير «منهم»،

стр. 690

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . و «في زَمَنِ النبيِّ» لَغْوٌ، ومُتَعَلِّقٌ بـ «مُسْلِمًا»، ولا يخفى أنَّ قوله: «أم لا» ليس من حَذْفِ المعطوف بل بعضه، وقول النحاة: يمتنع حَذْف المعطوف، معناه: إذا حُذِفَ بتَمَامِه مع سائر (أ/١٥٣) مُتَعَلَّقَاتِه بخلاف ما إذا بَقِيَ شيءٌ من آثاره أو تعلُّقاتِه؛ فإنَّه لا يَمْتَنِع حَذْفُه حينئذٍ، قاله في «تعليق المصابيح» للدَّمامِينيِّ. ويَدْخُل في قوله: «أم لا» صورتان: إحداهما: من عُلِمَ كُفْرُه في زمنه ﵊. وثانيهما: من جُهِل حاله. وعلى كلِّ حال لا بُدَّ من ثبوت إسلامه قبل موته على كلِّ حال. [قوله] (١): «لكنْ إنْ ثَبَتَ ... إلخ»: هذا لا يتم على ما ذَكَرُوه من تعريف الصحابيِّ بأنَّه: مَنْ لَقِيَ، ولا علي تعريفه بأنَّه: من رأى النبيَّ أو رآه النبيُّ، ولا يكاد يوجد ذلك في كلامهم، قاله ابن أبي شريف (٢)، زاد بعضٌ: «وأقول: هذه غفلة عن قول الشارح آنفًا: [و] (٣) يدخل فيه رؤية أحدهما الآخر». وقال (هـ) (٤): «قال (ب): إنَّما يَسْلَم هذا لمن عرَّف الصحابيَّ بمن رآه مُسلمًا، أمَّا مَنْ عَبَّر باللُّقيِّ فلا، تأمَّل» ونحوه للكمال، زاد الأول: «وقد بَقِيَ عليه أنْ يَذْكُر ما هو أوضح من جميع ما مَرَّ وهو عيسى ﵊؛ فإنَّ التعريف ينطبق عليه بلا ريب؛ فينبغي أنْ يُعَدَّ صحابيًّا، وأصحابه بعد نزوله تابعين» انتهى. قُلْتُ: (٥) لُقيُّه ﵊ (٦) لعيسى والخضر وإلياس في الأرض لم يَصِحَّ، إنَّما فيه

стр. 691

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بعض آثار لا يُعْتَبَر بها واللقي في السماء ليلة كشف له عنهم ليلة الإسراء غير متعارف ولا في ظاهر الملك بل في باطنه كما مَرَّ، وهي لا تُعْتَبَر، وإنَّما تكون الرؤية واللُّقيُّ الموجبين للصحبة إذا كانا في ظاهر الملك، وملخصه: أنَّ العبرة إنَّما هي بالرؤية واللُّقيِّ المعتادين المتعارفين الَّذَين ليسا على وجه خَرْقِ العادة. [قوله] (١): «وإنْ لم يُلَاقِهِ»: قال (ق) (٢): «ليس بجيد؛ لأنَّه تَقَدَّم له أنَّ اللُّقِيَّ يصْدُقُ برؤية أحدهما للآخر؛ فكان الأولى أنْ يقول: وإن لم يَجْتَمِع معه» انتهى، قُلْتُ: المراد من اللُّقِيِّ المعنى المعتاد، وتلك الرؤية المحيطة بمن في المشارق والمغارب خَرْقُ عادةٍ لا يَصْدُق عليها العاديَّات. تنبيه: قوله: «إِنْ ثبت ... إلخ» ظاهر في عَدَمِ ثبوت تلك الرؤية، وقضية كلام الزركشي ثبوتها؛ فإنَّه أتى بصيغة الجزم وبالرؤية ليلة الإسراء وغيرها، ومع ذلك نفى اسم الصحبة عن المرْئيين، وما تَمَسَّك به على أنَّه لا بُدَّ من رؤية الصحابيِّ دون النبيِّ ممنوع؛ لأنَّ هذه الرؤية كما مَرَّ في باطن الملك وعالم الغيب وهي لا يُعْتَدُّ بها، وإنَّما العبرة بالرؤية الظاهرة، وهي كافية من أحدهما كما مَرَّ قاله (هـ) (٣). وقوله: «إذْ ذاك» هكذا في أصل النسخة لتلميذه الأنصاري التي بخطه وشَرُفَتْ بالإجازة، أي: [موجود] (٤) إذ ذاك المؤمن بصفة الإيمان في وقت [الإسراء] (٥)، واندفع بهذا التأويل اعتراض تلميذه ابن أبي شريف.

стр. 692

فالقِسْمُ الأوَّلُ ممَّا تَقدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الأقْسامِ الثَّلاثةِ -وهُوَ ما تَنْتَهي إلى النَّبيِّ ﷺ غَايةُ الإِسنادِ- هُوَ المَرْفوعُ؛ سواءٌ كَانَ ذلك الانتهاءُ بإِسنادٍ مُتَّصلٍ أَم لا. والثَّانِي: المَوْقوفُ، وهُوَ ما انْتَهَى إلى الصَّحابيِّ. والثَّالِثُ: المَقْطوعُ، وهو مَا يَنْتَهي إلى التَّابعيِّ. وَمَنْ دُونَ التَّابِعِيِّ مِنْ أَتْبَاعِ التَّابعينَ فَمَنْ بَعْدَهُم فِيهِ -أَيْ: في التَّسميةِ- مِثْلُهُ -أَيْ: مثلُ ما يَنْتَهي إِلى التَّابعيِّ في تَسْميةِ جميعِ ذَلكَ مَقطوعًا- وإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: مَوْقوفٌ على فُلَانٍ. [قوله] (١): «وهو ما يَنْتَهِي إليه غاية الإسناد»: أي: المَتْنُ الذي «ينتهى إليه» أي: إلى النبيِّ ﵊ (٢)، «غاية الإسناد» أي: غاية إسناده، فـ «لا» بدل من الضمير المضاف إليه، وبه [ترتبط] (٣) الصلة (هـ/١٧٩) بالموصول؛ فاندَفَع الانتقاد بخلو الموصول عن العائد. وفي كتابة: الضمير في «إليه» إنْ رَجَعَ لـ «ما» أي: لفظ ينتهي إليه غاية الإسناد؛ كان ذلك شاملًا للموقوف والمقطوع وهذا خلل، وإنْ رَجَعَ إلى النبيِّ ﵊؛ خَلَت الصِّلة من عائدٍ، ويمكِن تقدير العائد، أي: فيه، ولا يخفى ما في حَذْفِ العائد في مثل هذا، ولو اقْتَصَر على قوله: ما ينتهى إليه، وزاد عقبة: ﵊؛ لَسَلِم من هذا، ثُمَّ إنَّه لا يخفى أنَّ المُقْسَم هو الإسناد؛ فلا يَصْلُح جَعْل المَتْن المرفوع إلى الشيء قِسْمًا منه، وإنْ جُعِل في الكلام حَذْفٌ والتقدير: وهو الإسناد ما ينتهى ... إلخ؛ لم يَصْلُح قوله: «غاية الإسناد» ولا الإخبار عنه بأنَّه «المرفوع»، وكذا إنْ جَعَل «ما» واقعه على

