← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 320

حاشية الخرشي منتهى الرغبة في حل ألفاظ النخبة

الخرشي = الخراشي

Полный текст (886 стр.). Показаны 745–784 · переход к 750.

стр. 745

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . هو موضوع، ولأغنى قوله: «فإنْ كان جزمًا» عنه أيضًا، وهو بَيِّنٌ. وقوله: «رُدَّ ذلك الخبر» مَحِلُّه إذا لم يحدِّث به الشَّيخُ نفسه بعد ذلك، أو يحدِّث به ثقة عنه غير الأول ولم يكذِّبه الشيخ كما قاله الشيخ زكريا الأنصاريُّ. [قوله] (١): «لِكَذِبِ واحدٍ مِنهَما لا بِعَيْنِهِ»: يعني لكذب الأصل في قوله: «كذب عليَّ» و «ما رَوَيتُ هذا» إنْ كان الفرع صادقًا في الواقع، ولكَذِب الفرع في الرواية إنْ كان الأصل صادقًا في قوله: «كَذِب أو ما رَوَيتُ هذا»، إلَّا أن عدالة الأصل تَمْنَع كَذِبه؛ فيجوز النسيان على الفرع، وعدالة الفرع تَمْنَع كَذِبه؛ فيجوز النسيان على الأصل، ولم يَتبيَّن مطابقة الواقع لهما؛ فلذلك لا يكون قادحًا، قاله (هـ) (٢). وفي كتابة: قوله: «لا بِعَيْنِهِ» فإنْ قُلْتَ: هذا جارٍ فيما إذا أتى بصيغة تَحْتَمل التكذيب، قُلْت: لا نُسلِّم ذلك؛ لأنَّ الجزم بالتكذيب له أثر، فإنْ رَجَع الأصل لتصديقه عُمِل بذلك، قال السيوطي في «شرح نَظْم جمع الجوامع» (٣): «إذا روى ثقة عن ثقة [حديثًا] (٤) ثُمَّ أنكره المرويُّ عنه فله حالان؛ أحدهما: أنْ يجزم بإنكاره، كقوله: كذب عليَّ ونحوه، ففيه قولان؛ أحدهما: أنَّه يَسْقُط الخبر المرويُّ ولا يُعْتَبَرُ؛ لأنَّ أحدهما كاذبٌ قطعًا، ويُحْتمل أنْ يكون هو الفرع؛ فلا يَثْبُت مَرويُّه، نعم: لا يَقْدَح ذلك في باقي مروياته ولا يثبت به جَرْحُه؛ لأنَّه أيضًا مُكَذِّبٌ لشيخه في نفيه عنه، وليس كلٌّ منهما أولى من الآخر؛ فتساقطا، وعلى هذا القول الأكثرون من: الإمام، والآمِديِّ، وابن الصَّلاح، والنَّوويِّ

стр. 746

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . في مختصره، وعَزَاه القاضي أبو بكر للشافعيِّ، وابن السمعانيِّ للأصحاب، وفي «جمع الجوامع» للمتأخرين، وحكى الهِنديُّ الاتفاق عليه، فإن عاد الأصل وأقرَّ به قُبِلَ، صرَّح به: القاضي أبو بكر، والخطيب، وغيرهما» انتهى، قاله (ج) (١). وفي كتابة: قوله: «ولا يكون ذلك قادحًا» أي: ولا يَثْبُت بذلك تَعَمُّد كَذِبِ واحدٍ منهما بعَينِه حتى يكون قادحًا في عدالته؛ إذ كلٌّ منهما عدْلٌ ثقةٌ، وقد كذَّب كلٌّ منهما الآخر، والأخذ بقول أحدهما دون الآخر يَلْزَمه الترجيحُ بلا مرجِّحٍ. [قوله] (٢): «في الأصح»: أي: في القول الأصحِّ، وهو مذهب الجمهور من الفقهاء والمتكلمين، وصحَّحه جماعاتٌ، منهم: ابن الصَّلاح (٣). [قوله] (٤): «وقيل: لا يُقْبَلُ»: قائله قوم من الحَنفيَّة مُحْتَجِّين بما قاله الشَّارح، قياسًا على الشَّهادة، وهذا مقابل الأصحِّ في كلامه. [قوله] (٥): «وتَبَعًا له في التَّحَقُّق»: وفي بعض النسخ: «وتَبَعًا له في النفي» وهي واضحة، وأما «في التَّحقُّق» فلا يَصْلُح؛ لأنَّه قرر التبعيَّة في التحقُّق، وجَعَل هذا مُشبَّهًا بها حيث قال: «فكذلك ينبغي أن يكون فرعًا ... إلخ». وإن أريد بقوله: «في [التحقق] (٦)» النفي؛ صحَّ ذلك على ما فيه من التكلُّف.

стр. 747

وَهَذا مُتَعَقَّبٌ بأَنَّ عَدالَةَ الفرعِ تَقْتَضي صِدْقَهُ، وعَدَمُ عِلْمِ الأصلِ لا يُنافِيهِ، فالمُثْبِتُ مُقدَّمٌ على النَّافِي. وأَمَّا قياسُ ذَلكَ بالشَّهادَةِ، فَفَاسِدٌ؛ لأنَّ شَهادةَ الفرعِ لا تُسْمَعُ مَعَ القُدْرةِ على شَهَادةِ الأَصْلِ بخلافِ الرِّوَايةِ، فَافْتَرَقَا. وَفِيهِ -أَيْ: وفي هَذَا النَّوعِ- صَنَّفَ الدَّارقطنيُّ كِتابَ «مَنْ حَدَّثَ ونَسِيَ». وَفِيهِ ما يَدلُّ على تَقْوِيَةِ المَذْهبِ الصَّحيحِ؛ لكَوْنِ كثيرٍ مِنهُمْ حَدَّثوا بأَحاديثَ أَوَّلًا، فَلمَّا عُرِضَتْ عَلَيهِمْ، لَمْ يَتذكَّروها، لكنَّهُم -لاعْتِمادِهمْ على الرُّوَاةِ عَنْهُم- صَارُوا يَرْوونَها عَنِ الَّذينَ رَوَوْها عَنْهُم عَنْ أَنْفُسِهِمْ. كَحَدِيثِ سُهَيْلِ بْنِ أَبي صَالحٍ، عَنْ أَبيهِ، عن أَبي هُرَيرةَ -مرفوعًا- في قِصَّةِ الشَّاهِدِ واليَمِينِ. [قوله] (١): «وهذا»: أي: التعليل، «مُتَعَقَّبٌ» أي: مُعْتَرَضٌ ... إلخ، لا يخفى أنَّ مثل هذا يجري فيما إذا حصل التكذيب من الأصل جزمًا، فيُقال: إنَّ عدالة الفرع تقتضي صِدْقَه، وتكذيب الأصل لا يُنافيه؛ لاحتمال نسيانه، ويُجَابُ بأنَّ: الجَزْم بالتكذيب يَدْفَع نسيانه ويُبْعِده، بخِلاف عَدَمِ الجَزْم به. وقال (هـ/١٩٥) (ق) (٢): «وقوله: «والمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ على النَّافي» في هذا ليس بجيِّدٍ؛ لأنَّ في مسألة تكذيب الأصل جزمًا: الأصلُ نافٍ والفرعُ مُثْبِتٌ، وليس الحكم فيها للمُثْبِت بل للنافي؛ فالحق أنْ يقول: لأنَّ المُحَقَّق (أ/١٦٧) مقَدَّمٌ

стр. 748

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . على المظنون، أو الجزم مقَدَّمٌ على التردُّد»، ونحوه قول (ب) (١): «في قوله: «على النافي» الصواب أنَّه يقول: على المُتَرَدِّدِ» انتهى، ويمكِن الدَّفْعُ بالتَّجَوُّز وهو جيِّدٌ. وقوله: «فإن عدالة الفرع» «الفاء» بمعنى لام التعليل، وفي بعض النُّسَخ: «بأنَّ عدالة الفرع ... إلخ» وهو مُتَعَلِّقٌ بـ «مُتَعَقَّب». [قوله] (٢): «وَعَدَمُ عِلْمِ الأصْلِ لا ينافيه»: ربما يُستروَح منه أنَّ الفرع عالمٌ جازمٌ بأنَّه حدَّث به يقينًا وقطعًا؛ فلا يُعْلَم منه حكمٌ ما لو كان الفرعُ ظانًّا كالأصل، وفي الحصول في صورة ظنَّيهِما تقديم الفرعُ أيضًا، واستشكله شيخ الإسلام بتقديم الشيخ في جزميهما، ثُمَّ قال: «وعلى ما اخترته في «شرح لُبِّ الأصول» في تقْدِيم الفرع على الأصل في المسألتين تقديمًا للمثْبِت على النافي؛ لا إشكال» انتهى. وهو جارٍ على ما قاله الشَّارح في «شرح البخاريِّ». [قوله] (٣): «وأمَّا قِيَاسُ ذلك ... إلخ»: ضمَّن القِياس معنى المساواة فعداه بـ «الباء»، أو هي بمعنى «على»، قال (ق) (٤): «ظاهره أنَّه جواب لسؤال مقدَّرٍ، وحاصلِه جوابٌ بالفارق، وهو لا يؤثِّر حتى يكون واردًا على العلَّة الجامعة، وهنا ليس كذلك» انتهى، ولا يخفى به ردُّ القِياس المخالف كما أشرنا إليه آنفًا ببيان أنَّ الشَّهادة أضيقُ من الرواية، حيث

стр. 749

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قُبِلَت رواية الفرع مع عَدَمِ تعذُّر روايةِ الأصل، ولم تُقْبَل شهادة الفرع إلَّا حيث تَعَذَّرت شهادة الأصل، وحاصله: أنَّ التبعيَّة والفرعيَّة في باب الشَّهادة أضْيَقُ وأشدُّ منها في باب الراوية، ولا شكَّ أنَّه فارقٌ واردٌ على العلَّة الجامعة؛ فلا تكن من الغافلين. [قوله] (١): «وفيه ما يَدُلُّ»: أي: وفي كتاب مَنْ حدَّثَ ونَسِيَ ما يَدُلُّ على تقوية المذهب الصحيح، وهو المعبَّر عنه بالأصحِّ السابق، وضمير «لكون كثيرٍ» راجعٌ لـ «من حدَّثَ ونَسِيَ» مراعاةً لمعنى «مَن». [قوله] (٢): «عن [الَّذِيَن] (٣) رَوَوْهَا»: هو من إقامته للظاهر مَقَام الضمير؛ إذ المراد به: الرُّواة عن التابعين من الشيوخ. [قوله] (٤): «في قِصَّةِ الشَّاهِد واليَمِينِ»: هي لفظ: «أنَّه ﵊ قضى باليمين مع الشَّاهد» (٥).

