. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قَلَّتْ رجاله؛ فلا بُدَّ من تقدير مضاف، أي: ذي العُلُو المُطْلَق، وربما يُعَيِّن وقوعه على المَتْن قوله: «فإن اتَّفَق أنْ يكون سَنَدُه» إذ إضافة السَّنَد إليه يقتضي أنَّ المراد به المَتْن ولا بُدَّ مع ذلك من مراعاة المضاف المذكور.
وقوله: «كان الغاية القصوى»:
أي: في الرُّتْبَة.
وقوله: «وإلَّا فَصُورَةُ العُلُوِّ فيه مَوجودَةٌ»:
أي: ولم يبلغ الرُّتبة القصوى من المراتب.
وقوله: «ما لم يكن موضوعًا ... إلخ»:
كأنَّه مخرَّج من مقدَّر، أي: «فصورة العلو فيه موجودة» أي: ومعتبرة ما لم يكن موضوعًا؛ إذ صورة العلو موجودة في الموضوع كما أشار له (ج) (١).
قوله: «وإلَّا فَصُورة العُلُو ... إلخ»:
أي: وإن لم يكن سَنَده صحيحًا، بأنْ كان ضعيفًا أو موضوعًا، وقضيته: أنَّه يَصحُّ وَصْفُ السَّنَد بالوضع مع أنَّ الوضع من أوصاف المَتْن عندهم، وقد يُقال: لا مانع من وَصْفِ السَّنَد بالوضع أيضًا.
[قوله] (٢): «والثاني: العُلُو النِّسْبيُّ ... إلخ»:
يَتَناول أصحاب الكتب الستة وغيرهم والأئمة، وجعل ابن الصَّلاح والعراقيُّ
стр. 711
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
العُلُو بالنِّسبة إلى كمالك وشُعبة قِسْمًا، وبالنِّسبة إلى الكتب الستة قِسمًا آخرَ، وجعلا هذا القسم هو العُلُوَّ النِّسبيَّ (١)، وما صَنَعه المؤلِّف أقْعَدُ كما لا يخفى على المتأمِّل.
وقوله: «وهو ما يَقِلُّ ... إلخ»:
أي: ذو ما يقل ... إلخ، كما قاله (ج) (٢)، وقد مَرَّ توضيح ذلك.
[قوله] (٣): «كلما قَلَّت»:
أي: الوسائط، «قَلَّتْ» أي: مظان ذلك التجويز.
[قوله] (٤): «أَظْهَرَ»:
أي: ككونه متَّصلًا بالسماع وفي العالي: حضور أو إجازة أو مناولة.
[قوله] (٥): «في أنَّ النُزُول حينئذٍ أولى»:
قال (ق) (٦): أي فلا يكون مذمومًا، بل العُلُو والحالة ما ذُكِر هو المذموم، وبهذا يُخَص ذَمُّ النزول وكونه شُؤْمًا وقُرْحَة في الوجه، كما قاله ابنا المَدِينيِّ ومَعِينٍ، ومن هنا (هـ/١٨٥) ظهر أنَّ الصِّحة هي العُلُو عند النَّظر الصائب، وسواء طال السَّنَد الموصِّل إليها أو قَصُر، وأنَّ النُّزُول هو فواتها وإنْ قَصُر.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المَشَقَّة ليست مطلوبة لنفسها»، قال: «ومراعاة المعنى المقصود من الرواية وهو الصحة أولى» انتهى.
لأن المقصود من الحديث التوصُّل إلى صحته وبُعد الوهم، وكُلَّمَا كَثُر
رجال الإسناد تَطَرَّق إليه احتمال الخطأ والخلل، وكُلَّمَا قَصُر السَّنَد كان أسْلَم، اللهم إلَّا أنْ يكون رجال السَّنَد النَّازل: أوْثَقُ أو أحْفَظُ أو أقْعَدُ أو نحو ذلك ممَّا قاله المؤلِّف، وبهذا يُفهم معنى قول الشارح: «بأمر أجنبيٍّ».
[قوله] (١): «وفيه البَدَلُ ... إلخ»: سمِّي بدلًا؛ لوقوعه من طريق راوٍ بَدَلَ الراوي الذي روى عنه أحد المُصَنِّفِين.
قوله: «أَحَدُ المُصَنِّفِين»: يعني وإن لم يكن من أهل الكتب الستة كما وقع لبعضهم في «مسند أحمد»، نعمْ: الاقتصار على أحد الستة هو الأغلب، وقوله: «من غير طريقه» أي: بسنَدٍ أعلى من الطريق الآخر كما يدل له جعله من أفراد العُلُو النِّسْبيِّ.
[قوله] (٢): «عن مالكٍ»: إنَّما ذكَرَه؛ لأجْل أنْ يَجْعَل مثالًا للبدل أيضًا، وإلَّا فالموافقة حاصلة بدونه.
[قوله] (٣): «مع عُلُوِّ الإسناد ... إلخ»: فيه تصريحٌ باعتبار العُلُو في الموافقة، لكنَّه مُعْتَبَرٌ عِنْدَ المؤلِّف باعتبار الكثير؛ لأنَّه ترَّجح بأمر معنويٍّ فيكون أولى إذا لم
стр. 714
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يكن معها علو، فيقِلَّ إطلاق اسم الموافَقَة (أ/١٥٩) بدونه وتسمع ما فيه، قاله (هـ) (١). والضمير في قوله: «إليه» للبخاريِّ، أي: الإسناد المَنسوب إلى البخاريِّ، والنِّسبة تكون لأدنى ملابسة.
[قوله] (٢): «كذلك»: قال (ق) (٣): «أي: من غير طريقِ ذلك المؤلِّف المعيَّن بطريق [آخر] (٤) أقلُّ عَدَدًا من طريقه» انتهى؛ فقوله: «أقلُّ عَدَدًا ... إلخ» يعني باعتبار الكثير حتى يوافِق طريق المؤلِّف.
قوله: «كأنْ يَقَع لنا ذلك ... إلخ»: قال (ق) (٥): «صوابه: ذلك الحديث»، ويمكن الجواب بأنَّ في الكلام مضافًا دل عليه السِّياق والسِّباق إلى مروي ذلك الإسناد والتوكيد لا يمنعه؛ لأنَّه يُضْعِف الاحتمال عند بعض المحقِّقين ولا يَرْفَعه لكثيرٍ، كما نَبَّه عليه ابن أبي الربيع.
[قوله] (٦): «فيكون ... إلخ»: وقد يسمون البَدَلَ: موافَقَة مقيَّدة، فيُقال: هو موافقة في شيخ شيخ البخاريِّ مثلًا.
تنبيه:
قال المؤلِّف: وقد استخرجت قِسْمًا يَجْتَمع فيه البَدَلُ والموافَقَة، مثال
стр. 715
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حديث يرويه البخاريُّ عن قُتَيْبَةَ عن مالك، ويؤخَذ من طريقٍ آخَرَ فيوافَق في قُتَيْبَة، ويروي قُتَيْبَة عن الثوريِّ.
[قوله] (١): «وأكثرُ ما يَعْتَبِرُون ... إلخ»: ممن قيَّد صحة إطلاق الموافقة والبدل [في صورة العلو ابن الصَّلاح، حيث قال: «ولو لم يكن ذلك عاليًا فهو أيضًا موافقَة وبَدَلٌ، لكن لا يُطْلَق عليه اسم الموافَقَة] (٢) مع عدم العلو، فإن علا قالوا: موافَقَةً عاليَةً، أو بَدَلًا عاليًا».
قال العراقيُّ (٣): «كذا رأيتُه في كلام شيخ جَمَال الدين الظاهريِّ وغيره، ورأيت في كلام الظاهريِّ (٤) والذَّهبيِّ: فوافقناه بنزوله؛ فسمياه مع النُّزول: موافَقَةً، ولكن مقيَّدة بالنُّزول، كما قَيَّدها غيرهما بالعُلُو» انتهى.
فإنْ حُمِل كلام الشارح على التقْيِيد كان جاريًا على ما قاله جَمَال الدين الظاهريُّ والذَّهبيُّ لا على ما قاله ابن الصَّلاح.
[قوله] (٥): «وفيه -أي: العُلُوِّ النِّسْبيِّ-: المُسَاوَاةُ ... إلخ»: قد عَلِمْتَ أنَّ كلامه لا يقتضي حَصْرها في العُلُو النِّسْبيِّ؛ فلا ينافي وجودها في المُطْلَق أيضًا، وكذا المُصَافَحَة وهو ظاهرٌ، وقد أشار إلى أنَّها تُوجَد في غيره بالمثال الذي
стр. 716
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذَكَرَه، وهذا نُكتَةُ عُدُوله عن التَّمثيل لها في العُلُو النِّسْبيِّ إلى التمثيل لها في العُلُو المُطْلَقِ، وما ذَكَرْناه من أنَّ: المساواة تكون في العُلُو النِّسبيِّ والمُطْلَق نحوه لشيخ الإسلام (هـ/١٨٦) فإنَّه قال في قول العراقيِّ:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... وَإِنْ يَكُنْ سَاوَاهُ عَدًّا قَدْ حَصَلْ
فَهْوَ الْمُسَاوَاةُ (١). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ما نصه: «وإنْ يكن المُخرِّج ساواه، أي: أحد الستة، عدًّا قد حصل، أي: من جهة العدد الحاصل في السَّنَد، بأنْ يكون بَيْن المَخرِّج وبَيْن النبيِّ ﵊ في المرفوع أو الصحابيِّ أو من قبله إلى شيخ الإسلام أَحَد الستة، كما بَيْنَ أَحَدِ الستة وأَحَدِ مَنْ ذُكِر من العَدَد فهو المساواة» قاله (ج) (٢).