стр. 693

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الإسناد، ولو قال وبَيَّن القسم الأول هو المرفوع، وكذا يقال في قوله: «والثاني»، «والثالث» كما قاله (ج) (١). وقال (هـ) (٢): «يريد بالغاية: المَتْن؛ لأنَّه المرفوع، ويريد بالغاية: طرف الإسناد الأخير الذي هو النبيُّ ﵊، أي: وهو المَتْن الذي ينتهى إليه غاية الإسناد وآخره؛ فالقسم الأول: الإسناد المنتهى إلى النبيِّ ﵊، والقسم الثاني: الإسناد المنتهي إلى الصحابيِّ، والقسم الثالث: الإسناد المنتهي إلى التابعيِّ؛ إذ انتهاء الإسناد في الثلاثة»، وبما ذَكَرْناه سقط قول (ق) (٣): «لفظ غاية زائدة ولا بُدَّ من احتياجه إلى قرينة المقام أيضًا» بعدم دعوى الزيادة؛ إذ يصير هكذا: وهو ما ينتهى إليه الإسناد، وهو صادق (أ/١٥٤) بالمَتْن المقطوع والموقوف؛ لانتهاء الإسناد إلى كل ذلك، فمع ارتكاب ما قُلناه بقرينة المقام يَتَّضِحُ المَرَام، وتنتفي الزيادة المُفسِدة عن كلام الأعلام، والسلام. [قوله] (٤): «سواءٌ كان ... إلخ»: وحينئذٍ يدخل فيه غير الموقوف والمقطوع، مِنْ: مُتَّصِلٍ، ومُرسَلٍ، ومُنقطِعٍ، ومُعْضَلٍ، ومُعَلَّقٍ؛ لأنَّه لا فَرْقَ بين أنْ يكون من رَفَعَه إلى النبيِّ صحابيًّا أو غيره ولو منا الآن، نعم: بعضهم يُطْلِق المرفوع على المتَّصِل فيقابله بالمرسَل. [قوله] (٥): «والثاني: المَوْقُوفُ»: ملخصه: أنَّ ما قُصِر على الصحابيِّ ولم يُتَجاوز به عنه إلى النبيِّ ﵊

стр. 694

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قولًا أو فعلًا أو نحوه، يريد وخلا عن قرينة الرفع، سواء اتصل بسنده أو انقطع، واشترط الحاكم عَدَمَ انقطاعه! وهو شاذٌّ، لكن مَحِل كون الموقوف مقصورًا على الصحابيِّ إنَّما هو عند الإطلاق، أمَّا عند التقْييد فلا يَخْتَص بالصحابيِّ، بل يقال لما بلغ به التابعيُّ فمَنْ بَعْدَهُ؛ فيقال: موقوف على عطاء، أو طاوس، أو وَقَفَه فلانٌ على مجاهد. [قوله] (١): «المَقْطُوعُ»: ويجمع على مقاطِع [والمقاطيع] (٢). [قوله] (٣): «إلى التَّابِعيِّ»: بالياء، ويقال له أيضًا: التابع بلا ياء. [قوله] (٤): «ومَنْ دُونَ التَّابِعيِّ فيه مِثْلُهُ»: «مَنْ» مبتدأ، خبره «مِثْلُه»، وضمير «فيه» للتسمية، ولا يخفاك أنَّ الظاهر: أنَّ ضمير «فيه» للمقطوع، وأنَّ ضمير «مِثْلُه» للتابعيِّ؛ فيصير المعنى: أنَّ مَنْ دُونَ التابعيِّ في المقطوع مثل التابعيِّ في أنَّ ما ينتهى إليه يُسمَّى مقطوعًا، والشارح جَعَلَ ضمير «فيه» للتسمية، وضمير «مِثْلُه» للمقطوع؛ لأنَّ ما ينتهى للتابعيِّ هو المقطوع، وهو عدولٌ عن الظاهر لغير ضرورة؛ ولذا قال (ق) (٥): «الأولى أن يقول «فيه» أي: في المقطوع «مِثْلُه» أي: مثل التابعيِّ في أنَّ ما ينتهى إليه يسمَّى مقطوعًا» انتهى.

стр. 695

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والاعتراض ساقط من أصله، بل ضمير «فيه» للمقطوع عند الشارح، غايته أنَّه قُدِّر مضاف للضمير يُرشد إليه المعنى؛ إذ لا معنى للمماثلة إلَّا بحسَب التسمية بالمقطوع (هـ/١٨٠)، فالأصل: في تسميته، أي: التسمية به، كما أنَّه لا معنى لمماثلة التابعيِّ إلَّا مماثلة ما انتهى إليه وهو المقطوع في التسمية بذلك، فلم يَزِدِ الشارح عن تقدير ما دل عليه المقام واتضح به [المرام] (١)؛ [فالقدح] (٢) فيه كضرائر الحسناء قُلْنَ لوجهها حسدًا أو بغضًا: إنَّه لذميم، قاله (هـ) (٣). وفي كتابة: قوله: «ومن دُونَ» أي: وحديث مَنْ دُونَ التابعيِّ فيه مِثلُه. وقوله: «في التَّسْمِيَة»: أي: تسمية ما قُصِر عليه في المَتْن مقطوعًا. وقوله: «أي: مِثْلُ ما يَنْتَهي إلى التَّابِعِيِّ»: صوابه: مِثْلُ التابعيِّ، اللهم إلَّا أنْ يقدَّر المضاف أنَّه حديث ممَّن دُونَ التابعيِّ. قوله: «وإنْ [شِئْتَ] (٤) قُلْتَ»: أي: في المقاطيع، «مَوقُوفةٌ على فلانٍ» يريد بالتقْييد، وحاصله: أنَّ عند الإطلاق يُحْمَل الموقوف على ما قُصِر على الصحابيِّ، والمقطوع على ما قُصِر على التابعيِّ فمن دونه، وعند التقْييد يُطْلَقُ كلٌّ منهما على الآخر.