стр. 750

قالَ عَبْدُ العزيزِ بنُ محمَّدٍ الدَّراوَردِيُّ: حَدَّثني بهِ رَبيعةُ بنُ أَبي عبدِ الرَّحْمنِ، عن سُهَيْلٍ، قَالَ: فَلقيتُ سُهَيلًا، فسأَلتُهُ عَنهُ؟ فَلَمْ يَعْرِفْهُ، فقُلْتُ له: إِنَّ ربيعةَ حَدَّثني عنكَ بكَذَا، فَكانَ سُهَيْلٌ بعدَ ذَلكَ يقولُ: حدَّثني رَبيعةُ عنِّي أَنِّي حَدَّثتُه عن أَبي بهِ. وَنَظائِرُهُ كَثيرةٌ. وَإِن اتَّفَقَ الرُّوَاةُ في إِسنادٍ مِنَ الأَسَانيدِ في صِيَغِ الأَداءِ؛ كَـ: سَمعتُ فُلَانًا، قَالَ: سَمعتُ فُلانًا ... أَوْ: حدَّثنا فُلانٌ؛ قَالَ: حدَّثنا فُلَانٌ ... وغَيرِ ذَلكَ من الصِّيَغِ، أَوْ غَيْرِها مِن الحَالاتِ القَوْليَّةِ؛ كـ: سَمعتُ فُلَانًا يَقُولُ: أُشْهِدُ اللهَ لقد حدَّثَني فُلَانٌ ... إِلخ، أَو الفِعليَّةِ؛ كقولِهِ: دَخَلْنا عَلَى فُلَانٍ، فأَطْعَمَنا تَمرًا ... إِلخ، أَو القَوْليَّةِ والفِعليَّةِ معًا؛ كقولِهِ: حدَّثَني فُلَانٌ وَهُوَ آخِذٌ بلحْيَتِهِ، قَالَ: آمَنْتُ بالقَدَرِ ... إلخ؛ فَهُو المُسَلْسَلُ . وَهُوَ مِن صِفَاتِ الإِسنادِ. [قوله] (١): «قال عَبْدُ العَزِيزِ ... إلخ»: قال (ق): «إنْ كان هذا لفظ القِصَّة مِنْ غير تصرُّفٍ؛ فكان حقُّ سُهَيلٍ أن يقول: حدثني الدَّارَوَرْدِيُّ، عن رَبِيعَة، عني أنِّي حدَّثته، عن أبي» انتهى. وممَّا يدلُّ على التصريف في القصَّة -أي: في بعض طرقها-: حدَّثني رَبِيعَةُ وهو عندي ثقة، وبعضهم يُسْقِطُه، قاله (هـ) (٢). وفي كتابة: قوله: «حدَّثني عليك بكذا»؛ كان الأنسب: حدَّثني عنك به. [قوله] (٣): «فَلَمْ يَعْرِفْهُ»: قال كالدَّارَوَرْدِيِّ: إنَّ سبب عَدَم معرفة سُهيلٍ له: أنَّه كان أصابته علَّةٌ أذهَبتْ بَعضَ عَقْلِه ونَسِيَ بعضَ حديثه.

стр. 751

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «حدَّثَني رَبِيعَةُ عَنِّي ... إلخ»: أنتَ خبير بأنَّ الواقع أنَّ الذي حدَّثه إنَّما هو عبد العزيز عن رَبيعَة عن نفسه؛ فكان حقُّ سُهيلٍ أنْ يقول: حدَّثَني عبد العزيز الدَّارَوَرْدِيُّ عن ربيعة عني أني حدَّثته ... إلخ، وكون سهيل لَقِيَ رَبيعَةَ وحدَّثه ليس في الكلام ما يدلُّ عليه، ثُمَّ رأيتُ للشَّيخ العراقيِّ ما يُفيدُ أنَّ رَبيعَة حدَّث سُهَيْلًا به، وأنَّ الدَّارَوَرْدِيَّ لمَّا ذَكَر ذلك لسُهَيلِ، أي: ذكر له أنَّ رَبيعَة حدَّث عنه بذلك؛ فقال سُهَيلٌ: أخبرني ربيعة وهو عنده ثقة، أنِّي حدَّثْته إياه ولا أحفظه، فقد حَذَف المؤلِّفُ هنا قولَ سُهَيلِ للدَّارَوَرْدِيِّ: أخبرني ربيعة وهو عندي ثقة أي حدَّثْته إياه ولا أحفظه، وكان مَحِل ذكره بعد قوله: «حدَّثني عنك بكذا» وقبْلَ قوله: «فكان سُهيلٌ ... إلخ» قاله (ج) (٢). [قوله] (٣): «ونظائرُهُ كَثِيرَةٌ»: منها رواية الخطيب عن مُعتمِر بن سليمانَ قال: حدَّثَني أبي، قال: حدَّثْتني أنت عني، عن أيوب، عن الحسن قال: «ويح كلمة رحمة» (٤). (هـ/١٩٧) قال ابن الصَّلاح (٥) والنَّوويُّ (٦): هذا مثال طريفٌ يجمع أنواعًا من العلم؛ منها: رواية الأبِ عن ابنه، ورواية الأكبر عن الأصغر، ورواية التابعيِّ عن تابعيِّه، ورواية ثلاثة تابعين بعضهم عن بعضٍ، وأنَّه حدَّث واحدٌ عن نفسه، قالا: وهذا في غاية الحُسْن والغَرَابَة.

стр. 752

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «في إسناد»: ظرْفٌ مستَقَرٌّ وَقَع حالًا أو صفةً بتقدير التَّعَلُّق، وقوله: «في صِيَغِ الأدَاءِ» لغوٌ، مُتَعَلِّقٌ بـ: «اتَّفَقَ». وقال (ج) (٢): ما نصُّه: المراد بالإسناد حكاية طريق المَتْن، وقوله: «في صِيَغِ الأدَاء» بَدلٌ من قوله: «في إسناد ... إلخ»، وهذا تقدير يقتضي أنْ يكون قوله في المَتْن: «في صِيَغِ الأداءِ» بدلًا (أ/١٧٨) من شيء غير مذكور فيه. وقوله: «كسَمِعْتُ فُلانًا يقولُ: أشْهَدُ بالله ... إلخ»: الحالة القوليَّة هي قوله: «أشهد بالله»، وقال (هـ) (٣): ما نصه: وأشار بقوله: «كسَمِعْتُ فُلانًا» إلى أنَّه لا بُدَّ أنْ تَتَّحِد صيغة أدائهم لفظًا من أوَّل السَّنَد ... إلخ، خِلافًا للحاكم حيث جعل منه: أنْ تكون ألفاظ الأداء من جميع الرواة دالَّةً على الاتصال وإن اختلفت، كقول بعضهم: سمعت، وبعضهم: أخبرنا، وبعضهم: حدثنا، وما قاله الشَّارح هو ما عليه الأكثرون. ومن المُسَلْسَل بالحالات القوليَّة قوله ﵊ لمُعاذٍ: «إنِّي أُحِبُّك؛ فقُل [في] دُبُرِ كلِّ صلاةٍ: اللهمَّ أَعِنِّي على ذِكرِكَ وشُكرِكَ وحُسْنِ عبادتِكَ» (٤)؛ فإنَّه مُسَلْسَلٌ بقول كلٍّ من الرُّواة: إنِّي أحبُّك فَقُلْ. [قوله] (٥): «يقُولُ: أشْهَدُ بالله»: مِنْ أوَّل سَنَدِه إلى أنْ قال النبيُّ أيضًا: «أشهد بالله لقد حدَّثني جبريل، وقال:

стр. 753

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أشهد بالله لقد حدَّثني ميكائيل، وقال: أشهد بالله لقد حدَّثني إسرافيل عن اللوح المحفوظ، أنَّه يقول الله ﵎: شارب الخمر كعابد وثن» (١). ومن المُسَلْسَل بالفعل: قَولُ أبي هريرة فَشَبَّكَ بيدي أبو القاسم ﵊ وقال: «خلق الله الأرض يوم السبت» الحديثَ (٢)؛ فإنه مُسَلْسَل بتشبيك (٣) كُلٍّ من رواته يَدَهُ بيد من روى عنه. ومن المُسَلْسَل بالفعل والقول: حديث أنسٍ: «لا يجد العبدُ حلاوة الإيمان حتى يؤمن بالقدر خيره وشره وحلوه ومره»، قال: «وقبض رسول الله ﷺ على لحيته، وقال: آمنت بالقدر» (٤)؛ فإنَّه مُسَلْسَل بقَبْضِ كلٍّ منهم على لِحْيَتِه مع قوله: «آمنت بالقدر». قال ابن الصَّلاح (٥): «ومن فضيلة المُسَلْسَل: اشتماله على مَزِيد الضبط من الرواة»، قال: «وخَيْرُ المُسَلْسَلات: ما فيه دِلَالَةٌ على اتصال السَّماَع وعدم التدليس، ولا يكاد المُسَلْسَل يَسْلَم في وَصْفه من ضَعْفٍ، أمَّا في أصل المَتْن فليس بلازمٍ».

стр. 754

وقَدْ يَقَعُ التَّسلسُلُ في مُعْظمِ الإِسْنَادِ؛ كحَدِيثِ المُسَلْسَلِ بالأوَّليَّةِ، فَإِنَّ السِّلْسِلَةَ تَنْتَهي فِيهِ إِلى سُفْيانَ بْنِ عُييْنَةَ فَقَطْ، وَمَنْ رَواهُ مُسَلْسَلًا إِلى مُنْتَهاهُ، فَقَدْ وَهِمَ. وَصِيَغُ الأَدَاءِ المُشَارُ إِليها عَلَى ثمانِ مَراتِبَ: الأُولَى: سَمِعْتُ وحَدَّثَني. [قوله] (١): «كَحَدِيثِ المُسَلْسَلِ بالأَوَّلِيَّةِ»: كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي: «الراحمون يرحمهم الرحمن» (٢)؛ فإنَّه إنَّما صحَّ تسَلْسُله إلى سفيان بن عُيَيْنَة، وانقطَع فيمن فوقه خلافًا لمن وصله من الرواة؛ إذ لم يصحَّ، قال الشَّارح: «قد روي الحديث المُسَلْسَل بالأوَّليَّة من ثلاث طرق من أوله إلى منتهاه بالثلاثة وهو من أصحِّ مُسَلْسَلٍ يُرْوَى في الدُّنيا المُسَلْسَلُ بسورة الصَّفِّ» (٣)، قال الحافظ السيوطي (٤): «والمُسَلْسَل بالحفاظ والفقهاء أيضًا، بل المُسَلْسَل بالحفاظ مما يفيد العلم القطعي كما ذكره الحافظ ابن حجر»، انتهى (٥). [قوله] (٦): «المُشار إليها ... إلخ»: إشارة إلى أنَّ «ال» في «الأداء» للعهد الذكري. وقوله: «على ثَمَانِي ... إلخ»: لو أسقط «على»؛ لكان أولى كما مَرَّ مرارًا، وقد اخْتَصَر هنا اختصارًا عجيبًا؛ حيث ضمَّن التَّكَلُّم على صِيَغِ الأداء وُجوه التَّحَمُّل، وهي ثمانية أيضًا

