← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 320

حاشية الخرشي منتهى الرغبة في حل ألفاظ النخبة

الخرشي = الخراشي

Полный текст (886 стр.). Показаны 780–819 · переход к 785.

стр. 780

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لكن وقع الخلاف في صيغة أداء من تحمَّل بالكتابة، هل له أنْ يقول: «أخبرنا» «حدثنا»، أو لا بُدَّ من التقْيِيد بقوله: كتابة؟ وقال الحاكم: الذي أختاره وعَهِدت عليه أكثر مشايخي وأئمة عصري، أنْ يقول فيما كَتَب إليه المحدِّث من مَدِينَةٍ ولم يُشافِهه بالإجازة: كَتَب إليَّ فلان. وفي كتابة: قوله: «فيما كَتَب به الشَّيخ من الحديث» مِثْل «كتب الشَّيخ»: كَتَب ثقة بإذنه، سواءٌ كان [ذلك] (١) المكتوب له حاضرًا بالبلد أم لا، ويكفي معرفة المكتوب إليه الخطَّ، وأنَّه عن إذْنِ الشيخ، ولو لم تَقُم بيِّنةٌ على رؤية كتابته، ولا أقرَّ أنَّه خطُّه، خلافًا لمَنْ شَرَط ذلك كالحكم بالمكاتبات، وفُرِّق بنُدرة التباس الخطوط مع التوسُّع في الرواية، والرواية جائزة بما كَتَب به، سواءٌ قَرَنَ الشَّيخ (أ/١٧٥) الكتابة بالإجازة أم لا، والصحيح في التَّأْدِيَة أنْ يقول: حدَّثَنا أو أخبرنا كتابةً، أو مُكاتَبةً، أو كَتَب إليَّ، كما قاله الحاكم، خِلافًا لمنصور والليث حيث جَوَّزا الإطلاق فيما ذُكِر. [قوله] (٢): «لا فيما إذا كَتَبَ إليه»: عَطْفٌ على: «فيما كَتَبَ به الشَّيخ من الحديث».

стр. 781

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «واشْتَرَطُوا في صِحَّة الرِّوَايَةِ بالمُنَاوَلَةِ ... إلخ»: تقدَّم الخِلاف في كونها إذا قُرِنَت بالإذْن هل تَحِلُّ مَحِل السَّمَاع أو تكون بعده؟ وهو ماذَكَرَه هنا وفيما مَرَّ؛ إذ الإجازة المجرَّدة عن المُناولَة مُنْحَطَّةٌ عن السَّمَاع. وقوله: «أَرْفَعُ أنواع الإجازة»: أي: ممَّا يَفْتَقِر لإجازةٍ، أمَّا ما لا يَفتَقِر لها كـ: سماع الشَّيخ، أو ما قرئ عليه، أو قرأه؛ فليس بأرفع منه، فإن قُلْتَ: جَعْل اقترانها بالإذن بالرواية شرطًا في صحتها؛ يقتضي أنَّها عِنْدَ عَدَمه لا تصحُّ، وقوله إنَّها إذا اقْتَرنَت بالإذن: «أرفع أنواع الإجازة»؛ يقتضي أنَّها عِنْد عَدَمه صحيحةٌ ولا تكون أرفعَ وهذا تناقضٌ! قُلْتُ: لا نُسَلِّم ذلك أنَّ قوله أنَّها إذا اقتَرنَت بالإذن تكون: «أرفعَ أنواع الإجازة»، لا يقتضي أنَّها عند عَدَمه صحيحةٌ، بل كما يَحْتَمل ذلك يَحْتَمل خلافه، وكلامه يُعَيِّن الثاني؛ فتأمله، قاله (ج) (٢). [قوله] (٣): «بالإذْن بالرِّوَايَةِ»: ضمَّن الإذْن معنى الإجازة فعداه بـ «الباء»، وإلَّا فحقُّه أن يقول: في الرواية.

стр. 782

وصُورَتُها: أَنْ يَدْفَعَ الشَّيخُ أَصْلَهُ، أَوْ مَا قامَ مَقامَهُ للطَّالِبِ، أَو يُحْضِرَ الطَّالِبُ الأَصْلَ للشَّيْخِ، ويَقُولَ لهُ في الصُّورَتَينِ: هَذَا رِوَايَتي عَنْ فُلانٍ فَارْوِهِ عنِّي. وَشَرْطُهُ أَيضًا: أَنْ يُمَكِّنَهُ منهُ؛ إِمَّا بالتَّمْليكِ، وَإِمَّا بالعَاريَّةِ؛ لِيَنْقُلَ منهُ، ويُقَابِلَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا إِنْ نَاوَلَهُ، وَاسْتَردَّ فِي الحَالِ، فَلَا تُتَبَيَّنُ أَرْفَعِيَّتُهُ، لَكِنَّ لَهَا زِيَادةَ مَزيَّةٍ عَلَى الإِجَازةِ المُعَيَّنَةِ، وَهِيَ أَنْ يُجيزَهُ الشَّيخُ برِوَايةِ كِتَابٍ مُعيَّنٍ، ويُعَيِّنَ لَهُ كَيْفيَّةَ رِوَايتِهِ لهُ. وَإِذَا خَلَتِ المُنَاولَةُ عَن الإِذْنِ، لَمْ يُعْتَبَرْ بِهَا عندَ الجُمْهورِ. [قوله] (١): «أو ما قام مَقَامَهُ»: أي: من فرعه، أو أصْل أصْلِه المقابَل به فيهما. [قوله] (٢): «أو يُحْضِرَ الطَّالبُ الأصْلَ»: أي: ويعرفه، فإن لم يعرفه واستمر على قول المُحْضَر ناوله له وأذِن له؛ فإن كان الطالب ثقة جاز ذلك، وإلَّا بَطَلَتْ المناولة والإذن مالم يُتَبَيَّن صِدْقه فتصحَّ المناولة والإذن. وفي كتابة: قوله: «أو يُحْضِرَ الطَّالِبُ» أي: أو أصْله أو فَرْعه المقابل، ثُمَّ ظاهره ولو لم يَنظُر الشَّيخ الأصل الذي أحضَره الطالب، ولكنَّه ناوله إياه وأذِن له في روايته، وهو كذلك الطالب الذي أحضره وأخبره من حديثه ثقة واعْتَمَد عليه الشَّيخ في ذلك؛ فإن لم يكن ثقة بَطَلَت المناولة والإذن، إلَّا أن يَتَبَيَّن بَعْدَ ذلك بخبر ثقة أنَّ ذلك الكتاب من مرويَّه؛ لزوال ما (هـ/٢٠٥) كان يُخْشَى، على ما اختاره العراقيُّ. [قوله] (٣): «[ويقول] (٤) له في الصُّورَتَينِ»: الفاعل بـ «يقول» ضمير الشَّيخ، والمجرور باللام عائد على الطالب في الصورتين.

стр. 783

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «هذا رِوَايَتِي»: هذه الجملة مَقُولة القول، والراوية بمعنى المَرْوي، وقوله: «روايتي» خَرَج مَخْرَج التمثيل، وكذا: مَسْمُوعِي، ومُجَازِي، ومُنَاوَلِي مثلًا. [قوله] (٢): «وشَرْطُه أيضًا»: أي: شَرْطُ الاعتداد بذلك الفعل، وصحة الرواية به: أن يُمكِّن الشَّيخ الطالبَ منه ذلك الأصل المُناوَلِ، أو ما يَقُوم مَقَامه بقدرِ ما يروي عنه منه، أو يَنْسَخُ منه فرعًا، أو يقابِلُه عليه، أو يُقابِل فرعه، وقوله: «أيضًا» أي: كما اشْتُرِط في صحة الرواية بالمُناولَة اقترانها بالإذْن. [قوله] (٣): «بالتَّمْلِيكِ»: ولو بالبيع؛ فالصَّدَقَة والهِبَةُ والعَطِيَّة أولى. [قوله] (٤): «وإمَّا بالعَاِريَّة»: ربَّما يُفْهَم من قوله: «إمَّا بالتَّمليك وإمَّا بالعَاريَّة» أنَّه لا تفاوت بينهما كما سكت عنه ابن الصَّلاح (٥)، إلَّا أنَّه هو والقاضي عِيَاضٌ قدَّمَاه على العاريَّة؛ فأَخَذ منه العراقيُّ وغيره التَّفَاوت، وأنَّ التَّمليك أرفعُ من العاريَّة، ولا فَرْقَ بين كون التَّمليك بهِبةٍ أو بيعٍ أو غير ذلك، لا بُدَّ من قول الشَّيخ حين المناولة: هذا من تأليفي، أو سماعي، أو روايتي عن فلان، وأنا عالمٌ بما فيه؛ فارْوِه عنِّي، ونحو ذلك،

стр. 784

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وكذا لو لم يَذْكُر اسم شيخه وكان مَذْكورًا في الكتاب المُناوَل مع بيان سماعه أو إجازته أو نحو ذلك، ولا يخفى أنَّ «إمَّا» في كلامه لمَنْع الجَمْع، نعم: كان ينبغي له أنْ يقول مثلًا: لتدخل الإجازة، لا بُدَّ في كل من العارية والإجازة أن يقول له مع ما مَرَّ في التمليك: انتَسِخْه ثُمَّ قابِل به نسختك التي انتَسخْتَها، أو نحو ذلك، ثُمَّ رُدَّه لي. قوله: «لِيَنْقِل (١) مِنْهُ»: أي: يَنْسَخَ منه، وأشار بقوله: «ويُقَابِل عليه» أي: اشتراط المقابلة، يريد بالأصل أو بالفرع المقابَل عليه. [قوله] (٢): «وإلَّا إنْ ناوَلَه واسْتَرَدَّ ... إلخ»: حقُّه أنْ يقول: وإلَّا فإن ناوله ... إلخ، وفي بعض النُّسخ: «وأمَّا إذا ناوله واسترده ... إلخ»، وهي صحيحة. وقوله: «فلا يَتَبَيَّنُ لها زِيَادَةُ مَزِيَّةٍ ... إلخ»: أي: وله الرواية بهذه الرواية من نُسخَة قد وافَقَتْ النَّسخة التي استردها، إمَّا بمقابلتها عليها، أو بإخبار ثقة بموافقتها، أو من النُّسخة التي ردَّها المُخْبر إن ظَفَر بها وغَلَب على ظنِّه عَدَم [حصول] (٣) التَّغْيِير فيها، قاله (ج) (٤). وقال (هـ) (٥): قوله: (أ/١٧٦) «وإلَّا» أي: وإن لم يمكِّنه الشَّيخ من الأصل لا بتمْليكٍ ولا