стр. 696

فَحَصَلَتِ التَّفْرقَةُ فِي جميع الاصْطِلَاحِ بَيْنَ المَقْطوعِ والمُنْقَطِعِ، فالمُنْقَطِعُ مِن مَبَاحِثِ الإِسنادِ كَمَا تَقدَّمَ، والمَقْطوعُ مِن مَبَاحِثِ المَتْنِ كَمَا تَرى. وقَدْ أَطلَقَ بعضُهُم هَذَا في موضِعِ هَذا، وبالعَكْسِ؛ تَجوُّزًا عَنِ الاصْطِلاحِ. ويُقَالُ للأَخِيرَينِ -أَيْ: الموقوفِ والمَقطوعِ- الأَثَرُ. و المُسْنَدُ في قولِ أَهلِ الحَدِيثِ: «هَذَا حديثٌ مُسنَدٌ» هو مَرْفوعُ صَحابِيٍّ بِسَنَدٍ ظاهِرُهُ الاتِّصالُ، فقَوْلي: «مَرْفوعُ» كالجنسِ، وقَوْلي: «صَحابيٍّ» كالفصلِ، يَخرُجُ بهِ ما رفَعهُ التَّابعيُّ، فإِنَّه مُرْسَلٌ، أَو مَنْ دونَه؛ فإِنَّه مُعْضَلٌ أَو مُعلَّقٌ. وَفي قَوْلي: «ظَاهِرُهُ الاتِّصالُ» يُخْرِجُ ما ظَاهِرُهُ الانقطاعُ، ويُدخِل مَا فِيهِ الاحتمالُ، وَمَا يُوجَدُ فيه حَقيقةُ الاتِّصالِ مِن بابِ أَوْلَى. ويُفْهَمُ مِنَ التَّقْييدِ بالظُّهورِ أَنَّ الانقطاعَ الخَفيَّ كعَنْعَنَةِ المُدلِّسِ والمُعاصرِ الَّذي لم يثبُتْ لُقِيُّهُ، لا يُخْرِجُ الحديثَ عَنْ كونِهِ مُسنَدًا؛ لإِطباقِ الأئمَّةِ الَّذينَ خَرَّجوا المسانيدَ على ذَلكَ. وهَذَا التَّعريفُ مُوافِقٌ لقَولِ الحَاكِمِ: «المُسْنَدُ: ما رَواهُ المُحدِّثُ عن شيخٍ يَظْهَرُ سَماعُهُ منهُ، وكَذَا شيخُهُ من شيخِهِ، مُتَّصلًا إِلَى صَحابيٍّ إِلى رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-». وقوله: «[فالمُنْقَطِع] (١) مِنْ مَبَاحِثِ الإسْنَاد ... إلخ»: تأمَّل؛ فإنَّه عَكَسَ الوضع. وقال (ج) (٢): «أي: مِنْ صفات الإسناد؛ فالمراد من مباحث الصفات»، وكذا يُقال في قوله: «مِنْ مباحث المَتْن» وإنَّما قُلنا: إنَّ المباحث المراد بها الصفات؛ لئلَّا يُخَالِف ما قدَّمه من جعله المُنْقَطِع من مباحث المَتْن، والمقطوع

стр. 697

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . من مباحث الإسناد، وحَمْلُه على ظاهره لا يَتِمُّ في كلام المؤلِّف إلَّا بتَكَلُّفٍ. [قوله] (١): «وقد أَطْلَقَ بَعْضُهم ... إلخ»: أراد بالبعض: الإمام الشافعيَّ والبَرْديجيَّ؛ فإنَّ الشافعيَّ أطْلَق [المقطوع على المُنْقَطِع، والبَرْديحيَّ أطْلَقَ] (٢) المنقطِع على قول التابعيِّ (٣) وهو المقطوع؛ ففي كلامه إجمالٌ؛ لإيهامه أنَّ بعضًا واحدًا يُطْلِق أحدهما في موضع الآخر وبالعكس، وليس كذلك. وقوله: «تَجَوُّزًا عن الاصطلاح» أي: خروجًا عن الاصطلاح المشهور، وإلَّا فالبَرْديجيُّ يرى ذلك اصطلاحًا له أيضًا. [قوله] (٤): «ويُقَال ... إلخ»: لم يُبَيِّن القائل لذلك، وهم بعض الفقهاء الشافعية (٥) لِمَا سلف أول المقدِّمة، وأمَّا المحدِّثون فقال النَّوويُّ: إنَّهم يُطْلِقُون الأثر على المرفوع والموقوف (٦). [قوله] (٧): «والمُسْنَدُ»: بفتح النون، أصله: الحديث المسند، وأمَّا بكسرها فالمُعْتَني بعلم الحديث. [قوله] (٨): «في قول أهْلِ الحديث: هذا حَدِيث مُسْنَدٌ»: احترز بهذا عن قولهم: «مُسنَد أحمد»، و «مُسنَد (أ/١٥٥) الدارِميِّ»؛ فإنَّه

стр. 698

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بمعنى الكتاب الذي يُجْمَع فيه ما أسْنَده الصحابة، أي: رَوَوْهُ، أو بمعنى الإسناد كـ «مُسنَد الشِّهاب»، ومنه «الفردوس»، ومسند أي: إسناد حديثهما، وهو في كل استعمالاته بفتح النون «مرفوع صحابي ... إلخ». حاصله: أنَّه لا بُدَّ في المُسنَد من الرَّفع وظهور اتصال السَّنَدِ، قال شيخ الإسلام: والقائل بهذا الاشتراط وهو الحاكم لَحَظَ الفرق بينه وبين المتَّصِل والمرفوع، من حيث إنَّ المرفوع يُنْظَر فيه إلى حال المَتْن دون الإسناد متَّصِل أو لا، والمتَّصِل يُنْظَر فيه إلى حال الإسناد دُوْنَ المَتْن مرفوع أم لا، والمُسْنَد يُنْظَرُ فيه إلى حالين معًا فيجْمَعُ شرطي الرفع والاتصال، فيكون بينه وبين كلٍّ من المرفوع والمتَّصل عموم وخصوص مُطْلَقٌ؛ فكُلُّ مُسنَدٍ مرفوع متَّصِلٌ ولا عكس. والحاصل: أنَّ بعضهم جَعَل المُسنَد من صفات المَتْن وهو ابن عبد البَرِّ، فإن قيل: هذا حديث مُسنَد فمعناه أنَّه مضافٌ للنبيِّ، ثُمَّ قد يكون مرسَلًا، وقد يكون مُعْضَلًا إلى غير ذلك، وبعضهم جعله من صفات الإسناد وهو قول الخطيب، فإذا قيل عنده: هذا مسند؛ فمعناه أنَّه متَّصِل الإسناد، ثُمَّ قد يكون مرفوعًا، وقد يكون موقوفًا إلى غير ذلك، وبعضهم جَعَلَه من صفاتهما معًا (هـ/١٨١) وهو قول الحاكم. قال بعضهم: ولا حاجة إلى التعرض للصحابيِّ مع التعرض للاتصال، قُلْتُ: ويدفعه أنَّ مراده مطابقة كلام الحاكم بالصراحة، واعترض بعضهم على المؤلِّف بأنَّه لم يُوَفِّ بنقل كلام الحاكم؛ فإنَّه قال: «من شرط المُسْنَد ألَّا يكون في إسناده: أُخْبِرتُ عن فلان، ولا: بلغني عن فلان»، قُلْتُ: بل وفَّى به؛ إذ كلٌّ معلوم من قول المؤلِّف: «ظاهره الاتصال» فتدبَّره مفهومًا ومنطوقًا كما أشار