стр. 755

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كما سيأتي، وما جَمعه مع ما قبله بالواو فهو في مرتبةٍ واحدة، وما ابتداه بثُمَّ كانت مَرْتبته دون مَرْتبة ما قبله، واختَصَر المحدِّثون في الكتابة دون اللفظ «حدَّثنا» على «ثنا» وهو المشهور، وبعضهم يختصرها على «نا»، وبعضهم على «دثنا»، واختصروا (هـ/١٩٧) أيضًا «أخبرنا» على «أنا» وهو المشهور، وبعضهم على «أرنا» بحذف الخاء والباء، واختصرها البَيهقيُّ على «أبنا». قال شيخ الإسلام (١): ويُخْتَصر «حدَّثني» على «ثني» أو «دثني» دون «أخبرني» ودون «أنبأنا» و «أنبأني»، وبعضهم يَرْمُز «قال» الواقعة في الإسناد بصورة «ق» (٢). قال ابن الصَّلاح (٣): وحَذْفُها برمَّتها خطأٌ عند المحدِّثين، ولا بُدَّ من النُّطق بها حال القراءة، لكن قال في «فتاويه» (٤): «إن الصحيح أنَّ عدم النُّطق بها حال القراءة لا يُبْطِل السَّماع وإنْ أخطأ فاعله»، وجَزَمَ به النَّوويُّ في «شرح مُسْلِمٍ» (٥) واستظهره في تقريبه (٦)، قال: «للعِلْم بالمقصود»، ويكون هذا من الحذف لدلالة الحال عليه، وحَذْفُ أيضًا: «قيل له» في مثل: قرأ عليَّ فلان، قيل له: أخبرك فلان. قال ابن الصَّلاح (٧): «وينبغي للقارئ النطق بها»، قال: «ووقع في بعض ذلك قَرَأَ على فلان، ثنا فلان، فهذا يُنْطَق فيه بـ «قال» لا بـ «قيل له»؛ لأنَّه أخْصَر، لا لأنَّه لم يصحَّ؛ إذ لو قيل له: قُلْتَ: «حدَّثنا» صحَّ». وكتب المحدِّثون في كتبهم إذا

стр. 756

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . جمعوا بين إسنادَيْ حديث أو أسانيده عند انتقال من سند لغيره: «حا» بالقصر مفردَة مُهمَلة، واختلفوا: أهل هي مختصرة من الحائل، أو من الحديث، أو من التحويل، أو من صح؟ وهل يُنْطَق بها أو بما رمزها له عند المرور بها في القراءة أو لا؟ والأصحُّ أنَّه ينطق بها في القراءة مقصورة، والأصحُّ (أ/١٦٩) أنَّها «حا» تحويل من إسناد إلى آخر، كما قاله النَّوويُّ (١) خلافًا لقول ابن الصَّلاح (٢): «أنَّها مختصرة من صح»؛ لئلَّا يُتوهَّم أنَّ حديث هذا الإسناد سَقَطَ، ولئلَّا يُرَكَّب الإسناد الثاني على الأوَّل فَيُجَعلا إسنادًا واحدًا، قاله (هـ) (٣). وفي كتابة: ترتيب صِيَغ الأداء باعتبار ما أُدِّيت به؛ فمَرَاتِب الصِّيَغ تابعة لمَرَاتِب ما أُدِّيَتْ به. واعلم أنَّ: «سمِعتُ منه» و «قرأتُ عليه» و «قرأَ عليه فلانٌ وأنا أسْمَع» إنَّما يقال في أدائه ما سمِعَهُ من لفظ الشيخ، أو قرأه عليه، أو سمعه من قراءة غيره عليه، أي: على الشيخ، وأمَّا «حدَّثني»، و «حدَّثنا»، و «أخبرني»، و «أخبرنا»، و «أنبأني»، و «أنبأنا»، و «قال لي»، و «قال لنا»، و «ذكر لي»، و «ذكر لنا»، أو بحَذْف الجارِّ [و] (٤) المجرور، أو «عن فلانٍ» فهل يُقال شيءٌ منها فيما سُمِع من لفظ الشيخ أم لا؟ فذَكَرَ صاحب «النُّخْبَة» أنَّه يقال فيها: «حدَّثني»، أو «حدَّثنا» فقط، وظاهره: أنَّه لا يُقال بقيتها، وهذا يوافِق ما نقله العراقيُّ عن ابن الصَّلاح في «شرح الألفيَّة»، وما نقله مِنْ [مَنْعٍ] (٥) عن الحاكم والتِّرْمِذِيِّ في بَحْث قوله: «تفريعات»، وهو خِلاف ما ذَكَرَه عن غيره ودَرَج عليه في ألفيَّته.

стр. 757

ثمَّ: أَخْبَرَني وَقرَأْتُ عليهِ، وهي المَرتبةُ الثَّانيةُ. ثمَّ: قُرِئَ عَلَيْهِ وَأَنا أَسْمَعُ، وَهي الثَّالثةُ. ثمَّ: أَنْبَأَنِي، وَهي الرَّابعةُ. ثمَّ: نَاوَلَني، وَهي الخَامسةُ. ثمَّ: شَافَهَني -أَيْ: بالإِجازَةِ- وهي السَّادسةُ. ثمَّ: كَتَبَ إِليَّ أَيْ: بالإِجازَةِ، وَهي السَّابعةُ. [قوله] (١): «ثُمَّ: أخبرني، وقَرأتُ عليه، ثُمَّ: قُرِئَ عليه وأنا أَسْمَعُ»: سيذكر بعد هذا أنَّ أوَّل هذه وثانيهما و «قرأ بنفسه» على الشيخ، أي: يؤدي بها من قرأ بنفسه على الشيخ، وأن ثالثها لمن سَمِعَ قراءة غيره على الشيخ، قال: ومِثلها في ذلك: «أخبرنا» و «قرأنا عليه»، ويأتي أنَّ «قرأت عليه»: أصرحُ من «أخبرني»، و «قُرئ عليه وأنا أسْمَع» أصرحُ من «أخبرنا»، وهذا الذي ذَكَرَه موافقٌ لما قدَّمناه عن الحاكم ومن وافقه، ثُمَّ إنَّ هذا يقتضي أنَّه لا يُستعمَل هنا لفظ «حُدِّثْتُ» منفردًا ولا مجموعًا، ولا لفظ «أنبأ» و «نبأ» كذلك، وهو واضح حيث لم يُقَيَّد اللفظ بما يُتبيَّن به أنَّه عَرْضٌ، فإن قُيِّد لفظٌ من الألفاظ المذكورة بما يُفيد العَرْضَ فإنَّها تُستعمَل هنا. فإنْ قُلْتَ: قد تقدَّم عن «شرح الألفيَّة» ما يفيد أنَّه لا يستعمل «أنبَأ» و «نَبَّأ» إلَّا في الإجازة، قُلْتُ: مَحِله حيث لم يُقيَّد بما يفيد المراد، ثُمَّ إنَّ ما ذَكَرَه من أنَّ «أخبرنا» مثل: «قُرئ عليه وأنا أسْمَعُ» يوافِقُ ما عليه مُسْلِمٌ

стр. 758

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وجُلُّ أهل الشَّرْقِ، ولا يُوافِقُ ما عليه أحمد ومن وافَقَه، ولا ما عليه الزُّهْريُّ ومالك ومن وافقهما؛ لأنَّهما لا يقولان بأنَّ «حدثنا» كـ «أخبرنا»؛ تأمل، قاله (ج) (١). [قوله] (٢): «ثُمَّ: أَنْبَأَنِي، وهي الرابعة»: فيه نظرٌ؛ لما يأتي أنَّ «أنبأنا» عند المتقدِّمين بمعنى «أخبرنا»، وعليه فهي (هـ/١٩٨) في مَرْتَبَة لا متأخرة عنه، وعند المتأخرين للإجازة، وإذا كانت للإجازة [فتكون] (٣) من صِيَغ الإجازة، وأعلى صِيَغ الإجازة: المُنَاوَلَةُ، وتقدم أنَّه اشْتُهر استعمال «أنبأنا» في الإجازة؛ فينبغي أنَّه لا يستعمل فيما سُمِعَ من الشَّيخ أو كان عَرْضًا. [قوله] (٤): «ثُمَّ: ناوَلَنِي، وهي الخامسة»: هذا إشارة إلى الصِّيَغ التي يقولها من تَحَمَّل بالمناولة حال تأديته ما تحمَّل بها، وما ذَكَرَه من أنَّها هي الخامسة مبنيٌّ على أنَّ: «أنبأنا» مَرْتبة رابعة، وقد عَلِمْتَ ما فيه، ومبنيٌّ أيضًا على أنَّ مَرْتبة المناولَة دونَ مَرْتبة السَّمَاع والعَرْض، وأمَّا على خِلافه فلا يَصْلُحُ ذلك، قال العراقيُّ في المناولة المقرونة بالإجازة: «حالَّة مَحَل السَّمَاع عند بعضهم، كما حكاه الحاكم عن: ابن شِهابٍ ورَبِيعَة ويحيى بن سعيدٍ

стр. 759

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ومالك في آخرِين من أهل: المدينة ومكة والكوفة ومصر والشَّأْم وخُرَاسان، وأما فقهاء الإسلام فإنَّهم لم يَرَوه سماعًا، وبه قال الشافعيُّ وجَمْعٌ. قال ابن الصَّلاح: وهو الصحيح، وأنَّ هذا مُنْحَطٌّ عن السَّمَاع» انتهى. ومراده بالسَّمَاع: ما يَشْمَل العَرْضَ، وما ذَكَره من أنَّ صيغة مَنْ يروي ما تَحَمَّل بالمناولة «ناولَني» هو على سبيل المثال، إذ مِثلُه: «أخبرنا مُناولَة»، و «حدَّثنا مُناولَة»، و «أذن لي مُناولَة»، و «أجازني مُناولَة»، قاله (ج) (١). قوله: «ثُمَّ: شَافَهَنِي»: هذه إشارةٌ إلى صِيغة أداءِ مَنْ تَحَمَّل الإجازة [باللفظ] (٢)، ثُمَّ أن إنَّ الإجازة غير المُعَبَّر عنه بالمناولة تحتها أنواع تسعة كما ذَكَرَه العراقيُّ، وأشار السُّبْكِيُّ إلى أنَّ تحتها أنواعًا، انظرها إنْ شئتَ، وما ذَكَرَه المؤلِّف من أنَّ صيغة أدائه: «شَافَهَنِي» فعلى سبيل التمثيل كما يُفهَم ممَّا قدَّمناه (أ/١٧٠) عن العراقيِّ، ثُمَّ إنَّ استعمال «شَافَهَنِي» في ذلك مُسْتَبْعَدٌ، قال العراقيُّ (٣): وَبَعْضُهُمْ أَتَى بِلَفَظٍ مُوْهِمْ ... (شَافَهَنِي) (كَتَبَ لِي) فَمَا سَلِمْ وَقَدْ أَتَى بِـ (خَبَّرَ) الأوزَاعِيْ ... فِيْهَا وَلَمْ يَخْلُ مِنَ النِّزَاعِ قال بعضُ من شَرَحَه: «استعمل بعض أهل العِلْم [في] (٤) الرواية بالإجازة:

стр. 760

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . «شَافَهَنِي»، أو «أخبرنا فلانٌ مُشافَهَةً» إذا كان قد شَافَهَه بالإجازة لفظًا، واستعمل بعضهم في الإجازة بالكتابة: «كَتَبَ لي»، و «أخبرنا مُكاتَبَةً»، أو «في كِتَابِه»، وهذه الألفاظ وإن استعملها طائفةٌ من المتأخرين فلا يَسْلَمُ من استعمَلها من الإيهام وطرَفٍ من التدليس، أمَّا المشافَهَة فتوهِم مشافَهَتَه بالتَّحديث، وأمَّا الكتابة فتوهِم أنَّه كَتَبَ له بذلك الحديث بِعَيْنِه كما كان يفعل المتقدِّمون، وأمَّا الأوْزَاعِيُّ فيخص بالإجازة بقوله: «خبَّرنا» بالتشديد، والقراءة بقوله: «أخبرنا»، وهو ليس خالٍ من النِّزاعِ؛ لأنَّ «خبَّرنا» و «أخبرنا» معناهما واحد لغةً، وفي اصطلاح المحدِّثين ... إلخ» قاله (ج) (١). [قوله] (٢): «ثُمَّ: كَتَبَ إليَّ»: أي: بالإجازة، وهذا في الكتابة المجرَّدة عن الأذن الإذْن، وهو على أحد القولين: أنَّ الكتابة دُونَ إذنٍ دُونِ الإجازة باللفظ، والقول الآخر: أنَّها أعلَى من الإجازة، وقدَّموا الأول في كلام السيوطيِّ، والثاني ذَكَرَه العراقيُّ (٣)، وأمَّا إذا كانت مع الأذن الإذْن فهي كالمُناولَة مع الإذن، وما ذَكَرَه من أنَّ صيغة أداء من تحمَّل بالكتابة: «كَتَبَ إليَّ» هو على سبيل التمثيل، وإلَّا فـ «حدَّثنا» و «أخبرنا» مقيَّدًا بذلك كذلك.

стр. 761

ثمَّ: عَنْ ونَحْوُها مِنَ الصِّيغِ المُحْتَمِلةِ للسَّماعِ وَالإِجَازَةِ، ولِعدمِ السَّماعِ أَيضًا، وهذا مثلُ: قَالَ، وَذكرَ، ورَوَى. فاللَّفظانِ الأوَّلانِ مِن صِيَغِ الأداءِ، وهُمَا: سَمعتُ، وحَدَّثني صَالِحانِ لمَن سَمِعَ وَحْدَهُ مِن لَفْظِ الشَّيْخِ. وَتَخْصيصُ التَّحديثِ بما سُمِعَ مِن لَفْظِ الشَّيخِ هو الشَّائعُ بَيْنَ أَهلِ الحَدِيثِ اصْطِلاحًا. [قوله] (١): «ثُمَّ: عن، ونحوها»: هذا على رأي المتأخِّرين، قال العراقيُّ (٢) في مبحث العَنْعَنَة: وَصَحَّحُوا [وَصْلَ] (٣) مُعَنْعَنٍ سَلِمْ ... مِنْ دُلْسَةٍ رَاويْهِ، والِلِّقَا عُلِمْ إلى أنْ قال: وَكَثُرَ استِعْمَالُ (عَنْ) في ذَا الزَّمَنْ ... إجَازَةً وَهْوَ بِوَصْلٍ مَا قَمَنْ قال شارحه شيخُ الإسلام: «وكَثُر -كما قال ابن الصَّلاح- بَيْنَ المُنتَسبين إلى الحديث استعمال «عن» في ذا الزمن المتأخر، أي: بعد الخمسمائة؛ إجازةً (٤)، ثُمَّ قال: «فإذا قال أحدهم: قرأتُ على فلان عن فلان، فُظُنَّ أنَّه رواه بالإجازة» (٥)، وهو في ذلك بوصل [ما] (٦) أي: بنوع من الوَصل، فمِن بكسر الميم، وبفتحها وهو الأنسب هنا، أي: حقيق بذلك» (٧). (هـ/١٩٩)

стр. 762

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والحاصل: أنَّ ما فيه «عن» يُحْكم باتصاله سماعًا في الزمن المتقدِّم، وهو ما قدَّمه قبلُ، وباتصاله إجازة في الزمن المتأخِّر، وهو ما هنا ... إلخ؛ فما ذَكَرَه المؤلِّف هنا على رأي المتأخِّرين، لكن ليس في كلامهم أنَّها بعد المُناولَة، بل ما مَرَّ عن العراقيِّ (١) يقتضي من قوله: وَبَعْضُ مَنْ تَأَخَّرَ اسْتَعْمَلَ عَنْ ... إِجَازَةً، ... إلخ. استعمالها في الإجازة الشاملة للمُناولَة والمُشافَهة، ثُمَّ إنَّ ما ذَكَرَه هنا خِلاف ما ذَكَرَه بَعْدُ من قوله: «وعَنعَنة المعاصِر محمولة على السَّماَع ... إلخ»، قاله (ج) (٢). وقال (هـ) (٣): «لا شَكَّ أنَّ: «عن» و «أنْ» من صِيَغ الأداء، لكن هل هما محمولتان على الإجازة أو على السَّمَاع؟ يأتي بيان ذلك بَعْدُ، وقَيَّد الشارح «أنْ» فقال: وحُكْم «أنْ» في ذلك حُكْم «عن»، إذا لم يُحْكَ بها الإخبارُ أو التَّحديث، فإنْ حُكِيَ بها ذلك كـ: حدَّثنا فلانٌ أنَّ فلانًا أخبره؛ فهو تصريح بالسَّمَاع» انتهى، وبما أشرنا إليه تَندفِع الحيْرة الناشئة من قوله: «المُحتمِلة للسَّمَاع ... إلخ» الذي ذَكَرَه لبيان احتمالها في حدِّ ذاتها، مع قطع النَّظر عن الاصطلاح الآتي بيانه. [قوله] (٤): «مِن الصِّيَغ المُحْتَمِلَة ... إلخ»: لو قال: ولعدمها أيضًا لكان مناسبًا؛ إذ مُفاد ما ذَكَرَه: أنَّها لا تستعمل

стр. 763

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [لعَدَم] (١) الإجازة، وحينئذٍ يُراد أنَّها إذا كانت للإجازة قطعًا وتحْتَمِل السَّمَاع؛ فتكون أعلى ممَّا لإجازة فقط ولا تحْتَمل السَّماع، كـ: شَافَهني بالإجازة، أو كَتَب لي بالإجازة. وقوله: «وهذا»: (٢) وقال (هـ) (٣): قوله «وهذا» أي: المُحْتمِل لما ذَكَر من الصِّيَغ، مثل: «قال»، و «ذكر»، و «روى»، يريد مجرَّدة عن الجارِّ والمجرور، والدالُّ على الاتصال نحو: «قال لي»، ولذا قال ابن الصَّلاح: «وهي حينئذٍ أوضح العبارات»، أمَّا إذا لم تتجرَّد ممَّا ذَكَرْنا فهي في مَرْتبة «حدَّثني»، وإنْ غَلَبَ في عُرْفِهم استعمالها والحالةُ هذه فيما سمعوه من الشيوخ في المذاكرات؛ إذ هي به أشْبَه من «حدَّثنا»، قاله ابن الصَّلاح (٤)، وهي محمولة على السَّمَاع إنْ عُلِم اللُّقيُّ بين الراوي والشيخِ، وسَلِم قائلها من التدليس، ولا يتقيَّد (أ/١٧١) بصدورها ممَّن عُرِف أنَّه لا يروي بها إلَّا ما سمعه من لفظ شيخه، خلافًا لزاعمه ووِفاقًا لابن الصَّلاح والجمهور، وهو المعروف والمحفوظ. قوله: «فاللفْظَان الأَوَّلَانِ ... إلخ»: اعلم أنَّ المؤلِّف سَلَك هنا مسلكًا من الاختصار عجيبًا؛ حيث أتى بصيغ الأداء مجملةً أولًا، ثُمَّ فصَّل أحكامها مبيِّنًا في ضمن تفصيلها وجوه التَّحَمُّل

стр. 764

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بقوله: «لمن سمع لفظ الشيخ، ولمن قرأ بنفسه ... إلخ» وقوله: «صالحان ... إلخ» صلوحهما لما ذَكَرَه لا يَمْنَع من استعمالها في غيره كما في القراءة على الشيخ، وإنْ كان الأجود فيه: قرأتُ، أو قُريءَ عليه وأنا أسمعُ، ثُمَّ حدَّثنا، أو حدَّثني، أو أخبرنا وأنبأنا، أو أخبرني وأنبأني، لكن لا بُدَّ من التقْيِيد بـ: قرأتُ عليه، أو قراءة عليه فيما بعد، أمَّا سمعتُ فلا على الأصحِّ، خلافًا لمالك والسُفْيانين، وحُمِل على ما إذا قال: سمعتُ على فلان، وأمَّا إطلاق التحديث والإخبار فيما سُمِع عَرْضًا لا من لفظ الشيخ فمُمْتنع عند: أحمد بن حَنبل، ويحيى التَّميميِّ، والنَّسَائيِّ، وابن المَبَارَك، قاله (هـ) (١). وفي كتابة: قوله: «صالحان لِمَن سَمِعَ ... إلخ» الأحسن حَذْف «صالحان»، وإبقاء المَتْن على ظاهره؛ لأنَّ كلامه بهذا التقدير لا يفيد اختصاصها بمن سَمِع وحده من لفظ الشيخ، بل مفاده أنَّهما صالحان لذلك ولغيره، قاله (ج) (٢). [قوله] (٣): «مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ»: قال (هـ) (٤): هذا أعلى وجوه التحمِّل الثمانية عند الجمهور من المحدِّثين وغيرهم، سواء حدث من حفظه أو من كتابه، إملاءً كان تحديثه أو لا، لكن الإملاء أعلى

стр. 765

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . عندهم كما يأتي في كلام الشارح؛ [لما فيه] (١) من مَزِيد تحرُّز الشَّيخ والطالب، إذ الشيخ مشتغل بالتَّحديث، والطالب بالكتابة عنه؛ فهما أبْعَدُ من الغَفْلة، وأقْرَبُ إلى التَّحقيق مع جريان العادة بالمقابلة بعده. [قوله] (٢): «وتَخْصِيصُ التَّحْدِيثِ»: أي: دون الإخبار، وغير الشائع هو التسوية بين لفظ التَّحديث و (هـ/٢٠٠) الإخبار، قال شيخ الإسلام: «وخُصَّ السَّماع بالتَّحديث دون الإخبار؛ لقوة إشعاره بالنطق والمشافهة، فلفظ الإخبار أهم من التَّحديث» (٣). [قوله] (٤): «بِمَا سَمِعَ»: الظاهر أنَّ «الباء» داخلة على المقصور، لا بُدَّ من حمل القصر أيضًا على الإضافيِّ، أي: لا «أخبرنا» مثلًا، وإلَّا فـ «سمعتُ» كـ «حدَّثني»، ولو جُعِلَتْ داخلةً على المقصور عليه والمقصور التَّحديث إذا كان مُطْلَقًا من غير تقْيِيد؛ استقام.