стр. 785

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بعاريَّة، بأنْ ناولَه الشَّيخ الأصل وأذِن له في روايته عنه، ولكنَّه استردَّه منه في الحال ... إلخ، وبهذا ظَهَر لك حَذْفٌ، فالجواب من قوله: «إن ناوله»، ويجوز أنْ يكون من باب تكرير الشَّرْط؛ فيجري على بابه، وقوله: «زيادة مَزِيَّة» فيه إفادة أنَّها صحيحة بلا مزيَّة، وحينئذ يُؤخَذُ من أصلٍ موافق لأصل شيخه، أو لفرعٍ مقابَلٍ به ولو بإخبار ثقة. [قوله] (١): «على الإجازة المُعَيَّنَةِ»: أي: المُعيَّن فيها المُجاز به، أو المُجاز له، أو هما؛ فإيقاع التَّعْيِين عليها مَجازٌ، ولا يخفى أنَّ المراد: المعيَّنة المجرَّدة عن المناولة وعدم المزية، إنما هو رأي المحقِّقين من الفقهاء والأصوليين؛ لأنَّ العَرْض يعني المُجاز به، فلا فَرق بين حضوره وغَيبته، وأما أهل الحديث فقد جعلوا لها مَزيِّة عليها في القديم والحديث كما لو يمسك مرويَّه عن الطالب سواء بسواء. [قوله] (٢): «وعَيَّن له كَيْفِيَّةَ روايَتِهِ له»: ظاهره أنَّه شَرْطٌ في صحة الرواية بالإجازة، وهو كذلك؛ فلا بُدَّ من تعْيِين أنَّه يرويه بالقراءة، أو السَّمَاع، أو الإجازة، أو المناولة، ولا بُدَّ من بيان كيفية الإجازة أيضًا، بل قال ابن الصَّلاح (٣) وغيره: يتَعَيَّن على من يَروي عن شيخٍ بالإجازة أنْ يَعْلَم أنَّ ما يرويه عنه ممَّا تحمَّله شيخُه قبل إجازته له، ومِثلُها ما يتجدَّد للمُجِيز بعدها من نَظْمٍ وتأليف.

стр. 786

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . تنبيه (١): (هـ/٢٠٦) كلامه مع صراحته في شرطيَّة ما ذُكِر يوهِم وجوب تعْيِين المُجاز به والمُجاز له، وقد مَرَّ لنا: أنَّ دونه مع الصحة تعْيِين المُجاز دون المُجاز به؛ فما يُفْهَم من كلامه من تخصيص ما ذُكِر بالجواز دون غيره خلاف الأرجح، وإن كان الخلاف فيما ذكرناه وجودًا، قاله (هـ) (٢). [قوله] (٣): «وإذا خَلَت المُنَاوَلَةُ عن الإِذْنِ ... إلخ»: أي: عن الإذْن باللفظ، واقتَرَن بها ما يُشْعِر بالإذْن، هذا مَحِل الخلاف، وأما إذا خَلَت عمَّا يشعر به أيضًا؛ فلا يجوز بها الرواية اتفاقًا كما يأتي، وهذا شامل لِمَا إذا وُجِد معها ما يَصْرِف عن الإذْن، أو ما هو مُحْتَمِلٌ له ولِعَدَمِه، قال العراقيُّ: وإنْ خَلَتْ مِنْ إذْنِ المُنَاْولَهْ ... قِيْلَ: تَصِحُّ والأَصَحُّ بَاْطِلَهْ (٤). قال في شرحه: «إذا خَلَت المناولَة [عن الإذن] (٥)» بأنْ ناوله مرويَّة فارَق الإعلام، واقتصر على قوله: هذا من مرويي، أو حديثي، أو نحوه؛ فقيل: تجوز الرواية بذلك لإشعاره بالإذْن في الرواية، والأصحُّ عَدَم الجواز؛ لعَدَم التَّصريح فيها بالإذْن. وقال الزَّرْكَشِيُّ (٦): «ولو ناوله الكتاب ولم يخبره أنَّه سماعه أو مرويه لم تَجُز الرواية اتفاقًا».

стр. 787

وجَنَحَ مَنِ اعْتَبَرَها إِلَى أَنَّ مُنَاولَتَهُ إِيَّاهُ تَقُومُ مَقامَ إرْسَالِهِ إلَيْهِ بالكِتَابِ مِن بلدٍ إِلى بلدٍ. وقَدْ ذهَبَ إِلى صحَّةِ الرِّوايةِ بالمُكَاتَبةِ المُجرَّدةِ جَماعةٌ مِنَ الأئمَّةِ، ولَوْ لم يَقْتَرِنْ ذَلكَ بالإِذْنِ بالرِّوايَةِ، كأَنَّهُم اكْتَفَوْا في ذَلكَ بالقَرينَةِ. ولَمْ يَظْهَرْ لي فَرقٌ قويٌّ بَيْنَ مُنَاولةِ الشَّيخِ الكِتَابَ مِن يَدِهِ للطَّالبِ، وبينَ إِرْسَالِهِ إِليهِ بالكِتَابِ مِنْ مَوْضعٍ إِلى آخَرَ إِذَا خَلَا كلٌّ مِنْهُما عَن الإِذْنِ. وَكَذَا اشْتَرَطُوا الإِذْنَ في الوِجَادَةِ، وَهِيَ: أَنْ يَجِدَ بِخَطٍّ يَعْرِفُ كَاتِبَهُ، فيَقُولُ: وَجَدْتُ بخطِّ فُلَانٍ، وَلَا يَسُوغُ فِيهِ إِطْلَاقُ: «أَخْبَرَني» بمُجرَّدِ ذَلكَ إِلَّا إِنْ كَانَ لهُ منهُ إِذنٌ بالرِّوايَةِ عنهُ. وأَطلقَ قَوْمٌ ذَلكَ فَغَلِطُوا. قوله: «يَقُوم مَقَامَ إرْسَالِه بالكِتَابِ»: الذي فيه الحديث مجرَّدًا عن الإجازة والإذْن في روايته؛ فإنَّ الصحيح جواز روايته له بمجرد الإرسال إليه. قوله: «بَيْنَ مُنَاوَلَه الشَّيخِ الكِتابَ من يَدِهِ للطَّالِبِ»: أي: بلا إذْن له في روايته، حيث لا تجوز له روايته عنه بذلك، «وبَيْنَ إرساله إليه الكتاب من مَوضِعٍ إلى آخر» أي: حيث يجوز له روايته عنه بذلك، وإنْ لم يكن معه إذنٌ في روايته عنه.

стр. 788

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . تتمة (١): يقول الراوي بالمُناولَة والإجازة إذا أدَّى: حدَّثنا أو أخبرنا، مع التقْيِيد بما ذُكِر ولا يُطْلِقُ على الأصحِّ عند الجمهور، خوفًا من حَمْله على غير المراد، كما أنَّ الأصح عند الجمهور أنَّه لا بُدَّ أن يَأتِيَ بما يُبَيِّن الواقع في كيفيَّة التحمُّل من: سماعٍ، أو مناولَة، أو إجازةٍ، بحيث يتمَيَّز كلٌّ عن غيره، كأن يقول: حدَّثنا أو أخبرنا فلان إجازةً أو مُناولَة، أو إجازةً ومُناولَةً، أو أذِن لي وأطْلَق لي، أو سوَّغ أو أباح لي، أو ناولَني، بل لو أباح المُجيز للمُجاز أنْ يُطْلِق: حدَّثنا أو أخبرنا؛ لم يَجُز له اعتماده لعَدَم إفادته، لا بُدَّ من الإتْيان بما يُبَيِّن الواقع كما مَرَّ. [قوله] (٢): «وكذا اشْتَرَطُوا الإذْنَ في الوِجَادَةِ»: أي: رواية ما تحمَّله بالوجادة، بلفظ: أخبرني، هذا مراده كما يدلُّ عليه ما ذَكَرَه في الشرح من قوله: «فيقول: وَجَدت بخطِّ فلانٍ، ولا يَسُوغ فيه ... إلخ»، وانظر: هل يَسُوغ أنْ يَقول: أخبرني وِجَادةٍ من غير إذنٍ وهو الظاهر، أم لا؟ قاله (ج) (٣). وفي كتابة: «الوِجَادَةُ» بكسر الواو، وتقدَّم بيان مَرْتَبَتِها، وهي مصدَرٌ مولَّدٌ قَصَدَ به المحدِّثون بيان معنى هذا النَّوع من وجوه (أ/١٧٧) التحَمُّل،

стр. 789

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . حيث رأوا العَرَب فرَّقوا بين مصادر وَجَدَ على اختلاف معانيه، فقالوا: وَجَدَ- بمعنى استغنى- وُجْدًا بالضم، وَوَجَدَ -بمعنى حَزِنَ- وَجْدًا بالفتح، وَوَجَدَ -بمعنى أصاب- وجُودًا، وهَلُمَّ جَرًّا. [قوله] (١): «يَعْرِفُ كَاتِبَهُ»: أي: سواءٌ عاصره أو لا، وظاهره ولو لم يكن ثقة كما هو ظاهر كلامهم، ولا يَبْعُد إبقاؤه على ظاهره، نعم: وجوب العمل الآتي ينبغي أن لا يكون إلَّا حيث كان ثقة؛ تأمل. إن وَثَقْت أنَّه بخطه؛ فلا إشكال أنْ تقول: وَجَدَت بخطِّ فلانٍ، أو قرأتُ بخطِّ فلانٍ، ثُمَّ تسوق سنده ومَتْنَه، وإن لم تَثِق أنَّه خطُّه فقل: وجدتُ عنه، أو ما قال لي فلانٌ أنَّه خطُّ فلانٍ، أو ما ظَنَنْتُ أنَّه خطُّ فلانٍ، وهذا النَّوع الذي لم يقارنه إذنٌ سواءٌ ما وَثَقت فيه بالخَطِّ وما لم تَثِق: كلُّه عندهم منقَطِعٌ أو مُعَلَّقٌ؛ لأنَّ الوِجَادة العاريَة من الإذن ليست من أسباب الرواية، وإنَّما هي حكايةٌ لِمَا وَجَد في الكتاب، ولكنَّ النَّوع الأول وهو: ما وَثَقت بأنَّه خطُّه، فيه شائبةُ أصْلٍ لزيادة (هـ/٢٠٧) القوة غير أنَّه لا يؤدَّى فيه بـ «عن»، ولا بـ «حدَّث» ولا بـ «أَخْبر»؛ لأنَّه بهذا يكون دَلَّسَه فيوهم أنه أخذَهُ عن صاحبه سماعًا أو إجازةً.