стр. 699

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . إليه الشارح، قاله (هـ) (١). [قوله] (٢): «وَمَنْ دُوَنه فإنَّه مُعْضَلٌ»: أي: سَقَطَ منه التابعيُّ والصحابيُّ، أو تابِع التابعيِّ والتابعيُّ وهكذا. وقوله: «أو مُعَلَّقٌ» أي: أسقط الراوي واحدًا فأكثر من أول الإسناد، أو أسْقَط الإسناد بكماله واقتصر على قوله: قال النبيُّ ﵊، وهذا تفسير للمُعَلَّق من حيث هو لا للمُعَلَّق هنا؛ فإنَّ المحذوف فيه هنا أكثر من واحدٍ قَطعًا؛ لأنَّ فَرْضَ المسألة فيما إذا كان الراوي مَنْ دُونَ التابعيِّ. وقال (هـ) (٣): «قوله: «فإنَّه مُعْضَلٌ أو مُعلَّقٌ» ليست «أو» فيه لمَنْع الجَمْع، بل لمَنْع الخلُوِّ». والحاصل: أنَّه إنْ حُذِفَ منه أول السَّنَد فقط أو مع فوقه ولو إلى منتهاه معلَّقٌ، أو معلَّق مُعْضَلٌ، وإن حُذِفَ من غير أوله اثنان متواليان أو أكثر فمُعْضَلٌ، وإلَّا منقطعٌ لا معلَّقٌ كما مَرَّ. [قوله] (٤): «ويُدْخِلُ ما فيه الاحْتِمالُ»: لا شَكَّ أنَّ الاحتمال يكون تارةً مع رُجْحان الاتصال، وتارةً مع رُجْحان الانقطاع، وتارةً مع تساوي الأمرين.

стр. 700

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فأمَّا حُكْم الأولَيَيْن فمعلوم من كلامه، إذ مع رُجْحان [أحد] (١) جانبي الاتصال والانقطاع يُقْضَى له بحكم ذلك الجانب. وأمَّا حكم الثالث فيتعارض فيه مفهوما كلامه؛ إذ قضية قوله: «ظاهره الاتصال» إخراجه عن المسْنَد، وقضية قوله: «ما ظاهره الانقطاع» إدخاله، عن المنقطع. وينبغي أن يكون التعويل على مفهوم المتن، إلا تراه آخرا إنما ألغى الانقطاع الخفي، فيتدبر. (٢) قوله: «وما يُوَجَدُ ... إلخ»: عطفٌ على «ما فيه الاحتمال ... إلخ»، وقوله: «والمعاصر ... إلخ» عطفٌ [على] (٣) «المدلِّس»، أي: وكعنعنة المعاصر، وقوله: «الذي» نعتٌ لأحد الأمرين: إمَّا المدلس أو المعاصر، ويقدر نظيره مع الآخر، وإلَّا لقال: اللذين لم يثبت لُقِيُّهما، أي: سماعهما ممَّن عَنْعَنَا عنه، وقوله: «لا يخرج الحديث» خبر «أن» محدَّثٌ به عن الانقطاع الخفي، وقوله: «على ذلك» أي: على كونه مسندًا لا على عَدَمِ خروجه عن حدِّ المُسْنَد كما لا يخفى. قوله: «مِنْ باب الأَوْلى»: هو مفهوم موافقة، ودلالة التعريف عليه دلالةُ التزام، والاكتفاء بها في التعريف غير مُتَعارَفٍ.

стр. 701

وأمَّا الخَطيبُ، فقالَ: «المُسْنَدُ: المُتَّصلُ». فَعلى هَذَا، المَوْقوفُ إِذَا جاءَ بسندٍ مُتَّصلٍ يسمَّى عندَه: مُسْندًا، لَكنْ قال: إِنَّ ذَلكَ قد يَأْتي، لَكنْ بقِلَّةٍ. وأَبْعَدَ ابنُ عبدِ البرِّ حيثُ قَالَ: «المُسْندُ: المَرْفوعُ»، ولم يَتعرَّضْ للإِسنادِ؛ فإِنَّهُ يَصدُقُ على المُرسلِ، والمُعضَلِ، والمُنقطِعِ إِذا كانَ المتنُ مَرْفوعًا، ولا قائلَ بهِ. [قوله] (١): «فقال: «المُسْنَدُ: المُتَّصِل»»: أي: المتَّصِل سنده، أي: ممَّن هو عنه، وهذا يشْمَل الموقوف، بل يشْمَل المقطوع أيضًا. وقوله: «لكنْ قال: إنَّ ذلك»: أي: إطلاق المسند على الموقوف المتَّصل، «قد يأتي بِقِلَّةٍ» وهذا هو المتبادَر من العبارة، وبه يَسْقُط اعتراض (ق) (٢) الثاني، فإنَّه قال: «وكلامه مردود من وجهين؛ الأول: أنَّ الخطيب لم يذكر للمُسنَد تعريفًا مِنْ قِبَلِ نفسه ليَلْزَمَه ما ذَكَرَهُ المؤلِّف، الثاني: أنَّ قوله: «لكن قال: إنَّ ذلك قد يأتي بِقِلَّةٍ» ليس بظاهر المراد، فإن الظاهر أنْ ترجِع الإشارة إلى مجيء (أ/١٥٦) الموقوف بسند متَّصِلٍ وليس بمراد، إنَّما المراد: استعمالهم المُسْنَد في كلِّ ما اتصل إسناده موقوفًا أو مرفوعًا، وبيانه: أنَّ لَفْظَ الخطيب وصفهم للحديث بأنَّه مسنَدٌ، يريدون به أنَّ إسناده متَّصل بين راويه وبين من أُسْنِد عنه، إلَّا أن أكثر استعمالهم هذه العبارة فيما أُسنِد عن النبيِّ خاصة» انتهى. فقوله: «ليس بظاهر المراد، فإنَّ