стр. 766

ولَا فَرْقَ بينَ التَّحديثِ والإِخبارِ مِن حيثُ اللُّغةُ، وَفي ادِّعاءِ الفرقِ بَيْنَهما تَكلُّفٌ شديدٌ، لَكِنْ لمَّا تَقرَّر الاصْطِلَاحُ، صَارَ ذَلكَ حَقيقةً عُرفيَّةً، فتُقَدَّمُ على الحَقِيقَةِ اللُّغويَّةِ، مَعَ أَنَّ هَذَا الاصْطِلَاحَ إِنَّما شَاعَ عندَ المَشَارِقَةِ ومَنْ تَبِعَهُمْ، وأَمَّا غَالِبُ المَغارِبَةِ، فلَمْ يَسْتَعْمِلوا هَذَا الاصْطِلاحَ، بَل الإِخبارُ والتَّحديثُ عندَهُم بمعنًى وَاحِدٍ. فَإِنْ جَمَعَ الرَّاوي -أَيْ: أَتى بصِيغَةِ الجَمْعِ في الصِّيغَةِ الأُولَى؛ كَأَنْ يَقُولَ: حَدَّثَنا فُلَانٌ، أَوْ: سَمِعْنا فلانًا يَقُولُ- فَهُو دَليلٌ عَلَى أَنَّه سَمِعَ منهُ مَعَ غَيْرِهِ، وقد تَكُونُ النُّونُ للعَظَمةِ، لَكِنْ بقِلَّةٍ. وأوَّلُها -أَيْ: صيغُ المَرَاتِبِ- أَصْرَحُها، أَيْ: أَصْرَحُ صِيَغِ الأَداءِ في سَماعِ قَائِلِها؛ لأنَّها لا تَحْتَمِلُ الواسِطَةَ، وَلأنَّ «حدَّثني» قَدْ يُطْلَقُ في الإِجَازةِ تَدْليسًا. [قوله] (١): «وفي ادِّعَاءِ الفَرْقِ ... إلخ»: مُلخَّص الفرق المُتكلَّف: أنَّ «حدَّثَ» أشدُّ إشعارًا بالنطق والمشافهة من الإخبار؛ إذ كثيرًا ما يكون فيها بالواسطة؛ فالإخبار أعمُّ من التَّحديث. [قوله] (٢): «عِنْدَ المَشَارِقَةِ»: يعني جمهورهم، كابن جُرَيجٍ، والأوْزاعيِّ، وابن وَهْبٍ، والشافعيِّ، ومُسْلِمٍ، والمراد بـ «مَنْ تَبِعَهُم»: من وافقهم على ذلك من المغاربة، بل عزا صاحب «الإنصاف» للنَّسائيِّ نفي الخلاف في الفَرْق المذكور. [قوله] (٣): «وأمَّا غالبُ المَغَارِبَةِ»: أي: ومعظم الحجازيين، كمالكٍ، والزُهريِّ، والقَطَّان، وأبي حنيفة، وأحمد

стр. 767

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . في أحد قوليه، وسفيان بن عُيَينَة، ومُعظم أهل الكوفة، وهو مذهب البخاريِّ، فلم يستعملوا هذا الفرق ولم يُعرِّجوا عليه، بل الإخبار والتحديث عندهم بمعنًى واحدٍ، وأجازوا إطلاق التَّحديث على ما أُخِذَ عَرْضًا كإطلاقه فيما سُمِعَ من لفظ الشَّيخ، خلافًا لأحمد كما مَرَّ. [قوله] (١): «في الصِّيغَة الأُولى»: الأَوْلى: صِيغتي المَرْتبة الأولى؛ ليشْمَل: سمعتُ وحدَّثنا، وقوله في المَتْن الآتي: «والثالث والرابع ... إلخ» قرينةٌ على إرادة هذا. [قوله] (٢): «كأنْ يَقُول ... إلخ»: أدْخَلت «الكاف» نحو: حدَّثني فلان مع غيري، أو سمعتُ مع غيري. [قوله] (٣): «مَعَ غَيْرِهِ»: يريد: ولو واحدًا، وهذا التفصيل الذي قاله هو الذي اختاره الحاكم وقال: «إنَّه عَهِد عليه أئمة عصره»، ونحوه قول ابن وهب (٤): «ما قُلْتُ فيه: حدَّثنا؛ فهو ما سمعتُ مع النَّاس، وما قُلْتُ فيه: حدثني؛ فهو ما سمعتُ وحدي»، إلَّا أنَّ [هذا] (٥) ليس بواجبٍ، وإنما هو مستحَبٌ كما يأتي في: «أخبرني». وقوله: «وقَدْ تكونُ النُّونُ للْعَظَمَةِ»: وكذا قد تكون «حدثني» مُستعمَل فيما سَمِع مع الجماعة.

стр. 768

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي كتابة: «وقد تكون [النون] (١) للعظمة لكن بقلَّةٍ» أي: ويستعملها في سماعه وحده. [قوله] (٢): «وأوَّلُهَا أَصْرَحُهَا»: أي: المراتب، فيه نظرٌ؛ لأنَّ أوَّل المراتب فيها صيغتان: «سمعتُ» و «حدَّثني»، وثاني المراتب: «أخبرني» و «قرأتُ»، مع أنَّه قال في قوله: «والثالث: وهو أخبرني» فعُلم أنَّ المراد: وأوَّل صِيغ الأداء لا المراتب، ويؤيد ذلك قوله: «ولأنَّ حدَّثني ... إلخ». وقال (ج) (٣): حقه أنْ يقول: «وأولها» أي: الألفاظ؛ إذ (أ/١٧٢) أوَّلُ المراتب: «سمعتُ» و «حدَّثني»، أو يقول: أي: المرتبة الأولى، وهو المناسب لقوله: «وأرفعها» أي: أرفع المرتبة الأولى، «ما يقع في الإملاء» أي: لأنَّ سماع لفظِ الشيخ يقع إملاءً وغير إملاءٍ؛ فالإملاء أعلى من غيره لِمَا فيه من شدة تحرُّز الشَّيخ والراوي، إذ الشيخ مُشتغِلٌ بالتحديث، والراوي بالكتابة عنه؛ فهما أبْعَدُ من الغفلة، وأقرب إلى التحقيق. وقال (هـ) (٤): قوله: «وأوَّلها أصْرَحها» شرحه الشارح بما يُوجِب تشتيت الضمائر؛ حيث رَجَع الضمير الأول للمراتب والثاني للصِّيغ، مع كونه ربما يُبْعد عن المراد؛ إذ المراد: أنَّ «سمعتُ» أصرحُ صيغ الأداء، وهي أول أولى المراتب؛ إذ أولها مرتبة لا صيغة، لأنَّ اسم التفضيل بعض ما يضاف إليه؛ فلو رَجَع

стр. 769

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ضمير «أولها» لـ «صيغ الأداء» لَسَلِم من كل ذلك، ومن إبهام دخول «حدثَّني» في الأصرح والأرفع، ومُلَخَّص القول: أنَّه يُطلق [في] (١) أداء سماع لفظ الشيخ الذي هو وحده التحمُّل، وأرفعها كما مَرَّ: سمعتُ، وحدَّثنا، وأخبرنا، وأنبأنا، وقال لنا، وذكر لنا، وينبغي فيما شاع استعماله من هذه فيما سُمِع من غير لفظ الشَّيخ أنْ (هـ/٢٠١) لا يُطْلَق فيما سُمِع من لفظه؛ لما فيه من الإبهام والإلباس، وأصرحها: سمعتُ ثُمَّ: حدَّثنا وحدتني، [و] (٢) [مثلها] (٣): قال لنا وقال لي، وذَكَر لنا وذَكَر لي، ثُمَّ: أخبرنا وأخبرني، ثُمَّ: أنبأنا ونبأنا، إلَّا أنَّ: أخبرنا وأخبرني، فيما سُمِع من لفظ الشيخ كثيرًا، وأنبأنا ونبأنا فيه قليل الاستعمال. قال ابن الصَّلاح (٤): «وهذا كله كان [قُبيل] (٥) أنْ يَشِيع تخصيص «أخبرنا» بالعَرْضِ، بمعنى القراءة على الشيخ، كما كان «نبأنا» و «أنبأنا» للقراءة عليه قبل اشتهار استعمالها في الإجازة» وقد مشى المؤلِّف على تقْيِيد ابن الصَّلاح فخَصَّ «أخبرنا» بالقراءة على الشيخ، وجَعَل الإنباء الأخبار إلَّا في عرف المتأخرين. [قوله] (٦): «لأنَّها تَحْتَمِلُ الواسِطَة»: أي: بخلاف «حدَّثني» وما معه، فإنَّه يَحْتَمِلها، وهذا معنى قولهم: «سمعتُ» لا يَقبَلُ التأويلَ، بخلاف «حدَّثني» وما معها، وإن كان أولى في التعبير من

стр. 770

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . «سمعتُ»؛ لأنَّ «حدَّثنا» و «أخبرنا» يَدُلَّان على أنَّ الشيخ: رَوَّاه الحديث، وخاطبه به، وقصده بتحميله إياه دون «سمعتُ». [قوله] (١): «ولأنَّ حَدَّثَنِي ... إلخ»: قال المؤلِّف في تقديره: وهذا يدل عليه ما رواه مسلم في قصة الرجل الذي يقتله الدجال ثُمَّ يُحْييه؛ فيقول عند ذلك: «أشهدُ أنَّك الرجل الذي حدثنا رسول الله عنك» (٢)، ومعلوم أنَّ هذا الرجل لم يسمع من رسول الله، وإنَّما يريد بـ «حدَّثنا» جماعة المسلمين، وتعقَّبه (ق) (٣) بأنَّ هذا يدل على جواز الإطلاق، لا على الإطلاق تدْلِيسا المُستَشْهَد عليه؛ فلا يصح استدلاله، قاله (ج) (٤). وقال (هـ) (٥): قوله: «تَدْليسًا» أي: أو على قول ضعيفٍ بإطلاق «حدَّثنا» فيما أُخِذ بالإجازة، والظاهر: أنَّ «تَدْليسًا» مفعول لأجْله، أي أنَّه: قد يُطْلِقُ «حدَّثني» وما معه؛ لقصد التدليس، وقد روي أنَّ الحسن البصريَّ كان يقول: «حدَّثنا أبو هريرة»، ويتأول حدَّث أهل المدينة وأنا بها، كما كان يقول: «خَطَبَ ابن عباسٍ بالبَصْرَة» ويريد: خَطَب أهلها، مع أنَّ الحسن لم يَسْمَع من أبي هريرة، بل ما [رآه] (٦) قطُّ، [ومفهومه] (٧) أنَّه لو قَيَد فقال: حدَّثنا أو حدَّثني إجازة؛ خَرَجَ من التَّدْلِيس، وهو كذلك كما مَرَّ.