стр. 790

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ثُمَّ في العَمَل بالوِجَادةِ وما تضَمَّنَتْه ثلاثةُ أقوالٍ: وجوب العَمل على ما جَزَم به بعض المحقِّقين من أصحاب الشَّافعيِّ، [وامتناعه] (١) قياسًا على المُرسَل ونحوه مما لا يَتَّصِل، وجوازه ونُسِبَ للشَّافعيِّ، قال القاضي عِياضٌ (٢): وهو الذي نَصَرَه الجُوينيُّ واختاره غيرُه من أرباب التحقيق، قال العراقيُّ (٣): والأول هو الصواب الذي لا يَتَّجِه غيره في الأعصار المتأخرة؛ لقُصور الهِمَم فيها عن الرواية بالقراءة أو السَّمَاع، فلم يَبقَ إلَّا الوِجادة، وقال النَّوويُّ (٤): إنَّه الصحيح. [قوله] (٥): «إِطْلَاقُ: أَخْبَرَنِي»: أمَّا لو قَيَّد كـ: أخبرني فيما قرأتُ بخطِّه، أو بقراءتي بخطِّه، ونحوه؛ لم يكن مَحِل خِلَافٍ.

стр. 791

وَكَذا الوَصِيَّةُ بالكِتَابِ، وَهي أَنْ يُوصِيَ عندَ موتِهِ أَو سفرِهِ لشَخْصٍ مُعيَّنٍ بأَصلِهِ، أَوْ بأُصُولِهِ، فقَد قَالَ قومٌ مِنَ الأئمَّةِ المُتَقدِّمينَ: يَجُوزُ لهُ أَنْ يَرْوِيَ تلكَ الأُصُولَ عَنْهُ بمُجرَّدِ هذه الوَصيَّةِ! وَأَبَى ذَلكَ الجُمْهورُ، إِلَّا إِنْ كَانَ لهُ مِنْهُ إِجَازةٌ. وَكَذَا شَرَطوا الإِذْنَ بالرِّوايَةِ في الإِعْلَامِ، وهُوَ أَنْ يُعْلِمَ الشَّيخُ أَحدَ الطَّلَبةِ بأَنَّني أَرْوي الكِتَابَ الفُلانيَّ عَنْ فُلَانٍ. فَإِنْ كَانَ لهُ منهُ إِجَازةٌ، اعْتبرَ، وَإِلَّا فلَا عِبْرَةَ بذَلكَ؛ كالإِجَازَةِ العَامَّةِ في المُجَازِ لَهُ، لَا في المُجَازِ بهِ؛ كأَنْ يَقُولَ: أَجَزْتُ لجَمِيعِ المُسْلمينَ، أَوْ: لِمَنْ أَدْرَكَ حَيَاتِي، أَوْ: لأَهْلِ الإِقليمِ الفُلَانيِّ، أَو: لِأهْلِ البَلْدةِ الفُلانيَّةِ. وَهُوَ أَقْرَبُ إِلى الصِّحَّةِ؛ لقُرْبِ الانْحصَارِ. وَكَذَلكَ الإِجَازَةُ للمَجْهُولِ؛ كأَنْ يَكُونَ مُبْهَمًا أَوْ مُهْملًا. [قوله] (١): «وكذا الوَصِيَّةُ بالكِتَابِ»: قال بعضهم: كان ينبغي إثبات «في» بعد قوله: «كذا»؛ ليستقيم إعرابُ المَتْن، قُلْت: إعرابُه مستقيمٌ بعدمها؛ فـ «الوصية» مبتدأ، و «كذا» خبره، واسم الإشارة راجِعٌ للوجادة بالمعنى المصدريِّ، يعني أنَّ الوصية كالوِجَادة في اشتراط الإجازة (٢). قوله: «أو بِأُصُولِهِ»: أي: ولو كلُّها، لكن لا مع إعلامه صريحًا بأنَّه يرويه حتى يفارِق الإعلام.

стр. 792

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «من أئِمَةِ المُتَقَدِّمِينَ»: منهم ابن سيرين، محتَجِّين في ذلك بأنَّ فيه نوعًا من الإذْن وشَبَهًا من العَرْضِ أو المُناولَة، ورُدَّ بأنَّ الوصِيَة ليست بتحديثٍ ولا إعلامٍ بمرويه، على أنَّ ابن سيرين القائل بالجواز توقَّف فيه بعد، قال ابن الصَّلاح (٢): والقول بجواز الرواية بالوصيَّة زَلَّة عالم، مالم يُرِدْ قائله الرواية بالوِجَادَة، ولا يَصِحُّ تشبيهه بواحد من قِسمَي الإعلام والمُناولَة؛ فإنَّ لمجوِّزيها مستندًا ذَكَرْناه لا يتقَرَّرْ مثله ولا قريبٌ منه هنا، وأنْكَرَ ذلك ابن أبي الدَّمِّ وقال: الوصيَّة أرفعُ رتبة من الوِجَادة بلا خلافٍ، وهي معمولٌ بها عند الشافعيِّ وغيره (٣)؛ فهذه أولى وتَبعه الشارح في بعض كتبه كما نَقَلَه عنه بعض تلامذته في «شرح ألفيَّة العراقيِّ» (٤). [قوله] (٥): «فإنْ كان له»: أي: للطالب، «منه» أي: من الشيخ «إجازةٌ»، وجواب الشَّرْطِ محذُوفٌ تقديره: رواه. وقوله: «وإلَّا»: أي: وإن لم يَكُن للطالب إجازة من الشَّيخ؛ «فلا عِبْرة بذلك» الإعلام المجرَّد فهو قاصر على ما بعد، كذا ما قبله فينبغي فيه التصريح باشتراط الإذن معه، وما مشى عليه في الإعلام وهو قول الطُوسيِّ، وربما لا يجوز روايته عنه بلا

стр. 793

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . إذن فِرْقَةٌ من المتقدمين كابن جُريجٍ، وصاحب «الشامل» ردَّ بأنَّ هذا محمول على باب الاستدعاء في تحمُّل الشهادة، فكما لا يكفي إعلامه لها أو سماعه [لها] (١) منه في غير مجلس الحُكْم، وأنَّه لا بُدَّ أن يأذَن له في أن يشهد على شهادته، ولجواز أن يمتَنِع من أدائها لشكٍّ دخله؛ فكذلك هنا، قال ابن الصَّلاح: فهذا مما تساوت فيه الرواية والشهادة، نعم: إذا صحَّ عند أحدٍ ما حَصَل به الإعلام من الحديث وَجَبَ عليه العمل به وإن لم يَجُز له روايته؛ لأنَّ العمل به يُكْتَفى فيه بصحته في نفسه وإن لم يكن له به رواية، كما في نقل الحديث من الكتب المعتَمَدة، قيل: وفي القول بالمَنْع نظرٌ يؤخذ من كلام ابن أبي الدَّمِّ الذي قدَّمناه. (أ/١٧٨) [قوله] (٢): «في المُجَازِ لَهُ»: أي: سواء كان مشتملا على وصفٍ خاصٍّ (٣) أو لا، كما يعلم من أمثلة الشارح، وما مشى عليه من المنع هو قول ابن الصَّلاح (٤)، لكن قد أجازها جماعات من الأئمة المُقْتَدَى بهم ممَّن تقدَّم على ابن الصَّلاح وممَّن تأخر عنه، ورجَّحه ابن الحاجب والنووي (هـ/٢٠٨) وغيرهما (٥)، هذا وقد قال العراقيُّ (٦) مع أنَّه ممن يروي بها: وفي النَّفس منها شيءٌ، وإنَّما أتوَقَّف عن الرواية بها، وقال في «نكته»: والاحتياط تَرْك الرواية بها.

стр. 794

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «لا في المُجَازِ بِهِ»: صورتها أن يُعَيِّن المُجاز له ويُعَمِّم في المُجَاز به، كقوله: أجَزتُ لفلان جميعَ مسموعاتي، وجميعَ مروياتي، أو جميع مجازاتي، وليس معناه أنَّه عمَّم في المُجاز له لا في المُجاز به؛ لأنَّه متى عمَّم في المُجاز له بَطَلَت سواء عمَّمَ في المُجاز به أو خَصَّصَ، كقوله: أجَزت لجميع المسلمين جميع إجازاتي، أو لهم أو لمن أدرك زماني في الكتاب الفلاني، أو مروياتي، على الراجح وأشار بقوله: «أو لأهل الإقليم ... إلخ» إلى أنَّ التعميم على قسمين: تارةً لا يكون مع وَصْفِ حَصْرٍ، وتارةً يكون معه. وقوله: «وهو أَقْرَبُ إلى الصِّحَّة ... إلخ»: وجْهُهُ: أنَّ التعميم الذي معه وصفُ حَصْرٍ أقْرَب إلى الجواز عِنْدَ مُجيزي الإجازة العامة مما ليس معه وَصْف حَصْرٍ كما قاله ابن الصَّلاح، بل قال القاضي عِيَاضٌ (٢): فما أحسبهم اختلفوا في جوازه ممن تصح عنده الإجازة ولا رأيت منعه لأحد لأنه محصور موصوف كقوله لأولاد فلان أو إخوة فلان. [قوله] (٣): «وكَذَا الإِجَازَةُ للْمَجْهُولِ ... إلخ»: سياق كلامه يعطي أنَّه المُجَاز له، مع أنَّه لا فَرْق في الجهل بين كونه في المُجَاز

стр. 795

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . له، أو في المُجَاز به، أو فيهما؛ فالأول: كأجزتُ بعضَ الناس صحيح البخاري، والثاني: كأجزت بعضَ مسموعاتي، والثالث: كأجزتُ جماعةً من الناس بعضَ مسموعاتي. [قوله] (١): «كأنْ يكون مُبْهَمًا أو مُهْمَلًا»: قال (ق) (٢): «تقدَّم أنَّ المُبْهَم: من لم يُسَم، والمهمل: من سُمِّيَ ولم يَتمَيَّز» انتهى، قُلْتُ: وذلك بترك ما يُعْرَف به من كُنْيَةٍ، أو لقبٍ، أو حِرْفَةٍ، أو نسَبٍ، ولا يخفى عليك أنَّ الإبهام والإهمال يجريان أيضًا في المُجَاز له والمُجَاز به، كأجزتُ محمد بن خالد الدمشقيَّ وهناك جماعة يشاركونه في اسمه ونِسبَته المذكورة، أو أجَزت الفلاني كتابَ السُّنن وفي مرويَّاته عدة كتب يعرف كل منها بالسُّنن، ومَحِل المَنْع ما لم يتعَيَّن الشَّخص أو الكتاب فإن تعَيَّن؛ جاز، كأنْ يقال للشيخ: أجَزتَ لي كتاب السُّنن لأبي داود، فيقول: أجزتُ لك رواية السُّنن، أو يُقال له: أجزتَ لمحمد بن خالد بن علي بن مسعود، فيقول: أجزتُ لمحمد ... إلخ؛ لأنَّ الجواب يُنَزَّل على السؤال.