وقال (هـ) (٣): «قوله: وفيه أي: العلو النِّسبيِّ المساواة ... إلخ، قال (ق) (٤): تقدَّم أنَّ العُلُو النِّسبيَّ: أن ينتهي الإسناد إلى إمام ذي صفة عليَّة، وهذه المساواة ليست كذلك، بل إنَّما يَنْتَهِي إلى النبيِّ ﵊؛ فحقُّها أنْ تكون من أفراد العُلُو المُطْلَق» انتهى، وهو اعتراضٌ ساقط؛ لأنَّه لاحَظَ فيه صورةَ مثال الشارح، وإلَّا فهي غير مقصورة عليه؛ لصِدْقِها بأنْ يكون بين المُخرِّج وبين النبيِّ ﵊ في المرفوع أو الصحابيِّ ومن دونه في غيره إلى شيخ أحد الأئمة الستة كما بين أحد الستة من ذَكَرْنا من العدد.
стр. 717
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيه:
المساواة بيننا الآن وبَيْن أَحَد الستة مفقودة غير ممكنة الوقوع؛ لبُعْد ما بيننا وبَيْن من فوقهم ممن ذَكَرنا، قاله شيخ الإسلام الأنصاريُّ.
[قوله] (١): «إِلى آخِرِهِ إلخ»: أي: الإسناد، لم يقَيِّده لكونه ينتهي إلى النبيِّ ﵊؛ [فشمِل ما انتهي إليه ﵇ (٢) أو إلى غيره، فهو ممَّا يؤيِّد ما أشرنا إليه من الجواب على ما أورده المُحَشِّي المشار إليه، وملخصه: أنَّ المساواة أنْ تكون بين المُخرِّج وبَيْن النبيِّ في المرفوع، أو وبَيْن الصحابيِّ في الموقوف، أو وبَيْن من دُون الصحابيِّ في المقطوع كما بَيْن أَحَد الأئمة الستة وبَيْن النبيِّ ﵊ أو من دُونَه من العَدَد، وهذا كان يوجَد قديمًا، وأمَّا اليوم فلا توجَد المساواة إلَّا بأنْ يكون عدد ما بَيْن المُخرِّج الآن وبَيْن أَحَد شيوخ أَحَد الأئمة الستة كعدد ما بَيْن أَحَد الأئمة الستة وبَيْن النبيِّ ﵊ مثلًا، أو أكثر بكثير كما قلناه آنفًا، قاله (هـ) (٣).
стр. 718
وَفِيهِ -أَيْ: في العُلوِّ النِّسبيِّ أَيضًا- المُصَافَحَةُ، وَهي الاستواءُ مَعَ تِلْميذِ ذَلكَ المُصَنِّفِ عَلى الوَجْهِ المَشروحِ أَوَّلًا.
وَسُمِّيتْ مُصافحةً؛ لأنَّ العادةَ جَرتْ في الغالبِ بالمُصَافَحةِ بينَ مَنْ تَلاقَيا، ونَحنُ في هذِهِ الصُّورةِ كأَنَّا لَقينا النَّسائيَّ، فكأَنَّا صَافَحْناهُ.
ويُقابِلُ العُلُوَّ بأَقْسَامِهِ المَذكورةِ النُّزولُ ، فَيَكونُ كلُّ قِسْمٍ مِن أَقسامِ العُلوِّ يُقابِلُهُ قِسْمٌ مِن أَقْسَامِ النُّزولِ؛ خِلافًا لمَنْ زَعَمَ أَنَّ العُلوَّ قد يَقعُ غيرَ تَابعٍ للنُّزولِ.
فَإِنْ تَشارَكَ الرَّاوِي ومَنْ رَوى عَنْهُ في أَمرٍ مِن الأمورِ المتعلِّقَةِ بالرِّوايةِ؛ مثلِ السِّنِّ واللُّقِيِّ، وهُوَ الأخذُ عن المشايخِ، فَهُو النَّوعُ الَّذي يُقالُ لَهُ: روايةُ الأَقْرانِ؛ لأنَّهُ حِينَئذٍ يَكونُ راويًا عن قَرينِهِ.
فَإِنْ تَشارَكَ الرَّاوِي ومَنْ رَوى عَنْهُ في أَمرٍ مِن الأمورِ المتعلِّقَةِ بالرِّوايةِ؛ مثلِ السِّنِّ واللُّقِيِّ، وهُوَ الأخذُ عن المشايخِ، فَهُو النَّوعُ الَّذي يُقالُ لَهُ: روايةُ الأَقْرانِ؛ لأنَّهُ حِينَئذٍ يَكونُ راويًا عن قَرينِهِ.
[قوله] (١): «المُصَافَحَة ... إلخ»: قال (ق) (٢): «إذا كانت المصافحة ما ذكر فلم تدخل في تعريف العُلُو النِّسبيِّ كما مَرَّ في المساواة» انتهى.
(أ/١٦٠) ويمكِن دَفْعُه [بنظير] (٣) ما دَفَعنا به كلامه في المساواة كما قاله (هـ) (٤).
стр. 719
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال (ج): «قوله: «وفيه» أي: العُلُو النِّسبيِّ «المصافَحة» لا يُنافي أنَّها لا تكون في غير العُلُو النِّسبيِّ على ما مَرَّ، وظاهر كلام ابن الصَّلاح والعراقيِّ -أي: تعريفهما لها - يقتضي [جريانها في العُلُو النِّسبيِّ والمُطْلَق؛ فما ذَكَره (ق) مما يقتضي] (١) أنَّها لا تكون في العُلُو النِّسبيِّ فيه نظرٌ، قال العراقيُّ:
... وَحَيْثُ رَاجَحَهْ ... الأَصْلُ باِلْوَاحِدِ فَالْمُصَاَفَحَهْ (٢)
قال شيخ الإسلام (٣):
وحيث راجحه الأصل أي: علا سند أَحَد الستة، بالواحد أي: براوٍ واحد على سند المُخرِّج أي: أنَّه نَقَص سند أَحَد الستة عن سند المُخرِّج واحد فهو المصافحة له، بمعنى أن المُخرِّج كأنَّه لَقِيَ أحد الستة وصافَحه بذلك الحديث، ومع كونه مصافَحَة له فهو مساواة لشيخه» انتهى.
وقال المؤلِّف في شرحه: «أي: وحيث رَجَح واحد من الأئمة الستة براوٍ واحد على الراوي الذي وقع له الحديث سمِّي مصافَحَة، بمعنى أنَّ الراوي كأنَّه لقيَ أَحَدَ الأئمة الستة وصافحه بذلك الحديث، ومَثَّلْتُ بالكتب الستة؛ لأنَّ الغالب على المخرِّجين استعمال ذلك بالنسبة إليهم فقط، وقد استعمله الظاهريُّ وغيرُه بالنِّسبة إلى «مسنَد أحمد».
стр. 720
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله] (١): «على الوَجْهِ المَشْرُوحِ أوَّلًا»:
يعني في مثال النَّسَائيِّ المذكور في المساواة قاله (ق)، وحاصله: (هـ/١٨٧) اعتبار المساواة في العَدَد مع عَدَم ملاحظة الإسناد الخاصِّ؛ فإن كانت المساواة للتلميذ فالمصافَحَة له، وإن كانت لشيخ شيخه فالمصافحة لشيخ شيخه وهكذا.
[قوله] (٢): «ويُقَابِل العُلُوَّ بأقْسَامِهِ ... إلخ»:
أنت خبيرٌ بأنَّ المؤلِّف لم يَذْكُر من أقسام العُلُوِّ صريحًا إلَّا اثنين، لكن قد عَلِمْتَ انطباق كلامه على أقسام العُلُو الخمسة بالتقرير الذي قدَّمناه؛ فكلامه إما من باب إطلاق الجمع على ما زاد على الواحد، أو مراعاة لمعنى الكلام وما يَتَضَمَّنه، وعبارة العراقيِّ: «وأمَّا أقسام النُّزول فهي خمسةٌ أيضًا؛ فإنَّ كلَّ قِسْمٍ من أقسام العُلُو ضده قِسْمٌ من أقسام النُّزول، فهي خمسةٌ كما قاله ابن الصَّلاح (٣)» قاله (هـ) (٤).
[قوله] (٥): «خِلافًا لمَنْ زَعَمَ ... إلخ»:
قال (ق) (٦): «هو الشيخ زَيْنُ الدين العراقيُّ، فإنَّه نازع في ذلك الشيخَ
стр. 721
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تقي الدين ابن الصَّلاح، ذَكَرَه في «شرح الألفيَّة»» انتهى، واعتُرِض على عَزْوِه لذلك بما يُعْلَم بالوقوف عليه.
[قوله] (١): «في أمْرٍ من الأُمورِ ... إلخ»:
لمَّا كان ظاهر المَتْن يوهم أنَّه لا بُدَّ من التشارك في الأمرين جميعًا صَرَفه في الشرح عن ظاهره، وأفاد أنَّ الاجتماع ولو في أحدهما كافٍ، غير أنَّ الإطلاق في الأحَديَّة يشمل السِّنَّ، وفيه نظرٌ؛ فقد قال العراقيُّ (٢): «القرينان من استويا في الإسناد والسِّنِّ غالبًا؛ إذ المراد بالاستواء في ذلك على المقاربة كما قال الحاكم (٣): إنما القرينان إذا تقارب سنُّهما وإسنادهما. وقولي: «غالبًا» يَتعلَّق بالسِّنِّ فقط إشارة إلى أنَّهم قد يكتفون بالإسناد دون السِّنِّ، قال ابن الصَّلاح (٤): وإنَّما اكتفى الحاكم بالتقارب في الإسناد وإن لم يوجَد التقارب في السِّنِّ» انتهى.