стр. 771

وأَرْفَعُها مِقْدارًا ما يَقعُ في الإِمْلَاءِ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّثبُّتِ والتَّحفُّظِ. وَالثَّالِثُ، وهُوَ: أَخْبَرَنِي. وَالرَّابِعُ وهُوَ: قَرأْتُ، لِمَنْ قَرَأَ بِنَفْسِهِ على الشَّيْخِ. فَإِنْ جَمَعَ كَأَنْ يقولَ: أَخْبَرَنا، أَوْ: قَرَأْنا عَلَيهِ، فَهُوَ كالخَامِسِ، وهُوَ: قُرِئَ عَلَيْهِ وأَنا أَسْمَعُ. وعُرِفَ مِن هَذَا أَنَّ التَّعبيرَ بـ قَرأتُ لمَنْ قَرأَ- خيرٌ مِنَ التَّعْبِيرِ بالإِخبارِ؛ لأنَّهُ أَفْصَحُ بصورةِ الحَالِ. [قوله] (١): «ما يَقَعُ في الإِمْلَاءِ»: لو قال بدله: وخصوصًا ما يقع في الإملاء؛ كان أنسب وأولى من هذا التقدير الذي لا يطابقه المَتْن، وإن كان جاريًا على ما اصطُلح عليه من دَمْجِ الشَّرح بالمَتْن وجَعْلِهما شيئًا واحدًا، وبالجملة: فما كان في الإملاء فهو أرفع، كما يصرح به كلامهم من خارج، وإنَّما كان كذلك لِمَا فيه من شدَّة تحرُّز الشَّيخ والراوي؛ إذا الشَّيخ مشتغِلٌ بالتحديث، إلى آخر ما مَرَّ. [قوله] (٢) «والرابع ... إلخ»: ويُسمِّيها أكثر المحدِّثين: عَرْضًا، من حيث إنَّ القارئ يعْرِضُ على الشَّيخ ما يَقْرَؤه كما يَعْرِض القرآن على المقرئ، لكن قال المؤلِّف في «شرح البخاريِّ»: بَيْنَ القراءة والعَرْضِ عمومٌ وخصوصٌ؛ لأنَّ الطالب إذا قرأ كان أعمَّ من العرض، [إذ العَرْضُ] (٣) عبارة عما يُعارِض به، والرواية بهذا القِسم صحيحةٌ اتفاقًا.

стр. 772

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقال (هـ) (١): اعلم أنَّ القراءة على الشَّيخ تُسمَّى العرض؛ لعَرْض القارِئ الحديث على الشَّيخ، وهي مع كونها من وجوه التحمُّل أدنى من السماع من لفظ الشَّيخ، والأجود عندهم في أداء ما (أ/١٧٣) تحملونها أنْ يقول: قرأتُ على فلانٍ إنْ كان العَرْضُ بنفسه، أو قُرِأَ عليه وأنا أسمع إن كان بقراءة غيره، ودونها الآداء [بكل ما تقدم] (٢) في تأدية السماع من لفظ الشَّيخ ما عدا: «سمعتُ»، لكن مع التقْيِيد بقولك: قِراءة أو بقراءتي؛ فيقول: حدَّثنا فلان بقراءتي عليه، أو أخبرنا فلان قراءة عليه، أو بقراءتي عليه، خِلافًا لمن جَوَّز إطلاقها، ولمن جَوَّز إطلاق «أخبرنا» دون «حدَّثنا»، وأمَّا جمع الضمير المتصل بصيغة الأداء أو إفراده فالذي اختاره الحاكم (٣) ومن لَقيه من أهل العصر: أنَّ السامع (هـ/٢٠٢) بقراءة غيره يقول: أخبرنا بالجمع، وأنَّ القارئ بنفسه [يقول] (٤): أخبرني بالإفراد، وهذا التفصيل على طريق الاستحسان المُمَيِّز بين أحوال التحمل. تتمة: وجرت عادةُ أهل الحديث بحَذْفِ «قال» ونحوه فيما بين رجال الإسناد في الخط، وينبغي للقارئ أن يَلْفِظ بها، وإذا كان في الكتاب: قرأ على فلان، أخبرك فلان؛ فليَقُل القارئ: قُرِئ على فلان، قيل له: أخبرك فلان، وإذا كان فيه: قُرئ على فلان، أخبرنا فلان؛ فليقل: قُرئ على فلان، قيل له قُلْتَ: أخبرنا فلان، وإذا تكررت كلمة «قال» كقوله: حدَّثنا صالح، قال: قال الشَّعبيُّ؛ فإنَّهم يحذفون إحداهما في الخَطِّ، فليَلْفِظ بهما القارئ، فلو ترك القارئ لفظ «قال» في هذا كله؛ فقد أخطأ، والسَّمَاع صحيحٌ للعِلْم بالمقصود، ويكون هذا من الحَذْف لدلالة الحال عليه، وإذا قرأ الطالب إسناد شيخه

стр. 773

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بالكتاب أو الجزء قال في أوَّل كلِّ حديثٍ منه إذا انتهى ما قبله: وبه قال: حدَّثنا؛ ليكون كأنَّه أسنده لصاحبه في كلِّ حديثٍ، ولو قال في كلِّ مجلسٍ من مجالسِ شيخه: وبسندكم -يعني الماضي إلى فلان، يعني صاحب الكتاب أو الجزء- قال: حدثنا؛ كفى، وقد جَرَت العادة بإعادة السَّنَد يوم خَتْم الكتاب لأجْل من يتجَدَّدُ (١). [قوله] (٢): «لمن قرأ بنفسه»: لا فرْق فيما قرأه بنفسه، وبَيْن ما قرأه من [حفظه، وبَيْن ما قرأه من] (٣) كتابه أو كتاب غيره، كما أنَّ السامع بقراءة غيره كذلك، ولا بُدَّ من كون الشيخ في جميع الوجوه حافظًا لما قرئ عليه، أو يكون بيدِه أصْله، أو بيدِ ثقة غيره ولو القارئ، أو يكون هناك ثقة يَحْفَظُ المقروء مع استماعه لما يُقرأُ على الشَّيخ وتمْيِّزه إياه. [قوله] (٤): «وعُرِفَ من هذا»: أي: [ما] (٥) قرَّره في: سمعتُ وحدثني. [قوله] (٦): «خَيْرٌ من التَّعْبيرِ بالإخْبَارِ»: أي: من «قرأنا» أيضًا، وقوله: «لأنَّه أفصَحُ» يَحْتمل الفعليَّة والاسميَّة، ويكون اسم تفضيل، أي: أشدُّ إفصاحا بالنِّسبة لأخبرني، وأما بالنِّسبة لقرأنا ولأخبرنا ففيه إفصاح. وفي كتابة: أي: أشدُّ [إفصاحًا] (٧) عنها، أي: تصريحًا بها.

стр. 774

تَنْبيهٌ: القرَاءةُ عَلَى الشَّيخِ أَحَدُ وُجُوهِ التَّحمُّلِ عندَ الجُمْهورِ. وَأَبْعَدَ مَنْ أَبَى ذَلكَ مِنْ أَهلِ العِرَاقِ، وقَد اشتدَّ إِنكارُ الإِمامِ مَالِكٍ وغيرِهِ مِن المَدَنيِّينَ عَليْهِمْ في ذَلكَ، حتَّى بَالغَ بَعْضُهُم، فَرجَّحَها عَلَى السَّمَاعِ مِنْ لَفْظِ الشَّيخِ! وَذهَبَ جمعٌ جَمٌّ -مِنْهُم البُخاريُّ، وحَكَاهُ في أَوَائلِ «صَحِيحِهِ»، عن جَمَاعةٍ مِنَ الأئمَّةِ- إِلى أَنَّ السَّماعَ مِن لَفْظِ الشَّيخِ، والقِرَاءَةَ عليهِ يَعْني فِي الصِّحَّةِ وَالقُوَّةِ- سَوَاءٌ، وَاللهُ أَعلمُ. وَالإِنْبَاءُ من حَيثُ اللُّغةُ وَاصْطِلاحُ المُتَقدِّمينَ بمَعْنَى الإِخْبارِ، إِلَّا في عُرْفِ المُتَأَخِّرينَ، فَهُو للإِجازَةِ؛ كَـ «عَنْ»؛ لأنَّها في عُرْفِ المُتأَخِّرينَ للإِجَازةِ. وَعَنْعَنَةُ المُعَاصِرِ مَحْمُولَةٌ عَلَى السَّمَاعِ بخلافِ غَيْرِ المُعاصِرِ، فَإِنَّها تَكُونُ مُرسَلةً، أَو مُنْقطِعَةً، فَشَرْطُ حَمْلِها عَلَى السَّماعِ: ثُبُوتُ المُعَاصَرةِ، إِلَّا مِنْ مُدَلِّسٍ؛ فإِنَّها لَيْسَتْ مَحْمولةً عَلَى السَّماعِ. وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ في حَمْلِ عَنْعَنَةِ المُعَاصرِ على السَّماعِ: ثُبُوتُ لِقَائِهِمَا -أَيْ: الشَّيخِ وَالرَّاوي عَنْهُ- وَلَوْ مَرَّةً وَاحدَةً؛ ليَحْصُلَ الأَمْنُ فِي بَاقي العَنْعَنَةِ عَنْ كَوْنِهِ مِنَ المُرْسَلِ الخَفِيِّ، وَهُوَ المُخْتَارُ، تَبعًا لعَليِّ بْنِ المَدينيِّ، وَالبُخاريِّ، وغَيْرِهِمَا مِنَ النُّقَّادِ. [قوله] (١): «تَنْبِيهٌ»: قدَّمنا أنَّ معناه لغةً: الإيقاظ، وعُرْفًا: عنوان البحث الآتي بحيث يُعلَم من الكلام السابق على طريق الإجمال، وقوله: «عِنْدَ الجمهور» بل أجمع المحدِّثون على صحة الأخذِ والتحمل بها، وقوله: «حتى بالَغ بعضهم فرجَّحَها على السَّماَع من لفظ الشَّيخ والقراءِ عليه» المراد بالبعض: ابن أبي ذؤيب، وأبو