стр. 796

وَكَذَلكَ الإِجَازةُ للمَعْدُومِ؛ كَأَنْ يَقُولَ: أَجَزْتُ لِمَنْ سَيُولَدُ لِفُلَانٍ. وَقَدْ قيلَ: إنْ عَطَفَهُ عَلَى مَوْجُودٍ، صَحَّ؛ كَأَنْ يَقُولَ: أَجَزْتُ لَكَ، وَلِمَنْ سيُولَدُ لَكَ، والأقْرَبُ عَدَمُ الصِّحَّةِ أَيضًا. وكَذَلكَ الإِجَازةُ لمَوْجودٍ أَو مَعْدومٍ عُلِّقَتْ بشَرْطِ مَشِيئةِ الغَيْرِ؛ كَأَنْ يَقُولَ: أَجَزْتُ لكَ إِنْ شَاءَ فُلَانٌ، أَوْ: أَجَزْتُ لمَنْ شَاءَ فُلَانٌ، لَا أَنْ يَقُولَ: أَجَزْتُ لَكَ إِنْ شِئْتَ. [قوله] (١): «وكَذَا الإِجَازَةُ للْمَعْدُومِ»: أي: سواءٌ كان تابعًا لموجودٍ أو كان خاصًّا به استقلالًا. فالأول: كأجزت مروياتي أو كتابَ كذا لفلان وأولاده ونَسْله وعَقِبه ولمن يُولَد له. والثاني: كقوله: أجزت لمن يولَد لفلانٍ، ولم يُصَرَّح به؛ لأنَّه في الخلاف أضيق من الأول، وممن أجاز الأول: [ابن أبي داود السِّجِسْتَانيُّ] (٢) وفَعَلَه أيضًا، وحجَّته: القِياس على الوصيَّة والوَقْف على المعدوم، وعليه حيث يَصَّحان إذا عُطف على موجود، كوقفت أو أوصيت فلانًا على أولادي الموجودين ومن يُحْدِّث الله لي من الأولاد، كذا قاله الشافعية، وما مشى عليه الشارح كلام القاضي أبي الطيب، فإنه ردَّ القِسمين جميعًا، قال العراقيُّ (٣): وهو الصحيح المعْتَمَد، ووَجَّهه بأنَّ الإجازة في حكم الإخبار جملة بالمجاز به؛ فكما لا يصحُّ الإخبار للمعدوم لا تصحُّ الإجازة له،

стр. 797

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفارَقت الوقف والوصية بأنَّ المقصود فيها: اتصال السَّنَد، ولا اتصال بين الموجود والمعدوم، ويَلْزم بعض أتباع أبي حنيفة ومالك ممَّن أجاز الوقف والوصية للمعدوم أنْ يُجِيز الإجازة له بل هي أولى، وقد مَرَّ الفَرْق بينهما. قوله: «بِشَرْطِ مَشِيئَة الغَيْرِ»: أي: غير المُجَاز له؛ فيشْمَل ما عُلِّق بمشيئة المجيز. [قوله] (١): «إلَّا أنْ يقول: أجزتُ لك إنْ شِئْتَ»: أي: بأنْ علَّق الإجازة بمشيئة المُجَاز له مُعَيَّنًا، فإنْ (هـ/٢٠٩) علَّقَها بمشيئة مُبْهَمًا كقوله: مَنْ شاء أنْ أجيز له فقد أجزتُ له؛ فقال ابن الصَّلاح (٢): الظاهر بطلانها، وأفتى به القاضي أبو الطيب الطبري الشافعي، وأجازها أبو يعلى بن الفراء الحنبلي، وأبي الفضل بن عَمروس بفتح أوله، وذا الخلاف يجري فيما إذا علَّقَها بمشيئة غير (أ/١٧٩) المُجَاز له معيَّنًا ولو عَيَّن المُجَاز، ويدخل في ذلك: تعليقُها بمشيئة الشيخ المُجِيز كقوله: من شاء فلانٌ أن أجِيزَه فقد أجزتُه، أو أجزتُ لمن شاءه فلانٌ، أو أجزتُ إنْ شئتَ إجازته، وأمَّا إذا علَّقَها بمشيئة [غير] (٣) المُجَاز له وهو غير مُعَيَّنٍ كقوله: أجزتُ لمن شاء بعض النَّاس أنْ أجِيزَه، فهي باطلة قطعًا؛ فالصُور أربعٌ: منها واحدة باطلةٌ قطعًا وهي الأخيرة، وواحدةٌ جائزةٌ قطعًا وهي الأولى، والمتوسطتان فيهما خلاف، قاله (ج) (٤).

стр. 798

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقال (هـ) (١): قوله: «لموجودٍ أو مَعْدُومٍ عُلِّقَت بِشَرْطِ ... إلخ» يجعله من قِسم الإجازة للمعْدوم فقط، ولا من قسم الإجازة للمجهول فقط؛ لأنَّه قد يتركب منها جميعًا كما أشار إليه بقوله: «لموجود أو معدوم» بِجَعْل «أو» في كلامه مانعة خلوٍّ لا جَمْعٍ، وأمَّا ابن الصَّلاح فلم يُفْرِده بترجمة بل أدْخَله في الإجازة للمجهول؛ لأنَّ فيه جهالة وتَعْلِيقًا، وأفرَده العراقيُّ؛ لأنَّ الصورة الأخيرة منه لا جهالة فيها، أعني ما أشار إليه الشارح هنا بقوله: «أجَزتُ لك إنْ شئتَ»، وملخَّص القول في المسألة: أنَّ المشيئة تارة تكون في الإجازة ولها صورتان: الأولى: تعليقها بمشيئة المُجاز له، كقوله: من شاء أن أُجيز له فقد أجزتُ له، أو أجزتُ لمن شاء. والثانية: تعليقها بمشيئة غيره معيَّنًا كقوله: من شاء فلانٌ أن أُجيزه فقد أجزتُه، أو أجزتُ لمن يشاؤه فلانٌ، أو أجزتُ من شئتَ إجازته. وما قاله المؤلِّف تَبِع فيه ابن الصَّلاح (٢) وغيره، معلِّلًا له بأنَّه إجازة لمجهول؛ فهو كقوله: أجزت لبعض الناس، وقد يعلَّلُ أيضًا بما فيها من التعليق بالشَّرْطِ، وأجازهما أبو يَعلى بن عَمروس، مجيبين باندفاع الجهل بالمشيئة. وتارةً يكون في الرواية بها، بأنْ يقول: من شاء أن يروي عني أجزتُ له أن يروي عني، وهذه الصُورة عند من يجوِّز الأوليَيْن أولى؛ من حيث إنَّ مقتضى كلَّ إجازةٍ تفويض الرواية بها إلى مشيئة المُجَاز له، فكان هذا مع كونه بصيغة التعْلِيق تصريحًا بما يقتضيه الإطلاق وحكايةً للحال لا تعليقًا في الحقيقة، وأيده

стр. 799

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بتجويز البيع بقوله: بعتك هذا بكذا إنْ شئتَ مع القبول، ورده العراقيُّ بأنَّ: المتاع مُعيَّن والمُجَاز هنا مبهَمٌ ... إلخ. [قوله] (١): «لا أنْ يقولَ ... إلخ»: يعني أنَّه إذا عَيَّن فقال: أجزتُ لفلانٍ أنْ يردَّ أو يُجيب أو يشاء الإجازة أو الرواية عني فالأظهر الجواز، وهو الأقوى؛ لانتفاء الجهالةٍ حينئذٍ. خاتمة (٢): بَقِيَ من أنواع الإجازة: الإجازة لغير المتأهِّل حال الإجازة، كالكافر، والفاسق، والمبتدع، والمجنون، والحمل، والطفل الذي لم يميِّز، والجمهور على صحتها للأخير؛ لأنَّ الإجازة إنما هي إباحة المُجيز الرواية له، والإباحة تصحُّ للعاقل وغيره، فكأنَّهم رأوا الطفل أهلًا لتحمُّل هذا النوع الخاصِّ ليؤدي به بعد أهليَّته، حرصًا على إبقاء سلسلة الإسناد التي اخْتُصَّت بها هذه الأمة، وعلى تقريبه من رسول الله، وقيل: لا تصح الإجازة له؛ لعدم تميِّزه وبه قال الشافعي (٣)، ويؤخذ من التوجيه صحتها للمجنون، ولا نَقْل في الكافر مع صحة سماعه، إلَّا ما فُعِل بحضرة يوسف بن عبد الرحمن المِزي وإقراره له بجميع مروياته، وعليه فالفاسق والمبتدع أولى، فإذا زال مانع الأداء صحَّ الأداءُ كالسَّمَاع، ولا نَقْل في الحمل أيضًا لكنه أولى بصحة الإجازة منها للمعدوم عند من قال (هـ/٢١٠) بصحتها له.