فكان الأليقُ بقاء المَتْن على ظاهره وحَمْله على الغالب، وجَعْل مُقابِله الاكتفاء باللقاء دُونَ السِّنِّ؛ فتدبَّره، قاله (هـ) (٥).
وقال (ج) (٦) قوله: «في السن واللُّقيِّ» أي: غالبًا، ومن غير الغالب الاكتفاء
стр. 722
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالمشاركة في اللُّقي، أي: الأخذ عن المشايخ، ثُمَّ إنَّ المراد بالمشاركة في السِّنِّ والأخذ عن الشيوخ أو في الأخذ عن الشيوخ: الاستواءُ فيهما والمُقارَبة فيهما، والاستواء في الثاني فقط أو المُقاربة فيه. ولو قال المؤلِّف: فإن تشارك الراوي ومن روى عنه في اللُّقي والسِّنِّ غالبًا؛ إذ قد يُكتفي بالمشاركة في الأول فقط؛ كان لا غبار عليه، فقول الشارح: «ومن روى عنه في أمر من الأمور المتعلِّقة بالرواية مثل: السِّنِّ واللُّقي، وهو: الأخذ عن المشايخ»؛ فيه إخراج للمَتْن عن ظاهره، وإنْ جُرَّ «السِّنُّ» وما عُطِف عليه بالمضاف لا بـ «في»، ثُمَّ إنَّ مِثلها السِّنُّ فقط كما يفيده كلام العراقيِّ. فإن قُلْت: قوله: «في أمر ... إلخ» تقتضي الاكتفاء في ذلك بالمشاركة في السِّنِّ فقط؛ قُلْت: لا نُسَلِّم أنَّ المشاركة في السِّنِّ فقط يَصْدُق عليه قوله: «أمْرٌ من الأمور المتعلِّقة بالرواية».
[قوله] (١): «فهو النوع ... إلخ»:
فيه إشارة إلى الجواب عن إفراد الضمير وتذكيره كما لا يخفى، والمراد بالنوع رواية من ذَكَر عمن ذُكِر، فلو قال: فهي؛ ليعود الضمير على الرواية لأنَّها المسمَّاة بذلك؛ كان أولى؛ (أ/١٦١) فقوله: «يُقال له» أي: يسمَّى، مِثْل: ﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ] ﴿الأنبياء: ٦٠﴾.
و «الأقران» وجمع قَرِين، لا بُدَّ في هذا النوع أنْ تكون بالرواية الرواية من أحَدِ القَرينين فقط عن الآخر، بحيث يُعْلَم أنَّ هذا روى عن ذاك ولا يعلم أنَّ ذاك روى عن
стр. 723
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هذا، مثاله: رواية سليمانَ التَّيمِيِّ عن مِسْعَرٍ، قال الحاكم (١): «ولا أحفظ (هـ/١٨٨) لمِسْعَرٍ عن سليمانَ روايةً»، ورُبَّما اجتمع جماعة من الأقران في حديث واحدٍ؛ كحديثٍ (٢) رواه أحمد بن حنبل، عن أبي خَيْثَمةَ زُهيرِ بن حربٍ، عن يحيى بن مَعِينِ، عن علي بن المَدِينيِّ، عن عُبيد الله بن معاذٍ، عن أبيه، عن شُعبةَ، عن أبي بكر بن حَفصٍ، عن أبي سلمة، عن عائشة قالت: «كان أزواج النبيِّ ﵊ (٣) يأخُذن من شُعورهن حتى تكون كالوفرة» (٤)، فأحمد والأربعة خمستهم أقرانٌ كما قال الخطيب. ومن فوائد هذا النَّوع: الأمن من ظنِّ الزيادة في السَّنَد (٥)، والاعتراض على المؤلِّف بتغْيير إعراب المَتْن مَرَّ جوابه مرارًا، قاله (هـ) (٦).
[قوله] (٧): «لأنَّه حِينئذٍ»:
أي: حين إذا روى عن مَنْ شاركه في السِّنِّ واللُّقيِّ.
стр. 724
وَإِنْ رَوى كُلٌّ مِنْهُما -أَي: القَرينَيْنِ- عَنِ الآخَرِ، فهو المُدَبَّجُ، وهُوَ أَخصُّ مِن الأوَّلِ، فَكلُّ مُدَبَّجٍ أَقْرَانٌ، وليسَ كُلُّ أَقرانٍ مُدبَّجًا.
وقَدْ صَنَّفَ الدَّارقطنيُّ في ذلك، وَصنَّف أَبو الشيخِ الأصبهانيُّ في الَّذي قبلَه.
وإِذا رَوَى الشَّيخُ عن تِلْميذِهِ، صَدَق أَنَّ كُلًّا منهُما يَرْوي عنِ الآخَرِ، فهل يُسمَّى مُدَبَّجًا؟
[قوله] (١): «أي: القرينين»:
لعل مراده به: بيان أنَّ مَرْجِع ضمير المثني هما الشخصان اللذان روى أحدهما عن الآخر؛ لأنَّهما بعد الحكم على روايتهما فإنَّها تسمَّى: رواية الأقران؛ فصارا قرينين، ويُحْتمل أنْ يُراد به أنَّ مَرْجِع الضمير ما يُفْهَم من الأقران.
[قوله] (٢): «[وهو] (٣) المُدَبَّجُ»:
قدَّر الضمير لتكون الجملة جواب الشرط؛ إذ لا يكون جوابه مفردًا. و «المُدبَّج» بضم الميم، وفتح الدال المهملة، وتشديد الباء الموحدة، وآخره جيم، بهذا سمَّاه الدَّراقُطنيُّ أخذًا من دِيبَجاتي الوجه وهما الخدان؛ لتساويهما وتقابلهما، كما يأتي في الشرح، [وهو] (٤) ولغة: المُحَسَّن المُزَيَّن، ولمَّا كانت
стр. 725
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الرواية كذلك إنَّما تقع عالية لنُكتَةٍ عُدِلَ لأجْلها عن العُلُو [إلى] (١) المساواة أو النُّزُول؛ [فحَصَل] (٢) للإسناد بذلك تحسينٌ وتزْيين.
ومثاله في الصحابة: رواية أبي هريرة عن عائشة ورواية عائشة عنه.
وفي التابعينَ: رواية الزُهْريِّ عن الزبير ورواية الزبير عنه.
وفي أتباع التابعين: رواية مالكٍ عن الأوزاعي وروايته عن مالك.
[وفي] (٣) [أتباع] (٤) الأتباع: رواية أحمد عن عليِّ بن المَدِينيِّ ورواية علي بن المَدِينيِّ عنه.
هذا كلُّه في المُدَبَّج بلا واسطة، ومثاله بها كما قال الشارح: أنْ يروي الليثُ عن يزيد بن الهادي عن مالك، ويروى مالك عن يزيد بن الهادي وعن الليث.
واعلم أنَّ من فوائد هذا النَّوع: الأمن من ظَنِّ الزيادة في السَّند، كما في الأقران سواء.
قوله: «وهو أَخَصُّ من الأَوَّلِ»:
يريد: المُدَبَّج أخصُّ من رواية الأقران؛ فكل مُدَبَّجٍ أقرانٌ ولا عكس، والأول لا يسمَّى إلَّا بالأقران، والثاني يسمَّى بذلك ويسمى بالمُدَبَّج أيضًا.
стр. 726
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي كتابة: بأنَّ رواية الأقران رواية أحد القرينين عن الآخر سواء روى عنه الآخر أم لا، وليس المراد رواية أحدهما عن الآخر فقط، وإلَّا كانا متباينين.
[قوله] (١): «وإذا روى الشيخ عن تلميذه ... إلخ»:
أي: تلميذه الذي لم يشاركه في السِّنِّ واللُّقيِّ، أي: [في الأخذ عن المشايخ إلَّا وسمي بذلك، ولا كلام] (٢).
وفي كتابة: قوله: «وإذا روى ... إلخ» تعريف المُدَبَّج والأقران يفيد أنَّه ليس من المُدَبَّج ولا من الأقران؛ إذ قد اعتبر في الأقران والمُدَبَّج أنْ يشترك القرينان في لُقيِّ الشيخ دائمًا وفي السِّنِّ غالبًا، ورواية الشيخ عن تلميذه ليس فيها ذلك.
стр. 727
فِيهِ بحثٌ، والظَّاهرُ: لا؛ لأنَّهُ مِنْ رِوَايةِ الأَكابِرِ عَنِ الأصاغِرِ ، والتَّدْبيجُ مَأْخُوذٌ مِن دِيباجَتَيِ الوَجْهِ، فَيَقْتَضِي أَن يكونَ ذَلكَ مُستوِيًا مِن الجَانِبَيْنِ، فلا يَجيءُ فِيهِ هَذَا.
وإِنْ رَوَى الرَّاوي عَمَّنْ هُوَ دُونَهُ في السنِّ، أَو في اللُّقيِّ، أَو في المِقدارِ، فَهذَا النَّوعُ هو روايةُ الأكابِرِ عَنِ الأصاغِرِ.
وَمِنْهُ -أَيْ: ومِن جُملةِ هذا النَّوعِ، وهو أَخصُّ مِن مُطلَقِهِ- روايةُ الآباءِ عَنِ الأبْناءِ ، والصَّحابةِ عنِ التَّابعينَ، والشَّيخِ عن تلميذِهِ، ونحوِ ذلك.