стр. 702

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الظاهر ... إلخ» بل الظاهر من كلامه ما أفاده بقوله: «وإنَّما المراد (هـ/١٨٢) استعمالهم المسند ... إلخ» قاله (ج) (١). وقال (هـ) (٢): بعد نقله لعبارة (ق) ما نصه: «وأقول: أمَّا الأوَّل من الوجهين فالإلزامات ليست خاصة بالتعريف ولا بقائها بالمباشرة، بل هي جارية أيضًا في القواعد والضوابط وفيمن يرتضيها، ولا شكَّ أنَّ لفظه الآتي مُشْعِرٌ بما نقل الشارح عنه ملخصه، وهو كالضابط للمسند وأنَّه مرتضيه، وأمَّا الثاني: فليس كما قال، ودعوى أنَّ ذلك ظاهِرُه ممنوعةٌ مَنعًا لا خفاء فيه، ألا ترى أنَّ قوله: «يُسمَّى عنده مُسْنَدًا» معناه: أنَّ الموقوف بالشرط المذكور يطلق عليه عنده أنَّه مسنَدٌ، فاسم الإشارة راجع للإطلاق المفهوم من التَّسمية، يعني أنَّ إطلاق المسنَد على الموقوف المتَّصل قليل، بخلاف المتَّصل؛ فإن استعماله عنده المرفوع والموقوف على حد سواء، وتلخيص المسألة: أنَّ المُسنَد والمُعْضَل عندهم يُطْلَقان على المرفوع والموقوف، لكن استعمال المُسنَد في الموقوف قليلٌ، قال العراقيُّ (٣): «في كلام الخطيب ما يقتضي أنَّه يَدْخُل في المُسْنَد: المقطوع، وهو قول التابعيِّ؛ فيُستَعْمَل المُسنَد فيه، بل وفي قول من بعد التابعيِّ»، قال: «وكلامهم يأباه»، قال شيخ الإسلام (٤): «ويؤيده قوله -أي: العراقيِّ- بعد في مباحث الموصول: ولمْ يَرَوْا أنْ يدخُلَ المقطوعُ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . (٥) أي: في الموصول وإن اتَّصَل إسناده إلى قائله؛ للتنافر بين الوصل والقطع، إلَّا

стр. 703

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أن ذلك يُقيَّد بحال الإطلاق، أمَّا مع التقْييد فجائزٌ واقع في كلامهم، كقوله: هذا متَّصل إلى (١) سعيد بن المسِّيب، أو إلى الزُّهْريِّ، أو إلى مالكٍ، ونحو ذلك». تنبيه: هذا الذي قاله الخطيب في «الكفاية» ووافقه عليه ابن الصَّبَّاغ في «العُدَّة» (٢). [قوله] (٣): «حيثُ قال ... إلخ»: قد عرَفت حقيقة المرفوع فيما مَرَّ آنفًا، فليس فيه إحالة على مجهول، وقوله: «فإنَّه» واقعٌ مَوْقِعَ التعليل، وضميره للمُسنَد، ولا شَكَّ في صِدْقِه على ما ذُكِر بِحَسَب إطلاقه. ومعنى «أَبْعَد»: ارتَكَب أمرًا بعيدًا ودَخَل فيه وتَلَبَّس به، مثل أتْهَمَ وأنْجَدَ إذا دخل تِهَامة ونَجْدًا وُلُوجًا أو إقامة. وفي كتابة: وأشار المؤلِّف بقوله: «وأبْعَدَ ابن عبد البَرِّ» إلى ضَعْفِ ما أشْعَرَ به كلام ابن الصَّلاح ثُمَّ العراقيِّ بترجيحه من قولهما: أنَّ المسند هو المرفوع، حيث قدَّماه حكايةً ولم يُضَعِّفاه، ونصُّ العراقيِّ: وَالمُسْنَدُ المَرْفُوْعُ أوْ مَا قَدْ وُصِلْ ... لَوْ مَعَ وَقفٍ وَهوَ في هَذَا يَقِلْ وَالثالِثُ الرَّفْعُ مَعَ الوَصْلِ مَعَا ... شَرْطٌ بِهِ الحَاكِمُ فِيهِ قَطَعَا (٤) واعلم أنَّ بَيْن المسند عند الأول وعند القائل الثاني عمومًا وخصوصًا من وجه وهو ظاهر، وأن المسند عند القائل الثالث في كلام العراقيِّ وهو الذي درج عليه المؤلِّف هنا أخصُّ مُطْلَقًا منه بالمعنيين الأوليَيْن، انظر شرح شيخ الإسلام للألفيَّة.

стр. 704

فَإِنْ قَلَّ عَدَدُهُ -أَيْ: عَددُ رجالِ السَّندِ- فإِمَّا أَنْ يَنْتَهِيَ إِلى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بذَلكَ العَدَدِ القَلِيلِ بالنِّسبةِ إِلى أَيِّ سَنَدٍ آخَرَ يَرِدُ بهِ ذَلكَ الحَديثُ بعينِهِ بعددٍ كثيرٍ، أَوْ ينتَهِيَ إِلى إِمامٍ مِنْ أَئمَّةِ الحَديثِ ذِي صِفَةٍ عَلِيَّةٍ؛ كالحِفْظِ والفِقْهِ والضَّبْطِ والتَّصنيفِ، وغيرِ ذلك من الصِّفاتِ المُقتَضِيَةِ للتَّرجيحِ؛ كشُعْبَةَ وَمَالكٍ والثَّوريِّ والشَّافعيِّ والبُخاريِّ ومُسْلمٍ، ونحوِهم: [قوله] (١): «فإنْ قَلَّ عَدَدُهُ»: الضمير للإسناد المتقدم في قوله: «ثُمَّ الإسناد». وقوله: «أي: عَدَدُ رجال السَّنَدِ»: [الإضافة فيه بيانيَّة، أي: رجالٌ هي السَّنَد] (٢)؛ إذ المراد بالسَّنَد هنا: الرجال التي هي طريق المَتْن لا حكاية طريقة. وقوله: «فإمَّا أنْ يَنْتَهِي»: يُحْتَمل عَود الضمير إلى السَّنَد، وهو المتبادَر من كلامه، ويُقْدَحُ فيه بقوله: «بذلك العَدَدِ القليل»، ويحتمل عوده إلى المَتْن، وحينئذٍ ففي كلامه تشتيت الضمير مع عَدَمِ ذِكْرِ المَرْجَع، ولكنَّه مُلْتَئِمٌ مع قوله: «بذلك العدد القليل» ويأتي أيضًا ما يدلُّ عليه، وقوله: «بالنِّسبَةِ إلى سَنَدٍ آخَرَ» متعلِّقٌ بالقليل، فالسَّنَد الآخر كثير العدد بالنسبة إليه؛ فقوله: «بعدد كثيرٍ» لا فائدة له. وقال (هـ) (٣): ضمير قوله: (هـ/١٨٣) «فإنْ قَلَّ عَدَدُه» راجع للسَّند من قوله: «بسَنَد»، ومن البَيِّن أنَّ المراد بقِلَّة العدد قِلَّتُه دون نقصٍ، وإلَّا فلا علو بالنسبة (أ/١٥٧) إلى النَّقص، وتقديره معه مضافًا يوجب تَكْرارًا؛ لأنَّ السَّنَد