стр. 800

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وبَقِيَ من أنواع الإجازة أيضًا أنْ يُجيز الشَّيخ الطالبَ بما سيحمِله الشَّيخ المُجيز ليرْويَه المُجاز له بعد أنْ يحمِله المُجيز من غير استئناف تحمُّل ثانٍ، قال العراقيُّ (١) والقاضي عِياضٌ (٢) والنَّوويُّ (٣) في هذا النَّوع من الإجازة: إنَّه باطل لا اعتداد به، كما يَبْطُل توكيل من وَكَّل ببيع ما لم يتملَّكه، ولأنَّ الإجازة في حكم الإخبار بالمُجاز جُمْلَة؛ فلا يُجيز بما لا خبر عنده منه، ولم يفرِّقوا بين عطفه على تحمُّله كـ: أجزت لك ما رويته وما سأرويه، وعَدَمِ عطفه عليه، نعم: إن قال الشَّيخ لطالبٍ: أجزتُك ما صحَّ عندك، أو ما سيصح عندك أنَّه من مسموعاتي مثلًا؛ كانت الإجازة صحيحة، وإنْ كان المجيز وقت الإجازة غير عالمٍ بما صحَّ عند المُجَاز بعدها، وكذا لو حَذَف الصحة فقال: أجَزتك ما هو من مروياتي، سواءٌ حيث عَرَف الراوي حال الإجازة أو بعدها بطريق يُعْتَمد عليه عندهم أنَّه مما تحمَّله الشيخ قبلها؛ صحت له روايته، وفارَقَ هذا القسمُ ما (أ/١٨٠) قبله بقِسميه: بأنَّ الشيخ فيهما لم يرو بعدُ، وأما هنا فروى لكنَّه قد يكون غير عالم بما رواه؛ فيُحيل الأمر فيه على ثبوته عند المُجاز له. وبَقِيَ من أنواع الإجازة: أن يجيز الشَّيخ للطالب رواية ما أُجيز الشَّيخ به، بأنْ تكون إجازة على إجازة؛ [فمنعها] (٤) قومٌ، سواءٌ عُطفَت على الإذْن بمسموعٍ أو لا، وردَّه ابن الصَّلاح بأنَّه قول [من] (٥) لا يُعْتَدُّ به من المتأخِّرين،

стр. 801

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقيل: إنْ عُطف على ما ذُكِر جاز، وإلَّا [فلا] (١)، وثالث الأقوال وهو الصحيح الذي عليه العمل: الاعتماد عليه، أي: على الإذن بما أُجيز مُطلقًا، ولا يُشبه مَنْع الوكيل من التوكيل بغير إذن موكِّله؛ لأنَّ الحقَّ هناك لموكِّله فإنه ينفذ عزله، بخلافه هنا إذ الإجازة مُخْتَصَّة بالمُجَاز له ولو رجع المُجِيز عنها، وهذا [هو] (٢) الذي عليه النُقَّاد كأبي نُعَيم (٣) وابن عُقْدَة (٤) والدَّارَقُطْنِيُّ (٥)، حتى منهم من والى بثلاث أجايز، ومنهم من والى بخمس وهو ممَّن يُعتمد عليه من الحفاظ، كالحافظ أبي محمد عبد الكريم الحَلَبِيُّ. تتمة: ينبغي وجوبًا لمن يريد الرواية بذلك تأمُّل كيفيَّة إجازة شيخ شيخه، وكذا إجازة من فوقه لمن يليه، وهَلُمَّ جَرًّا، ويتأمَّل مقتضاها حتى لا يروي بها ما لم يندَرِج تحتها، فربَّما قَيَّد بعض المجيزين بما سمعه، أو بما حدَّث به من مسموعاته، أو بما صحَّ عند المُجَاز له أو نحوها فلا يتعداه، حتى لو صحَّ شيء من مرويِّه عند الراوي لم يَطَّلع عليه شيخه المُجَاز له إذا اطلع عليه لكنه لم يصح عنده لا يَسُوغ له روايته بالإجازة، وقال بعضهم: بل ينبغي أنْ يَسُوغ له؛ لأنَّ صحة ذلك قد وُجِدت فلا فرق بين صحته عند شيخه وغيره.

стр. 802

وَهَذَا عَلَى الأَصَحِّ في جَمِيعِ ذَلكَ. وقَدْ جَوَّزَ الرِّوايةَ بجَميعِ ذَلكَ سِوى المَجْهُولِ -مَا لَمْ يَتَبَيَّنِ المُرَادُ مِنْهُ- الخَطيبُ، وَحَكَاهُ عَنْ جَمَاعةٍ مِنْ مَشَايخِهِ. وَاسْتَعْمَلَ الإِجَازةَ للمَعْدُومِ مِنَ القُدَماءِ: أَبو بَكْرِ بْنُ أَبي دَاودَ، وَأَبو عبدِ اللهِ بْنُ مَنْدَه. وَاسْتَعْمَلَ المُعَلَّقةَ مِنْهُم أَيضًا: أَبو بكرِ بْنُ أَبي خَيْثَمَةَ. ورَوَى بالإِجَازَةِ العَامَّةِ جَمعٌ كَثيرٌ، جَمَعَهُمْ بَعضُ الحُفَّاظِ في كِتَابٍ، وَرتَّبَهُم على حُرُوفِ المُعْجَمِ لكَثْرَتِهمْ. وكُلُّ ذَلكَ -كَما قَالَ ابنُ الصَّلاحِ- تَوسُّعٌ غيرُ مَرْضِيٍّ؛ لأنَّ الإِجَازةَ الخَاصَّةَ المُعيَّنَةَ مُخْتَلَفٌ فِي صِحَّتِهَا اخْتِلافًا قَويًّا عِنْدَ القُدَمَاءِ، وَإِنْ كَانَ العَملُ قد اسْتَقرَّ عَلَى اعْتِبَارِها عندَ المُتأَخِّرينَ، فَهِيَ دُونَ السَّماعِ بالاتِّفاقِ، فكَيفَ إِذا حَصَلَ فيها الاسْتِرْسَالُ المَذكورُ؟! فَإِنَّها تَزْدادُ ضَعفًا، لَكنَّها في الجُملَةِ خيرٌ مِن إِيرادِ الحَدِيثِ مُعْضلًا، وَاللهُ تعالى أَعْلَمُ. وَ إِلَى هُنَا انْتَهى الكَلامُ في أَقْسَامِ صِيَغِ الأدَاءِ. وقوله: «في جَمِيعِ ذلك»: يعني من الإجازة العامة وما بعدها، قاله (هـ) (١).

стр. 803

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [قوله] (١): «سوى المجهول»: أراد (٢) به ما يشمَل المُبْهَم والمُهْمَل وتقدَّم ما في هذا. [قوله]: «سوى المجهول»: أراد منه: أنَّ ما يَتَبيَّن المراد من المجهول بقرينةٍ صحت الإجازة له عند الخطيب وغيره؛ لأنَّ القرينة تقوم مقام النص عليه. [قوله] (٣): «للمعدوم»: أي: المُقيَّد كأجزتُ لمن يوجَد من نسلِ فلانٍ، إذ غيره لم يَقُلْ أحدٌ كما مَرَّ، قاله (ج) (٤). [قوله] (٥): «واسْتَعْمَلَ المُعَلَّقَة ... إلخ»: أي: المُعَلَّقة بمشيئة غير المُجَاز له إن عُيِّن، أو بمشيئة المُجاز له غير المعيَّن، وأمَّا المعلَّقة بمشيئة غير المُجاز له إذا لم يُعيَّن فتُمْنَع اتفاقًا، والمُعَلَّقة بمشيئة المُجاز له المُعَيَّن فتجوز اتفاقًا، قاله (ج) (٦). [قوله] (٧): «بالإجازة العَامَّةِ ... إلخ»: يشمل ثلاث صور: الأولى: أن يكون العموم في المُجاز له، سواء تعيَّن المُجَاز

стр. 804

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . به أم لا، كقوله: أجَزتُ المسلمين أو لمن أدرك زماني الكتاب الفلاني، أو مروياتي، ومال إلى الجواز في الصُورتين: الخطيبُ وابن مَنْدَه (١) وأبو العلاء الحسن بن أحمد الهمداني، مُطْلَقًا أي: في الموجود وقت الإجازة وبعدها قبل وفاة المُجيز، ومال الطَّبريُّ للجواز في الصورتين أيضًا، لكن في الموجود وقت الإجازة، ومال ابن الصَّلاح إلى المنع في الصورتين. قال شيخ الإسلام: لكن أجازها جماعة من المعْتمَدِين ممَّن تقدَّم ابن الصَّلاح وممَّن تأخَّر عنه، ورجحه ابن الحاجب والنَّوويُّ وغيرهما ... إلخ، وكلام المؤلِّف هنا يقتضي خصوص الخلاف بالقسم الأول من هذه الصورة، وليس بظاهرٍ لِمَا ذَكَرْنا. الثانية: أن يقع العموم في المُجاز به ويعيَّن المجاز [له] (٢)، كقوله: أجزتُ لك جميع مسموعاتي ومروياتي، والجمهور على القبول في هذه روايةً وعملًا، انظر شرح العراقيِّ (٣). [قوله] (٤): «فكيفَ إِذا حَصَلَ فيها الاسْتِرْسَالُ المَذْكُورُ»: قد قدَّمنا: جواز الإجازة على الإجازة، وهو الصحيح المعتَمَدُ.