[قوله] (١): «فيه بَحْثٌ»:
هو لغة: الفَحْصُ والتفتيش، واصطلاحًا: إثبات النِّسبة الإيجابيَّة أو السَّلبيَّة بطريق الاستدلال، وهو أيضًا: مسألة بحيث يُسألُ عنه، ومطلوب من حيث يُطلب الدليل، ونتيجة من حيث يُستخرَج بالحجة، ومدعًى من حيث أنَّه يُدَّعى، والمُسمَّى واحدٌ [و] (٢) إن اختلفت العِبارات باعتبار الاعتبارات، قاله أحد المحقِّقين، إذا عرَفت هذا فكان أَولى أنْ يقول بدله: احتمال أو محل تَرَدُّدٍ وفيه نظر، هذا [ويُرشِّحه] (٣) قوله في الجواب: «والظاهر»، سُمِّي هذا البحث غير موجَّهٍ؛ لأنَّ المُدَبَّج (هـ/١٨٩) يُعتَبَر فيه ما لا يُعتَبَر في الأقران وزيادة، وممَّا اعتُبِر في القرينين: التشارك في السِّنِّ واللُّقِيِّ، فإن كان ذلك قد حَصَل فلا كلام أنَّه يسمَّى مُدبجًا، وإلَّا فلا وجه لتسميته بذلك؛ فليتأمَّل، قاله (هـ) (٤).
стр. 728
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قوله: «ويقتضي (١)»: أي: الأخذ ما ذُكِر، وقوله: «ذلك» أي: المُدَبَّج، ويحتمل الرواي للمُدَبَّج، وربَّما يقويه قوله: «من الجانبين»، ولو قال: فلا يَثْبُت فيه هذا؛ كان أولى.
[قوله] (٢): «في السِّنِّ ... إلخ»: الظاهر أنَّ «أو» فيه مانعًا خُلُو لا جمع، ومثال الأول والثاني: رواية كلٍّ من (أ/١٦٢) الزُّهريِّ، ويحيى بن سعيد الأنصاريِّ عن تلميذهما مالك بن أنس الإمام المشهور، ورواية أبي القاسم عبيد الله بن أحمد الأزهري عن تلميذه الحافظ أبي بكر الخطيب كان إذ ذاك شابًّا، ومثال القَدْرِ دُون السِّنِّ: رواية مالك وابن أبي ذئب عن شخيهما عبد الله بن دينار وأشباهه، ومثال القَدْرِ والسِّنِّ معًا: رواية كثيرٍ من الحفاظ والعلماء عن تلامذتهم كعبد الغنيِّ [بن سعيد] (٣) عن محمد بن علي الصُّوريِّ (٤).
[قوله] (٥): «في هذا النَّوع ... إلخ»: فيه نظير ما مَرَّ في نظيره.
[قوله] (٦): «الأَكَابِرِ»: جمع كَبيرٍ، سواء كان باعتباره: بالسِّنِّ، أو المِقْدار، أو لقاءٍ بأنْ لَقِيَ من أكابر العلماء والمشايخ صحابةً كانوا أو لا مَنْ لم يَلْقَهُ الآخَر (٧).
стр. 729
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي كتابة: اعلم أنَّ قوله: «أو في المِقْدَارِ» يَصْدُقُ بما إذا ساواه في السِّنِّ واللُّقيِّ، وبما إذا ساواه في اللُّقيِّ، وقد علِمتَ أنَّ هذا من رواية الأقران، وعلى هذا تَجْتمِع رواية الأقران مع رواية الأكابر عن الأصاغر؛ فلا يكون بينهما تباينٌ، وعبارة العراقيِّ (١) ليست كذلك؛ إذ قال: رواية الأكابر عن الأصاغر
وَقَدْ رَوَى الكَبِيرُ عَنْ ذِي الصُّغْرِ ... طَبَقَةً وَسِنًّا أوْ في القَدْرِ
أَوْ فيهِمَا. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الصُّغْر بضم الصاد وإسكان الغين، أي: عن الصغير، وقوله: «طبقة وسِنًّا» هما متلازمان غالبًا، أي: إمَّا أنْ يكون الكبير روى عن أصغر منه [في الطبقة والسِّنِّ، أو عن أصغر في القَدْرِ دون السِّنِّ، أو عن أصغر منه] (٢) فيهما، كما مرَّت الأمثلة، وقوله: «أو في القَدْر» يدْخُل فيه اللُّقيُّ والمِقدار، أي: [إمَّا] أن يكون دونه في السِّنِّ أو في اللُّقيِّ [و] (٣) غيره [من] (٤) [المقدار] (٥) معتَبَر (٦)، [و] (٧) حينئذٍ فلا يَصْدُق على رواية الأقران، فلو عَطَف «في المقدار» بالواو لا بـ «أو»؛ [فيكون] (٨) من عَطْف العامِّ على الخاصِّ، أو اقتَصَر عليه وحَذَف «أو في اللُّقيِّ»
стр. 730
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لم يرد عليه شيءٌ، وانظر: لو روى [من هو] (١) أكْبَرُ في السِّنِّ [عن من] (٢) هو أعلى منه في القَدْرِ وأصغر منه سنًّا، هل يكون من رواية الأكابر عن الأصاغر؟ أو عكسه؟ وهو الظاهر، وأيضًا يُنظر فيما إذا اتصف أحدهما بصفة من الصفات المندَرِجَة تحت المقْدَار وكثرة لُقيِّ الشيوخ، واتصف الآخر بصفة أخرى [لكثرة] (٣) الحفظ، أيكون هذا من رواية الأكابر عن الأصاغر حيث كان صفة المروي عنه أعلى أم لا؟ قاله (ج) (٤).
[قوله] (٥): «وهو أَخَصُّ»:
أي: ما هو من ذلك النَّوع المسمَّى برواية الآباء عن الأبناء، «أخصُّ مِنْ مُطْلَقِهِ» أي: من مُطْلَقِ ذلك النَّوع المسمَّى برواية الأكابر عن الأصاغر.
وفي كتابة: قوله: «وهو أخصُّ من مُطْلَقِه» جملة معتبَرَة بين الخبر والمبتدأ، والأصل: منه - أي: من جملة هذا النَّوع-: رواية الآباء عن الأبناء، وهو -أي: رواية الآباء عن الأبناء-: أخصُّ، وذَكَّرَ الضمير؛ نظرًا للخبر.
[قوله] (٦): «والصَّحَابةِ عن التَّابِعِينَ»:
لو قدَّمه وجَعَله مثالًا لرواية الأكابر عن الأصاغر؛ كان أولى، لكنَّه راعى طريق القوم حيث جعلوه نوعًا منه [للتصريح] (٧)، ومثاله: رواية العَبَادِلة الأربعة
стр. 731
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعمرَ وعليٍّ وأنسٍ ومعاويةَ وأبي هريرة عن كَعْبِ الأحبار. (هـ/١٩٠)
[قوله] (١): «والشَّيْخُ عن تِلْمِيذِهِ»:
في هذا ما قدَّمه في البحث السابق، ويُقَيَّد مما مَرَّ لنا.
[و] (٢) في كتابة: فيدخل في قوله: «والشيخ ... إلخ» ما إذا كان الأبُ شيخًا لابنه وروى عنه، وقوله: «ونحو ذلك» كرواية النبيِّ ﵊ في خطبته خبر الجَسَّاسَة عن تَمِيمٍ الدَّاريِّ، وكرواية التابعين عن أتباع التابعين.
وقال (هـ) (٣):
تنبيه: لعله في قوله: «الآباء عن الآبناء» تغليبًا، أو بِناءً على إطلاق الأبِ على الجدِّ حقيقةً أو مَجازًا، وكذلك الأمهات عن البنات، ويمْكِن دعوى الجري على الغالب أيضًا؛ فتدخل الأجداد وأبناء الأبناء.
ومن فوائد معرفة هذا النوع: الأمن من ظَنِّ تحريفٍ نشأ عنه كون الابن أبا. مثال رواية الآباء عن الأبناء:
-رواية العباس عن ابنيه: عبد الله والفضل.
-ورواية وائل بن داود عن ابنه بكر.
-وكرواية الخطيب من رواية معتمد بن سليمان التيمي قال: حدثني أبي، قال: حدثْتَني أنت، عن أيوب، عن الحَسَن قال: «وَيْح، كلمة رحمة» (٤).
стр. 732
وفي عَكْسِهِ كَثْرَةٌ؛ لأنَّهُ هُو الجادَّةُ المسلوكةُ الغالبةُ.
ومِنْهُ: مَنْ رَوى عَنْ أَبيهِ، عَنْ جَدِّهِ.
وَفَائدةُ معرِفَةِ ذَلكَ: التَّمييزُ بَيْنَ مَرَاتِبِهمْ، وتَنْزيلُ النَّاسِ مَنازِلَهُمْ.
وقَدْ صَنَّفَ الخَطيبُ في راويةِ الآباءِ عنِ الأبناءِ تصنيفًا، وأَفردَ جُزءًا لطيفًا في روايةِ الصَّحابةِ عن التَّابِعينَ.
وجَمَعَ الحافظُ صلاحُ الدِّينِ العَلائيُّ -مِن المتأَخِّرينَ- مُجلَّدًا في معرفةِ مَن رَوَى عن أَبيهِ، عن جدِّهِ، عن النَّبيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وَقسَّمهُ أَقسامًا، فَمِنْهُ ما يعودُ الضَّميرُ في قولِهِ: «عن جدِّهِ» على الرَّاوي، ومنهُ ما يعودُ الضَّميرُ فيهِ على أَبيهِ، وبيَّن ذلك وَحقَّقَهُ، وَخرَّج في كلِّ ترجمةٍ حديثًا مِن مرويِّهِ.
وقد لَخَّصتُ كتابَه المذكورَ، وَزِدْتُ عليهِ تَراجِمَ كثيرةً جدًّا، وأَكثرُ ما وقعَ فيهِ ما تَسلْسَلَتْ فيهِ الرِّوايةُ عن الآباءِ بأَربعةَ عشرَ أَبًا.