стр. 775

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . حنيفة (١)، واحتجَّا على ذلك بأنَّ الشَّيخ لو سهى لم يَتهيَّء للطالب الردُّ عليه؛ إمَّا لجَهله، أو لهيبة الشيخ، أو لغير ذلك بخلاف الطالب. وقوله: «جَمٌّ»: بفتح الجيم نعت «جَمْعٍ»، معناه كثيرٌ من الجمهور -بضم الجيم- وهو الكثرة. [قوله] (٢): «منهم البُخَارِيُّ»: ومالك، ومعظم علماء الكوفة، ومعظم علماء الحجاز، والأصحُّ ترجيح السَّمَاع من لفظ الشيخ على القراءة والعَرْض عليه، كما [هو] (٣) رأيُ جُلِّ علماء خُراسان، وقد يعْرِضُ ما يكون العَرْضُ أولى؛ كأن يكون الضابط أعلم أو أضبط، أو الشَّيخ في حال العَرْض عليه أوعى منه في حال قراءته. [قوله] (٤): «بمعنى الإخْبار»: وحينئذٍ يُفرَدُ لمن قرأ بنفسه، ويُجْمَع لمن سمع بقراءة غيره، على ما هو الأحسن السابق. تنبيه: قال (ق) (٥): «قوله: «في عُرْفِ المتأخِّرين» قُلْتُ: المقام مقام إضمار لتقدُّم غيرهم، وهو أخصر» انتهى، يريد أنَّ ذِكْرَهم تقدَّم في قوله: «إلَّا في عُرْفِ المتأخِّرين» وقوله: «كعن»، مِثْلُها: «أنْ» حيث لا إفصاح كما مَرَّ.

стр. 776

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «وعَنْعَنَةُ المُعَاصِر ... إلخ»: [هي] (٢) مصدر عَنْعَن الحديث: إذا رواه بكلمة «عن فلان»، من غير بيانٍ (هـ/٢٠٣) للتحديث أو الإخبار أو السَّمَاع، وحمْلُها على السَّمَاع والاتصال، قال الخطيب (٣): «إجماع أئمة النَّقل والبخاريُّ [وغيره] (٤)». وفي كتابة: قوله: «عَنْعَنَة المعاصِر ... إلخ» هو عند المتقدِّمين، وما مَرَّ له عند المتأخِّرين. [قوله] (٥): «فإنَّها تكون مُرْسَلَةً»: يُحْتمل إنْ كانت من تابعيٍّ، أو منقطِعَة إنْ كانت من غيره؛ فـ «أو» للتنويع (أ/١٧٤)، ويُحْتمل أنَّه يُعبَّر عنها بكلٍّ من هذين اللقبين على التخْيير. قوله: «فَشَرْطُ حَمْلِها على السَّمَاع»: زيادةٌ مستغنًى عنها، وإنَّما ذُكِرت لأجْل الاستثناء الذي في المَتْن، مع تقدُّم قوله: «بخلاف غير المعاصِر»؛ فلو أخَّره كان أولى، قاله (ق) (٦)، وهو بَيِّنٌ، إلَّا قوله: «فلو أَخَّره ... إلخ» فإنَّ الذي ظَهَرَ لي في فهمه: أنَّ مراده أنَّه كان أولى أن لا يَفصِل بَيْن قوله: «إلَّا من مُدلِّس»، وبَيْن قوله: «وعَنعَنَة المُعاصِر محمولة على السَّمَاع» [ويأخذه بعد قوله: «إلَّا من مُدلِّس»، ويُسقِط قوله: «وشَرْط ... إلخ»،

стр. 777

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولا شَكَّ بَعَّدَ هذا في اتجاهه على المؤلِّف قوله: «ثبوت المعاصَرة» سواء ثبت السَّمَاع أو لا، وهذا رأي مُسْلِمٍ وجماعة، وقوله: «فإنَّها» أي: العَنعَنَة منه «ليست محمولة على السَّمَاع والاتِّصال»، ولو قال: فإنها محمولة على عَدَم السَّمَاع] (١) كان أولى؛ لاحتمال ما قال للقولِ بالوَقْفِ. [قوله] (٢): «وقيل: يُشْتَرَطُ»: هذا قول ابن السَّمْعانيِّ (٣)، وقال أبو عمرو الدَّانِي (٤): أنَّه لا بُدَّ من شَرْطٍ أخصُّ، وهو معرفة الراوي بالأخذ عمَّن عنعن عنه، وقيل: هو محمول على الانقطاع ولو لم يكن الراوي مدلِّسًا، حتى يَظْهَر وصْلُه بمجيئه من طريق آخر أنَّه سمعه؛ لأنَّ «عن» لا تُشعِر بشيءٍ من أنواع التَّحَمُّل. وهو مردود بإجماع السَّلف، وحُكْم «أنَّ» حُكْم «عن» عند جُلِّ العلماء، كما نقله عنهم ابن عبد البَرِّ في «التمهيد»؛ إذ لا عِبرة في الحروف والألفاظ بل باللقاء والمجالَسَة والسَّمَاع، يعني مع السلامة من التَّدْليس، وقال البَرْدِيجيُّ: «ما روِيَ بـ «أنَّ» محمول على الانقطاع حتى يَتَبَيَّن وصله له؛ لأنَّه سَمِعَه ممَّن رواه عنه في رواية أخرى» (٥)، والذي اختاره العراقيُّ (٦): أنَّ كلَّ من أدرك ما رواه من قصة أو غيرها ولم يكن مدَلِّسا ثُمَّ روى بـ «عن»، أو «أنَّ»، أو بـ «قال»؛ فإنَّه يُحْكَم لمرويِّه

стр. 778

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بالوصل على ما قاله ابن عبد البَرِّ وغيره، صحابيًّا كان الراوي أو تابعيًّا، ومن لم يدرك ذلك فمرويُّه مُرسَل صحابيٍّ أو تابعيٍّ، أو مُنقطِعٌ إن لم يُسْنِده إلى من رواه عنه، وإلَّا فمتَّصِل، وسواء في ذلك روى بـ «عن» أو بغيرها، وهذه القاعدة يُحْمَل عليها ما خالفها ويُنَزَّل عليها بردِّه إليها. قال الشَّارح: وقد تَرِدُ «عن» ولا يُراد بها بيان حُكْم اتصالٍ أو انقطاع، بل ذِكُرُ قصةٍ سواء أدركها أم لا بتقدير محذوف، أي: عن قصة فلان أو شأنه أو نحو ذلك، مثاله ما رواه ابن أبي خَيثَمَة في تاريخه، عن أبيه قال: حدَّثنا أبو بكر بن عَيَّاش، قال: حدَّثنا أبو إسحاقَ، عن أبي الأحوص أنَّه أخبره: «أنَّه طلع عليه جماعة من الخوارج قتلوه وأخذوا ماله» (١)، فهو وإنْ كان قد لَقِيه وسمع منه إلَّا أنَّه يَستَحِيل أنْ يكون أخبره بَعْد قَتْلِه، وإنَّما أراد نَقْل ذلك بتقدير مضافٍ محذوف كما تقرَّر، أي: عن قصة أبي الأحوص والراوي عنه، ولا يخفى أنَّ المراد: أنَّه لا بُدَّ من ثبوت سماع الراوي من ذلك الشَّيخ الذي عَنْعَن عنه. [قوله] (٢): «لِيَحْصُلَ الأَمْنُ مِن ... إلخ»: أنتَ خبيرٌ بأنَّ [«أَمِن» يتَعَدَّى للمَخُوف عليه بـ «على» أو «في»، وللخَوف منه بـ «مِنْ»، ولا شَكَّ أنَّ] (٣) باقي المُعَنْعَن مَخُوفٌ عليه؛ فحقُّه أنْ يُؤتى معه بـ «مِنْ»، فلعلَّه مشى على طريق من يرى نِيَابَة بعض حروف الجرِّ عن بعض.

стр. 779

وَأَطْلَقُوا المُشافَهَةَ في الإِجَازَةِ المُتَلَفَّظِ بِهَا تَجوُّزًا. وَكَذا المُكَاتَبَةَ في الإِجَازَةِ المَكْتُوبِ بِهَا، وهُوَ مَوْجودٌ في عِبَارةِ كَثِيرٍ مِنَ المُتأَخِّرينَ بخِلَافِ المُتَقدِّمينَ، فَإِنَّهُم إِنَّما يُطْلِقونَها فيما كَتَبَ بهِ الشَّيخُ مِنَ الحَديثِ إِلى الطَّالبِ؛ سَواءٌ أَذِنَ لَهُ في رِوايتِهِ أَم لَا، لَا فيما إذا كَتَبَ إِليهِ بالإِجَازةِ فَقَطْ. وَاشْتَرَطُوا في صِحَّةِ الرِّوايَةِ بالمُنَاوَلَةِ: اقْتِرَانَها بِالإِذْنِ بالرِّوَايةِ، وَهِيَ إذَا حَصَلَ هَذَا الشَّرطُ- أَرْفَعُ أَنْوَاعِ الإِجَازَةِ؛ لمَا فيهَا مِنَ التَّعْيِينِ وَالتَّشْخيصِ. [قوله] (١): «وأَطْلَقُوا»: أي: علماء الحديث من المتقدِّمين، «المشافَهَة» أي: استعملوها في الأداء لما تحمَّلوه (هـ/٢٠٤) بالإجازة، حيث قالوا: شافَهَنِي فلان، وفيه طَرَفٌ من التدْلِيس والإيهام؛ لأنَّه لا يُتبادر منه إلَّا مشافهة الشيخ له بالتحديث لا بالإجازة، كما لا يَتَبَادر من المكاتَبَة عند علماء الحديث من المتأخِّرين إلى المكاتَبَة بالحديث، كما قاله الشارح فيما إذا قال: كتب إليَّ، لا الكتابة بالإجازة إلَّا تجوُّزًا فَحُذِفَ «تَجَوُّزًا» من الثاني لدلالة الأول عليه؛ فقوله: «وهو موجود في عبارة كثير من المتأخرين» قاصِرٌ على المكاتَبَة، والضمير المنفصل عائد على الإطلاق. [قوله] (٢): «بخِلافِ المُتقدِّمين فإنَّهم ... إلخ»: هذا الذي عليه المتقدِّمون هو المكاتَبَة التي هي أحد أقسام التَّحمُّل عند العراقيِّ (٣)، فإنَّه قال: الخامس أي: من أقسام التحمِّل الكتابة ثُمَّ الْكِتَابَةُ بِخَطِّ الشَّيْخِ أَوْ ... بِإِذْنِهِ عَنْهُ لِغَائِبٍ وَلَوْ