стр. 805

ثمَّ الرُّوَاةُ، إِنِ اتَّفَقَتْ أَسْمَاؤهُمْ وَأَسْماءُ آبَائِهِمْ فَصَاعِدًا، وَاخْتَلَفَتْ أَشْخَاصُهُمْ؛ سَواءٌ اتَّفَقَ في ذَلكَ اثْنَانِ مِنْهُم أَمْ أَكْثَرُ، وكَذلكَ إِذَا اتَّفَقَ اثْنانِ فَصَاعِدًا في الكُنْيةِ وَالنِّسْبةِ، فَهُو النَّوعُ الَّذي يُقالُ لَهُ: المُتَّفِقُ وَالمُفْتَرِقُ . وَفَائدةُ مَعْرفَتِهِ: خَشْيَةُ أَنْ يُظَنَّ الشَّخْصَانِ شَخْصًا وَاحِدًا. وقَدْ صَنَّفَ فيهِ الخَطيبُ كتابًا حَافِلًا. وقَدْ لخَّصْتُهُ، وَزِدْتُ عَلَيْهِ أَشياءَ كثيرةً. [قوله] (١): «ثُمَّ الرُّواة ... إلخ»: اعلم أنَّ المُتفِق والمُفتَرِق أنواع ثمانية: أحدهما: أنْ تتَّفق أسماء الرواة وأسماء آبائهم الدُنيا، نحو: الخليل بن أحمد، فإنَّ هذا اللفظ وقع في أكثر من ستة، منهم: الخليل بن أحمد بن عمرو بن تَمِيمٍ الأزديُّ البَصريُّ النحويُّ، صاحب العَرُوضِ وهو أول من استخرجه، وصاحب كتاب «العين» في اللغة، ومنهم: الخليل بن أحمد بن بِشر المُزنِيُّ، ومنهم: الخليل بن أحمد بن محمد السِجْزيُّ الحنفيُّ قاضي سَمَرْقَنْد (٢). (أ/١٨١) ثانيهما: أن تتَّفق أسماؤهم وأسماء آبائهم وأجدادهم. قال العراقيُّ (٣): ومن غرائب ما اتَّفق في هذا النَّوع: محمد بن جعفر بن محمد، ثلاثة متعاصرون ماتوا في سنة واحدة، وكلُّ واحدٍ منهم في عشر المائة، وهم: أبو بكر محمد بن جعفر بن محمد بن الهَيْثَمِ الأنْبَاريُّ، وأبو عمرو محمد

стр. 806

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ابن جعفر بن محمد بن مَطَرٍ النيسابوريُّ، وأبو بكر محمد بن جعفر بن محمد ابن كِنَانَة البغداديُّ، ماتوا في سنة ستين وثلاثمائة. وثالثهما: أنْ تتَّفِق الكنية والنِّسبة، ومن أمثلة ذلك: أبو عِمران الجَونيُّ -بفتح الجيم وإسكان الواو-، وهما اثنان؛ أحَدهما: عبد الملك بن حبيب تابعيٌّ، وثانيهما: موسى بن سَهْل بن عبد الحميد. ورابعها: أن يتَّفِق الاسم واسم الأب والنِّسبة، نحو: محمد بن عبد الله الأنصاريُّ، فإنَّه لاثنين: محمد بن عبد الله الأنصاريُّ البَصريُّ، والثاني: محمد بن عبد الله بن زياد الأنصاريُّ. وخامسها: أن تتَّفِق كُناهم وأسماء آبائهم، نحو: أبو بكر بن عَيَّاش -بالشين المعجَمة-، فإنَّه لثلاثة: أبو بكر بن عَيَّاش بن سالم الأسديُّ الكوفيُّ، وأبي بكْر ابن عَيَّاشٍ الحِمصيِّ، وأبي بكر بن عَيَّاشٍ السُّلَميِّ. وسادسها: أن تتَّفِق أسماؤهم وكنى آبائهم -عكس الخامس-، نحو: صالح ابن أبي صالح، [لأربعة: صالح بن أبي صالح] (١) المَدَنيُّ مولى بنت أمية بن خَلِف الجُمَحِيِّ يروي عن أبي هريرة، وصالح بن أبي صالح ذَكْوان السَّمَّان يروي عن أنسٍ، وصالح بن أبي صالح السَّدُوسِيُّ يروي [عن عليٍّ وعائشة، وصالح بن أبي صالح مهران المَخْرَميُّ يروي] (٢) عن أبي هريرة.

стр. 807

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وسابعها: أن تتَّفِق أسماؤهم أو كناهم أو نِسبتهم فيَقَع واحدٌ في السند باسمه، أو كنيته، أو نسبه مهملًا من ذِكْر أبيه، أو غيره مما يتمَيَّزان به عن المشاركة [له] (١) فيما يرويه. وثامنها: ما يحْصُل الاتِّفاق فيه في النَّسب لفظًا مع أنَّه مُفترِقٌ، كالحَنَفِيِّ فإنَّه منسوب لبني حَنِيفَة كأبي بكر عبد الكبير، وأبي علي بن عبد الله، روى لهما الشيخان -البخاري ومسلم-، ومنسوب لمذهب أبي حنيفة النعمان، وأنت مخير في هذا [بين] (٢) أن تقول: الحَنَفِيَّ والحنيفيَّ بزيادة (هـ/٢١٢) الياء ليتميز عن المنسوب للقبيلة. انتهى. وبهذا يَتبيَّن لك ما في كلامه من القصور، فإن قُلْتَ: قوله في السابع: أو النِّسبة، مع ما ذَكَرَه في الثامن؛ يقتضي أنَّ الثامن فرْدٌ من أنواع السابع، قُلْت: يمكن أنْ يقال: إنَّ المراد بالنِّسبة في السابع: نِسبة القرابة، وفي الثامن: النِّسبة إلى المذهب أو القبيلة، قاله (ج) (٣). وقال (هـ) (٤): «قوله: «واختلفت أشخاصهم»، قال (ق) (٥): قال بعض من ادَّعى الفضل في هذه الصناعة.

стр. 808

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قوله: «واختلفت ... إلخ» حشوٌ زائدٌ لا فائدة فيه؛ لأنَّ أشخاصهم لا تكون إلَّا مختلفة فحذفه أولى، قُلْتُ: هذا التعليل لا معنى له، والصواب أن يقال: لأنَّ لفظه: «الرواة إن اتفقت أسماؤهم» يغني عنه، ويمكن أنْ يقال في جوابه: إنَّ هذا بيانٌ للواقع، وكثيرًا ما يَقَعُ للبُلَغَاء» انتهى. وعندي: [أنَّه] (١) عَيْنُ ما قاله؛ فإنَّ ضمير «أشخاصهم» للرواة، والمعنى: أنَّ [أشخاصهم] (٢) من اعتبر فيهم التَّعدُّد بكونهم رواة، ثُمَّ إنَّه لم يأت في الجواب بأزيد من الإشكال، وقول المؤلِّف: «في الكُنية والنِّسبة» «الواو» فيه بمعنى «أو». [قوله] (٣): «الذي يُقَالُ له»: أي: على وجه التَّسميَة، وعليه فالذي يظهر سقاط هذه الواو؛ لأنَّ المراد أنَّ هذا النَّوع جمع الوصفين من غير استقلال بأحدهما، كما قالوه في: حلو حامض، وقد يُفَرَّق ببقاء ذاك على الوصفيَّة، ونَقْل هذا إلى العلميَّة الجِنسيَّة؛ فهو منقول من: معطوف ومعطوف عليه [حرف] (٤)، وكذا ما بعده وما أشبههما، وإنما كان فيه الاتِّفاق لاتِّحاد لفظه وخطِّه، وإنَّما كان منه الافتراق لتَعَدُّد مسمَّياتِه، وهو من قَبيل المُشتَرَك اللفْظِيِّ، والمهم منه: من يشتبه أمره لتعَاصُرٍ، واشتراك في شيوخ أو رُواة.

стр. 809

وَهَذا عَكْسُ ما تَقدَّمَ مِنَ النَّوعِ المُسمَّى بالمُهْمَلِ؛ لأنَّهُ يُخْشى مِنْهُ أَنْ يُظَنَّ الوَاحِدُ اثْنَيْنِ، وَهَذا يُخْشى مِنْهُ أَنْ يُظَنَّ الاثْنَانِ وَاحِدًا. وَإِنِ اتَّفَقَتِ الأَسْمَاءُ خَطًّا، واخْتَلَفَتْ نُطْقًا؛ سَوَاءٌ كَانَ مَرْجِعُ الاخْتِلَافِ النَّقْطَ أَم الشَّكْلَ، فَهُو: المُؤتَلِفُ وَالمُخْتَلِفُ . وَمَعْرِفَتُهُ مِنْ مَهمَّاتِ هَذَا الفَنِّ، حتَّى قَالَ عَليُّ بنُ المَدينيِّ: «أَشَدُّ التَّصْحيفِ مَا يَقعُ في الأَسْمَاءِ»، وَوجَّهَهُ بَعْضُهم بِأَنَّهُ شيءٌ لا يَدْخُلُهُ القياسُ، ولَا قَبْلَهُ شَيءٌ يدُلُّ عَليْهِ، ولَا بَعْدَه. [قوله] (١): «وفَائِدَةُ مَعْرِفَتِه ... إلخ»: يجبُ أنْ يقدَّر معه مضاف، أي: دفع خَشيَة، أو من خَشيَة، وإلَّا لم يصحَّ؛ لأنَّ معرفته تدفع الخَشيَة المذكورة ويؤمَن معه منها لا أنَّها توجبها. [قوله] (٢): «وهذا عَكْسُ ما تقدَّمَ من النَّوع المسمَّى بالمُبْهَمِ»: لعلَّه أراد به ما عُرِفَتْ فيه مَعْرِفَة لقب (أ/١٨٢) الراوي، وإليه أشار العراقيُّ (٣) بقوله: وَاعْنَ بِالْأَلْقَابِ فَرُبَّمَا جُعِلْ ... الْوَاحِدُ اثْنَيْنِ الَّذِي مِنْهَا عَطِلْ أي: خلا؛ بظنِّه أن الألقاب أسامي، وقد وقع ذلك [لجماعة] (٤) من أكابر العلماء، كعليِّ بن المَدينيِّ، فرقوا بَيْن عبد الله بن أبي صالح، وبَيْن عَبَّاد بن أبي صالح وجعلوهما اثنين، وليس عبَّاد بأخٍ لعبد الله بل هو لقبه، فقوله: «واعن بالألقاب» أي: بمعرفتها.

стр. 810

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قال شيخ الإسلام (١): «ومن فوائده، أي: المتفق والمفترق، أي: معرفته الأَمن فيه من اللَّبس، فربما يُظنُّ المتعدِّد واحدًا، عَكْسُ ما مَرَّ في الألقاب، وربما يكون أحد المتَّفقين ثقة والآخر ضعيفًا فيُضَعَّف ما هو صحيح، أو بعكسه» انتهى. وليس المراد به ما مَرَّ في قوله: «وإن روى عن اثنين متفقي الاسم ولم يتميز ... إلخ»، وقال في الشَّرح هناك عقب قوله الاسم: أو مع اسم الأب، أو مع اسم الجدِّ، أو النِّسبة؛ إذ هو مساوٍ لما هنا في أنَّ معرفته خَشيَة ظَنِّ الاثنين واحدًا، وهذا إن كان قوله: «وإن روى عن اثنين» على ظاهره، وإنْ كان المعنى: وإنْ روى عن أحد اثنين على عَدَم ذِكْرِ ما يبيِّن المهمَل فيه إجمال، قاله (ج) (٢). وقال (هـ) (٣): «قوله: «وهذا عكس ما تقدَّم من النَّوع ... إلخ» قال (ب): ليس كذلك بل هما على حدٍّ سواءٍ، يُخشَى من كلٍّ منهما تارةً أنْ يُظَنَّ الاثنان واحدًا، أو أخرى أنْ يُظَنَّ الواحد اثنين، فإنَّ المُهْمَل كما مَرَّ هو: (هـ/٢١٣) أن يروي الراوي عن اثنين متفقي الاسم، أو مع اسم الأب، أو مع الجدِّ، أو مع النَّسب، وهذا كما ترى من المتَّفِق والمُفْتَرِق، والله أعلم» انتهى. وأقول: فيه تأمُّلٌ أيضًا؛ فإن المُهمَل الذي قدَّمه: أن يروي الراوي فيه عن اثنين متفقي الاسم، أو مع اسم الأب، أو مع اسم الجدِّ، أو مع النِّسبة، وهذا إنما يُظنُّ فيه المتعدِّد واحدًا، لا واحد متعدِّدًا، نعم: ما تعدَّدت فيه النُّعوت لواحدٍ يُتَوهَّم فيه كون الواحد متعدِّدًا؛ تأمل.