[قوله] (١): «وفي عَكْسِهِ كَثْرَةٌ»: أي: عكس رواية الأكابر عن الأصاغر، وهو رواية الأصاغر عن الأكابر، ومنه رواية الأبناء عن آبائهم، أي: ما لم تكن من أبناء أعلى قَدْرًا، هذا ينبغي، وجعله (أ/١٦٣) راجعًا لقوله: «ومنه الأبناء عن الآباء» فيه قصورٌ، وليس منه الحديث الذي رواه بعضهم عن أبي بكر الصديق، عن عائشة، عن النبيِّ ﵊ أنَّه قال: «في الحبة السوداء شفاء من كل داء» (٢)، فإنَّه غُلِّط في ذلك من زَعَم فيه ذلك؛ إذ من روى عن عائشة ليس هو أبو بكر الصديق، بل هو أبو بكر بن أبي عَتِيقٍ، واسم أبي عَتِيقٍ: محمد، واسم أبيه: عبد الله، فهو عبد الله، المُكنَّى بأبي بكر، ابن محمَّد المُكنَّى بأبي عتيقٍ، ابن عبد الرحمن بن أبي بكر
стр. 733
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الصديق، وعائشة عمَّة أبيه.
أَمَّا أَبُو بَكْرٍ عَنِ الحَمْرَاءِ ... عَائِشَةٍ في الحَبَّةِ السَّوْدَاءِ
فَإنَّهُ لَابْنُ أَبي عَتِيقِ ... وغُلِّطَ الوَاصِفُ بالصِّدِّيقِ (١)
قوله: الحمراء المعبر عنها في الروايات بالحميراء لَقَبٌ لأمِّ المؤمنين.
وذكر ابن الجوزي: أنَّ أبا بكر ﵁ روى عن ابنته عائشة ﵂ حديثين، وكذلك أمها أم رُومَان.
وفي كتابة: قوله: «وفي عكسه» أي: وهو رواية الأبناء عن الآباء كثرة، وهذا القسم نوعان؛ أحدهما: أن يكون الرواية عن أبيه فقط، كرواية أبي العُشَراءِ الدَّارميِّ، عن أبيه عن النبيِّ ﵊، وهي عند أصحاب السنن الأربعة، فإنَّ أباه لم يُسَمَّ في طريق الحديث، واختلف في اسم أبي العُشَراءِ واسم أبيه على أقوالٍ؛ أحدها وهو الأشهر كما قال ابن الصَّلاح (٢): أنَّه أسامة بن مالك بن قِهْطِمٍ، وقيل: قِحْطِمٍ بالحاء المهملة موضع الهاء، والثاني: أنَّ اسمه عُطارِدُ بن بَرْزٍ بتقديم الراء على الزاي، وهل الراء ساكنة أو مفتوحة محل خلاف، والثالث: اسمه يَسارُ بن بَلْز بن مسعود (٣).
وثاني نوعَي رواية الأبناء عن الآباء: أنْ يزيد فيه بعد ذكر الأب أبًا آخر؛ فيكون جدُّ أبِ الأوَّل أو يزيد [جدًّا] (٤) للأبِ؛ فمثال زيادة الأب: رواية بَهْزِ بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبيِّ ﵊، فحكيم هو ابن معاوية بن حَيْدةَ القُشَيريّ،
стр. 734
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فالصحابيُّ هو معاوية، وهو جدُّ بَهْزٍ، ومثال زيادة الجدِّ: رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وشُعيب هو ابن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاصي، فالصحابي هو عبد الله بن عمرو وهو جد شُعيب؛ فالقِسم الأول دَخَلَ تحت قوله: «وفي عَكْسِه كثرةٌ»، والثاني دَخَلَ تحت قوله: «ومنهم من روى عن أبيه عن جده».
وفي كتابة: الضمير في (هـ/١٩١) «منهم» راجع لِما دلَّ عليه قوله: «وفي عَكْسِه كثرةٌ» أي: ومن رواية الأصاغر عن الأكابر.
[قوله] (١): «وفائدَةُ مَعْرِفَة ... إلخ»: هذا يَصْلُح أنْ يكون فائدةً لمعرفة رواية الأكابر عن الأصاغر وعكسه، [وكذا لرواية الآباء عن الأبناء وعكسه] (٢)، وجَعَل هذا في «شرح الألفيَّة» من فوائد معرفة رواية الأكابر عن الأصاغر مع ضم قَيْدٍ آخَرَ فقال: «ومن فوائدها: الأمن من ظَنِّ الانقلاب، وتنزيل أهل العلم منازلهم؛ عملًا بخبر أبي داود من حديث عائشة: «أنزِلوا النَّاس منازلهم» (٣)» انتهى المراد منه؛ فقوله: «الأمن من ظَنِّ الانقلاب» لا يَتأتى في رواية الأصاغر عن الأكابر، ولا في رواية الأبناء عن الآباء، ثُمَّ قال في قولها: «رِوَايَةُ الآبَاءِ عَنِ الأبْنَاءِ وَعَكْسُهُ» ما نصه: «فهُما نوعان مهمان، ومن فوائد معرفة أولها: الأمن من ظَنِّ تحريفٍ نشأ عن كون الابن أبًا» قاله (ج) (٤).
«منازِلَهم»: لئلَّا يُتَوَهَّم أنَّ المروي عنهم أقدَمُ وأفضلُ أو أكثر من الراوي.
[قوله] (٥): «ومنه ما»: يعود الضمير فيه على «أبيه» قال المحشِّيان: واللفظ لأبٍ، أي: أبي الراوي؛ فيكون جدَّ أبيه لا جدَّه هو، أعني الراوي.
стр. 735
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله] (١): «وقد لَخَّصْتُ كِتَابَهُ المَذْكُورَ وزِدْتُ عَلَيهِ ... إلخ»: قال (٢): «قد طالعت التلخيص المذكور من خط المؤلِّف، وأظهَرْت فيه ستَّ تراجم لا وجود لها في الوجود، وهي: حماد بن عيسى الجُهنيِّ عن أبيه عبيدة بن صيفي، وعبد الله ابن عبد الحكم عن أمه أميمه عن أمها رقية، وعبد الله بن معاذ بن عبد الله بن جعفر عن أبيه عن جده، وبَشير بن النعمان بن بَشير عن أبيه عن النعمان بن بَشير، وخالد ابن موسى بن زياد بن جَهْوَر، ولما رأيت هذا وضعتُ كتابًا في هذا النَّوع وبَيَّنتُ فيه ما كان متَّصلًا بالآباء ممَّا فيه انقطاع الآباء، وفَصَلتُ كلَّ قِسْمٍ على حِدَتِه، وخرَّجت في كل ترجمة حديثًا إلَّا ما كان في أحد الكتب الستة، وما كان في بعض الكتب التي لم تكن تحضرني إذ ذاك نسبته إليها» انتهى. (أ/١٦٤)
وأقول: لا يخفى أنَّ المُثبِت مقدَّمٌ على النافي، وخصوصًا إجماع الطوائف المتأخِّرَة على جلالة المؤلِّف وتقديمه في سَعتَيِ الحفظ والإتقان، ومن حَفِظ حُجَّة على من لم يَحْفَظ.
إذا قالت حَذامِ فصدِّقوها ... فإن القول ما قالت حَذامِ (٣)
قاله (هـ) (٤).
стр. 736
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله] (١): «وأكثرُ ما وَقَعَ فيه التَّسَلْسُلُ»: يعني برواية الأبناء عن الآباء ما تسَلْسَلَت فيه الرواية بأربعةَ عشَرَ أبًا، ربَّما وقع التَّسَلسُل في الآباء بتسعة كلٌّ منهم روى عن أبيه فيما رواه الخطيب (٢) قال: حدثنا عبد الوهاب من لقطه، سمعتُ أبي أبا الحسن عبد العزيز، يقول: سمعت أبي أبا بكر الحارث، يقول: سمعت أبي أسدا، يقول: سمعت أبي الليث، يقول: سمعت أبي سليمان، يقول: سمعت أبي الأسود، يقول: سمعت أبي سفيان، يقول: سمعت أبي يزيد، يقول: سمعت أبي أُكينة، يقول: سمعت على بن أبي طالب، يقول -وقد سئل عن الحنان المنان- فقال: «الحنان هو: الذي يُقبِل على من أعرض عنه، والمنان هو: الذي يبدأ بالنَّوال قبل السؤال» (٣).
وَوَقَع التَّسَلسُل فيهم باثني عشر أبا، ومَثَّل له بما رواه رزق الله بن عبد الوهاب التميميُّ، [عن أبيه عبد الوهاب] (٤)، عن أبيه عبد العزيز بسنده السابق إلى أُكينة، عن أبيه الهيثُم، عن أبيه عبد الله، قال: سمِعت رسول الله يقول: «ما اجتمع قوم على ذكر إلَّا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة» (٥).
ووقع التسلسل فيهم بأربعةَ عشرَ، وهو غاية ما وُجد منه كما قاله الشارح.
стр. 737
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومَثَّل له بما رواه أبو محمد الحسين بن علي بن أبي طالب من لفظه [ببلخ] (١)، قال حدثني سيدي والدي أبو الحسن علي بن أبي طالب سنة ست وستين وأربعمائة، قال: حدثني أبي - أبو طالب - الحسن بن عبيد الله سنة أربع وثلاثين وأربعمائة، قال: حدثني والدي أبو علي عبيد الله بن محمد، قال: حدثني أبي - محمد بن عبيد الله - قال: حدثني أبي عبيد الله بن علي، قال حدثني أبي علي بن الحسن، قال: حدثني أبي - الحسن بن الحسين - قال: حدثني أبي - الحسين بن جعفر، وهو أول من دخل بلخ من هذه الطائفة قال: حدثني أبي - جعفر الملقب بالحجة، قال: حدثني أبي - عبيد الله - قال: حدثني أبي - الحسين الأصغر -، قال: حدثني أبي - علي بن الحسين بن علي، عن أبيه عن جده علي ﵁، قال: قال رسول الله: «ليس الخبرُ كالمعاينة» (٢).