стр. 705

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . نفس الرجال إذ هو طريق المَتْن كما سَلَف، اللهم إلَّا أن يُؤَؤَّلَ السَّنَد بالإسناد بِناءً على إطلاق أحدهما على الآخر، ويُجْعَل إضافة «رجال» إلى «السَّنَد» بيانيَّة، ولعل التأمُّل على تقدير المضاف إضافة العدد في المَتْن إلى ضمير «السَّند» بمعنى الرجال؛ إذ هم طريق المَتْن، فهو تصريحٌ بما عُلِم التزامًا؛ فتدبَّره. [قوله] (١): «فإمَّا أنْ يَنْتَهي ... إلخ»: اعلم أنَّ الإسناد خِصِّيصَة فاضلة من خصائص هذه الأمَّة دون جميع الملل، أمَّا مع الأرسال أو العَضَل فيوجد في اليهود، لكن لا يَقْرُبون به من موسى قُربنا من نبينا، بل يقضون حيث يكون بينهم وبينه أكثر من ثلاثين نَفْسًا، وإنَّما يبلغون به إلى نوح وشمعون، وأمَّا النَّصارى فليس عندهم من صفة هذا النقل شيءٌ إلَّا تحريم الطلاق، قاله ابن حَزْمٍ كما نقله عنه بعضهم. تنبيه: قال ابن المبارك (٢): «الإسنادُ من الدين، لولا الإسناد لقال مَنْ شاء ما شاء»، وعن الثوري (٣): «الإسناد سلاح المؤمن، فإذا لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل؟». طلب العلو سنة عن السلف؛ ولأجلها شُرِعَت الرِّحْلَة، وقيل لابن مَعِينٍ: حين وفاته: ما تطلُب؟ قال «بيتًا خاليًا وسندًا عاليًا» (٤). [قوله] (٥): «بذلك العَدَدِ القَلِيلِ»: متعلِّقٌ بـ «يَنْتَهي» وفيه نَظَرٌ؛ إذ يصير المعنى: ينتهي العَدَد القليل بذلك العدد

стр. 706

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . القليل، اللهم إلَّا أنْ يُضْبَط «يَنْتَهي» بصيغة المجهول مع حذف متعلَّقه؛ فيكون هذا إشارة إليه، وفيه نظر. وقوله: «بالنِّسبة ... إلخ» متعلِّقٌ بالقليل، وأشار به إلى أنَّه لا يُتَصَوَّر عُلو إلَّا في مقابلته نُزول؛ إذ هما أمران نِسْبيَّان لا يعقل أحدهما إلَّا بالنسبة إلى الآخر، رَدًّا على من قال: يتصور علو لا نزل نُزول معه، كما يأتي في كلامه، غير أنَّ مقابل السَّنَد العالي تارةً يكون سَنَدًا واحدًا أو أكثر، وتارةً جميع الأسانيد، وقوله: «آخر» لا يُخْرِج هذا، كما لا يخفى على ذي بَصيرة. [قوله] (١): «بعدد كثير»: لا يَظْهر إلَّا أنَّه بَدَلٌ من «به»، ويَلْزَم عليه الفصْل بالفاعل وتوكيده بين البَدَل والمُبْدَل منه؛ فالوجه أنْ يُقَدَّرَ له عاملٌ، تقديره: بعدد كثير، ولو تَرَكه لاستغنى عنه بما قدمه؛ إذ يفهم من قوله: «قليل بالنسبة إلى سند آخر يرد به ... إلخ» كونه مرويًّا بسندين أحدهما أكثر رجالًا من الآخر كما لا يَشْتَبه. [قوله] (٢): «كشعبة ومالك ... إلخ»: الظاهر أنَّه من باب اللَّف والنَّشر المُرَتَّب، ويَصِحُّ وَصْفُ الجميع بالجميع، وهو الأظهر.

стр. 707

فَالأوَّلُ: وهُوَ ما يَنْتَهي إِلى النَّبيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: العُلُوُّ المُطْلَقُ ، فَإِن اتَّفَقَ أَنْ يكونَ سندُهُ صحيحًا، كانَ الغايةَ القُصْوى، وإِلَّا فَصُورةُ العُلوِّ فيهِ مَوْجودةٌ ما لم يَكُنْ مَوْضوعًا، فَهُو كالعَدَمِ. وَالثَّانِي: العُلُوُّ النِّسْبِيُّ ، وهُوَ ما يقلُّ العَددُ فيهِ إِلى ذَلكَ الإِمامِ، ولو كَانَ العَددُ من ذلك الإِمامِ إِلى مُنْتهاهُ كَثيرًا. وقَدْ عَظُمَتْ رَغْبةُ المُتأَخِّرينَ فِيهِ حتَّى غَلَبَ ذَلكَ على كثيرٍ مِنْهُم، بحيثُ أَهْمَلوا الاشْتِغالَ بمَا هُوَ أَهَمُّ منهُ. وَإِنَّما كَانَ العُلوُّ مَرْغوبًا فِيهِ؛ لكونِهِ أَقربَ إِلى الصِّحَّةِ، وقِلَّةِ الخطإِ؛ لأنَّهُ ما مِنْ رَاوٍ مِن رجالِ الإِسنادِ إِلَّا وَالخطأُ جَائزٌ عَلَيْهِ، فكلَّما كَثُرتِ الوسائطُ، وطالَ السَّندُ، كَثُرَتْ مَظانُّ التَّجويزِ، وَكُلَّما قَلَّتْ، قَلَّتْ. فإِنْ كَانَ في النُّزولِ مَزِيَّةٌ لَيْسَتْ في العُلوِّ؛ كأَنْ يكونَ رجالُهُ أَوثقَ منهُ، أَو أَحفَظَ، أَو أَفقهَ، أَو الاتِّصالُ فِيهِ أَظهرَ، فلا تَردُّدَ في أَنَّ النُّزولَ حِينَئذٍ أَوْلَى. [قوله] (١): «فالأول والثاني ... إلخ»: اعلم أن أبا الفضل بن طاهر (٢) وابن الصَّلاح (٣) قَسَّما العلو أقسامًا خمسة، وإن اختلف كلٌّ منهما في ماهيَّة بعضها، منها القِسمان المذكوران هنا. والثالث: القُرْب إلى إمامٍ من أرباب الكتب الستة.