стр. 811

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [والظاهر أيضًا: عدم صحة إرادة المُهمَل لمن قوله في المجهول من الإجازة مبهما أومهمَلًا لهذا أيضًا.] (١) [قوله] (٢): «لأنَّه»: أي: النَّوع المسمَّى بالمُهْمَل. [قوله] (٣): «وهذا يُخْشَى مِنْهُ»: أي: في هذا النَّوع المسمَّى بالمتَّفِق والمُفْتَرِق يخشى منه ... إلخ، وقد عَرَفْت ما فيه، قاله (هـ) (٤). [قوله] (٥): «وإن اتَّفَقَت الأسماء خَطًّا ... إلخ»: نحو: حِزام وحَرام، قال العراقيُّ (٦): وَفِي قُرَيْشٍ أَبَدَاً حِزَامُ ... وَافْتَحْ فِي الانْصَارِ بِرَا حَرَامُ أي: ليس في قريش حَرَامٌ بالحاء والراء المهملتين، بل حِزامٌ بكسر الحاء بالزاي المعجمة، والأنصار بالعكس، والمراد: ضبط ما في هاتين القبيلتين فقط، وإلَّا فقد وقع: حِزام -بالزاي- في خُزَاعَة وبني عامر بن صَعْصَعَة وغيرهما، ووقع حَرَام -بالراء- في خَثْعَم وجُذَام وغيرهما، قاله (ج) (٧).

стр. 812

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقال (هـ) (١): مراد المؤلِّف بالأسماء ما يعمُّ الألقاب والأنساب ونحوها. واعلم أنَّ هذا النوع قسمان: أحدهما -وهو الأكثر-: ما لا ضابط له يُرجَع إليه لكثرته، وإنما يُعْرَف بالنَّقل والحفظ، كأُسَيد وأَسِيد وحِبان وحَيَّان. ثانيهما: ما ينْضَبِط لقلة أحد الشبهتين. ثُمَّ تارةً يراد فيه التعميم، بأنْ يُقال: ليس لهم فلانٌ إلَّا كذا والباقي كذا، وتارةً يراد به التخصيص بالصحيحين والموطأ، بأن يُقال: ليس في الكتب الثلاثة فلان إلَّا كذا. واعلم أنَّ قوله: «سواءٌ كان مَرْجِع الاختلاف النَّقْط» كيَزيد وتَزيد (٢)، «أو الشَّكْل» كأَسِيد وأُسَيد؛ شَمِل جميع أنواع المؤْتَلِف والمُخْتَلف بواسطة جَعْل «أو» فيه لمَنْع الخُلُو لا لمَنْع الجَمْع. فالأول نحو: الحمَّال -بالحاء المهملة وتشديد الميم- لهارون بن عبد الله ابن مروان البغداديِّ. والجَمَّال -بالجيم والميم-[كذلك لغيره، نحو: محمد بن مهران الرازيُّ. وكذلك: الحناط والحباط] (٣)، والخيّاط. الأول -بالحاء المهملة والنون المشددة والطاء المهملة- لعيسى بن أبي عيسى ومسلم بن أبي مسلم، وكذلك يستعمل في كلٍّ منهما، والثاني -بالباء الموحدة المشددة-، والثالث -بالمثناة من تحت المشددة-. والثاني نحو: سلَّام -كلُّه- مثقَّلٌ إلَّا ابن سَلَام الحَبْر، فإنَّه عبد الله بن سَلَام -بالتخفيف-، وإلَّا جَدَّ الجُبَّائيِّ فإنه محمد بن عبد الوهاب بن سَلَام -

стр. 813

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بالتخفيف-، وإلَّا أبا البَيْكَنْدي، أي: والد محمد بن سَلَام بن الفرج. والثالث: حِزام -بالحاء المهملة وبالزاي- في قريشٍ، وحَرام (أ/١٨٣) -بالحاء المهملة المفتوحة والراء المهملة المفتوحة- في الأنصار. ومنه -أيضًا- نحو: بشار ويسار، [الأول] (١) -بالموحدة ثُمَّ المعجمة مشددة-، والثاني -بالمثناة ثُمَّ المهملة مخففة- (٢). وفي كتابة: قوله: «وسواءٌ كان مَرْجِع الاختلاف ... إلخ» أشار إلى ما مَرْجِع الاختلاف فيه النَّقْطُ العراقيُّ (٣) ﵀ بقوله: وَوَصَفُوا الحمَّالَ في الرُّوَاةِ ... هَارُونَ والغَيْرُ بِجِيمٍ يَاتي هذا وقد تقدَّم ما يدلُّ على أنَّ هذا من المُصحَّف والمحرَّف، وعلى هذا فالمُؤْتَلف والمُخْتَلف من جملة المُصَحَّف والمُحَرَّف، ونص ما مَرَّ: وإنْ كانت المخالَفة بتغَيُّر حرفٍ أو حروف مع بقاء صورة الخطِّ في السياق، فإنْ كان ذلك بالنِّسبة إلى النَّقط فالمُصَحَّف، وإنْ كان بالنِّسبة إلى الشَّكل فالمحرَّف، إلى أنْ قال: وقد يَقَع في الأسماء التي في الأسانيد، قال العراقيُّ (٤): وَالْعَسْكَرِيْ وَالدَّارَقُطْنِيْ صَنَّفَا ... فِيْمَا لَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ صَحَّفَا فإن قُلْت (هـ/٢١٤): ما ذَكَرْتَه من أنَّ المُؤْتَلِف والمُخْتَلف من جملة أفراد المُصَحَّف والمحرَّف يخالف قول الشارح: «وقد صَنَّف فيه» أي: في المُؤْتلِف

стр. 814

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والمُختَلِف، «أبو أحمد العسكريُّ لكنَّه أضاف إلى كتاب «التصحيف»»، قُلْتُ: لا يخالِفه؛ لأنَّه أراد بالتصحيف في قوله ذلك التصحيف الخاص، وهو تصحيف السمع، هكذا قيل، وفيه توقفٌ، قاله (ج) (١). [قوله] (٢): «فهو المُؤْتَلِفُ ... إلخ»: حقُّه أنْ يقول فيه: فهو النَّوع الذي يقال فيه المُؤتَلِف والمُختَلِف، لكن تركه لعِلْمِه بالمقايَسة بما قبله. [قوله] (٣): «[ومعرفته] (٤) ... إلخ»: من فوائد معرفته دفع التصحيف. تنبيه: لو قال ابن المَدينيُّ: أكثر التصحيف ما يقع في الأسماء؛ كان أظهر، ولا يخفى أنَّ ما يتمَيَّز بالرواة والمشايخ خارج بقوله: «ولا قَبْله شيءٌ يدلُّ عليه ولا بَعْدَه». [قوله] (٥): «ووَجَّهَهُ ... إلخ»: نُوزع فيه بأنَّه قد يدلُّ عليه ذِكْر الشَّيخ أو التلميذ.

стр. 815

وقَدْ صَنَّفَ فِيهِ أَبو أَحمدَ العسكريُّ، لَكنَّه أَضَافَهُ إِلى كِتَابِ «التَّصْحيفِ» لَهُ. ثمَّ أَفرَدَهُ بالتَّأْليفِ عَبدُ الغَنيِّ بنُ سَعِيدٍ، فَجمَعَ فِيهِ كِتَابَينِ؛ كِتَابًا في «مُشْتَبِهِ الأَسْمَاءِ»، وكِتَابًا في «مُشْتَبِهِ النِّسْبَةِ». وَجَمَعَ شيخُهُ الدَّارقطنيُّ فِي ذَلكَ كِتَابًا حَافِلًا. ثمَّ جَمَعَ الخَطيبُ ذَيلًا. ثمَّ جَمَعَ الجَميعَ: أَبو نَصْرِ بنُ مَاكُولا في كِتَابِهِ «الإِكْمَالِ». وَاسْتَدْرَكَ عَلَيهِم في كِتَابٍ آخَرَ جَمَعَ فيهِ أَوْهَامَهُمْ، وَبيَّنَها. وكِتَابُهُ مِنْ أَجْمَعِ ما جُمِعَ في ذَلكَ، وهُوَ عُمْدةُ كلِّ مُحدِّثٍ بَعْدَه. وقَد استَدْرَكَ عليهِ أَبو بكرِ بنُ نُقطَةَ ما فَاتَه، أو تَجدَّدَ بَعْدَه في مُجلَّدٍ ضَخْمٍ. ثمَّ ذَيَّلَ عَلَيْهِ مَنْصورُ بنُ سَليمٍ -بفَتْحِ السِّينِ- في مُجلَّدٍ لطيفٍ. وكَذلكَ أَبو حامدِ ابْنُ الصَّابونيِّ. وجَمَعَ الذهبيُّ في ذَلكَ كِتابًا مُخْتَصرًا جِدًّا، اعتَمَدَ فِيهِ على الضَّبْطِ بالقَلَمِ، فكَثُرَ فِيهِ الغَلَطُ والتَّصحيفُ المُبايِنُ لمَوْضوعِ الكِتَابِ. وَقَدْ يَسَّرَ اللهُ سبحانه تَعالَى بتَوْضيحِهِ في كِتَابٍ سَمَّيْتُهُ بـ «تَبْصيرَ المُنْتَبِهِ بتَحْريرِ المُشْتَبِهِ»، وهُوَ مُجلَّدٌ واحدٌ، فَضَبَطْتُهُ بالحُرُوفِ على الطَّريقةِ المَرْضِيَّةِ، وَزِدْتُ عَلَيْهِ شيئًا كَثيرًا ممَّا أَهْمَلَهُ، أَو لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ، وللهِ الحَمْدُ عَلَى ذَلكَ. [قوله] (١): «وقد صَنَّف ... إلخ»: أي: وقد صنَّف في المُؤْتَلِف، وفيه تنبيهٌ على خلاف ما اشْتَهَر أنَّ أول من صنف فيه: عبد الغني، ووَجَه ما اشْتَهَر أنَّه أول من صنَّف فيه منفرِدًا.