فقوله: «وأكثرُ ما وقع التَّسَلْسُل: ما تَسَلسَلَت فيه الرواية»:
هو ما وفقت عليه بخط البِقَاعِيِّ وغيره، ووقع في بعض النسخ: «وأكثر ما وقع فيه ما تَسَلْسَلَتْ فيه الرواية»، وفيه نظرٌ. وأشار بقوله: «ما وقع فيه التَّسلسل» إلى أمثال هذه الصورة من المسلسلات.
تتمة:
يَلْتَحِق برواية الرَّجل عن أبيه عن جده روايةُ المرأة عن أمها عن جدتها، ومنها: ما رواه أبو داود (٣) عن بُندار، عن عبد الحميد، عن عبد الواحد، عن أم جَنُوبٍ بنت [نُمَيلة]، عن أمِّها سُوَيْدَةَ بنت جابرٍ، عن أمها عَقِيلَة بنت أسمر بن مُضَرِّسٍ، عن أبيها أسمرَ قال: أتيت النبيَّ ﵊ فبايعته؛ فقال: «من سَبَق إلى ماءٍ لم يَسْبِق إليه المسلمون فهو له» (٤) انتهى.
стр. 738
وَإِن اشْتَرَكَ اثْنَانِ عَنْ شَيْخٍ، وتَقَدَّمَ مَوْتُ أَحَدِهِما على الآخَرِ، فهُوَ السَّابِقُ واللَّاحِقُ .
وَأَكثرُ ما وَقَفْنا عَليهِ مِن ذَلكَ: ما بينَ الرَّاوِيَيْنِ فيهِ في الوَفَاةِ مئةٌ وخَمْسونَ سَنةً، وذَلكَ أَنَّ الحافظَ السِّلفيَّ سَمِعَ منهُ أَبو عليٍّ البَرَدانيُّ -أَحدُ مشايخِهِ- حَديثًا، ورَواهُ عنهُ، وماتَ على رأَسِ الخَمْسِ مِئَةٍ.
ثمَّ كَانَ آخِرُ أَصحابِ السِّلفيِّ بالسَّماعِ سِبْطَهُ أَبا القاسمِ عبدَ الرحمنِ بن مَكِّيٍّ، وَكَانتْ وفاتُهُ سنةَ خمسينَ وَستِّ مِئَةٍ.
[قوله] (١): «وإن اشْتَرَكَ اثنانِ»:
أي: في الرواية، ولو لم يتحد زمان التحمُّل، والتقْيِيدُ بالآن من بين الهذيان.
[قوله] (٢): «فهو السَّابِقُ واللَّاحِقُ»:
أي: فالاشتراك على الوجه المخصوص هو النَّوع المسمى بـ: رواية السابق واللاحق، ومعرفته مع لطافته من فوائدها: الأمن من ظَنِّ سقوط شيءٍ من إسناد المتأخِّر مع تقدير حلاوة عُلُوِّ الإسناد في القلوب، وظاهره أنَّه يسمَّى بذلك ولو قَرُبَ الزَّمَن بَيْن موتهما، أو ماتا في حياة الشيخ الذي أخذا عنه، وقيَّده بعضهم بما إذا بَعُد ما بَيْن وفاتهما، وبما إذا لم يموتا معًا في حياة شيخهما، قاله (هـ) (٣).
[قوله] (٤): «الحَافِظَ السِّلَفِيَّ»:
هو: محمد بن أحمد السِّلَفِيُّ، بكسر المهملة وفتح اللام، نسبة إلى سِلَفَة كعِنَبَة، وهو جُدُّ جدِّه، مُعَرَّب «سه لبَّه» أي: ثلاث شفاه؛ لأنَّه كان مشقوق الشَّفَة.
وقوله: «البَرَدَانيُّ»:
نسبة إلى بردانة -بالتحريك- قرية ببغداد.
стр. 739
ومِن قديمِ ذَلكَ: أَنَّ البُخاريَّ حدَّثَ عن تِلميذِهِ أَبي العبَّاسِ السَّرَّاجِ شيئًا في التَّاريخِ وغيرِهِ، وماتَ سنةَ ستٍّ وخمسينَ ومئتينِ، وآخِرُ مَن حَدَّثَ عن السَّرَّاجِ بالسَّماعِ: أَبو الحُسينِ الخَفَّافُ، وماتَ سنةَ ثلاثٍ وتسعينَ وثلاثِ مِئَةٍ.
وَغَالِبُ ما يَقعُ مِنْ ذَلِكَ: أَنَّ المسموعَ منهُ قد يَتأَخَّرُ بعدَ موتِ أَحدِ أخذ الرَّاويينِ عنهُ زَمانًا، حتَّى يسمَعَ منهُ بعضُ الأَحْداثِ، وَيَعِيشَ بعدَ السَّماعِ منهُ دَهْرًا طويلًا، فَيحْصُلُ مِن مجموعِ ذَلكَ نَحْوُ هَذِهِ المُدَّةِ، وَاللهُ الموفِّقُ.
وَإِنْ رَوَى الرَّاوي عَنِ اثْنَيْنِ مُتَّفِقَيِ الاسْمِ، أَو مَعَ اسمِ الأبِ، أَو معَ اسمِ الجدِّ، أَو معَ النِّسبةِ، ولَمْ يَتَمَيَّزا بما يخُصُّ كُلًّا منهُما، فَإِنْ كانا ثِقَتَيْنِ لم يَضُرَّ.
ومِن ذَلكَ: ما وقَعَ في البُخاريِّ مِن روايتِهِ عن أَحمدَ -غيرَ مَنسوبٍ- عن ابنِ وَهْبٍ؛ فإِنَّهُ إِمَّا أَحمدُ بنُ صالحٍ، أَو أَحمدُ بنُ عيسى، أَو: عن مُحمَّدٍ -غيرَ منسوبٍ- عن أَهلِ العراقِ، فإِنَّهُ إِمَّا مُحمَّدُ بنُ سَلَامٍ، أَو مُحمَّدُ بنُ يَحْيى الذُّهليُّ.
وقدِ استَوْعَبْتُ ذَلكَ في مُقدِّمةِ «شرحِ البُخاريِّ».
[قوله] (١): «ومات سنة ثلاثٍ وتِسْعِينَ»:
أي: فيكون بيْنَهما مائة وسبعة وثلاثون عامًا، وهذا قول، وقيل: بَيْن وفاتهما مائة سنة وثمانية وثلاثون سنة، وقيل: أكثر، وذلك مبنيٌّ على الاختلاف في وفاة الخَفَّاف؛ لأنَّ الجُعْفِيَّ توفِّيَ في شوال سنة ست وخمسين ومائتين، والخَفَّافُ توفِّي في ثاني عشرَ شهر ربيع الأول سنة: ثلاثة أو أربع أو خمس وتسعين وثلاث مئة. و «السَّرَّاجُ» هو أبو العباس محمد أبو إسحاق السَّرَّاج، و «الخَفَّافُ» هو أبو الحسن أحمد بن أبي نصر محمد بن الخَفَّافِ، نِسبَة إلى عَمَل الخِفَافِ أو بَيْعِها.
стр. 740
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله] (١): «وغالبُ ما يَقَعُ من ذلك»:
أي: من السابق واللاحق، ومن غير الغالب ألا يتأخر موتُ الشَّيخِ عن موت الراوي الأول، وإنَّما يتأخر موت الثاني؛ لصِغَر سنِّه حين الأخذ، وكبر سِنِّ الشيخ (أ/١٦٥) والراوي الأول.
[قوله] (٢): «بَعْدَ أَحَدِ الرَّاوِيَيْنِ»:
أي: بعد موت أحد الروايَيْن. و «الأحْدَاث» جَمْعُ حَدَثٍ، وهو: من بَلَغَ الحُلُم إلى الأربعين. وفاعل «يَعِيش»: ضمير «بعض الأحْدَاث».
[قوله] (٣): «وإنْ روى عن اثْنَينِ مُتَّفِقَيِ الاسْمِ فبِاخْتِصَاصِهِ يَتَبَيَّنُ المُهْمَلُ»:
المتبادَر رجوع ضمير «اختصاصه» للراوي، وحينئذ فإن فُسَّر اختصاصه بأحدهما بكثرة الملازمة لأحدهما كما ذكره بعض تلامذة المؤلِّف؛ صح الكلام، وإن فُسِّر اختصاصه بأحدهما بكونه لا يروي إلَّا عنه ولا يروي عن الآخر؛ كان مخالفًا لقوله: «وإن روى عن اثنين»، اللهم إلَّا أنْ يُقال: في الكلام مضاف مقدر، أي: [عن] (٤) أحد اثنين، ويُحتَمل رجوع الضمير لأحد الاثنين المتَّفِقَين في الاسم، أي: فباختصاص أحد مُتَّفِقي (هـ/١٩٣) الاسمين بمن روى ذلك الأحد عنه؛ «يَتبيَّن المُهمَل»، ولا يخفى ما فيه من البُعد، وقد تعرض لهذا (ق)، قاله (ج) (٥).
стр. 741
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي كتابة: قوله: «وإن روى الراوي عن اثنين ... إلخ» ظاهر كلامهم وبه صرح البعض: أنَّه روى عن كل منهما حقيقةً، ثُمَّ يسمِّي أحدهما بما يَلْتَبِس به مع اسم الآخر؛ لاتحادهما فيما ذَكَر، ويُحْتمل أنَّه سمَّى واحدًا يحتمل كلًّا من اثنين فأكثر ولم يُرْدِفه بما يميزه عن مشاركه وهو بعيد، وإنْ قرَّبه قوله: «فباختصاصه بأحدهما الخ»؛ إذ مع روايته عنهما ينتفى اختصاصه بأحدهما، إلَّا أن يحمل على مزيد اختصاصه من: كثرة أخذه عنه، أو اشتهار رحلته إليه، أو طول صحبته إياه ونحو ذلك، ولم يُجْعل ضمير اختصاصه راجعًا للشيخ المروي عنه كما في بعض النسخ، والمراد: تَبيِين أنَّه مختصٌّ عن أحد المشاركين، أو المشاركين بوصفٍ يميِّزه عن غيره احْتَمل الفرضين من غير بُعْدٍ، قاله (هـ) (١).