стр. 780

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لكن وقع الخلاف في صيغة أداء من تحمَّل بالكتابة، هل له أنْ يقول: «أخبرنا» «حدثنا»، أو لا بُدَّ من التقْيِيد بقوله: كتابة؟ وقال الحاكم: الذي أختاره وعَهِدت عليه أكثر مشايخي وأئمة عصري، أنْ يقول فيما كَتَب إليه المحدِّث من مَدِينَةٍ ولم يُشافِهه بالإجازة: كَتَب إليَّ فلان. وفي كتابة: قوله: «فيما كَتَب به الشَّيخ من الحديث» مِثْل «كتب الشَّيخ»: كَتَب ثقة بإذنه، سواءٌ كان [ذلك] (١) المكتوب له حاضرًا بالبلد أم لا، ويكفي معرفة المكتوب إليه الخطَّ، وأنَّه عن إذْنِ الشيخ، ولو لم تَقُم بيِّنةٌ على رؤية كتابته، ولا أقرَّ أنَّه خطُّه، خلافًا لمَنْ شَرَط ذلك كالحكم بالمكاتبات، وفُرِّق بنُدرة التباس الخطوط مع التوسُّع في الرواية، والرواية جائزة بما كَتَب به، سواءٌ قَرَنَ الشَّيخ (أ/١٧٥) الكتابة بالإجازة أم لا، والصحيح في التَّأْدِيَة أنْ يقول: حدَّثَنا أو أخبرنا كتابةً، أو مُكاتَبةً، أو كَتَب إليَّ، كما قاله الحاكم، خِلافًا لمنصور والليث حيث جَوَّزا الإطلاق فيما ذُكِر. [قوله] (٢): «لا فيما إذا كَتَبَ إليه»: عَطْفٌ على: «فيما كَتَبَ به الشَّيخ من الحديث».

стр. 781

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «واشْتَرَطُوا في صِحَّة الرِّوَايَةِ بالمُنَاوَلَةِ ... إلخ»: تقدَّم الخِلاف في كونها إذا قُرِنَت بالإذْن هل تَحِلُّ مَحِل السَّمَاع أو تكون بعده؟ وهو ماذَكَرَه هنا وفيما مَرَّ؛ إذ الإجازة المجرَّدة عن المُناولَة مُنْحَطَّةٌ عن السَّمَاع. وقوله: «أَرْفَعُ أنواع الإجازة»: أي: ممَّا يَفْتَقِر لإجازةٍ، أمَّا ما لا يَفتَقِر لها كـ: سماع الشَّيخ، أو ما قرئ عليه، أو قرأه؛ فليس بأرفع منه، فإن قُلْتَ: جَعْل اقترانها بالإذن بالرواية شرطًا في صحتها؛ يقتضي أنَّها عِنْدَ عَدَمه لا تصحُّ، وقوله إنَّها إذا اقْتَرنَت بالإذن: «أرفع أنواع الإجازة»؛ يقتضي أنَّها عِنْد عَدَمه صحيحةٌ ولا تكون أرفعَ وهذا تناقضٌ! قُلْتُ: لا نُسَلِّم ذلك أنَّ قوله أنَّها إذا اقتَرنَت بالإذن تكون: «أرفعَ أنواع الإجازة»، لا يقتضي أنَّها عند عَدَمه صحيحةٌ، بل كما يَحْتَمل ذلك يَحْتَمل خلافه، وكلامه يُعَيِّن الثاني؛ فتأمله، قاله (ج) (٢). [قوله] (٣): «بالإذْن بالرِّوَايَةِ»: ضمَّن الإذْن معنى الإجازة فعداه بـ «الباء»، وإلَّا فحقُّه أن يقول: في الرواية.

стр. 782

وصُورَتُها: أَنْ يَدْفَعَ الشَّيخُ أَصْلَهُ، أَوْ مَا قامَ مَقامَهُ للطَّالِبِ، أَو يُحْضِرَ الطَّالِبُ الأَصْلَ للشَّيْخِ، ويَقُولَ لهُ في الصُّورَتَينِ: هَذَا رِوَايَتي عَنْ فُلانٍ فَارْوِهِ عنِّي. وَشَرْطُهُ أَيضًا: أَنْ يُمَكِّنَهُ منهُ؛ إِمَّا بالتَّمْليكِ، وَإِمَّا بالعَاريَّةِ؛ لِيَنْقُلَ منهُ، ويُقَابِلَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا إِنْ نَاوَلَهُ، وَاسْتَردَّ فِي الحَالِ، فَلَا تُتَبَيَّنُ أَرْفَعِيَّتُهُ، لَكِنَّ لَهَا زِيَادةَ مَزيَّةٍ عَلَى الإِجَازةِ المُعَيَّنَةِ، وَهِيَ أَنْ يُجيزَهُ الشَّيخُ برِوَايةِ كِتَابٍ مُعيَّنٍ، ويُعَيِّنَ لَهُ كَيْفيَّةَ رِوَايتِهِ لهُ. وَإِذَا خَلَتِ المُنَاولَةُ عَن الإِذْنِ، لَمْ يُعْتَبَرْ بِهَا عندَ الجُمْهورِ. [قوله] (١): «أو ما قام مَقَامَهُ»: أي: من فرعه، أو أصْل أصْلِه المقابَل به فيهما. [قوله] (٢): «أو يُحْضِرَ الطَّالبُ الأصْلَ»: أي: ويعرفه، فإن لم يعرفه واستمر على قول المُحْضَر ناوله له وأذِن له؛ فإن كان الطالب ثقة جاز ذلك، وإلَّا بَطَلَتْ المناولة والإذن مالم يُتَبَيَّن صِدْقه فتصحَّ المناولة والإذن. وفي كتابة: قوله: «أو يُحْضِرَ الطَّالِبُ» أي: أو أصْله أو فَرْعه المقابل، ثُمَّ ظاهره ولو لم يَنظُر الشَّيخ الأصل الذي أحضَره الطالب، ولكنَّه ناوله إياه وأذِن له في روايته، وهو كذلك الطالب الذي أحضره وأخبره من حديثه ثقة واعْتَمَد عليه الشَّيخ في ذلك؛ فإن لم يكن ثقة بَطَلَت المناولة والإذن، إلَّا أن يَتَبَيَّن بَعْدَ ذلك بخبر ثقة أنَّ ذلك الكتاب من مرويَّه؛ لزوال ما (هـ/٢٠٥) كان يُخْشَى، على ما اختاره العراقيُّ. [قوله] (٣): «[ويقول] (٤) له في الصُّورَتَينِ»: الفاعل بـ «يقول» ضمير الشَّيخ، والمجرور باللام عائد على الطالب في الصورتين.

стр. 783

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «هذا رِوَايَتِي»: هذه الجملة مَقُولة القول، والراوية بمعنى المَرْوي، وقوله: «روايتي» خَرَج مَخْرَج التمثيل، وكذا: مَسْمُوعِي، ومُجَازِي، ومُنَاوَلِي مثلًا. [قوله] (٢): «وشَرْطُه أيضًا»: أي: شَرْطُ الاعتداد بذلك الفعل، وصحة الرواية به: أن يُمكِّن الشَّيخ الطالبَ منه ذلك الأصل المُناوَلِ، أو ما يَقُوم مَقَامه بقدرِ ما يروي عنه منه، أو يَنْسَخُ منه فرعًا، أو يقابِلُه عليه، أو يُقابِل فرعه، وقوله: «أيضًا» أي: كما اشْتُرِط في صحة الرواية بالمُناولَة اقترانها بالإذْن. [قوله] (٣): «بالتَّمْلِيكِ»: ولو بالبيع؛ فالصَّدَقَة والهِبَةُ والعَطِيَّة أولى. [قوله] (٤): «وإمَّا بالعَاِريَّة»: ربَّما يُفْهَم من قوله: «إمَّا بالتَّمليك وإمَّا بالعَاريَّة» أنَّه لا تفاوت بينهما كما سكت عنه ابن الصَّلاح (٥)، إلَّا أنَّه هو والقاضي عِيَاضٌ قدَّمَاه على العاريَّة؛ فأَخَذ منه العراقيُّ وغيره التَّفَاوت، وأنَّ التَّمليك أرفعُ من العاريَّة، ولا فَرْقَ بين كون التَّمليك بهِبةٍ أو بيعٍ أو غير ذلك، لا بُدَّ من قول الشَّيخ حين المناولة: هذا من تأليفي، أو سماعي، أو روايتي عن فلان، وأنا عالمٌ بما فيه؛ فارْوِه عنِّي، ونحو ذلك،

стр. 784

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وكذا لو لم يَذْكُر اسم شيخه وكان مَذْكورًا في الكتاب المُناوَل مع بيان سماعه أو إجازته أو نحو ذلك، ولا يخفى أنَّ «إمَّا» في كلامه لمَنْع الجَمْع، نعم: كان ينبغي له أنْ يقول مثلًا: لتدخل الإجازة، لا بُدَّ في كل من العارية والإجازة أن يقول له مع ما مَرَّ في التمليك: انتَسِخْه ثُمَّ قابِل به نسختك التي انتَسخْتَها، أو نحو ذلك، ثُمَّ رُدَّه لي. قوله: «لِيَنْقِل (١) مِنْهُ»: أي: يَنْسَخَ منه، وأشار بقوله: «ويُقَابِل عليه» أي: اشتراط المقابلة، يريد بالأصل أو بالفرع المقابَل عليه. [قوله] (٢): «وإلَّا إنْ ناوَلَه واسْتَرَدَّ ... إلخ»: حقُّه أنْ يقول: وإلَّا فإن ناوله ... إلخ، وفي بعض النُّسخ: «وأمَّا إذا ناوله واسترده ... إلخ»، وهي صحيحة. وقوله: «فلا يَتَبَيَّنُ لها زِيَادَةُ مَزِيَّةٍ ... إلخ»: أي: وله الرواية بهذه الرواية من نُسخَة قد وافَقَتْ النَّسخة التي استردها، إمَّا بمقابلتها عليها، أو بإخبار ثقة بموافقتها، أو من النُّسخة التي ردَّها المُخْبر إن ظَفَر بها وغَلَب على ظنِّه عَدَم [حصول] (٣) التَّغْيِير فيها، قاله (ج) (٤). وقال (هـ) (٥): قوله: (أ/١٧٦) «وإلَّا» أي: وإن لم يمكِّنه الشَّيخ من الأصل لا بتمْليكٍ ولا
следующие страницы →