стр. 816

وإِنِ اتَّفَقَتِ الأسْماءُ خطًّا وَنُطْقًا، واخْتَلَفَتِ الآباءُ نُطْقًا مَعَ ائْتِلافِهَا خَطًّا؛ كمُحمَّدِ بنِ عَقِيلٍ -بفَتْحِ العَيْنِ- ومُحمَّدِ بنِ عُقَيْلٍ -بضَمِّها: الأوَّلُ نَيْسابوريٌّ، والثَّانِي فِرْيابيٌّ، وهُمَا مَشْهورَانِ، وَطَبقتُهُما مُتَقارِبةٌ، أَوْ بالعَكْسِ؛ كَأَنْ تَخْتَلِفَ الأسماءُ نُطْقًا، وتَأْتَلِفَ خَطًّا، وَتتَّفقَ الآبَاءُ خَطًّا وَنُطقًا؛ كشُرَيحِ بنِ النُّعمانِ، وَسُرَيْجِ بْنِ النُّعْمَانِ، الأَوَّلُ بِالشِّينِ المُعْجَمةِ والحَاءِ المُهْملةِ، وهُوَ تَابعيٌّ يَرْوي عَنْ عَليٍّ ﵁، وَالثَّاني بالسِّينِ المُهْمَلَةِ والجِيمِ، وهُوَ مِن شُيُوخِ البُخاريِّ، فهُوَ النَّوعُ الَّذي يُقَالُ لهُ: المُتَشابِهُ. وَكَذا إِنْ وَقَعَ ذَلكَ الاتِّفَاقُ فِي الاسْمِ وَاسْمِ الأبِ، والاخْتِلافُ في النِّسْبَةِ. وقَدْ صَنَّفَ فِيهِ الخَطيبُ كِتابًا جَليلًا، سَمَّاهُ: «تَلْخيصَ المُتَشابِهِ». ثمَّ ذَيَّلَ هُوَ عَلْيهِ أَيضًا بمَا فَاتَه أَوَّلًا، وهُوَ كَثيرُ الفَائدَةِ. وَيَتَرَكَّبُ مِنْهُ وَمِمَّا قَبْلَهُ أَنْواعٌ: مِنْهَا: أَنْ يَحْصُلَ الاتِّفاقُ أَو الاشْتِبَاهُ في الاسْمِ، وَاسْمِ الأبِ مثلًا، إلَّا في حَرْفٍ، أَو حَرْفَيْنِ فأَكْثَرَ، مِنْ أَحَدِهِما، أَوْ مِنْهُما. وَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ: * إِمَّا أَنْ يَكُونَ الاخْتِلافُ بالتَّغْييرِ، مَعَ أَنَّ عَدَدَ الحُرُوفِ ثَابِتٌ في الجِهَتَيْنِ. * أَوْ يَكُونَ الاختِلافُ بالتَّغْييرِ مَعَ نُقْصانِ بَعْضِ الأَسْمَاءِ عن بَعْضٍ. فَمِنْ أَمثِلَةِ الأَوَّلِ: مُحَمَّدُ بنُ سِنَان -بكَسْرِ السِّينِ المُهْمَلَةِ وَنُونَينِ بَيْنَهُما أَلفٌ- وهُمْ جَماعةٌ؛ منهُم: العَوَقيُّ -بفتحِ العَيْنِ والوَاوِ، ثمَّ القَافِ- شَيخُ البُخاريِّ. ومُحمَّدُ بنُ سَيَّارٍ -بفتحِ السِّينِ المُهْملَةِ وتَشْديدِ اليَاءِ التَّحتانيَّةِ وبَعْد الألِفِ رَاءٌ- وهُمْ أيضًا جَماعةٌ؛ منهُم اليَمامِيُّ شيخُ عُمرَ بنِ يُونُسَ. وَمِنْهَا:

стр. 817

مُحمَّدُ بنُ حُنَيْنٍ -بضَمِّ الحَاءِ المُهمَلَةِ ونُونَينِ؛ الأُولَى مَفْتوحةٌ، بَيْنَهما ياءٌ تَحْتانيَّةٌ- تَابعيٌّ و يَرْوي عَن ابْنِ عَبَّاسٍ وغَيْرِهِ. ومُحمَّدُ بنُ جُبَيرٍ -بالجِيمِ، بَعْدها بَاءٌ مُوحَّدةٌ، وآخِرُهُ رَاءٌ- وَهُو مُحمَّدُ بنُ جُبيرِ بنِ مُطْعِمٍ، تَابعيٌّ مَشْهورٌ أَيضًا. [قوله] (١): «[كَمُحمَّد] (٢) بنِ عَقِيلٍ ... إلخ»: ونحو: موسى بن عَليٍّ -بفتح العين-، وموسى بن عُليّ -بضم العين- بن رباح المصريُّ، أمير مصر المشهور، واختلف في سبب ضمِّه؛ فقيل: لأنَّ بني أُميَّة كانت إذا سمعت بمولودٍ اسمه عليٌّ قتلوه؛ فقال أبوه: هو عُليٌّ -بالضم-، وقيل: كان أهل الشام يجعلون كل عَليٍّ عندهم عُليًّا؛ بُغضًا في الإمام عليٍّ ﵁ (٣). [قوله] (٤): «فِرْيَابِيٌّ»: بكسر الفاء وسكون الراء وتحتية فموحدة، إلى الفارياب، ونُسِبَ إليها: «الفريابي» و «الفيريابى» بإثبات ياءٍ أيضًا (٥). [قوله] (٦): «وبِالعَكْسِ»: كأنْ تَخْتَلِف الأسماء نُطقًا وتأتلِف [خطًّا، وتأتَلِف] (٧) أسماء الآباء نُطقًا وخطًّا، فإنْ قُلْتَ: هل يكون هذا من المؤتَلِف المخْتَلِف؛ فيصْدُق عليه حينئذٍ

стр. 818

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كما يَصدُق عليه المتشابه؟ قُلْتُ: الظاهر أنَّه يصْدُق عليه المؤتَلِف والمختَلِف، وأنَّه لا يُعتبَر فيه عَدَم الاتِّفاق في اسم الأب لفظًا وخطًّا حين لا يَصْدُق على المتشابه، ويصدُق المصحَّف والمحرَّف عليه. قوله: «كشُرَيحُ بنُ النُّعْمَانِ، وسُرَيْجُ بنُ النُّعْمَانِ»: كلاهما بوزن المُصغَّر. والأول منهما [بالشين] (١) المعجمة والحاء المهملة، كما قاله الشارح، وهو: شُريح بن النُّعمان الصَّائدِيُّ الكوفيُّ، تابعيٌّ له في السنن الأربعة حديثٌ واحد عن عليِّ بن أبي طالبٍ (٢). والثاني منها بالسين المهملة والجيم، وهو: سُريج بن النُّعمان بن مَرْوان اللؤْلؤيُّ البغداديُّ، روى عنه البخاريُّ وروى له أصحاب السُّنن. [قوله] (٣): «الذي يقال له»: أي: يُطْلَقُ عليه على وجه العَلميَّة الجنسيَّة هذا اللقب، ومن فوائد معرفة هذا النَّوع: الأمن من التصحيف، وظَّنِّ الاثنين واحدًا وهذا النَّوع مُرَكَّبٌ من المؤتَلِف والمُختلِف والمتَّفِق والمًفتَرِق. قوله: «وكذا إنْ وَقَعَ ذلك الاتِّفاق في الاسم واسم الأبِ ... إلخ»: لو قال بدله: وكذا إن وقع الاتفاق في الاسم أو الكنية، والاختلاف نُطقًا في النِّسبة وعكسه؛ لكان شاملًا لبقية أنواع المتشابِه الأربعة، ثُمَّ إنَّ اعتبار الاتِّفاق في

стр. 819

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . اسم الأبِ في هذا خِلاف ما في شرح العراقيِّ، ثُمَّ إنَّه -على ما ذَكَرَه- يتَّفق المتشابِه والمُتفِق والمُفترِق في هذا القسم الأخير في ذلك، وقد جَعَل في الألفيَّة وشرحها المُتشابِه ستة أنواع، فذكر النوعين السابقين، وأشار صاحب الألفية بقوله: «أو نحوه» لبقيتهما، وأشار (أ/١٨٤) الشارح إلى شرحه بقوله: أي: نحو ما ذَكَر، كأن يتفق الاسمان ... إلخ، قاله (ج) (١). [قوله] (٢): «وَيَترَكَّبُ مِنْهُ وممَّا قبله أنواع ... إلخ»: أراد بما قبله: المتَّفِق والمفتَرِق، والمؤتَلِفَ والمختَلِف، [ولا يخفى أنَّه لا يمكِن الجمع بَيْن حقيقة المتَّفِق والمفتَرِق وحقيقة المؤتَلِف والمختَلِف] (٣)، وأمَّا (هـ/٢١٥) الجمع بَيْن الأول منهما وبَيْن المتشابه -أي: بعض أنواعه- فممكن، كأنْ يَتَّفق الراويان في الاسم واسم الأب، وتختلِف النِّسبة كمحمد بن عبد الله المَخْرَمِيُّ والمُخَرَّمِيُّ؛ فإنَّه يصْدُق عليه تعريف المتَّفِق والمفتَرِق، وهذا القسم من المتشابِه، وكذا بَيْنَ الثاني وبعض أنواع المتشابِه المشار إليه بقوله: «وبالعَكْس» كشُريح بن النُّعمان وسُريجُ بن النُّعمان، لكن لا يقال فيما يصْدُق عليه أكثرُ من واحدٍ من هذه الحقائق: إنَّه مركَّبٌ مما يصدق عليه كل واحدٍ منها، وأيضًا قوله: «منها: أنْ يَحْصُل الاتِّفاق والاشتباه في الاسم واسم الأبِ مثلا، إلَّا
следующие страницы →