[قوله] (٢): «لم يَضُرَّ»:
قال (ق) (٣): «فُهِمَ منه: أنَّهما إن كانا غير ثقتين فإنَّه يضُرُّ» وهو الصحيح، والفرْقُ بين المبْهَم والمُهمَل: أنَّ المبهَم لم يُذكَر له اسمٌ، و المُهمَل ذُكِر اسمه في الاشتباه.
[قوله] (٤): «الذُّهْليُّ»:
بضم المعجمة، نِسبة إلى ذُهل بن شَيْبان (٥).
стр. 742
ومَنْ أَرَادَ لذَلكَ ضابِطًا كُلِّيًّا يمتازُ بهِ أَحدُهما عنِ الآخَرِ، فبِاخْتِصاصِهِ؛ أَي: الشيخِ المَرْويِّ عنهُ بأَحَدِهِما يَتَبَيَّنُ المُهْمَلُ.
ومَتَى لم يَتَبَيَّنْ ذَلكَ، أَو كَانَ مُختَصًّا بِهِما مَعًا، فإِشْكالُهُ شَديدٌ، فيُرْجَعُ فِيهِ إِلى القَرَائنِ، والظَّنِّ الغالِبِ.
وإِنْ رَوَى عن شيخٍ حَديثًا، فجَحَدَ الشيخُ مَرْوِيَّهُ:
فَإِنْ كَانَ جَزْمًا -كأَنْ يقولَ: كَذِبٌ عَليَّ، أَو: ما رَوَيْتُ هَذَا، أَو نَحْوَ ذَلكَ- فَإِنْ وَقعَ منهُ ذَلكَ، رُدَّ ذَلكَ الخبرُ؛ لِكَذِبِ وَاحِدٍ منهُما، لا بِعَيْنِهِ.
ولَا يَكُونُ ذَلكَ قادِحًا في واحدٍ منهُما للتَّعارُضِ.
أَوْ كَانَ جَحَدَهُ احْتِمالًا، كأَنْ يَقُولَ: ما أَذْكُرُ هَذَا، أَو: لَا أَعْرِفُهُ، قُبِلَ ذَلكَ الحَديثُ في الأصَحِّ؛ لأَنَّ ذَلكَ يُحْمَلُ على نِسْيانِ الشَّيخِ. وَقيلَ: لا يُقْبَلُ؛ لأنَّ الفَرعَ تَبَعٌ للأصلِ في إِثْبَاتِ الحَدِيثِ، بحَيْثُ إِذا ثَبَتَ أَصلُ الحَدِيثِ، ثَبَتَتْ رِوَايةُ الفَرْعِ، فَكَذلكَ يَنْبَغي أَنْ يَكُونَ فرعًا عَلَيْهِ، وتَبَعًا لهُ في التَّحقِيقِ.
قوله: «يَمْتَازُ بِهِ أَحَدُهُمَا»: أي: يُعرف به تميِيز أحدهما عن الآخر. وقوله: «فباختصاصه أي: الراوي» في نسخة: «أي: الشيخ المروي عنه»، وغالب ظنِّي أنَّها الصواب كما أشرنا إليه آنفًا، ثُمَّ رأيتُ (ق) (١) قال في قول الشارح «فباختصاصه»: «هذا الضمير يرجع إلى غير مذكور، وتقدَّم ذِكْر الراوي؛ فيوهِم عودُه إليه فصار المَحِل قَلِقًا، وكان حقُّه أنْ يقول: فباختصاص أحدهما بالمروي عنه يَتَبيَّن، والله أعلم» انتهى. ويؤيد (٢) ما في بعض النسخ كما ذَكَرنا، وبيان العَلاقة ما أشرنا إليه آنفًا، وهو أنَّه مع كونه روى عنهما جميعًا بالفعل كيف يتأتى اختصاصه بأحدهما؟ وقد يُعتذر عنه بما سلَف، قاله (هـ) (٣).
стр. 743
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي كتابة: إذا قيل: خُصَّ كذا بكذا فمعناه أنَّ مدخول الباء مقصور على المخصوص، كما نقول: الاسم مُخْتَصٌّ بالجَرِّ، أي: الجَرُّ مقصور على الاسم لا يكون في غيره، وهذا المعنى ليس مرادًا هنا، وإنَّما المراد بالاختصاص: كثرة الملازَمَة لا غير، وربَّما أرادوا بمثل هذا: أنَّ المخصوص مقصور على مصحوبِ الباء لا يتعداه إلى غيره، وهذا لا يصحُّ إرادته هنا أيضًا.
[قوله] (١): «وإنْ رَوَى عن شَيْخٍ حديثًا فَجَحَدَ الشَّيخُ مَرْوِيَّهُ: فإنْ كان جَزْمًا ... إلخ»:
عبارة المؤلِّف: «وإنْ جَحَدَ مَرْوِيَّه جَزْمًا رُدَّ»، اعلم أنَّ قوله: «حديثًا» نكرة في الإثبات؛ فعمومها بَدَليٌّ لا شمولي، والمناسب هنا العموم الشموليُّ، ولكن جَعْلها هنا له بقرينة المقام. وقوله: «فإنْ كان جَزمًا» فيه تغيِير لإعراب المَتْن؛ إذ جَعَله خبرًا لكان المقدرة، ومقتضى المَتْن: أنَّه صفة لمصدر محذوف، أي: جَحدًا جزمًا، أو حال بمعنى جازمًا.
وفي كتابة: قوله: «وإنْ رَوَى عن شيخٍ» يعني وهو ثقة، كما قاله العراقيُّ، ولعلَّه ترَكَه هنا؛ لأنَّ المسألة من باب التعارض حينئذٍ، وعليه فلا فرق، ويُرجَع للترجيح، وعند تعذُّره يُردُّ الحديث، أي: يوقَفُ عن العمل به.
[قوله] (٢): «كأنْ يقول ... إلخ»: اعلم أنَّ قوله: «فإنْ وَقَعَ منه ذلك» حشو؛ لتقدُّمه، ثُمَّ إنَّ قوله: «رُدَّ ذلك» جواب الشرط الثاني على تقديره، وهو وجوابه جواب الأول، قال في «شرح الكافِيَة»: «إذا توالى شرطان دون عطفٍ فالجواب لأولهما والثاني مقيِّدٌ للأول، وإن كان بعطفٍ فالجواب لهما معا» ومَثَّله (أ/١٦٦) بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا] ﴿محمد: ٣٦﴾ الآيةَ.
وقال غيره: إنْ توالى شرطان بعطف بالواو فالجواب لهما وبـ «أو» فالجواب
стр. 744
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأحدهما، نحو: إن جاء زيد أو إن جاءت هند فأكرم أحدهما، وبـ «الفاء»، فنصُّوا على أنَّ الجواب للثاني، والثاني وجوابه جوابُ الأول، على هذا يُحْمَل إطلاق ما (هـ/١٩٤) في «شرح الكافية» قاله (ج).
وقال (هـ) (١): قوله: «كان ... إلخ» أنت خبيرٌ بأنَّهما مسألتان: مسألة الجحد غير مسألة التكذيب؛ فكيف يمثل لأحدهما بالأخرى؟ وقد يُقال: هو تنظيرٌ لا تمثيلٌ، وأنَّه لمَّا رأى اتحاد حكمهما أو تلازمهما، إذ من جَحَد شيئًا فقد كَذَّب به، وعكسه في الجملة؛ جمَعَهُمَا في حُكْمٍ واحدٍ، ومَثَّل لإحداهما بالأخرى، على ما اختاره ابن الصَّلاح (٢) تبعًا لغيره، وجزَمَ به العراقيُّ (٣) في «شرح النَّظم»، نعم: نَقَل المؤلِّف في «شرح البخاري» (٤) عن جمهور المحدِّثينَ في مسألة الجَحْد قَبول الحديث بجزم الراوي، وحُمِل ما قاله الشَّيخُ على النسيان؛ وعليه فهما متباينان مختلفان، واختاره الشيخ زكريا الأنصاريُّ في «شرح لُبِّ الأصول».
وقوله: «وإن كان» أي: جَحْدُه.
[قوله] (٥): «فإنْ وَقَعَ منه ذلك»: قال (ب) (٦) و (ق) (٧):
«هذا لا مَحِل له» انتهى، يعني: لأغنى قوله: «فجَحَد الشَّيخُ مرويَّه عنه» إذ
стр. 745
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هو موضوع، ولأغنى قوله: «فإنْ كان جزمًا» عنه أيضًا، وهو بَيِّنٌ. وقوله: «رُدَّ ذلك الخبر» مَحِلُّه إذا لم يحدِّث به الشَّيخُ نفسه بعد ذلك، أو يحدِّث به ثقة عنه غير الأول ولم يكذِّبه الشيخ كما قاله الشيخ زكريا الأنصاريُّ.
[قوله] (١): «لِكَذِبِ واحدٍ مِنهَما لا بِعَيْنِهِ»: يعني لكذب الأصل في قوله: «كذب عليَّ» و «ما رَوَيتُ هذا» إنْ كان الفرع صادقًا في الواقع، ولكَذِب الفرع في الرواية إنْ كان الأصل صادقًا في قوله: «كَذِب أو ما رَوَيتُ هذا»، إلَّا أن عدالة الأصل تَمْنَع كَذِبه؛ فيجوز النسيان على الفرع، وعدالة الفرع تَمْنَع كَذِبه؛ فيجوز النسيان على الأصل، ولم يَتبيَّن مطابقة الواقع لهما؛ فلذلك لا يكون قادحًا، قاله (هـ) (٢).