стр. 708

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الرابع: علو قِدَم الوفاة، وذلك بأن يتقدَّم وفاة بعض رواة الحديث بالنسبة لراوٍ متأخِّرِ الوفاة عنه، أمَّا عُلوه لأجْل تقدُّم وفاة الشيخ لا مع الثقات لراوٍ آخَرَ؛ فقيل: يكون لمن مَضى لموته خمسون سنة، وقيل: ثلاثون. الخامس: علو الإسناد لأجْل قِدَم السماع لأجْل رواته بالنِّسبة لراوٍ آخَرَ شاركه في السماع من شيخه، أو لراوٍ سمع من رفيق شيخه؛ فالأوَّل أعلى وإنْ تقدَّمت وفاة الثاني؛ ولهذا يَقَعُ التَّداخل بين هذا القسم والذي قَبْله، حتى جَعَل ابن طاهر وتَبِعَه ابنُ دَقيقِ العِيدِ هذا القِسمَ والذي قَبْله واحدًا، وقال ابن الصَّلاح (١): «إنَّ كثيرًا من هذا يَدْخُل في النَّوع المذكور قبله، ومنه ما لا يدخل، مِثْل أنْ يَسْمَع شخصان من شيخٍ (هـ/١٨٤) واحدٍ وسماع أحدهما من ستين سنة مثلًا وسماع الآخر من أربعين سنة ... إلخ» انتهى. والمؤلِّف جَعَل العُلُو قِسمين فقط؛ لأنَّ قِسْم القُرْب من إمامٍ ذي صفة عَلِيَّة يندَرج فيه القُرْبُ من إمام مُطْلَقٍ، والقُرْب من إمام من أئمة الكتب الستة، فهذه ثلاثة أقسام، وأمَّا علو قِدَم الوفاة وعُلُو قِدَم السَّماع فليسا من عُلُو الإسناد في الحقيقة، وإنَّما يَرْجِعان إلى صفة في الراوي وفي شيخه، وعند التأمُّل يَرْجِع العُلُو إلى النبيِّ ﵊ (٢)، والعُلُو إلى إمامٍ مُطْلَقٍ، والعُلُو إلى إمامٍ من أئمة الكتب الستة إلى عُلُو مسافة، وهي قلة العدد، والأخيران إلى عُلُو صفة في

стр. 709

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الراوي أو في شيخه، قاله (هـ) (١). [قوله] (٢): «فالأوَّلُ وهو: ما يَنْتَهي إلى النبيِّ ﵊»: أنت خبير بأنَّ الذي يَنْتهي إلى النبيِّ (أ/١٥٨) إنَّما هو المَتْن، لكنَّه عالي لا عُلُو، فلا يَصحُّ تفسير «ما» به، كما لا يَصحُّ تفسيرها بـ «سَنَدٍ» أيضًا لذلك؛ إذ العُلُو إنَّما هو: قلة عدد رجال المنتهي إلى النبيِّ ﵊ لا نفسه ولا الرجال؛ فيُجْعَل كلامُه على حَذْف مضافين، مثل: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ] ﴿طه: ٩٦﴾، أي: قلة عدد رجال ما يَنْتهي؛ إذ التقدير للآية: من أثر حافر فرس الرسول، وحينئذٍ فقوله: «فإن اتَّفَقَ أنْ يكون سَنَدُه صحيحًا» أو سَنَد ما انتهى إلى النبيِّ ﵊ وهو المَتْن، يريد: مع صحته أيضًا؛ لأجْل قوله: «الغَايَة القُصْوى»، وإنْ كانت صحة السَّنَد لا تَسْتَلْزِمُ صحة المَتْن ولا العكس، وعلى القياس هذا يكون قولُه بَعْدُ: «وهو ما يَقِلُّ العَدَد فيه» على حَذْف مضافين أيضًا، أي: وهو قِلَّة عَدَد ما يَقِلُّ ... إلخ، قاله (هـ) (٣). وفي كتابة: اعلم أنَّ العُلُو المُطْلَق ليس هو المَتْن، وليس هو السَّنَد الذي قَلَّتْ رجاله، وإنَّما هو: وصفٌ يحصل للسَّنَد بواسطة قِلَّة رجاله؛ فقوله: «فالأول ... إلخ» فيه بحث سواء أوقعنا «ما» على المَتْن، أو على السند الذي

стр. 710

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قَلَّتْ رجاله؛ فلا بُدَّ من تقدير مضاف، أي: ذي العُلُو المُطْلَق، وربما يُعَيِّن وقوعه على المَتْن قوله: «فإن اتَّفَق أنْ يكون سَنَدُه» إذ إضافة السَّنَد إليه يقتضي أنَّ المراد به المَتْن ولا بُدَّ مع ذلك من مراعاة المضاف المذكور. وقوله: «كان الغاية القصوى»: أي: في الرُّتْبَة. وقوله: «وإلَّا فَصُورَةُ العُلُوِّ فيه مَوجودَةٌ»: أي: ولم يبلغ الرُّتبة القصوى من المراتب. وقوله: «ما لم يكن موضوعًا ... إلخ»: كأنَّه مخرَّج من مقدَّر، أي: «فصورة العلو فيه موجودة» أي: ومعتبرة ما لم يكن موضوعًا؛ إذ صورة العلو موجودة في الموضوع كما أشار له (ج) (١). قوله: «وإلَّا فَصُورة العُلُو ... إلخ»: أي: وإن لم يكن سَنَده صحيحًا، بأنْ كان ضعيفًا أو موضوعًا، وقضيته: أنَّه يَصحُّ وَصْفُ السَّنَد بالوضع مع أنَّ الوضع من أوصاف المَتْن عندهم، وقد يُقال: لا مانع من وَصْفِ السَّنَد بالوضع أيضًا. [قوله] (٢): «والثاني: العُلُو النِّسْبيُّ ... إلخ»: يَتَناول أصحاب الكتب الستة وغيرهم والأئمة، وجعل ابن الصَّلاح والعراقيُّ

стр. 711

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . العُلُو بالنِّسبة إلى كمالك وشُعبة قِسْمًا، وبالنِّسبة إلى الكتب الستة قِسمًا آخرَ، وجعلا هذا القسم هو العُلُوَّ النِّسبيَّ (١)، وما صَنَعه المؤلِّف أقْعَدُ كما لا يخفى على المتأمِّل. وقوله: «وهو ما يَقِلُّ ... إلخ»: أي: ذو ما يقل ... إلخ، كما قاله (ج) (٢)، وقد مَرَّ توضيح ذلك. [قوله] (٣): «كلما قَلَّت»: أي: الوسائط، «قَلَّتْ» أي: مظان ذلك التجويز. [قوله] (٤): «أَظْهَرَ»: أي: ككونه متَّصلًا بالسماع وفي العالي: حضور أو إجازة أو مناولة. [قوله] (٥): «في أنَّ النُزُول حينئذٍ أولى»: قال (ق) (٦): أي فلا يكون مذمومًا، بل العُلُو والحالة ما ذُكِر هو المذموم، وبهذا يُخَص ذَمُّ النزول وكونه شُؤْمًا وقُرْحَة في الوجه، كما قاله ابنا المَدِينيِّ ومَعِينٍ، ومن هنا (هـ/١٨٥) ظهر أنَّ الصِّحة هي العُلُو عند النَّظر الصائب، وسواء طال السَّنَد الموصِّل إليها أو قَصُر، وأنَّ النُّزُول هو فواتها وإنْ قَصُر.