وفي كتابة: قوله: «لا بِعَيْنِهِ» فإنْ قُلْتَ: هذا جارٍ فيما إذا أتى بصيغة تَحْتَمل التكذيب، قُلْت: لا نُسلِّم ذلك؛ لأنَّ الجزم بالتكذيب له أثر، فإنْ رَجَع الأصل لتصديقه عُمِل بذلك، قال السيوطي في «شرح نَظْم جمع الجوامع» (٣): «إذا روى ثقة عن ثقة [حديثًا] (٤) ثُمَّ أنكره المرويُّ عنه فله حالان؛ أحدهما: أنْ يجزم بإنكاره، كقوله: كذب عليَّ ونحوه، ففيه قولان؛ أحدهما: أنَّه يَسْقُط الخبر المرويُّ ولا يُعْتَبَرُ؛ لأنَّ أحدهما كاذبٌ قطعًا، ويُحْتمل أنْ يكون هو الفرع؛ فلا يَثْبُت مَرويُّه، نعم: لا يَقْدَح ذلك في باقي مروياته ولا يثبت به جَرْحُه؛ لأنَّه أيضًا مُكَذِّبٌ لشيخه في نفيه عنه، وليس كلٌّ منهما أولى من الآخر؛ فتساقطا، وعلى هذا القول الأكثرون من: الإمام، والآمِديِّ، وابن الصَّلاح، والنَّوويِّ
стр. 746
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في مختصره، وعَزَاه القاضي أبو بكر للشافعيِّ، وابن السمعانيِّ للأصحاب، وفي «جمع الجوامع» للمتأخرين، وحكى الهِنديُّ الاتفاق عليه، فإن عاد الأصل وأقرَّ به قُبِلَ، صرَّح به: القاضي أبو بكر، والخطيب، وغيرهما» انتهى، قاله (ج) (١).
وفي كتابة: قوله: «ولا يكون ذلك قادحًا» أي: ولا يَثْبُت بذلك تَعَمُّد كَذِبِ واحدٍ منهما بعَينِه حتى يكون قادحًا في عدالته؛ إذ كلٌّ منهما عدْلٌ ثقةٌ، وقد كذَّب كلٌّ منهما الآخر، والأخذ بقول أحدهما دون الآخر يَلْزَمه الترجيحُ بلا مرجِّحٍ.
[قوله] (٢): «في الأصح»: أي: في القول الأصحِّ، وهو مذهب الجمهور من الفقهاء والمتكلمين، وصحَّحه جماعاتٌ، منهم: ابن الصَّلاح (٣).
[قوله] (٤): «وقيل: لا يُقْبَلُ»: قائله قوم من الحَنفيَّة مُحْتَجِّين بما قاله الشَّارح، قياسًا على الشَّهادة، وهذا مقابل الأصحِّ في كلامه.
[قوله] (٥): «وتَبَعًا له في التَّحَقُّق»: وفي بعض النسخ: «وتَبَعًا له في النفي» وهي واضحة، وأما «في التَّحقُّق» فلا يَصْلُح؛ لأنَّه قرر التبعيَّة في التحقُّق، وجَعَل هذا مُشبَّهًا بها حيث قال: «فكذلك ينبغي أن يكون فرعًا ... إلخ». وإن أريد بقوله: «في [التحقق] (٦)» النفي؛ صحَّ ذلك على ما فيه من التكلُّف.
стр. 747
وَهَذا مُتَعَقَّبٌ بأَنَّ عَدالَةَ الفرعِ تَقْتَضي صِدْقَهُ، وعَدَمُ عِلْمِ الأصلِ لا يُنافِيهِ، فالمُثْبِتُ مُقدَّمٌ على النَّافِي.
وأَمَّا قياسُ ذَلكَ بالشَّهادَةِ، فَفَاسِدٌ؛ لأنَّ شَهادةَ الفرعِ لا تُسْمَعُ مَعَ القُدْرةِ على شَهَادةِ الأَصْلِ بخلافِ الرِّوَايةِ، فَافْتَرَقَا.
وَفِيهِ -أَيْ: وفي هَذَا النَّوعِ- صَنَّفَ الدَّارقطنيُّ كِتابَ «مَنْ حَدَّثَ ونَسِيَ».
وَفِيهِ ما يَدلُّ على تَقْوِيَةِ المَذْهبِ الصَّحيحِ؛ لكَوْنِ كثيرٍ مِنهُمْ حَدَّثوا بأَحاديثَ أَوَّلًا، فَلمَّا عُرِضَتْ عَلَيهِمْ، لَمْ يَتذكَّروها، لكنَّهُم -لاعْتِمادِهمْ على الرُّوَاةِ عَنْهُم- صَارُوا يَرْوونَها عَنِ الَّذينَ رَوَوْها عَنْهُم عَنْ أَنْفُسِهِمْ.
كَحَدِيثِ سُهَيْلِ بْنِ أَبي صَالحٍ، عَنْ أَبيهِ، عن أَبي هُرَيرةَ -مرفوعًا- في قِصَّةِ الشَّاهِدِ واليَمِينِ.
[قوله] (١): «وهذا»:
أي: التعليل، «مُتَعَقَّبٌ» أي: مُعْتَرَضٌ ... إلخ، لا يخفى أنَّ مثل هذا يجري فيما إذا حصل التكذيب من الأصل جزمًا، فيُقال: إنَّ عدالة الفرع تقتضي صِدْقَه، وتكذيب الأصل لا يُنافيه؛ لاحتمال نسيانه، ويُجَابُ بأنَّ: الجَزْم بالتكذيب يَدْفَع نسيانه ويُبْعِده، بخِلاف عَدَمِ الجَزْم به.
وقال (هـ/١٩٥) (ق) (٢): «وقوله: «والمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ على النَّافي» في هذا ليس بجيِّدٍ؛ لأنَّ في مسألة تكذيب الأصل جزمًا: الأصلُ نافٍ والفرعُ مُثْبِتٌ، وليس الحكم فيها للمُثْبِت بل للنافي؛ فالحق أنْ يقول: لأنَّ المُحَقَّق (أ/١٦٧) مقَدَّمٌ
стр. 748
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على المظنون، أو الجزم مقَدَّمٌ على التردُّد»، ونحوه قول (ب) (١): «في قوله: «على النافي» الصواب أنَّه يقول: على المُتَرَدِّدِ» انتهى، ويمكِن الدَّفْعُ بالتَّجَوُّز وهو جيِّدٌ. وقوله: «فإن عدالة الفرع» «الفاء» بمعنى لام التعليل، وفي بعض النُّسَخ: «بأنَّ عدالة الفرع ... إلخ» وهو مُتَعَلِّقٌ بـ «مُتَعَقَّب».
[قوله] (٢): «وَعَدَمُ عِلْمِ الأصْلِ لا ينافيه»:
ربما يُستروَح منه أنَّ الفرع عالمٌ جازمٌ بأنَّه حدَّث به يقينًا وقطعًا؛ فلا يُعْلَم منه حكمٌ ما لو كان الفرعُ ظانًّا كالأصل، وفي الحصول في صورة ظنَّيهِما تقديم الفرعُ أيضًا، واستشكله شيخ الإسلام بتقديم الشيخ في جزميهما، ثُمَّ قال: «وعلى ما اخترته في «شرح لُبِّ الأصول» في تقْدِيم الفرع على الأصل في المسألتين تقديمًا للمثْبِت على النافي؛ لا إشكال» انتهى. وهو جارٍ على ما قاله الشَّارح في «شرح البخاريِّ».
[قوله] (٣): «وأمَّا قِيَاسُ ذلك ... إلخ»:
ضمَّن القِياس معنى المساواة فعداه بـ «الباء»، أو هي بمعنى «على»، قال (ق) (٤): «ظاهره أنَّه جواب لسؤال مقدَّرٍ، وحاصلِه جوابٌ بالفارق، وهو لا يؤثِّر حتى يكون واردًا على العلَّة الجامعة، وهنا ليس كذلك» انتهى، ولا يخفى به ردُّ القِياس المخالف كما أشرنا إليه آنفًا ببيان أنَّ الشَّهادة أضيقُ من الرواية، حيث
стр. 749
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قُبِلَت رواية الفرع مع عَدَمِ تعذُّر روايةِ الأصل، ولم تُقْبَل شهادة الفرع إلَّا حيث تَعَذَّرت شهادة الأصل، وحاصله: أنَّ التبعيَّة والفرعيَّة في باب الشَّهادة أضْيَقُ وأشدُّ منها في باب الراوية، ولا شكَّ أنَّه فارقٌ واردٌ على العلَّة الجامعة؛ فلا تكن من الغافلين.
[قوله] (١): «وفيه ما يَدُلُّ»:
أي: وفي كتاب مَنْ حدَّثَ ونَسِيَ ما يَدُلُّ على تقوية المذهب الصحيح، وهو المعبَّر عنه بالأصحِّ السابق، وضمير «لكون كثيرٍ» راجعٌ لـ «من حدَّثَ ونَسِيَ» مراعاةً لمعنى «مَن».
[قوله] (٢): «عن [الَّذِيَن] (٣) رَوَوْهَا»:
هو من إقامته للظاهر مَقَام الضمير؛ إذ المراد به: الرُّواة عن التابعين من الشيوخ.
[قوله] (٤): «في قِصَّةِ الشَّاهِد واليَمِينِ»:
هي لفظ: «أنَّه ﵊ قضى باليمين مع الشَّاهد» (٥).