стр. 712

وأَمَّا مَنْ رجَّحَ النُّزولَ مُطلقًا، واحْتَجَّ بأَنَّ كَثرةَ البحثِ تَقْتَضي المشقَّةَ، فيَعْظُمُ الأجْرُ، فذَلكَ ترجيحٌ بأَمرٍ أَجنبيٍّ عمَّا يَتعلَّقُ بالتَّصحيحِ والتَّضعيفِ. وَفِيهِ -أَيْ: العُلوِّ النِّسبيِّ- المُوَافَقَةُ، وَهي الوُصُولُ إلَى شيخِ أحدِ المُصَنِّفينَ مِن غيرِ طَريقِهِ؛ أَي: الطَّريقِ الَّتي تَصِلُ إِلى ذَلكَ المصنِّفِ المُعيَّنِ. و مِثالُهُ: رَوَى البُخاريُّ، عن قُتَيبةَ، عن مالكٍ حَديثًا ... فلَوْ رَوَيْناهُ مِن طريقِهِ، كانَ بَيْنَنا وبينَ قُتَيْبَةَ ثَمانيةٌ، ولو رَوْينا ذلك الحَديثَ بعينِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبي العبَّاس السَّرَّاجِ، عن قُتيبةَ مثلًا، لَكانَ بَيْنَنا وبَيْنَ قُتيبةَ سَبعةٌ. فَقَدْ حَصَلَتْ لَنا المُوَافقةُ معَ البُخاريِّ في شيخِهِ بعينِهِ معَ عُلوِّ الإِسنادِ إِلَيهِ. وَفِيهِ -أَيْ: العُلوِّ النِّسبيِّ- البَدَلُ، وهُوَ الوُصولُ إِلى شيخِ شيخِهِ كَذَلكَ؛ كأَنْ يَقعَ لنا ذَلكَ الإِسنادُ على الإسناد إليه بعينِهِ مِن طريقٍ أُخرى إِلى القَعْنَبِيِّ، عن مالكٍ، فَيَكونُ القَعْنَبيُّ بَدَلًا فِيهِ مِن قُتَيْبَةَ. وأَكثرُ ما يَعْتَبِرونَ المُوافَقَةَ والبَدَلَ إِذا قَارَنَا العُلُوَّ، وإِلَّا فاسمُ المُوافقةِ والبَدَلِ وَاقِعٌ بدُونِهِ. وَفِيهِ -أَيْ: العُلوِّ النِّسبيِّ- المُسَاوَاةُ، وَهِيَ استواءُ عَدَدِ الإِسنادِ مِن الرَّاوي إِلى آخِرِهِ -أَيْ: الإِسنادِ مَعَ إِسنادِ أَحدِ المُصَنِّفينَ- كَأَنْ يَرْوِيَ النَّسائيُّ -مَثَلًا- حَديثًا يَقَعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ النَّبيِّ ﷺ فِيهِ أَحدَ عَشرَ نَفْسًا، فَيَقعُ لَنا ذَلكَ الحَديثُ بعينِهِ بإِسنادٍ آخَرَ إِلى النَّبيِّ ﷺ ، يَقعُ بَيْنَنا فيه وبَينَ النَّبيِّ ﷺ أَحدَ عشرَ نفسًا، فنُسَاوي النَّسائيَّ مِن حيثُ العَددُ معَ قَطْعِ النَّظرِ عن مُلَاحظةِ ذلك الإِسنادِ الخاصِّ. [قوله] (١): «فذلك تَرْجيحٌ بأمرٍ أجْنَبيٍّ»: قال ابن دَقِيقِ العِيد (٢): «لأنَّ كثرَة

стр. 713

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . المَشَقَّة ليست مطلوبة لنفسها»، قال: «ومراعاة المعنى المقصود من الرواية وهو الصحة أولى» انتهى. لأن المقصود من الحديث التوصُّل إلى صحته وبُعد الوهم، وكُلَّمَا كَثُر رجال الإسناد تَطَرَّق إليه احتمال الخطأ والخلل، وكُلَّمَا قَصُر السَّنَد كان أسْلَم، اللهم إلَّا أنْ يكون رجال السَّنَد النَّازل: أوْثَقُ أو أحْفَظُ أو أقْعَدُ أو نحو ذلك ممَّا قاله المؤلِّف، وبهذا يُفهم معنى قول الشارح: «بأمر أجنبيٍّ». [قوله] (١): «وفيه البَدَلُ ... إلخ»: سمِّي بدلًا؛ لوقوعه من طريق راوٍ بَدَلَ الراوي الذي روى عنه أحد المُصَنِّفِين. قوله: «أَحَدُ المُصَنِّفِين»: يعني وإن لم يكن من أهل الكتب الستة كما وقع لبعضهم في «مسند أحمد»، نعمْ: الاقتصار على أحد الستة هو الأغلب، وقوله: «من غير طريقه» أي: بسنَدٍ أعلى من الطريق الآخر كما يدل له جعله من أفراد العُلُو النِّسْبيِّ. [قوله] (٢): «عن مالكٍ»: إنَّما ذكَرَه؛ لأجْل أنْ يَجْعَل مثالًا للبدل أيضًا، وإلَّا فالموافقة حاصلة بدونه. [قوله] (٣): «مع عُلُوِّ الإسناد ... إلخ»: فيه تصريحٌ باعتبار العُلُو في الموافقة، لكنَّه مُعْتَبَرٌ عِنْدَ المؤلِّف باعتبار الكثير؛ لأنَّه ترَّجح بأمر معنويٍّ فيكون أولى إذا لم

стр. 714

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يكن معها علو، فيقِلَّ إطلاق اسم الموافَقَة (أ/١٥٩) بدونه وتسمع ما فيه، قاله (هـ) (١). والضمير في قوله: «إليه» للبخاريِّ، أي: الإسناد المَنسوب إلى البخاريِّ، والنِّسبة تكون لأدنى ملابسة. [قوله] (٢): «كذلك»: قال (ق) (٣): «أي: من غير طريقِ ذلك المؤلِّف المعيَّن بطريق [آخر] (٤) أقلُّ عَدَدًا من طريقه» انتهى؛ فقوله: «أقلُّ عَدَدًا ... إلخ» يعني باعتبار الكثير حتى يوافِق طريق المؤلِّف. قوله: «كأنْ يَقَع لنا ذلك ... إلخ»: قال (ق) (٥): «صوابه: ذلك الحديث»، ويمكن الجواب بأنَّ في الكلام مضافًا دل عليه السِّياق والسِّباق إلى مروي ذلك الإسناد والتوكيد لا يمنعه؛ لأنَّه يُضْعِف الاحتمال عند بعض المحقِّقين ولا يَرْفَعه لكثيرٍ، كما نَبَّه عليه ابن أبي الربيع. [قوله] (٦): «فيكون ... إلخ»: وقد يسمون البَدَلَ: موافَقَة مقيَّدة، فيُقال: هو موافقة في شيخ شيخ البخاريِّ مثلًا. تنبيه: قال المؤلِّف: وقد استخرجت قِسْمًا يَجْتَمع فيه البَدَلُ والموافَقَة، مثال
следующие страницы →